Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
مكرهًا، أو ناسيًا: لم يحنث (٦٠)، ومن يمتنع بيمينه كزوجة وقرابة إذا قصد منعه كنفسه (٦١)، ومن حلف: لا يأكل طعامًا طبخه زيد فأكل طعامًا طبخه زيد وغيره: حنث (٦٢).
جسده الدار، وتطلق امرأته إذا أكل جميع الرغيف، أما إن أكل بعضه، أو أدخل بعض جسده: فإنه لا يبرأ، ويحنث وتجب عليه كفارة اليمين، ولا تطلق امرأته؛ للتلازم؛ حيث إن اليمين قد تناولت فعل الجميع فيلزم: أنه لا يبرأ إذا فعل بعضه.
(٦٠) مسألة: إذا حلف قائلًا: "والله لآكلن رغيفًا" ثم ترك أكله مكرهًا، أو ناسيًا: فإنه لا يحنث؛ لقاعدتين: الكتاب، والسنة القولية: وقد سبق بيانهما في مسألة (٥٧).
(٦١) مسألة: إذا حلف زوج على زوجته، أو ولده ونحوهما من قرابته بأن لا تخرج من الدار فخرجت منها مكرهة، أو ناسية، أو جاهلة بالحكم: فإنه لا يحنث: سواء كان في، طلاق، أو عتاق أو غيرهما؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج نفسه لا يحنث إذا فعل ذلك مكرهًا، أو ناسيًا، أو مخطئًا أو جاهلًا - كما سبق في مسألة (٥٧) - فكذلك الحال هنا والجامع: وجود العذر في كل.
(٦٢) مسألة: إذا حلف قائلًا: "والله لا آكل طعامًا قد طبخه زيد" فأكل طعامًا طبخه زيد وعمرو: فإنه يحنث؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا قد طبخ نصف الطعام، والنصف يُطلق عليه أنه طعام، وقد أكله فيلزم أن يحنث، وتجب عليه الكفارة، فإن قلت: لا يحنث، وهو قول الشافعي وبعض الحنابلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو حلف أنه لا يلبس ثوبًا قد اشتراه زيد فلبس ثوبًا قد اشتراه زيد وغيره: فإنه لا يحنث، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كل جزء لم ينفرد أحدهما فيه: لا بالشراء، ولا بالطبخ، فلم يحنث قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن نصف الثوب ليس بثوب، بخلاف نصف الطعام: فإنه طعام وقد أكله بعدما=
стр. 2592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طبخه زيد، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
هذه آخر مسائل باب "تعليق الطلاق بالشروط" ويليه باب: "التأويل في الحلف بالطلاق أو غيره".
стр. 2593
باب التأويل في الحلف بالطلاق أو غيره
(ومعناه) أي: معنى التأويل: (أن يريد بلفظه ما) أي: (معنى يخالف ظاهره) أي: ظاهر لفظه كنيته: بنسائه طوالق: بناته ونحوهن (فإذا حلف وتأوّل) في (يمينه: نفعه) التأويل، فلا يحنث (١) (إلا أن يكون ظالمًا) بحلفه: فلا ينفعه التأويل؛ لقوله ﵊: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" رواه مسلم وغيره (٢) (فإن حلَّفه ظالم: ما لزيد عندك شيء، وله) أي: لزيد (عنده) أي: عند الحالف (وديعة
باب التأويل في الحلف بالطلاق أو غيره
وفيه خمس مسائل:
(١) مسألة: المراد بالتأويل هنا: أن يريد بلفظه معنى يخالف ظاهر لفظه، وهو المشهور باسم: "التورية" أو "التعريض" ومثاله: أن يقول: "نسائي طوالق" وهو ينوي ويقصد بهن: بناته، أو غيرهن من قريباته فإنه لا يحنث، فلا تطلق زوجاته، أو يقول: "والله إن زيدًا أخي" وهو يقصد: أنه أخوه في الإسلام فلا يحنث، أو يقول: "والله إني نائم تحت السقف وفوق البساط والفراش، وفوق الأوتاد" وهو يقصد بالسقف: السماء، والبساط والفراش: الأرض، والأوتاد: الجبال فينفعه ذلك التأويل إذا لم يكن ظالمًا، فلا يحنث بذلك كله إذا عناه وقصده ونواه بيمينه؛ للتلازم؛ حيث إن اللفظ يحتمله فيلزم صحة تأويله.
(٢) مسألة: إذا كان الحالف ظالمًا بحلفه ويمينه: فإنه لا ينفعه تأويله مثل: الذي يستحلفه الحاكم على حق عنده، وتكون يمينه منصرفة إلى ظاهر الذي عناه المستحلف؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" وحيث يلزم من ذلك: أنه إذا حلف ظالمًا بحلفه يأثم، ولا ينفعه تأويله؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن الظالم لو نفعه تأويله لأدَّى ذلك إلى جحد حقوق الناس.
стр. 2594
بمكان فـ) حلف و (نوى غيره) أي: غير مكانها، أو نوى غيرها (أو) نوى (بما: الذي): لم يحنث (٣) (أو حلف) من ليس ظالمًا بحلفه: (ما زيد ها هنا ونوى) مكانًا (غير مكانه) بأن أشار إلى غير مكانه: لم يحنث (٤) (أو حلف على امرأته: لا سرقت مني شيئًا، فخانته في وديعة، ولم ينوها) أي: لم ينو الخيانة بحلفه على السرقة: (لم يحنث في الكل)؛ للتأويل المذكور، ولأن الخيانة ليست سرقة، فإن نوى بالسرقة الخيانة، أو كان سبب اليمين الذي هيَّجها الخيانة: حنث (٥).
(٣) مسألة: إذا كان الحالف مظلومًا كأن يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لظلمه، أو ظلم غيره، أو نال مسلمًا منه ضرر: فهذا ينفعه تأويله فمثلًا: لو أن عند زيد لعمرو وديعة ألف ريال مثلًا، فحلف زيد - وهو ظالم - عمرًا قائلًا له - أمام شهود - احلف بالله العظيم: أنه ليس عندي لك شيء، فحلف عمرو على ذلك ونوى غير الوديعة، أو حلف واستثنى تلك الوديعة: فإن عمرًا لم يحنث بذلك؛ للتلازم؛ حيث إن اللفظ يحتمله فيلزم انتفاع المتأول بذلك التأويل بأن لا يحنث به، ويؤيده: أن عمرًا هذا صادق فيما قال ونوى، واستثنى، وفيه دفع الضرر عنه بذلك.
(٤) مسألة: إذا لم يكن الحالف ظالمًا ولا مظلومًا: فإن تأويله لحلفه ينفعه، فمثلًا: لو أن زيدًا كان عند عمرو، فسأل بكر عمرًا قائلًا له: هل عندك زيد؟ فقال عمرو: لم يكن زيد ها هنا وأشار إلى يده، أو مكانًا غير المكان الذي كان زيد موجودًا فيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون اللفظ يحتمل المعنى المأول إليه: انتفاعه به، مع عدم إلحاق الضرر إلى غيره.
(٥) مسألة: إذا حلف على امرأته قائلًا: "أنتِ طالق إن سرقت مني شيئًا" فخانته وأخذت وديعة كانت عندها له، وهو لم ينو الخيانة بحلفه، بل كل ما قصده منعها من السرقة: فإنه لا يحنث، فلا تطلق امرأته، أما إن نوى بالسرقة الخيانة، أو كان سبب ذلك الحلف واليمين هو: أنها خانته بأخذ شيء منه: فإنه يحنث، =
стр. 2595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتطلق امرأته؛ للتلازم؛ حيث إن كون اللفظ يحتمل المعنى الذي أوَّله إليه: التأويل، ويلزم من نيته بالسرقة الخيانة، وأن الخيانة ليست بسرقة؛ إذ يعدم في الخيانة الحرز عادة: فيلزم صحة ذلك التأويل فلا يحنث، فلا تطلق، ويلزم من نيته بالسرقة الخيانة، أو أن سبب ذلك الحلف واليمين هي الخيانة: أن يحنث وأن تطلق إذا خانته؛ لأن النية والقرينة يصرفان اللفظ إلى معنى آخر؛ لقوة دلالتهما.
هذه آخر مسائل باب: "التأويل في الحلف بالطلاق أو غيره" ويليه باب "الشك في الطلاق".
стр. 2596
باب الشك في الطلاق
أي: التردد في وجود لفظه، أو عدده، أو شرطه: (من شك في طلاق أو) شك في (شرطه) أي: شرط الطلاق الذي علق عليه وجوديًا كان أو عدميًا: (لم يلزمه) الطلاق؛ لأنَّه شك طرأ على يقين، فلا يزيله، قال الموفّق: والورع: التزام الطلاق (وإن) تيقن الطلاق و (شك في عدده فطلقة)؛ عملًا باليقين، وطرحًا للشك (١) (وتباح) الشكوك في طلاقها ثلاثًا (له) أي: للشاك؛ لأن الأصل: عدم التحريم (٢)،
باب الشك في الطلاق
وفيه ثنتا عشرة مسألة:
(١) مسألة: إذا شكَّ في وجود لفظ الطلاق بأن شكَّ هل تلفظ بلفظة الطلاق أو لا؟ أو تيقن الطلاق، وشك في عدد الطلقات: بأن شكَّ هل تلفظ بطلقة، أو طلقتين أو ثلاثًا؟ أو شكَّ في شرط الطلاق: بأن يقول لزوجته: "أنتِ طالق إن دخلت الدار" فيشكُّ هل دخلت تلك الدار أو لا؟ أو يشك في نفس الشرط هل اشترط الدخول؟: سواء كان الشرط وجوديًا كالشرط السابق، أو عدميًا كأن يقول لها: "إن لم يقم زيد فأنتِ طالق" فيشك هل قام أو لا؟: فإن الطلاق لا يقع؛ وإن تيقنه، وشك في عدده: فإنها تطلق طلقة واحدة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: إبقاء النكاح؛ حيث إنه متيقن عدم الطلاق، والأصل أيضًا: أنه طلقها مرة واحدة، وما زاد فمشكوك فيه، ولا يزول اليقين بالشك، فنستصحب الأصل، ونعمل عليه، ولا نلتفت إلى الشك، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه راحة المسلم؛ لأن الشكوك كثيرة، لا يمكن حصرها، فلا يُلتفت إليها؛ لئلا تفسد عليه حياته.
(٢) مسألة: إذا شكَّ هل طلق امرأته واحدة أم ثلاثًا؟: فإنه يبني على ما تيقنه، وهو أنه طلقها واحدة، وتباح له مراجعتها بدون زوج آخر؛ للاستصحاب؛ حيث إن=
стр. 2597
ويُمنع من حلف لا يأكل ثمرة معيّنة، أو نحوها اشتبهت بغيرها من أكل ثمرة مما اشتبهت به، وإن لم نمنعه بذلك من الوطء (٣) (فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق) ونوى معيّنة: (طلقت المنوية)؛ لأنَّه عينها بنيته، فأشبه ما لو عينها بلفظه (وإلا) ينو معينة: طلقت (من قرعت) لأنَّه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عينًا: فشرعت القرعة؛ لأنها طريق شرعي؛ لإخراج المجهول (٤) (كمن طلَّق إحداهما) أي: إحدى
الواحدة متيقنة وما زاد عليها مشكوك فيه، فنعمل على المتيقن فقط استصحابًا له، وهذا كله بناء على أن الأصل بقاء النكاح، وعدم التحريم.
(٣) مسألة: إذا حلف قائلًا: "والله لا آكل تمرة معينة" ثم اختلطت بتمر قليل واشتبهت به: فإنه يمنع من أكل ذلك التمر، بخلاف ما لو اشتبه عليه الأمر هل طلَّق واحدة أو ثلاثًا؟: فإنه لا يُمنع من وطء زوجته؛ ليراجعها بذلك؛ للتلازم؛ حيث إن احتمال أكله للتمرة المحلوف عليها: يلزم منه: المنع من أكل كل التمر، ويلزم من الاشتباه والشك في الطلاق هل هو واحدة أو ثلاثًا؟ عدم منعه من الوطء؛ لأن اليقين لا يزول بالشك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه في صورة التمرة قد منع؛ للاحتياط لدينه دون ضرر يلحقه، ولم يمنع في سورة الوطء؛ لئلا يعمل بالشكوك فتفسد عليه حياته.
(٤) مسألة: إذا قال زوج لزوجتيه: "إحداكما طالق" ففي ذلك حالتان: الحالة الأولى: إن كان قد نوى واحدة بعينها: فإنها تطلق تلك المعينة بالنية؛ للقياس؛ بيانه كما أنه لو عيّن إحدى زوجتيه بلفظه: فإنها تطلق فكذلك إذا عينها بنيته: تطلق، والجامع: التعيين في كل، الحالة الثانية: إن كان لم ينو واحدة بعينها: فإنه تستعمل القرعة في ذلك، فأيهما التي وقعت عليها القرعة تكون هي المطلقة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم معرفة المطلقة عينًا بلفظ أو نية: أن تعرف عن طريق القرعة؛ حيث إن الشارع قد جعل القرعة طريقًا إلى الحكم الشرعي ومعرفة المجهول وفعلها النبي ﷺ الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا، وابن =
стр. 2598
زوجتيه (بائنًا ونسيها) فيقرع تقدم (٥) بينهما؛ لما وتجب نفقتهما إلى القرعة (٦)، وإن مات: أقرع ورثته (٧) (وإن تبين) للزوج بأن ذكر (أن المطلقة) المعيّنة المنسية (غير التي قرعت: رُدَّت إليه) أي: الزوج؛ لأنها زوجته لم يقع عليها منه طلاق بصريح، ولا كناية (ما لم تتزوج) فلا ترد إليه؛ لأنَّه لا يقبل قوله في إبطال حق غيره (أو) ما لم (تكن القرعة بحاكم)؛ لأن قرعته حكم فلا يرفعه الزوج (٨) (وإن قال) لزوجته: (إن
عباس قد عملا بالقرعة في رجل طلق إحدى نسائه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن استعمال القرعة فيه معرفة الحكم عن طريق القضاء والقدر، فيكون الحكم به شرعيًا قدريًا كما قال ابن القيم.
(٥) مسألة: إذا طلق رجل إحدى زوجتيه بائنًا، ثم نسي المطلَّقة: فإنه يستعمل القرعة في بيان عين المطلقة للتلازم؛ وقد بيّناه بالتفصيل في مسألة (٤)،
(٦) مسألة: إذا طلق رجل إحدى زوجتيه بائنًا، ولم تعرف المطلقة، فإنه تستعمل القرعة لمعرفة عين المطلقة - كما سبق في مسألة (٤ و ٥) - وتجب نفقة الزوجتين على الزوج إلى تمام القرعة، ثم تعزل المطلقة البائن بالقرعة، فلا ينفق عليها؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء كل واحدة في نكاحها مثل الأخرى، وطلاق إحداهما مشكوك فيه، فنعمل بالأصل، وهو الإنفاق عليهما؛ لأن النفقة لا تسقط بالشك.
(٧) مسألة: إذا طلَّق زوج إحدى زوجتيه بائنًا ثم مات زوجهما، ولم تعلم عين المطلقة، فإن ورثته يستعملون القرعة، فمن أصابتها القرعة فهي المطلقة، فلا ترث؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج يستعمل القرعة فكذلك ورثته مثله في ذلك، والجامع: بيان المطلقة في كل.
(٨) مسألة: إذا طلَّق زوج إحدى زوجتيه بائنًا، ثم نسي المطلقة، ثم أقرع بينهما، فخرجت إحداهما بالقرعة، ثم تذكَّر أن التي خرجت بالقرعة ليست مطلقة: فإنها تردُّ إليه بأحد شرطين: أولهما: أن لا تكون قد تزوجت ثانيهما: أن لا تكون=
стр. 2599
كان هذا الطائر غرابًا: ففلانة) أي: هند مثلًا (طالق، وإن كان حمامًا: ففلانة) أي: حفصة مثلًا طالق (وجهل) الطائر: (لم تطلقا)؛ لاحتمال كون الطائر ليس غرابًا، ولا حمامًا (٩)، وإن قال: إن كان غرابًا: ففلانة طالق، وإلا: ففلانة، ولم يعلم: وقع بإحداهما، وتعيَّن بقرعة (١٠) (وإن قال لزوجته، وأجنبية اسمها هند: إحداكما) طالق: طلقت امرأته (أو) قال لهما: (هند طالق طلقت امرأته)؛ لأنَّه لا يملك طلاق غيرها وكذا: لو قال لحماته ولها بنات: "بنتك طالق": طلقت زوجته (وإن قال: أردتُ الأجنبية) دُيِّن، لاحتمال صدقه؛ لأن لفظه يحتمله، و (لم يُقبل) منه (حكمًا)؛ لأنَّه
القرعة قد تمَّت تحت نظر حاكم - وهو القاضي -، فإن تزوجت أو حكم بالقرعة حاكم: فلا ترد إليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون من تذكر أنه لم يطلقها: ردُّها إليه؛ لكونها زوجته لم يقع عليها طلاق بلفظ صريح، ولا بلفظ كناية، ويلزم من تزوجها بعده: عدم ردِّها إليه؛ لأنَّه لا يقبل قوله في إبطال حق غيره وهو الزوج الآخر، ويلزم من حكم الحاكم بالقرعة: عدم ردّها إليه؛ لأن حكم الحاكم لا ينقضه الزوج.
(٩) مسألة: إذا قال الزوج لزوجتيه - هند، وحفصة -: "إن كان هذا الطائر غرابًا: فهند طالق، وإن كان حمامًا فحفصة طالق" وجُهل: فلم يُعلم هل هو غراب أو حمام أو غيرهما؟ فإنهما لا تطلقان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من احتمال أن الطائر ليس غرابًا ولا حمامًا: عدم وقوع الطلاق؛ ويلزم من تيقنه الحل والنكاح والشك في المعلق عليه الطلاق: عدم وقوع الطلاق؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
(١٠) مسألة: إذا قال زوج لزوجتيه - هند وحفصة -: "إن كان هذا الطائر غرابًا: فهند طالق، وإن لم يكن غرابًا فحفصة طالق" ولم يعلم هل هو غراب أم لا؟: فإن الطلاق يقع بإحداهما، وتُعيَّن الطالق منهما بواسطة القرعة؛ للتلازم؛ حيث لا سبيل إلى معرفة المطلقة بعينها إلا بالقرعة الشرعية التي تخرج المجهول كما قلنا ذلك في مسألتي (٤ و ٥).
стр. 2600
خلاف الظاهر (إلا بقرينة) دالة على إرادة الأجنبية مثل أن يدفع بذلك ظالمًا، أو يتخلَّص به من مكروه، فيقبل؛ لوجود دليله (١١) (وإن قال لمن ظنها زوجته: "أنتِ
(١١) مسألة إذا كان لزيد زوجة اسمها حفصة، وجلست معها امرأة أجنبية عنه اسمها هند، فقال زيد موجهًا الخطاب إليهما معًا: "إحداكما طالق"، أو قال: "هند طالق"، أو كان اسم الأجنبية حفصة أيضًا فقال لهما: "حفصة طالق" أو قال لحماته - وهي أم زوجته ولها بنات -: "بنتكِ طالق" ففي ذلك حالات ثلاث:
الحالة الأولى: إن لم يتبيَّن منه، أو تدلُّ قرينة على أنه أراد بذلك الأجنبية - هند - أو بنات حماته غير حفصة: فإن زوجة زيد - وهي حفصة تطلق في الصور الأربع السابقة؛ للتلازم؛ حيث إن توجيه الكلام إلى امرأتين: إحداهما زوجته، أو إلى اسم، وزوجته مسماة بذلك، أو إلى حماة: إحدى بناتها زوجته يلزم منه أن يصرف هذا الكلام - وهو الطلاق - إلى زوجته؛ لكونه لا يملك إلا طلاق امرأته، ولأنه لو لم يصرف إليها: لوقع لغوًا، وهذا مخالف للأصل، وهو اعتبار كلام المكلف، دون إلغائه الحالة الثانية: إن بيَّن بلفظه وقال: "أردتُ بذلك الطلاق الأجنبية": فلا يُقبل منه في حكم الشرع إذا ترافعا إلى القاضي، ولكنه يُجعل ذلك فيما بينه وبين الله: فإن كان صادقًا: لا يقع طلاق على زوجته - حفصة - فيجامعها، وهذا راجع إلى قصده ونيته، وذمَّته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أن اللفظ ظاهر في طلاق امرأته - في تلك الصور -: عدم قبول قوله: "أردتُ بالطلاق الأجنبية -؛ لأنَّه خلاف الظاهر، ويلزم من أن اللفظ يحتمل؛ حيث لم يصرح بطلاق امرأته ولا نواه: أن يجعل ذلك فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقًا: فلا تطلق. الحالة الثالثة: إن وجدت قرينة دالة على أنه أراد الأجنبية بالطلاق كأن يدفع بذلك القول ظلم ظالم، أو يتخلَّص من مكروه فإن قوله: "أردتُ بالطلاق الأجنبية" يقبل في حكم الشرع عند القاضي، ولا تطلق امرأته؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من وجود دليل صارف للطلاق من زوجته إلى الأجنبية: =
стр. 2601
طالق": طلقت الزوجة)؛ لأن الاعتبار في الطلاق بالقصد، دون الخطاب (وكذا: عكسها): بأن قال لمن ظنها أجنبية: "أنتِ طالق" فبانت زوجته: طلقت؛ لأنَّه واجهها بصريح الطلاق (١٢).
أن لا تطلق زوجته.
(١٢) مسألة: إذا قال زوج هند لفاطمة: "أنتِ طالق" وهو يظنها زوجته، أو قال هذا الزوج لهند: "أنتِ طالق" وهو يظنها أجنبية عنه، فبانت أنها زوجته: فإن هندًا زوجته لا تطلق في الصورتين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مخاطبته بالطلاق فاطمة وهي غير زوجته - هند -: عدم وقوع الطلاق على زوجته، هذا في الصورة الأولى، ويلزم من قصده الأجنبية بالطلاق: عدم وقوع الطلاق على زوجته، لكونه لم يقصدها ولم يردها بذلك كسبق اللسان إلى ما لم يرد، هذا في الصورة الثانية، فإن قلت: بل يقع الطلاق على زوجته - هند - في الصورتين، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه في الصورة الأولى قصد زوجته: فيلزم وقوع طلاقها؛ لأن الاعتبار في الطلاق بالقصد، دون الخطاب، وأنَّه في الصورة الثانية قد واجه زوجته بصريح الطلاق فيلزم وقوع طلاقها؛ عملًا الطلاق قلتُ: إن مخاطبة غير زوجته بلفظ الطلاق، وظن الزوج أنها أجنبية عنه له أثره في وقوع الطلاق على زوجته وعدمه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض التلازمين".
هذه آخر مسائل باب: "الشك في الطلاق" ويليه باب: "الرجعة".
стр. 2602
باب الرَّجعة
وهي: إعادة مطلَّقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد (١)، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على: أن الحر إذا طلَّق دون الثلاث، والعبد دون اثنتين: أن لهما الرجعة في العدة (من طلَّق بلا عوض زوجته) بنكاح صحيح (مدخولًا بها أو مخلوًا بها، دون ما له من العدد) بأن طلَّق حر دون ثلاث، وعبد دون ثنتين: (فله) أي: للمطلِّق: حرًا كان أو عبدًا، ولوليه إذا كان مجنونًا: (رجعتها) ما دامت في (عدتها، ولو كرهت)؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ وأما من طلق في نكاح فاسد، أو بعوض، أو خالع، أو طلق قبل الدخول والخلوة: فلا رجعة، بل يُعتبر عقد بشروطه، ومن طلَّق نهاية عدده: لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره وتقدم ويأتي (٢)، وتحصل الرجعة (بلفظ: "راجعت امرأتي" ونحوه) كارتجعتها، ورددتها،
باب الرَّجعة
وفيه ست عشرة مسألة:
(١) مسألة: الرجعة: "إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه من الزوجية إذا كانت في العدة بغير عقد نكاح" والمراد: أن الزوج إذا طلق زوجته بنكاح صحيح طلقة واحدة، أو طلقتين ولم تنقضي عدتها: فإنه يحق له أن يُعيدها إلى ما كانت عليه من الزوجية بغير عقد نكاح، ولا إشهاد، ولا، ولي، ولا صداق، ولا رضى المرأة ولا علمها - كما سيأتي بيانه -.
(٢) مسألة: إذا طلق زوج زوجته: فإنه يحل له رجعتها ما دامت في عدة الطلاق بدون عقد نكاح: سواء كانت راضية أو كارهة بشروط أربعة: أولها: أن يكون الطلاق بلا عوض، ومخالعة، ثانيها: أن يكون نكاحهما السابق - قبل الطلاق - نكاحًا صحيحًا، ثالثها: أن يكون الزوج قد دخل بزوجته، أو اختلى بها قبل طلاقها، رابعها: أن يطلق الحر طلقتين، وأن يطلق العبد طلقة، فإن كان الطلاق بعوض، =
стр. 2603
وأمسكتها، وأعدتها، و (لا) تصح الرجعة بلفظ (نكحتها ونحوه) كتزوجتها؛ لأن ذلك كناية، والرجعة: استباحة بضع مقصود، فلا تحصل بالكناية (٣) (ويسن الإشهاد) على
وعن طريق خلع، أو كان أصل نكاحهما فاسدًا، أو لم يدخل الزوج بزوجته ولم يخل بها، أو كان قد طلق الحر ثلاث طلقات، أو العبد قد طلق طلقتين: فلا تجوز الرجعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ حيث بينت الآية أن الزوج المطلق أولى بإرجاع مطلقته في حال العدة وهذا عام على الأحوال: أي سواء كانت راضية، أو كارهة؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث أمر الرسول ﷺ ابن عمر بمراجعة امرأته؛ حيث قال: "مره فليطلقها" حيث إنه خاطب في الكتاب والسنة الزوج بمراجعتها، ولم يجعل لهن اختيارًا، فلزم منه: أن يراجعها في العدة: سواء كانت راضية أو كارهة، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن الحر إذا طلق امرأته دون الثلاث، أو العبد إذا طلق امرأته واحدة: فإنه لهما الرجعة، الرابعة: التلازم؛ حيث إن كون الطلاق بعوض، وكون النكاح فاسدًا، وكونه قد طلقها وهو لم يدخل ولم يخل بها وكون الحر قد طلق ثلاثًا، والعبد قد طلق طلقتين يلزم منها: أن تكون تلك المرأة قد بانت منه، والبائن لا يمكن رجعتها: سواء كانت في العدة أو لا.
(٣) مسألة: الألفاظ الصريحة التي تحصل بها الرجعة أن يقول الزوج: "راجعت امرأتي" أو "ارتجعتها" أو"رجَّعتها" أو "رددتها" أو "أمسكتها"، والألفاظ الكناية هي: "نكحتها" و"تزوجتها"؛ لقاعدتين: الأولى: الاستقراء؛ حيث إن تلك الألفاظ الصريحة قد اشتهرت في الكتاب والسنة، وألسنة الصحابة بأن المقصود منها: إرجاع الزوج لزوجته بعد طلاقها: حيث قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِالمَعْرُوفٍ﴾ وقال ﵇: "مره فليراجعها" واشتهار ذلك كاشتهار اسم الطلاق في أن المقصود منه: مفارقة الزوج لزوجته، الثانية: =
стр. 2604
الرجعة، وليس شرطًا فيها؛ لأنها لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر إلى إشهاد (٤)، وجملة
القياس؛ بيانه: كما أن الأجنبية تباح بلفظ: "نكحتكِ" و "تزوجتكِ" فمن باب أولى أن تباح الرجعية بهذين اللفظين، ولكنهما يُعتبران كناية عن الرجعة، فيشترط فيهما نية الرجعة؛ لأن الكنايات تُشترط لها النية مثل كنايات الطلاق - وقد سبق -، فإن قلت: لا تصح الرجعة بلفظ "نكحتها" و "تزوجتها" وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن النكاح لا يحصل بالكناية، فكذلك الرجعة لا تحصل بالكناية، والجامع: أن المقصود من كل منهما: استباحة بضع مقصود قلتُ: إذا نوى بالكناية ما يريده من رجعة، ونكاح، وزواج: فإنه يتم له ما أراده؛ لأن النية كاللفظ في العمل، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياسين".
(٤) مسألة: لا يُشترط في الرجعة: أن يُشهد الزوج عليها، ولا يجب ذلك، فإذا أراد الزوج أن يراجع زوجته فليراجعها، بدون إشهاد، ولكن يُستحب أن يُشهد، للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج إذا أراد حقًا من حقوقه من زوجته فلا يُشترط الاشهاد على ذلك فكذلك الرجعة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما لا يحتاج إلى قبول منها؛ فإن قلتَ: لِمَ استحب الإشهاد هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدين فإن قلتَ: يُشترط الإشهاد في الرجعة وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ حيث أوجب الإشهاد على الإمساك - وهو الرجعة -؛ لأن الأمر في قوله: "وأشهدوا" مطلق وهو يقتضي الوجوب قلت: إن الأمر في الآية للاستحباب، والذي صرفه من الوجوب إلى الاستحباب: أن الأمر بالإشهاد قد ورد بعد قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ حيث يرجع إلى أقرب مذكور يقينًا، ومعلوم أن الإشهاد على المفارقة والطلاق لا يجب، فكذلك ما قبله وهو قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ بطريق الأولى، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه:
стр. 2605
ذلك: أن الرجعة لا تفتقر إلى ولي، ولا صداق، ولا رضى المرأة، ولا علمها (٥) (وهي) أي: الرجعية (زوجة) يملك منها ما يملكه ممن لم يطلقها و (لها) ما للزوجات من نفقة، وكسوة، ومسكن (وعليها حكم الزوجات) من لزوم مسكن ونحوه (لكن لا قسم لها) فيصح أن تطلق، وتلاعن، ويلحقها ظهاره، وإيلاؤه، ولها أن تتشرف له وتتزين، وله السفر والخلوة بها، ووطؤها (٦) (وتحصل الرجعة أيضًا بوطئها) ولو لم ينو
"الخلاف في الأمر الوارد في الآية هل هو على إطلاقه، أو وجد صارف له من الوجوب إلى الندب؟ " فعندنا: الثاني، وعندهم: الأول.
(٥) مسألة: الرجعة لا تحتاج ولا تفتقر إلى ولي، ولا صداق، ولا رضى المرأة، ولا علمها، أي تصح الرجعة بدون ولي المرأة، وبدون أن يدفع الزوج لها صداقًا، وبدون أن ترضى، وبدون أن تعلم؛ للتلازم؛ حيث إن كون حكم الرجعية حكم الزوجات وأن الرجعة عبارة عن إمساك للمطلقة، واستبقاء لنكاحها، فيلزم من ذلك: صحة الرجعة بدون الولي، والصداق، ورضاها، وعلمها، ولذلك سمى الشارع الرجعة إمساكًا، وردًّا فقط، فإن قلتَ: لِمَ لَمْ يجب الإشهاد، والولي، والصداق، ورضاها، وعلمها عند الرجعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير مراجعة الزوج لمن طلقها؛ حثًا على جمع الأسرة وعدم التفرق؛ إذ لو وجب الإشهاد، والولي، والصداق، ورضاها، وعلمها: لشقّ على أكثر الناس مراجعة النساء اللائي قد طلقوهن.
(٦) مسألة المطلَّقة الرجعية في مدَّة العدة تعتبر زوجة: لها ما للزوجات: من نفقة، وكسوة، ومسكن، ويملك مطلقها منها ما يملكه ممن لم يطلقها، وعليها حكم الزوجات: من لزوم مسكنه، وطاعته، وعدم الخروج إلا بإذنه، ونحو ذلك مما يجب على الزوجات، ويرث كل واحد من الزوج وطليقته الآخر إذا مات أحدهما قبل الآخر في مدة العدة، ولها أن تتعرض له بالتجمل والزينة، وتُريه نفسها، كما تفعل الزوجات، وله الحق بأن يُسافر بها، والخلوة بها وله أن يجامعها متى =
стр. 2606
به الرجعة (٧) (ولا تصح معلَّقة بشرط) كإذا جاء رأس الشهر فقد راجعتكِ، أو كلما
ما شاء، ويصح أن تطلق مرة ثانية، وتلاعن، ويلحقها ظهاره، وإيلاؤه، وله مخالعتها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ فأطلق على من طلق بعلًا وزوجًا فيكون له عليها حقوق الزوج؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن تلك الأحكام ثابتة للزوجة التي لم تطلق، فكذلك تثبت للزوجة المطلقة طلاقًا رجعيًا قبل مضي عدة الطلاق، والجامع: أن كلا منهما توطأ بدون عقد ولا إشهاد، ولا صداق، ولا رضاها.
[فرع]: المطلقة الرجعية لا يجب على مطلِّقها أن يقسم لها ليلة؛ للتلازم؛ حيث إنه قد أبرأ ذمته منها، فطلَّقها، بخلاف من لم يطلقها فيلزم: عدم وجوب القسم لها؛ لئلا تساوى بمن لم يطلقها.
(٧) مسألة: تحصل الرجعة بوطء وجماع الزوج لتلك المطلقة الرجعية إذا نوى وقصد بهذا الجماع الرجعة إليها؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشخص لو باع أمة فجامعها في مدة الخيار ناويًا إبطال البيع فإنه يُعتبر إبطالًا للبيع، فكذلك إذا جامع الزوج المطلقة الرجعية ناويًا الرجعة فإن هذا يُعتبر رجعة، وإبطالًا لطلاقها والجامع: أن كلًّا منهما تصرُّف من مالك يمنع عمله، ثانيهما: كما أن الموكل شخصًا آخر لطلاق امرأته: فإنه يبطل هذا التوكيل إذا جامع تلك المرأة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما قد قصد إبطال عمله، فإن قلت: إذا جامع الرجعية: فإن الرجعة تحصل ولو لم ينو به الرجعة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه عمل لا يقوم به إلا زوج فيلزم من وطئها: إعادتها كزوجة لم تُطلَّق قلتُ: إن كل عمل لا يتم ولا يصح إلا بنية وقصد؛ لعموم قوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" فأيُّ عمل لم يُنو به حكم شرعي: فلا يصح أن يكون شرعيًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس".
стр. 2607
طلَّقتكِ فقد راجعتكِ، بخلاف عكسه فيصح (٨) (فإذا طهرت) المطلقة رجعيًا (من الحيضة الثالثة ولم تغتسل: فله رجعتها) روي عن عمر وعلي، وابن مسعود ﵃؛ لوجود أثر الحيض المانع للزوج من الوطء (٩)، فإن اغتسلت من حيضة ثالثة، ولم يكن قد ارتجعها: لم تحل إلا بنكاح جديد، وأما بقية الأحكام من قطع الإرث، والطلاق، واللعان، والنفقة وغيرها: فتحصل بانقطاع الدم (وإن فرغت عدّتها قبل رجعتها: بانت، وحرمت قبل عقد جديد) بولي، وشاهدي عدل؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في العدة (١٠) (ومن طلَّق دون ما يملك): بأن
(٨) مسألة: لا تصح الرجعة وهي معلقة بشرط، فمثلًا: لا يصح أن يقول الزوج لزوجته: "إذا جاء رأس الشهر فقد راجعتكِ" أو "كلما طلقتك فقد راجعتكِ"؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح أن يقول: "إذا جاء رأس الشهر فقد تزوجتك ونكحتكِ" فكذلك لا ذلك في الرجعة، والجامع: أن كلًّا منهما فيه استباحة فرج مقصود، فلا يصح إلا ناجزًا.
[فرع]: إذا عكس ما سبق قائلًا: "كلما راجعتكِ فقد طلقتكِ": فإنه يصح التعليق؛ للتلازم؛ حيث إن هذا تعليق طلاق بصفة، وقد سبق بيان صحته.
(٩) مسألة: إذا انقطع دم الحيضة الثالثة، ولم تغتسل منها، أو بدأت بالاغتسال ولم تكمله: فإن للزوج مراجعتها؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن وجود أثر الحيض المانع للزوج من الجماع والوطء يلزم منه: أن مراجعتها وهي لم تكمل الاغتسال من الحيضة الثالثة صحيحة الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن عمر، وعلي وابن مسعود، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس وتوسعة عليهم.
(١٠) مسألة: إذا انقضت عدة المطلقة الرجعية - بأن اغتسلت من الحيضة الثالثة - وهو لم يرتجعها: فإنها تكون بائنًا - بينونة صغرى - وتحرم عليه، وينقطع التوارث بينهما، ولا يحق له أن يطلقها، ولا يلاعنها، ولا تجب عليه نفقتها ولا =
стр. 2608
طلَّق الحر واحدة، أو ثنتين، أو طلَّق العبد واحدة (ثم راجع) المطلقة رجعيًا (أو تزوج) البائن: (لم يملك) من الطلاق (أكثر مما بقي) من عدد طلاقه: (وطئها زوج غيره أو لا)؛ لأن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق كوطء السيد، بخلاف المطلقة ثلاثًا إذا نكحت من أصابها، ثم فارقها، ثم عادت للأول فإنها تعود على طلاق ثلاث (١١).
كسوتها، ولا إسكانها، ولا تتزين له، ولا يلحقها ظهاره، ولا إيلاؤه، ولا مخالعتها، وإذا أراد أن يراجعها فلا بد من عقد جديد، وشهود، وصداق، وولي، ورضاها، وعلمها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ حيث دل منطوق ذلك على أنه من حق الزوج أن يرد مطلقته الرجعية ما دامت في العدة، ودل مفهوم الصفة على أنه لا يحق له أن يرد مطلقته بعد فراغ عدة الطلاق إلا بعقد جديد، لانتهاء فترة العدة التي كانت بمثابة مهلة الخيار للزوج الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن المرأة إذا طلَّقها زوجها فلم يرتجعها حتى انقضت عدّتها أنها تبين منه، فلا تحل له إلا بنكاح جديد.
(١١) مسألة: المطلقة لها ثلاث حالات إذا أعادها زوجها - من حيث ملكية ما بقي من الطلقات، أو عودها على الثلاث - الحالة الأولى: أن يُطلِّق الحر طلقة واحدة، أو طلقتين، أو يطلق العبد طلقة ثم يعود إليها ويرتجعها وهي في عدّتها أو بعد العدة بنكاح جديد قبل أن تتزوج بزوج آخر: فإن هذه تعود إليه على ما بقي من طلاقها، أي: لم يملك أكثر مما بقي له؛ من عدد الطلقات: فإن كان الحر قد طلقها واحدة بقي له ثنتان وإن كان قد طلقها ثنتين فإنه قد بقي له واحدة ولم يبق للعبد إلا طلقة واحدة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، الحالة الثانية: أن يطلق الحر زوجته ثلاث طلقات، ويطلق العبد زوجته طلقتين، فتنكح تلك المرأة زوجًا غيره ويطأها، ثم تطلق منه، ثم يتزوجها الأول: فإنها تعود بطلقات =
стр. 2609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثلاث، فيكون كأنه لم يتزوجها من قبل: أي: يملك ثلاث طلقات؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، الحالة الثالثة: أن يطلقها الحر طلقة واحدة أو ثنتين، ويطلقها العبد، واحدة، ثم تتزوج بزوج آخر ثم يطأها، ثم يطلقها، ثم يتزوجها الزوج الأول: فإنها تعود على ما بقي من الطلقات، أي: لا يملك أكثر مما بقي له من عدد الطلقات: فإن كان قد طلقها واحدة فيبقى له ثنتان، وإن كان قد طلقها ثنتين فإنه يبقى له واحدة، وإن طلقها العبد: فإنه يبقى له واحدة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الزوج لو طلَّق أمة ثلاثًا ثم وطئها سيدها، فإنها لا تحل للزوج الأول الذي طلقها بسبب وطء سيدها لها، بل لا بد من وطء زوج آخر مثل الأول، فكذلك الحال هنا لا يؤثر وطء زوج غير الأول في تغيير عدد الطلقات، فالحكم باق على ما هو عليه والجامع: أن كلًّا من وطء السيد لأمته، ووطء الزوج الآخر بعد طلاق الرجل امرأته دون الثلاث غير محتاج إليهما في الإحلال للزوج الأول، ولا يؤثران. ثانيهما: كما أنه لو رجع إليها قبل زواجها بالثاني: "تعود على ما بقي من الطلقات - كما في الحالة الأولى - فكذلك الحالة هذه، والجامع: أن كلًّا منهما تزويج قبل استيفاء الثلاث، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن عمر، وعلي، وأُبي، ومعاذ، وعمران بن الحصين، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص فإن قلتَ: بل ترجع إليه على طلاق ثلاث، وهو رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن وطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث - كما في الحالة الثانية - فكذلك يهدم ما دون الثلاث من باب أولى، والجامع: أن كلًّا منهما قد تزوجت بزواج ثان الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن ابن عباس، وابن عمر. قلتُ: أما القياس: فهو فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ حيث إن المرأة إذا طلقت ثلاثًا لا تحل له إلا بعد زوج آخر =
стр. 2610
(فصل): (وإن ادَّعت) المطلقة (انقضاء عدّتها في زمن يمكن انقضاؤها) أي: عدتها (فيه، أو) ادَّعت انقضاء عدتها (بوضع الحمل الممكن، وأنكره) أي: أنكر المطلِّق انقضاء عدتها: (فقولها)؛ لأنَّه أمر لا يُعرف إلا من قبلها، فقبل قولها فيه (وإن ادّعته) أي: انقضاء العدة (الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة) أو ادَّعته أمة في أقل من خمسة عشر يومًا ولحظة: (لم تسمع دعواها)؛ لأن ذلك أقل زمن يمكن انقضاء العدة فيه، فلا تسمع دعوى انقضائها فيما دونه، وإن ادَّعت انقضاءها في ذلك الزمن: قبل ببينة، وإلا فلا؛ لأن حيضها ثلاث مرات فيه يندر جدًا (١٢)
كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والحل يثبت في محل فيه تحريم، وهي المطلقة ثلاثًا، بخلاف المطلقة واحدة، أو اثنتين فهي حلال، أي: يحل أن يرجع إليها بدون زوج آخر، فلا يثبت فيها حل، ومع الفرق: فلا قياس، أما قول الصحابي: فلا يصح؛ لأنَّه معارض بقول صحابي آخر - كما سبق - فيتساقطان، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وأيضًا: تعارض أقوال الصحابة".
(١٢) مسألة: إذا طلق زوج زوجته، ثم أراد أن يرتجعها في عدتها، فادَّعت: أن عدّتها قد انقضت بالاغتسال من الحيضة الثالثة، أو بوضع حملها، وأنكر المطلق ما قالته من كون عدتها قد انقضت بذلك ولا بيّنة لهما: فإنه يُقبل قولها، بدون يمين ويحكم بانقضاء عدتها، فلا يتزوجها إلا بعقد جديد وغيره مما يلزم في كل زواج ابتداء - كما قلنا في مسألة (١٠) - ولكن ذلك بشرط: أن يكون انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، ووضع حملها الممكن، أما إن لم يمكن ذلك بأن مضى لها شهر فأقل من وقت طلاقها وادعت انقضاء عدّتها: فلا يُقبل ذلك منها إلا ببيِّنة؛ القاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه كما أن المسلم إذا عبَّر بكناية الطلاق أو نحو ذلك مما لا يعرف إلا من جهة نيته وقصده: فإنه يقبل قوله ونيته وقصده فيه بدون يمين، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما أمر لا يعرف إلا من=
стр. 2611
(وإن بدأته) أي: بدأت الرجعية مطلقها (فقالت: انقضت عدّتي) وقد مضى ما يمكن انقضاؤها فيه (فقال) المطلِّق: (كنتُ راجعتكِ): فقولها؛ لأنها منكرة، ودعواه الرجعة بعد انقضاء العدّة: لا تقبل إلا ببيِّنة: أنه كان راجعها قبل، وكذا: لو تداعيا معًا، ومتى رجعت قبل كجحد أحدهما النكاح، ثم يعترف به (أو بدأها به) أي: بدأ الزوج بقوله: "كنتُ راجعتكِ" (فأنكرته) وقالت: "انقضت عدتي قبل رجعتكِ": (فقولها) قاله الخرقي قال في "الواضح" - في الدعاوي -: نص عليه وجزم به أبو الفرج الشيرازي، وصاحب "المنور"، والمذهب في الثانية: القول قوله كما في "الإنصاف" وصححه في "الفروع" وغيره، وقطع به في "الإقناع" و "المنتهى (١٣).
جهة المدَّعي، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم إمكان انقضاء عدتها بما ادَّعته: عدم قبول دعواها، ويلزم من كون الحيض يكون في الشهر الواحد ثلاث مرات نادرًا جدًا: أن لا تقبل دعواها في ذلك إلا ببيِّنة؛ لكون كذبها يغلب على الظن هنا.
(١٣) مسألة: إذا طلق زوج زوجته، فقالت هي - ابتداءً - له: "قد انقضت عدَّتي"، فقال المطلِّق: "كنتُ قد راجعتكِ" أو هو قال لها - ابتداءً -: "كنتُ قد راجعتكِ" فأنكرت هي ذلك وقالت: "قد انقضت عدتي قبل رجعتك" أو كل واحد منهما ادعى كذب الآخر في ذلك فإنه يُقبل قولها في ذلك بشرط: أن يكون انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه - كما سبق بيانه في مسألة (١٢) -، ولا تُقبل دعوى المطلق إلا ببيِّنة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خبرها بانقضاء عدتها: تصديقها لكونها أعلم بذلك منه، ويلزم من تصديقها بذلك: عدم قبول دعواه رجعتها بعد الحكم بانقضاء عدتها لكونه قد ادعاها في زمن لا يملكها، فلا يقبل ويلزم من تكذيب كل واحد منهما الآخر: قبول قولها؛ لكونها أعلم بحالها؛ حيث إن ذلك لا يعلم إلا من جهتها، فإن قلت: إذا بدأها هو قائلًا: "كنتُ راجعتكِ" فقالت: "قد انقضت عدتي قبل رجعتكَ" فأنكر ذلك هو: فإنه يُقبل قوله؛ للتلازم؛ حيث =
стр. 2612
(فصل): إذا (استوفى) المطلِّق (ما يملك من الطلاق): بأن طلَّق الحر ثلاثًا، والعبد اثنتين: (حرمت عليه، حتى يطأها زوج) غيره بنكاح صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (في قبل) فلا يكفي العقد، ولا الخلوة، ولا المباشرة دون الفرج، ولا يُشترط بلوغ الزوج الثاني فيكفي (ولو) كان (مراهقًا) أو لم يبلغ عشرًا؛ لعموم ما سبق (ويكفي) في حلها لمطلقها ثلاثًا (تغييب الحشفة) كلها من الزوج الثاني (أو قدرها مع جب) أي: قطع للحشفة؛ لحصول ذوق العسيلة بذلك (في فرجها) أي: قبلها (مع انتشار، وإن لم ينزل)؛ لوجود حقيقة الوطء (١٤) (ولا تحل) المطلقة ثلاثًا (بوطء دبر و) وطء (شبهة
إن ذلك منه إقرار برجعة يملكها فلزم قبوله قلتُ: إن هذا يصلح في شيء يعلمانه معًا على حد سواء، ولكن ما نحن فيه - من انقضاء عدتها - لا يعلم إلا من جهتها وقبلها فقط كالنيات والمقاصد، فتفردت في ذلك دونه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٤) مسألة: إذا طلق الحر زوجته ثلاث طلقات، أو طلق العبد طلقتين: فإنها تحرم عليه، ولا تحل له إلا بعد أن تتزوج زوجًا غيره، ويطأها ويجامعها الزوج الثاني بأن يُغيِّب حشفته الأصلية، أو قدرها - إذا كان مقطوع الحشفة - في قبلها وهذا لا يكون إلا ببعض الانتشار لذكره فلا يكفي العقد، ولا الخلوة، ولا المباشرة دون الفرج: سواء كان ذلك الزوج الثاني كبيرًا أو صغيرًا بالغًا عشر سنوات، وسواء أنزل، أو لم ينزل؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ حيث إنها لا تحل للزوج الأول إلا بعد أن يطأها الزوج الثاني في نكاح صحيح، حيث دلّ مفهوم الغاية على ذلك، وهو شرط في جواز عودها إلى الأول، ويلزم من لفظ "تنكح": أنه يُشترط في النكاح: إدخال حشفة أصلية، أو قدرها في قبل المرأة وفرجها، ولم تقيد الآية بسن معينة للزوج؛ لذلك كان مطلقًا في الزوج: سواء =
стр. 2613
و) وطء في (ملك يمين و) وطء في (نكاح فاسد)؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (ولا) تحل بوطء (في حيض، ونفاس، وإحرام وصيام فرض)؛ لأن التحريم في هذه الصور لمعنى فيها؛ لحق الله تعالى، وتحل بوطء محرم كمرض، أو ضيق وقت صلاة، أو في مسجد ونحوه (١٥) (ومن ادَّعت مطلقته المحرمة) وهي المطلقة ثلاثًا (وقد
كان كبيرًا أو صغيرًا: فيُحلِّها، ويلزم من ذلك: أن العقد، أو الخلوة بها، أو المباشرة دون الفرج: لا يحلها لزوجها الأول؛ لكونه لا يُسمَّى نكاحًا الثانية: السنة القولية؛ حيث نهى ﵇ من تزوج امرأة بعد طلاقها من زوجها الأول ثلاثًا أن يطلقها حتى يذوق عسيلتها قائلًا: "لا حتى تذوق عسيلتها" ولا يمكن أن يذوق عسيلتها إلا بعد إدخال الحشفة في قبل المرأة غالبًا، فلا يحصل ذلك في المباشرة دون الفرج، ولا بالخلوة، ولا بالعقد، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط الإنزال من الزوج الثاني؟ قلت: لأن الوطء يتم شرعًا، ولو لم ينزل، إذ هو متعلق بذوق العسيلة؛ لذلك من أولج ذكره في فرج امرأته: فيجب عليه الغسل ولو لم ينزل.
(١٥) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته ثلاثًا، فلا تحل له إلا بعد أن تتزوج بزوج ثان زواجًا صحيحًا - كما سبق بيانه في مسألة (١٤) -، ولو وطأ الزوج الثاني تلك المرأة المطلقة ثلاثًا من جهة دبرها، أو وطأها في شبهة كأن يظنها زوجته، فبانت غيرها، أو وطأها زوجها، ثم طلَّقها ثلاثًا، ثم وطأها سيدها، فاشتراها مطلقها بعد ذلك، أو وطأها في نكاح فاسد - كأن تتزوج بغير ولي عندنا -، أو وطأها وهي حائض، أو نفساء أو هي محرمة في حج أو عمرة، أو هي صائمة صيام فرض: فإنها لا تحل للزوج الأول في تلك الصور؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ حيث اشترط لحلها لزوجها الأول: أن تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا فيلزم عدم حلها بتلك الصور السابقة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تحريم الوطء في حال النفاس والحيض، =
стр. 2614
غابت) عنه (نكاح من أحلها) بوطئه إياها (و) ادعت (انقضاء عدّتها منه) أي: من الزوج الثاني: (فله) أي: للأول (نكاحها إن صدقها) فيما ادعته (وأمكن) ذلك: بأن مضى زمن يتسع له؛ لأنها مؤتمنة على نفسها (١٦).
والإحرام، وصيام الفرض؛ لحق الله تعالى: عدم صلاحية هذا الوطء لإحلالها للزوج الأول.
[فرع]: إذا وطأ الزوج الثاني تلك المطلقة ثلاثًا من زوجها الأول بوطء يضر بها أو به: كأن يطأها في حال مرضها، أو ضيق وقت صلاتها، أو في مسجد: فإنها تحل للزوج الأول بهذا الوطء؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُعتبر نكاحًا صحيحًا، وقد ذاق العسيلة فلزم صلاحية ذلك لإحلالها لزوجها الأول؛ إذ لا مانع منه.
(١٦) مسألة: إذا طلق زوج زوجته ثلاثًا، وادعت تلك الزوجة: "أنها تزوجت رجلًا وقد أحلها بوطئها الوطء الشرعي، ثم طلقها، وانقضت عدّتها من ذلك الزوج الثاني": فإنه يحق للزوج الأول أن يتزوجها بشرطين: أولهما: أن يصدقها فيما ادعته. ثانيهما: أن يكون ما ادَّعته: من زواجها الثاني وطلاقها منه وانقضاء عدتها منه ممكن حصوله بأن يكون قد مضى زمن يتّسع لذلك كله، أما إن لم يصدقها، أو شك في كلامها، أو لا يمكن حصول دعواها: فلا يحل له أن يتزوج بها حتى تثبت له ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المرأة مؤتمنة على نفسها، ولا سبيل إلى معرفة ذلك حقيقة إلا من جهتها فلزِم الرجوع إلى ما قالته وحلها له، ويلزم من تكذيبها أو شكه بها، أو كون الزمن لا يتسع لما ادعته: عدم حلها له.
هذه آخر مسائل باب: "الرجعة" وهو آخر أبواب كتاب: "الطلاق"، ويليه كتاب: "الإيلاء".
стр. 2615
كتاب الإيلاء
بالمد أي: الحلف، مصدر "آل" "يولي"، و "الألية": اليمين (وهو) شرعًا: (حلف زوج) يمكنه الوطء (بالله تعالى أو صفته) كالرحمن الرحيم (على ترك وطء زوجته في قبلها) أبدًا، أو (أكثر من أربعة أشهر) قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية (١)، وهو محرم (٢)، ولا إيلاء بحلف بنذر، أو عتق، أو طلاق (٣)،
كتاب الإيلاء
وفيه ست عشرة مسألة:
(١) مسألة: الإيلاء لغة: الحلف والقسم، يقال: "آلى" "يولي" "إيلاء" و "أليَّة" يقول الزوج: "آليت من امرأتي، أولي، إيلاء" أي: حلفت، وهو في الاصطلاح: "أن يحلف زوج يمكنه الوطء بالله تعالى أو بإحدى صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها أبدًا، أو أكثر من أربعة أشهر" وسيأتي بيان هذا التعريف بذكر مسائله فإن قلت: لم ذكر كتاب الإيلاء بعد كتاب الطلاق؟ قلت: لتناسبهما؛ لأنهما يجتمعان في ترك وطء الزوجة مدة طويلة أو قصيرة.
(٢) مسألة: الإيلاء حرام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه يمينًا يؤدي إلى ترك واجب - وهو الوطء -: تحريمه، فإن قلتَ: لم كان حراماً؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إلحاق ضرر بالزوجة، فدفعاً لذلك حرم.
(٣) مسألة: إذا حلف على ترك وطء زوجته بغير اسم الله، أو صفة من صفاته كأن يحلف بنذر فيقول مثلًا: "إن جامعتك فلله علي صوم عشرة أيام"، أو يحلف بعتق فيقول: "إن جامعتك فعبدي حر" أو يحلف بطلاق فيقول: "إن جامعتك فزوجتي الأخرى طالق": فلا يسمَّى هذا إيلاء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ والمراد من الإيلاء المطلق: القسم واليمين بالله تعالى، وأيّد =
стр. 2616
ولا يحلف على ترك وطء سريته (٤)، أو رتقاء (٥) (ويصح) الإيلاء (من) كل من يصح طلاقه من مسلم و (كافر و) حر و (قن و) بالغ و (مميز، وغضبان، وسكران، ومريض مرجو برؤه، وممن) أي: زوجة يمكن وطؤها، ولو (لم يدخل بها)؛
ذلك تفسير ابن عباس للفظ: "يؤلون" حيث قال: "يحلفون بالله" وتفسير الصحابي حجة، فيلزم من ذلك: أن التعليق بـ (إن) بنذر، أو طلاق، أو عتق أو نحو ذلك ليس بإيلاء ولا قسم، ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لأن الغفران يدخل في اليمين بالله، فإن قلتَ: إن هذا يُسمَّى إيلاء وهو قول الجمهور؛ للتلازم؛ حيث إن تسمية تلك الصيغ يمينًا وحلفًا، وهي تمنع من الوطء والجماع يلزم منه: أن يكون إيلاء قلتُ: إن تسمية ذلك حلفًا ويمينًا مجازًا وليس بحقيقة؛ وذلك لمشاركته القسم في المعنى المشهور فيه، وهو الحث على الفعل، أو المنع منه، أو توكيد الخبر والكلام عند إطلاقه، يؤيد ذلك: أنه لا يحمل على القسم الحقيقي إلا بقرينة، والحلف بالله بإطلاقه يصرف إلى القسم، ولا يصرف إلى غيره إلا بقرينة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في الحلف بالنذر، أو الطلاق، أو العتق ونحوها هل هو حلف حقيقي أو مجازي؟ " فعندنا: الثاني، وعندهم الأول.
(٤) مسألة: إذا حلف السيد على ترك وطء أمته التي يتسرَّى بها مدة قصيرة أو طويلة: فلا يُسمَّى هذا إيلاء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وليست الأمة من نسائه، فلا يصدق على ذلك حقيقة الإيلاء الشرعي.
(٥) مسألة: إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته وهي رتقاء أو قرناء أو نحو ذلك من العيوب التي تمنع من الوطء والجماع: فلا يسمَّى هذا إيلاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعذُّر الوطء دائمًا: عدم انعقاد تلك اليمين على تركه؛ لعدم وجود المتروك أصلا، ويلزم من عدم انعقاد اليمين: عدم وجود حقيقة الإيلاء، فيكون وجود هذه اليمين وعدمها واحدًا.
стр. 2617
لعموم ما تقدَّم (٦)، و (لا) يصح الإيلاء (من) زوج (مجنون، ومغمى عليه)؛ لعدم القصد (٧) (و) لا من (عاجز عن وطء لجب كامل أو شلل)؛ لأن المنع هنا ليس
(٦) مسألة: يصح الإيلاء من كل شخص يصح طلاقه - وهو: البالغ العاقل جائز التصرف - سواء كان مسلمًا أو كافرًا، حرًا، أو عبدًا، صاحيًا، أو سكرانًا، أو غضبان، سليمًا أو مريضًا مرضًا يرجى برؤه، وكانت الزوجة يمكن وطؤها وجماعها: سواء كان قد دخل بها، أو لا، أما إن كان الزوج لم يبلغ، أو كان مريضًا لا يُرجى برؤه، أو كانت الزوجة لا يمكن وطؤها وجماعها: فلا يصح الإيلاء، ولو حصل: فلا يقع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ حيث إن ذلك يشمل ويعم ما ذكرناه من الحالات السابقة والكفار مكلَّفون بفروع الإسلام، فيدخلون؛ لأن "الذين" الموصولة من صيغ العموم، الثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما يصح الطلاق من هؤلاء فكذلك يصح الإيلاء منهم والجامع: أن كلًّا منهم جائز التصرف ثانيهما: كما لا يصح طلاق الصبي، والمريض مرضًا لا يرجى برؤه، فكذلك لا يصح منهما الإيلاء.
[فرع]: لا يصح الإيلاء من الصبي ولو كان مميزًا؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يصح الطلاق منه، فكذلك لا يصح الإيلاء منه، والجامع: عدم جواز التصرف وعدم القصد فإن قلت: يصح الإيلاء من العبد المميز - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح طلاقه، فكذلك لا يصح إيلاؤه قلتُ: لا نسلِّم الأصل المقاس عليه؛ حيث لا يصح عندنا طلاقه وقد فصَّلتُ الكلام عن ذلك كتاب: "الطلاق".
(٧) مسألة: لا يصح الإيلاء من زوج مجنون، ولا من مغمى عليه؛ للقياس؛ بيانه كما لا يصح الطلاق منهما فكذلك لا يصح الإيلاء منهما، والجامع: عدم القصد في كل، فلا يدري كل منهما ما يصدر منه.
стр. 2618
لليمين (٨) (فإذا قال) لزوجته: (والله لا وطئتك أبدًا، أو عيّن مدة تزيد عن أربعة أشهر) كخمسة أشهر (أو) قال: والله لا وطئتك (حتى ينزل عيسى) ابن مريم ﵉ (أو) حتى (يخرج الدجال أو) غيَّاه بمحرم، أو ببذل مالها كقوله: "والله لا وطئتك (حتى تشربي الخمر، أو تسقطي دينك، أو تهبي مالك ونحوه) أي: نحو ما ذكر (فـ) هو (مول) تضرب له مدة الإيلاء (٩) (فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو) كان
(٨) مسألة: لا يصح الإيلاء من زوج عاجز عن الوطء والجماع كمن أُصيب بجب كامل، أو شلل، ولو حصل منه الإيلاء ثم حصل ما يمنعه من الوطء: بطل إيلاؤه، وعلى ذلك: فلا يطلب منه الوطء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عجزه عن الوطء: عدم انعقاد اليمين على تركه، ويلزم من عدم انعقاد اليمين: عدم وجود حقيقة الإيلاء - كما قلنا في مسألة (٥) -؛ لكون المقصود في الإيلاء هو: الامتناع عن الوطء، وليس اليمين.
(٩) مسألة تضرب للزوج مدة الإيلاء - وهي أربعة أشهر -: إذا قال لزوجته: "والله لا وطئتكِ أبدًا" أو عيّن مدة تزيد على أربعة أشهر بأن قال: "والله لا وطئتكِ خمسة أشهر" أو قال: "والله لا وطئتكِ حتى ينزل عيسى من السماء" أو قال: "والله لا وطئتكِ حتى تقوم الساعة" أو قال: "والله لا وطئتكِ حتى يخرج الدجال" أو جعل غايته محرمًا كقوله: "والله لا وطئتكِ حتى تتركي صلاة الفرض" أو "والله لا وطئتكِ حتى تشربي الخمر" أو "والله لا وطئتكِ حتى تزني" أو يجعل غايته بذل مالها كقوله: "والله لا وطئتكِ حتى تسقطي دينكِ" أو "والله لا وطئتكِ حتى تسقطي صداقكِ" ففي هذه الصور ونحوها يكون الزوج قد فعل الإيلاء، وتضرب له مدة الإيلاء وهي: "أربعة أشهر"؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ حيث بين الشارع أن من حلف أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر فهو مول، بدلالة مفهوم العدد، ودلَّ أيضًا ذلك المفهوم على أن من حلف أن لا يطأ زوجته أقلّ =
стр. 2619
المولى (قنًا)؛ لعموم الآية (١٠) (فإن وطئ، ولو بتغييب حشفة) أو قدرها عند عدمها في الفرج: (فقد فاء)؛ لأن الفيئة: الجماع، وقد أتى به، ولو ناسيًا، أو جاهلًا، أو مجنونًا، أو أدخل ذكر نائم؛ لأن الوطء وجد (وإلا) يفِ بوطء من آلى منها، ولم تُعْفِه: (أمره) الحاكم (بالطلاق) إن طلبت ذلك منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (فإن أبى) المولى أن يفي، وأن يطلق: (طلَّق الحاكم عليه واحدة، أو ثلاثًا، أو فسخ)؛ لقيامه مقام المولى عند امتناعه (وإن وطئ) المولى من آلى منها (في الدبر أو) وطئها (دون الفرج فما فاء)؛ لأن الإيلاء يختص بالحلف على ترك الوطء في القبل، والفيئة: الرجوع عن ذلك، فلا تحصل الفيئة بغيره كما لو
من أربعة أشهر فليس بمول؛ لأن مدة الإيلاء تنقضي قبلها، أو مع انقضائها الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عمر: "إذا مضى أربعة أشهر ممن حلف على مدة تزيد عليها فهو مول، يوقف حتى يطلق".
(١٠) مسألة: مدَّة الإيلاء أربعة أشهر: سواء كان المولِّى حرًا أو عبدًا، وسواء كانت الزوجة مسلمة، أو ذمية، أمة، أو حرة، كبيرة أو صغيرة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ وهذا عام للحر والعبد، ولأي زوجة فلا تختلف المدة بسبب الحرية، والرق؛ لأن "الذين" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما ذكرناه الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون مدَّة الإيلاء ضُربت للوطء: استواء الرق والحرية في ذلك، فإن قلت: إن مدة العبد في الإيلاء على النصف من مدة الحر فتكون شهرين له فقط، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العبد على النصف من الحر في عدد الطلقات، وعدد الزوجات فكذلك يكون في الإيلاء قلتُ: إن هذا القياس يعارض عموم الآية فتقدم الآية عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع الآية".
стр. 2620
قبَّلها (١١) (وإن ادَّعى) المولى (بقاء المدَّة) أي مدَّة الإيلاء، وهي الأربعة أشهر:
(١١) مسألة: إذا فعل الزوج الإيلاء، وتمت أربعة أشهر: فلا بد له من ثلاث حالات: الحالة الأولى: إما أن يطأ ويجامع من آلى منها وذلك بتغييب حشفته أو قدرها في الفرج، وهذا يسمَّى الفيء وهو الرجوع إلى من آلى منها: سواء وقع الوطء والجماع منه في حالة نسيانه، أو ذكره، أو سواء كان جاهلًا أنها زوجته أو كان عالمًا، وسواء كان نائمًا، أو صاحيًا، وسواء كان مجنونًا أو عاقلًا، لكن لا تنحل يمينه في ذلك، وإنما يُسمَّى راجعًا، ولا يفيء المولى إذا وطأ في دبر المولى منها، أو باشرها دون الفرج؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فيهِن فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والفيء هو: الرجوع إلى فعل ما تركه من الوطء وإيجاده وهو: الجماع كما نقل عن السلف والخلف، وهي أول المراتب والحالات، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الوطء والجماع الشرعي: ترك الإيلاء، وهو المحلوف عليه وهذا عام لكل من ذكرناه؛ لأنَّه يُسمّى واطئاً شرعًا، ويلزم من وطء الدبر، أو المباشرة دون الفرج: عدم الوطء الشرعي؛ لكون وطء الدبر محرمًا، وما دون الفرج لا يسمَّى وطئًا يفيء به المولى كما لو قبَّلها: فلا يسمى هذا فيئًا، الحالة الثانية: إن لم يف ويجامع بوطء شرعي من آلى منها، وهي لم تسقط عنه ذلك الوطء بل طلبته منه: فإنه يؤمر بالطلاق من جهة الحاكم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ حيث بين الشارع أنه لا يقع الطلاق على من آل منها إذا مضت أربعة أشهر، بل لا بد أن يطلق المولى بنفسه إذا لم يف بالجماع، الحالة الثالثة: إذا أبى المولى أن يف ويجامع، وأبى أن يطلق: فإن الحاكم يطلق من آلى منها طلقة واحدة، ولا يطلق الزوج رغمًا عنه إلا في الإيلاء فقط، إذا أبى أن يف وأن يُطلق، وهي محسوبة من الطلقات، وهي طلقة رجعية أو يفسخها الحاكم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحاكم له الحق بأن ملك يبيع شخص عليه ديون، ويقضي ديونه، فكذلك له الحق في أن =
стр. 2621
صدِّق؛ لأنَّه الأصل (١٢) (أو) ادَّعى (أنه وطئها وهى ثيب: صدق مع يمينه)؛ لأنَّه أمر خفي لا يعلم إلا من جهته (وإن كانت) التي آلى منها (بكرًا، أو ادعت البكارة، وشهد بذلك) أي: ببكارتها (امرأة عدل: صُدّقت) وإن لم يشهد ببكارتها ثقة: فقوله بيمينه (١٣) (وإن ترك) الزوج (وطأها) أي: وطء زوجته (إضرارًا بها بلا يمين) على
يطلق عنه، والجامع ويفسخ زوجته في هذه الحالة، والجامع: أن ذلك تدخله النيابة عند التعذر من صاحبه، والحاكم يقوم مقام من تعذَّر منه التصرف الشرعي.
[فرع]: لا يملك الحاكم أن يطلق من آلى منها بالثلاث؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم إيقاع الطلاق بالثلاث بكلمة واحدة: عدم ملكية الحاكم لذلك، فإن قلت: بل يطلقها الحاكم ثلاثًا، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
(١٢) مسألة: إذا ادَّعى المولى: بأن مدة الإيلاء - وهي الأربعة أشهر - باقية ولم تنته: فإنه يُصدَّق، ويُقبل قوله مع يمينه ولو ادَّعت زوجته المولى منها مخالفة ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنهما لو اختلفا في أصل الإيلاء، بأن يدّعي أنه لم يول من زوجته، وهي ادّعت ذلك، أو بالعكس: فإنه يقبل قول المولى مع يمينه فكذلك الحال هنا والجامع: أن المولى هو الأصل والمرجع في ذلك، والزوجة متهمة وإنما وجبت يمينه هنا لاحتمال صدق زوجته المولى منها.
(١٣) مسألة: إذا ادَّعى المولى بأنه قد جامع ووطء المولى منها قبل انتهاء الأربعة الأشهر وخالفته هي في ذلك ففي ذلك حالتان: الحالة الأولى: إن كانت ثيبًا: فإنه يصدق، ويقبل قوله مع يمينه، ولو كانت هي قد خالفته في ذلك؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أنه لو ادَّعى الوطء في حالة العنَّة: فإنه يُصدَّق ويُقبل قوله مع يمينه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما أمر خفي، لا يعلم إلا من جهته، ثانيهما: كما أنها لو ادَّعت أنها حاضت: فإنه يقبل قولها مع يمينها =
стр. 2622
ترك وطئها (ولا عذر) له (فكمول) وكذا: من ظاهر، ولم يكفر، فيضرب له أربعة أشهر، فإن وطئ، وإلا أمر بالطلاق، فإن أبى: طلق عليه الحاكم، أو فسخ النكاح كما تقدم في المولى (١٤)، وإن انقضت مدة الإيلاء، وبأحدهما عذر يمنع الجماع: أمر أن يفيء بلسانه، فيقول: "متى قدرت جامعتكِ" ثم متى قدر: وطئ أو طلق (١٥)،
فكذلك الحال هنا، والجامع: أن هذا أمر خفي لا يعلم إلا من جهة كل منهما، الحالة الثانية: إن كانت بكرًا، أو ادّعت البكارة واختلفا في ذلك، وشهدت ببكارتها امرأة ثقة: فإنها تُصدَّق، ويقبل قولها، أما إن لم تشهد ثقة ببكارتها: فإنه يُصدَّق، ويقبل قوله مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث إن كون قولها ببكارتها قد أقامت عليه بينة - وهي شهادة تلك المرأة الثقة - يلزم منه: تصديقها، وتكذيبه، ويلزم من عدم ذلك تصديقه وتكذيبها؛ لأنَّه هو الأصل.
(١٤) مسألة: يُلحق بالمولي شخصان: أولهما: من ترك وطء وجماع امرأته قاصدًا الإضرار بها أكثر من أربعة أشهر، بدون عذر بلا يمين ثانيهما: من ظاهر من زوجته قائلًا لها: "أنتِ علي كظهر أمي" - كما سيأتي - ولم يكفر عن ذلك، ومضى عليه أكثر من أربعة أشهر بلا عذر: فإذا فعل هذان الشخصان ذلك: فإنه يضرب له مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر فإن وطئ وجامع بعدها، وإلا طُلب منه طلاقها، فإن لم يطأ ولم يطلق: فإن الحاكم يطلقها عنه أو يفسخها؛ للقياس؛ على المولى، وقد سبق تفصيله في حالات ثلاث في مسألة (١١).
[فرع]: إذا ترك الزوج وطء وجماع زوجته ولم يقصد الإضرار بها، أو تركه لعذر كمرض وغيبة ونحو ذلك: فلا تضرب له مدة الإيلاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم قصد الإضرار والامتناع لعذر عدم ضرب مدَّة الإيلاء؛ لعدم حقيقة الإيلاء.
(١٥) مسألة: إذا انقضت مدَّة الإيلاء - وهي أربعة أشهر - وكان في الزوج أو الزوجة عذر يمنع من الوطء والجماع كإحرام، أو حيض، أو نفاس: فإن الزوج يفيء =
стр. 2623
ويمهل لصلاة فرض، وتحلل من إحرام، وهضم ونحوه، ومظاهر لطلب رقبة ثلاثة أيام (١٦).
بلسانه قائلًا: "متى قدرت جامعتك" فأي زمن أتى عليه بعد ذلك وهو قادر على الوطء: فإنه يطأ ويجامع، وإن لم يفعل: طلّق؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الدين إذا أيسر به المدين بعد عسر يجب قضاؤه، فكذلك المولى إذا تعذَّر جماعه: فإنه يجامع متى ما قدر، وإلّا يطلق، والجامع: زوال عجزه الذي أخَّر لأجله في كل، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون اعتذاره بلسانه وهو قوله: "متي قدرت جامعتكِ": تركه الإضرار بزوجته، فيصح ذلك.
(١٦) مسألة: إذا انقضت مدة الإيلاء - وهي أربعة أشهر - يُمهل المولى مدَّة يسيرة لقضاء ضرورة كصلاة فرض، أو تحليل من إحرام، أو فطر من صوم واجب، أو دخول خلاء أو مظاهر طلب رقبة مما لا يتجاوز ثلاثة أيام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العادة جارية بإمهال من عليه واجبات ولم يؤديها ثلاثة أيام: أن يمهل هذه المدة؛ لكون ذلك يسيرًا، ولا يؤثر.
هذه آخر مسائل كتاب: "الإيلاء" ويليه كتاب: "الظهار".
стр. 2624
كتاب الظهار
مشتق من "الظهر" وخص به من بين سائر الأعضاء؛ لأنَّه موضع الركوب، ولذلك سمي المركوب: ظهرًا، والمرأة مركوبة إذا غشيت (وهو محرم)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (فمن شبَّه زوجته أو) شبَّه (بعضها) أي: بعض زوجته (ببعض) من تحرم عليه (أو بكل من تحرم عليه أبدًا بنسب) كأمه وأخته (أو رضاع) كأخته منه، أو بمصاهرة كحماته، أو بمن تحرم عليه إلى أمد كأخت زوجته وعمتها (من ظهر) بيان للبعض كأن يقول: "أنتِ عليّ كظهر أمي أو أختي" (أو) أنتِ عليّ كـ (بطن) عمتي (أو عضو آخر لا ينفصل) كيدها، أو رجلها (بقوله) متعلق بـ "شبَّه" (لها) أي: لزوجته (أنتِ) أو ظهركِ، أو يدكِ (علي، أو معي، أو مني، كظهر أمي، أو كيد أختي، أو وجه حماتي، ونحوه، أو أنت عليّ حرام): فهو مظاهر، ولو نوى طلاقًا، أو يمينًا (أو) قال: أنتِ علي (كالميتة والدم) أو الخنزير: (فهو مظاهر) جواب "فمن"، وكذا: لو قال: "أنتِ علي كظهر فلانة الأجنبية" أو "ظهر أبي، أو أخي، أو زيد" (١) وإن قال: "أنتِ عليّ، أو عندي كأمي أو مثل
كتاب الظهار
وفيه إحدى وأربعون مسألة:
(١) مسألة: الظهار: أن يُشبِّه زوجته، أو بعضها ببعض من تحرم عليه أو كلها أبدًا كأمه وأخته ونحوهما من نسب أو رضاع أو بمصاهرة كأم زوجته، أو أن يشبه ذلك بمن تحرم عليه إلى أمد - كأخت زوجته وعمتها وخالتها - كأن يقول: "أنتِ علي كظهر، أو بطن، أو رجل أو يد أمي، أو أختي" أو يقول: "ظهركِ أو يدكِ علي، أو معي، أو مني كظهر أمي، أو كيد أختي" أو نحو ذلك من الأعضاء غير المنفصلة عادة، أو أن يشبِّه زوجته أو بعضها ببعض أو كل من يحرم عليه كالميتة، والدم، والخنزير، أو يشبهها أو بعضها بكل أو بعض امرأة أجنبية، أو يشبهها =
стр. 2625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بعضها بكل أو بعض الرجال الأقارب، أو الأباعد، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بالظهار؟ قلتُ: لأن الظهر من الدابة موضع الركوب والمرأة مركوبة وقت الوطء والجماع، فركوب الأم - فيما إذا قال: "أنتِ علي كظهر أمي - مستعار من ركوب الدابة ثم شبَّه ركوب الزوجة بركوب الأم الذي هو ممتنع شرعًا وعرفًا، وهذه استعارة لطيفة فكأنه قال: "ركوبكِ للنكاح حرام علي" - كما ذكره ذلك بعض أهل اللغة كما جاء في المصباح (٣٨٨).
[فرع]: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ علي حرام" فإنه إذا نوى به ظهارًا فهو ظهار، وإن نوى به طلاقًا فهو طلاق، وإن نوى به يمينًا فهو يمين، وإن أطلق - ولم ينو شيئًا -: فهو ليس بظهار، بل يمين، وهو مذهب الجمهور؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ فخصَّص الظهار بذلك، فيلزم من لفظ "يظاهرون": أن الذي يُعبِّر بالتحريم لا يكون مظاهرًا؛ لأنه غير اللفظ المستعمل فيه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من نيته وقصده أن هذا ظهار: أن يكون ظهارًا عملًا بالنية كما يعمل باللفظ، ويلزم من كون التحريم يتنوّع إلى ظهار، وطلاق، وحيض، وإحرام، وصيام: أن لا يكون ظهارًا؛ لأنه تخصيص للعام بدون مخصص، وتقييد للمطلق بدون مقيد، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس أنه قال: "التحريم يمين في كتاب الله" واستدل بالكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فإن قلتَ: إن التحريم ظهار: سواء نوى به ظهارًا، أو طلاقًا أو يمينًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشارع جعل التشبيه بمن تحرم عليه ظهارًا، فكذلك التصريح بالتحريم يكون ظهارًا، والجامع: التحريم في كل قلتُ: إن التحريم لا يتخصص بالظهار، بل يكون بالطلاق، وغيره كما سبق، =
стр. 2626
أمي" وأطلق: فظهار، وإن نوى في الكرامة ونحوها: دُيِّن، وقُبل حكمًا (٢)، وإن
فلم يوجد مخصص له من لفظ أو قرينة، أو نية، فيبقى على عدم حمله على شيء، إلا أن قول الصحابي - وهو ابن عباس - بيَّن بالاستدلال على أنه يمين وهو الصحيح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الآية مخصَّصة بالقياس الذي ذكروه؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
[فرع آخر]: الظهار حرام؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تحريمه، ومستند ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ ولا يُتوعَّد على شيء إلا إذا كان حرامًا.
(٢) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ علي كأمي"، أو "أنتِ عندي كأمي" أو "أنتِ علي مثل أمي": فإنه ينظر إلى نيته: فإن نوى الظهار: فهو ظهار، وإن نوى: أنها كذلك في الكرامة: فليس بظهار بل تقبل منه نيته، وإن أطلق - أي لم ينو ظهارًا، ولا غير ذلك -: فليس بظهار أيضًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته وقصده أنه ظهار، أو في الكرامة: أن يُعمل بتلك النية - ودُين فيما بينه وبين الله -، ويلزم من إطلاقه: عدم كونه ظهارًا؛ لأنه ليس بصريح في الظهار؛ لأنه غير اللفظ المستعمل فيه بل إن استعماله هذا في الكرامة أكثر ولم توجد نيته حتى نعمل بها، فإن قلتَ: إنه إذا قال ذلك وأطلق: فإنه يكون ظهارًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الظهار هو المتبادر إلى الفهم من تلك الألفاظ: أن يكون ظهارًا قلتُ: لا نُسلِّم أن الظهار هو المتبادر إلى الفهم من تلك الألفاظ، بل إن المتبادر إلى الفهم من ذلك: هو الكرامة؛ لأن تلك الألفاظ مستعملة في الكرامة، والتعظيم والتقدير أكثر من استعمالها في الظهار، فلا ينصرف إلى الظهار إلا بنيته مثل كنايات الطلاق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المتبادر من تلك الألفاظ إلى الفهم" فعندنا: الكرامة، وعندهم: الظهار.
стр. 2627
قال: "أنتِ أمي" أو "كأمي": فليس بظهار إلّا مع نيّة أو قرينة (٣)، وإن قال: "شعركِ، أو سمعكِ ونحوه كظهر أمي": فليس بظهار (٤) (وإن قالته لزوجها) أي: قالت له نظير ما يصير به مظاهرًا منها: (فليس بظهار)؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فخصَّهم بذلك (وعليها) أي: على الزوجة إذا قالت ذلك لزوجها (كفارته) أي: كفارة الظهار؛ قياسًا على الزوج، وعليها التمكين قبل التكفير (٥)، ويكره نداء أحد الزوجين الآخر بما يختص بذي رحم محرم كأبي،
(٣) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ أمي" أو "أنتِ كأمي": فليس بظهار، ويُحمل على الكرامة إلا إذا نوى في ذلك الظهار، أو دلّت قرينة على أن مراده الظهار: فإنه يكون ظهارًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا اللفظ غير اللفظ المستعمل في الظهار: عدم كونه ظهارًا، ويلزم من نيته، أو دلالة قرينة على أن مراده الظهار: أن يكون ظهارًا؛ للعمل بالنية والقرينة.
(٤) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "شعركِ، أو سمعكِ، أو بصركِ، أو ظفركِ، أو ريقكِ، أو لبنكِ علي كظهر أمي": فليس هذا بظهار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انفصال تلك الأعضاء عادة: عدم وقوع الظهار إذا شبهها بظهر أمه غير المنفصل.
(٥) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "أنتَ علي كظهر أبي" أو نحو ذلك فليس بظهار، ولا يُحسب شيئًا، ولا يجب عليها كفارة ظهار، ولا أي شيء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ حيث خصَّص الشارع الزوج بمظاهرته من زوجته كالطلاق ويدل بمفهوم الصفة على أن الزوجة لا يحق لها الظهار من زوجها، ولو فعلت لا يُحسب شيئًا، ويكون كلامًا لغوًا، لا يُعتمد عليه؛ لأن النكاح من حق الزوج، ولا تملك الزوجة ولا غيرها حق رفعه كسائر حقوقه، فإن قلتَ: إنها إذا قالت الزوجة ذلك: فليس بظهار، ولكن تجب عليها كفارة الظهار، وعليها أن تمكّنه من جماعها قبل التكفير وهو ما ذكره المصنف =
стр. 2628
وأمي (٦) (ويصح) الظهار (من كل زوجة) لا من أمة، أو أم ولد (٧)، وعليه كفارة يمين (٨)، ...............................
هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج لو قال ذلك: فإنه تجب عليه كفارة الظهار، فكذلك الزوجة إذا قالت ذلك تجب عليها الكفارة، والجامع: أن كلًّا منهما قد أتى بالمنكر من القول والزور قلتُ: لا نسلِّم العلة والجامع؛ لأن مجرَّد القول من المنكر والزور لا يوجب كفارة الظهار بدليل سائر الكذب، وتحريم سائر الحلال، وإذا بطلت العلة والجامع: بطل القياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في العلة والجامع الذي علل بها هل تصلح أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم وأيضًا: "تعارض القياس مع الآية"، تنبيه: قوله: "وعليها التمكين قبل التكفير" قلتُ: يقصد: أنه يجب عليها أن تمكِّن زوجها من جماعها قبل أن تكفِّر، وهذا مبني على مذهب المصنف، وهو مرجوح كما سبق.
(٦) مسألة: يكره أن ينادي الزوج زوجته بقوله: "يا أمي" أو تنادي الزوجة زوجها بقولها: "يا أبي" أو أي لفظ يختص بذي رحم محرم، ولو وقع ذلك: فلا يكون ظهارًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك ليس بصريح في الظهار، ولا نواه: عدم ثبوت الظهار، ولا التحريم، ويلزم من كونه لفظًا يشبه الظهار كراهيته.
(٧) مسألة: يصح أن يظاهر الزوج من زوجته فقط سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مسلمة، أو ذمية، يمكن وطئها أو لا، دون أمته، أو أم ولده؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ والأمة، وأم الولد ليستا من نسائه المعقود عليهن عقد حر على حرة.
(٨) مسألة: إذا قال الزوج لأمته، أو لأم ولده: "أنتِ علي كظهر أمي": فعليه كفارة يمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صحة الظهار من هاتين المرأتين، وأنه حرمهما بعد أن كانا حلالًا: وجوب كفارة اليمين، لأنه حرم حلالًا؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
стр. 2629
ولا يصح ممن لا يصح طلاقه (٩).
(فصل): (ويصح الظهار معجَّلًا) أي: منجزًا كأنتِ عليّ كظهر أمي (و) يصح الظهار أيضًا (معلقًا بشرط) كإن قمتِ فأنتِ علي كظهر أمي، (فإذا وجد) الشرط (صار مظاهرًا)؛ لوجود المعلَّق عليه (و) يصح الظهار (مطلقًا) أي: غير مؤقت كما تقدم (و) يصح (مؤقتًا) كأنتِ علي كظهر أمي شهر رمضان (فإن وطئ فيه: كفر) لظهاره (وإن فرغ الوقت: زال الظهار) بمضيه (١٠) (ويحرم) على مظاهر، ومظاهر منها (قبل أن يكفر) لظهاره (وطء ودواعيه) كالقبلة والاستمتاع بما دون الفرج (ممن ظاهر منها)؛ لقوله ﵇: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به" صححه الترمذي (١١) (ولا تثبت الكفارة في الذمة) أي: في ذمة المظاهر (إلّا بالوطء)
(٩) مسألة: يصح الظهار من كل زوج يصح طلاقه، وهم المكلفون الراشدون: سواء كان مسلمًا أو ذميًا، حرًا، أو عبدًا، أما من لا يصح طلاقه كغير المكلف: فلا يصح ظهاره؛ قياسًا على الطلاق وقد سبق بيانه في كتاب "الطلاق".
(١٠) مسألة: يصح الظهار معجَّلا أو منجزًا كقول الزوج لزوجته: "أنتِ علي كظهر أمي"، ويصح معلَّقًا على شرط كقوله لها: "إن قمتِ فأنتِ علي كظهر أمي"، ويصح مطلقًا بأي وقت، ويصح مؤقتًا كقوله: "أنتِ عليّ كظهر أمي شهر رمضان": فإذا وجد الشرط، أو وجد رمضان: فإنه يكون مظاهرًا، لو جامعها بعد قيامها، أو في شهر رمضان: لوجبت عليه كفارة الظهار، فإذا لم تقم ولم يدخل رمضان لم يقع ظهار، وإذا خرج رمضان: زال الظهار؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهذا مطلق، فلم يحدَّد ويقيَّد بشيء: فيعمل به مطلقًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تقييده بشرط، أو وقت: أن يلتزم ذلك، ويلزم من عدم الشرط، وعدم الوقت المقيد فيه: زوال الظهار المعلَّق به.
(١١) مسألة: يحرم على المظاهر: أن يطأ زوجته التي ظاهر منها قبل أن يكفِّر كفارة =
стр. 2630
اختيارًا (١٢) (وهو) أي: الوطء (العود) فمتى وطئ: لزمته الكفارة، ولو مجنونًا، ولا
الظهار؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فأوجب الكفارة قبل المسيس، وهو: الوطء، وهذا يدل على تحريم الوطء قبل الكفارة والإطعام والتكفير بالإطعام كالتكفير بالعتق والصيام؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: إني تظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبل أن أكفِّر: فقال: "ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال: رأيتُ خلخالها في ضوء القمر فقال له: "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله" فحرم قربانها إلى أن يفعل ما أمره الله، وهو الكفارة لأن النهي مطلق وهو يقتضي التحريم، ويدل هذا بمفهوم الغاية على جواز وطئها بعد أن يفعل الكفارة.
[فرع]: لا تحرم دواعي الوطء والجماع لمن ظاهر منها قبل التكفير كالقبلة، والاستمتاع بما دون الفرج وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ الثانية: السنة، وقد سبق بيانهما في مسألة (١١)، ويلزم من قوله: ﴿أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقوله: "فلا تقربها": أن دواعي الوطء والجماع لا بأس به؛ لأن حقيقة المسيس والقربان هما عين الوطء، ودواعيه ليست بوطء، فإن قلتَ: تحرم دواعي الوطء أيضًا كالوطء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما حرم الوطء، فكذلك يحرم دواعيه كالمحرم: لما حرم عليه الوطء: حرم دواعيه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص - وهما الكتاب والسنة اللذان قد سبقا - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص".
(١٢) مسألة: لا تثبت كفارة الظهار - من عتق، أو صيام، أو إطعام - في ذمَّة الزوج والمظاهر إلا إذا أراد الوطء باختياره، فلو وطئ مكرهًا: لم تجب عليه للسنة =
следующие страницы →