Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
أي: أخذ قيمة النفقة؛ لأن ذلك معاوضة، فلا يُجبر عليه من امتنع منهما، ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب -كدراهم- إلا بتراضيهما (فإن اتفقا عليه) أي: على أخذ القيمة (أو) اتفقا (على تأخيرها، أو تعجيلها مدَّة طويلة، أو قليلة: جاز)؛ لأن الحق لا يعدوهما (٢٥) (ولها الكسوة كل عام مرَّة في أوله) أي: أول العام من زمن الوجوب؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى الكسوة، فيعطيها كسوة السنة؛ لأنه لا يمكن ترديد الكسوة شيئًا فشيئًا، بل هو شيء واحد يُستدام إلى أن يبلى، وكذا: غطاء، ووطاء، وستارة يُحتاج إليها، واختار ابن نصر الله: أنها كماعون الدار، ومشط تجب
= إلى العرف في ذلك، والناس تعارفوا واعتادوا أن ينفقوا على أهليهم الخبز والأدم، دون الحب، فإن قلت: الواجب دفع الحب، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الواجب في الإطعام في الكفارة الحب فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه طعام في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الإطعام في الكفارة حق الله تعالى، وليس هو لآدمي معيَّن، فيرضى بالعِوَض عنه، ثم إن الحب يحتاج إلى طَحن وخَبْز، فمتى احتاج إلى تكلُّف ذلك من مالها: لم تحصل الكفاية بنفقتها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع الكتاب، والعرف والعادة".
(٢٥) مسألة: إذا اتفق المنفِق، أو المنفَق عليها: على أخذ قيمة النفقة -دون الخبز والأُدم-، أو اتفقا على تأخير النفقة، أو تقديمها عن وقتها: أو اتفقا على أخذ الحب، أو دقيقًا -عن الخبز والأدم-: فإن هذا يصح، أما إن امتنع أحدهما، أو كلاهما عن ذلك: فلا يصح إلا ما ذكرناه في مسألتي (٢٣ و ٢٤): ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب عليهما، أو على أحدهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اتفاقهما على تلك الأمور: صحتها؛ لأن الحق لا يتعدَّاهما، وما دام حصل التراضي منهما: فلا مانع من صحته، ويلزم من عدم اتفاقهما عليها: عدم صحتها؛ لكون ذلك معاوضة، فلا يُجبر عليه من امتنع منهما.
стр. 2732
بقدر الحاجة، ومتى انقضى العام والكسوة باقية: فعليه كسوة للجديد (٢٦) (وإذا غاب) الزوج، أو كان حاضرًا (ولم ينفق) على زوجته: (لزمته نفقة ما مضى) وكسوته، ولو لم يفرضها الحاكم، ترك الإنفاق لعذر أو لا؛ لأنه حق يجب مع اليسار والإعسار: فلم يسقط بمضي الزمان كالأجرة (٢٧) (وإن أنفقت) الزوجة (في غيبته) أي: غيبة الزوج
(٢٦) مسألة: تجب الكسوة على الزوج -يدفعها إلى زوجته مرة واحدة كل أول سنة، وتكون بقدر الحاجة وعلى حسب العرف، فإذا انقضت السنة: فعليه أن يدفع كسوة جديدة للسنة الجديدة وهكذا، وإن بقي من كسوة العام الماضي شيء: فهو لها؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون أول وقت الحاجة إلى الكسوة هو أول السنة أن يعطيها إياها في أولها، ويلزم من مشقة تكرار الكسوة، وأنها لا تكون شيئًا فشيئًا: أن يعطيها إياها مرة واحدة الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الكسوة لو بليت وفسدت قبل انقضاء السنة: فلا يلزم الزوج بدلها، فكذلك تجب عليه كسوة جديدة في السنة الجديدة ولو بقيت بعض كسوة السنة الماضية، والجامع: أن الحق واحد في كل لا يتغير بتغير الأحوال.
[فرع]: يجب على الزوج أن يدفع لزوجته غطاء، وفراشًا، وستارة، وأواني، وبعض الصحون والأمشاط والأثاث، تستعين بها على قضاء حوائجها داخل المنزل، وذلك على حسب الحاجة، والعرفو وأن يتفقّد ما فسد مما تحتاج استعماله ضرورة داخل منزلها فيُصلحه وهذا لا يقيد بمدَّة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يلزم من وجوب النفقة عليه؛ إذ في ذلك الكفاية في تلك النفقة حتى لا تحتاج إلى غير زوجها في ذلك.
(٢٧) مسألة: إذا غاب الزوج أو كان حاضرًا، ولكنه لم ينفق على زوجته: فيجب عليه أن يدفع نفقة ما مضى من السنوات، وكسوتها: سواء حكم الحاكم بذلك، أو لا، وسواء كان قد ترك الإنفاق لعذر أو لا؛ للقياس؛ بيانه كما أن المستأجر لا تسقط عنه الأجرة، وإن مضى وقت وهو لم يدفعها: فعليه دفع ما مضى من المدة =
стр. 2733
(من ماله، فبان ميتًا: غرَّمها الوارث) للزوج (ما أنفقته بعد موته)؛ لانقطاع وجوب النفقة عليه بموته، فما قبضته بعده لا حق لها فيه، فيرجع عليها ببدله (٢٨).
(فصل): (ومن تسلّم زوجته) التي يوطأ مثلها: وجبت عليه نفقتها (أو بذلت) تسليم (نفسها) أو بذله وليها (ومثلها يوطأ): بأن تمَّ لها تسع سنين: (وجبت نفقتها) وكسوتها (ولو مع صغر زوج، ومرضه، وجُبِّه، وعنَّته) ويجبر الولي مع صغر الزوج على بذل نفقتها، وكسوتها من مال الصبي، لأن النفقة كأرش جناية (٢٩)، ومن بذلت
= فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما حق يجب دفعه مع اليسار والإعسار فلا يسقط بمضي الزمان، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل -في مسألة (١٦) -.
(٢٨) مسألة: إذا غاب الزوج، فأنفقت زوجته على نفسها من ماله، فبان أنه قد مات في غيبته: فيجب عليها: أن تدفع ما أنفقته من حين موت زوجها إلى ورثة ذلك الزوج، فمثلًا: لو غاب عنها في شهر محرم فأنفقت زوجته من ماله حتى جاء شهر رمضان، فبان أنه قد مات في شهر صفر: فيجب عليها أن تدفع قيمة النفقة التي أنفقتها على نفسها من شهر صفر إلى رمضان وتُسلِّمه لورثة زوجها وهذا بعد أن يُحسب حقها من الميراث -؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من موت زوجها: انقطاع وجوب النفقة عليها من ماله، ويلزم من انتقال مال زوجها إلى الورثة: أن تدفع لهم قيمة ما أنفقته على نفسها من حين موته لكونهم غير ملزمين بالإنفاق عليها.
(٢٩) مسألة: إذا تسلَّم الزوج زوجته، أو بذلت هي نفسها له، أو سلَّمها له وليها، وهي ممن يوطأ مثلها كمن تم لها تسع سنين: فيجب على هذا الزوج: أن يبدأ بالنفقة عليها: من إطعام، وكسوة، وسكنى من حين ذلك التسليم: وهذا مطلق: أي: سواء كان الزوج صغيرًا، أو كبيرًا، صحيحًا، أو مريضًا، سليمًا، أو مجبوبًا، أو عنِّينًا، ويجبر ولي الزوج الصغير بأن يبذل نفقة زوجته من مال ذلك الصغير؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "اتقوا الله في =
стр. 2734
التسليم، وزوجها غائب: لم يفرض لها حتى يراسله حاكم، ويمضي زمن يمكن قدومه في مثله (٣٠) (ولها) أي: الزوجة (منع نفسها) من الزوج (حتى تقبض صداقها الحال)؛
= النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" حيث يلزم من ذكر النفقة عليهن بعد استحلال فروجهن: أن النفقة على الزوجة تبدأ من حين تسلَّمها الزوج، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المؤجِّر إذا سلَّم العين المؤجَّرة أو بذلها: فإنه يستحق الأجرة مطلقًا: سواء انتفع المستأجر أو لا، فكذلك الحال هنا: فإنه يجب على الزوج دفع النفقة: من إطعام وإكساء، وسكن إلى الزوجة التي سلَّمت نفسها، أو سُلِّمت له، والجامع: أن كلًّا من الأجرة، والنفقة كان في مقابلة المنفعة، والاستمتاع، مع التمكين ثانيهما: كما أن ولي الصبي يجب عليه أن يدفع أرش جناية الصبي من ماله -أي: من مال الصبي- فكذلك يجب على هذا الولي أن يدفع النفقة لزوجة الصبي من ماله -أي: من مال الصبي- والجامع: أن الولي ينوب عن الصبي في أداء الواجبات، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قالت عائشة: "إذا بلغت الجارية تسعًا: فهي امرأة".
(٣٠) مسألة: إذا بذلت زوجة نفسها وسلَّمتها، وزوجها غائب: فلا تستحق نفقة واجبة عليه في حال غيابه إلا إذا كاتبه وراسله الحاكم يخبره بتسليمها نفسها له، فإن عاد الزوج إليها، أو وكَّل من يتسلَّمها عنه، فوصل هو، أو وكيله: فإن النفقة تجب بمجرَّد الوصول، وإن لم يعد، ولم يوكل أحدًا، مع علمه بذلك: فإن الحاكم يفرض عليه نفقتها من الوقت الذي يمكنه، أو وكيله من الوصول إليها وتسلُّمها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمكّنه من الوصول وتسلُّمها ومع ذلك امتنع مع علمه: وجوب دفع نفقتها عليه، ويلزم من كون الحاكم هو الذي يملك السلطة في ذلك: أن يقوم هو بفرضها عليه.
стр. 2735
لأنه لا يمكنها استدراك منفعة البضع لو عجزت عن أخذه بعده، ولها النفقة في مدَّة الامتناع لذلك؛ لأنه بحق (٣١) (فإن سلَّمت نفسها طوعًا) قبل قبض حال الصداق (ثم أرادت المنع: لم تملكه) ولا نفقة لها مدَّة الامتناع (٣٢)، وكذا: لو تساكتا بعد العقد، فلم يطلبها، ولم تبذل نفسها: فلا نفقة (٣٣) (وإذا أعسر) الزوج (بنفقة القوت أو) أعسر بـ (الكسوة) أي: كسوة المعسر (أو) أعسر بـ (بعضها) أي: بعض نفقة المعسر، أو كسوته (أو) أعسر بـ (المسكن) أي: مسكن معسر، أو صار لا يجد النفقة إلا يومًا دون يوم: (فلها فسخ النكاح) من زوجها المعسر، لحديث أبي هريرة مرفوعًا - في
(٣١) مسألة: يُباح للزوجة أن تمنع نفسها من الزوج، ولا تمكّنه من نفسها إلى أن تقبض صداقها الحالّ عليه، ويجب عليه أن يدفع نفقة مدّة امتناعها من نفسها عنه من أجل ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن عدم تمكّنها استدراك منفعة البضع إذا عجزت عن أخذ الصداق بعد تمكينها له: يلزم منه فوات ذلك عليها بدون مقابل، ويلزم من كونها قد امتنعت هنا عنه لتطالب بحقها، وامتناع الزوج: وجوب نفقة تلك المدَّة التي امتنعت فيها عنه؛ لكونها قد فعلت ما لها فعله، وهو حفظ شيء من حقها أن تحتفظ به.
(٣٢) مسألة: إذا سلَّمت الزوجة نفسها لزوجها قبل قبض صداقها الحالّ عليه، ثم أرادت الامتناع عنه: فإنها لا تملكه، ولو فعلت وامتنعت: فلا نفقة لها طوال مدَّة ذلك الامتناع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المؤجِّر لو سلَّمه المستأجر العين المؤجَّرة، ثم أراد المؤجِّر أن يمنع المستأجر من الانتفاع بالعين، فإنه لا يملكه، ولو منعه منها: فلا يستحق الأجرة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن المنع جاء بعد التسليم والتمكين في كل فلم يصح فيهما.
(٣٣) مسألة إذا تزوج رجل امرأة، وهو لم يطلبها لتبذل نفسها له، وهي لم تبذل نفسها، بل حصل السكوت منهما: فلا تجب النفقة على الزوج؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم التمكين وعدم العذر من قبله: عدم وجوب النفقة عليه.
стр. 2736
الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته -قال: "يُفرَّق بينهما" رواه الدارقطني، فتفسخ فورًا، أو متراخيًا بإذن الحاكم، ولها الصبر مع منع نفسها، وبدونه، ولا يمنعها تكسُّبًا، ولا يحبسها (٣٤)، (فإن غاب) زوج موسر (ولم يدع لها نفقة، وتعذَّر أخذها من ماله و) تعذَّرت (استدانتها عليه: فلها الفسخ بإذن الحاكم)؛ لأن الإنفاق عليها من ماله متعذِّر فكان لها الخيار كحال الإعسار (٣٥)، وإن منع موسر نفقة أو كسوة،
(٣٤) مسألة: إذا أعسر الزوج بالنفقة: فصار لا يستطيع أن يعطيها قوتًا، أو يعطيها يومًا دون يوم، أو لم يستطع كسوتها، أو لم يستطع على بعضها، أو لم يستطع على سكناها: فإن الزوجة تُخيَّر بين أمرين: أولهما: إما أن تفسخ نكاحها بإذن حاكم، سواء أرادت أن تفسخه فور إعساره أو بعده بمدَّة، ثانيهما: وإما أن تصبر عليه -وهو أفضل- فإذا صبرت عليه: يُباح لها أن تمنع نفسها عنه، ولها حق التكسُّب بنفسها، ولا يحبسها ويمنعها من ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن رجلًا لم يجد ما ينفق به على زوجته، فعلم النبي ﷺ فقال: "يُفرق بينهما" حيث أباح لها أن تطلب الفرقة وفسخ النكاح بسبب العجز عن النفقة؛ لأن السؤال كالمعاد في الجواب، والتقدير: "إذا لم يجد الزوج ما ينفق به على زوجته: فلها أن تطلب فسخ النكاح" وهذا مطلق في الزمان: فيجوز فورًا ومتراخيًا، الثانية: التلازم؛ حيث إن النفقة: من قوت، وكسوة، وسكنى حق للزوجة فإذا أسقطته وصبرت: فلها أجر ذلك فيلزم منه جواز الصبر، وعدم الفسخ، ويلزم من عدم النفقة من الزوج: إباحة منعها نفسها عنه ويلزم من عدم النفقة أيضًا: عدم جواز منعها عن التكسُّب، وعدم جواز حبسها؛ لكونه لم يُسلِّم لها نفقتها التي تغنيها عن التكسُّب.
(٣٥) مسألة: إذا غاب زوج موسر، ولم يترك نفقة لزوجته، وتعذَّر أخذها من ماله، وتعذَّر أخذها من وكيله وتعذَّرت استدانتها على حسابه: فإن الزوجة تُخيَّر بين "أن تفسخ نكاحها بإذن الحاكم" وبين "أن تصبر"؛ قياسًا على المعسر كما سبق تفصيله في مسألة (٣٤).
стр. 2737
أو بعضهما، وقدرت على ماله: أخذت كفايتها وكفاية ولدها، وخادمها بالمعروف بلا إذنه، فإن لم تقدر: أجبره الحاكم. فإن غيَّب ماله، وصبر على الحبس: فلها الفسخ؛ لتعذُّر النفقة عليها من قبله (٣٦).
(٣٦) مسألة: إذا امتنع زوج موسر عن دفع نفقة لزوجته: من قوت، وكسوة ونحوهما، أو امتنع عن دفع بعضها، وقدرت على ماله: فإنه يجوز لها أن تأخذ قدر كفايتها، وكفاية ولدها، وكفاية خادمها من النفقة من مال الزوج، فإن لم تقدر على ماله: فلها أن تشتكيه إلى الحاكم، فيُجبره على الإنفاق عليها، ويُهدِّد بمعاقبته بالسجن إن امتنع، فإن امتنع -مع ذلك- وصبر على الحبس فإن الزوجة تُخيَّر بين "أن تفسخ النكاح بإذن الحاكم" وبين "أن تصبر عليه"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن هندًا قد اشتكت أبا سفيان بسبب عدم إنفاقه عليها، أو تقتيره في الإنفاق فقال لها ﷺ : خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف" حيث أباح الشارع للزوجة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها من النفقة؛ لأن الأمر هنا للإباحة؛ حيث إنه ورد بعد حظر؛ لأنه لا يجوز أن يأخذ أيُّ شخص من مال آخر شيئًا إلّا بطيب نفس منه، وهذا الأمر للزوجة بالأخذ فيه إباحة ذلك، والخادم كالولد؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" ويلزم من قوله: "ما يكفيكِ بالمعروف" اشتراط: أخذ الكفاية فقط كما هو متعارف عليه، فلا يجوز أخذ ما زاد على ذلك؛ لأنه تعدِّي على حقوق الآخرين الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه إذا أعسر الزوج: فإن زوجته تخيَّر بين فسخ النكاح، والصبر -كما سبق في مسألة (٣٤) - فكذلك الحال هنا، والجامع: عدم الإنفاق في كل.
هذه آخر مسائل: "حقيقة النفقات، ونفقة الزوجات، والمطلقات، وابتداء النفقة، وحكم إعسار الزوج، وامتناعه عنها أو تعذرها" ويليه باب: "نفقة الأقارب والمماليك من الآدميين والبهائم".
стр. 2738
باب: نفقة الأقارب والمماليك من الآدميين والبهائم
(تجب) النفقة كاملة إذا كان المنفق عليه لا يملك شيئًا (أو تتمتها) إذا كان لا يملك البعض (لأبويه وإن علوا)؛ لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾، ومن الإحسان: الإنفاق عليهما (و) تجب النفقة، أو تتمتها (لولده وإن سفل): ذكرًا كان أو أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ (حتى ذوي الأرحام منهم) أي: من آبائه، وأمهاته: كأجداده المدلين بإناث، وجداته الساقطات، ومن أولاده كولد البنت: سواء (حجبه) أي: الغني (معسر) فمن له أب وجد معسران: وجبت عليه نفقتهما ولو كان محجوبًا من الجد بأبيه المعسر (أو لا): بأن لم يحجبه أحد كمن له جد معسر، ولا أب له: فعليه نفقة جده؛ لأنه وارثه (١) (و) تجب النفقة، أو
باب: نفقة الأقارب والمماليك من الآدميين والبهائم
وفيه ثنتان وأربعون مسألة:
(١) مسألة: يجب على الشخص الغني: أن ينفق - أو يتمم النفقة- على والديه: الأب، والأم، وأجداده وجداته من الأب، وأجداده، وجداته من الأم، وإن علوا، ويجب أن ينفق -أو يتمم النفقة- على أولاده، وأولاد أولاده وإن سفلوا: سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، وسواء كانوا وارثين أو محجوبين، وسواء حجب الغني المنفق معسر أو لا: كوجود أب وجد له وكانا معسرين: فينفق عليهما، وإن كان محجوبًا من الجد بأبيه المعسر، أو لم يحجبه كمن له جد معسر، ولا أب له، فينفق على الجد، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ فأوجب الشارع الإحسان إلى الوالدين، ومن أدلى بهما من الأجداد والجدات؛ لأن الأمر الوارد في سياق الآية مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ومن أعظم الإحسان إليهما: الإنفاق عليهما وإغناؤهما عن النظر إلى ما بأيدي الناس، ومن أدلى بهما من الأجداد والجدات مثلهما في الإنفاق؛ لأنه يطلق عليه والد وإن كان مجازًا، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ =
стр. 2739
إكمالها لـ (كل من يرثه) المنفِق (بفرض) كولد لأم (أو تعصيب) كأخ، وعم لغير أم (لا) لمن يرثه (برحم) كخال وخالة (سوى عمودي نسبه) كما سبق (سواء ورثه الآخر كأخ) للمنفِق (أو لا كعمة وعتيق) (٢)، وتكون النفقة على من تجب عليه (بمعروف)؛
= وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فأوجب على الوالد أن ينفق على أولاده بالمعروف إذا كانوا فقراء الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ لهند: "خذي من ماله ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف" وهذا عام لجميع الأولاد: الذكور، والإناث، لأن اللفظ يشمل ذلك، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن على الشخص نفقة والديه، وأولاده، الرابعة: القياس؛ بيانه: كما تجب النفقة على قرابة الأب الأدنى، فكذلك تجب على قرابته الأبعدين من ذوي الأرحام من آبائه، أو أمهاته والجامع: أنه في كل منها قرابتهم قرابة جزئية، وبعضية، تقتضي ردَّ الشهادة، وتمنع جريان القصاص على الوالد بقتل ولده وإن سفل، تنبيه: نفقة القريب لا تجب إلا بشروط سيأتي بيانها فيما يلي من المسائل.
(٢) مسألة: في الأول -من شروط وجوب النفقة على الشخص للأقارب- وهو: أن يكون الغني المنفِق وارثًا للمنفق عليه فيما لو مات قبله عن طريق الفرض كولد الأم، أو عن طريق التعصيب كأخ، وابن أخ، وعم وابن عم لغير أم، أما من يرثه الغني المنفِق بسبب رحم كخال وخالة: فلا تجب نفقته، وهذا الشرط يكون سواء ورثه المنفَق عليه كالأخ للمنفِق، أو لم يرثه كعمة المنفِق؛ حيث إن العمة لا ترث ابن أخيها بفرض ولا تعصيب وابن أخيها يرثها بالتعصيب لذلك يجب عليه أن ينفق عليها، وكذلك العتيق لا يرث مولاه الذي أعتقه، ومولاه -وهو الذي أعتقه يرث عتيقه، ولذلك وجبت النفقة على الوارث فقط، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ حيث أوجب الشارع على زيد أن ينفق على عمرو إذا كان زيد يرثه إذا مات كما أوجب عليه الإنفاق على ولده كما ورد في سياق تلك الآية؛ الثانية: التلازم؛ حيث إن بين المتوارثين قرابة =
стр. 2740
لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم أوجب مثل ذلك على الوارث، وروى أبو داود: أن رجلًا سأل النبي ﷺ من أبر؟ قال: "أمَّك، وأباك، وأختك وأخاك" وفي لفظ: "ومولاك الذي هو أدناك، حقًا واجبًا ورحمًا موصولًا" ويُشترط لوجوب نفقة القريب ثلاثة شروط: الأول: أن يكون المنفِق وارثًا لمن ينفق عليه، وتقدمت الإشارة إليه (٣)، الثاني: فقر المنفَق عليه، وقد أشار إليه بقوله: (مع فقر من
= تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث -فيما لو مات قبله- من بين سائر الناس القريبة فيلزم أن يختص ذلك الوارث بأن ينفق عليه دونهم، ويلزم من عدم إرثه له؛ لعدم القرابة القريبة: عدم وجوب النفقة عليه، فلذلك اشتُرط هذا الشرط، وهو المقصد منه، تنبيه: هذا الشرط يخص غير عمودي النسب من الأب، والولد؛ حيث إن عمودي النسب تجب النفقة لهم وعليهم مطلقًا: سواء ورثوا أو لا -كما سبق في مسألة (١).
(٣) مسألة: تكون النفقة على من تجب عليه بالمعروف والمعتاد بين أوساط الناس، فلا يُزاد فيها فيتضرر المنفِق، ولا يُنقص منها فيتضرر المنفَق عليه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي: أن النفقة على الأولاد المحمول بهم وغيرهم ممن يرثهم المنفِق على حسب ما تعارف عليه مجتمعه واعتاده، دون إجحاف بحق المنفِق والمنفَق عليه، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ لهند-: "خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف" فإذا اشترط الإنفاق بالمعروف على الزوجة والولد فمن باب أولى أن يكون ذلك في الأقارب، والمقصد في ذلك واضح وهو عدم ظلم المنفِق، والمنفَق عليه.
[فرع]: وجوب الإنفاق مرتب على حسب الأقرب فالأقرب: أي: الأقرب أحق بالنفقة ممّن هو أبعد منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "اِبدأ =
стр. 2741
تجب له) النفقة (وعجزه عن تكسُّب)؛ لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغني بملكه، أو قدرته على التكسُّب مستغنٍ عن المواساة، ولا يُعتبر نقصه، فتجب لصحيح مكلَّف لا حرفة له (٤)، الثالث: غِنَى المنفِق، وإليه الإشارة بقوله: (إذا فضل) ما ينفقه
= بنفسك، ثم بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك، فأدناك" ويلزم من ذكر "واو العطف" الترتيب، ويلزم من ذكر "ثم" الترتيب والتراخي، وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله، تنبيه: قوله: "ويشترط لوجوب النفقة" إلى قوله: "وتقدَّمت الإشارة إليه" قد سبق بيان ذلك بالتفصيل في الشرط الأول من تلك الشروط وذلك في مسألة (٢).
(٤) مسألة: في الثاني -من شروط وجوب النفقة على الشخص للأقارب- وهو: أن يكون القريب الذي تجب النفقة عليه: فقيرًا: لا مال له، وهو عاجز عن التكسُّب، فإن كان هذا القريب موسرًا بمال، أو كسب، يكفيه: فلا نفقة له؛ للتلازم؛ حيث إن النفقة على الفقير واجبة على الغني لمواساة ذلك الفقير الناقص: سواء كان ناقص الأحكام كالصغير والمجنون، أو كان ناقص الخلقة كالزمن، فإذا كان ذلك القريب غنيًا بماله، أو بقدرته على الاكتساب: فيلزم عدم وجوب النفقة له، أي: لا يُنفق عليه؛ لأنه مستغنٍ عن المواساة، لذلك لا تجب لصحيح مكلَّف لا حرفة له، وهو قادر على التكسُّب بيديه فينفق على الغلام حتى يبلغ، فإذا بلغ صحيحًا: انقطعت نفقته، ثم يتحمل مسؤوليته، وينفق على الجارية إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت انقطعت نفقتها، ويتحمل زوجها نفقتها، وهو قول مالك وأبي حنيفة، فإن قلتَ: تجب لصحيح مكلَّف لا حرفة له، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك" وهو عام للولد الصحيح وغيره، البالغ وغيره قلتُ: إن النفقة قد وجبت لمواساة الفقراء من الأقارب، فيلزم خروج الغني من الأولاد بسبب قدرته على التكسب بيديه، والمصلحة تقتضي عدم النفقة للغني بقدرته على التكسب؛ لأن هذا =
стр. 2742
عليه (عن قوت نفسه، وزوجته، ورقيقه، يومه وليلته و) عن (كسوة وسكني) لنفسه، وزوجته، ورقيقه (من حاصل) في يده (أو متحصِّل) من صناعة، أو تجارة، أو أجرة عقار، أو ربع وقف، ونحوه؛ لحديث جابر مرفوعًا: "إذا كان أحدكم فقيرًا: فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل: فعلى عياله، فإن كان فضل: فعلى قرابته" (٥)، و (لا) تجب
= سيُفسده، وسيعتمد على المنفِق في ذلك فلا يحرص على تعلُّم حرفة تنفعه في المستقبل، وبهذا يفسد، ويؤدي ذلك إلى أن يكثر العاطلون عن العمل مما يؤدي إلى إفساد المجتمع كله، فدفعًا لذلك: لا يُنفق على القادر على التكسُّب بيديه، وهذا التلازم، والمصلحة قد خصَّصا عموم حديث هند، ولذلك لا تُعطى الزكاة للقادر على الكسب بيديه.
(٥) مسألة: في الثالث -من شروط وجوب النفقة على الشخص للأقارب- أن يكون المنفِق غنيًا: بأن تكون تلك النفقة التي يريد أن يدفعها لغيره من أقاربه فاضلة وزائدة عن قوت نفسه، وقوت زوجته، وقوت رقيقه يومه وليلته، وفاضلة عن كسوة وسكنى نفسه وزوجته ورقيقه إما من ماله الحاصل بيده، أو من اكتسابه بصناعة، أو تجارة أو حرفة، أو أجرة عقار، أو ريع وقف ونحو ذلك، أما إذا لم يفضل عنه شيء: فلا تجب عليه نفقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: "تصدَّق به على نفسك" قال: عندي آخر قال: "تصدَّق به على زوجك" قال: عندي آخر قال: "تصدَّق به على ولدك" قال: عندي آخر قال: "تصدَّق به على خادمك" قال: عندي آخر قال: "أنت أبصر"، وقال ﵇: "إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل: فعلى عياله، فإن كان فضل: فعلى قرابته" وهذا يلزم منه اشتراط الغني في المنفِق، الثانية القياس؛ بيانه: كما أن الزكاة لا تجب على الفقير المحتاج بل على الغني فكذلك النفقة لا تجب على الفقير المحتاج، بل تجب على الغني، والجامع: أن كلًّا منهما شُرع مواساة للفقير، والغني هو القادر على مواساة غيره =
стр. 2743
نفقة القريب (من رأس مال) التجارة (و) لا من (ثمن ملك و) لا من (آلة صنعة)؛ لحصول الضرر بوجوب الإنفاق من ذلك (٦)، ومن قدر أن يكتسب: أُجبر لنفقة قريبه (٧) (ومن له وارث -غير أب-) واحتاج للنفقة: (فنفقته عليهم) أي: على وارثيه (على قدر إرثهم) منه؛ لأن الله تعالى رتَّب النفقة على الإرث بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فوجب أن يترتَّب مقدار النفقة على مقدار الإرث (فـ) ـمن له أم وجد (على الأم) من النفقة (الثلث، والثلثان على الجد)؛ لأنه لو مات لورثاه كذلك (و) من له جدَّة، وأخ لغير أم (على الجدة السدس، والباقي على الأخ)؛ لأنهما يرثانه كذلك (٨)
= بما يجده فوجبت عليه.
(٦) مسألة: الشخص لا يجب عليه أن يُخرج نفقة قريبه من رأس المال الذي يتَّجر به، ولا من ثمن ملك وعقار قد باعه؛ ليشتري غيره، ولا من آلة صنعته التي يكتسب من ورائها رزقه؛ للمصلحة: حيث إنه لو وجب الإنفاق على قريبه من هذه الأشياء الثلاثة: فسيلحقه الضرر؛ إذ سيفوت عليه ما يتحصَّل عن طريقه قوته وقوت زوجته ورقيقه، فدفعًا لذلك شُرّع هذا الحكم.
(٧) مسألة: إذا كان الشخص لا مال عنده، ولكن يقدر على الاكتساب بيديه: فإنه يُجبر على ذلك، ليدفع النفقة لقريبه بشرط: أن تكون هذه النفقة زائدة عن حاجته؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" فحرَّم على الشخص القادر على الاكتساب: أن يُضيع قريبه الواجب النفقة له؛ لأن "الإثم" عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام.
(٨) مسألة: إذا كان زيد محتاجًا إلى النفقة: فتجب نفقته على وارثيه على قدر إرثهم منه- إذا كان الوارث غير أب -فإذا كان لزيد جد وأم: فإن الأم تدفع ثلث نفقة زيد، والجد يدفع الباقي منها -وهو الثلثان-ـ، وإذا كان لزيد أخ شقيق أو لأب، وجدَّة: فإن الجدَّة تدفع سدس نفقة زيد، والأخ يدفع الباقي، وهكذا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ حيث أوجب على الأب نفقة =
стр. 2744
(والأب ينفرد بنفقة ولده)؛ لقوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف" (٩) (ومن له ابن فقير، وأخ موسر: فلا نفقة له عليهما) أما ابنه: فلفقره، وأما الأخ: فلحجبه بالابن (١٠) (ومن) احتاج لنفقة و (أمه فقيرة، وجدته موسرة: فنفقته على الجدة)؛ ليسارها، ولا يمنع ذلك حجبها بالأم؛ لعدم اشتراط الميراث في عمودي النسب -كما تقدَّم- (١١) (ومن عليه نفقة زيد) مثلًا؛ لكونه ابنه، أو أباه، أو أخاه،
= الرضاع لولده في الآية السابقة، ثم أوجب على الوارث نفقة مثل ما أوجب على الوالد، فلذلك وجب أن يُرتَّب مقدار النفقة على مقدار الإرث، ولذا: دفعت أم زيد ثلث نفقته، وجده دفع الباقي في المثال الأول؛ لأن زيدًا لو مات لورثاه كذلك، ودفعت جدَّة زيد سدس نفقته، ودفع أخوه دفع الباقي في المثال الثاني؛ لأن زيدًا لو مات لورثاه كذلك، وعلى ذلك فقس.
(٩) مسألة: الأب ينفرد بنفقة ولده إذا لم يبلغ ويقوى على الكسب، وإذا لم تتزوج البنت، أما إذا بلغ وهو قادر على الكسب، أو تزوجت البنت: فلا نفقة لهما على أبيهما؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇ لهند: "خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف" حيث أمرها بأخذ نفقة ولدها من مال أبيه دون أمه ولو لم تجب النفقة عليه: لما أمرها بذلك؛ لأنه لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفس منه.
(١٠) مسألة: إذا لم توجد شروط وجوب النفقة الثلاثة -المذكورة في مسائل (٢ و ٤ وه): فلا تجب النفقة: فمثلًا: إذا كان زيد فقيرًا، وله ابن فقير، وله أخ موسر: فلا تجب النفقة له عليهما معًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الشرط: عدم الحكم؛ أي: لا تجب النفقة على ابن زيد؛ نظرًا لفقر هذا الابن-فتخلَّف شرط الغني المذكور في مسألة (٥) - ولا تجب النفقة على أخ زيد؛ نظرًا لكونه محجوبًا بابن زيد الفقير -فتخلَّف شرط الإرث المذكور في مسألة (٢).
(١١) مسألة: إذا كان زيد فقيرًا محتاجًا للنفقة، وأمه فقيرة، وجدَّته موسرة وغنية: فتجب نفقته على جدته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها موسرة وغنية: وجوب =
стр. 2745
ونحوه: (فعليه نفقة زوجته)؛ لأن ذلك من حاجة الفقير؛ لدعاء ضرورته إليه (١٢) (كـ) نفقة (ظئر) من تجب نفقته فيجب الإنفاق عليها (لحولين) كاملين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ والوارث إنما يكون بعد موت الأب (١٣) (ولا نفقة) بقرابة (مع اختلاف دين) ولو من عمودي
= نفقته عليها، ولا يمنع تلك النفقة: كونها محجوبة بالأم عند الميراث؛ لعدم اشتراط الميراث في عمودي النسب كما فصَّلناه في مسألتي (١ و ٢). تنبيه: هذا هو الفرق بين النفقة بين عمودي النسب: من أب وأم وإن علوا، وولد وولد ولد وإن سفلوا وبين النفقة على غيرهم من الأقارب.
(١٢) مسألة: إذا كان زيد فقيرًا محتاجًا للنفقة، ويُوجد من تجب عليه نفقته - وهو أبوه: عمرو -أو ابنه، أو أخوه، أو غيرهم ممن تجب نفقته عليهم، وكان عمرو هذا غنيًا وارثًا: فيجب عليه -أي: على عمرو -أن ينفق على زيد وعلى زوجته؛ للقياس؛ بيانه: كما تجب نفقة المرضعة لولدك عليك لمدَّة الرضاع -وهما حولان كاملان - (كما سبق في باب الرضاع - فكذلك تجب النفقة على زيد وزوجته والجامع: أن كلًّا من الرضيع وزيد لا يتم أمرهما إلا بالإنفاق على المتسبِّب لراحتهما: فلا يمكن أن يتغذى الرضيع إلا بالإنفاق على مرضعته، ولا يمكن أن يستقر زيد ويعفَّ نفسه إلا بالإنفاق على زوجته معه.
(١٣) مسألة: إذا كان هناك طفل -دون الحولين-، وأرضعته مرضعة مستأجرة، وأبوه ميت فإن نفقة تلك المرضعة طوال مدة الرضاعة تكون على ورثة ذلك الطفل: كل يدفع من النفقة بقدر إرثه -كما سبق في مسألة (٨) -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ حيث دلَّت الآية على وجوب نفقة المرضعة لذلك الطفل على الوارث له،=
стр. 2746
نسبه؛ لعدم التوارث إذًا (إلا بالولاء) فتلزم النفقة المسلم لعتيقه الكافر، وعكسه، لإرثه منه (١٤) (و) يجب (على الأب أن يسترضع لولده) إذا عُدمت أمه، أو امتنعت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ أي: فاسترضعوا له أخرى (ويؤدّي الأجرة) لذلك؛ لأنها في الحقيقة نفقة؛ لتولّد اللبن من غذائها (١٥) (ولا يمنع) الأب
والوارث لا يكون إلّا بعد موت الأب.
(١٤) مسألة: لا يجب أن ينفق زيد على عمرو مع اختلاف دينهما: بأن كان زيد مسلمًا، وعمرو كافرًا، وإن كانا قريبين: سواء كانت القرابة في عمودي النسب أو لا؛ إلا بالولاء، فيجب أن يُنفق المسلم على عتيقه الكافر، ويجب أن ينفق الكافر على عتيقه المسلم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم التوارث بين المسلم والكافر: عدم إنفاق أحدهما على الآخر -لعدم وجود شرط وجوب النفقة- وهو إرث المنفِق المنفَق عليه -كما سبق في مسألة (٢) - ويلزم من صحة التوارث بين المعتِق والمعتَق وإن كان أحدهما كافرًا: وجوب النفقة، فإن قلتَ: تجب النفقة مع اختلاف الدين مطلقًا وهو رواية لأحمد، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما تجب النفقة على الزوجة والمملوك وإن كانا كافرين فكذلك تجب على الأقرباء مع اختلاف الدين والجامع: أنها تجب مع اتفاق الدين عليهما فتجب مع اختلاف الدين، فكذلك الأقرباء لما وجبت النفقة مع اتفاق الدين، وجبت مع اختلافه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن نفقة الزوجات عوض يجب مع الإعسار واليسار، وكذلك المماليك فلم ينافيها اختلاف الدين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في علَّة وجوب النفقة" فعندنا: أنها مواساة على سبيل البر والصلة فلم تجب مع اختلاف الدين، وعندهم: غير ذلك.
(١٥) مسألة: إذا وجد طفل -دون الحولين- وعدمت أمه، أو امتنعت عن إرضاعه: فيجب على الأب أن يستأجر امرأة ترضعه له- وهي "الظئر"- ويدفع تلك=
стр. 2747
(أمَّه إرضاعه) أي: إرضاع ولدها؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ (١٦)، وله منعها من خدمته؛ لأنه يُفوِّت حق الاستمتاع في بعض الأحيان (١٧) (ولا يلزمها) أي: لا يلزم الزوجة إرضاع ولدها: دنيئة كانت أو شريفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (إلا لضرورة كخوف تلفه) أي: تلف الرضيع: بأن لم يقبل ثدي غيرها ونحوه؛ لأنه إنقاذ من هلكة (١٨) ويلزم أم
= الأجرة للمرضعة، وهي في الحقيقة نفقة للطفل؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ والمراد: إذا اختلف الزوجان وامتنعت أم الطفل عن إرضاعه: فيجب على الأب أن يستأجر من ترضع له طفله، ولفظ "فسترضع" خبر بمعنى الطلب، والمعنى: فاسترضعوا له أخرى، الثانية: التلازم؛ حيث إن أجرة المرضعة -وهي النفقة التي يدفعها الأب لها - يتكون منه اللبن الذي يُغذِّي ذلك الطفل فيلزم وجوبها على الأب؛ لأن النفقة على الولد واجب بالاتفاق.
(١٦) مسألة: إذا طلبت أم الطفل إرضاعه: فلا يجوز لأبيه أن يمنعها من ذلك: سواء وجد من يتبرَّع بإرضاعه أو لا، وسواء كانت أمه تحت أبيه أو مطلقة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ حيث بيَّن الشارع أن الأم أحق برضاعة ولدها؛ نظرًا لقوة شفقتها عليه، وهو المقصد منه.
(١٧) مسألة: يُباح للزوج أن يمنع زوجته من خدمة طفلها، للمصلحة: حيث إن ذلك يفوت بعض حقه من الاستمتاع بها؛ لأن خدمة الأطفال فيه استقذار، وتكره ذلك بعض النفوس، فدفعًا لذلك شُرع هذا الحكم.
(١٨) مسألة: لا يجب على الزوجة إرضاع ولدها: سواء كانت تحت زوجها أو مطلقة، وسواء كانت دنيئة أو شريفة ولا تجبر على إرضاعه؛ إلا عند الضرورة: كأن يُخاف على ذلك الولد أن يموت، أو تتلف بعض أعضائه بأن لا يقبل إلا ثدي أمه فقط فهنا يجب على الأم إرضاعه وتجبر على ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث=
стр. 2748
ولد إرضاع ولدها مطلقًا (١٩)، فإن عتقت فكبائن (٢٠) (ولها) أي: للمرضعة (طلب أجرة المثل) لرضاع ولدها (ولو أرضعه غيرها مجانًا)؛ لأنها أشفق من غيرها، ولبنها أمرأ (بائنًا كانت) أم الرضيع في الأحوال المذكورة (أو تحته) أي: زوجة لأبيه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢١)، (وإن تزوجت) المرضعة
= قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ حيث يلزم من التعاسر -وهو الاختلاف بين الزوجين في إرضاع ولدهما -: أن تُرضع له مرضعة أخرى غير أمه، فلو وجب إجبارها على الرضاعة -بلا ضرورة- لما أذن الشارع بأن ترضع له أخرى، الثانية: المصلحة الضرورية؛ حيث إن الخوف على الطفل من الهلاك: أوجب على أمه إرضاعه؛ لحفظه من الهلاك، أو التلف، وتأثم إذا امتنعت عن إرضاعه وهي قادرة إثم قتل النفس.
(١٩) مسألة: يجب على أم الولد -وهي الأمة التي أنجبت ولدًا من سيدها- أن ترضع ولدها هذا: سواء خيف على ولدها الهلاك أو التلف أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون نفعها لسيدها: وجوب إرضاعها ولدها؛ لكونه ولد سيدها الذي تسبَّب في ذلك.
(٢٠) مسألة: إذا عتقت أم الولد تلك: فلا تجبر على إرضاع ولدها إلا عند الضرورة، قياسًا على الحرة -كما سبق في مسألة (١٨) -.
(٢١) مسألة: إذا طلبت المرضعة لطفله أجرة المثل عن إرضاعها له: فإنها تستحق ذلك: سواء كانت هي أم الطفل، أو غيرها، وسواء كانت مطلقة بائنًا، أو كانت تحت أب الطفل -وسواء وجد غيرها من المرضعات من تبرعت بإرضاعه مجانًا أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فأمر بإعطاء المرضعة أجرها، وهذا عام لأم الطفل التي تحت أبيه، ولغيرها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن أم الطفل أشفق عليه من غيرها، ولبنها أمرأ، وأهنأ، وأنفع، فقدمت على غيرها في ذلك وإن كانت بأجرة، فإن قلت: لا=
стр. 2749
(آخر: فله) أي: للثاني (منعها من إرضاع ولد الأول ما لم) تكن اشترطته في العقد، أو (يضطر إليها): بأن لم يقبل ثدي غيرها، أو لم يوجد غيرها؛ لتعينه عليها إذًا؛ لما تقدَّم (٢٢).
(فصل): في نفقة الرقيق (و) يجب (عليه) أي: على السيد (نفقة رقيقه) ولو أبقًا، أو ناشزًا (طعامًا) غالب قوت البلد (وكسوة، وسكنى) بالمعروف (وأن لا يُكلِّفه مشقًا كثيرًا)؛ لقوله ﷺ : "للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف، ولا يكلَّف من
= تستحق إلا النفقة والكسوة والسكن إذا كانت أم الطفل تحت أبيه، ولا تستحق أجرة المثل ولو طلبته وهو قول الحنفية، وبعض الحنابلة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقال: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ فلم يوجب لهن إلا النفقة، والكسوة، وهو الواجب بالزوجية قلتُ: إن قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ حملناها على ما إذا طلبت الأجرة على إرضاعها له، وعلى الاختلاف بينهما وقوله: ﴿والوالدات يرضعن .. ﴾ تحمل على ما إذا لم تطلب الأجرة على ذلك، وعدم الاختلاف بينهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المراد من الآيتين".
(٢٢) مسألة: يُباح للزوج منع زوجته من إرضاع ولدها من غيره، ومن إرضاع ولد غيرها بشرطين: الشرط الأول: أن لا تكون قد اشترطت في عقدها في هذا الزواج: أنها سترضع ولدها، أو ولد غيرها، فإن اشترطت ذلك: فلا يجوز له منعها منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" أي: في الالتزام، الشرط الثاني: أن لا يكون قد اضطر إليها بأن لم يقبل ثدي غيرها، أو لم يوجد غيرها، فإن اضطر إليها: فلا يجوز له منعها منه؛ للمصلحة الضرورية: وقد سبق ذكرها في مسألة (١٨)، وأصله: قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
стр. 2750
العمل ما لا يطيق" رواه الشافعي في "مسنده" (٢٣) (وإن اتفقا على المخارجة) وهي: جعله على الرقيق كل يوم، أو كل شهر شيئًا معلومًا له: (جاز) إن كانت قدر كسبه فأقل بعد نفقته، روي: أن الزبير كان له ألف مملوك: على كل واحد كل يوم درهم درهم (٢٤) (ويُريحه)
(٢٣) مسألة: يجب على السيد أن يُنفق على رقيقه قدر كفايته من غالب قوت البلد الذي يأكل منه مثله: سواء كان هذا الرقيق أبقًا، أو مريضًا، أو لا يكتسب، أو كان أمة ناشزًا، وكذا: أن يكسيه ويُسكنه، وكل ذلك يكون بالمعروف والمعتاد بين أمثاله من الأرقاء، وكذا: أن لا يشق عليه في العمل؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "للملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" وقال: "إخوانكم خولكم؛ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تُكلِّفوهم ما يغلبهم".
(٢٤) مسألة: إذا اتفق السيد مع عبده على المخارجة: جاز، وهو: أن يفرض السيد على عبده بأن يأتي له عن كل يوم، أو عن كل شهر شيئًا معلومًا كدرهم أو عشرة دراهم وما زاد فهو له: فإن ذلك يجوز، بشرط أن يكون هذا المعلوم المفروض عليه قدر كسبه فأقل -بعد خصم نفقته- أي: أن العبد يكسب مثلًا خمسة عشر درهمًا، فيأخذ نفقته اليومية منها، ثم يُعطي سيده ما فرضه عليه، ثم يبقى له شيء منها، فهذا يجوز، أما إن كان هذا المعلوم المفروض أكثر من كسبه: فلا يجوز؛ لقول وفعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة كانوا يضربون على عبيدهم خراجًا، فروي أن الزبير كان له ألف عبد، على كل واحد منهم كل يوم درهم، وورد أن عبدًا للمغيرة بن شعبة جاء إلى عمر بن الخطاب يُريد منه أن يكلِّم له المغيرة بأن يخفف عنه من خراجه، وقال عثمان: "لا تكلِّفوا الصغير الكسب فإنكم متى كلَّفتموه الكسب: سرق، ولا تكلِّفوا المرأة الكسب، فإنكم متى كلَّفتموها الكسب: كسبت بفرجها" فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه إذا كان الخراج على العبد أكثر من كسبه: كان قد كلَّفه ما لا يطيق، وكلَّفه ما يغلبه، =
стр. 2751
سيده (وقت القائلة) وهي: وسط النهار (و) وقت (النوم و) وقت (الصلاة) المفروضة؛ لأن عليهم في ترك ذلك ضررًا، وقد قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢٥) (ويركبه) السيد (في السفر عقبة)؛ لحاجة؛ لئلا يُكلِّفه ما لا يُطيق (٢٦) (وإن طلب) الرقيق (نكاحًا: زوّجه) السيد (أو باعه)؛ لقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين
= وهو مخالف لقوله ﵇: "لا تُكلِّفوهم ما يغلبهم" وربما حمله ذلك: أن يأتي بما فرض عليه من غير وجهه، فلا يجوز للسيد -حينئذ- أخذه.
[فرع]: لا يُجبر العبد على المخارجة، إذا طلبها منه سيده، ولا يُجبر سيده عليها إذا طلبها العبد - ولكن إن اتفقا عليها: جاز كما سبق في مسألة (٢٤) -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السيد لو طلب أن يكاتب عبده: فلا يُجبر العبد على قبول ذلك، وإذا طلبها العبد فلا يُجبر السيد على قبول ذلك، فكذلك الحال في المخارجة، والجامع: أن كلًّا من المكاتبة، والمخارجة عقد بينهما فلا يُجبر أحد عليه.
(٢٥) مسألة: يجب على السيد أن يُريح عبده في الأوقات التي اعتاد الناس الاستراحة فيها: كوقت القيلولة، ووقت النوم وهو الليل، ويدعه يصلي الفريضة في وقتها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فحرم الشارع إلحاق أي ضرر لأي شخص، وهذا عام لكل ما يضر، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ضرر" و "ضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، والنفي هنا: نهي، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، ومعلوم أن عدم تركه للراحة والنوم، والصلاة في أوقاتها مضرّ به والضرر يُزال، وهو المقصد منه.
(٢٦) مسألة: إذا سافر السيد وعبده معه فيجب على ذلك السيد أن يركبه، ويتعاقبان على الراحلة إن لم توجد إلّا واحدة؛ للسنة القولية: -وقد سبق ذكرها في مسألة (٢٥) -.
стр. 2752
من عبادكم وإمائكم﴾ (وإن طلبته) أي: التزويج (أمة: وطئها) السيد (أو زوَّجها، أو باعها)؛ إزالة لضرر الشهوة عنها، ويزوِّج أمة صبي، أو مجنون من يلي ماله إذا طلبته (٢٧)، وإن غاب سيد عن أم ولده: زُوِّجت؛ لحاجة نفقة أو
(٢٧) مسألة: إذا طلب العبد، أو الأمة نكاحًا: فيجب على سيدهما تزويجهما، أو بيعهما، أو أن يطأ هو الأمة؛ ليعفَّها، وإن كانت الأمة أو العبد لصغير، أو لمجنون: فيجب على وليهما أن يتولى تزويجهما، أو بيعهما؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ حيث دلَّ ذلك على وجوب تزويجهم إذا طلبوا ذلك؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن النفقة على العبد والأمة واجبة فكذلك تزويجهما إذا طلبا ذلك والجامع: أن كلًّا من النفقة والنكاح مما تدعو الحاجة إليهما، ويتضرر فاقدهما، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "من كانت له جارية فلم يزوجها، ولم يصبها، أو عبد فلم يزوجه فما صنعا من شيء: كان على السيد" فيلزم من وجود الإثم على السيد: وجوب إعفافهما: إما بالتزويج أو بالبيع على أحد يزوجهما، أو بوطء السيد لأمته وهذا يُفهم من الآية، وقول الصحابي من باب: "مفهوم الموافقة" الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من كون ولي الصبي، والمجنون يتولى جميع أموالهما: أن يتولى تزويج عبدهما، أو أمتهما، أو بيعهما، الخامسة: المصلحة؛ حيث إن عدم تزويجهما، أو بيعهما لمن يحصنهما فيه ضرر عليهما، ودفع الضرر واجب، فإن قلتَ: إن السيد لا يجبر على تزويجهما أو بيعهما إذا طلبا النكاح، وهو قول أبي حنيفة، ومالك؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجب عليه إطعامهما الحلواء، فكذلك لا يجب عليه تزويجهما أو بيعهما، والجامع: أنه يوجد في كل منهما ضرر على السيد، وأن كلًّا منهما تقوم البنية بدونه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه يُخاف على العبد والأمة إذا لم يُزوِّجا إذا طلبا الزواج: أن يقعا في الحرام -وهو الزنا- بخلاف الحلواء=
стр. 2753
وطء (٢٨)، وله تأديب رقيقه، وزوجته، وولده، ولو مكلَّفًا مزوَّجًا بضرب غير مبرّح، ويقيده إن خاف إباقه (٢٩)، ولا يشتم أبويه ولو كافرين (٣٠)، ولا يلزمه بيعه بطلبه مع القيام بحقه (٣١)، ................................................
= فلو فُقدت: لا يحصل شيء، بل قد تكون مضرّة به، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسنا تزويجهما إذا طلبا ذلك على النفقة، وهم قاسوا ذلك على الحلواء.
[فرع]: إذا كان للعبد زوجة فيجب على السيد تمكينه من الاستمتاع بها ليلًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إذنه في النكاح: إذنه في الاستمتاع بها ليلًا على العادة.
(٢٨) مسألة: إذا غاب سيد عن أم ولده، واحتاجت إلى النفقة، أو الوطء: فيباح أن يزوجها الحاكم؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع حاجتها من النفقة، أو الوطء.
(٢٩) مسألة: يُباح للسيد أن يؤدِّب رقيقه، وزوجته، وولده، ولو كانوا كبارًا متزوجين بما يراه مناسبًا في حصول التأديب كالضرب غير المبرح، والحبس، والحرمان، والتقييد للرقيق إذا خاف هروبه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لهم، ودفع مفسدة عنهم.
(٣٠) مسألة: لا يجوز للسيد أن يسب أو يشتم أبوي عبده، ولو كانا كافرين؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إساءة للعبد، ولأبويه من غير داع لها فيؤدي إلى أن يُلحق العبد الضرر بذلك السيد، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(٣١) مسألة: إذا طلب العبد من سيده أن يبيعه: فلا يجب على ذلك السيد أن يوافقه على طلبه بشرط: أن يكون السيد قائمًا بجميع حقوقه، أما إن كان السيد لم يقم بحقوق عبده، أو ببعضها فيجب عليه أن يوافقه على طلبه؛ للمصلحة: حيث إن موافقة السيد لعبد ببيعه مع قيامه بجميع حقوقه: فيه إلحاق ضرر بالسيد، وعدم موافقة السيد لعبده ببيعه مع عدم قيامه بحقوقه أو بعضها فيه إلحاق ضرر بالعبد،=
стр. 2754
وحُرِّم أن تسترضع أمة لغير ولدها إلا بعد ريِّه (٣٢)، ولا يتسرَّى عبد مطلقًا (٣٣).
(فصل): في نفقة البهائم (و) يجب (عليه علف بهائمه، وسقيها، وما يصلحها)؛ لقوله ﵇: "عُذِّبت امرأة في هرَّة حبستها حتى ماتت جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاس الأرض" متفق عليه (و) يجب عليه (أن هي لا يُحملها ما تعجز عنه)؛ لئلا يُعذِّبها (٣٤)، ويجوز الانتفاع بها في غير ما خُلقت له
= فدفعًا للضررين: شرع هذا الحكم، أصله قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
(٣٢) مسألة: لا يجوز لأي أمة لها ولد: أن تقوم بإرضاع غير ولدها إلا إذا فضل لبن بعد أن ارتوى: فيجوز؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إلحاق ضرر على ولدها بحرمانه من بعض لبنه الخاص له؛ أما إذا زاد فيجوز؛ لأن فيه نفعًا للمرتضع الآخر.
(٣٣) مسألة: يجوز للعبد أن يتسرَّى إذا أذن له سيده؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يجوز للحر أن يتسرَّى -وهو أن يطأ أمة كسرية له- فكذلك العبد مثله في ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما يملك في النكاح ما يشاء، فملك في التسري، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت عن ابن عباس، وابن عمر جواز التسرّي للعبد، فإن قلتَ: لا يجوز أن يتسرى العبد: سواء أذن له سيده أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العبد لا يملك المال: عدم جواز التسري له قلتُ: إن العبد يملك المال إذا أذن له سيده بذلك، ولذلك قال ﵇: "من باع عبدًا له مال فماله لسيده إلا أن يشترطه المبتاع"، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فى العبد هل يملك المال بتمليك سيده أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٣٤) مسألة: يجب على الشخص: أن يُطعم ويُعلِّف بهائمه، وأن يسقيها، وأن يفعل كلَّ شيء يصلحها، ويسد حاجتها وإن لا يحملها ما تعجز عنه، وإذا خالف =
стр. 2755
كبقر لحمل وركوب، وإبل وحُمُر لحرث ونحوه (٣٥)، .....................................................
= ذلك: فالإمام يُجبره على فعله وعدم تحميلها، أو بيعها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "عُذِّبت امرأة في هرَّة حبستها حتى ماتت جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض"، والعذاب عقاب، ولا يُعاقب إلا على ترك واجب، فيلزم من ذلك: أن نفقتها واجبة وإذا كان ذلك في الحيوان الذي لا يملك -كالهرة- فثبوت ذلك في الحيوانات التي تملك من باب أولى؛ لكونها محبوسة لمصالح الملك من باب مفهوم الموافقة الأولى، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يجب على السيد أن يفعل ذلك بعبده، وإذا ترك ذلك فالإمام يُجبره على فعله، أو بيعه، فكذلك البهائم، والجامع: أنه في كل منهما حق على المالك مراعاته ولا يجوز تعذيبه بعدم الإنفاق عليه أو تحميله ما لا يطيق؛ لكونه من خلق الله عليه، وهذا هو المقصد منه، فإن قلت: لا يُجبره السلطان على الإنفاق عليها، أو بيعها، وإنما ينصحه بالمعروف؛ لئلا يضيع ماله، وهو قول أبي حنيفة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ترك الشجر أو الزرع بدون سقي: فلا يُجبره السلطان على ذلك فكذلك البهائم، والجامع: أن كلًّا منهما لا يثبت لها حق من جهة الحكم: فلا يصح منها دعوى، ولا يُنصب عنها خصم قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن البهائم لها روح تتعذَّب بسبب منع الطعام والشراب عنها، بخلاف الزرع والشجر، وهذا معلوم بالضرورة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناها بالعبد، وهم ألحقوها بالزرع والشجر، وهذا هو قياس: "غلبة الأشباه".
(٣٥) مسألة: يجوز للشخص أن يستعمل بهائمه في سائر الاستعمالات، ولو لم تخلق لهذا الاستعمال، كأن يستعمل البقرة للركوب -وهي عادة تستعمل للحرث- أو يستعمل الحمار، أو الجمل للحرث -وهما عادة يستعملان للركوب-؛ للتلازم؛=
стр. 2756
ويحرم لعنها (٣٦)، وضرب وجه ووسم فيه (٣٧) (ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها)؛ لقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" (٣٨) (فإن عجز) مالك البهيمة (عن نفقتها: أُجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن أُكِلَت)؛ لأن بقاءها في يده مع ترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته، فإن أبى فعل حاكم الأصلح (٣٩) ويكره
= حيث يلزم من ملكه إياها: جواز الانتفاع بها فيما يُمكن، وهذا فيه توسعة على المسلمين.
(٣٦) مسألة: لا يجوز للشخص أن يلعن بهيمة من بهائمه؛ للسنة القولية: حيث إن امرأة لعنت ناقة لها فقال النبي ﷺ : "خذوا ما عليها، ودعوها مكانها، ملعونة" وفي رواية: "لا تصحبنا ناقة عليها لعنة" فيلزم من ترك الناقة الملعونة: عدم جواز لعنها؛ إذ لو جاز: لما تركت وهذا عقاب واقع على اللاعن، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام.
(٣٧) مسألة: لا يجوز للشخص أن يضرب وجه بهيمته، ولا وسمه؛ -وهو وضع علامة عليه -للسنة القولية: حيث "لعن النبي ﵇ من وسم، أو ضرب الوجه" واللعن: عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام.
[فرع]: يجوز ضرب ووسم غير الوجه؛ لغرض صحيح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الحاجة إلى الضرب؛ لإقامة البهيمة، والوسم؛ لئلا تضيع: جوازه، وهو لجلب مصلحة، ودفع مفسدة.
(٣٨) مسألة: لا يجوز للشخص أن يحلب لبن بهيمته إذا كان ذلك يُلحق الضرر بولدها المحتاج لذلك اللَّبن؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، وهو عام؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، فيحرم الإضرار بولد البهيمة.
(٣٩) مسألة: إذا عجز الشخص عن نفقة بهائمه: فإن الحاكم يُجبره على بيعها، أو إجارتها، أو ذبح ما يُؤكل، أو فعل أي شيء يصلح شأنها؛ للمصلحة: حيث إن =
стр. 2757
جز معرفة، وناصية، وذَنَب، وتعليق جرس، أو وَتَر (٤٠)، ونزو حمار على فرس (٤١)، وتستحب نفقته على ماله غير الحيوان (٤٢).
= تركها بدون نفقة: تعذيب لها، وهذا ظلم وضرر، والظلم والضرر تجب إزالتهما، وأصله قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقد سبق تفصيل ذلك في مسألة (٣٤).
(٤٠) مسألة: يُكره للشخص أن يجز شيئًا من عرف الحيوان وناصيته، ومن ذنبه وذيله، ويُكره أيضًا: تعليق جرس، أو وتر يصدر أصواتًا عند مشي الحيوان؛ للمصلحة: حيث إن جزَّ شيء منه فيه تشويه له، وقطع منفعتها منه، وتعليق الجرس أو الوتر فيه إيذاء للحيوان، وللناس الذين يمر بهم، فدفعًا لذلك كره فعل ذلك.
(٤١) مسألة: يكره للشخص أن يُمكن حمارًا من النزو على فرس؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا فائدة فيه وما لا فائدة فيه يكره فعله.
(٤٢) مسألة: يجب على الشخص: أن يُنفق على ماله؛ لإصلاحه، واستثماره، والإفادة منه كالعقارات، والزروع والنخيل والبيوت، والحيوانات، ولا يجوز تركها بدون ذلك؛ للسنة القولية: حيث إنه ﵇ "قد نهى عن إضاعة المال" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم وترك الحرام واجب، فيجب ما ذكرناه، فإن قلتَ: بل إن ذلك مستحب، أما الحيوان فيجب، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: إن الجميع واجب؛ لأن النهي عن إضاعة المال عام؛ لأن لفظ "مال" اسم جنس عرف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل كل مال: سواء كان جمادًا أو غير ذلك كالحيوانات، والآدميين كالعبد، ولم نجد قرينة قويت على صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في النهي الوارد في الحديث هل هو للتحريم أو للكراهة؟ ".
هذه آخر مسائل باب: "نفقة الأقارب، والمماليك من الآدميين والبهائم" ويليه باب: "حضانة الطفل وكفالته".
стр. 2758
باب الحضانة
من الحضن، وهو الجنب؛ لأن المربي يضم الطفل إلى حضنه، وهي: حفظ صغير ونحوه عما يضره، وتربيته بعمل مصالحه (١) (تجب) الحضانة (لحفظ صغير، ومعتوه) أي: مختل العقل (ومجنون)؛ لأنهم يهلكون بتركها، ويضيعون، فلذلك وجبت؛ إنجاءً من الهلكة (٢) (والأحق بها أم)؛ لقوله ﵇: "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" رواه أبو داود، ولأنها أشفق عليه (٣) (ثم أمهاتها: القربى فالقربى)؛ لأنهن في
باب حَضَانة وكفالة الطفل
وفيه خمس وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: الحَضَانة: لغة: مأخوذ من الحضن، وهو الجنب، وهو: ما دون الإبط إلى الكشح، وهو قريب من العجزة -كما ورد في المصباح (١٤٠) - سميت بذلك؛ لأن المربي والحاضن يضم الطفل إلى حضنه -وهو ذلك المكان- ويحميه بيديه عن الأذى، وهي: في الاصطلاح: "أن يحفظ جائز التصرُّف طفلًا ونحوه -كمجنون ومعتوه- عما يضرّه، ويُربيه ويعمل على مصلحته، ودفع المفاسد عنه" وسيأتي بيان ذلك في المسائل الآتية.
(٢) مسألة: حضانة الطفل، ونحوه -كمجنون وكمعتوه- واجبة؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما تجب النفقة على الطفل ونحوه فكذلك تجب حضانتهم والجامع: أن ترك النفقة والحضانة يؤديان إلى الهلاك والتلف، ثانيهما: كما تجب كفالة اللقيط، فكذلك تجب حضانة الطفل -ونحوه والجامع: أن كلًّا منهما يهلك بترك ذلك ويضيع، فإن قلت: لِمَ وجبت الحضانة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إنقاذ للطفل ونحوه من الهلكة، وحماية له من الفساد.
(٣) مسألة: إذا افترق الزوج والزوجة وكان بينهما طفل ونحوه: فإن أمه أحق بحضانته وكفالته إذا كانت مكلَّفة رشيدة، ولم تتزوج سواء كان ذكرًا أو أنثى ما لم يبلغ =
стр. 2759
معنى الأم؛ لتحقق ولادتهن (٤) (ثم أب)؛ لأنه أصل النسب (٥) (ثم أمهاته كذلك) أي: القربى فالقربي؛ لأنهن يدلين بعصبة قريبة (٦) (ثم جد) كذلك: الأقرب فالأقرب؛
= سبع سنوات؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث جاءت امرأة إلى النبي فقالت: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حِواء، وإن أباه طلقَّني، وأراد أن ينزعه مني فقال ﵇: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي" -فإيراد السؤال يدل على كونها مكلَّفة رشيدة تعرف ما لها وما عليها، وقوله: "ما لم تنكحي" دل على أن المرأة أحق بالحضانة ما لم تتزوج فيلزم من ذلك كله: اشتراط تلك الشروط في الأم، الثانية: المصلحة؛ حيث إن أم الطفل أشفق عليه من أي شخص آخر: من أب وغيره، فهي أصبر عليه، وأخبر بتغذيته، وأرحم به، فاقتضت هذه المصالح: كونها أحق به من غيرها، تنبيه: إذا بلغ الغلام، أو الجارية سبع سنوات فسيأتي حكم ذلك في مسألتي (٢٥ و ٣٠) إن شاء الله.
(٤) مسألة: إن تعذَّرت حضانة الطفل من الأم: فالأحق بحضانته: أم الأم، ثم جدة الأم وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأحق بحضانته أمه، فكذلك أمهاتها: القربى فالقربى، والجامع: تحقق الولادة في كل منهن، وهذا فيه مشابهتهن لأمه في الشفقة، وفي ذلك مصلحة الطفل، وهو المقصد منه.
(٥) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهما: فإن الأحق بحضانته: أبوه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كونه أصل نسبه، وأقرب من غيره إليه، وأحق بولاية المال: أن يقوم بحضانته، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الأب أشفق على الطفل من غيره -غير أمه وأمهاتها- فتكون الحضانة من حقه لمصلحة الطفل.
(٦) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: أمهات الأب: أم الأب، ثم جدة الأب، وهكذا: القربى فالقربي؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ على أمهات الأم -كما سبق في مسألة (٤) -، الثانية: التلازم؛ حيث =
стр. 2760
لأنه في معنى أبي المحضون (٧) (ثم أمهاته كذلك): القربى فالقربي (٨) (ثم أخت لأبوين)؛ لتقدمها في الميراث (٩) (ثم) أخت (لأم) كالجدات (١٠) ..........................................
= يلزم من إدلاء أمهات الأب بعصبة قريبة: تقديمهن على غيرهن في الحضانة، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّمن على الجد -أب الأب-؟ قلتُ: لأن أمهات الأب قد تساوين مع الجد في الرتبة وزدن عليه بالأنوثة؛ فرُجِّح جانبهن بسبب تلك الأنوثة، والأنوثة منظور إليها في الحضانة؛ لكون الأنثى أشفق، وألطف، وألصق بالأطفال عادة، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّمت أمهات الأب على الخالة؟ قلتُ: لأن أمهات الأب لهن ولادة ووراثة، فَأشبهن أم الأم.
(٧) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: جده وهو أب أبيه، ثم أب جده: الأقرب فالأقرب؛ للقياس على أمهات أمه-كما سبق في مسألة (٤) - لأنه في معنى أبي الطفل ومنزلته.
(٨) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: أمهات الجد: أم الجد، ثم جدة الجد: القربى فالقربي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونهن يُدلين بمن هو أحق من غيره -وهو الجد-: أن يكن أحق بالحضانة من غيرهن بعده، فإن قلت: لِمَ قُدِّمت أمهات الجد على أخوات الطفل مع إدلائهن بالأب؟ قلتُ: لأن أمهات الجد أشفق عادة؛ لما يوجد فيهن من وصف الولادة، فيكون الطفل بعضًا منهن، بخلاف الأخوات.
(٩) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممّن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: أخته الشقيقة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تقديمها في ميراثه ومشاركته في النسب: تقديمها على غيرها في الحضانة؛ لقوتها في القرابة.
(١٠) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: أخته لأم وهو قول أبي حنيفة وابن سريج؛ للقياس؛ بيانه: كما أن أم الأم تقدم في الحضانة على أم الأب -كما سبق في مسألة (٤) و ٦) - فكذلك الأخت لأم تقدم =
стр. 2761
(ثم) أخت (لأب (١١) ثم خالة لأبوين ثم) خالة (لأم، ثم) خالة (لأب)؛ لأن الخالات يُدلين بالأم (١٢) (ثم عمات كذلك) أي: تقدَّم العمَّة لأبوين، ثم لأم، ثم
= على الأخت لأب في ذلك والجامع: أن كلًّا من أم الأم والأخت لأم مدلية بالأم، وهذا مراعى في الحضانة؛ لكونها أشفق.
(١١) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن (الأحق) في حضانته: أخته لأب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها قد أدلت بالأب: تأخيرها عن الأخت لأم في الحضانة خاصة؛ لأن الحضانة قد رُوعي فيها أنوثة الأم، التي قد تؤثِّر في الأخت لأم، دون الأخت لأب، فإن قلتَ: إن الأخت لأب تقدَّم على الأخت لأم في الحضانة وهو قول أكثر الحنابلة؛ للتلازم؛ حيث إن قوتها في الميراث، وكونها عصبة مع البنات بخلاف الأخت لأم، فلا يوجد ذلك فيها: يلزم منه: تقديمها - أي: تقديم الأخت لأب على الأخت لأم- قلت: لا يُنظر في باب الحضانة خاصة إلى القوة في الميراث بقدر ما ينظر إلى القوة في الشفقة، والرحمة، واللطف، ولا شك أن الأخت لأم أرحم بذلك الطفل من أخته لأب، وهذا مجرَّب معتاد، ولعلَّ السبب في ذلك: هو أنها ورثت هذا الحنان واللطف، والشفقة من أمها، وما يتميز به الإنسان من حنان، وشفقة ونحوهما لا شك أنه موروث، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الحضانة هل يُنظر فيه إلى المحتضن بقوته في الميراث، أو بالشفقة والحنان ونحوهما؟ " فنحن نظرنا إلى الثاني وهم نظروا إلى الأول.
(١٢) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته خالاته، وتُقدَّم في ذلك: خالة الطفل لأبوين -: وهي أخت أمه الشقيقة -، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق في حضانته: خالته لأم -وهي: أخت أمه من الأم-، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق في حضانته: خالته لأب -وهي: أخت أمه من الأب-، للقياس؛ بيانه: كما أن أخت الطفل الشقيقة تقدَّم في الحضانة -كما سبق في =
стр. 2762
لأب؛ لأنهن يدلين بالأب (١٣) (ثم خالات أمه) كذلك (١٤) (ثم خالات أبيه) كذلك (١٥) (ثم عمات أبيه) كذلك، ولا حضانة لعمات الأم مع عمات الأب؛ لأنهن
= مسألة (٩) -فإن تعذَّر ذلك: فالأحق فيها الأخت لأم-كما سبق في مسألة (١٠) - فإن تعذَّر ذلك: فالأحق فيها الأخت لأب -كما سبق في مسألة (١١) - فكذلك الخالات مثل الخوات في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّمت الخالات في الحضانة على العمَّات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خالات الطفل أرحم وأشفق به من عماته - في العادة - لأنهن أدلين بالأم وقد بيّنا سبب ذلك في تقديم الأخت لأم على الأخت لأب في مسألة (١١).
(١٣) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممّن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: عماته: وتقدم في ذلك: عمة الطفل لأبوين - وهي: أخت أبيه الشقيقة-، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق في حضانته: عمته لأم - أي: أخت أبيه لأم -، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق في حضانته: عمته لأب- وهي: أخت أبيه من الأب-؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كونهن يُدلين بالأب: تقديمهن على من بعدهن، الثانية: القياس، وهو قياس ترتيب العمات -: الشقيقة، ثم لأم، ثم لأب - على ترتيب الأخوات، والخالات- كما سبق في مسأئل (٩ و ١٠ و ١١ و ١٢) -.
(١٤) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: خالات أمه، وتقدَّم في ذلك: خالة أمه الشقيقة، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: خالة أمه من أم، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: خالة أمه من أب، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كونهن يُدلين بالأم: تقديمهن على خالات أبيه، الثانية: القياس، وهو قياس ترتيب خالات أمه -الشقيقة ثم لأم، ثم لأب- على ترتيب الأخوات، والخالات -كما سبق في مسائل (٩ و ١٠ و ١١ و ١٢) -.
(١٥) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: خالات أبيه، وتقدَّم في ذلك: خالة أبيه الشقيقة، فإن تعذَّر ذلك، فالأحق:=
стр. 2763
يُدلين بأبي الأم، وهو من ذوي الأرحام، وعمات الأب يدلين بالأب، وهو من أقرب العصبات (١٦) (ثم بنات إخوته) تُقدَّم بنت أخ شقيق، ثم بنت أخ لأم، ثم بنت أخ لأب (و) مثلهن بنات (أخواته، ثم بنات أعمامه) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب (و) بنات (عماته) كذلك (ثم بنات أعمام أبيه) كذلك (وبنات عمات أبيه) كذلك على التفصيل المتقدِّم (١٧) (ثم) تنتقل (لباقي العصبة: الأقرب فالأقرب) فتُقدَّم الأخوة، ثم
= خالة أبيه من الأم، فإن تعذر ذلك: فالأحق: خالة أبيه من الأب؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من إدلائهن بالأم: تقديمهن على عمات الأب، الثانية: القياس، وهو قياس ترتيب خالات أبيه -الشقيقة، ثم لأم، ثم لأب- على ترتيب الأخوات والخالات، وخالات الأم - كما سبق تفصيله في المسائل.
(١٦) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممّن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: عمّات أبيه، وتقدَّم في ذلك: عمّة أبيه الشقيقة، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: عمة أبيه من الأم، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق عمة أبيه من الأب؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من إدلائهن بالأب، وهو من أقرب العصبات تأخيرهن في الحضانة عمن أدلين بالأم، الثانية: القياس، وهو قياس ترتيب عمات أبيه - الشقيقة، ثم لأم ثم لأب -على ترتيب الأخوات، والخالات وخالات الأم، وخالات الأب -كما سبق تفصيله في المسائل، فإن قلت: لِمَ جاز لعمات الأب الحضانة، مع عدم جواز الحضانة لعمات الأم؟ قلتُ: لأن عمات الأب يُدلين بأقرب العصبات للطفل -وهو الأب- أما عمات الأم فهن يُدلين بأبي الأم، وهو من ذوي الأرحام.
(١٧) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممّن سبق ذكرهم: فإن الأحق بحضانته: بنات أخوته وتقدم في ذلك: بنت أخيه الشقيق، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق بنت أخيه لأم، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق بنت أخيه لأب، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق بنت أخته الشقيقة، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق بنت أخته لأم، فإن تعذَّر: فالأحق بنت =
стр. 2764
بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم أعمام أب، ثم بنوهم، وهكذا (١٨) (فإن كانت) المحضونة (انثى فـ) ــيُعتبر أن يكون العصبة (من محارمها) ولو برضاع، أو مصاهرة إن تَّم لها سبع سنين، فإن لم يكن لها إلا عصبة غير محرم: سلَّمها لثقة يختارها، أو إلى محرمه، وكذا: لو تزوجت أم وليس لولدها غيرها (١٩) (ثم) تنتقل الحضانة (لذوي
= أخته لأب، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق بنت عمه الشقيق، فإن تعذَّر: فالأحق: بنت عمه لأم، فإن تعذَّر فالأحق: بنت عمه لأب، فإن تعذَّر: فالأحق بنت عمته الشقيقة، فإن تعذَّر: فالأحق بنت عمته لأم، فإن تعذَّر: فالأحق بنت عمته لأب، فإن تعذَّر: فالأحق: بنت عم أبيه الشقيق، فإن تعذَّر: فالأحق: بنت عم أبيه لأم، فإن تعذَّر: فالأحق بنت عم أبيه لأب، فإن تعذَّر: فالأحق: بنت عمة أبيه الشقيقة، فإن تعذَّر: فالأحق بنت عمة أبيه لأم، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق بنت عمة أبيه لأب؛ وقد سبق بيان قواعد ذلك في المسائل السابقة، ولا داعي لتكراره.
(١٨) مسألة: إذا تعذرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الحضانة تنتقل إلى باقي العصبة من الذكور: الأقرب، فالأقرب: فيُقدَّم في ذلك: الأخوة الأشقاء، ثم الأخوة لأب، فإن تعذّر ذلك فالأحق: ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، فإن تعذَّر ذلك فالأحق: العم الشقيق، ثم العم لأب، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: عم الأب الشقيق، ثم عم الأب من الأب، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: ابن عم الأب الشقيق، ثم ابن عم الأب من الأب ثم أعمام، جد، ثم بنوهم، وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هؤلاء أصحاب ولاية وتعصيب: تقديمهم في الحضانة على من بعدهم كالأب.
(١٩) مسألة: إذا كانت المحضونة أنثى فيشترط: أن يكون حاضنها ذا محرم لها: سواء كان بسبب رضاع، أو نسب، أو مصاهرة، فإن لم يوجد لها محرم من عصبتها =
стр. 2765
أرحامه) من الذكور، والإناث غير ما تقدَّم، وأولاهم: أبو أم، ثم أمهاته، فأخ لأم، فخال (٢٠) (ثم) تنتقل (للحاكم)؛ لعموم ولايته (٢١) (وإن امتنع من له الحضانة) منها (أو كان) من له الحضانة (غير أهل) للحضانة: (انتقلت إلى من بعده) يعني إلى
= كأن لا يوجد إلا ابن عمها -وهو غير محرم لها-: فإن ابن عمها هذا يُسلِّمها لثقة يختارها هو والعصبة الباقون، أو يُسلِّمها إلى محرمه، وكذلك: لو تزوجت أم تلك الأنثى التي تحتاج إلى حضانة: فإنها تُسلِّمها إلى ثقة تختارها، أو تسلِّمها إلى محرم لتلك الأنثى؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منع للفتنة، والوقوع في الحرام. تنبيه: قوله: "إن تم لها سبع سنين" هذا لا يُشترط؛ إذ لا يصح أن يحضن الأنثى من هو غير محرم لها مطلقًا؛ منعًا للفتنة، وللاحتياط.
(٢٠) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الحضانة تنتقل إلى ذوي أرحامه: من الذكور والإناث، ويُقدَّم في ذلك: أبو أمه، ثم أمهاته، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: أخوه لأم، فإن تعذَّر ذلك: فالأحق: خاله؛ للتلازم؛ حيث إن كون ذوي الأرحام يرثون عند عدم من هو أولى منهم- وهم أصحاب الفروض والعصبة -ولهم رحم، وقرابة يلزم منه أن يقدمون في الحضانة على الحاكم، ويلزم من كون أبي الأم مقدم بالولاية على غيره: أن يكون أحق بالحضانة، ويلزم من كون الأخ لأم يرث بالفرض، ويسقط ذوي الأرحام: أن يقدم في الحضانة على الخال.
(٢١) مسألة: إذا تعذَّرت حضانة الطفل ممن سبق ذكرهم: فإن الحضانة تنتقل إلى الحاكم، ثم الحاكم يُسلِّمه إلى من يثق به من المسلمين ممن تتوفر به القدرة، والشفقة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحاكم ولي لعموم المسلمين، وهو ولي من لا ولي له: أن تنتقل الحضانة إليه إذا تعذرت حضانته من قبل قريباته وأقربائه وهو يُسلِّمه لمن يراه مناسبًا لتربيته.
стр. 2766
من يليه كولاية النكاح؛ لأن وجود غير المستحق كعدمه (٢٢) (ولا حضانة لمن فيه رق) ولو قلَّ؛ لأنها ولاية، وليس هو من أهلها (ولا) حضانة (لفاسق)؛ لأنه لا يوثق به فيها، ولا حظ للمحضون في حضانته (ولا) حضانة (لكافر) على مسلم؛ لأنه أولى بعدم الاستحقاق من الفاسق (ولا) حضانة (لمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد)؛ لحديث السابق، ولو رضي زوج (فإن زال المانع): بأن عتق الرقيق، وتاب الفاسق، وأسلم الكافر، وطُلِّقت المزوَّجة، ولو رجعيًا: (رجع إلى حقه)؛ لوجود السبب وانتفاء المانع (٢٣) (وإن أراد أحد أبويه) أي: أبوي المحضون (سفرًا طويلًا)
(٢٢) مسألة: إذا امتنع من يستحق الحضانة عن حضانة ذلك الطفل، أو كان غير أهل لحضانته -ككونه فاسقًا ونحو ذلك-: فإن الحضانة تنتقل إلى من بعده - ممّن يستحق الحضانة على الترتيب السابق ذكره في المسائل - من (٣) إلى (٢١) -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ولاية النكاح تنتقل ممّن ليس بأهل، أو اعتذر عنها إلى من يليه فكذلك الحال هنا، والجامع أن وجود غير المستحق كعدمه في كل.
(٢٣) مسألة: يُشترط في حاضن الطفل سبعة شروط: الشرط الأول: أن يكون الحاضن حُرًّا، فالذي فيه "رق لا يصلح لأن يحضن أحدًا: سواء كان هذا الرق قليلًا أو كثيرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحضانة ولاية: عدم صلاحية الرقيق للحضانة؛ لكونه ليس من أهلها، ويلزم: من عجز العبد عنها لانشغاله بخدمة سيده: عدم صلاحيته لها، فإذا زال الرق: بأن عتق العبد صلح للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط الثاني: أن يكون الحاضن عدلًا ثقة: فالفاسق لا يصلح لحضانة أحد؛ للمصلحة: حيث إن العدل الثقة يُوثق به في أداء الواجب من الحضانة وهذا يُصلح الطفل المحضون، بخلاف الفاسق فلا يوثق به في ذلك، فإذا تاب الفاسق: صلح للحضانة؛ لوجود شرطها؛ الشرط الثالث: أن يكون الحاضن بالغًا عاقلًا رشيدًا فلا يصلح غيره؛ لحضانة أحد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مصلحة للطفل المحضون بالإرشاد، والتوجيه إلى أفضل السبل، وإلى سعادة=
стр. 2767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الدارين، بخلاف الصغير، والمجنون، والمعتوه، والسفيه، حيث إن هؤلاء يحتاجون من يعتني بهم، ويرشدهم ويكفلهم، وفاقد الشيء لا يعطيه، فإذا بلغ وعقل ورشد هؤلاء: صلحوا للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط الرابع: أن يكون الحاضن مسلمًا؛ فالكافر لا يصلح أن يكون حاضنًا لأحد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الكافر لا يكون وليًا في نكاح المسلم أو المسلمة، ولا وليًا على مالهما: فكذلك لا يصلح أن يكون حاضنًا له والجامع: دفع الضرر عن هذا الطفل المحضون؛ وكذا: يقال: إذا كان الفاسق لا يصلح أن يحضن أحدًا؛ لضرره، فإن الكافر لا يصلح لذلك من باب أولى؛ لأن ضرره أكثر على الطفل المحضون لكونه قد يصرفه عن دينه صرفًا كُلِّيًا - وهذا يكون من باب: "قياس الأولى" فإذا أسلم: صلح للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط الخامس: أن لا تكون الحاضنة متزوجة بشخص أجنبي عن طفل محضون، أما إذا كانت متزوجة بقريب للطفل المحضون- وهو: أن يكون من: أن يكون من عصبات المحضون-: فتصلح تلك المرأة: أن تحضنه: سواء كان محرمًا للمحضون -إذا كانت أنثى- أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" فاشترط هنا للحضانة: عدم نكاحها، ويدل مفهوم الشرط: على عدم صلاحيتها للحضانة إذا نكحت، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الزوج يملك منافع زوجته بمجرد العقد: استحقاقه منعها من الحضانة؛ الشرط السادس: أن يكون الحاضن ذا محرم إذا كانت المحضونة أنثى: سواء ثبتت المحرمية بسبب نسب، أو رضاع، أو مصاهرة وهذا قد سبق بيانه في مسألة، (١٩)، أما إذا فارقت تلك المرأة زوجها بطلاق، أو خلع، أو وفاته: فإنها تصلح للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط السابع: القدرة على تربية الطفل، فلا حضانة لعاجز؛ لمصلحة الطفل، فإن قلت: لِمَ اشترطت تلك الشروط السبعة؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن تلك الشروط فيها جلب =
стр. 2768
لغير الضرار، قاله الشيخ تقي الدين وابن القيم (إلى بلد بعيد) مسافة قصر فأكثر؛ (ليسكنه وهو) أي: البلد (وطريقه: آمنان فحضانته) أي: المحضون (لأبيه)؛ لأنه الذي يقوم بتأديبه، وتخريجه، وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب: ضاع (وإن بعد السفر) وكان (لحاجة) لا لسكنى: فمقيم منهما أولى أو قرب) السفر (لها) أي: لحاجة ويعود: فالمقيم منهما أولى؛ لأن في السفر إضرارًا به (أو) قرب السفر، وكان (للسكنى: فـ) الحضانة (لأمه)؛ لأنها أتم، شفقة، وإنما أخرجتُ كلام المصنف عن ظاهره؛ ليوافق ما في "المنتهى" وغيره (٢٤).
= مصالح للطفل المحضون، ودفع مفاسد عنها، ولو تدبَّرتها لوجدت ذلك واضحًا، فإن قلتَ: لا يُشترط الرابع في حق المرأة، فيصلح أن تكون الكافرة حاضنة لطفل من أبوين مسلمين، وهو قول أكثر الحنفية؛ للسنة القولية: حيث إن رافعًا أسلم، وأبت زوجته الإسلام، وعزم رافع على أخذ ابنته منها، فجاءت إلى النبي ﷺ : فخير النبي الابنة، فاختارت أمها، فدعى النبي ﵇ لها قائلًا: "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها وهذا يلزم منه: أن الأم تصلح للحضانة وإن كانت كافرة وغير الأم مثلها في ذلك، من باب "مفهوم الموافقة" قلتُ: إن هذا الحديث قد ضعَّفه علماء الحديث، وعلى فرض صحته: فيحتمل أن النبي ﵇ قد علم أنها تختار أباها بسبب دعوته، فكان ذلك خاصًا في هذه القضية، ولا يُعمَّم حكمها، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال؛ فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في صحة الحديث" وأيضًا: "الاختلاف في كونه عامًا أو لا" فعندنا: لم يصح، وإن صح: فلا يعمم، وعندهم: يصح، ويعمم.
(٢٤) مسألة: إذا أراد أبو الطفل السفر، أو أمه: فإن حضانته تختلف باختلاف الحالات التي سيأتي بيانها: الحالة الأولى: إن كان السفر طويلًا، إلى بلد بعيد أكثر من مسافة قصر - وهي ٨٢ كم-؛ ليسكنه فإن الحضانة من حق أبيه بشرطين: =
стр. 2769
(فصل): (وإذا بلغ الغلام سبع سنين) كاملة (عاقلًا: خُيِّر بين أبويه، فكان مع من اختار منهما) قضى بذلك عمر وعلي ﵄، وروى سعيد والشافعي:
= أولهما: أن يكون هذا السفر لغير قصد الإضرار بأمه، وإنما ظروف المعيشة والرزق هي التي اضطرته لذلك، فإن كان الأب قصد من هذا السفر الإضرار والاحتيال لأجل أن يتبعه ولده وتحرم أمه منه: فالحضانة تكون حينئذٍ للأم؛ ثانيهما: أن يكون البلد والطريق المؤدي إليه آمنين، فإن لم يكونا كذلك، أو أحدهما: فالحضانة تكون من حق أمه للمصلحة: حيث إن التصاق الطفل بأبيه فيه مصالح له؛ إذ يقوم بتربيته، وتأديبه، وتخريجه، وحفظ نسبه، وعدم ذلك قد يكون فيه ضياع للطفل، والسفر إلى بلد أو في طريق مخوف فيه مخاطرة، وغلبة هلاك أو تلف، والسفر بقصد الإضرار بالأم: حرام؛ لأنه ظلم للآخر؛ لأنه تفريق بين أم وولدها تفريقًا قد لا تراه بعده، وقد ينساها، وهذا صعب الصبر عليه، وإذا كان الشارع حرّم بيع الأم -إذا كانت أم ولد- دون ولدها، وبيع الولد دونها: فالسفر بالولد بقصد هذا التفريق من باب أولى بالتحريم، فجلبًا لتلك المصالح، ودفعًا للمفاسد: اشتُرط هذان الشرطان، الحالة الثانية: إن كان السفر بعيدًا وطويلًا، أو قريبًا وقصيرًا وكان لحاجة فقط، دون السكنى: فالأحق في حضانة الطفل: المقيم منهما؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع مشقة وضرر السفر عنه، الحالة الثالثة: إن كان السفر قريبًا إلى بلد قريب للسكنى: فالحضانة من حق الأم؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل هو: أن الحضانة للأم؛ نظرًا لتمام وكمال شفقتها، فيستصحب ذلك، ويُعمل عليه، ولا يؤثر -هذا السفر على الطفل؛ لكون أبيه قريبًا منه يمكنه أن يتعاهده بالتربية بين فترة وأخرى، تنبيه: هذا التفصيل في حضانة الطفل عند سفر أحد أبويه هو الصواب؛ نظرًا لمصلحة الطفل، لذلك نزَّل البهوتي كلام صاحب المتن عليه.
стр. 2770
أن رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه (٢٥)، فإن اختار أباه: كان عنده ليلًا، ونهارًا، ولا يمنع زيارة أمه، وإن اختارها: كان عندها ليلًا، وعند أبيه نهارًا؛ ليُعلِّمه، ويُؤدِّبه (٢٦)، وإن عاد فاختار الآخر: نقل إليه، ثم إن اختار الأول: نقل
(٢٥) مسألة: إذا بلغ الغلام سبع سنوات: فإنه يُخيَّر بين أبيه، وأمه، فيذهب مع من اختاره منهما وذلك بشرطين: أولهما: أن يكون الأب والأم صالحين للحضانة - بأن استكمل كل منهما الشروط السابقة في مسألة (٢٣) - فإن كان أحدهما لا يصلح لها: فإن حضانته تكون للصالح منهما، ثانيهما: أن يكون هذا الغلام عاقلًا مميزًا بين الشر والخير، والخبيث والطيب، فإن لم يكن عاقلًا، بل كان معتوهًا أو مجنونًا: فالأحق به أمه؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ورد عنه ﵇: أنه خيَّر غلامًا بين أبيه، وأمه، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عمر، وعلي أنهما قد خيَّرا غلامًا بين أمه وأبيه، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن جعل الطفل عند الصالح لحضانته أصلح لعاجل وآجل ذلك الطفل، وجعل المعتوه عند أمه أصلح له بلا شك، فلذا اشتُرط هذان الشرطان.
[فرع]: إذا اتفق الأب والأم على أن تكون حضانة الغلام عند أحدهما: فيجوز؛ للتلازم؛ حيث إن الحق في حضانته لا يتعداهما فيلزم صحة ذلك.
(٢٦) مسألة: إذا خُيِّر الغلام بين أبويه: فاختار أباه: فإنه يكون عنده ليلًا ونهارًا، ولا يُمنع من زيارة أمه نهارًا، وإن اختار أمه: فإنه يكون عندها ليلًا فقط، ويكون عند أبيه نهارًا؛ للمصلحة حيث إن كونه عند أبيه ليلًا ونهارًا إذا اختاره، أو كونه عنده نهارًا فقط إذا اختار أمه: أصلح له؛ من حيث حفظه، وتعليمه، وتأديبه، وكونه يزور أمه إذا اختار أباه: فيه برٌّ بها، وتعلُّم عليها؛ لئلا يقطع بها فيما بعد.
следующие страницы →