← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أمي" وأطلق: فظهار، وإن نوى في الكرامة ونحوها: دُيِّن، وقُبل حكمًا (٢)، وإن فلم يوجد مخصص له من لفظ أو قرينة، أو نية، فيبقى على عدم حمله على شيء، إلا أن قول الصحابي - وهو ابن عباس - بيَّن بالاستدلال على أنه يمين وهو الصحيح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الآية مخصَّصة بالقياس الذي ذكروه؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم. [فرع آخر]: الظهار حرام؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تحريمه، ومستند ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ ولا يُتوعَّد على شيء إلا إذا كان حرامًا. (٢) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ علي كأمي"، أو "أنتِ عندي كأمي" أو "أنتِ علي مثل أمي": فإنه ينظر إلى نيته: فإن نوى الظهار: فهو ظهار، وإن نوى: أنها كذلك في الكرامة: فليس بظهار بل تقبل منه نيته، وإن أطلق - أي لم ينو ظهارًا، ولا غير ذلك -: فليس بظهار أيضًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته وقصده أنه ظهار، أو في الكرامة: أن يُعمل بتلك النية - ودُين فيما بينه وبين الله -، ويلزم من إطلاقه: عدم كونه ظهارًا؛ لأنه ليس بصريح في الظهار؛ لأنه غير اللفظ المستعمل فيه بل إن استعماله هذا في الكرامة أكثر ولم توجد نيته حتى نعمل بها، فإن قلتَ: إنه إذا قال ذلك وأطلق: فإنه يكون ظهارًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الظهار هو المتبادر إلى الفهم من تلك الألفاظ: أن يكون ظهارًا قلتُ: لا نُسلِّم أن الظهار هو المتبادر إلى الفهم من تلك الألفاظ، بل إن المتبادر إلى الفهم من ذلك: هو الكرامة؛ لأن تلك الألفاظ مستعملة في الكرامة، والتعظيم والتقدير أكثر من استعمالها في الظهار، فلا ينصرف إلى الظهار إلا بنيته مثل كنايات الطلاق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المتبادر من تلك الألفاظ إلى الفهم" فعندنا: الكرامة، وعندهم: الظهار.

стр. 2627

قال: "أنتِ أمي" أو "كأمي": فليس بظهار إلّا مع نيّة أو قرينة (٣)، وإن قال: "شعركِ، أو سمعكِ ونحوه كظهر أمي": فليس بظهار (٤) (وإن قالته لزوجها) أي: قالت له نظير ما يصير به مظاهرًا منها: (فليس بظهار)؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فخصَّهم بذلك (وعليها) أي: على الزوجة إذا قالت ذلك لزوجها (كفارته) أي: كفارة الظهار؛ قياسًا على الزوج، وعليها التمكين قبل التكفير (٥)، ويكره نداء أحد الزوجين الآخر بما يختص بذي رحم محرم كأبي، (٣) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "أنتِ أمي" أو "أنتِ كأمي": فليس بظهار، ويُحمل على الكرامة إلا إذا نوى في ذلك الظهار، أو دلّت قرينة على أن مراده الظهار: فإنه يكون ظهارًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا اللفظ غير اللفظ المستعمل في الظهار: عدم كونه ظهارًا، ويلزم من نيته، أو دلالة قرينة على أن مراده الظهار: أن يكون ظهارًا؛ للعمل بالنية والقرينة. (٤) مسألة: إذا قال الزوج لزوجته: "شعركِ، أو سمعكِ، أو بصركِ، أو ظفركِ، أو ريقكِ، أو لبنكِ علي كظهر أمي": فليس هذا بظهار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انفصال تلك الأعضاء عادة: عدم وقوع الظهار إذا شبهها بظهر أمه غير المنفصل. (٥) مسألة: إذا قالت الزوجة لزوجها: "أنتَ علي كظهر أبي" أو نحو ذلك فليس بظهار، ولا يُحسب شيئًا، ولا يجب عليها كفارة ظهار، ولا أي شيء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ حيث خصَّص الشارع الزوج بمظاهرته من زوجته كالطلاق ويدل بمفهوم الصفة على أن الزوجة لا يحق لها الظهار من زوجها، ولو فعلت لا يُحسب شيئًا، ويكون كلامًا لغوًا، لا يُعتمد عليه؛ لأن النكاح من حق الزوج، ولا تملك الزوجة ولا غيرها حق رفعه كسائر حقوقه، فإن قلتَ: إنها إذا قالت الزوجة ذلك: فليس بظهار، ولكن تجب عليها كفارة الظهار، وعليها أن تمكّنه من جماعها قبل التكفير وهو ما ذكره المصنف =

стр. 2628

وأمي (٦) (ويصح) الظهار (من كل زوجة) لا من أمة، أو أم ولد (٧)، وعليه كفارة يمين (٨)، ............................... هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج لو قال ذلك: فإنه تجب عليه كفارة الظهار، فكذلك الزوجة إذا قالت ذلك تجب عليها الكفارة، والجامع: أن كلًّا منهما قد أتى بالمنكر من القول والزور قلتُ: لا نسلِّم العلة والجامع؛ لأن مجرَّد القول من المنكر والزور لا يوجب كفارة الظهار بدليل سائر الكذب، وتحريم سائر الحلال، وإذا بطلت العلة والجامع: بطل القياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في العلة والجامع الذي علل بها هل تصلح أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم وأيضًا: "تعارض القياس مع الآية"، تنبيه: قوله: "وعليها التمكين قبل التكفير" قلتُ: يقصد: أنه يجب عليها أن تمكِّن زوجها من جماعها قبل أن تكفِّر، وهذا مبني على مذهب المصنف، وهو مرجوح كما سبق. (٦) مسألة: يكره أن ينادي الزوج زوجته بقوله: "يا أمي" أو تنادي الزوجة زوجها بقولها: "يا أبي" أو أي لفظ يختص بذي رحم محرم، ولو وقع ذلك: فلا يكون ظهارًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك ليس بصريح في الظهار، ولا نواه: عدم ثبوت الظهار، ولا التحريم، ويلزم من كونه لفظًا يشبه الظهار كراهيته. (٧) مسألة: يصح أن يظاهر الزوج من زوجته فقط سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مسلمة، أو ذمية، يمكن وطئها أو لا، دون أمته، أو أم ولده؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ والأمة، وأم الولد ليستا من نسائه المعقود عليهن عقد حر على حرة. (٨) مسألة: إذا قال الزوج لأمته، أو لأم ولده: "أنتِ علي كظهر أمي": فعليه كفارة يمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صحة الظهار من هاتين المرأتين، وأنه حرمهما بعد أن كانا حلالًا: وجوب كفارة اليمين، لأنه حرم حلالًا؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.

стр. 2629

ولا يصح ممن لا يصح طلاقه (٩). (فصل): (ويصح الظهار معجَّلًا) أي: منجزًا كأنتِ عليّ كظهر أمي (و) يصح الظهار أيضًا (معلقًا بشرط) كإن قمتِ فأنتِ علي كظهر أمي، (فإذا وجد) الشرط (صار مظاهرًا)؛ لوجود المعلَّق عليه (و) يصح الظهار (مطلقًا) أي: غير مؤقت كما تقدم (و) يصح (مؤقتًا) كأنتِ علي كظهر أمي شهر رمضان (فإن وطئ فيه: كفر) لظهاره (وإن فرغ الوقت: زال الظهار) بمضيه (١٠) (ويحرم) على مظاهر، ومظاهر منها (قبل أن يكفر) لظهاره (وطء ودواعيه) كالقبلة والاستمتاع بما دون الفرج (ممن ظاهر منها)؛ لقوله ﵇: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به" صححه الترمذي (١١) (ولا تثبت الكفارة في الذمة) أي: في ذمة المظاهر (إلّا بالوطء) (٩) مسألة: يصح الظهار من كل زوج يصح طلاقه، وهم المكلفون الراشدون: سواء كان مسلمًا أو ذميًا، حرًا، أو عبدًا، أما من لا يصح طلاقه كغير المكلف: فلا يصح ظهاره؛ قياسًا على الطلاق وقد سبق بيانه في كتاب "الطلاق". (١٠) مسألة: يصح الظهار معجَّلا أو منجزًا كقول الزوج لزوجته: "أنتِ علي كظهر أمي"، ويصح معلَّقًا على شرط كقوله لها: "إن قمتِ فأنتِ علي كظهر أمي"، ويصح مطلقًا بأي وقت، ويصح مؤقتًا كقوله: "أنتِ عليّ كظهر أمي شهر رمضان": فإذا وجد الشرط، أو وجد رمضان: فإنه يكون مظاهرًا، لو جامعها بعد قيامها، أو في شهر رمضان: لوجبت عليه كفارة الظهار، فإذا لم تقم ولم يدخل رمضان لم يقع ظهار، وإذا خرج رمضان: زال الظهار؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهذا مطلق، فلم يحدَّد ويقيَّد بشيء: فيعمل به مطلقًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تقييده بشرط، أو وقت: أن يلتزم ذلك، ويلزم من عدم الشرط، وعدم الوقت المقيد فيه: زوال الظهار المعلَّق به. (١١) مسألة: يحرم على المظاهر: أن يطأ زوجته التي ظاهر منها قبل أن يكفِّر كفارة =

стр. 2630

اختيارًا (١٢) (وهو) أي: الوطء (العود) فمتى وطئ: لزمته الكفارة، ولو مجنونًا، ولا الظهار؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فأوجب الكفارة قبل المسيس، وهو: الوطء، وهذا يدل على تحريم الوطء قبل الكفارة والإطعام والتكفير بالإطعام كالتكفير بالعتق والصيام؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: إني تظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبل أن أكفِّر: فقال: "ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " قال: رأيتُ خلخالها في ضوء القمر فقال له: "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله" فحرم قربانها إلى أن يفعل ما أمره الله، وهو الكفارة لأن النهي مطلق وهو يقتضي التحريم، ويدل هذا بمفهوم الغاية على جواز وطئها بعد أن يفعل الكفارة. [فرع]: لا تحرم دواعي الوطء والجماع لمن ظاهر منها قبل التكفير كالقبلة، والاستمتاع بما دون الفرج وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ الثانية: السنة، وقد سبق بيانهما في مسألة (١١)، ويلزم من قوله: ﴿أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقوله: "فلا تقربها": أن دواعي الوطء والجماع لا بأس به؛ لأن حقيقة المسيس والقربان هما عين الوطء، ودواعيه ليست بوطء، فإن قلتَ: تحرم دواعي الوطء أيضًا كالوطء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما حرم الوطء، فكذلك يحرم دواعيه كالمحرم: لما حرم عليه الوطء: حرم دواعيه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص - وهما الكتاب والسنة اللذان قد سبقا - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص". (١٢) مسألة: لا تثبت كفارة الظهار - من عتق، أو صيام، أو إطعام - في ذمَّة الزوج والمظاهر إلا إذا أراد الوطء باختياره، فلو وطئ مكرهًا: لم تجب عليه للسنة =

стр. 2631

تجب قبل الوطء؛ لأنها شرط لحلِّه، فيؤمر بها من أراده؛ ليستحلَّه بها (ويلزم إخراجها قبله) أي: قبل الوطء (عند العزم عليه)؛ لقوله تعالى في الصيام والعتق: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١٣)، .............................. القولية: حيث قال ﵇: عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حيث إن هذا عام، فيشمل ما نحن فيه، فيعفى عن الواطئ وهو مكره: الإثم، ووجوب الكفارة؛ لعذره، وهو عدم قصده لمخالفة الشارع، ودلَّ بمفهوم الصفة على أن المتعمد - وهو المختار - إذا وطئ فعليه الإثم، وتجب عليه الكفارة؛ لقصده مخالفة الشارع. (١٣) مسألة: إذا أراد الزوج المظاهر استباحة زوجته بالوطء وعزم عليه: فيجب عليه أن يخرج الكفارة - من عتق أو صيام، أو إطعام - لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وقال في الصيام كذلك والمراد بـ "العود" هنا: العزم على الوطء مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم الصلاة، فأوجب الشارع الكفارة بعد العود، وقبل التماس، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن من أراد حلَّ امرأة أجنبية: فإنه يؤمر بعقد النكاح ليستحلها به، فكذلك المظاهر إذا أراد حل الوطء: فإنه يؤمر بالكفارة ليستحله بها، والجامع: أن كلًّا منهما شرط لحل الوطء. تنبيه: قوله: "ولا تجب قبل الوطء؛ لأنها شرط لحلِّه" قلتُ: الصحيح في العبارة كما ورد في "المغني" و"الشرح الكبير": "ولا تجب قبل الوطء إلا أنها شرط لحله" وبهذا يتفق مع ما قلناه. [فرع]: إذا ظاهر رجل من زوجته ثم جُنَّ؛ فلا تسقط الكفارة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد ظاهر وهو مكلَّف: وجوب الكفارة عليه، ولا يسقط الواجب بعد استقراره بأي حدث يزيل التكليف. تنبيه: يحرم أن يطأ قبل أن يكفر، فإن وطأ قبل تكفيره: فإنه يعصي بذلك؛ لارتكابه محرمًا - كما سبق =

стр. 2632

وإن مات أحدهما قبل الوطء: سقطت (١٤) (وتلزمه كفارة واحدة بتكريره) أي: الظهار، ولو كان الظهار بمجالس (قبل التكفير من) زوجة (واحدة) كاليمين بالله تعالى (١٥) (و) تلزمه كفارة واحدة (لظهاره من نسائه بكلمة واحدة): بأن قال لزوجاته: "أنتنَّ عليّ كظهر أمي"؛ لأنه ظهار واحد (وإن ظاهر منهن) أي: من زوجاته (بكلمات): بأن قال لكل منهن: "أنتِ علي كظهر أمي": (فـ) عليه (كفارات) بعددهن؛ لأنها أيمان متكررة على أعيان متعدِّدة، فكان لكل واحدة كفارة، كما لو كفَّر ثم ظاهر (١٦). في مسألة (١١) - وتستقر الكفارة في ذمته - كما سبق في مسألة (١٢) -. (١٤) مسألة: إذا ظاهر زوج من زوجته، ثم مات الزوج أو الزوجة قبل أن يطأها: فإن الكفارة تسقط: سواء عزم على الوطء أو لم يعزم؛ للتلازم؛ حيث من عدم وجود شرط الكفارة - وهو الوطء -: عدم وجوبها؛ لفقدان شرطها. (١٥) مسألة: إذا كرَّر الزوج الظهار بصيغته من زوجة واحدة، أي: ظاهر منها عدَّة مرات، وهو لم يكفِّر عن ظهاره الأول: فتجب عليه كفارة واحدة: سواء كان هذا التكرار بمجلس واحد، أو بمجالس؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا كرَّر اليمين بالله قائلًا: "والله لا آكل اللحم" وكرر ذلك، ولم يكفر عن اليمين الأول: فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما قد حرم في القول الأول، فلا يؤثر القول الثاني وما بعده. (١٦) مسألة: إذا ظاهر رجل من زوجاته بكلمة واحدة: بأن قال لزوجاته: "أنتنَّ عليّ كظهر أمي"، أو بكلمات: بأن قال لكل واحدة منهن: "أنتِ عليّ كظهر أمي" ثم أراد وعزم أن يعود ويطأ كل واحدة: فإنه يجب لكل زوجة كفارة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الظهار والعود والوطء قد وجد في حق كل واحدة من زوجاته فيلزم أن تجب عليه كفارة لكل واحدة قد عاد إليها ووطأها؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو كفر ثم ظاهر: فإنه تجب عليه كفارة لكل ظهار فكذلك =

стр. 2633

(فصل): (وكفارته) أي: كفارة الظهار على الترتيب: (عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية (١٧)، والمعتبر في إذا قال لكل واحدة منهن: "أنتِ عليّ كظهر أمي"، والجامع: أنه وقعت أيمان متكررة على أعيان متعددة، فكل يمين كفارة، فإن قلتَ: إنه إذا ظاهر من زوجاته بكلمة واحدة قائلًا: "أنتنَّ عليّ كظهر أمي": فتجب عليه كفارة واحدة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال: "والله لا آكل اللحم، والعنب" فإن أكل منهما: فتجب عليه كفارة واحدة فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما قد وجدت فيه كلمة واحدة في جماعة، قلتُ: ليس موجب الكفارة هي الكلمة، بل هو: العود وهو الوطء، فإذا تعدَّد الوطء بزوجات قد ظاهر منهن: تعدَّدت الكفارة، بدليل أنه لو قال لزوجة واحدة عدَّة كلمات في الظهار، ثم أراد الوطء: فإنه تجب عليه كفارة واحدة؛ لكون الموطوءة واحدة، ثم إن قوله: "أنتنَّ عليّ كظهر أمي" قد قصد منه: أنه قال ذلك لكل واحدة على انفراد فكأنه قال: "أنتِ عليّ كظهر أمي" و"أنتِ عليّ كظهر أمي" وهكذا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في موجب الكفارة هل هو الوطء، أم لفظ الظهار؟ ". (١٧) مسألة: كفارة الظهار مرتبة على ما يأتي: أولًا: أن يعتق رقبة مؤمنة، ثانيًا: إن لم يجد رقبة: فإنه يصوم شهرين متتابعين، ثالثًا: إن لم يستطع أن يصوم لأي عذر: فإنه يطعم ستين مسكينًا - وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ حيث دلَّت الآية بمنطوقها على ترتيب كفارة الظهار على حسب الأهم فالمهم بالنسبة لصالح الإسلام والمسلمين.

стр. 2634

الكفارات: وقت وجوب: فلو أعسر موسر قبل تكفير: لم يجزئه صوم، ولو أيسر معسر: لم يلزمه عتق، ويُجزئه (١٨) (ولا تلزم الرقبة) في الكفارة (إلا لمن ملكها، أو أمكنه ذلك) أي: ملكها (بثمن مثلها) أو مع زيادة لا تجحف بماله، ولو نسيئه وله مال غائب أو مؤجَّل، لا بهبة، ويُشترط للزوم شراء الرقبة: أن يكون ثمنها (فاضلًا عن كفايته دائمًا و) عن (كفاية من يمونه) من زوجة ورقيق وقريب (و) فاضلًا (عما يحتاجه) هو، ومن يمونه (من مسكن وخادم) صالحين لمثله، إذا كان مثله يُخدم (ومركوب وعرض بذلة) يحتاج إلى استعماله (وثياب تجمُّل و) فاضلًا عن (مال يقوم كسبه بمؤنته) ومؤنة عياله (وكتب علم) يحتاج إليها (ووفاء دين)؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم (١٩) (ولا يجزئ في الكفارات كلها) ككفارة الظهار، (١٨) مسألة: المعتبر في نوع الكفارة هو الحالة التي هي وقت العود والوطء، لا وقت المظاهرة: أي: من أراد وعزم على الوطء والجماع ممن ظاهر منها وهو موسر: وجب عليه عتق رقبة، فلو أعسر بعد ذلك: فلا يجزئه صوم، ومن أراد وعزم على الوطء وهو معسر: وجب عليه صوم، فإن أعتق رقبة: فإنه يجزئه، وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا حنث في يمينه: فإن كفارة اليمين تجب بوقت حنثه، لا يوم حلفه، فكذلك الحال هنا: كفارة الظهار تجب وقت عزمه على الوطء، لا وقت ظهاره، والجامع: أن الكفارة في كل منهما وجبت على وجه الطهرة فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب. (١٩) مسألة: يشترط في الرقبة التي يراد عتقها - في كفارة الظهار -: أن يكون المظاهر مالكًا لها، أو يمكنه تحصيلها بنقدٍ ونحوه بثمن مثلها، دون زيادة تضرّ بماله ضررًا واضحًا، وأن يكون ذلك الثمن فاضلًا عن كفايته دائمًا وكفاية من يمونه ممن تجب عليه نفقته، وفاضلًا عن حاجته، وحاجة من يمونه من مسكن وخادم، ومركوب وعرض بذلة من فرش، وأواني، وآلة حرفته، وثياب تجمُّل وغير ذلك مما يحتاج إلى استعماله، وأن يكون فاضلًا عن مال يقوم كسبه عليه كعقار يحتاج =

стр. 2635

والقتل، والوطء في نهار رمضان، واليمين بالله تعالى (إلا رقبة مؤمنة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وألحق بذلك سائر الكفارات (٢٠) (سليمة إلى غلته، أو عروض للتجارة، وأن يكون فاضلًا عن كتب علم يحتاج إليها في أمور دينه، وأن يكون فاضلًا عن مال يوفي به دينه: سواء كان حال أو مؤجَّل؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث نهى عن فعل ما يضر بالمسلم؛ لأن النفي هنا نهي والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهو عام؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق النفي وهي من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ إذ لو وجب عليه عتق رقبة مع أنه محتاج إليها، أو محتاج إلى ثمنها: ففي ذلك إلحاق ضرر عليه، وهذا محرم شرعًا، فيكون هذا الحديث في هذه الحالة مخصصًا لآية وجوب العتق؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان: فهو كالمعدوم الذي لا يجده؛ كل ذلك لأجل رفع الضرر عن هذا المسلم. [فرع]: إذا أمكنه أن يستدين مالًا يشتري به رقبة: فيجب عليه ذلك بشرط: أن يكون له مال غائب، أو مؤجَّل؛ للتلازم؛ حيث إنه قادر على عتق رقبة: فلزم ذلك ولا ينتقل إلى الصوم. [فرع آخر]: إذا وُهبت له الرقبة، أو وهب له ثمنها: فلا يجب عليه قبول ذلك، ويحق له أن ينتقل إلى الصوم: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منّة عليه، وهو ضرر في حقه، فدفعًا لذلك شرع هذا الحكم. (٢٠) مسألة: إذا أراد المظاهر، والقاتل خطأ، والمجامع في نهار رمضان، والحانث في يمينه أن يكفر بالعتق: فيشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فاشترط الإيمان في الرقبة المعتقة في القتل الخطأ، الثانية: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن لي جارية، وعليّ رقبة أفأعتقها؟ فقال لها النبي ﷺ : "أين الله؟ " فقالت: =

стр. 2636

من عيب يضر بالعمل ضررًا بيّنًا)؛ لأن المقصود: تمليك الرقيق منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضرّ بالعمل ضررًا بيّنًا (كالعمى، والشلل ليد، أو رجل، أو أقطعهما) أي: اليد والرجل (أو أقطع الإصبع الوسطى، أو السبابة، أو الإبهام، أو الأنملة من الإبهام) أو أنملتين من وسطى أو سبابة (أو أقطع الخنصر والبنصر) معًا (من يد واحدة)؛ لأن نفع اليد يزول بذلك، وكذا: أخرس لا تفهم إشارته (ولا يُجزئ مريض ميؤوس منه، ونحوه) كزمن ومقعد؛ في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، فقال الرسول ﷺ : "اعتقها فإنها مؤمنة" فعلَّل الشارع جواز عتقها بالإيمان، فيلزم منه: عدم جواز إعتاق أي رقبة إلا إذا كانت مؤمنة، والسائل: لم يحدِّد نوع الكفارة التي عليه: هل هي كفارة مظاهرة، أو قتل، أو جماع في نهار رمضان، أو حنث في يمين فيكون هذا الشرط عامًا للجميع، الثالثة: القياس، بيانه كما أنه يُشترط الإيمان في الرقبة المعتقة في القتل الخطأ فكذلك يُشترط ذلك في سائر الكفارات، والجامع: أن كلًّا منها عتق في كفارة في الشرع الإسلامي، فلا تجزئ فيه الرقبة الكافرة، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الإيمان هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إعتاق الرقبة المؤمنة فيه جلب مصالح لهذا العبد المعتق، وللمسلمين؛ إذ فيه تفريغ المسلم لعبادة ربه، وتكميل أحكامه، وعبادته، وجهاده ومعونة المسلمين، فيُناسب ذلك ما قلناه؛ تحصيلًا لهذه المصالح، فإن قلتَ: لا يُشترط في الرقبة المعتقة أن تكون مؤمنة في كفارة الظهار؛ وهو قول الحنفية وكثير من العلماء، للكتاب؛ حيث قال تعالى في آية الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فأطلق الله تعالى الرقبة هنا، فيُجزئ ما تناوله الإطلاق قلتُ: إن هذا المطلق يُحمل على المقيد الوارد في آية القتل - كما سبقت -، وإن لم تحمل عليه من جهة اللغة: فإن سائر الكفارات - ومنها كفارة الظهار - تقاس على كفارة القتل كما سبق بيانه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حمل المطلق على المقيد في الآيتين".

стр. 2637

لأنهما لا يمكنهما العمل في أكثر الصنائع، وكذا: مغصوب (٢١) (ولا) تجزئ (أمُّ ولد)؛ لأن عتقها مستحق بسبب آخر (٢٢) (ويجزئ المدبَّر) (٢٣)، والمكاتب إذا لم يؤد شيئًا (٢٤) (وولد الزنا، والأحمق، والمرهون، والجاني) والصغير، والأعرج يسيرًا (٢١) مسألة: يُشترط في الرقبة التي يُراد عتقها - في كفارة الظهار - أن تكون سليمة من أيِّ عيبٍ يضرُّ بالعمل ضررًا بيِّنًا، فإن كان بالعبد أو الأمة ضرر يضرّ بعمله ضررًا بيِّنًا وواضحًا: كأن يكون أعمى، أو أشلَّ اليد، أو الرجل، أو رجله أو يده قد قُطعا، أو كان أحد أصابع اليد مقطوعًا، أو البنصر والخنصر مقطوعين أو أنملة، أو أنملتين من أصبع الوسطى، أو السبابة، أو الإبهام قد أصابه القطع، وذلك من يد واحدة أو كان أخرسًا لا تفهم إشارته، أو كان مريضًا مرضًا لا يُرجى برؤه كزمن ومقعد، أو كان ذلك العبد الذي يريد أن يعتقه لكفارة ظهاره مغصوبًا بيد غاصبه، أو هو قد غصبه: فإن العتق لا يُجزئ؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من عتق الرقبة هو: تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرُّف لنفسه، ولا يحصل هذا إذا كان فيه شيء يضرّ بالعمل ضررًا واضحًا - كالحالات التي ذكرناها - فلزم اشتراطه لجلب المصلحة للعبد، ودفع المفسدة عنه. (٢٢) مسألة: لا يُجزئ أن يعتق أمَّ ولده - كفارة لظهاره - ولا يُجزئ أن يعتق ذا رحم محرم استولى عليه؛ للتلازم؛ حيث إن عتق هذين مستحق وكائن شرعًا بسبب آخر، وهو: إيلاء السيد لأم الولد، "وأن من ملك ذا محرم عتق عليه" - كما وردت هذه القاعدة الشرعية فيلزم: عدم إجزائهما في ذلك. (٢٣) مسألة: يجزئ أن يُعتق - كفارةً للظهار - المدبَّر - وهو: من قال له سيده: "أنت حر في آخر يوم من حياتي، أو بعد مماتي" -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه عبدًا كامل المنفعة، لم يحصل عن شيء منه عوض: إجزاؤه في الكفارة، وفي ذلك مصلحة عاجلة له. (٢٤) مسألة: يُجزئ أن يُعتَق - كفارةً للظهار - المكاتَب - وهو: من اشترى نفسه من =

стр. 2638

(والأمة الحامل، ولو استثني حملها)؛ لأن ما في هؤلاء من النقص لا يضرّ بالعمل (٢٥). (فصل): (يجب التتابع في الصوم)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، وينقطع بصوم غير رمضان، ويقع عمّا نواه (٢٦) (فإن تخلَّله رمضان): لم سيده على دفعات - بشرط: أن لا يكون قد دفع شيئًا من ثمنه لسيده، أما إذا دفع شيئًا من ثمنه: فلا يجزئ عتقه؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المدبَّر يُجزئ إعتاقه هنا، فكذلك المكاتب الذي لم يدفع شيئًا من ثمنه مثله والجامع: أنه في كل منهما قد أعتق رقبة كاملة مؤمنة سالمة، تامة الملك لم يحصل عن شيء منها عوض، ثانيهما: كما أنه لو أعتق بعض العبد: فإنه لا يجوز أن يعتق باقيه - كفارةً - فكذلك لا يجوز أن يعتق المكاتب الذي دفع شيئًا من ثمنه كفارة - والجامع: أنه في كل منهما قد أدَّى شيئًا قد حصل العوض عن بعضه. (٢٥) مسألة: يجزئ أن يُعتَق - كفارة للظهار -: العبد الذي حصل من الزنا، ويجزئ عتق العبد الأحمق - وهو غير المستقيم في تصرفاته - ويجزئ عتق العبد المرهون، والعبد الجاني على غيره، ويجزئ عتق العبد الصغير، والعبد الأعرج، والعبد الأعور، والأمة الحامل: سواء استثني حملها من العتق أو لا، والمزوجة كذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجزئ عتق العبد السالم من العيوب، فكذلك يجزئ عتق هذا العبد الذي فيه إحدى تلك الصفات والجامع: أن النقص الموجود لا يؤثر في العمل، ولا يضرّ به ضررًا بيّنًا فلا تمنع تمليك السيد العبد منافعه، وتكميل أحكامه. تنبيه: ما قيل في العبد في المسائل السابقة يقال تمامًا في الأمة؛ لعدم الفارق. (٢٦) مسألة: يُشترط في الصوم - لكفارة الظهار -: أن يكون متتابعًا في جميع الشهرين: بأن يكون يوميًا، أي: يوالي بين الأيام الستين، فلو صام ثمان وخمسين يومًا، ثم فطر اليوم التاسع والخمسين بدون عذر - سيأتي بيانه في مسألة (٢٧) - فإنه يُعيد =

стр. 2639

ينقطع التتابع (أو) تخلَّله (فطر يجب كعيد، وأيام تشريق، وحيض) ونفاس (وجنون، ومرض مخوف، ونحوه) كإغماء جميع اليوم: لم ينقطع التتابع (أو أفطر ناسيًا، أو مكرهًا، أو لعذر يبيح الفطر) كسفر: (لم ينقطع) التتابع؛ لأنه فطر لسبب لا يتعلَّق باختيارهما (٢٧)، ويُشترط في المسكين المطعَم من الكفارة: أن يكون مسلمًا حرًا، ولو الستين يومًا من جديد: وهذا يستوي فيه الحر والعبد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فاشتُرط التتابع في الصوم، هذا منطوقه، ودلَّ مفهوم الصفة من قوله: ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ على أنه لو قطع الصيام يومًا واحدًا بدون عذر: فإنه يجب أن يستأنف الصوم من جديد، وهذه الآية عامة للحر والعبد ممن وجبت عليه كفارة ظهار؛ لأن "مَنْ" الشرطية من قوله ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ من صيغ العموم. [فرع]: إذا صام هذا: فإنه يقع عما نواه من صوم قضاء، أو كفارة أو نذر، أو تطوع أو غير ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا الزمان الذي صامه لم يتعيَّن لكفارة ولا لغيرها: أن يرتبط بنيته فيه: فإن نواه أنه كفارة ظهار: أجزأه، وإن نواه أنه كفارة قتل: أجزأه وهكذا؛ لعموم قوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط التتابع في الصوم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تغليظ على من فعل الظهار؛ حتى لا يعود لمثله؛ لما فيه من الظلم للمرأة. (٢٧) مسألة: إذا قطع صيام كفارة الظهار - وهو ستون يومًا متتابعة - لعذر شرعي: كأن يتخلَّله صوم رمضان: بأن يصوم شعبان، ثم يدخل رمضان عليه، فيصومه،: فإنه يصوم شوال استكمالًا لشعبان - فيكمل له شهران، أو تُخلَّل صيامه لكفارة: فطر ليوم عيد، أو أيام التشريق، أو تخلَّل صيامها فطر لحيض، ونفاس، أو تخلَّله فطر بسبب جنون، أو مرض مخوف، أو أُغمي عليه طوال يوم، أو أفطر ناسيًا، أو مكرهًا، أو مخطئًا، أو جاهلًا بوجوب التتابع، أو أفطر =

стр. 2640

أنثى (٢٨) (ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرة فقط) من بر، وشعير، وتمر، وزبيب، وأقط، ولا يجزئ غيرها ولو قوت بلده (٢٩) (ولا يجزئ) في إطعام كل مسكين (من لسفر، أو أفطرت الحمل، أو رضاع: فإن التتابع لا ينقطع، ويبني على ما مضى في جميع الحالات السابقة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون زمن رمضان لا يصام فيه إلا رمضان: أنه إذا صام رمضان لا يقطع صيامه للكفارة، ويلزم من إفطاره في تلك الحالات لأسباب لا تتعلَّق باختيار المظاهر والمظاهَر منها - إذا مكّنته من الوطء -: أن لا ينقطع التتابع؛ لوجود العذر الشرعي الذي لم يكن من فعلهما كما لو أفطر في نهار رمضان. (٢٨) مسألة: يشترط في المسكين الذي يُطعم - في كفارة الظهار -: أن يكون مسلمًا حرًا: سواء كان ذكرًا أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا، ويدخل في المساكين الفقراء، فلا يجوز دفعها إلى كافر، أو إلى عبد؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط ذلك في الزكاة فكذلك يُشترط في الإطعام - كفارة للظهار - والجامع: أن هذا المدفوع سبب للطاعة وتكفير للذنب، فلا يصح إلا للمسلم الحر؛ للانتفاع به. (٢٩) مسألة: يُجزئ في الإطعام - في الكفارة - من جميع الحبوب التي هي قوت البلد، أو كان أغلب قوت البلد منه: سواء كان من بر، أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، أو أرز أو غيرها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك يجزئ في زكاة الفطر بل هو الأفضل - كما سبق في مسألة (٢٨) من باب "زكاة الفطر" من كتاب "الزكاة" - فكذلك يجزئ هنا والجامع: أن ما يقتاته غالب الناس يحقق استطعام المسكين والفقير منه بيسر وسهولة، ويسهل بيعه إن احتاج الفقير أو المسكين، فإن قلتَ: لا يجزئ في التكفير إلا الطعام الذي هو من بر، أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط: سواء كان من قوت البلد أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا، للمصلحة: حيث إن ذلك أنفع للفقراء والمساكين قلتُ: لا نسلَّم أن ذلك أنفع للفقراء والمساكين، بل الأنفع لهم ما ذكرناه من غالب قوت البلد، فإن قلتَ: ما سبب =

стр. 2641

البر أقل من مد، ولا من غيره) كالتمر، والشعير (أقل من مدَّين (٣٠) لكل واحد ممن يجوز دفع الزكاة إليهم)؛ لحاجتهم كالفقير، والمسكين، وابن السبيل، والغارم؛ لمصلحته، ولو صغيرًا لم يأكل الطعام، و"المد": رطل وثلث بالعراقي، وتقدم بالغُسْل (٣١) (وإن غدَّى المساكين، أو عشَّاهم: لم يجزئه) لعدم تمليكهم ذلك الطعام، بخلاف ما لو نذر إطعامهم (٣٢)، ................................. الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين". (٣٠) مسألة: مقدار ما يُعطى كل مسكين أو فقير: هو مدٌّ من بر - وهو ربع صاع -، ومدَّان من غير البر - وهو نصف صاع - من شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، أو أرز، ولا يجزئ أقل من ربع صاع بر، أو أقل من نصف صاع من غيره؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ذلك هو ما ثبت عن ابن عباس، وابن عمر، وقد سبق بيانه في الزكاة. (٣١) مسألة: الذي يُعطى في الإطعام - في كفارة الظهار - هو: المسكين، والفقير، والغارم لمصلحة نفسه كالمديون؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والفقير كالمسكين في ذلك؛ لعدم الفارق، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إعطاء الغارم لمصلحة نفسه فيه سد لحاجته، وإطعام لعياله. تنبيه: مقاييس المد في عصر المصنف هو عام (١٠٥١ هـ) قد سبق بيانها في مسألة (٤٠) من باب "الغسل" من كتاب "الطهارة". (٣٢) مسألة: يجزئ في الإطعام إعطاؤهم الطعام، أو يجمع ستين منهم ويغديهم، أو يعشيهم، أو يفعل ذلك بهم متفرقين؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ حيث إن الشارع قد أمر بالإطعام، لكنه لم يبين الطريقة ولم يقيدها بشيء، فيحصل الإطعام بأي طريقة أرادها المظاهر مما يناسبه الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو نذر بأن يُطعم ستين مسكينًا: فإنه يكون قد أوفى بنذره إذا أعطاهم الطعام أو غدَّاهم أو عشَّاهم والجامع: أنه فعل ما أمر =

стр. 2642

ولا يجزئ الخبز (٣٣)، ولا القيمة (٣٤)، وسُنَّ إخراج أُدم مع مجزئ (٣٥) (وتجب النية في التكفير من صوم وغيره) فلا يجزئ عتق، ولا صوم، ولا إطعام بلا نيّة؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"، ويعتبر تبييت نية الصوم، وتعيينها جهة الكفارة (٣٦) (وإن الله به في كل، فإن قلتَ: لا يُجزئ في الإطعام جمع الستين ثم يغدِّيهم أو يُعشِّيهم؛ للتلازم؛ حيث إن عدم تمليكهم الطعام يلزم منه عدم الإجزاء في الكفارة، قلتُ: إنهم إذا أُعطوا إياه لأكله: فإنهم يكونون قد ملكوه؛ لأن المسلم لا يأكل إلّا ما يملكه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في التمكين من الأكل هل هو تمليك أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا. (٣٣) مسألة: إن أطعم المظاهر الستين المسكين خبزًا: فإنه يجزئ إذا كان قدر الواجب - كما سبق بيانه في مسألة (٣٠)، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وهذا يطلق عليه أنه إطعام، فإن قلتَ: لا يجزئ ذلك، وهو ما قاله المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أن الخبز ليس بطعام كامل، إذ يحتاج إلى غيره: فلا يصدق عليه أنه طعام، فلا يجزئ قلتُ: بل يصدق عليه أنه طعام، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الخبز هل يُطلق عليه أنه طعام أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا. (٣٤) مسألة: لا يجزئ إخراج قيمة الطعام - في كفارة الظهار -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ حيث يلزم من لفظ "الطعام": اشتراط شراء الطعام من قبل المظاهر، وإطعامه للمساكين والفقراء، وإخراج القيمة ليس بإطعام فلا يُجزئ إخراج القيمة لدلالة مفهوم الصفة على ذلك. (٣٥) مسألة: يُستحب للمظاهر: أن يجعل مع الطعام المجزئ بعض الأدام من لحم وسمن ونحوه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه استكمال للطعام، ونفعه لذلك الفقير، أو المسكين بحيث يغنيه عن غيره. (٣٦) مسألة: يُشترط لصحة التكفير بعتق، أو صوم، أو إطعام: أن ينوي أن ذلك =

стр. 2643

أصاب المظاهر منها) في أثناء الصوم (ليلًا أو نهارًا) (٣٧) ولو ناسيًا (٣٨)، أو مع عذر يبيح الفطر: (انقطع التتابع)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ كفارة للظهار، ويبيت نية الصوم من الليل - كما في صوم رمضان - ويُعيِّن أنها لجهة كفارة الظهار؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" حيث إن هذا عام؛ إذ "الأعمال" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، والتكفير عمل فيدخل تحت هذا العموم، فحصر الأعمال الصحيحة شرعًا باشتراط النية، ودل مفهوم الحصر هنا على أن أي عمل لا يُنوى به شيء: فلا صحة له شرعًا. (٣٧) مسألة: لا يجوز وطء المظاهر للمظاهر منها إلّا بعد انتهاء أيام الشهرين المتتابعين، فإن وطئها في أثناء الصوم عامدًا - أي: قبل انتهاء الشهرين -: فقد انقطع التتابع، ويجب عليه استئناف الصوم، والابتداء بها من الأول: سواء كان هذا الوطء في الليل أو النهار؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فأمر الله تعالى بالكفارة قبل الوطء، وإذا وطئ في أثناء الصوم عامدًا فهو لم يأتِ بما أمر الله به، فلم يصح ما فعله، فيلزم من ذلك وجوب استئناف الصوم. (٣٨) مسألة: إذا وطئ المظاهر المظاهر منها - في أثناء صوم الكفارة - ناسيًا، أو مكرهًا، أو مخطئًا - وهو لم يستكمل الشهرين المتتابعين: فلا ينقطع التتابع بل يواصل الصوم، وكأن شيئًا لم يكن: سواء كان الوطء ليلًا أو نهارًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "عفي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" فكل ما وقع عن طريق الخطأ، أو النسيان أو الإكراه فهو معفو عنه فيما يتعلَّق بحقوق الله تعالى في جميع الفروع الفقهية؛ لأن "الخطأ والنسيان" اسم جنس معرف بأل، و"ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، فيكون معذورًا بذلك، فإن قلتَ: إنه ينقطع هنا، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: هذا مخالف لدلالة الحديث الظاهرة.

стр. 2644

يَتَمَاسَّا﴾ (٣٩) (وإن أصاب غيرها) أي: غير المظاهر منها (ليلًا)، أو ناسيًا، أو مع عذر يبيح الفطر: (لم ينقطع) التتابع بذلك؛ لأنه غير محرم عليه، ولا هو محل التتابع (٤٠)، ولا يضر وطء مظاهر منها في أثناء إطعام مع تحريمه (٤١). (٣٩) مسألة: إذا وُجد عذر يبيح الفطر - أثناء صوم الكفارة - كأن يتخلَّله شهر رمضان، أو فطر يوم عيد ونحو ذلك - من الأعذار السابق ذكرها في مسألة (٢٧) - ثم أفطر، ثم وطأ وجامع زوجته في وقت الفطر: فإن التتابع ينقطع، فيجب عليه أن يستأنف الصوم ابتداءً: سواء كان الوطء ليلًا أو نهارًا؛ للكتاب؛ وقد سبق ذكر ذلك في مسألة (٣٧). (٤٠) مسألة: إذا كان له زوجتان - زينب وفاطمة - فظاهر من زينب: فلا يجوز له أن يطأ المظاهر منها - وهي زينب - ليلًا، ولا نهارًا قبل استكمال الشهرين المتتابعين، أما فاطمة فيجوز أن يطأها متى شاء: ليلًا، أو نهارًا، عامدًا، أو مخطئًا، ذاكرًا أو ناسيًا، مختارًا أو مكرهًا، سواء في أثناء صومه للكفارة أو بعدها أو قبلها؛ مع عذر يبيح الفطر أو لا، وإذا وطأها - أعني فاطمة - فلا ينقطع التتابع المشروط في الصوم؛ للتلازم؛ حيث إن غير المظاهر منها - وهي هنا فاطمة - ليست محل للكفارة، والتتابع فيلزم: جواز وطئها مطلقًا. (٤١) مسألة: لا يجوز للمظاهر أن يطأ المظاهر منها حتى يستكمل الكفارة من إطعام، أو عتق رقبة، وإذا وطأ قبل استكمال الإطعام، والعتق: فإنه يستأنف من جديد، ويُعيد فعل الكفارة، وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك قد اشترط في الصوم - كما سبق في مسألة (٣٧) - فكذلك يكون في الإطعام والعتق، والجامع: أنه في كل قد وطئ في أثناء الكفارة، فوجب الاستئناف والآية أمرت باستكمال الكفارة قبل أن يتماسا، فإن قلتَ: يحرم الوطء قبل استكمال الكفارة بالإطعام والعتق، وإذا فعل ذلك كأن يُطعم ثلاثين مسكينًا، أو يُعتق نصف عبد، ثم يطأ ثم يكمل الستين مسكينًا، أو يكمل النصف الآخر فيُعتقه: لم يلزمه =

стр. 2645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إعادة ما مضى وهو قول الجمهور؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اشتراط التتابع في الإطعام والعتق: عدم وجوب إعادة ما مضى فيهما إذا وطئ أثناء فعلهما. قلتُ: إن الشارع قد أمر باستكمال فعل الكفارة قبل أن يتماسا، فلو تماسا - وهو الوطء - قبل استكمالها: لم يقع المأمور به على ما هو عليه، فلا يقع موقعه على ما أراده الشارع، فوجب إعادة ما مضى كما لو فعل في الصلاة شيئًا على غير ما أمر الله به فيجب عليه أن يعيدها وهكذا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع ظاهر الآية والقياس". هذه آخر مسائل كتاب: "الظهار" ويليه كتاب: "اللِّعان".

стр. 2646

كتاب اللِّعان مشتق من "اللعن"؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذبًا، وهو: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين مقرونة بلعن وغضب (١) و (يشترط في صحته: أن يكون بين زوجين) مكلَّفين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فمن قذف أجنبية حدّ ولا لعان (ومن عرف العربية: لم يصح لعانه بغيرها)؛ لمخالفته للنص (وإن جهلها) أي: العربية: (فبلغته) أي: لاعن بلغته، ولم يلزمه تعلُّمها (فإذا قذف امرأته بالزنا) في قبل أو دبر، ولو في طهر وطئ فيه: (فله إسقاط الحد) إن كانت محصنة، والتعزير، إن كانت غير محصنة (باللعان)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات (فيقول) الزوج (قبلها) أي: قبل الزوجة (أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها) إن كانت حاضرة (ومع غيبتها يسميها وينسبها) بما تتميز به (و) يزيد (في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني كتاب اللِّعان وفيه ثنتان وعشرون مسألة: (١) مسألة: اللعان لغة مشتق من اللَّعن، تقول: "لاعن" "يلاعن": لعانًا، واللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهو اصطلاحًا: "أن يقذف الزوج زوجته بالزنا فتكذِّبه، فيشهد كل واحد منهما بشهادات - مؤكَّدات بأيمان مقرونة بلعن في الخامسة من قبل الزوج إن كان كاذبًا، ومقرونة بالغضب في الخامسة من قبل الزوجة إن كان صادقًا، وبهذا يسلم الزوج من حد القذف، أو التعزير، وإلحاق الولد به وتسلم الزوجة من حد الزنا" وهو المقصد من مشروعية اللعان، فإن قلتَ: لِمَ سمي باللعان؟ قلتُ: لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه إن كان كاذبًا - وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله -.

стр. 2647

به من الزنا، ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) (٢)، (٢) مسألة: يشترط لصحة اللِّعان ستة شروط: أولها: أن يكون بين زوجين مكلَّفين - أي: كل واحد منهما عاقل بالغ -: سواء كانا حرين، أو عبدين، صالحين أو فاسقين، مسلمين أو كافرين ذميين، أو أحدهما كذلك، ثانيها: أن يقذفها بالزنا في قبل أو دبر، ثالثها: أن تكذِّبه، ويكون هذا التكذيب مستمرًا إلى انقضاء وقت اللعان، رابعها: أن يبدأ الزوج باللعان: فيشهد أربع مرات باللغة العربية قائلًا: "أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه" ويشير إليها، إن كانت حاضرة في المجلس، وإن كانت غائبة يقول: "أشهد بالله لقد زنت زوجتي فلانة بنت فلان" ويذكر ما تميّز به إن احتيج إلى ذلك، ثم يقول في الخامسة: "أن لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين"، خامسها: أن تقول الزوجة المتهمة بالزنا - بعد شهادات زوجها - أربع مرات باللغة العربية: "أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به فلان من الزنا" ثم تقول في الخامسة: "أن غضب الله علي إن كان من الصادقين" سادسها: أن يكون ذلك اللعان بحضرة الحاكم أو نائبه، وأن يقول كل واحد منهما من الزوجين شهاداته بعد إلقاء الإمام عليه؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ حيث حصر اللعان فيما إذا قذف الزوج زوجته بالزنا، ويدل قوله: ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ بمفهوم الصفة على أن الرجل لو قذف أجنبية عنه بالزنا: لما شرع اللعان هنا، بل المشروع حد القذف، وهذا عام في جميع من قذف زوجته: سواء كان حرًا أو عبدًا، أو غير ذلك، وباقي الآيات دالّة على تلك الشروط بالمنطوق أو المفهوم، الثانية: السنة القولية؛ حيث إن النبي ﷺ =

стр. 2648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه، ولاعن بينهما الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الحاكم هو الذي يأمر بالحلف واليمين في سائر الدعاوى ويأمر من عنده بذلك، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه يمين في دعوى فاعتبر فيه أمر الحاكم، فإن قلتَ: لِمَ قدم قول الزوج هنا؟ قلتُ: لأن قوله أرجح من قول الزوجة لما فيه من إتلاف فراشه ورمي زوجته بالفاحشة، وفضيحته. [فرع]: لا يصح اللعان إلّا باللغة العربية لمن عرفها أما إن كان لا يعرفها: فإنه يلاعن بلغته، ولا يلزمه تعلُّمها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح أركان النكاح من إيجاب وقبول إلا بتلك اللغة، وإذا لم يعرفها: فيصح نكاحه بلغته فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الأصل في الشرع هو: التعبير باللغة العربية في مصطلحاتها، ومن لا يعرفها فلا يكلَّف تعلُّمها من باب قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". [فرع ثان]: إذا تمَّ اللعان بشروطه وصفته السابقة: فإنه يُسقط عن الزوج حد القذف - وهو جلده ثمانين جلدة - إن كانت عفيفة، ويسقط تعزيره إن كانت غير عفيفة، ولا يلحقه ولده إن كانت حاملًا من ذلك الزنا ويسقط حد الزنا عن الزوجة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ حيث بينت الآية بمنطوقها: أن الذين يقذفون زوجاتهم بالزنا ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم فلهم أن يُعلنوا قذفهم لنسائهم بالزنا - لنفي الولد - ولا حدّ عليهم حدّ القذف، ولا حدّ على المقذوفة بالزنا: حدّ الزنا، وسبب ذلك مشروعية اللعان. [فرع ثالث]: إذا نكلت الزوجة، ولم تكذِّب زوجها فيما رماها به من الزنا: فإنه يحكم بحدِّها فترجم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أيمان الزوج ونكولها: أن =

стр. 2649

وسن تلاعنهما قيامًا (٣) بحضرة جماعة أربعة فأكثر (٤)، بوقت، ومكان معظَّمين (٥)، وأن يأمر حاكم من يضع يده على فم زوج وزوجة عند الخامسة، ويقول: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة (٦) (فإن بدأت) الزوجة (باللعان تُرجم؛ لثبوت الزنا عليها؛ لأن ذلك يعتبر بيّنة قوية عليها لا معارض لها. (٣) مسألة: يستحب أن يتلاعن الزوجان في حال قيامهما؛ للسنة القولية: حيث قال النبي ﷺ لهلال بن أمية - لما اتهم زوجته بالزنا، وأراد الملاعنة -: "قم فاشهد أربع شهادات" فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في الردع والزجر وقول الصدق. (٤) مسألة: يستحب أن يحضر اللعان جماعة من المسلمين لا ينقصوا عن أربعة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون بيّنة الزنا التي شرع اللعان من أجل الرمي به أربعة: استحباب حضور أربعة فما فوق، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تغليظ وردع وزجر، وفعل ذلك في الجماعة أبلغ. (٥) مسألة: يستحب أن تقع الملاعنة بين الزوجين في وقت معظَّم، كبعد عصر يوم الجمعة، أو دبر أي صلاة مباشرة، وأن تقع في مكان معظَّم كأن يوقفهما بين الركن والمقام في مكة، أو عند الصخرة ببيت المقدس، أو عند المنبر في سائر المساجد، وتقف المرأة الحائض المتهمة بالزنا والملاعنة عند باب المسجد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أبلغ في الردع والزجر. (٦) مسألة: يُستحب للإمام أو نائبه أن يأمر رجلًا يضع يده على فم الزوج الملاعن، ويأمر امرأة تضع يدها على فم الزوجة الملاعنة، فيقول كل من الرجل والمرأة للمتلاعنين: قبل الخامسة: "اتّق الله فإن اللعن، والغضب هما الموجبتان لعذاب الله، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" يُقال ذلك لكل واحد منهما؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد فعل ذلك لما تلاعن عنده هلال بن أمية وامرأته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخويف لعلهما =

стр. 2650

قبله) أي: قبل الزوج: لم يصح (أو نقص أحدهما شيئًا من الألفاظ) أي: الجمل (الخمسة): لم يصح (أو لم يحضرهما حاكم أو نائبه) عند التلاعن: لم يصح (أو أبدل) أحدهما (لفظة: أشهد بأقسم أو أحلف): لم يصح (أو) أبدل الزوج (لفظة اللعنة بالإبعاد) أو الغضب، ونحوه: لم يصح (أو) أبدلت لفظة (الغضب بالسخط: لم يصح) اللعان؛ لمخالفته النص، وكذا: إن علَّق بشرط، أو عدمت موالاة الكلمات (٧). (فصل): (وإن قذف زوجته الصغيرة، أو المجنونة بالزنا: عُزِّر، ولا لعان)؛ لأنه يمين، فلا يصح من غير مكلَّف (٨) (ومن شرطه قذفها) أي: الزوجة (بالزنا لفظًا) قبله يتوبان أو أحدهما فلا يقدمان على قولهما ذلك. (٧) مسألة: لا يصح اللعان في حالات عشر: "أولها: إذا بدأت الزوجة باللعان قبل الزوج، ثانيها: إذا نقص أحد الزوجين شيئًا من ألفاظ وجمل اللعان الخمسة، ثالثها: إذا لم يحضرهما حاكم أو نائبه عند تلاعنهما، رابعها: إذا أتى به أحد الزوجين قبل إلقائه عليه من الإمام أو نائبه، خامسها: إذا أبدل أحد الزوجين لفظ "أشهد" بلفظ "أقسم" أو بلفظ: "احلف" سادسها: إذا أبدل الزوج لفظ "اللعنة" بلفظ "الإبعاد"، أو بلفظ "الغضب" ونحو ذلك سابعها: إذا قدَّم اللعنة قبل الخامسة، ثامنها: إذا أبدلت الزوجة لفظ "الغضب" بلفظ "السخط" تاسعها: إذا علَّق الزوج اللعان على شرط كأن يقول: "لقد زنت زوجتي هذه إن صدقني فلان" عاشرها: إذا لم توجد الموالاة بين ألفاظ وجمل وكلمات اللعان: بأن فرق أحدهما بين ألفاظ اللعان؛ للتلازم؛ حيث إن هذه الحالات العشر مخالفة لما ورد من آيات اللعان، وما ورد من وقعة لعان هلال بن أمية لامرأته بحضرة النبي ﷺ : فيلزم عدم صحة اللعان في تلك الحالات، أي: لو تدبَّرت القرآن والسنة: لوجدت أن تلك الحالات لا تصح. (٨) مسألة: إذا قذف زوج زوجته الصغيرة - وهي التي دون تسع سنوات - أو المجنونة بالزنا: فإنه يُعزَّر ويعاقب بما يراه الإمام مناسبًا، ولا يصح اللعان هنا؛ للتلازم؛ =

стр. 2651

(كـ) قوله: (زنيتِ، أو يا زانية، أو رأيتكِ تزنين في قُبُل، أو دُبُر)؛ لأن كلًّا منهما قذف يجب به الحد (٩)، ولا فرق بين الأعمى، والبصير؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية (١٠) (فإن قال) لزوجته (وطئت بشبهة أو) وطئت (مكرهة، أو حيث إن اللعان يمين؛ لقوله ﵇ لامرأة هلال بن أمية لما ولدت ولدًا شبيهًا بالزاني -: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" والأيمان لا تكون إلا من مكلَّف - بالغ عاقل - فيلزم عدم صحتها من صغيرة، أو مجنونة. (٩) مسألة: يُشترط في صحة اللعان: أن يقذف زوجته بلفظ الزنا قبل اللعان كقوله لها: "إنكِ قد زنيتِ" أو يقول لها: "يا زانية" أو يقول: "رأيتكِ تزنين": سواء رأى أنه يفعل بها في قبلها، أو دُبُرها فإن لم يقذفها لفظًا: فلا لعان؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك قذف يجب به حدّه فيلزم صحة اللعان؛ درءًا لحد القذف عنه، ويلزم من عدم قذفها بلفظ الزنا: عدم اللعان؛ لعدم وجوب حد القذف عليه. (١٠) مسألة: إذا قذف زوج زوجته بالزنا: فيُشرع اللِّعان: سواء كان ذلك الزوج أعمى أو بصيرًا، وسواء كان أصمًا، أو سميعًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ وهذا الأعمى، والأصم رام لزوجته بالزنا فيدخل في عموم هذه الآية؛ لأن "الذين" اسم موصول وهو من صيغ العموم، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن البيِّنة تقبل من الأعمى والأصم كالبصير والسميع، فكذلك يُقبل منه قذف زوجته بالزنا، والجامع: أنه في كل منهما يتخلَّص من التهم بالكذب، والقذف، فإن قلتَ: لا يكون اللعان في حق الأعمى، إذا لم يوجد حمل ينكر - أنه منه وهو قول مالك؛ للتلازم؛ حيث إن كون آيات اللعان قد نزلت بهلال بن أمية وهو قد أتى إلى النبي ﷺ قائلًا: "قد رأيتُ بعيني، وسمعتُ بأذني" - يقصد أنه رأى زوجته مع من زنى بها، وسمع بأذنه قولهما عند الزنا - يُقصر اللعان على مثل ذلك، أي: مثل هلال بن أمية: بأن يكون بصيرًا، فيلزم: عدم صحة اللعان من الأعمى؛ لأن العبرة بخصوص =

стр. 2652

نائمة، أو قال: لم تزن، ولكن ليس هذا الولد مني، فشهدت امرأة ثقة أنه وُلد على فراشه: لحقه نسبه)؛ لقوله ﷺ : "الولد للفراش" (ولا لعان) بينهما؛ لأنه لم يقذفها بما يوجد الحد، ومن شرطه: أن تكذبه الزوجة (١١) (وإذ تمّ) اللعان: (سقط عنه) أي: عن الزوج (الحد) إن كانت محصنة (والتعزير) إن كانت غير محصنة (وثبتت الفرقة بينهما) أي: بين الزوجين بتمام اللعان (بتحريم مؤبَّد) ولو لم يفرق الحاكم بينهما، أو أكذب نفسه بعد، وينتفي الولد إن ذكر في اللعان صريحًا، أو تضمُّنًا بشرط: أن لا يتقدمه إقرار به، أو بما يدل عليه: كما لو هنئ به فسكت أو أمَّن على الدعاء، أو أخَّر نفيه مع إمكانه (١٢)، ومتى أكذب نفسه بعد ذلك: لحقه نسبه، السبب لا بعموم اللفظ قلتُ: لا نسلِّم ذلك، بل العبرة بعموم اللفظ - وهو لفظ آية اللعان - لا بخصوص السبب، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ " فعندنا: الأول، وعندهم: الثاني. (١١) مسألة: إذا لم يقذف الزوج زوجته بلفظ "الزنا" بأن قال: "وطئت بشبهة" أو قال: "وطئت مكرهة" أو قال: "وطئت نائمة" أو قال: "لم تزن ولكن هذا الولد ليس مني" أو قال: "لم أقذفها، ولكن ليس هذا الولد مني"،: فلا لعان بينهما، وإن كان بينهما ولد: فإنه يُنسب إليه، ولا يجوز نفيه بشرطين: أولهما: أن تكذبه الزوجة فيما قاله، ثانيهما: أن تشهد امرأة ثقة أن هذا الولد قد ولد على فراشه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" حيث أثبت أن الولد تابع لمن كان له الفراش، ولمن كانت تلك المرأة المتهمة زوجة له، ونفاه عن الزاني وهو العاهر، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم قذفه لها بالزنا: عدم صحة اللعان، ويلزم من شهادة امرأة ثقة، وتكذيبها له: ثبوت نسب الولد له. (١٢) مسألة: إذا تمّ اللعان بين الزوجين بالشروط والمواصفات السابقة - كما سبق في =

стр. 2653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسألة (٢) -: فإنه تثبت الأحكام التالية: أولها: أن حدَّ القذف يسقط عن الزوج إن كانت محصنة عفيفة، ويسقط التعزير عنه إن كانت غير ذلك، ثانيها: أنه يُفرَّق بينهما بتحريم مؤبَّد، ولا يحتاج إلى طلاق، ولا فسخ، وهذه الفرقة تقع بنفس اللعان، وهذا ثابت سواء فرّق الحاكم بينهما أو لا، وسواء كذَّب الزوج نفسه بعد فراغ اللعان أو لا، ثالثها: انتفاء الولد، وعدم نسبته إلى الزوج إن ذكر في اللعان صريحًا كأن يقول: "أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، أو فلانة وما هذا ولدي" وتقول هي: "أشهد بالله لقد كذب، وهذا الولد ولده"، أو تضمَّن كلامه أنه ولده كأن يقول: "أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، أو فلانة في طهر لم أجامعها فيه واعتزلتها حتى ولدت" فهنا ينتفي بشرط: أن لا يتقدَّم اللعان إقرار بالمنفي، أو إقرار بما يدل على الإقرار به مثل: أن ينفيه ويسكت عن المولود معه ولادة توأم، أو هُنِّي بولادته فسكت كأن قيل له: "مبروك الولد" فسكت أو قال: "آمين" لما دُعي له كأن يقول له شخص: "رزقك الله مثله" فيقول: "آمين" أو أخَّر نفيه بلا عذر: فإن تقدم اللعان إقرار به أو إقرار بما يدل على الإقرار به، أو أخَّر نفيه بلا عذر مع إمكانه فلا ينتفي، ولو نفاه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أن هلال بن أمية لما قال للنبي ﵇: إن زوجتي قد زنت قال له ﵇: "البيِّنة وإلَّا حدٌّ في ظهرك" فنزلت الآية، وشهد، فسقط عنه حد القذف، والتعزير، ثانيهما: قوله ﵇ لما فرغ كل واحد من الزوجين من اللعان -: "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين" وفي لفظ عند أبي داود: "ثم لا يجتمعان أبدًا" حيث دلّ ذلك على أن التفريق مؤبَّد بينهما، وظاهره، يدل على أن التفريق وقع بنفس اللعان، وهذا لازم من لفظ: "ذلكم" حيث إنه يُشير إلى اللعان الثانية: التلازم؛ حيث إن التصريح بنفي الولد في اللعان أو تضمينه في الكلام وعدم الإقرار به قبل اللعان، وعدم وجود دليل يدل على =

стр. 2654

وحُدَّ لمحصنة، وعُزِّر لغيرها (١٣)، والتوأمان المنفيان أخوان لأم (١٤). (فصل): فيما يلحق من النَّسب (من ولدت زوجته من) أي: ولدًا (أمكن كونه منه: لحقه) نسبه؛ لقوله ﷺ : "الولد للفراش"، وإمكان كونه منه: (بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه) إياها ولو مع غيبة فوق أربع سنين (أو) تلده لـ (دون أربع سنين منذ أبانها) زوجها (وهو) أي: الزوج (ممّن يولد لمثله كابن عشر)؛ لقوله ﷺ : "واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع"، ولأن تمام عشر سنين يمكن فيه البلوغ، فيلحق به الولد (ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه)؛ لأن الأصل عدمه، وإنما ألحقنا الولد به؛ حفظًا للنسب واحتياطًا، وإن لم يمكن كونه منه: كأن الإقرار: يلزم من ذلك كله: انتفاء الولد وعدم نسبته إلى الزوج، ويلزم من وجود إقراره به، أو دلالة على ذلك: عدم انتفاء الولد عنه، ولو نفاه في اللعان. (١٣) مسألة: إذا فرغ الزوج والزوجة من اللعان، وفرّق بينهما، وانتفى ولده عنه بسبب ذلك وأكذب نفسه: فإنه يلحقه نسب ولده الذي نفاه في اللعان السابق، ويُحدُّ حد القذف إذا كان قد قذف محصنة عفيفة حرَّة بالزنا، ويُعزَّر، ويُعاقب بما يراه الحاكم مناسبًا له إذا كان قد قذف غير محصنة كالرقيقة، والذمية؛ للتلازم؛ حيث إن اللعان تسبَّب في انتفاء الولد، وسقوط حد القذف، والتعزير عنه، فيلزم من تكذيبه لنفسه وإقراره بما يخالف ما قاله أولًا: أن تسقط أحكام اللعان فيلزم إلحاق نسب ولده به، وإثبات حد القذف والتعزير عليه. (١٤) مسألة: إذا نفى الزوج ولديه اللذين ولدا وهما توأمان: فإنهما يكونان أخوين لأم فقط؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من نفي الزوج لهما: انتفاء نسبهما إليه، ويلزم من انتفاء النسب: كونهما أخوين لأم. [فرع]: من نفى ولده، قائلًا: إنه ولد زنا، وأبى أن يلاعن: فإنه يحدّ حدّ القذف - وهو ثمانون جلدة -، وله أن يمنع ذلك بفعل اللعان؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم لعانه: قذفه لمحصنة، والقاذف يُجلد جلد القذف.

стр. 2655

أتت به لدون نصف سنة منذ تزوجها وعاش، أو لفوق أربع سنين منذ أبانها: لم يلحقه نسبه، وإن ولدت رجعية بعد أربع سنين منذ طلَّقها، وقبل انقضاء عدّتها، أو لأقل من أربع سنين من انقضاء عدّتها: لحقه نسبه (١٥) (ومن اعترف بوطء أمته في (١٥) مسألة: إذا أتت زوجته أو أمته بولد: فإنه يلحق الزوج نسب هذا الولد بشرطين: أولهما: أن يمكن أن يكون الولد منه من حيث الزمن: بحيث تأتي بعد ستة أشهر من اجتماعه والدخول بها: سواء كان غائبًا عنها أقلّ أو أكثر من أربع سنين، أو تلده لدون أربع سنين منذ طلَّقها طلاقًا بائنًا، ولم تخبره بانقضاء عدّتها بالقروء، أو ولدت مطلَّقة طلاقًا رجعيًا بعد أربع سنين منذ طلقها وقبل انقضاء عدَّتها، أو لأقل من أربع سنين من انقضاء عدّتها؛ ثانيهما: أن يكون ذلك الزوج ممن يولد لمثله كابن عشر سنين، أما إن لم يتوفر هذان الشرطان، أو أحدهما بأن لم يمكن كونه منه كأن تكون قد أتت بهذا الولد لدون ستة أشهر منذ تزوجها بذلك الزوج، أو أتت بهذا الولد لفوق أربع سنين منذ طلقها طلاقًا بائنًا، أو كان لا يولد لمثله: فلا يلحقه نسبه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" حيث بيّن أن الأصل: أن الولد للزوج، وهو صاحب الفراش الشرعي ولا يُغيِّر هذا الأصل ولا يكون ولده إلّا إذا انتفى الشرطان أو أحدهما، ثانيهما: قوله ﵇: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع" ويلزم من الأمر بالتفريق بين الذكر والأنثى في المنام: إمكان الوطء ممّن له عشر سنوات، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من إمكان كون الولد منه من حيث الزمن والعمر: إلحاق الولد به، ويلزم من عدم كون الولد منه بسبب تخلُّف الشرطين السابقين أو أحدهما: عدم إلحاق الولد به. [فرع]: إذا شُكَّ في بلوغ الصبي: فلا يحكم ببلوغه، فلا تترتب الأحكام على ذلك، ولا ثبت به عِدَّة، ولا رجعة، ولا غير ذلك من التكاليف؛ =

стр. 2656

الفرج، أو دونه) أو ثبت عليه ذلك (فولدت لنصف سنة، أو أزيد: لحقه) نسب (ولدها)؛ لأنها صارت فراشًا له (إلا أن يدَّعي الاستبراء) بعد الوطء بحيضة فلا يلحقه؛ لأنه بالاستبراء: تيقَّن براءة رحمها (ويحلف عليه) على الاستبراء؛ لأنه حق للولد لولاه لثبت نسبه (١٦) (وإن قال) السيد (وطئتها دون الفرج، أو فيه) أي: في الفرج (ولم أُنزل، أو عزلت: لحقه) نسبه؛ لما تقدَّم (١٧) (وإن أعتقها) السيد (أو باعها للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم البلوغ، فنعمل على ذلك، ولا نلتفت إلى الشك، فلا يعمل به، فإن قلتَ: إذا كان الأمر كذلك فلم ألحق الولد به مع الشك في بلوغه؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حفظ النسب، واحتياط للدين. (١٦) مسألة: إذا اعترف سيد بوطء أمته في الفرج، أو دونه، أو ثبت عليه ذلك بالبيِّنة والقرينة: فإنها إذا أتت بولد: فإنه يلحقه نسبه بشرطين: أولهما: أن تلده بعد مضي ستة أشهر من وقت وطئها أو أزيد، ثانيهما: أن لا يدَّعي ذلك السيد أنه استبرأها من ذلك الوطء بحيضة، فإن لم يعترف بوطئها، ولم يثبت ذلك ببيِّنة، أو ولدته قبل مضي ستة أشهر، أو ادَّعى: أنه استبرأ بحيضة وحلف على ذلك: فإن ولدها لا يلحق بذلك السيد؛ للتلازم؛ حيث إن ثبوت الوطء بالاعتراف أو البيِّنة، وولادتها له بعد مضي ستة أشهر، وعدم ادعائه أنه استبرأها يلزم منه أنها فراش له شرعًا، والولد للفراش كما سبق بيانه: ويلزم من عدم اعترافه بشيء، وعدم البيِّنة، أو ولادتها له قبل مضي ستة أشهر، أو ادعائه أنه استبرأها بحيضة وحلفه على ذلك: عدم لحوق ولدها بالسيد، فإن قلتَ: لِمَ يُقبل قوله بالاستبراء بحيضة مع يمينه؟ قلتُ: لأن الاستبراء فيه تيقن براءة رحمها وهذا أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه إلا بمشقّة، ويحلف على ذلك الاستبراء قياسًا على سائر الحقوق؛ إذ لولا ذلك لثبت نسبه إلى ذلك السيد. (١٧) مسألة: إذا اعترف السيد قائلًا: "إني وطأتُ أمتي هذه في الفرج، أو دونه، =

стр. 2657

بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة) وعاش: (لحقه) نسبه؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا أتت به لدونها وعاش: علم أن حملها كان قبل عتقها وبيعها حين كانت فراشًا له (والبيع باطل)؛ لأنها صارت أم ولد له، ولو كان قد استبرأها؛ لظهور أنه دم فساد؛ لأن الحامل لا تحيض، وكذا: إن لم يستبرئها وولدته لأكثر من نصف سنة، ولأقل من أربع سنين، وادَّعى مشتر أنه من بائع (١٨)، وإن استُبرئت، ثم ولكني لم أنزل المني، أو عزلتُ": وأتت بولد: فإنه يلحقه نسبه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها ولدت على فراشه ما يمكن كونه منه: إلحاق الولد به؛ وذلك لاحتمال كونه أنزل ولم يحس به، أو أن بعض منيه قد دخل في الرحم دون أن يشعر. (١٨) مسألة: إذا اعترف سيد بوطء أمته، ثم أعتقها ذلك السيد، أو باعها، فأتت بولد لدون ستة أشهر من وقت عتقها أو وقت بيعها، وعاش هذا الولد: فإن نسب هذا الولد يلحق السيد، ويكون البيع باطلًا والعتق صحيحًا: سواء كان قد استبرأها بحيضة أو لا، وكذا: يثبت نسبه إليه إذا ولدته لأكثر من ستة أشهر، إن لَم يستبرأها وكذا: يثبت نسبه إليه إذا ولدته لأقل من أربع سنين بشرط: أن يدَّعي مشتر أن هذا الولد من البائع، سواء ادَّعاه البائع نفسه أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها ولدت على فراشه ما يمكن كونه منه: إلحاق الولد به؛ لأن أقل مدَّة الحمل ستة أشهر، فيكون حملها قد وقع قبل عتقها وبيعها حينما كانت فراشًا له، فإن قلتَ: لِمَ بطل البيع هنا؟ قلتُ: لكون الأمة التي أتت بولد، وثبت نسبه إليه قد صارت أم ولد له، وأم الولد لا تُباع فإن قلتَ: لِمَ ثبتت نسبة الولد إليه مع أنه قد استبرأها بحيضة؟ قلتُ: لأنه لما ظهر أن الحمل قد ثبت: اتضح أن ما خرج من دم خلاله كان دم فساد؛ لأن الحامل لا تحيض. [فرع]: إذا وطأ شخص وطء شبهة: بأن وطأ امرأة لا زوج لها يظنها زوجته، فبانت أنها ليست هي، فحملت الموطوءة، فأتت بولد: فإن نسبه =

стр. 2658

ولدت لفوق نصف سنة: لم يلحق بائعًا (١٩)، ولا أثر لشبه مع فراش (٢٠) وتبعية نسب لأب ما لم ينفه بلعان (٢١)، ...................................... يلحق الواطئ؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الذي وطأ امرأة بعقد نكاح وأتت بولد يلحقه نسبه فكذلك من وطأ بشبهة والجامع: أن الواطئ في كل منهما قد اعتقد حلَّ هذا الوطء، فإن قلتَ: إنه لا يلحق به؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو زنى بامرأة وحملت منه، وأتت بولد فإن هذا الولد لا يلحق بنسبه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما وطء لا يستند إلى عقد صحيح قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الذي وطأ بشبهة يعتقد حل هذا الوطء، أما الزاني فلم يعتقد حلَّ هذا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" لذلك يفرع العلماء على ذلك مسألة تتكرر وهي ما لو تزوج رجلان أختين فغلط بهما عند الدخول فزفَّت كل منهما إلى زوج الأخرى، فوطئها، وحملت منه: فإن الولد يلحق بالواطئ، لكونه لما وطأ اعتقد حلَّه فلحق به النسب كالواطئ في نكاح فاسد. (١٩) مسألة: إذا اعترف سيد بوطء أمته، ثم استبرأها، ثم باعها، ثم ولدت لفوق ستة أشهر من بيعها: فإن هذا الولد لا يلحق بنسبه ذلك البائع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استبرائها، وولادتها بعد ستة أشهر من بيعها: عدم لحوق الولد الذي أتت به بنسبه؛ لعدم إمكان كونه منه. (٢٠) مسألة: إذا ولد لشخص ولد، وجاء شبهه مختلف عن شبه ذلك الشخص، أو مختلف عن شبه إخوته الأشقاء: فلا أثر لذلك، أي: يُنسب إليه مع اختلاف الشبه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" وهذا أصل في الشريعة، ولا يُترك إلا بأدلة وبراهين قطعية أو قريبة من القطع. (٢١) مسألة: الولد يُنسب لأبيه ويتبعه بشرط: أن لا ينفيه ذلك الأب باللعان بصرف النظر عن أمه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ وهذا أمر مطلق، =

стр. 2659

وتبعية دين لخيرهما (٢٢). فيقتضي الوجوب. (٢٢) مسألة: الولد يتبع في دينه لخير الأبوين دينًا، فلو تزوج مسلم كتابية: فإن الولد يكون مسلمًا، وإذا تزوج نصراني مجوسية أو بالعكس: فإن الولد يكون تبعًا للنصراني أو النصرانية، وهكذا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه خير للولد في دنياه وآخرته. هذه آخر مسائل كتاب: "اللعان" ويليه كتاب: "العدد" أو "العِدَّة".

стр. 2660

كتاب العِدَد واحدها "عدَّة" بكسر العين، وهي: التربُّص المحدود شرعًا، مأخوذ من العدد؛ لأن أزمنة العدَّة محصورة مقدَّرة (١) (٢) (وتلزم العدة كل امرأة) حرة، أو أمة، أو كتاب العِدَد - أو العِدَّة - - بيان حقيقتها، وأصناف المعتدات، وحكم الإحداد، وسكنى المتوفى عنها، والرجعية والبائن وفيه ثمان وستون مسألة: (١) مسألة: العِدَد: جمع "عِدَّة" وهي لغة: مأخوذة من العدِّ والحساب، يُقال: "معتدُّ به": محسوب غير ساقط، وهو في الاصطلاح: "مدَّة محدودة شرعًا تتربَّص فيها المرأة؛ لتعرف براءة رحمها بعد مفارقة زوجها لها" وسيأتي بيان ذلك في المسائل الآتية. (٢) مسألة: العدَّة على المرأة إذا فارقها زوجها واجبة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ لفاطمة بنت قيس -: "اعتدِّي في بيت ابن أم مكتوم" وقال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلّا على زوج أربعة أشهر وعشر" فقوله: "يتربصن" في الآيتين و"فعدتهن" خبر أريد به الأمر، وهو مطلق فيقتضي الوجوب، وقوله: "اعتدي" أمر صريح، وهو مطلق فيقتضي الوجوب، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على وجوب العدَّة على المرأة إذا فارقها زوجها، ومستند هذا الإجماع: تلك النصوص السابقة فإن قلتَ: لِمَ وجبت العدَّة على المرأة؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي من =

стр. 2661

مبعَّضة، بالغة، أو صغيرة يوطأ مثلها (فارقت زوجها) بطلاق أو خلع، أو فسخ (خلا بها مطاوعة مع علمه بها و) مع (قدرته على وطئها ولو مع ما يمنعه) أي: الوطء (منهما): أي: من الزوجين كجبِّه، ورتقها (أو من أحدهما حسًّا) كجبه، أو رتقها (أو) يمنع الوطء (شرعًا) كصوم وحيض (أو وطئها) أي: تلزم العدة زوجة وطئها ثم فارقها (أو مات عنها) أي: تلزم العدة متوفى عنها مطلقًا (حتى في نكاح فاسد فيه خلاف) كنكاح بلا ولي إلحاقًا له بالصحيح، ولذلك وقع فيه الطلاق (٣) (وإن كان) وجوه: أولها: استبراء رحم المرأة من الحمل؛ لئلا يطأها أحد بعد زوجها الذي فارقها قبل العلم ببراءة رحمها فيحصل اختلاط الأنساب وضياعها، ثانيها: إظهار تأثير فقد الزوج في الامتناع عن التزوج، وترك التزين؛ نظرًا لعظيم حقه، ثالثها: تطويل زمن الرجعة؛ لعلَّ مطلقها يُراجعها في هذه المدَّة؛ حيث إنه أصلح لها وله، ولولدهما، رابعها: تعظيم خطر عقد النكاح، إذ له تبعات وتعلُّقات، بخلاف العقود الأخرى، خامسها: جعل للزوج المفقود حرمة، من أن توطأ زوجته السابقة بعد فقده مباشرة، سادسها: جعل حريم لانقضاء النكاح الأول لما كمل، سابعها: نسيان الزوج الأول، حيث إن الزوج الثاني قد تأخذه الغيرة إذا ذكرت زوجته زوجها الأول بحضرته، فمدَّة تلك العدة كفيلة بأن تجعل المرأة تنسى ما حصل مع زوجها الأول، فتتجه إلى الثاني بكل محبة وألفة ورحمة، فتحصل استدامة زواجها الثاني، بإذن الله. (٣) مسألة: تجب العدَّة على كل امرأة فارقت زوجها بسبب طلاق من زوجها، أو خلع - بأن دفعت عوضًا لأجل طلاقها - أو فسخ؛ لقصور في نفقة ونحوها، أو بسبب وفاة الزوج، وذلك بشرط: أن يكون زوجها الذي فارقها قد خلا بها، أو وطئها وهي عالمة بذلك وهذا مطلق، أي: سواء كانت المرأة حرة أو أمة، أو مبعَّضة: وسواء كانت مسلمة، أو كافرة ذمية، وسواء كانت ذمية تحت ذمي، أو كانت تحت مسلم، وسواء كانت كبيرة، أو صغيرة يوطأ مثلها - كبنت تسع -=

стр. 2662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسواء كان فيهما ما يمنع الوطء حسًا كمرضهما - كرتقها وجبِّه هو - أو في أحدهما - كرتقها أوجبها، أو مرض أحدهما - أو كان فيها ما يمنع الوطء شرعًا: ككونها حائضًا، أو نفساء، أو محرمة أو كان هو محرمًا، أو معتكفًا، وسواء كان النكاح فاسدًا عند بعض العلماء كالنكاح بلا ولي، أو كان صحيحًا مجمعًا عليه، فلو أتت بولد: فإنه يلحق هذا الزوج؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ الثانية: السنة القولية؛ وقد سبق ذكر نصوصهما - في مسألة (٢) - حيث إن تلك النصوص عامة لكل من ذكرنا؛ لأن المرأة في تلك الصور المذكورة في هذه المسألة تسمَّى زوجة شرعًا فتعمُّها تلك الألفاظ الواردة في تلك الآيات والأحاديث ولا يُوجد مخصِّص لأي صورة، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من كون الكفار مكلَّفون بفروع الشريعة: أن تعتدَّ الذمية كما تعتد المسلمة - في تلك الحالات - ولو لم تكن العدة من دينهم - وقد فصَّلت ذلك في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام"، الرابعة: قول الصحابي؛ حيث ورد عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت: "أن من أغلق سترًا، أو أغلق بابًا: فقد وجب المهر، ووجبت العدَّة"، فإن قلتَ: لِمَ وجبت العدَّة هنا مطلقًا؟ قلتُ: لأن عقد النكاح عقد على المنافع فالتمكين فيه يجري فيه مجرى الاستيفاء في الأحكام المتعلقة به كعقد الإجارة، ولكون الوطء هنا هو الغالب فشرع احتياطًا، فإن قلتَ: إن الذمية لا عدَّة عليها هنا إذا لم يكن ذلك في دينهم، وهو قول أبي حنيفة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ حيث إن قوله: "المؤمنات" قد دلّ بمفهوم الصفة على أن الكافرة - وإن كانت ذمية - لا عدَّة عليها قلتُ: إن قوله: "المؤمنات" قد خرج مخرج الغالب في أن النساء يكنّ غالبًا من المؤمنات، وما خرج مخرج الغالب: لا مفهوم له. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المؤمنات هل خرج مخرج الغالب =

стр. 2663

النكاح (باطلًا وفاقًا) أي: إجماعًا كنكاح خامسة، أو معتدَّة: (لم تعتد للوفاة) إذا مات عنها، ولا إذا فارقها في الحياة قبل الوطء؛ لأن وجود هذا العقد كعدمه (٤) (ومن فارقها) زوجها (حيًا قبل وطء وخلوة) بطلاق، أو غيره: فلا عدَّة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٥) (أو) طلقها (بعدهما) أي: بعد الدخول والخلوة (أو) طلقها أو لا؟ " وأيضًا: "الخلاف في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أو لا؟ " فمن قال: إنه خرج مخرج الغالب، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: قال: إن الذمية عليها عدَّة، ومن قال لا: قال: إن الذمية لا عدَّة عليها. (٤) مسألة: إذا كان النكاح باطلًا وفاسدًا بإجماع العلماء كأن يتزوج رجل امرأة خامسة، أو يتزوجها وهي في حال عدّتها على رجل سابق، ثم فارقها ذلك الرجل بطلاق أو موت: ففيه حالتان: الحالة الأولى: إن كان قد وطئها وجامعها ذلك الرجل: فإن العدَّة تجب عليها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزانية تجب عليها العدة، فكذلك الموطوءة بنكاح فاسد بالاتفاق، والجامع: استبراء رحم المرأة الموطوءة هنا في كل، الحالة الثانية: إن كان لم يطئها ولم يجامعها، ولكنه خلا بها فقط: فلا تجب عليها العدَّة، أي: لها أن تتزوج متى أرادت؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المرأة التي لم تتزوج زواجًا صحيحًا، أو فاسدًا، لا تعتدّ فكذلك هذه المرأة التي تزوجت بنكاح فاسد بالإجماع وخلا بها زوجها فقط لا عدَّة عليها، والجامع: عدم وجود عقد شرعي أصلًا؛ لكون وجود هذا العقد الفاسد إجماعًا كعدمه. (٥) مسألة: إذا فارق زوج زوجته وهو حي، بطلاق، أو فسخ، أو خلع قبل أن يطأها ويمسها، ويخلو بها: فلا عدَّة عليها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ فنفى العدَّة هنا بمنطوق ذلك، ودلَّ مفهوم الزمان على أنه إذا طلَّق بعد المس - وهو الوطء - فعليها العدة، فإن قلتَ: لِمَ لا عدَّة عليها =

стр. 2664

(بعد أحدهما، وهو ممن لا يولد لمثله) كابن دون عشر، وكذا: لو كانت لا يوطأ مثلها كبنت دون تسع: فلا عدَّة؛ للعلم ببراءة الرحم (٦)، بخلاف المتوفى عنها فتعتدُّ مطلقًا؛ تعبُّدًا؛ لظاهر الآية (٧) (أو تحمَّلت بماء الزوج) ثم فارقها قبل الدخول هنا؟ قلتُ: لأن المقصد من العدَّة هو: إبراء رحم المرأة، وهنا قد غلب على ظننا - بل تيقّنا - براءته؛ لعدم وجود سبب لإشغاله بشيء. (٦) مسألة: إذا فارق زوج زوجته. وهو حي بطلاق، أو فسخ، أو خلع بعد أن دخل بها ووطأها ومسَّها، أو خلا بها، أو فارقها بعد الدخول، أو الخلوة، وكان هذا الزوج ممن لا يولد لمثله كمن له عشر سنوات فما دون، أو كانت تلك الزوجة ممن لا يوطأ مثلها كمن لها دون تسع سنوات: فإنه لا عدَّة على الزوجة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علمنا ببراءة رحم هذه الزوجة: عدم وجوب العدة عليها؛ لأن الغرض الذي شُرعت له العدَّة غير موجود هنا؛ حيث إنه لا يمكن إشغال الرحم بشيء من هذين الزوجين. (٧) مسألة: إذا توفي زوج عن زوجته: فتجب عليها العدَّة مطلقًا، أي: سواء كان الزوج كبيرًا، أو صغيرًا وسواء كانت هي كبيرة أو صغيرة أمكن الوطء أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ حيث إن ذلك عام في الأزواج والزوجات الكبار والصغار، ولا يُوجد ما يُخصِّص ذلك، فإن قلتَ: لِمَ فرَّق الشارع بين هذه المسألة، ومسألة (٦) في الحكم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الميت لا يمكن له أن يدافع عن نفسه فيما لو ادَّعت امرأة أن هذا الحمل منه مع أنه صغير لا يمكنه الوطء، أو هي صغيرة لا تتحمَّل الوطء، أما الحي - كما في مسألة (٦) - فيمكنه أن يدافع قائلًا: "إني لم أطأها لكذا أو كذا" فيستطيع نفيه، فحماية لهذا الميت: وجبت عليها العدَّة؛ احتياطًا له، وقيل: إن هذا تعبُّدي، وهذا بعيد.

стр. 2665

والخلوة: فلا عدَّة؛ للآية السابقة، وكذا: لو تحمَّلت بماء غيره، وجزم في "المنتهى" في الصداق: بوجوب العدة؛ للحوق النسب به (٨) (أو قبَّلها) أي: قبَّل زوجته (أو لمسها) ولو بشهوة (بلا خلوة) ثم فارقها في الحياة: (فلا عدَّة)؛ للآية السابقة (٩). (فصل): (والمعتدَّات ست) أي: ستة أصناف: أحدها: (الحامل، وعدتها: من موت وغيره إلى وضع كل الحمل) واحدًا كان أو عددًا: حرة كانت، أو أمة، مسلمة كانت أو كافرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١٠)، (٨) مسألة: إذا تحمَّلت ووضع ماء زوج في فرج زوجته، أو تحمَّلت بماء رجل أجنبي: فإن عليها العدَّة ولها المهر. وهو قول كثير من العلماء ولو فارقها قبل الدخول والخلوة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لحوق نسب الولد الذي قد يكون من هذا الماء بصاحب الماء: وجوب العدَّة عليها؛ لإبراء رحمها من ذلك، فإن قلتَ: لا تجب العدَّة في هذه الحالة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ وهنا لم يقع مسٌّ - وهو الوطء - ولا مظنته - وهو الخلوة -: فلا عدَّة عليها قلتُ: إن المقصد من مشروعية العدَّة هو: إبراء الرحم من وجود ولد؛ لئلا تختلط الأنساب، وهذا الماء قد يكون منه الولد، فشُرعت العدَّة؛ لنفي خلط النسب، وهذا فيه مصلحة ودفع مفسدة، وهذا مبين لأثر المس والوطء، والخلوة، فيكون مخصِّصًا للآية فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض لفظ الآية مع المقصد من العدة". (٩) مسألة: إذا قبَّل زوج زوجته فقط، أو لمسها بلا خلوة، ثم فارقها في الحياة: فلا عدَّة عليها، فلو أتت بولد لا يلحق به؛ للكتاب؛ وهي الآية السابقة في مسألة (٨)؛ حيث إنه يلزم من عدم المسِّ - وهو الوطء - أو الخلوة: عدم وجوب العدَّة؛ للتيقن ببراءة الرحم في هذه الحالة، وهو المقصد منه. (١٠) مسألة: في الأولى - من المعتدات - وهي: الحامل، وبيانها: أنه إذا فارق زوج =
следующие страницы →