Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
صافيين (و) ترك (حلي، وكحل أسود) بلا حاجة (٦١) (لا توتيا ونحوها ولا) ترك (نقاب و) لا ترك (أبيض ولو كان حسنًا) كإبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته، فلا يلزم تغييره، ولا تمنع من ليس ملوَّن؛ لدفع وسخ ككحلي، ولا من أخذ ظفر ونحوه، ولا من تنظيف وغسل (٦٢).
(فصل): (وتجب عدَّة الوفاة في المنزل) الذي مات زوجها، وهي به (حيث
(٦١) مسألة: المراد من الإحداد: أن تجتنب الزوجة المتوفى عنها كل شيء يدعو إلى جماعها، ويُرغِّب في النظر إليها ويُحسِّنها، ويحرك الشهوة: من زينة، وطيب، وتحسينات في الثياب أو البشرة، مما يجعل الوجه نضرًا، أو يزينه، أو يُبيضه، أو يُحمره، أو نحو ذلك، ولا تعمل الحنا بيديها ولا برجليها، ولا تلبس المصبوغ للزينة كأحمر، أو أصفر، أو أخضر، أو أزرق: سواء قبل نسجه أو بعده، ولا تتحلَّى بذهب أو فضة ولا تكتحل بالأسود إلّا إذا وجدت حاجة للكحل: فإنها تفعله بالليل دون النهار؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشَّق، والحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل" والنهي مطلق فيقتضي التحريم وغير ما ذكر في الحديث يقاس على ما ذكر؛ لعدم الفارق بجامع: اجتناب الزينة، من باب: "مفهوم الموافقة" الثانية: المصلحة؛ حيث يلزم من احتياج المرأة إلى الكحل؛ لشفاء عينيها: أن تفعله بقدر الحاجة فقط، وأن يكون ذلك في الليل؛ حتى لا يراها أحد؛ لأن الضرورة تقدَّر بقدرها.
(٦٢) مسألة: يُباح للمحادَّة أن تلبس كل لباس لا يلفت نظر الرجال حينما يرونه: كلبس الأبيض، أو الملون، ويُباح لها أن تفعل شيئًا ليس بزينة في أصل فعله كأن تنتقب، أو تأخذ بعض أظفارها، أو شعرها، أو تغتسل، أو تتنظف، ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك ليس بزينة مقصودة في أصله: إباحة لبسه لها.
стр. 2697
وجبت) فلا يجوز أن تتحوَّل منه بلا عذر، روي عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة، (فإن تحوّلت خوفًا) على نفسها، أو مالها (أو) حُوِّلت (قهرًا أو) حولت (بحق) يجب عليها الخروج من أجله، أو بتحويل مالكه لها، أو طلبه فوق أجرته، أو لا تجد ما تكتري به إلا من مالها: (انتقلت حيث شاءت)؛ للضرورة، ويلزم منتقلة بلا حاجة العود (٦٣)، .......................
(٦٣) مسألة: يجب أن تعتدُّ المتوفى عنها - أربعة أشهر وعشرة أيام - في المنزل الذي وجبت العدَّة عليها وهي ساكنة فيه، فلا يجوز أن تتحوَّل عنه وتتركه بلا عذر، وإن تحولت عنه بلا عذر: فيجب أن تعود إليه حتى تنقضي العدَّة، أما إن وُجد عذر: كأن تخاف على نفسها فيه، أو تخاف على مالها من عدو، أو حرق، أو غرق، أو هدم، أو حُوِّلت منه قهرًا وظلمًا، أو حُوِّلت منه بحق بأن تكون مؤذية لجيرانها، أو منعها صاحب المنزل من أن تجلس فيه، أو طلب أجرة له فوق أجرته المعتادة، أو لم تجد ما تستأجر ذلك المنزل به، أو نحو تلك الأعذار: فيجوز أن تنتقل من ذلك المنزل إلى منزل آخر حيث شاءت؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عمر، وابنه، وعثمان، وابن مسعود، وأم سلمة أنها تعتدُّ في المنزل الذي وجبت عليها العدة وهي ساكنة فيه الثانية: المصلحة؛ حيث إن المصلحة تقتضي تحولها من منزلها إلى منزل آخر حيث شاءت إذا وُجدت مفسدة عليها في مقامها في منزلها ذلك ولو قلَّت تلك المفسدة؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولذلك وجبت العودة إلى ذلك المنزل إذا انتقلت منه بلا عذر؛ تنبيه: قوله: "أولا تجد ما تكتري به إلا من مالها" يقتضي أنها إذا وجدت ما تكتري به من مالها: فيجوز لها أن تتحوَّل - وإن لم يوجد عذر آخر - وهذا بعيد؛ لأن ما تعتدُّ به ليس مال الميت أصلًا؛ لكونه انتقل إلى الورثة، وهي منهم، وبهذا تسقط العدة في المنزل الذي وجبت العدة وهي ساكنة فيه في هذه الحالة، والصحيح: أنها إذا وجدت ما تكتري به هذا المنزل من مالها: فتجب =
стр. 2698
وتنقضي العدَّة بمضي الزمان حيث كانت (٦٤) (ولها) أي: للمتوفي عنها زمن العدة (الخروج لحاجتها نهارًا، لا ليلًا)؛ لأنه مظنة الفساد (٦٥) (وإن تركت الإحداد) عمدًا: (أثمت، وتمَّت عدتها بمضي زمانها) أي: زمان العدة؛ لأن الإحداد ليس شرطًا في انقضاء العدَّة (٦٦)، ورجعية في لزوم مسكن كمتوفى عنها (٦٧)، وتعتد بائن بمأمون من
إقامتها فيه مدَّة العدَّة.
(٦٤) مسألة: تنقضي العدَّة بمضي أربعة أشهر وعشرة أيام في أي مكان هي فيه: أي: سواء كانت في منزلها الذي وجبت العدَّة عليها وهي ساكنة فيه، أو تحولت وانتقلت إلى منزل آخر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اشتراط مكانٍ لقضاء العدة فيه: أن تنقضي العدَّة بمضي زمان العدَّة بصرف النظر عن مكان وجودها.
(٦٥) مسألة: إذا احتاجت المتوفى عنها إلى الخروج لقضاء حاجة من حاجاتها كبيع، أو شراء، أو وكالة ونحو ذلك: فيُباح لها أن تخرج بقدر حاجتها فقط وذلك بالنهار، دون الليل؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لها من قضاء حاجتها، ودفع مفسدة: عدم ذلك، ومفسدة خروجها في الليل؛ لأنه لا يخرج في الليل إلا ويُريد الفساد غالبًا إلا من خرج لضرورة وحاجة فهو معذور بذلك.
(٦٦) مسألة: إذا تركت المتوفى عنها الإحداد: فإنها تأثم، وتتم عدّتها بسبب مضي زمن العدة - وهي: أربعة أشهر وعشرة أيام - ولو لم تقم بالإحداد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اشتراط الإحداد في انقضاء العدَّة: أن تنقضي العدَّة بمضي زمان العدَّة بصرف النظر عن كونها قد قامت بالإحداد أو لا.
(٦٧) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته طلاقًا رجعيًا فيجب عليها أن تعتدّ في سكن الزوجية كمتوفى عنها، ولا يجب عليها الإحداد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ حيث نهى الشارع أن تُخرج من بيتها، ونهاها هي أن تخرج، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ =
стр. 2699
البلد حيث شاءت، ولا تبيت إلا به، ولا تسافر، وإن أراد إسكانها بمنزله أو غيره؛ تحصينًا لفراشه، ولا محذور فيه: لزمها (٦٨).
حيث إن ذلك فيه صيانة لها، ولفراشه من التبرج بسبب الخروج، والتعرض للريبة.
(٦٨) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته طلاقًا بائنًا: فتعتد بأي منزل مأمون في بلدها، ولا تنام إلا فيه، ولا تسافر عنه إلى أن تنتهي مدَّة عدتها، وإن شاء الزوج أن يُسكنها في منزله أو مكان آخر آمن بقصد حمايتها، وتحصين فراشه، ولا يُوجد ما يمنع ذلك: فإنه يلزمها أن تقبل ذلك إذا أنفق عليها مدَّة العدَّة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قالت فاطمة بنت قيس: "طلقني زوجي ثلاثًا، فأذن لي رسول الله ﷺ أن أعتدّ في أهلي" الثانية: المصلحة؛ حيث إن الزوج إذا أراد أن يسكنها مع النفقة عليها مدَّة العدَّة: فإنه يلزمها قبول ذلك؛ لدفع المفاسد عنها وعنه، وشُرع النوم في سكنها الآمن، وعدم السفر في مدَّة العدَّة؛ حفاظًا عليها من التبرج والتعرض للريبة والشك فيها.
هذه آخر مسائل: "حقيقة العدَد، وأصناف المعتدات، وحكم الإحداد، وسكنى المتوفى عنها، والرجعية، والبائن" ويليه باب: "استبراء رحم الأمة".
стр. 2700
باب الاستبراء
مأخوذ من: "البراءة"، وهي: التمييز والقطع، وشرعًا: تربُّص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين (١) (من ملك أمة يوطًا مثلها) ببيع، أو هبة، أو سبي، أو غير ذلك (من صغير، وذكر وضدهما) وهو: الكبير والمرأة: (حرم عليه وطؤها، ومقدماته) أي: مقدمات الوطء من قبلة ونحوها (قبل استبرائها)؛ لقوله ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقي ماءه زرع غيره" رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود (٢)، وإن أعتقها قبل استبرائها: لم يصح أن يتزوجها قبل استبرائها، وكذا
باب استبراء رحم الأمة
وفيه سبع مسائل:
(١) مسألة: الاستبراء لغة مأخوذ من "البراءة" وهي: القطع والإبعاد والفصل، يُقال: "أبرأت هذا الشيء" إذا قطعته عن غيره، وأبعدته عنه، وفصلته عنه، وهو في الاصطلاح: "تربُّص وانتظار مدَّة يُقصد منه العلم ببراءة رحم الأمة" وعُبّر بـ "الاستبراء"؛ لأن فيه طلب براءة رحم الأمة، فإن قلت: لِمَ ذكر هذا الباب هنا؟ قلتُ: لتناسبه مع ما سبق ذكره؛ حيث إنه لما ذكر عدَّة الحرَّة، والمتزوجة من الإماء: ناسب أن يذكر عدَّة الأمة إذا مات عنها سيدها، أو باعها، أو اشتراها ونحو ذلك، فإن قلتَ: لَمِ سُمِّي هذا الباب بهذا الاسم؟ قلتُ: لتقديره بأقل ما يدل على البراءة، من غير تكرار، ولا تعدُّد، وهو خاص بالإماء.
(٢) مسألة: إذا ملك شخص أمة يوطأ مثلها بشراء، أو بسبي، أو بهبة، أو بإرث أو وصية أو غير ذلك من أسباب الملك: فيحرم عليه أن يطأها أو يُجامعها قبل أن يستبرأها،، وإن وطأها قبل استبرائها: فإنه يأثم ويجب عليه استئناف الاستبراء بعد وطئه لها، وهذا مطلق، أي: سواء كان مالكها الأول صغيرًا، أو كبيرًا، وسواء كان ذكرًا أو أنثى، وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا؛ أما الاستمتاع بها بدون=
стр. 2701
ليس لها أن تتزوج غيره إن كان بائعها يطؤها (٣)، ومن وطئ أمته، ثم أراد تزويجها، أو بيعها: حرما حتى يستبرئها، فإن خالف: صح البيع، دون التزويج (٤)، وإن أعتق
الفرج فيجوز؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر: فلا يسقي ماءه زرع غيره" وهذا عام للحرائر، والإماء، وللكبيرة والصغيرة، والثيب والبكر، والحامل والحائل، والمملوكة -قبل ملكه لها- عند صغير أو كبير، أو ذكر أو أنثى، فحرم الوطء هنا؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي تحريمه، دون الاستمتاع، لعدم ذكره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط في الأبضاع؛ لئلا تختلط المياه والأنساب، فإن قلت: يحرم الوطء والجماع ومقدماته من قبلة ونحوها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحرة إذا اعتدَّت حرم الوطء فحرمت مقدماته فكذلك استبراء الأمة ما دام أنه يُحرِّم الوطء فإنه يحرم مقدماته قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع النص؛ حيث إنه مخالف للسنة القولية السابقة الذكر؛ بدليل قوله: "فلا يسقي ماءه زرع غيره" فإن مفهومه يدل على جواز الاستمتاع بما دون الوطء، ويؤيده: جواز الخلوة والنظر، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص".
(٣) مسألة: إذا أعتق شخص أمة قبل استبرائها: فلا له أن يتزوجها ذلك المعتق إلا بعد أن يستبرئها، وإن باعها سيدها: فلا يصح لها أن تتزوج غيره إلّا بعد استبرائها إن كان بائعها يطأها، أما إن كان بائعها لا يطأها فيجوز؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة" وهذا عام لما ذكرنا الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من احتمال كونها حاملًا: وجوب استبرائها قبل أن يطأها؛ ويلزم من عدم وطء بائعها لها: عدم الحاجة إلى الاستبراء؛ لعلمنا عدم شغل الرحم بشيء.
(٤) مسألة: إذا وطئ شخص أمته فلا يجوز له أن يبيعها، أو يُزوجها إلا بعد أن =
стр. 2702
سريته، أو أم ولده، أو عتقت بموته: لزمها استبراء نفسها إن لم يكن استبرأها (٥) (واستبراء الحامل بوضعها) كل الحمل (و) استبراء (من تحيض بحيضة)؛ لقوله ﵇ في سبي أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" رواه أحمد، وأبو داود (و) استبراء (الآيسة والصغيرة بمضي شهر)؛ لقيام الشهر مقام حيضة في العدَّة، واستبراء من ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه عشرة أشهر (٦)، وتصدَّق الأمة إذا قالت: "حضتُ"، وإن ادَّعت موروثة تحريمها على وارث
يستبرئها، فإن فعل -بأن باعها، وزوَّجها مع أنه كان يطأها-: فإن البيع يصح، والتزويج لم يصح؛ لقاعدتين: الأولى القياس؛ بيانه: كما أن المشتري يجب عليه استبراء الأمة التي اشتراها قبل وطئها، فكذلك البائع يجب عليه الاستبراء قبل بيعها والجامع: حفظ ماء كل واحد منهما وهو المقصد منه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر أنكر على عبد الرحمن بن عوف بيع جارية قبل استبرائها، وكان يطأ تلك الجارية.
(٥) مسألة: إذا أعتق شخص أمة كان يتسرَّى بها، أو أعتق أم ولده، أو عتقت أم ولده بسبب موته: فإنه يجب عليها أن تستبرئ نفسها إن لم يكن ذلك الشخص قد استبرأها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فراقها لسيدها بالعتق، أو الموت: وجوب الاستبراء منها، أو من سيدها؛ لعدم جواز انتقالها من فراش سيدها إلى فراش غيره بلا استبراء، ويلزم من كون السيد قد استبرأها بنفسه: سقوط الاستبراء؛ للعلم ببراءة رحمها؛ لكونه هو المقصد من الاستبراء.
(٦) مسألة: يحصل استبراء رحم الأمة بطرق تختلف باختلاف حالاتها: الحالة الأولى: إن كانت حاملًا: فإنها تُستبرأ بوضع كل حملها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهذا عام للحرائر، والإماء الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا توطأ حامل حتى تضع" وهذا عام أيضًا للحرائر والإماء، والنهي للتحريم؛ لأنه مطلق الحالة الثانية: إن كانت =
стр. 2703
بوطء مورِّثه، أو ادَّعت مشتراة أن لها زوجًا: صُدِّقت؛ لأنه لا يُعرف إلا من جهتها (٧).
الأمة تحيض: فإنها تستبرأ بحيضة واحدة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" حيث نهى عن وطء الأمة غير الحامل إلّا بعد فراغها من حيضة واحدة، ودل مفهوم الغاية في الحالة الأولى والثانية: على جواز وطئها بعد وضعها الحمل، وبعد الفراغ من حيضة واحدة، الحالة الثالثة: إن كانت الأمة آيسة -أي: لها خمسين فما فوق غالبًا -أو صغيرة- أي دون التسع غالبًا-: لا يأتيهما الحيض: فإنها تستبرأ بمضي شهر واحد فقط؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كفاية الحيضة للاستبراء بالنسبة للتي يأتيها الحيض: أن يكفي شهر واحد للاستبراء للآيسة وللصغيرة اللتين لا يأتيهما الحيض؛ لأن الشهر يقوم مقام الحيضة الواحدة، الحالة الرابعة: إن كانت الأمة يأتيها الحيض، ولكنه ارتفع عنها، ولم تدر ما الذي رفعه: فإنها تستبرأ عشرة أشهر: تجعل تسعة أشهر للحمل، وشهرًا واحدًا للاستبراء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحرة التي ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه تعتد اثني عشر شهرًا: تسعة أشهر للحمل، وثلاثة أشهر للعدَّة -كما سبق في مسألة (٣٠) من "بيان حقيقة العدد، والمعتدات"- فكذلك الأمة هنا مثلها بالنسبة للحمل، وبالنسبة للاستبراء يكفيها حيضة واحدة، كما ثبت بالسنة القولية التي ذكرناها في الحالة الثانية.
(٧) مسألة: إذا قالت أمة لزيد: "إنها حاضت" وفرغت من حيضتها -التي ينتهي وقت استبرائها بها- أو ادَّعت أمة قد ورثها زيد عن أبيه، أو عن ابنه بأن أباه، أو ابنه قد قام بوطئها قبل موته، أو ادَّعت أمة قائلة لزيد -الذي اشتراها- بأن لها زوجًا: فإن تلك الأمة تُصدَّق في تلك الصور الثلاث، ويقبل زيد كلامها: فيجوز بناء على ذلك: أن يطأها زيد في الصورة الأولى، ولا يجوز أن يطأها في الصورة الثانية، ولزيد في الصورة الثالثة أن يفسخ البيع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من =
стр. 2704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كون تلك الدعاوي في الصور الثلاث لا تعرف إلّا من جهتها: أن تصدَّق فيما تقول؛ لعدم أو مشقة أن يُعرف ذلك من غيرها.
هذه آخر مسائل باب "استبراء رحم الأمة" وهو آخر أبواب كتاب "العِدَد"، ويليه
كتاب: "الرضاع".
стр. 2705
كتاب الرَّضاع
وهو لغة: مصُّ اللَّبن من الثدي، وشرعًا: مصُّ من دون الحولين لبنًا ثاب عن حمل، أو شربة، أو نحوه (١) (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)؛ لحديث عائشة مرفوعًا: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" رواه الجماعة (٢) (والمحرِّم) من
كتاب الرضاع
وفيه ست عشرة مسألة
(١) مسألة: الرضاع لغة: مصدر: رضع -بكسر الضاد- يرضع: إذا مصَّ اللَّبن من الثدي، وهو في الاصطلاح: "أن يمص طفل دون الحولين خمس رضعات لبنًا من امرأة قد اجتمع عن حمل، أو أن يشربه، أو يأكله بعد أن يبس، أو يُسقى إياه، أو يُجعل كسعوط في أنف، أو وجور في فم" وسيأتي بيان ذلك في مسائل الرضاع.
(٢) مسألة: يحرم من الرضاع مثل ما يحرم من النسب كجواز النظر، والخلوة، والسفر، وعدم جواز النكاح؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ حيث ذكر ذلك من جملة المحرمات؛ حيث سمَّى المرضعة أمًا للمرتضع، وسمَّى من ارتضع من لبنها أختًا له من الرضاعة، وإذا حُرِّمت الأخت: فمن باب أولى أن تحرم البنت وإن نزلت من الرضاعة من باب "مفهوم الموافقة الأولى" الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إن الرضاعة تُحرِّم ما تُحرِّم الولادة" وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال في بنت حمزة -: "لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وهي ابنة أخي من الرضاعة"، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على التحريم بالرضاع؛ فإن قلت: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن اللبن إذا مصَّه طفل دون الحولين: فإنه ينبت اللحم، ويُقوِّي العظم ويُنشزه.
стр. 2706
الرضاع (خمس رضعات)؛ لحديث عائشة قالت: أُنزل في القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن" فنُسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى "خمس رضعات معلومات يحرمن" فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك رواه مسلم، وتحرم الخمس إذا كانت (في الحولين)؛ لقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ولقوله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ومتى امتصَّ، ثم قطعه لتنفُّس، أو انتقال إلى ثدي آخر ونحوه فرضعة، فإن عاد -ولو قريبًا- فثنتان (٣) (والسعوط) في
(٣) مسألة: يُشترط في صحة الرضاع المحرِّم شروط أربعة: الشرط الأول: أن يرضع الطفل خمس رضعات معلومات فصاعدًا؛ للسنة القولية: حيث قالت عائشة: أنزل في القرآن: "عشر رضعات معلومات يُحرِّمن، فنُسخ من ذلك خمس، وصار إلى خمس رضعات معلومات يُحرِّمن، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك" وقال ﵇ لسهلة بنت سهيل: "أرضعي سالمًا خمس رضعات"؛ الشرط الثاني أن يكون الطفل المرتضع في الحولين من عمره -أي: عمره سنتان فما دون-؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ حيث دلّت الآية بمنطوقها على أن الرضاع المعتبر والمفيد في إنبات اللحم، وتقوية العظم ونشر الحرمة يكون في الحولين فما دون، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" كما روته أم سلمة وفي رواية: "إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم" فحصر الرضاع المفيد والمحرِّم بالرضاع الذي يقوم مقام الطعام والغذاء، وهو ما فتق ووسَّع الأمعاء، وهذا لا يكون إلا في الصغر قبل الفطام -وهو ما إذا كان للطفل حولان فأقل-، ودل مفهوم الحصر هنا على أن الرضاع الذي يكون بعد الفطام -وهو ما بعد الحولين- لا يحرِّم؛ إذ شربه بعد الفطام لا يفيده كما يفيده إذا شربه، قبله، الشرط الثالث: أن تكون الرضعات=
стр. 2707
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخمس متفرقات، وهذا راجع إلى العرف، وصفة ذلك: أن الطفل إذا ارتضع، ثم قطع ذلك باختياره قطعًا بيِّنًا: كان ذلك رضعة، فإذا عاد: كانت رضعة أخرى- وإن كان قريبًا-، أما إن قطع الرضعة لتنفُّسٍ أو قطع للانتقال إلى ثدي آخر، أو قطعه لشيء يُلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، ثم عاد قريبًا في تلك الصور: فإن يُحسب رضعة واحدة؛ لقاعدتين: الأولى: العرف والعادة؛ حيث إن الشرع ورد بالرضاع مطلقًا ولم يحده بزمن ولا مقدار، فدلَّ ذلك على أنه ردَّهم إلى العرف والعادة التي تجري بينهم في مثل ذلك. الثانية: التلازم؛ حيث إن قطعه للرضاعة لتنفس، أو انتقال أو لملهاة، أو قطع المرضعة له، ثم عوده إلى الرضاعة قريبًا: يلزم منه أن تحسب الأولى، والثانية رضعة واحدة في تلك الصور، الشرط الرابع: أن يكون اللبن المرتضع منه قد اجتمع عن حمل قد تقدم، فإن كان ذلك اللبن من غير حمل: لم يثبت به الحرمة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ما خرج منها ليس لبنًا حقيقيًا بل هو رطوبة متولِّدة: أن لا ينشر الحرمة، فإن قلت: إنه لا يُشترط الأول؛ إذ قليل الرضاع وكثيره يحرِّم، وهو قول مالك، والحنفية، ورواية عن أحمد؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ والثانية: السنة وقد سبق ذكرهما في مسألة (٢) حيث ورد ذلك عامًا يشمل القليل والكثير قلتُ: إن حديث عائشة، وما ورد في سالم قد خصَّص الآية والحديث اللذين قد ذكروهما، فإن قلتَ: إنه لا يشترط الثاني؛ فالرضاعة تحرِّم وإن كان المرتضع كبيرًا - أي: فوق الحولين -وهو قول حكي عن عائشة؛ للسنة القولية: وهو حديث سهلة في إرضاع سالم خمس رضعات، وكان كبيرًا، وقال أبو حنيفة: يُحرِّم الرضاع إذا كان الطفل في ثلاثين شهرًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ولم يُرد بالحمل: حمل البطن والأحشاء، فكان المراد: الحمل في الفصال قلتُ: أما حديث سهلة فهو رخصة خاصة بسالم فقط؛ لأنه لو قيل به لخالف ذلك الآية - وهي: ﴿والوالدات يرضعن … ﴾ - وحديث أم سلمة مخالفة صريحة، وأما =
стр. 2708
أنف (والوجور) في فم محرِّم كرضاع (٤) (ولبن) المرأة (الميتة) كلبن الحية (و) لبن
قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فالمراد به حمل البطن، وبه استدل علي وابن عباس على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب والسنة".
(٤) مسألة: إذا صُبَّ اللَّبن في أنف الطفل دون الحولين من إناء خمس مرات -وهو السُّعوط- أو صُبَّ اللَّبن في فم ذلك الطفل -وهو الوجور-: فإن ذلك محرِّم كالرضاع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم" وهذا السعوط باللبن، والوجور به مثل الرضاع في إنشاز العظم، وإنبات اللحم، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الرضاع يُثبت التحريم فكذلك الوجور، والسعوط باللبن يثبت ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما يحصل به إنبات اللحم، وإنشاز العظم فإن قلتَ: إن هذا لا يثبت به التحريم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن اللَّبن لو دخل إلى البدن من جرح فإنه لا يثبت التحريم فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما حصل بغير ارتضاع قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الأنف والفم إذا دخل فيهما شيء: فإنه يذهب إلى المعدة غالبًا، بخلاف ما إذا دخل من جرح في البدن فلا يذهب إلى المعدة، فكان الأنف والفم سبيلين للتحريم كالرضاع، دون غيرهما، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياسين".
[فرع]: إذا عُمل اللبن جبنًا، ثم أُطعم الطفل: فإنه يثبت به التحريم؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو شربه: فإنه يثبت به التحريم، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه قد حصل إنشاز العظم، وإنبات العظم بهما، وأنه وصل إلى الحلق والمعدة.
[فرع ثان]: الحقنة باللبن -بأن يوضع اللبن في إبرة فتُدخل في عرق من عروق الطفل، أو من جهة دبره - لا تثبت بها الحرمة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا =
стр. 2709
(الموطوءة بشبهة، أو بعقد فاسد) كالموطوءة بنكاح صحيح (أو باطل) أي: الموطوءة بنكاح باطل إجماعًا (أو بزنا محرِّم) لكن يكون مرتضع ابنًا لها من الرضاع فقط في الأخيرتين؛ لأنه لما لم تثبت الأبوة من النسب: لم يثبت ما فرعها (٥) (وعكسه)
لا يصل المعدة، ولا يحصل به نشز عظم، وإنبات لحم عادة: فيلزم منه: عدم ثبوت التحريم عن طريقه، فإن قلتَ: بل يثبت بها التحريم وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحقنة تفطر من استعملها فكذلك يتعلق بها التحريم كالرضاع، والجامع: وصول ذلك إلى داخل البدن قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الرضاع يُدخل اللبن إلى داخل المعدة فيحصل منه إنشاز العظم، وإنبات اللحم، بخلاف الحقنة: فلا يحصل منها ذلك فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
(٥) مسألة: إذا رضع الطفل لبن امرأة ميتة، أو رضع لبن الموطوءة بشبهة -كمن وطئ امرأة يظنها امرأته فبانت غيرها فحملت، فوضعت -أو رضع لبن موطوءة بعقد فاسد -بأن نكحها رجل بلا ولي- ثم حملت، ثم وضعت -أو رضع لبن موطوءة بنكاح باطل -وهو أن ينكحها خامسة- أو رضع لبن موضوءة بزنا- فحملت، ثم وضعت بالشروط الثلاثة السابقة في مسألة (٣): فإن هذا يُعتبر محرِّم؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو رضع من حية موطوءة بنكاح صحيح: فإنه يُثبت الحرمة فكذلك الحال هنا والجامع: أن اللبن في كل منها ينشز العظم، وينبت اللحم، بصرف النظر عن سبب الحمل، فإن قلتَ: إذا رضع طفل من لبن موطوءة بنكاح باطل، أو بزنا، أو بلبن النافي لولده باللعان: فإن الطفل المرتضع يكون ابنًا لتلك الموطوءة من الرضاع فقط، ولا يكون ابنًا للواطيء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الولد الذي تأتي به الموطوءة لا ينسب للواطيء: أن لا يثبت ما هو فرع لذلك، وهو هذا الطفل المرتضع من لبن ذلك المولود الذي لا يُنسب لأبيه قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الواطئ حصل منه لبن وولد، =
стр. 2710
أي: عكس اللَّبن المذكور لبن (البهيمة و) لبن (غير حُبلى، ولا موطوءة) فلا يحرِّم، فلو ارتضع طفل وطفلة من بهيمة، أو رجل، أو خنثى مشكل، أو ممن لم تحمل: لم يصيرا أخوين (٦) (فمتى أرضعت امرأة طفلًا) دون الحولين: (صار) المرتضع (ولدها
والولد ينشر الحرمة بينه وبين الواطئ، فكذلك اللَّبن والجامع: أن هذا اللَّبن الذي تسبَّب فيه هذا الواطئ ينشز العظم، ويُنبت اللحم، وكذلك ينشر الحرمة إلى المرضعة -كما قلتم- مع أنها موطوءة بنكاح باطل، أو بزنا، فكذلك ينشر الحرمة إلى الواطيء، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في لبن الموطوءة بنكاح باطل، أو زنا هل مثل لبن الموطوءة بنكاح صحيح؟ " فعندنا: لا فرق بينهما في نشر الحرمة، وعندهم: فيه فرق.
[فرع]: إذا وطئ رجلان امرأة بشبهة، فأتت بولد، فأرضعت بلبنه طفلًا: فإن هذا الطفل يكون ابنًا من الرضاع لمن نسب إليه ذلك المولود، وإن ألحقته القافة بهما معًا: فإنه يصير ابنهما معًا من الرضاع؛ للتلازم؛ حيث إن المرتضع تابع للولد الذي ارتضع هذا المرتضع من لبنه فيلزم ما قلناه.
(٦) مسألة: لا ينشر الحرمة إلا لبن الآدمية الموطوءة التي حملت بسبب ذلك الوطء: أما إن ارتضع طفلان من لبن بهيمة، أو لبن رجل، أو خنثى مشكل، أو لبن غير الموطوءة، أو لبن الموطوءة التي لم تحمل: فإنهما لا يصيران أخوين من الرضاع، للتلازم؛ حيث يلزم من كون لبن الآدمية الموطوءة التي حملت بسببه: قد خُلق الغذاء المولود الآدمي، وإنبات لحمه، وإنشاز عظمه: أن لا ينشر الحرمة إلا هو - أي: إلّا هذا اللبن-، ويلزم من كون لبن البهيمة: لم يُخلق لغذاء المواليد، وأن لبن غير الموطوءة التي لم تحمل وغير ذلك مما ذكر: ليس لبنًا حقيقيًا، بل هو رطوبة متولِّدة: أن لا ينشر الحرمة، فإن قلتَ: إن اللبن من المرأة ينشر الحرمة وإن كان من غير وطء وحمل، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن اللبن الذي قد اجتمع عن حمل بسبب وطء ينشر الحرمة، فكذلك لبن المرأة مثل=
стр. 2711
في) تحريم (النكاح و) إباحة النظر والخلوة و) في (المحرمية) دون وجوب النفقة، والعقل، والولاية وغيرها (و) صار المرتضع أيضًا فيما تقدَّم فقط (ولد من نُسب لبنها إليه بحمل) أي: بسبب حملها منه، ولو بتحملها ماءه (أو وطء) بنكاح أو شبهة، بخلاف من وطئ بزنا؛ لأن ولدها لا يُنسب إليه، فالمرتضع كذلك (و) صارت (محارمه) أي: محارم الواطئ اللاحق به النسب كآبائه، وأمهاته، وأجداده، وجداته، وإخوته، وأخواته، وأولادهم، وأعمامه، وعماته، وأخواله، وخالاته (محارمه) أي: محارم المرتضع (و) صارت (محارمها) أي: محارم المرضعة كآبائها، وأخواتها، وأعمامها، ونحوهم (محارمه) أي: محارم المرتضع (دون أبويه، وأصولهما وفروعهما) فلا تنتشر الحرمة لأولئك (فتباح المرضعة لأبي المرتضع، وأخيه من النسب و) تباح (أمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه) من رضاع إجماعًا، كما يحل لأخيه من أبيه أخته من أمه (٧) (ومن حرمت عليه بنتها) كأمه، وجدته، وأخته (فأرضعت
ذلك وإن كان من غير وطء وحمل والجامع: أن كلًّا منهما لبن امرأة قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن اللبن الخارج من غير وطء وحمل، ليس لبنًا حقيقيًا فلا يُفيد ما يفيده اللبن الحقيقي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس".
(٧) مسألة: إذا تزوج زيد امرأة اسمها زينب، وقام بوطئها، وحملت منه، ثم أتت بولد اسمه عمرو، وأرضعت من لبن عمرو هذا: طفلًا اسمه بكر -قد استكمل الشروط السابق ذكرها في مسألة (٣) -: فإن بكرًا -المرتضع- يصير ولد زينب من الرضاع في "تحريم النكاح منها" و"إباحة النظر" و "إباحة الخلوة" وفي "كونه محرمًا لها" فقط، وتصير محارمها محارمه: فآباء زينب يكونون آباء بكر، وأجدادها هم أجداده، وأمهات زينب يكن أمهات بكر، وجداتها هم جداته، وأخواتها: يكونون خالات بكر، وأخوتها يكونون أخواله، وأعمامها يكونون أعمامه، وعمّاتها يكونون عماته وهكذا، ويكون بكر أيضًا ولد زيد من الرضاع - وهو =
стр. 2712
طفلة: حرمتها عليه) أبدًا (وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجة) له؛ لما تقدم من أنه
= زوج زينب، وهو: من نسب إليه لبن زينب بسبب حمل ووطء -وتكون محارمه محارمه: فآباء زيد، وأمهاته، وأجداده، وجداته؛ وإخوته، وأخواته وأولادهم، وأعمامه، وعماته، وأخواله، وخالاته هم: آباء بكر، وأمهاته، وأجداده، وجداته، وإخوته وأخواته، وأعمامه، وعماته، وأخواله، وخالاته، ولو كانت المرتضعة من زينب تلك طفلة: لصارت ابنة لزيد من الرضاع في "تحريم النكاح منها" و"إباحة النظر" و "إباحة الخلوة" و "كونه محرمًا لها" فقط، وهذا خاص ببكر فقط، دون أبويه، وأصولهما، وفروعهما: فيجوز أن تتزوج المرضعة - وهي زينب -بأبي بكر -المرتضع- وأخي بكر من النسب، ويجوز أن تتزوج أمه وأخته من النسب بزيد هذا، وبأخيه من الرضاع -وهو عمرو-، ويجوز أن يتزوج أخوه من النسب بأخته من الرضاعة، وهكذا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وهذا واضح من المثال، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من أن النسب أقوى من الرضاع: أن يكون التحريم بسبب الرضاع فيما نُص عليه، وما يتفرع عنه من المحرمية، والخلوة، وإباحة النظر، وعدم النكاح.
[فرع]: الرضاع لا يوجب النفقة، ولا العقل، ولا الولاية ولا الإرث، فلا تجب نفقة المرتضع -وهو بكر- على زينب ولا على زيد -في المثال السابق- ولا يكون المرتضع -وهو بكر- من عاقلة زيد، ولا العكس، ولا يتولى زيد على بكر -المرتضع- ولا العكس، ولا يرث زيد بكرًا -المرتضع- ولا العكس؛ للتلازم؛ وقد سبق ذكره قريبًا. تنبيه قوله: "بخلاف من وطئ بزنا؛ لأن ولدها لا يُنسب إليه فالمرتضع كذلك" قلتُ: هذا مبني على مذهب المصنف، وهذا مرجوح كما سبق في مسألة (٥).
стр. 2713
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٨) ومن أرضع خمس أمهات أولاده بلبنه زوجة له صغرى: حرمت عليه؛ لثبوت الأبوة، دون أمهات أولاده؛ لعدم ثبوت الأمومة (٩) (وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها بـ) ـــسبب (رضاع قبل الدخول: فلا مهر لها)؛ لمجيء
(٨) مسألة: كل امرأة تحرم على زيد ابنتها: مثل أمه، وجدته، وأخته، فأرضعت هذه المرأة طفلة: فإنها تحرمها على زيد ولو كبرت تلك الطفلة وتزوجها زيد -مع الجهل بذلك- فإنه إذا علم بهذا الرضاع، يجب فسخ النكاح؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، وهؤلاء يحرمن من النسب بلا شك: فيحرمن بالرضاع؛ لأن أمه إذا أرضعت طفلة: فإن تلك الطفلة تكون أختًا لزيد، وإذا كانت المرضعة جدة زيد: فإن الطفلة تكون عمته أو خالته، وإن كانت المرضعة أخته: فإن تلك الطفلة تكون ابنة أخته من الرضاع.
[فرع]: كل رجل تحرم ابنته على زيد كأبيه، وابنه، وأخيه إذا أرضعت امرأته بلبنه طفلة: فإنها تحرمها عليه؛ لأنها تصير أخته، وبنت ابنه، وبنت أخيه؛ للسنة القولية -كما سبق قريبًا-.
(٩) مسألة: إذا تزوَّج زيد فاطمة، ثم بان أنَ فاطمة هذه كانت قد رضعت من خمس زوجات لزيد سابقات: - هن أمهات لأولاده -رضعت من كل واحدة رضعة واحدة من لبنه: فإن فاطمة تلك تحرم عليه، ويجب فسخ النكاح، ولا يصرن خمس الأمهات تلك أمهات فاطمة من الرضاعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون فاطمة قد ارتضعت من لبن الخمس -وهو لبن زيد؛ لكونهن أمهات لأولاده - ثبوت الأبوة، أي: أن تكون فاطمة ابنته من الرضاع؛ لأنها رضعت من لبنه خمس رضعات، وإن تفرقت الأمهات، ويلزم من كونها قد رضعت من كل واحدة رضعة واحدة: عدم ثبوت الأمومة؛ لأن الرضعة الواحدة لا تثبت الحرمة.
стр. 2714
الفرقة من جهتها (وكذا: إن كانت) الزوجة (طفلة فدبت، فرضعت من) أم، أو أخت له (نائمة): انفسخ نكاحها، ولا مهر لها؛ لأنه لا فعل للزوج في الفسخ (و) إن أفسدت نكاح نفسها (بعد الدخول) فـ (ـــمهرها بحاله)؛ لاستقرار المهر بالدخول (١٠) (وإن أفسده) أي: نكاحها (غيرها: فلها على الزوج نصف المسمَّى قبله) أي: قبل الدخول؛ لأنه لا فعل لها في الفسخ (و) لها (جميعه بعده) أي: بعد الدخول؛ لاستقراره به (ويرجع الزوج به) أي: بما غرمه من نصف أو كل (على المفسد)؛ لأنه أغرمه، فإن تعدَّد المفسد: وُزِّع الغرم على الرضعات المحرِّمة (١١) (ومن قال لزوجته:
(١٠) مسألة: إذا تزوَّج زيد فاطمة، فأفسدت فاطمة نكاح نفسها قبل الدخول بسبب رضاع: كأن ترضع فاطمة زوجةً لزيد صغيرة -اسمها زينب- أو تزوج زيد فاطمة وهي طفلة، فدبَّت، فرضعت من أم زيد، أو أخته كانت نائمة: فإنه ينفسخ نكاح فاطمة في الصورتين، ولا تستحق المهر فيهما؛ أما إن كان الإفساد بعد الدخول: فإنها تستحق المهر كله، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من إرضاع فاطمة لزينب -وهي زوجته الصغيرة -: أن تكون أمًا لزوجته الصغيرة ويلزم من إرضاع أمه، أو أخته لزوجته الطفلة -وهي فاطمة-: أن تكون فاطمة أخته من الرضاع، أو ابنة أخته، ولا يصح نكاح أم زوجته ولا أخته، ولا بنت أخته، ويلزم من الدخول: استقرار كل المهر لها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن فاطمة لو ارتدَّت: فإنه ينفسخ النكاح، ولا تستحق المهر فكذلك الحال هنا قبل الدخول والجامع: أن الفرقة جاءت من جهتها، ولا فعل للزوج في الفسخ في الصورتين.
(١١) مسألة: إذا تزوَّج زيد فاطمة، فأفسد نكاحها غيرها قبل الدخول بسبب رضاع: كأن قامت أخت زيد بإرضاعها -وفاطمة دون الحولين-: فتستحق نصف المهر، أما إن كان هذا الإفساد بعد الدخول: فإنها تستحق المهر كله، ويجب فسخ نكاحها في الصورتين، ويأخذ الزوج -وهو زيد- نصف المهر الذي غرمه في الصورة الأولى، ويأخذ كله في الصورة الثانية ممن تسبَّب في هذا الإفساد -وهي =
стр. 2715
أنتِ أختي لرضاع: بطل النكاح) حكمًا؛ لأنه أقرّ بما يوجب فسخ النكاح بينهما، فلزمه ذلك (فإن كان) إقراره (قبل الدخول، وصدَّقته) أنها أخته: (فلا مهر) لها؛ لأنهما اتفقا على أن النكاح باطل من أصله (وإن كذَّبته) في قوله: "إنها أخته" قبل الدخول: (فلها نصفه) أي: نصف المسمَّى؛ لأن قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقها (ويجب) المهر (كله) إذا كان إقراره بذلك (بعده) أي: بعد الدخول، ولو صدَّقته ما لم تكن مكَّنته من نفسها مطاوعة (١٢) (وإن قالت هي ذلك) أي: قالت
= أخته، وإن تعدَّد المفسد: بأن أرضعت خمس أخوات لزيد تلك الزوجة الصغيرة - وهي فاطمة-: فإن ما غرمه الزوج -وهو زيد- من نصف المهر أو كله يُقسَّم على الخمس، فكل واحدة من أخواته تتحمَّل خمسه، وتدفعه لزيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الإفساد كان قبل الدخول، وهي لم تتسبَّب فيه: استحقاقها لنصف المهر، ويلزم من كون الإفساد كان بعد الدخول، وهي لم تتسبَّب فيه: استحقاقها للمهر كله؛ لكونه يستقر بالدخول، ويلزم من كون المفسد -هو المتسبِّب لفسخ النكاح وإغرامه لنصف المهر، أو كله: أن يدفع للزوج -وهو زيد- ذلك النصف أو الكل، ويلزم من تعدُّد المفسد: أن كل واحدة من المفسدات عليه نكاحه تتحمَّل خمس نصف المهر أو كله؛ للإنصاف والعدالة.
(١٢) مسألة: إذا أقرّ الزوج بأن زوجته أخته من الرضاع قائلًا: "أنتِ أختي من الرضاع": ففي فسخ النكاح، واستحقاقها لكل أو بعض المهر التفصيل الآتي: أولًا: أنه ينفسخ النكاح فور قوله ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره هذا: فسخ النكاح بينهما؛ لكونها أخته من الرضاع، فيلزم هذا الحكم فيما بينه وبين الله، كما لو أقرَّ بطلاقها، ثانيًا: إن كان إقراره هذا قبل الدخول بها، وهي قد صدقته ووافقته بأنها أخته: فلا تستحق أي شيء من المهر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اتفاقهما على ذلك: بطلان النكاح من أصله، وهذا يلزم منه عدم استحقاقها للمهر؛ لعدم دخوله بها، وتصديقها له، ثالثًا: إن كان إقراره هذا قبل الدخول =
стр. 2716
لزوجها: أنتَ أخي من الرضاع (وأكذبها: فهي زوجته حكمًا) أي: ظاهرًا؛ لأن قولها لا يقبل عليه في فسخ النكاح؛ لأنه حقه، وأما باطنًا: فإن كانت صادقة: فلا نكاح، وإلا: فهي زوجته أيضًا (١٣) (وإذا شك في الرضاع أو) شك في (كماله) أي: كونه خمس رضعات (أو شكَّت المرضعة) في ذلك (ولا بيِّنة: فلا تحريم)؛ لأن
= وهي قد كذَّبته، ولم توافقه بأنها أخته، ولم يُثبت ذلك ببيّنة: فإنها تستحق نصف المهر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إنكارها لقول زوجها، ومجيء الفرقة من جهته: عدم إسقاط حقها فتستحق نصف المهر، لعدم دخوله بها، رابعًا: إن كان إقراره هذا بعد الدخول: فإنها تستحق المهر كله: سواء صدَّقته، أو كذَّبته بأنه أخوها من الرضاع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الدخول: استقرار كل المهر مطلقًا، خامسًا: إن كان إقراره هذا بعد الدخول، ومكَّنته من نفسها طوعًا وهي عالمة بالتحريم: فلا تستحق أي شيء من المهر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمكينها له من نفسها مع علمها بالتحريم: أن تكون زانية، والزانية لا لها.
(١٣) مسألة: إذا أقرَّت امرأة بأن زوجها أخوها من الرضاع قائلة: "أنتَ أخي من الرضاع": ففي فسخ النكاح، والزوجية وعدمها التفصيل الآتي: أولًا: إن قالت ذلك فكذَّبها زوجها: فهي زوجته ظاهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون قولها لا يُقبل عليه في فسخ النكاح: استمرار الزوجية؛ لأنه من حق الزوج ولا يُسقطه إلا هو، ثانيًا: إن كانت صادقة في الباطن: بأن بان لها صدق ذلك بما لا يدع مجالًا للشك فيه: فلا نكاح بينهما، ولا يحل لها مساكنته، ولا تمكّنه من نفسها، وعليه أن تتخلَّص منه بأي وسيلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تأكُّدها من كونها أخته من الرضاع: تحريمًا عليه، فإن تساهلت في ذلك، ومكَّنته مع هذا التأكد منها: فهي زانية، ثالثًا: إن كانت كاذبة، أو شكَّت، أو لم يتبيَّن لها الأمر بجلاء: أنها أخته من الرضاع: فإنها تكون زوجته ظاهرًا وباطنًا؛ للتلازم، وهو واضح.
стр. 2717
الأصل: عدم الرضاع المحرِّم (١٤)، وإن شهدت به امرأة مرضية: ثبت (١٥)، وكُره استرضاع فاجرة، وسيئة الخلق، وجذماء، وبرصاء (١٦).
(١٤) مسألة إذا شُكَّ في حدوث الرضاع، أو شك في وقوعه في الحولين، أو شك في كونه خمس رضعات أو أقل، أو شكَّت المرضعة هل أرضعته أو لا، أو شكّت هل أرضعته هو أو شخص يُشابهه ولم توجد بيّنة في ذلك: فلا تحريم بينهما؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم الرضاع المحرِّم، وهو اليقين، وقد شك في الرضاع، فيُنفى الرضاع؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
(١٥) مسألة: إذا شهدت امرأة واحدة مرضية في دينها بحيث تقبل شهادتها بأنها أرضعت فلانًا: رضاعًا -قد توفرت فيه شروطه المذكورة في مسألة (٣) -: فإنه يثبت الرضاع، ويحرم النكاح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال عقبة بن الحارث، تزوجتُ أم يحيى بنت أبي أهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فأتينا النبي ﷺ فذكرنا له ذلك فقال: "وكيف وقد زعمت ذلك؟ " وفي لفظ: أن عقبة قال: فأتيته من قبل وجهه فقلتُ: إنها كاذبة فقال: "كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟ خلِّ سبيلها" وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الولادة يكتفى بثبوتها بشهادة امرأة واحدة فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما شهادة على عورة فتقبل فيها شهادات المنفردات.
(١٦) مسألة: يُحرم أن يطلب رجل من امرأة فاجرة فاسقة، أو سيئة الخلق، أو جذماء، أو برصاء، أو مشركة، أو ذمية: أن ترضع ولده الصغير؛ للمصلحة: حيث إن اللَّبن يتسبَّب في إنشاز العظم، وإنبات اللحم، فيُحتمل، احتمالًا قويًا أن يتأثر ذلك الولد بذلك: فدفعًا لذلك: حرم؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
هذه آخر مسائل كتاب: "الرضاع" ويليه كتاب: "النفقات، والحضانة".
стр. 2718
كتاب النفقات
جمع نفقة، وهي: كفاية من يمونه: خبزًا، وأُدمًا، وكسوة، ومسكنًا، وتوابعها (١) (يلزم الزوج نفقة زوجته قوتًا) أي: خبزًا، وأُدمًا (وكسوة، وسكنى بما يصلح لمثلها)؛ لقوله ﷺ : "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهم بالمعروف" رواه مسلم، وأبو داود (٢) (ويُعتبر الحاكم) تقدير (ذلك بحالهما) أي: يسارهما، أو إعسارهما، أو
كتاب النَّفقات، وحضانة وكفالة الطفل ونحوه
• بيان حقيقة النَّفقات، ونفقة الزوجات، والمطلقات، وبيان ابتداء النفقة، وحكم إعسار الزوج، وامتناعه عنها، أو تعذُّرها
وفيه ست وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: النفقات جمع نفقة، وهي لغة: من الإنفاق، وهو: الإخراج، والإفناء، والنفاد، والذهاب، والصرف. ومنه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: خشية الفناء والنفاد، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: اصرفوا من هذا الرزق، ويقال: "استنفقه" أي "أذهبه وأخرجه -كما ورد في اللسان (١٠/ ٣٥٨) - وهي في الاصطلاح: أن يُنفق على من يمونه: خبزًا، وأدمًا، وكسوة، ومسكنًا، وماء شرب، وطهارة على قدر كفايته بالمعروف" وسيأتي بيان ذلك، وبيان أن الإنفاق يختلف باختلاف الأحوال، والمجتمعات، والأزمان، والأفراد، ولا يستعمل النفقات إلا في الخير، لذلك يترجمها الفقهاء بالنفقات دون الغرامات.
(٢) مسألة: نفقة الزوجة واجبة على الزوج، وتكون بما يصلح لحالها على حسب العادة، والعرف، وبقدر الكفاية: من طعام وشراب وكسوة، وسكنى؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا
стр. 2719
يسار أحدهما، وإعسار الآخر (عند التنازع) بينهما: (فيفرض) الحاكم (للموسرة تحت الموسر قدر كفايتها من أرفع خبز البلد وأُدمه و) يفرض لها (لحمًا عادة الموسرين بمحلهما و) يفرض للموسرة تحت الموسر من الكسوة (ما يلبس مثلها: من حرير وغيره) كجيد كتان، وقطن، وأقل ما يفرضه من الكسوة قميص وسراويل، وطراحة، ومقنعة، ومداس، ومضربة للشتاء (وللنوم فراش، ولحاف، وإزار) للنوم في محل جرت العادة فيه (ومخدَّة، وللجلوس حصير جيد، وزلي) أي: بساط، ولا بدَّ من ماعون الدار، ويكتفى بخزف وخشب، والعدل: ما يليق بهما، ولا يلزمه ملحفة، وخف لخروجها (و) يفرض الحاكم (للفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد و) من (أُدم يلائمها) وتنقل متبرِّمة من أُدم إلى آخر (و) يفرض للفقيرة من الكسوة (ما يلبس مثلها ويجلس) وينام (عليه و) يفرض (للمتوسطة مع المتوسط، والغنية مع الفقير، وعكسها)
= ملكت أيمانهم﴾ وهو عام لحق الزوجة من النفقة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" فأوجب الشارع على الزوج أن ينفق على زوجته بما تعارف الناس عليه من النفقة في المجتمع الذي يعيشان فيه؛ لأن "على" من صيغ الوجوب الصريحة، والنفقة: تعم كل ما ذكر من إطعام، وإكساء، وسكن، وإعفاف وقال ﵇ لهند زوجة أبي سفيان: "خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف" حيث بيَّن أن النفقة تكون على قدر الكفاية فقط، دون زيادة، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا مكلفين، إلا الناشز والعاصية لزوجها، فإن قلت: لِمَ وجبت نفقتها على زوجها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزوجة محبوسة على زوجها يمنعها من التصرُّف، والاكتساب، فمتى سلَّمت نفسها إلى الزوج على الوجه الواجب عليها فلها عليه جميع حاجاتها: من طعام، ولبس، وكسوة، وما تضطر إليه، كالعبد والأمة.
стр. 2720
كفقيرة تحت غني (ما بين ذلك عرفًا)؛ لأن ذلك هو اللائق بحالهما (٣) (وعليه) أي:
(٣) مسألة: نفقة الزوج على زوجته لم يرد في الشرع تقديرها بالتحديد، لكنها معتبرة بحال الزوجين معًا: فإن كانا موسرين: فعليه نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين: فعليه نفقة المعسرين، وإن كانا متوسطين: فعليه نفقة المتوسطين وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا: فعليه نفقة المتوسطين، وإن تراضيا على نفقة معيّنة: فهو حق لهما، وتكون النفقة على ما تراضيا عليه، وهذا هو الغالب في المجتمعات الإسلامية، أما إن حصل تنازع بين الزوجين في تقدير الواجب للزوجة من النفقة: فإنه يُرجع في ذلك إلى حكم الحاكم -وهو القاضي-: فينظر في حالهما من اليسر، والعسر: فيفرض ذلك الحاكم للموسرة تحت الموسر من النفقة ما يناسبها، ويلائمها مما يصلح لمثيلاتها: من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، وأثاث، ويفرض للمعسرة تحت المعسر من النفقة ما يناسبها ويلائمها مما يصلح لمثيلاتها: من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، وأثاث، ويفرض للمتوسطة تحت المتوسط من النفقة: ما يناسبها أيضًا، ويفرض للغنية تحت الفقير، أو الفقيرة تحت الغني: نفقة المتوسطة تحت المتوسط، وهذا راجع إلى عرف البلد الذي يعيشان فيه، ولا يمكن تقدير ذلك بأشياء معيّنة؛ لاختلاف العصور، والأزمان، والأفراد، والبلدان، والبيئات والمجتمعات اختلافًا بيِّنًا في ذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مراعاة مصالح الزوجين، ودفع المفاسد والأضرار عنهما؛ إذ لو أنفق الموسر نفقة المعسر، أو أنفق المعسر نفقة الموسر: لما كان ذلك إنفاقًا بالمعروف، وهو مخالف لقوله ﵇: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" وقوله لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، تنبيه: ما ذكره المصنف من أمثلة الطعام، والكسوة، والأثاث في النفقات بين الزوجين يصدق على عصره -وهو عام (١٠٥١ هـ) وهي لا تصلح لكل زمان ومكان، ومنها: زماننا ومكاننا الذي نعيش فيه. فإن قلتَ: لِمَ يرجع الاجتهاد في النفقة إلى اجتهاد=
стр. 2721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الحاكم الذي يعيش في عصر الزوجين المتخاصمين في النفقة؟ قلتُ: لأن هذا الاجتهاد يُعتبر من تحقيق المناط؛ إذ القاعدة الكلية متفق عليها وهي: "وجوب الإنفاق على الزوجة" ولكن يبقى الاجتهاد في كمية النفقة: فإن هذا يختلف باختلاف الأفراد، والأزمان، لذلك يكون لكل زمن وفرد اجتهاده الخاص به الذي لا يشاركه غيره، وهذا من محاسن الإسلام؛ إذ كل عاقل يعرف أن ما يصلح لهذا الفرد وهذا الزمن من النفقة لا يصلح لغيره.
[فرع]: لا يجب على الزوج أن يشتري لزوجته ملحفة أو عباءة ونعل، أو خف لأجل خروجها من منزل الزوجية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها ممنوعة من منزل الزوجية؛ نظرًا لعظم حق الزوج: عدم وجوب مؤنة شراء ما تحتاجه لخروجها من عباءة أو خف فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بقاءها في المنزل فيه صلاحها في الدنيا والآخرة، ولذلك كانت الصحابيات، وزوجات السلف الصالح لما التزمن بذلك، ولم يخرجن من بيوتهن: قد حافظن على دينهن، وربَّين أولادهن، وأسعدن أزواجهن، فنالت كل واحدة منهن سعادة الدنيا والآخرة، ونفع الله بأولادهن فكان منهم العلماء والمجاهدون، فكان الإسلام في ذروة قوته، ولما ترك نساء هذه الأزمنة المتأخرة ذلك وبدأن يُكثرن من الخروج عن المنزل: كثر الفساد بينهن، وكثر الطلاق، وعمَّت البلوى والفوضى، وتشتت الأولاد وفسدوا، وهن خسرن الدنيا والآخرة، فنتج عن ذلك أن الإسلام اليوم أضعف ما يكون، وصار المسلمون أذلّ ما يكونون، وهذا هو مراد أعداء المسلمين من كفار وملحدين، فائدة: الموسر هو: من يقدر على النفقة بماله وكسبه والمعسر هو: الذي لا يقدر على النفقة بماله، ولا بكسبه، والمتوسط هو: الذي يقدر على أحدهما فقط.
стр. 2722
على الزوج (مؤنة نظافة زوجته) من دهن، وسدر، وثمن ماء، ومشط، وأجرة قيِّمة (٤) (دون) ما يعود بنظافة (خادمها) فلا يلزمه؛ لأن ذلك يُراد للزينة، وهي غير مطلوبة من الخادم (٥) و (لا) يلزم الزوج لزوجته (دواء وأُجرة طبيب) إذا مُرضت؛ لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة (٦)، وكذا: لا يلزمه ثمن طيب، وحناء، وخضاب، ونحوه (٧)، وإن أراد منها تزيُّنًا به، أو قطع رائحة كريهة، وأتى به:
(٤) مسألة: يجب على الزوج أن يدفع ثمن نظافة زوجته: من ثمن ماء، وصابون، ودهن لرأسها، ومشط، وغسل نجاسات، وتطهير من حيض، ونفاس، وجنابة، وغسل ثياب، ونحو ذلك مما يُنظِّفها، وعليه أجرة المرأة التي تقوم بعملية التنظيف تلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستأجر عليه كنس الدار وتنظيفها، فكذلك الزوج عليه مؤنة تنظيف زوجته، والجامع: أن كلًّا المستأجر، والزوج سينتفع بما يقوم به وهو من حوائجها المعتادة.
(٥) مسألة: إذا كانت للزوجة خادمة تابعة لها، فلا يجب على زوجها أن يدفع مؤنة نظافة تلك الخادمة: من ثمن ماء، أو صابون ونحو ذلك -مما ذكر في مسألة (٤) - للتلازم؛ حيث يلزم من كون النظافة شُرعت للزينة: أن لا تجب مؤنة نظافة الخادمة على الزوج؛ لكون الزينة غير مطلوبة من الخادمة.
(٦) مسألة: لا يجب على الزوج أن يُعالج زوجته إذا مرضت: فلا يدفع لها ثمن دواء، ولا أجرة طبيب، وكذلك لا يجب عليه أن يدفع أجرة حجام، أو فاصد، أو كحَّال لها؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجب على المستأجر بناء ما وقع من الدار التي استأجرها فكذلك الحال هنا، والجامع أنه في كل منهما يُراد الإصلاح أصل الجسم، وهذا ليس من حاجة الزوجة والدار الضرورية المعتادة.
(٧) مسألة: لا يجب على الزوج أن يشتري لزوجته طيبًا، أو حناء وخُضاب، أو حلي من ذهب أو فضة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك من الزينة التي تخصه: عدم وجوب توفيره لها؛ لكونه قد أسقط حقه.
стр. 2723
لزمها (٨)، وعليه لمن يخدم مثلها خادم واحد (٩)، وعليه أيضًا مؤنِّسة؛ لحاجة (١٠).
(فصل): (ونفقة المطلقة الرجعية، وكسوتها وسكناها كالزوجة)؛ لأنها زوجة بدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (ولا قَسَم لها) أي: للرجعية، وتقدَّم (١١) (والبائن: بفسخ أو طلاق) ثلاثًا، أو على عِوَض (لها ذلك) أي: النفقة،
(٨) مسألة: إذا أحضر لها طيبًا، أو حناء، أو حلي، أو أي شيء لتتزين به عنده أو تقطع رائحة كريهة: فإنه يجب عليها أن تطيعه في كل ذلك، وإذا نهاها عن ذلك: فيجب عليها تركه؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك من حقه: فيجب عليها طاعته فيه.
(٩) مسألة: إذا كانت الزوجة ممن تستحق خادمة؛ نظرًا لكونها ممن يُخدم مثلها، أو لمرضها: فيجب عليه أن يأتي لها بخادمة؛ للقياس؛ بيانه: كما تجب عليه النفقة فكذلك يجب إحضار خادمة لهذه الزوجة، والجامع: أن كلًّا من النفقة والخادمة مما تحتاج إليه على الدوام.
[فرع]: إن قال الزوج: "أنا أخدمك بنفسي": لا يجب عليها قبول ذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك تقليل من قيمة الزوج في نظرها، وفي ذلك مما قد يؤدي إلى احتقاره، مما يُفضي إلى الخصام والنزاع بينهما المؤدي عادة إلى الطلاق، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
[فرع ثان]: إن قالت: "أخدم نفسي وآخذ ثمن خدمتي منك": فلا يجب عليه قبول ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قولها ذلك: أنها قادرة ومعتادة على خدمة نفسها: فلا يجب على الزوج ذلك.
(١٠) مسألة: إذا كانت الزوجة تجد وحشة وخوفًا من جلوسها بمفردها في المنزل في وقت غياب زوجها وطلبت من زوجها إيجاد مؤنِّسة لها: فيجب عليه أن يفعل ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُعتبر من حاجاتها المعتادة فلزمه إيجادها.
(١١) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته طلاقًا رجعيًا: فيجب عليه أن ينفق عليها: من طعام، وسكني، وكسوة، وذلك مدَّة، عدَّتها مطلقًا: أي: إذا كانت حاملًا: =
стр. 2724
والكسوة والسكنى (إن كانت حاملًا): لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١٢)، ومن أنفق يظنها حاملًا فبانت حائلًا رجع، ومن
= فينفق عليها حتى تضع، وإذا كانت حائلًا تحيض فينفق عليها حتى تنتهي من ثلاث حيض، وإذا كانت لا تحيض: فينفق عليها حتى تنتهي ثلاثة أشهر؛ للقياس؛ بيانه: كما تجب نفقة الزوجة على الزوج -كما سبق في مسألة (٢) - فكذلك تجب عليه نفقة المطلقة منه طلاقًا رجعيًا، والجامع: أن كلًّا منهما تعتبر زوجة، يؤيده أمران: أولهما قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فسمَّى المطلق بعلًا -وهو الزوج- فكانت هي زوجة قبل انقضاء عدتها، ثانيهما: أن المطلقة طلاقًا رجعيًا يلحقها طلاق الزوج لها مرة أخرى، ويلحقها ظهاره، وإيلاؤه، فتكون كأنها زوجة حقيقية لم يسبق طلاقها. تنبيه: قد سبق بيان أن المطلقة طلاقًا رجعيًا لا قسم لها، أي ليس لها الحق في أن يجعل الزوج لها ليلة كبقية نسائه كما سبق تفصيله.
(١٢) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته طلاقًا بائنًا -بأن طلَّقها ثلاثًا، أو طلَّقها على عوض، وهو الخلع -أو بفسخ كما سبق- وكانت تلك الزوجة المطلقة حاملًا: فيجب على الزوج المطلِّق أن ينفق عليها: من طعام، وكسوة، وسكن، وذلك مدَّة حملها، أما إن كانت حائلًا: فلا يجب على الزوج المطلِّق أن يُنفق عليها: من طعام، ولا كسوة، ولا سكن؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهذا عام لجميع المطلقات الحوامل؛ لأن "أولات" اسم موصول، وهو من صيغ العموم، فأوجب الشارع الإنفاق عليهن؛ لأن "أنفقوا" أمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ودل مفهوم الغاية على أن المطلقة إذا وضعت حملها: فلا نفقة لها، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ -لفاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها ثلاثًا-: "ليس لكِ عليه نفقة ولا سكنى" وهذا صريح في نفي وجوب النفقة: من طعام، وسكنى، وكسوة =
стр. 2725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على الزوجة المطلقة طلاقًا بائنًا، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما تجب أجرة المرضعة على والد المرتضع فكذلك تجب النفقة على المطلقة طلاقًا بائنًا والجامع: أن الولد - سواء كان داخل البطن، أو خارجه- ولد الزوج فيلزمه الإنفاق عليه، ومعلوم: أنه لا يمكنه الإنفاق على المحمول به إلا بالإنفاق على الحامل، الرابعة: قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت عن علي، وابن عباس، وجابر: أنه لا نفقة للمطلقة طلاقًا بائنًا ولا سكنى، ولا كسوة، فإن قلت: لِمَ وجبت النفقة للمطلَّقة الرجعية، دون المطلَّقة البائن؟ قلتُ: لأنه يُمكن للزوج أن يُراجع زوجته التي طلَّقها طلاقًا رجعيًا، فلذلك وجبت النفقة عليها مدَّة العدة تكون بقربه، ولعله يرى منها ما يُعجبه: فيراجعها، وهو أحب إلى الله، بخلاف المطلقة البائن فلا يمكنه مراجعتها إلا بعد زوج آخر، بل قد يكون وجودها بقربه خطرًا عليه وعليها، فإن قلتَ: بل تجب النفقة والسكنى للمطلقة طلاقًا بائنًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ على الرجعية بجامع الطلاق في كل، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عمر، وابن مسعود: أن لها النفقة والسكنى وورد أن عمر ردَّ خبر فاطمة قائلًا: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا من أجل قول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت"؟ قلتُ: أما القياس، فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لوجود الفرق بين المطلقة الرجعية والبائن وهو: أن الرجعية زوجة لها ما للزوجة، وعليها ما على الزوجة في جميع الأحكام من طلاق، وظهار، وإيلاء، ونحوه إلا القسم، وهو: أن يجعل لها الزوج ليلة - وقد سبق بيان ذلك، أما قول عمر وابن مسعود: فقد خالفهما علي، وابن عباس، وجابر، فيتساقط القولان، ثم إنه مخالف لقول النبي ﵇، وقوله ﵇ حجة على عمر وعلى غيره، وأما قول عمر: "لا ندع كتاب ربنا .. " فلم يثبت بهذا النص -كما قال الإمام أحمد، بل الثابت- قوله: "لا نقبل في ديننا قول امرأة" وإذا ثبت هذا: فهو مخالف لإجماع العلماء؛ حيث =
стр. 2726
تركه يظنها حائلًا، فبانت حاملًا: لزمه ما مضى (١٣)، ومن ادَّعت حملًا: وجب إنفاق ثلاثة أشهر، فإن مضت ولم يبن: رجع (١٤) (والنفقة) للبائن الحامل (للحمل) نفسه (لا لها من أجله)؛ لأنها تجب بوجوده، وتسقط بعدمه: فتجب لحامل ناشز، ولحامل
= أجمعوا على قبول رواية المرأة والعمل بها، وكثير من الأحاديث قد ثبتت عن طريق أمهات المؤمنين وغيرهن. فإن قلت: إن المطلقة طلاقًا بائنًا يجب لها السكنى دون النفقة، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ حيث إن هذا عام لجميع المطلقات في السكن، فتدخل معهن المطلقة بائنًا قلتُ: إن السنة القولية؛، وهو: حديث فاطمة بنت قيس، وقول الصحابي -وهو قول علي، وابن عباس، وجابر قد خصَّص هذه الآية بالمطلقة الرجعية، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة وقول الصحابي" "وتعارض أقوال الصحابة" و "تعارض قول الصحابي مع السنة".
(١٣) مسألة: إذا طلّق زوج زوجته طلاقًا بائنًا، ثم أنفق عليها ظانًا أنها حامل، فبانت غير حامل: فيجب عليها أن تدفع له ما أنفقه وإن لم ينفق عليها ظانًا أنها غير حامل، فبانت أنها حامل: فيجب عليه أن يدفع لها نفقتها مدَّة حملها مرة واحدة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ظن أن عليه دينًا لها، فأعطاها إياه، ثم بان أنه بريء منه: فيجب عليها إرجاع ما أخذته له، وكما أنه لو ظن أن لا دين عليه لها، فبان أن عليه دينًا لها فيجب عليه دفعه لها، فكذلك الحال هنا والجامع: إرجاع الحق لأصحابه وإن طال الزمن.
(١٤) مسألة: إذا طلَّق زوج زوجته طلاقًا بائنًا، ثم ادَّعت تلك المطلقة أنها حامل: فيجب عليه أن ينفق عليها مدَّة ثلاثة أشهر، فإن انتهت تلك الأشهر ولم يتبين حمل عندها: فإنه يجب عليها أن تدفع له ما أنفقه عليها مدة تلك الأشهر الثلاثة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم حملها: عدم استحقاقها للنفقة.
стр. 2727
من وطء بشبهة، أو نكاح فاسد، أو ملك بيمين، ولو أعتقها (١٥)، وتسقط بمضي الزمان قال المنقح: ما لم تستدن بإذن حاكم، أو تنفق بنية رجوع (١٦) (ومن) أي: أيُّ
(١٥) مسألة: النفقة على المطلقة طلاقًا بائنًا إذا كانت حاملًا تكون للحمل، أي: للولد الذي في بطنها، فينفق عليها؛ لكونه لا يمكن النفقة عليه مباشرة، وبناء على ذلك: فإن النفقة تجب لحامل ناشز، ولحامل من وطء بشبهة، أو من وطء بنكاح فاسد، أو أمة حملت، ولو أعتقها، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن كون النفقة تدور وجودًا وعدمًا على وجود الولد في بطن المطلقة البائن، وعدمه: أي: توجد إذا وجد الولد، وتسقط إذا عدم يلزم منه: أن تكون النفقة للحمل، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يجب عليه أن ينفق على ولده بعد الوضع فكذلك يجب أن ينفق عليه قبل الوضع عند أي امرأة والجامع: أنه في كل منهما ولده، فلزمته نفقته، لكن لا يمكن أن ينفق عليه وهو داخل البطن فينفق عليها؛ لأن منفعة هذه النفقة ستصله، وإن لم ينفق، فإن أمه ستتضرر، فيؤدي إلى تضرر الجنين، فدفعًا لذلك: شُرع ما قلناه.
(١٦) مسألة: إذا وجبت نفقة زوجة -بأي سبب-: فيجب على زوجها دفعها إليها: سواء تأخر عن دفعها أو لا، فلا تسقط بمضي الزمان، وسواء أنفقت على نفسها بإذن حاكم، أو لا، وسواء أنفقت على نفسها بنية الرجوع بها إلى الزوج وأخذها منه مستقبلًا أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن النفقة من حقها فلا تسقط من ذمته إلّا إذا دفعها إليها، أو أبرأته منها، فإن قلت: إن النفقة تسقط بمضي الزمان إلا إذا أنفقت هي بإذن حاكم، أو أنفقت على نية الرجوع، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فوات وقته: سقوطه قلتُ: إن الحق إذا ثبت على شخص: فإن ذمته تنشغل فيه، ولا يسقط عنه إلا بأحد طريقين: إما دفع الحق لصاحبه، أو إبراء صاحبه ذلك الشخص، ومضي الوقت ليس بواحد منهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الواجب هل يسقط بفوات وقته أو =
стр. 2728
زوجة (حُبست ولو ظلمًا، أو نشزت، أو تطوّعت بلا إذنه بصوم، أو حج، أو أحرمت بنذر حج أو) نذر (صوم، أو صامت عن كفارة، أو عن قضاء رمضان مع سعة وقته) بلا إذن زوج (أو سافرت لحاجتها، ولو بإذنه: سقطت) نفقتها؛ لأنها منعت نفسها عنه بسبب، لا من جهته، فسقطت نفقتها (١٧)، بخلاف من أحرمت بفريضة من صوم، أو حج، أو صلاة، ولو في أول وقتها بسننها، أو صامت قضاء رمضان في آخر شعبان؛ لأنها فعلت ما أوجب الشرع عليها (١٨)، وقدرها في حجة
لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(١٧) مسألة: تسقط نفقة الزوجة في حالات: أولها: إذا حُبست عن زوجها: سواء كان هذا الحبس بحق، أو ظلم، ثانيها: إذا نشزت عن زوجها بأن لا تطيعه عندما يأمرها، وتمتنع عنه، ثالثها: إذا قامت بطاعة الله تعالى نافلة بلا إذنه: كأن تصوم، أو تحج أو تعتكف تطوعًا، رابعها: إذا نذرت حجًا، أو صومًا فقامت بهما في وقتهما الموسع بلا إذنه، خامسها: إذا صامت عن كفارة، أو قضاء رمضان مع سعة وقتهما بلا إذنه، سادسها: إذا سافرت لحاجتها: سواء أذن أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انقطاع استمتاعه بها، أو منعها نفسها عنه بسبب منها، وليس منه: أن تسقط نفقتها.
(١٨) مسألة: لا تسقط نفقة الزوجة إذا امتنعت عن زوجها بسبب أدائها لفرض: كأن تقوم بفريضة الحج، أو الصوم أو الصلاة، أو قضاء الصوم في وقته المضيق - وهوآخر شعبان -؛ للقياس؛ بيانه: كما أنها إذا قامت بأداء رمضان لا تسقط نفقتها -وهي ممتنعة عنه في نهاره- فكذلك لا تسقط نفقتها في تلك الصور الواجبة، والجامع: أن كلًّا من هذه الصور عبادات مضيقة بأصل الشرع، وهي فرض، وطاعة الزوج، وقبولها له واجب وفعل الفرض مقدَّم على فعل الواجب، وهذا من فوائد ثمرة التفريق بين "الواجب" و "الفرض" وهو الصواب -كما بيَّنته في كتبي الأصولية: "الإتحاف" و "المهذَّب" و "الواجب الموسَّع" و "الجامع". تنبيه: =
стр. 2729
فرض كحضر (١٩)، وإن اختلفا في نشوز، أو أخذ نفقة: فقولها (٢٠)، (ولا نفقة، ولا سكنى) من تركة (لمتوفى عنها) ولو حاملًا؛ لأن المال انتقل عن الزوج إلى الورثة، ولا سبب لوجوب النفقة عليهم (٢١)، فإن كانت حاملًا: فالنفقة من حصة الحمل من
= قوله: "ولو في أول وقتها وسننها" قلتُ: هذا بعيد: فإنها إذا قامت بأي تطوع: فإن نفقتها تسقط، وتقديم الصلاة في أول وقتها، أو سننها من ضمن التطوع - كما سبق ذكره في مسألة (١٧) -.
(١٩) مسألة: إذا أرادت الزوجة أن تقوم بفريضة الحج، فلا تسقط نفقتها - كما سبق في مسألة (١٨) -، وقدر هذه النفقة في الحج كقدرها في الحضر، وإن أرادت زيادة في النفقة: فلا يلزم الزوج ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب نفقتها عليه: أن ينفق عليها حسب المعتاد في الحضر فقط، والزيادات لا تجب عليه.
(٢٠) مسألة: إذا اختلف الزوجان في النشوز، أو أخذ النفقة: بأن قال الزوج: "إنها ناشز لذلك منعت عنها النفقة" فنفت الزوجة قائلة: "أنا لم أنشز ولم أمتنع عنه"، أو قال الزوج: "إني سلَّمتها النفقة وأخذتها" فنفت الزوجة ذلك قائلة: "إني لم أستلم منه نفقة" ولا توجد بيِّنة في الحالتين: فإنه يُقبل قولها مع يمينها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدعي، واليمين على من أنكر"، وهو لم يثبت بينة على دعواه فيلزم: أن يُقبل قولها مع يمينها.
[فرع]: إن لم تحلف: فإنه يقبل قوله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نكولها وعدم إتيانها باليمين: صدقه.
(٢١) مسألة: إذا توفي رجل: فإن نفقة زوجته تسقط: سواء كانت حاملًا، أو لا، ولا يُنفق عليها من التركة؛ للتلازم؛ حيث إن انتقال التركة من ذلك الزوج -المورِّث- إلى ورثته وعدم ثبوت حق لها على الورثة وعدم وجدان سبب يوجب نفقتها عليهم يلزم منه: عدم الإنفاق عليها من التركة.
стр. 2730
التركة إن كانت، وإلا: فعلى وارثه الموسر (٢٢) (ولها) أي: لمن وجبت لها النفقة: من زوجة، ومطلقة رجعية، وبائن حامل، ونحوها (أخذ نفقة كل يوم من أوله) يعني من طلوع الشمس؛ لأنه أول وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره عنه (٢٣) والواجب دفع قوت من خبز وأُدم، لا حب (٢٤) و (لا) قيمتها) أي: قيمة النفقة (ولا) يجب (عليها أخذها)
(٢٢) مسألة: إذا توفي رجل، وزوجته حامل: فإن نفقة المحمول به -وهو الجنين- تؤخذ من نصيبه من التركة إذا وُجدت تركة، وإن لم توجد تركة، فيجب على وارثه -أي: وارث الجنين فيما لو مات -أن ينفق عليه إذا كان موسرًا، للتلازم؛ حيث يلزم من وجود مال للجنين: أن ينفق عليه منه، ويلزم من عدمه: أن ينفق عليه من يرثه إذا كان موسرًا؛ لأن الغرم بالغنم.
(٢٣) مسألة: وقت دفع الزوج نفقة كل يوم للزوجة، وللمطلقة الرجعية، وللمطلقة البائن إذا كانت الأخيرة حاملًا وللحامل بوطء شبهة، وللحامل ولأي حامل لم ينتف ولدها بلعان هو: عند طلوع شمس كل يوم، فتأخذه هي ولا يجوز تأخيره عنه؛ للمصلحة: حيث إن الحاجة إلى الإنفاق -من أكل وشرب- تبدأ من طلوع الشمس، فإن تأخرت عن ذلك: فقد يقع ضرر.
(٢٤) مسألة: يجب على الزوج أن يدفع النفقة قوتًا يأكله من وجبت له النفقة دون مؤنة مكلَّفة: فيدفع لها خبزًا، وأُدمًا: من زيت، أو سمن، وكذا: تمر، أو لحمًا، ولو دفع لها حبًا: فإنه لا يُجزئ؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وفسَّر ابن عباس، وابن عمر طعام الأهل: بالخبز مع غيره من الأُدم: من زيت، أو سمن، أو لحم، وكذا: تمر، وتفسير الصحابي حجة يقدم على غيره، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن نفقة العبيد الخبز والأدم فكذلك نفقة الزوجات ونحوهن، والجامع: أن كلًّا منهما نفقة قدَّرها الشارع بالكفاية، فكان الواجب فيهما الخبز والأدم، الثالثة: العرف والعادة؛ حيث إن الشرع أوجب النفقة مطلقًا غير تقدير، ولا تقييد بشيء معيَّن فوجب أن يُرد =
стр. 2731
أي: أخذ قيمة النفقة؛ لأن ذلك معاوضة، فلا يُجبر عليه من امتنع منهما، ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب -كدراهم- إلا بتراضيهما (فإن اتفقا عليه) أي: على أخذ القيمة (أو) اتفقا (على تأخيرها، أو تعجيلها مدَّة طويلة، أو قليلة: جاز)؛ لأن الحق لا يعدوهما (٢٥) (ولها الكسوة كل عام مرَّة في أوله) أي: أول العام من زمن الوجوب؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى الكسوة، فيعطيها كسوة السنة؛ لأنه لا يمكن ترديد الكسوة شيئًا فشيئًا، بل هو شيء واحد يُستدام إلى أن يبلى، وكذا: غطاء، ووطاء، وستارة يُحتاج إليها، واختار ابن نصر الله: أنها كماعون الدار، ومشط تجب
= إلى العرف في ذلك، والناس تعارفوا واعتادوا أن ينفقوا على أهليهم الخبز والأدم، دون الحب، فإن قلت: الواجب دفع الحب، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الواجب في الإطعام في الكفارة الحب فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه طعام في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الإطعام في الكفارة حق الله تعالى، وليس هو لآدمي معيَّن، فيرضى بالعِوَض عنه، ثم إن الحب يحتاج إلى طَحن وخَبْز، فمتى احتاج إلى تكلُّف ذلك من مالها: لم تحصل الكفاية بنفقتها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع الكتاب، والعرف والعادة".
(٢٥) مسألة: إذا اتفق المنفِق، أو المنفَق عليها: على أخذ قيمة النفقة -دون الخبز والأُدم-، أو اتفقا على تأخير النفقة، أو تقديمها عن وقتها: أو اتفقا على أخذ الحب، أو دقيقًا -عن الخبز والأدم-: فإن هذا يصح، أما إن امتنع أحدهما، أو كلاهما عن ذلك: فلا يصح إلا ما ذكرناه في مسألتي (٢٣ و ٢٤): ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب عليهما، أو على أحدهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اتفاقهما على تلك الأمور: صحتها؛ لأن الحق لا يتعدَّاهما، وما دام حصل التراضي منهما: فلا مانع من صحته، ويلزم من عدم اتفاقهما عليها: عدم صحتها؛ لكون ذلك معاوضة، فلا يُجبر عليه من امتنع منهما.
стр. 2732
بقدر الحاجة، ومتى انقضى العام والكسوة باقية: فعليه كسوة للجديد (٢٦) (وإذا غاب) الزوج، أو كان حاضرًا (ولم ينفق) على زوجته: (لزمته نفقة ما مضى) وكسوته، ولو لم يفرضها الحاكم، ترك الإنفاق لعذر أو لا؛ لأنه حق يجب مع اليسار والإعسار: فلم يسقط بمضي الزمان كالأجرة (٢٧) (وإن أنفقت) الزوجة (في غيبته) أي: غيبة الزوج
(٢٦) مسألة: تجب الكسوة على الزوج -يدفعها إلى زوجته مرة واحدة كل أول سنة، وتكون بقدر الحاجة وعلى حسب العرف، فإذا انقضت السنة: فعليه أن يدفع كسوة جديدة للسنة الجديدة وهكذا، وإن بقي من كسوة العام الماضي شيء: فهو لها؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون أول وقت الحاجة إلى الكسوة هو أول السنة أن يعطيها إياها في أولها، ويلزم من مشقة تكرار الكسوة، وأنها لا تكون شيئًا فشيئًا: أن يعطيها إياها مرة واحدة الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الكسوة لو بليت وفسدت قبل انقضاء السنة: فلا يلزم الزوج بدلها، فكذلك تجب عليه كسوة جديدة في السنة الجديدة ولو بقيت بعض كسوة السنة الماضية، والجامع: أن الحق واحد في كل لا يتغير بتغير الأحوال.
[فرع]: يجب على الزوج أن يدفع لزوجته غطاء، وفراشًا، وستارة، وأواني، وبعض الصحون والأمشاط والأثاث، تستعين بها على قضاء حوائجها داخل المنزل، وذلك على حسب الحاجة، والعرفو وأن يتفقّد ما فسد مما تحتاج استعماله ضرورة داخل منزلها فيُصلحه وهذا لا يقيد بمدَّة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يلزم من وجوب النفقة عليه؛ إذ في ذلك الكفاية في تلك النفقة حتى لا تحتاج إلى غير زوجها في ذلك.
(٢٧) مسألة: إذا غاب الزوج أو كان حاضرًا، ولكنه لم ينفق على زوجته: فيجب عليه أن يدفع نفقة ما مضى من السنوات، وكسوتها: سواء حكم الحاكم بذلك، أو لا، وسواء كان قد ترك الإنفاق لعذر أو لا؛ للقياس؛ بيانه كما أن المستأجر لا تسقط عنه الأجرة، وإن مضى وقت وهو لم يدفعها: فعليه دفع ما مضى من المدة =
стр. 2733
(من ماله، فبان ميتًا: غرَّمها الوارث) للزوج (ما أنفقته بعد موته)؛ لانقطاع وجوب النفقة عليه بموته، فما قبضته بعده لا حق لها فيه، فيرجع عليها ببدله (٢٨).
(فصل): (ومن تسلّم زوجته) التي يوطأ مثلها: وجبت عليه نفقتها (أو بذلت) تسليم (نفسها) أو بذله وليها (ومثلها يوطأ): بأن تمَّ لها تسع سنين: (وجبت نفقتها) وكسوتها (ولو مع صغر زوج، ومرضه، وجُبِّه، وعنَّته) ويجبر الولي مع صغر الزوج على بذل نفقتها، وكسوتها من مال الصبي، لأن النفقة كأرش جناية (٢٩)، ومن بذلت
= فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما حق يجب دفعه مع اليسار والإعسار فلا يسقط بمضي الزمان، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل -في مسألة (١٦) -.
(٢٨) مسألة: إذا غاب الزوج، فأنفقت زوجته على نفسها من ماله، فبان أنه قد مات في غيبته: فيجب عليها: أن تدفع ما أنفقته من حين موت زوجها إلى ورثة ذلك الزوج، فمثلًا: لو غاب عنها في شهر محرم فأنفقت زوجته من ماله حتى جاء شهر رمضان، فبان أنه قد مات في شهر صفر: فيجب عليها أن تدفع قيمة النفقة التي أنفقتها على نفسها من شهر صفر إلى رمضان وتُسلِّمه لورثة زوجها وهذا بعد أن يُحسب حقها من الميراث -؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من موت زوجها: انقطاع وجوب النفقة عليها من ماله، ويلزم من انتقال مال زوجها إلى الورثة: أن تدفع لهم قيمة ما أنفقته على نفسها من حين موته لكونهم غير ملزمين بالإنفاق عليها.
(٢٩) مسألة: إذا تسلَّم الزوج زوجته، أو بذلت هي نفسها له، أو سلَّمها له وليها، وهي ممن يوطأ مثلها كمن تم لها تسع سنين: فيجب على هذا الزوج: أن يبدأ بالنفقة عليها: من إطعام، وكسوة، وسكنى من حين ذلك التسليم: وهذا مطلق: أي: سواء كان الزوج صغيرًا، أو كبيرًا، صحيحًا، أو مريضًا، سليمًا، أو مجبوبًا، أو عنِّينًا، ويجبر ولي الزوج الصغير بأن يبذل نفقة زوجته من مال ذلك الصغير؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "اتقوا الله في =
стр. 2734
التسليم، وزوجها غائب: لم يفرض لها حتى يراسله حاكم، ويمضي زمن يمكن قدومه في مثله (٣٠) (ولها) أي: الزوجة (منع نفسها) من الزوج (حتى تقبض صداقها الحال)؛
= النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" حيث يلزم من ذكر النفقة عليهن بعد استحلال فروجهن: أن النفقة على الزوجة تبدأ من حين تسلَّمها الزوج، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المؤجِّر إذا سلَّم العين المؤجَّرة أو بذلها: فإنه يستحق الأجرة مطلقًا: سواء انتفع المستأجر أو لا، فكذلك الحال هنا: فإنه يجب على الزوج دفع النفقة: من إطعام وإكساء، وسكن إلى الزوجة التي سلَّمت نفسها، أو سُلِّمت له، والجامع: أن كلًّا من الأجرة، والنفقة كان في مقابلة المنفعة، والاستمتاع، مع التمكين ثانيهما: كما أن ولي الصبي يجب عليه أن يدفع أرش جناية الصبي من ماله -أي: من مال الصبي- فكذلك يجب على هذا الولي أن يدفع النفقة لزوجة الصبي من ماله -أي: من مال الصبي- والجامع: أن الولي ينوب عن الصبي في أداء الواجبات، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قالت عائشة: "إذا بلغت الجارية تسعًا: فهي امرأة".
(٣٠) مسألة: إذا بذلت زوجة نفسها وسلَّمتها، وزوجها غائب: فلا تستحق نفقة واجبة عليه في حال غيابه إلا إذا كاتبه وراسله الحاكم يخبره بتسليمها نفسها له، فإن عاد الزوج إليها، أو وكَّل من يتسلَّمها عنه، فوصل هو، أو وكيله: فإن النفقة تجب بمجرَّد الوصول، وإن لم يعد، ولم يوكل أحدًا، مع علمه بذلك: فإن الحاكم يفرض عليه نفقتها من الوقت الذي يمكنه، أو وكيله من الوصول إليها وتسلُّمها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمكّنه من الوصول وتسلُّمها ومع ذلك امتنع مع علمه: وجوب دفع نفقتها عليه، ويلزم من كون الحاكم هو الذي يملك السلطة في ذلك: أن يقوم هو بفرضها عليه.
стр. 2735
لأنه لا يمكنها استدراك منفعة البضع لو عجزت عن أخذه بعده، ولها النفقة في مدَّة الامتناع لذلك؛ لأنه بحق (٣١) (فإن سلَّمت نفسها طوعًا) قبل قبض حال الصداق (ثم أرادت المنع: لم تملكه) ولا نفقة لها مدَّة الامتناع (٣٢)، وكذا: لو تساكتا بعد العقد، فلم يطلبها، ولم تبذل نفسها: فلا نفقة (٣٣) (وإذا أعسر) الزوج (بنفقة القوت أو) أعسر بـ (الكسوة) أي: كسوة المعسر (أو) أعسر بـ (بعضها) أي: بعض نفقة المعسر، أو كسوته (أو) أعسر بـ (المسكن) أي: مسكن معسر، أو صار لا يجد النفقة إلا يومًا دون يوم: (فلها فسخ النكاح) من زوجها المعسر، لحديث أبي هريرة مرفوعًا - في
(٣١) مسألة: يُباح للزوجة أن تمنع نفسها من الزوج، ولا تمكّنه من نفسها إلى أن تقبض صداقها الحالّ عليه، ويجب عليه أن يدفع نفقة مدّة امتناعها من نفسها عنه من أجل ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن عدم تمكّنها استدراك منفعة البضع إذا عجزت عن أخذ الصداق بعد تمكينها له: يلزم منه فوات ذلك عليها بدون مقابل، ويلزم من كونها قد امتنعت هنا عنه لتطالب بحقها، وامتناع الزوج: وجوب نفقة تلك المدَّة التي امتنعت فيها عنه؛ لكونها قد فعلت ما لها فعله، وهو حفظ شيء من حقها أن تحتفظ به.
(٣٢) مسألة: إذا سلَّمت الزوجة نفسها لزوجها قبل قبض صداقها الحالّ عليه، ثم أرادت الامتناع عنه: فإنها لا تملكه، ولو فعلت وامتنعت: فلا نفقة لها طوال مدَّة ذلك الامتناع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المؤجِّر لو سلَّمه المستأجر العين المؤجَّرة، ثم أراد المؤجِّر أن يمنع المستأجر من الانتفاع بالعين، فإنه لا يملكه، ولو منعه منها: فلا يستحق الأجرة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن المنع جاء بعد التسليم والتمكين في كل فلم يصح فيهما.
(٣٣) مسألة إذا تزوج رجل امرأة، وهو لم يطلبها لتبذل نفسها له، وهي لم تبذل نفسها، بل حصل السكوت منهما: فلا تجب النفقة على الزوج؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم التمكين وعدم العذر من قبله: عدم وجوب النفقة عليه.
следующие страницы →