Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
من يليه كولاية النكاح؛ لأن وجود غير المستحق كعدمه (٢٢) (ولا حضانة لمن فيه رق) ولو قلَّ؛ لأنها ولاية، وليس هو من أهلها (ولا) حضانة (لفاسق)؛ لأنه لا يوثق به فيها، ولا حظ للمحضون في حضانته (ولا) حضانة (لكافر) على مسلم؛ لأنه أولى بعدم الاستحقاق من الفاسق (ولا) حضانة (لمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد)؛ لحديث السابق، ولو رضي زوج (فإن زال المانع): بأن عتق الرقيق، وتاب الفاسق، وأسلم الكافر، وطُلِّقت المزوَّجة، ولو رجعيًا: (رجع إلى حقه)؛ لوجود السبب وانتفاء المانع (٢٣) (وإن أراد أحد أبويه) أي: أبوي المحضون (سفرًا طويلًا)
(٢٢) مسألة: إذا امتنع من يستحق الحضانة عن حضانة ذلك الطفل، أو كان غير أهل لحضانته -ككونه فاسقًا ونحو ذلك-: فإن الحضانة تنتقل إلى من بعده - ممّن يستحق الحضانة على الترتيب السابق ذكره في المسائل - من (٣) إلى (٢١) -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ولاية النكاح تنتقل ممّن ليس بأهل، أو اعتذر عنها إلى من يليه فكذلك الحال هنا، والجامع أن وجود غير المستحق كعدمه في كل.
(٢٣) مسألة: يُشترط في حاضن الطفل سبعة شروط: الشرط الأول: أن يكون الحاضن حُرًّا، فالذي فيه "رق لا يصلح لأن يحضن أحدًا: سواء كان هذا الرق قليلًا أو كثيرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحضانة ولاية: عدم صلاحية الرقيق للحضانة؛ لكونه ليس من أهلها، ويلزم: من عجز العبد عنها لانشغاله بخدمة سيده: عدم صلاحيته لها، فإذا زال الرق: بأن عتق العبد صلح للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط الثاني: أن يكون الحاضن عدلًا ثقة: فالفاسق لا يصلح لحضانة أحد؛ للمصلحة: حيث إن العدل الثقة يُوثق به في أداء الواجب من الحضانة وهذا يُصلح الطفل المحضون، بخلاف الفاسق فلا يوثق به في ذلك، فإذا تاب الفاسق: صلح للحضانة؛ لوجود شرطها؛ الشرط الثالث: أن يكون الحاضن بالغًا عاقلًا رشيدًا فلا يصلح غيره؛ لحضانة أحد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مصلحة للطفل المحضون بالإرشاد، والتوجيه إلى أفضل السبل، وإلى سعادة=
стр. 2767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الدارين، بخلاف الصغير، والمجنون، والمعتوه، والسفيه، حيث إن هؤلاء يحتاجون من يعتني بهم، ويرشدهم ويكفلهم، وفاقد الشيء لا يعطيه، فإذا بلغ وعقل ورشد هؤلاء: صلحوا للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط الرابع: أن يكون الحاضن مسلمًا؛ فالكافر لا يصلح أن يكون حاضنًا لأحد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الكافر لا يكون وليًا في نكاح المسلم أو المسلمة، ولا وليًا على مالهما: فكذلك لا يصلح أن يكون حاضنًا له والجامع: دفع الضرر عن هذا الطفل المحضون؛ وكذا: يقال: إذا كان الفاسق لا يصلح أن يحضن أحدًا؛ لضرره، فإن الكافر لا يصلح لذلك من باب أولى؛ لأن ضرره أكثر على الطفل المحضون لكونه قد يصرفه عن دينه صرفًا كُلِّيًا - وهذا يكون من باب: "قياس الأولى" فإذا أسلم: صلح للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط الخامس: أن لا تكون الحاضنة متزوجة بشخص أجنبي عن طفل محضون، أما إذا كانت متزوجة بقريب للطفل المحضون- وهو: أن يكون من: أن يكون من عصبات المحضون-: فتصلح تلك المرأة: أن تحضنه: سواء كان محرمًا للمحضون -إذا كانت أنثى- أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" فاشترط هنا للحضانة: عدم نكاحها، ويدل مفهوم الشرط: على عدم صلاحيتها للحضانة إذا نكحت، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الزوج يملك منافع زوجته بمجرد العقد: استحقاقه منعها من الحضانة؛ الشرط السادس: أن يكون الحاضن ذا محرم إذا كانت المحضونة أنثى: سواء ثبتت المحرمية بسبب نسب، أو رضاع، أو مصاهرة وهذا قد سبق بيانه في مسألة، (١٩)، أما إذا فارقت تلك المرأة زوجها بطلاق، أو خلع، أو وفاته: فإنها تصلح للحضانة؛ لوجود شرطها، الشرط السابع: القدرة على تربية الطفل، فلا حضانة لعاجز؛ لمصلحة الطفل، فإن قلت: لِمَ اشترطت تلك الشروط السبعة؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن تلك الشروط فيها جلب =
стр. 2768
لغير الضرار، قاله الشيخ تقي الدين وابن القيم (إلى بلد بعيد) مسافة قصر فأكثر؛ (ليسكنه وهو) أي: البلد (وطريقه: آمنان فحضانته) أي: المحضون (لأبيه)؛ لأنه الذي يقوم بتأديبه، وتخريجه، وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب: ضاع (وإن بعد السفر) وكان (لحاجة) لا لسكنى: فمقيم منهما أولى أو قرب) السفر (لها) أي: لحاجة ويعود: فالمقيم منهما أولى؛ لأن في السفر إضرارًا به (أو) قرب السفر، وكان (للسكنى: فـ) الحضانة (لأمه)؛ لأنها أتم، شفقة، وإنما أخرجتُ كلام المصنف عن ظاهره؛ ليوافق ما في "المنتهى" وغيره (٢٤).
= مصالح للطفل المحضون، ودفع مفاسد عنها، ولو تدبَّرتها لوجدت ذلك واضحًا، فإن قلتَ: لا يُشترط الرابع في حق المرأة، فيصلح أن تكون الكافرة حاضنة لطفل من أبوين مسلمين، وهو قول أكثر الحنفية؛ للسنة القولية: حيث إن رافعًا أسلم، وأبت زوجته الإسلام، وعزم رافع على أخذ ابنته منها، فجاءت إلى النبي ﷺ : فخير النبي الابنة، فاختارت أمها، فدعى النبي ﵇ لها قائلًا: "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها وهذا يلزم منه: أن الأم تصلح للحضانة وإن كانت كافرة وغير الأم مثلها في ذلك، من باب "مفهوم الموافقة" قلتُ: إن هذا الحديث قد ضعَّفه علماء الحديث، وعلى فرض صحته: فيحتمل أن النبي ﵇ قد علم أنها تختار أباها بسبب دعوته، فكان ذلك خاصًا في هذه القضية، ولا يُعمَّم حكمها، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال؛ فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في صحة الحديث" وأيضًا: "الاختلاف في كونه عامًا أو لا" فعندنا: لم يصح، وإن صح: فلا يعمم، وعندهم: يصح، ويعمم.
(٢٤) مسألة: إذا أراد أبو الطفل السفر، أو أمه: فإن حضانته تختلف باختلاف الحالات التي سيأتي بيانها: الحالة الأولى: إن كان السفر طويلًا، إلى بلد بعيد أكثر من مسافة قصر - وهي ٨٢ كم-؛ ليسكنه فإن الحضانة من حق أبيه بشرطين: =
стр. 2769
(فصل): (وإذا بلغ الغلام سبع سنين) كاملة (عاقلًا: خُيِّر بين أبويه، فكان مع من اختار منهما) قضى بذلك عمر وعلي ﵄، وروى سعيد والشافعي:
= أولهما: أن يكون هذا السفر لغير قصد الإضرار بأمه، وإنما ظروف المعيشة والرزق هي التي اضطرته لذلك، فإن كان الأب قصد من هذا السفر الإضرار والاحتيال لأجل أن يتبعه ولده وتحرم أمه منه: فالحضانة تكون حينئذٍ للأم؛ ثانيهما: أن يكون البلد والطريق المؤدي إليه آمنين، فإن لم يكونا كذلك، أو أحدهما: فالحضانة تكون من حق أمه للمصلحة: حيث إن التصاق الطفل بأبيه فيه مصالح له؛ إذ يقوم بتربيته، وتأديبه، وتخريجه، وحفظ نسبه، وعدم ذلك قد يكون فيه ضياع للطفل، والسفر إلى بلد أو في طريق مخوف فيه مخاطرة، وغلبة هلاك أو تلف، والسفر بقصد الإضرار بالأم: حرام؛ لأنه ظلم للآخر؛ لأنه تفريق بين أم وولدها تفريقًا قد لا تراه بعده، وقد ينساها، وهذا صعب الصبر عليه، وإذا كان الشارع حرّم بيع الأم -إذا كانت أم ولد- دون ولدها، وبيع الولد دونها: فالسفر بالولد بقصد هذا التفريق من باب أولى بالتحريم، فجلبًا لتلك المصالح، ودفعًا للمفاسد: اشتُرط هذان الشرطان، الحالة الثانية: إن كان السفر بعيدًا وطويلًا، أو قريبًا وقصيرًا وكان لحاجة فقط، دون السكنى: فالأحق في حضانة الطفل: المقيم منهما؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع مشقة وضرر السفر عنه، الحالة الثالثة: إن كان السفر قريبًا إلى بلد قريب للسكنى: فالحضانة من حق الأم؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل هو: أن الحضانة للأم؛ نظرًا لتمام وكمال شفقتها، فيستصحب ذلك، ويُعمل عليه، ولا يؤثر -هذا السفر على الطفل؛ لكون أبيه قريبًا منه يمكنه أن يتعاهده بالتربية بين فترة وأخرى، تنبيه: هذا التفصيل في حضانة الطفل عند سفر أحد أبويه هو الصواب؛ نظرًا لمصلحة الطفل، لذلك نزَّل البهوتي كلام صاحب المتن عليه.
стр. 2770
أن رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه (٢٥)، فإن اختار أباه: كان عنده ليلًا، ونهارًا، ولا يمنع زيارة أمه، وإن اختارها: كان عندها ليلًا، وعند أبيه نهارًا؛ ليُعلِّمه، ويُؤدِّبه (٢٦)، وإن عاد فاختار الآخر: نقل إليه، ثم إن اختار الأول: نقل
(٢٥) مسألة: إذا بلغ الغلام سبع سنوات: فإنه يُخيَّر بين أبيه، وأمه، فيذهب مع من اختاره منهما وذلك بشرطين: أولهما: أن يكون الأب والأم صالحين للحضانة - بأن استكمل كل منهما الشروط السابقة في مسألة (٢٣) - فإن كان أحدهما لا يصلح لها: فإن حضانته تكون للصالح منهما، ثانيهما: أن يكون هذا الغلام عاقلًا مميزًا بين الشر والخير، والخبيث والطيب، فإن لم يكن عاقلًا، بل كان معتوهًا أو مجنونًا: فالأحق به أمه؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ورد عنه ﵇: أنه خيَّر غلامًا بين أبيه، وأمه، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عمر، وعلي أنهما قد خيَّرا غلامًا بين أمه وأبيه، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن جعل الطفل عند الصالح لحضانته أصلح لعاجل وآجل ذلك الطفل، وجعل المعتوه عند أمه أصلح له بلا شك، فلذا اشتُرط هذان الشرطان.
[فرع]: إذا اتفق الأب والأم على أن تكون حضانة الغلام عند أحدهما: فيجوز؛ للتلازم؛ حيث إن الحق في حضانته لا يتعداهما فيلزم صحة ذلك.
(٢٦) مسألة: إذا خُيِّر الغلام بين أبويه: فاختار أباه: فإنه يكون عنده ليلًا ونهارًا، ولا يُمنع من زيارة أمه نهارًا، وإن اختار أمه: فإنه يكون عندها ليلًا فقط، ويكون عند أبيه نهارًا؛ للمصلحة حيث إن كونه عند أبيه ليلًا ونهارًا إذا اختاره، أو كونه عنده نهارًا فقط إذا اختار أمه: أصلح له؛ من حيث حفظه، وتعليمه، وتأديبه، وكونه يزور أمه إذا اختار أباه: فيه برٌّ بها، وتعلُّم عليها؛ لئلا يقطع بها فيما بعد.
стр. 2771
إليه، وهكذا (٢٧)، فإن لم يختر، أو اختارهما: أُقرع (٢٨) (ولا يقرُّ) محضون (بيد من لا يصونه، ويُصلحه)؛ لفوات المقصود من الحضانة (٢٩) (وأبو الأنثى أحق بها بعد أن تستكمل (السبع (٣٠)، ويكون الذكر بعد) بلوغه و (رشده حيث شاء)؛ لأنه لم يبق عليه
(٢٧) مسألة إذا خُيِّر الغلام بين أبويه: فاختار أباه في زمن، ثم رجع عن ذلك فاختار أمه في زمن، ثم رجع إلى أبيه في زمن: فلا يُمنع من هذا التنقُّل؛ للمصلحة: حيث إن الغلام قد تكون مصلحته في هذا الزمن أن يكون عند أبيه، وقد تكون مصلحته في زمن آخر أن يكون عند أمه: فلا يُمنع من هاتين المصلحتين؛ دفعًا لمفسدة إرغامه بالجلوس عند أحدهما.
(٢٨) مسألة: إذا خُيِّر الغلام بين أبويه: فلم يختر واحدًا منهما، أو اختارهما معًا: فتستعمل القرعة في ذلك: فمن أصابته القرعة: يكون الأحق بحضانته؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تقدَّم للإمامة صالحان لها: فإنه يُقرع بينهما، فكذلك الحال هنا، والجامع: تساوي الطرفين؛ بحيث لا مزية لأحدهما على الآخر.
[فرع]: إذا تمت القرعة، ثم اختار الغلام غير من أصابته القرعة: فإنه يكون مع من اختاره، وتُترك القرعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختياره لغير من أصابته القرعة: أنه كان يُريده، ولكن منعه مانع.
(٢٩) مسألة: إذا جُعل الغلام عند أبيه، أو أمه باختياره، أو بالقرعة، ثم ظهر أن من عنده الغلام لا يهتم بتربيته بعمل مصالحه، وصونه عما يُفسده: فلا يُقرُّ عنده، فللطرف الآخر أن يُطالب بحضانته، فيؤخذ من الأول، ويُعطى لمن يحرص على حفظه، وتربيته، وجلب مصالحه العاجلة، والآجلة؛ للمصلحة: حيث إن المقصود من الحضانة: تربية الغلام تربية إسلامية، بحيث يعده لنفع نفسه، ونفع غيره فيما بعده، فلزم: أن يؤخذ ممن لا يفعل ذلك، ويجعل عند من يفعله؛ دفعًا للمفسدة عنه.
(٣٠) مسألة: إذا بلغت الجارية سبع سنوات: فإن الأحق بها أبوها: ولو طلبت الأم=
стр. 2772
ولاية لأحد (٣١)، .........................................................................
= حضانتها؛ للمصلحة: حيث إن المقصود من الحضانة: الحفظ، والتربية، وجلب المصالح، ودفع المفاسد للمحضون، ولا شك أن الأب أحفظ للجارية من أمها؛ لكون أمها تحتاج إلى من يحفظها، وفاقد الشيء لا يُعطيه، ومعلوم أن فسقة الرجال إذا رأوا أنثى لم تحفظ من قبل وليها: كأبيها أو أخيها، أو زوجها: فإنهم يفسدونها بأي طريق، بخلاف ما إذا علموا أن وراءها بعض الرجال، أو هي علمت: فلا يكون ذلك، وهذا شاهد معتاد، و"الذئاب تأكل الأغنام التي لا رعاة لها" فإن قلتَ: إن الأحق بها أمها، وهو قول أبي حنيفة ومالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأحق بها أمها قبل بلوغها السبع، فكذلك الحال بعد بلوغها السبع، والجامع: أن الأم أحفظ لها في كل، وأقضى لحوائجها قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الأنثى عورة، معرَّضة للفساد والإفساد، ولا يقدر على حفظ ومنع ذلك، والدفاع عنها إلا أبوها، ثم إنها إذا بلغت السابعة تكون قريبة من بلوغها، فيتقدَّم خطابها، وأبوها أعلم بمعادن الرجال، وأقدر على البحث عنهم، بخلاف أمها في ذلك كله، فإن قلتَ: إنها تخيَّر بين أمها، وأبيها، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغلام يُخيَّر فكذلك الجارية، والجامع: أن المصلحة في ذلك واحدة قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الغلام لا يحتاج إلى الحفظ والتزويج كحاجتها إليهما، إذ هي أحوج إلى ذلك منه -كما هو معروف معتاد-، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصالح".
(٣١) مسألة: إذا بلغ الذكر -بأن تم له خمسة عشر عامًا، أو احتلم، أو أنبت من قُبُل - وهو رشيد: فإنه يكون بأي مكان شاء: فيكون عند أبيه، أو عند أمه، أو منفردًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بلوغه ورشده: أن يتولى نفسه؛ لقدرته على إصلاح أموره.=
стр. 2773
ويُستحب له: أن لا ينفرد عن أبويه (٣٢) (والأنثى) منذ يتم لها سبع سنين (عند أبيها) وجوبًا (حتى يستلمها زوجها)؛ لأنه أحفظ لها، وأحق بولايتها من غيره، ولا تُمنع الأم من زيارتها إن لم يخف منها، ولو كان الأب عاجزًا عن حفظها، أو يهمله؛ لاشتغاله عنه، أو قلَّة دينه، والأم قائمة بحفظها: قُدِّمت، قاله الشيخ تقي الدين، وقال: إذا قُدِّر أن الأب تزوج بضرَّة، وهو يتركها عند ضرَّة أمها، لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها، وتقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها، ولا تؤذيها: فالحضانة هنا للأم قطعًا (٣٣)، ولأبيها وباقي عصبتها منعها من الانفراد (٣٤)، والمعتوه
[فرع]: إذا خيف على من بلغ الفساد، أو الإفساد كأن يكون أمردًا أو أحمقًا ونحو ذلك: فإنه يمنع من الانفراد؛ للمصلحة: حيث إن جعله عند أحد والديه أحفظ له.
(٣٢) مسألة: إذا بلغ الذكر: فإنه يكون حيث شاء، ولكن يُستحب له: أن لا ينفرد عن أبويه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أبلغ في برهما، وصلتهما، وحفظه هو.
(٣٣) مسألة: إذا بلغت الأنثى سبع سنوات: فإنها تكون عند أبيها وجوبًا إلى أن تتزوّج بشرط: أن يكون قادرًا على حفظها، وصيانتها، والدفاع عنها، وإكرامها، وإصلاحها -وقد سبق بيان أنه أحق بولايتها من غيره في مسألة (٣٠) -، فإن كان -أي: الأب- غير قادر على ذلك: بأن كان مشغولًا عنها، أو كان قليل الدِّين، أو تزوج امرأة، وهذه المرأة تؤذي ابنته، بينما أمها قادرة على الحضانة بكل شروطها: من حفظ، وصيانة، وتربية: فإن الحضانة في هذه الحالة تكون للأم؛ للمصلحة: وهي غير خافية، مما سبق.
(٣٤) مسألة: إذا أرادت أيُّ فتاة أن تسكن في منزل بمفردها: فلأبيها، وباقي عصبتها الحق في منعها من ذلك، وإن أصرَّت، فلهم منعها بالقوة؛ للمصلحة: حيث إن انفرادها وسيلة إلى فسادها وإفسادها، فدفعًا لذلك: شرع هذا الحكم.
стр. 2774
ولو أنثى عند أمه مطلقًا (٣٥).
* * *
(٣٥) مسألة: المعتوه -وهو: من لا يستطيع تدبير نفسه، وإصلاح أموره- الأحق أن يكون عند أمه: سواء كان بالغًا، أو لا، وسواء كان ذكرًا، أو أنثى؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أصلح وأنفع له؛ لكون النساء عمومًا ألطف، وأشفق، وأدق في الخدمة من الرجال -غالبًا-.
هذه آخر مسائل باب: "حضانة وكفالة الطفل" وهو آخر كتاب: "النفقات والحضانة" وهو آخر المجلد الرابع من: "كتاب: تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع، وتنزيل الأحكام على قواعدها الأصولية، وبيان مقاصدها ومصالحها وأسرارها وأسباب الاختلاف" فيها لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، نفع به الإسلام والمسلمين"، ويليه المجلد الخامس، وأوله كتاب: "الجنايات".
стр. 2775
كتاب الجنايات
جمع جناية، وهي لغة: التعدِّي على بدن، أو مال، أو عرض، واصطلاحًا: التعدِّي على البدن بما يُوجب قصاصًا، أو مالًا (١)، ومن قتل مسلمًا عمدًا عدوانًا: فسق، وأمره إلى الله إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له (٢)
كتاب الجنايات والجِراح
بيان حقيقة الجنايات والجراح، وأنواعها، وحكم القصاص من المشتركين في القتل ومن المنفرد أو المتسبّب به
وفيه سبع وعشرون مسألة:
(١) مسألة: الجنايات جمع جناية، وهي لغة: التعدِّي على نفس أو مال أو عرض، تقول: "جنيتُ على زيد" إذا تعدَّيت على خاصية من خواص زيد: إما نفسه وبدنه أو ماله، أو عرضه، وهو في الاصطلاح: التعدِّي على البدن والنفس بما يُوجب قِصاصًا، أو مالًا، فإن قلتَ: لِمَ قصرت الجنايات هنا على ما يخص البدن والنفس مع أنه عام لكل جناية؟ قلتُ: ثبت هذا بالعرف؛ وسمَّى الفقهاء الجناية على الأموال: غصبًا، ونهبًا، وسرقة، وإتلافًا، والجراح جمع جراحة وهي: ما تتسبَّب في إزهاق الروح، أو مبينة للعضو، فإن قلتَ: لِمَ عنون بعض الفقهاء بـ "الجنايات" وبعضهم عنون بـ "الجراح"؟ قلت: كل واحد من الفقهاء نظر إلى اعتبار لم ينظر إليه الآخر: فمن عنون بـ "الجنايات: قال هذا أولى؛ لشمولها للجناية بالجرح وغيره كالقتل بمثقَّل، وبمسموم، وبسحر، ومن عنون بـ "الجراحة" قال: هذا أولى؛ لكون الجراحة أغلب طرق القتل، لذلك حسن الجمع بين اللفظين "الجنايات" و "الجراح".
(٢) مسألة: القتل بغير حق، حرام ومن فعله: فإنه يفسق؛ لكونه قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي =
стр. 2776
وتوبته مقبولة (٣) (وهي) أي: الجناية: ثلاثة أضرب: (عمد: يختص القَوَد به)
= حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فحرم قتل النفس بغير حق؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلّا على فعل حرام، فيلزم: أن يكون القتل عمدًا حرامًا، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلّا الله وأني رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تحريم القتل بغير حق، ومن فعله عمدًا: فإن يفسق، وأمره إلى الله: إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، فإن قلتَ: لِمَ حرم القتل العمد؟ قلتُ: للمصلحة الضرورية؛ وهي حفظ نفوس المسلمين، ولولا هذا، وعقوبة القاتلين التي ستأتي لأهلك الناس بعضهم بعضًا، ولما استمرّت الحياة، ولانقطعت السبل، ولذلك كان في عقوبة القصاص والقطع ونحو ذلك مما سيأتي: حياة للناس، وحماية لهم من إفناء بعضهم بعضًا أو إضرار بعضهم ببعض قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ولو تدبّر المسلم هذه الآية فقط؛ لأدرك أن منزلة الإسلام، وعدالته، وإنصافه لا تساويها عدالة ولا منزلة، ولا إنصاف.
(٣) مسألة: القاتل عمدًا إذا تاب توبة نصوحًا: فإن هذه التوبة تُقبل إن شاء الله؛ لقاعدتين؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ فيدخل القتل فيما دون الشرك والكفر، فيلزم أن تقبل توبة التائب منه إن شاء الله تعالى، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والقتل ذنب من الذنوب فيدخل في عموم ذلك، فيغفره إن تاب القاتل، وشاء الله تعالى؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إن رجلًا قتل مائة رجل ظلمًا، ثم سأل: هل له من توبة؟ فدُلَّ على عالم، فسأله فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة، فاعبد الله فيها، فخرج =
стр. 2777
والقَوَد: قتل القاتل بمن قتله (بشرط: القصدْ) أي: أن يقصد الجاني الجناية (و) الضرب الثاني: (شبه عمد و) الثالث: (خطأ) روي ذلك عن عمر، وعلي ﵄ (٤) (ف) القتل (العمد: أن يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا فيقتله بما يغلب على
= تائبًا، فأدركه الموت في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فبعث الله إليهم مَلَكًا، فقال: قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها"، وهذا واضح الدلالة على قبول توبة التائب من القتل العمد، فإن قلتَ: لا تُقبل توبته، وهو محكي عن ابن عباس؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وهي آخر ما أنزل، ولم يرد ما ينسخها، وورودها بلفظ الخبر يدل على عدم جواز نسخها؛ لأن الخبر من الله لا يكون إلا صدقًا قلتُ: عنه جوابان: أولهما: إن الآية عامة، وقد خصصتها الآية الأخرى التي ذكرناها؛ والسنة القولية؛ وتخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة جائز، ثانيهما: على فرض عدم التخصيص: فإن الآية محمولة على من لم يتب، أو على بيان أن هذا جزاؤه إن لم يغفر الله له، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. فائدة التوبة النصوح لها شروط، هي: أن يُقلع عمّا كان يفعله، وأن يندب على فعله، وأن لا يعود إليه، وأن يكره العودة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع الكتاب" و "تعارض الكتاب مع السُّنّة".
(٤) مسألة: القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولها: "العمد" وهو يختص بالقَوَد به إذا كان القاتل قاصدًا له. ثانيها: شبه العمد، ثالثها: الخطأ، وسيأتي بيانها فيما يلي من المسائل؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إلا أن دية الخطأ شبه العمد: ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" فسمَّى هنا قسمًا ثالثًا، وبين حكمه، وسيأتي، الثانية: قول =
стр. 2778
الظن موته به) فلا قصاص إن لم يقصد قتله، ولا إن قصده بما لا يقتل غالبًا، وللعمد تسع صور (٥): إحداها: ما ذكره بقوله: (مثل: أن يجرحه بماله مور) أي:
= الصحابي؛ حيث ورد هذا التقسيم عن عمر، وعثمان، وعلي، فإن قلتَ: لا يوجد شبه العمد، وهو رواية عن مالك، وجعله تابعًا للعمد؛ للاستصحاب؛ حيث إنه لا يوجد في كتاب الله إلا العمد والخطأ فقط، ويبقى الزائد - وهو شبه العمد - على النفي الأصلي، فيُستصحب ذلك ويُعمل به قلتُ: ما ورد في السنة التي ذكرناها زيادة على ما جاء في الكتاب يُعمل بها؛ لأن العمل بالزيادة على النصّ واجب إذا ثبتت، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السُّنّة مع الاستصحاب" فائدة المراد بالقَوَد: قتل القاتل بمن قتله؛ لكون القاتل يُقاد بحبل، فيمكن لأولياء المقتول: أن يُمسكوه بذلك الحبل: فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا عفوا عنه، وإن شاؤوا عفوا عن القود والقصاص وأخذوا الدِّية، فإن قلتَ" لِمَ حُصر ذلك في هذه الأقسام الثلاثة؟ قلت: لأن الجاني إن لم يقصد عين المجني عليه: فهو الخطأ، وإن قصدها؛ فإن كان بما يقتل غالبًا فهو العمد، وإن كان بما لا يقتل غالبًا: فهو شبه العمد.
(٥) مسألة: القتل العمد: هو: "أن يقوم شخص ويقصد من يعلمه آدميًا معصومًا، فيقتله بشيء يغلب على الظن موته به" أو تقول: "هو: قصد الفعل العدوان، وعين الشخص المجنى عليه بما يقتل قطعًا أو غالبًا" فيشترط للقتل العمد شروط: أولها: أن يقصد قتله، ثانيها: أن يقتله بما يقتل غالبًا، ثالثها: أن يقصد آدميًا معصومًا، فإذا توفّرت تلك الشروط: فإن ذلك هو القتل العمد، الموجِب للقود والقِصاص، أما إن لم يقصد قتله، أو قصده بما لا يقتل غالبًا، أو قصد بما يقتل غالبًا آدميًا غير معصوم فليس هذا بقتل عمد، وستأتي أمثلة للقتل العمد في الصور التالية: وستأتي أيضًا شروط وجوب القصاص، وشروط استيفائه في بابين منفصلين.
стр. 2779
نفوذ (في البدن) كسكين، وشوكة، ولو بغرزة بإبرة ونحوها، ولو لم يداوَ مجروح قادر جرحَه (٦) الثانية: أن يقتله بمثقَّل، كما أشار إليه بقوله: (أو يضربه بحجر كبير ونحوه) كَلُتٍّ، وسندان، ولو في غير مقتل (٧)، فإن كان الحجر صغيرًا: فليس بعمد إلا إن
(٦) مسألة: في الأولى - من صور القتل العمد - وهي: أن يقوم زيد بجرح عمرو بآلة لها مور ونفوذ ومروق في جسمه مثل: السكين، والشوكة، والإبرة، وأيِّ شيء جارح مكوِّن من الحديد، أو الذهب، أو الفضة أو النحاس، أو الرصاص، أو من الخشب، أو القصب، أو العظم، أو فصده بآلة حادة، فترك شدَّ فصاده، فمات عمرو بسبب هذا الفعل: فهذا قتل عمد يجب على زيد القود والقصاص: سواء كان الجرح كبيرًا، أو صغيرًا، وسواء قام المجروح القادر بعلاج جُرحه، أو لم يقم بذلك؛ وسواء حصل المور أو لا، وسواء كان في مقتل أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حصول ذلك بآلة محدَّدة لهامور في الجسم: أن يغلب على الظن تعمُّده قتله؛ لأن المحدَّد لا يكون إلا كذلك غالبًا، ويلزم من وجود مقاتل خفية في الجسم، وجرحه جرحًا صغيرًا بمحدَّد له سراية ومور: أن يثبت تعمُّده قتله كما لو جرحه به جرحًا كبيرًا، ويلزم من ظاهر موت عمرو بفعل زيد: أن يكون هذا قتل عمد، وإن ترك القادر ذلك الجرح بدون علاج.
(٧) مسألة: في الثانية - من صور القتل العمد - وهي: أن يقتل زيد عمرًا بمثقل كبير: كأن يضربه بحجر كبير، أو يُلقيه عليه أو يلقي عليه حائطًا أو سقفًا، أو سندانًا، أو قطعة كبيرة من الحديد: فمات عمرو بسبب ذلك: فهذا قتل عمد يجب على زيد القود والقصاص: سواء كان قد ضربه بالحجر الكبير في مقتل، أو لا وسواء كان المجنى عليه في حالة ضعف أو لا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ حيث إن هذا عام؛ حيث إن "مَنْ" الشرطية من صِيغ العموم، فيدخل فيه المقتول بالمثقَّل؛ لكونه مقتولًا ظلمًا، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وهو عام أيضًا؛ لأن "القتلى" جمع =
стр. 2780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= معرّف بأل، وهو من صيغ العموم، فيدخل فيه المقتول بالمثقل؛ لكونه مقتولًا بغير حق، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُؤدّى، وإما يُقاد"، وهذا عام؛ لأن فيه "مَنْ" الشرطية وهي من صيغ العموم، فيدخل فيه المقتول بالمثقَّل؛ لكونه مقتولًا بغير حق، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها بحجر، فقتله النبي ﷺ بين حجرين" وهذا نص في المسألة؛ حيث إن اليهودي قد رضَّ رأس جارية على قطعة من ذهب - وهو الأوضاح - بحجر كان معه حتى ماتت، فقتله النبي ﵇ بشيء مماثل لذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، ولو لم يكن القتل بالمثقَّل قتلًا عمدًا موجبًا للقصاص: لما فعل النبي ﵇ ذلك، الرابعة: القياس؛ بيانه: كما أن القتل بالمحدَّد قتل عمد يوجب القصاص، فكذلك القتل بالمثقَّل، والجامع: أن كلًّا منهما يقتل غالبًا، فإن قلتَ: إن القتل بالمثقَّل ليس بقتل عمد، فلا يوجب القصاص، وهو قول أبي حنيفة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إلا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط، والعصا، والحجر مائة من الإبل" فأوجب في قتيل الحجر الدية، دون القصاص، وسماه عمد الخطأ، وليس بعمد، الثانية: التلازم؛ حيث إن عدم اعتبار العمل بنفسه، وعدم إمكان ضبطه بما يقتل غالبًا؛ نظرًا لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير - كما سبق - يلزم منه: أن يضبط بما يجرح، والمثقَّل لا يجرح وإن قتل، فلا يوجب القصاص - قلتُ: أما الحديث: فهو محمول على الحجر الصغير - الذي لا يُوجب القصاص وإن قتل كما سيأتي بيانه - بدليل قرنه بالعصا والسوط، وأما التلازم: فهو ممنوع عندنا؛ لأن القتل العمد يحصل بما غلب على ظننا أنه استعمل آلة قاتلة، فيجب فيه القصاص، ولا يصح ضبطه بالجرح - كما سبق بيانه في مسألة (٦) - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض السنة القولية؛ التي: =
стр. 2781
كان في مقتل، أو حال ضعف قوة من مرض، أو صِغر، أو كِبر، أو حَر، أو برد، ونحوه، أو يعيده به، (أو يلقي عليه حائطًا) أو سقفًا، ونحوهما (٨) (أو يلقيه من شاهق) فيموت (٩)، الثالثة: أن يلقيه بجحر أسد، أو نحوه، أو مكتوفًا بحضرته، أو في مضيق بحضرة حية، أو يُنهشه كلبًا، أو حية، أو يلسعه عقربًا من القواتل
= ذكروها مع السنة القولية والفعلية التي ذكرناهما" وأيضًا: "الاختلاف في القتل العمد هل يضبط بما يجرح، أو بما يغلب على الظن القتل به؟ " فائدة: "اللَّت" هو نوع من أكبر السلاح و "السندان" آلة ثقيلة من الحديد يعمل عليها الحداد صناعته.
(٨) مسألة إذا ألقى زيد على عمرو حجرًا صغيرًا، أو خشبة، أو ضربه بيده ومات: فإن هذا يُعتبر قتل عمد بشروط ثلاثة: أولها: أن يضربه بالحجر الصغير، أو الخشبة، أو اليد في مقتل - كمساواة قلبه، أو رأسه، أو خصيتيه -، ثانيها: أن يضربه بذلك وهو في حالة ضعيفة كأن يكون المضروب مريضًا، أو صغيرًا، أو شيخًا كبيرًا، أو في وقت حرّ أو في وقت برد شديدين ثالثها: أن يُكرِّر ضربه بذلك حتى مات فهذا كله يعتبر قتل عمد، فيه القصاص والقود، أما إن ضربه بتلك الأمور الصغيرة، ولم تتوفر تلك الشروط: فليس بعمد، ولا قصاص فيه ولا قَوَد؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ضربه بمثقَّل كبير ومات: فهو قتل عمد، فيه القَوَد - كما سبق في مسألة (٧) - فكذلك إذا ضربه بشيء صغير وتوفّرت فيه تلك الشروط الثلاثة ومات: فهو قتل عمد، فيه القود، والجامع: أنه في كل منهما قتله بما يقتل غالبًا؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع التحايل من قتل الآخرين بمثل تلك الأساليب - تنبيه: قوله: "أو يلقي عليه حائطًا .. " قد سبق بيانه في مسألة (٧).
(٩) مسألة: إذا ألقى زيد عمرًا من شاهق، ومات عمرو: فهو قتل عمد، فيه القَوَد؛ قياسًا على القتل بالمثقَّل، والجامع: أن كلًا منهما يقتل غالبًا، وإن لم يجرح.
стр. 2782
غالبًا (١٠)، الرابعة: ما أشار إليها بقوله: (أو) يُلقيه (في نار، أو ماء يُغرقه، ولا يمكنه التخلُّص منهما)؛ لعجزه، أو كثرتهما، فإن أمكنه: فهدر (١١)، الخامسة: ذكرها بقوله:
(١٠) مسألة في الثالثة - من صور القتل العمد - وهي: أن يجمع زيد بين عمرو وبين حيوان يقتل الإنسان عادة في حين عدم تمكُّن عمرو من الهرب كأن يجمع بينه وبين أسد، أو نمر في جحرهما، أو يُكتِّف زيد عمرًا ويجعله بحضرتهما، أو يجعله في مكان ضيّق بحضرة حية، أو بجعل كلبًا ينهشه، أو عقربًا أو حية تلسعه، فيموت عمرو: فهو قتل عمد، فيه القَوَد سواء كان السبع صغيرًا أو كبيرًا، حية لا تقتل كحية الحجاز أو لا؛ للتلازم: حيث يلزم من كون ذلك يقتل غالبًا: أن يكون فعله قتل عمد، فيه القود دون تفريق بين السباع والحيات، فإن قلتُ: ليس هذا قتل عمد، ولا قود، وهو قول الشافعي، رجَّحه أبو يعلى؛ للتلازم: حيث يلزم من كون الأسد، والحية يهربان من الإنسان وكون ذلك ليس بسبب ملجيء: عدم اعتبار ذلك قتل عمد، ولو مات عمرو؛ لاحتمال أن يكون قد مات من الخوف قلتُ: لا يُسلَّم أن الأسد والحية تهربان من الإنسان؛ حيث ثبت أن الأسد يعتدي على الآدمي المطلق، فكيف يهرب من المكتوف، أو ورد عليه في جحره، والحية - إنما تهرب في المكان الواسع، وهذا كان معها في مكان ضيّق - كما مثَّلنا -، فيغلب على الظنّ أنها تدافع عن نفسها بالنهش، وهذا قاتل في الغالب، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في هذه الصور هل تُعتبر من القتل الملجئ أو لا؟ ".
(١١) مسألة في الرابعة - من صور القتل العمد - وهي: أن يلقي زيد عمرًا في نار، أو ماء مغرق أو حفرة في حين عدم تمكُّن عمرو من التخلُّص من تلك النار، أو ذلك الماء أو الحفرة؛ أو لكثرة ماء وطول حفرة فمات: فهذا قتل عمد، فيه القَوَد، أما إن أمكنه التخلُّص منهما، ومع ذلك بقي فيهما حتى مات: فهذا: ليس بقتل عمد، ولا قود فيه، بل هدر، ولا يضمنه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من =
стр. 2783
(أو يخنقه) بحبل، أو غيره، أو يسد فمه، وأنفه، أو يعصر خصيتيه زمنًا يموت في مثله (١٢)، السادسة: أشار إليها بقوله: (أو يحبسه، ويمنع عنه الطعام، أو الشراب، فيموت من ذلك في مدَّة يموت فيها غالبًا) بشرط: تعذُّر الطلب عليه، وإلا: فهدر (١٣)، السابعة: ما أشار،
= كون تلك النار، أو الماء، والحفرة تقتل غالبًا: أن يكون هذا قتل عمد، فيه القود، ويلزم من كونه لم يخرج من النار، أو الماء، أو الحفرة مع إمكانه: عدم القود، وعدم ضمانه؛ لأنه مهلك لنفسه بإقامته.
(١٢) مسألة: في الخامسة - من صور القتل العمد - وهي: أن يخنقه بحبل أو بيديه أو بأي شيء يمنع خروج نفسه، أو يضع خرقة على أنفه، أو فمه بحيث يمنع عنه النفس، وذلك في زمن يموت في مثله عادة، فهذا إن مات: فهو قتل عمد، فيه القَوَد؛ وإن فعل ذلك في مدَّة لا يموت الآدمي فيها: فهو شبه العمد، لا قود فيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك الخنق بأي آلة مدَّة تكفي للموت: أن يكون ذلك قتل عمد، فيه القَوَد، ويلزم من عدم كفاية المدَّة للموت: عدم كون ذلك قتل عمد.
[فرع]: إذا عصر زيد خصيتي عمرو زمنًا يموت في مثله الإنسان فهذا إن مات: فهو قتل عمد، فيه القَوَد، وإن فعل ذلك في مدَّة لا يموت الآدمي فيها: فلا يعتبر عمدًا؛ للتلازم؛ وقد بيّنته في مسألة (١٢).
(١٣) مسألة في السادسة - من صور القتل العمد - وهي: أن يمنع زيد عن عمرو الطعام أو الشراب مدَّة يموت فيها الإنسان فيها عادة، فإذا فعل ذلك، ومات عمرو: فهذا قتل عمد، فيه القَوَد بشرط: عدم قدرة عمرو على طلب الماء والطعام، أما إن كان قادرًا على طلب الماء، والطعام، ومع ذلك تركهما: فهذا هدر، وليس بقتل عمد، ولا قود عليه، ولا يضمنه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك المنع من الطعام، أو الشراب مدَّة تكفي للموت: أن يكون ذلك قتل عمد، فيه القود، ويلزم من عدم كفاية المدَّة للموت، أو ترك المجنى عليه طلب =
стр. 2784
إليها بقوله: (أو يقتله بسحر) يقتل غالبًا (١٤)، الثامنة: المذكورة في قوله: (أو) يقتله
= الماء، أو الطعام باختياره فمات: عدم كون ذلك قتل عمد وعدم ضمانه بشيء؛ لكون هذه المدَّة لا يموت فيها الإنسان ولو مُنع عنه الطعام، أو الشراب، ولكونه قتل نفسه بتركه طلب الطعام والشراب مع قدرته.
[فرع]: إن ترك زيد عمرًا في مكان بارد جدًّا، أو حار جدًّا في وقت يُمكن الموت فيه على حسب الزمان؛ لكون الشتاء غير الصيف، وعلى حسب الأفراد؛ لكون بعض الناس أكثر تأثرًا بالحر، أو البرد من الآخر، أو على حسب المكان؛ لكون بعض الأمكنة أبرد أو أحرّ من بعض، فمات عمرو بسبب وضع زيد له في ذلك: فإن هذا قتل عمد، فيه القَوَد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك الترك في ذلك المكان مدَّة تكفي لموت عمرو فيه على حسب الظرف الذي هو فيه: أن يكون ذلك قتل عمد، فيه القَوَد.
(١٤) مسألة: في السابعة - من صور القتل العمد - وهي: أن يسحر زيد عمرًا، فإذا قتله بذلك السحر، فهو قتل عمد، فيه القَوَد بشرط: أن يكون زيد عالمًا بأن هذا السحر يقتل غالبًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن القتل بالمحدَّد المقصود: يُعتبر قتل عمد، فيه القَوَد - كما سبق - فكذلك القتل بالسحر، والجامع: أن كلًا منهما يقتل غالبًا، أما إذا لم يعلم بأن السحر يقتل غالبًا: فمات: فلا يكون هذا عمدًا، ولا قودًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم علمه: ذلك.
[فرع]: يُقتل الساحر هذا قصاصًا، لا حدًّا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تقديم حق الآدمي: أن يُقتل من قتله قصاصًا، [فرع ثانٍ]: إذا كان زيد معيانًا - وهو الذي يقتل الناس بعينه - وعاين عمرًا فقتله: فإن هذا قتل عمد، فيه القَوَد بشرطين: أولهما: أن يكون زيد عالمًا بأن عينه تقتل غالبًا ثانيهما: أن يكون قد فعل ذلك باختياره أما إن كان لا يعلم بأن عينه تقتل غالبًا، أو علم ذلك، ولكن وقع ذلك منه دون اختيار منه وإرادة: فلا يسمَّى هذا قتل عمد، ولا قَوَد عليه، بل يكون =
стр. 2785
ب (سم): بأن سقاه سمًا لا يعلم به، أو يخلطه بطعام ويُطعمه له، أو بطعام أكله، فيأكله جهلًا (١٥)، ومتى ادَّعى قاتل بسم، أو بسحر عدم علمه أنه قاتل: لم يُقبل (١٦)، التاسعة: المشار إليها بقوله: (أو شهدت عليه بيّنة بما يوجب قتله): من زنا، أو ردَّة لا تقبل معها التوبة، أو قتل عمد (ثم رجعوا) أي: الشهود بعد قتله (وقالوا: عمدنا
= قتل خطأ، فتجب عليه الدية؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن القتل بالمحدد يُعتبر قتل عمد فيه القود - كما سبق - فكذلك يُقتل المعيان إذا قتل غيره بذلك - بشرطيه - والجامع: أن كلًّا منهما يقتل غالبًا، الثانية: التلازم؛ حيث إن عدم علمه بأن عينه تقتل غالبًا، وأنه وقع أو علم ذلك، ولكن وقع ذلك دون اختياره: يلزم منه عدم اعتبار قتله به قتل عمد، ويلزم من تسببه في إزهاق نفسه: أن يكون ذلك قتل خطأ، وهذا يوجب الدية.
(١٥) مسألة في الثامنة - من صور القتل العمد - وهي: أن يقتل زيد عمرًا بسُمٍّ يقتل غالبًا: بأن يسقيه إياه، أو يخلطه بطعام فيُطعمه له أو نحو ذلك فمات عمرو: فهذا قتل عمد، فيه القَوَد بشرط: أن يكون المجنى عليه - وهو عمرو - لا يعلم بهذا السم، أما إذا علم عمرو بأن هذا يقتله ومع ذلك أكله فمات: فلا يكون هذا قتل عمد، ولا يضمنه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن القتل بالمحدد: قتل عمد، فيه القَوَد، فكذلك القتل بالسم مثله، والجامع: أن كلًا منهما يقتل غالبًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من علم عمرو بأن هذا السم يقتله ومع ذلك أكله فمات: عدم كون هذا قتل عمد وعدم ضمان عمرو؛ لأنه قتل نفسه بذلك.
(١٦) مسألة: إذا ادَّعى القاتل بسم، أو بسحر، أو بعين: أنه لا يعلم أن ذلك قاتل: لا يُصدَّق ولا يُكذَّب، بل يُرجع إلى التحقيق والتدقيق في شأنه، ويُحكم بصدقه، أو بكذبه على حسب البيّنات والأدلة، فإن أثبتت صدق دعواه بعدم علمه: بُرِّئ، ولا قَوَد عليه، وإن أثبتت كذبه، وأنه قال ذلك لأجل أن يتخلَّص: فإنه =
стр. 2786
قتله) فيُقاد بهذا كله (ونحو ذلك)؛ لأنهم توصّلوا إلى قتله بما يقتل غالبًا (١٧)، ويختص بالقصاص مباشر للقتل، عالم بأنه ظلم، ثم ولي عالم بذلك، فبيّنة وحاكم علموا ذلك (١٨) (وشبه العمد: أن يقصد جناية لا تقتل غالبًا، ولم يجرحه بها: كمن ضربه في
= يُعتبر قتل عمد فيه القود؛ للمصلحة: حيث إن التحقيق الدقيق والعمل بالبراهين والبيّنات فيه مصلحة للطرفين، وعدمها: فيه إضرار بهما، أما إذا لم يدل دليل على صدقه ولا على كذبه: فالظاهر: أن هذا يكون قتل عمد، فيه القود؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون السم، والسحر، والعين تقتل غالبًا: عدم قبول دعواه.
(١٧) مسألة في التاسعة - من صور القتل العمد - وهي: أن يشهد على عمرو جماعة بأنه فعل ما يوجب قتله: كأن يشهدوا عليه بأنه زنا وهو محصن، أو ارتدّ عن الإسلام، بسبِّه لله ورسوله - بحيث لا تقبل توبته فيما فعله -، أو شهدوا عليه بأنه قتل عمدًا، فقتل الحاكم عمرًا - بسبب تلك الشهادة عليه - ثم رجع أولئك الجماعة عن تلك الشهادة قائلين: قد عمدنا قتل عمرو بتلك الشهادة: فإن هذا يُعتبر قتل عمد، فيه القَوَد، فيُقتل بذلك جميع أولئك الجماعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونهم قد توصلوا إلى قتل عمرو بما يقتل غالبًا: أن ذلك يُعتبر قتل عمد، فيه القَوَد، ويلزم من اجتماعهم على ذلك: أن يقتلوا به جميعًا دون تفريق بينهم - كما سيأتي بيانه -.
(١٨) مسألة: الذي يختص بالقصاص والقَوَد هو: المباشر للقتل، العالم بأن هذا القتل ظلم، المتعمِّد لهذا القتل، ثم يختص بالقصاص ولي عالم بأنه قتله ظلم، وإن وكَّل شخصًا فباشر القتل وهذا الوكيل عالمًا بأن المقتول مظلوم: فعليه القصاص أيضًا، وإن لم يعلم: فعلى الوالي، ثم تختص بيّنة شهدت بقتله، واعترفت بأنه ظلم، ثم حاكم علم كذب الشهود، ومع ذلك قام بقتله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القتل المباشر، أو التسبُّب للقتل مع علمهم بظلم المقتول: أن يقتلوا جميعًا به.
стр. 2787
غير مقتل بسوط، أو عصا صغيرة) ونحوها (أو لكزه ونحوه) بيده، أو ألقاه في ماء قليل، أو صاح بعاقل اغتفله، أو بصغير على سطح فمات (١٩) (و) قتل (الخطأ: أن
(١٩) مسألة: القتل شبه العمد: هو: أن يقصد زيد الجناية على عمرو بما لا يقتل غالبًا، إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد تأديبه فيُسرف فيه في غير مقتل، ولا يجرحه بسبب تلك الجناية: فيموت عمرو بسبب ذلك: كأن يضرب زيد عمرًا بالسوط والعصا الصغيرين، أو يضربه بيده، أو يُلقيه في ماء قليل، أو يسحره بشيء لا يقتل غالبًا، أو يصيح بصبي أو معتوه غافلين وهما على سطح فيسقطان منه، ويموتان: فهذا هو القتل شبه العمد، ويُسمَّى "خطأ العمد" و "عمد الخطأ"؛ نظرًا لاجتماع العمد والخطأ فيه؛ حيث إنه تعمَّد الفعل، وأخطأ في القتل، أي: أنه متردد بين العمد والخطأ: فيشبه العمد من جهة قصد ضربه، ويُشبه الخطأ من جهة ضربه بما لا يقصد به القتل، فيشترط فيه شروط ثلاثة: أولها: أن يقصد الجاني الجناية بسبب عداوة، أو لتأديب ثانيها: أن يقصده بما لا يقتل غالبًا، ثالثها: أن لا يجرحه بسبب تلك الجناية، فإذا اجتمعت تلك الشروط: كان القتل شبه عمد، لا قَوَد فيه، وفيه الدية، وتكون تلك الدية على العاقلة، والكفارة من مال القاتل؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قول أبي هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها فقضى النبي ﷺ : "أن دية جنينها: عبدًا أو وليده، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" أي: أوجب دية المقتولة على عاقلة القاتلة، فلو كان عمدًا: لما أوجبه عليها؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد وأوجب الكفارة من مال القاتلة ولأنه يلزم من تلك القضية شروط قتل شبه العمد؛ حيث إن العداوة واضحة بين المرأتين، وقصدتها القاتلة بما لا يقتل، وهو أنها رمتها بحجر، وما يرمى به يكون عادة حجرًا صغيرًا، وهذا الحجر لم يصبها بجرح؛ لأنه لا يجرح عادة، ثانيهما: قوله ﵇: "ألا إن في قتيل خطأ العمد: قتيل السوط والعصا والحجر مائة من =
стр. 2788
يفعل ماله فعله مثل: أن يرمي ما يظنه صيدًا أو) يرمي (غَرضًا أو) يرمي (شخصًا) مباح الدم كحربي، وزان محصن (فيُصيب آدميًا) معصومًا (لم يقصده) بالقتل فيقتله، وكذا: لو أراد قطع لحم، أو غيره مما له فعله، فسقطت منه السكين على إنسان فقتله (و) كذا (عمد الصبي والمجنون)؛ لأنه لا قصد لهما، فهما كالمكلف المخطئ، فالكفارة في ذلك في مال القاتل، والدية على عاقلته - كما يأتي - ويصدق إن قال: كنت يوم قتلته صغيرًا أو مجنونًا، وأمكن، ومن قتل بصف كفار من ظنه حربيًا فبان مسلمًا، أو رمي كفارًا مترسوا بمسلم، وخيف علينا إن لم نرمهم، ولم يقصده فقتله: فعليه الكفارة فقط؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولم يذكر الدية (٢٠).
= الإبل" وفي لفظ: "عقل شبه العمد مغلَّظ، مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه" وهو نص في شبه العمد. تنبيه: قد أنكر الإمام مالك شبه العمد، وقد سبق ذكر دليله، والجواب عنه في مسألة (٤).
(٢٠) مسألة: القتل الخطأ على قسمين: القسم الأول: أن يفعل زيد ماله فعله شرعًا فيؤدِّي ذلك إلى قتل مسلم معصوم: كأن يرمي صيدًا، أو هدفًا وغرضًا أو بهيمة: فيُصيب آدميًا معصومًا فيقتله، أو يرمي شخصًا مباح الدم - كالكافر الحربي، أو الزاني المحصن - فيُصيب آدميًا معصومًا لم يقصده بالقتل، فقتله، أو أراد قطع لحم أو قطع خشب ونحوهما بأي شيء حاد فسقط ذلك الشيء الحاد على آدمي فقتله أو انقلب نائم على آخر فقتله، أو تعمَّد صبي، أو مجنون قتل آدمي بأي آلة أو حفر مكلف بئرًا، أو نصب شيئًا فأدّى إلى قتل معصوم: فكل ذلك قتل خطأ: لا قود فيه، بل يدفع زيد القاتل الكفارة من ماله، وتدفع عاقلته الدية لأولياء المقتول سواء كان المقتول مسلمًا، أو ذميًا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ =
стр. 2789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: فأوجب الكفارة والدية في قتل المعصوم خطأ سواء كان مسلمًا، أو كافرًا ذميًا ولم يوجب القصاص؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "رُفع عن أمّتي الخطأ، والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو عام؛ لأن "الخطأ" و"النسيان" وما" الموصولة؛ من صيغ العموم؛ فيشمل ما نحن فيه، فلا قصاص في قتل الخطأ، وإنما وجبت الكفارة والدية بالآيتين؛ الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن القتل شبه العمد لا قصاص فيه فمن باب أولى أن لا يكون في القتل الخطأ قصاص، والجامع: عدم قصد القتل. القسم الثاني: أن يقتل في دار الحرب من يظنه كافرًا، فبان مسلمًا، أو تترَّس واحتمى كفار بمسلم لا يقدر على الخروج عنهم، وخاف المسلمون المواجهون لذلك إن لم يرموا هؤلاء جميعًا - ومعهم المسلم -: فإنهم سيتغلبون عليهم، ويقتلونهم جميعًا، فرموهم جميعًا، ولم يقصد المسلم بالرمي: فمات المسلم مع الكفار: فهذا كله قتل خطأ: لا قَوَد فيه، وفيه الكفارة فقط، دون الدية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ حيث أوجب الكفارة هنا، ولم يذكر دية هنا، فيلزم من عدم ذكرها، ونصه عليها في الآيتين السابقتين في القسم الأول: أن الدية غير واجبة في هذا القسم، فإن قلتَ: إن الدية واجبة هنا الكفارة، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك، والشافعي؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ وهذا عام في قتل المؤمن وهو بين المسلمين، أو بين الكفار الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ألا إن في قتيل خطأ العمد: قتيل السوط والعصا: مائة من الإبل" وهو عام أيضًا قلتُ: إن الآية التي ذكرناها لم تدخل في عموم الآية التي ذكروها؛ للتلازم الذي ذكرناه، وهي أيضًا - أي: الآية التي ذكرناها - خاصة، فيُخصُّ بها عموم الحديث الذي ذكروه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: =
стр. 2790
(فصل): (نقتل الجماعة) أي: الاثنان فأكثر (بـ) الشخص (الواحد) إن صلح فعل كل واحد لقتله؛ لإجماع الصحابة، وروى سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا، وإن لم يصلح فعل كل واحد للقتل: فلا قصاص، ما لم يتواطؤا عليه (٢١) (وإن سقط القَوَد) بالعفو عن القاتلين (أدُّوا دية واحدة)؛ لأن القتل واحد،
= سببه: "تعارض الآيتين" وأيضًا: "تعارض الآية مع السنة القولية" فإن قلتَ: لِمَ كان عمد الصبي والمجنون خطأ؟ قلتُ: لأنهما لا قصد لهما أصلًا: فكل ما يفعلانه خطأ، فإن قلتَ: ما شرط قتل الخطأ؟ قلتُ: أن يفعل الإنسان ما له فعله شرعًا، فيؤدِّي إلى قتل معصوم بدون قصد، فإن قلتَ: ما الفرق بينه وبين القتل شبه العمد؟ قلتُ: إن القاتل في شبه العمد والقاتل خطأ يشتركان في وجوب الكفارة في مال الجاني، ووجوب الدية على العاقلة، ولكنهما يفترقان: أن القاتل في شبه العمد آثم، نظرًا لقصده الجناية، دون القتل، أما القاتل في القتل خطأ: فهو غير آثم؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "عُفي عن أمتي الخطأ .. " وهذا يدل بمفهوم الصفة على أن غير الخطأ لا يعفى إثمه.
[فرع]: إذا قال القاتل: إني يوم قتلته صغيرًا أو مجنونًا: يصدق إن أمكن ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم منه: تصديقه وسيأتي.
(٢١) مسألة: إذا اجتمع جماعة - اثنان فأكثر - وقتلوا شخصًا واحدًا: فإنهم يقتلون به، بشرط: أن يباشر كلُّ واحد منهم القتل، وأن يكون فعل كل واحد يصلح للقتل، وإن تفاضلت الجراحات، أما إن لم يُباشر كل واحد منهم القتل، ولم يفعل كل واحد ما يصلح للقتل ولم يتواطؤوا على قتله: فلا قصاص؛ لقاعدتين: الأولى: قول وفعل الصحابي: حيث إن عمر قد قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا واحدًا، وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا"، وثبت عن علي: أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلًا واحدًا، وعن ابن عباس مثل ذلك، الثانية: القياس وهو =
стр. 2791
فلا يلزم به أكثر من دية كما لو قتلوه خطأ وإن جرح واحد جرحًا، وآخر مائة: فهما سواء (٢٢)، وإن قطع واحد حشوته، أو دجيه، ثم ذبحه آخر: فالقاتل الأول، ويعزَّر
= من وجهين: أولهما: كما أنه لو اجتمع جماعة فقطعوا يد شخص: فإن أيديهم تقطع أيديهم جميعًا بتلك اليد الواحدة فكذلك لو اجتمعوا على قتل شخص: فإنهم يقتلون به، والجامع: أن كلًا منهما عقوبة تجب للواحد على الواحد؛ فوجبت للواحد على الجماعة، ثانيهما: أنه لو اجتمع جماعة فقذفوا شخصًا واحدًا: فإنهم يُحدَّون بحدِّ القذف، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القصاص لو سقط بالاشتراك لأدَّى إلى أن الشخص إذا أراد قتل شخصٍ آخر: جمع معه بعض الناس، واشتركوا في قتله حتى يسقط عنه القصاص، فيؤدِّي إلى قتل الناس بعضهم بعضًا بهذا الطريق.
[فرع]: إن تواطؤا على قتله، وقصدوا إسقاط القصاص بأن ضرب كل واحد منهم بما لا يقتل غالبًا، فمات: فعليهم القصاص؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "ولو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا" وهذا نص في التواطؤ، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة لو كانت دارئة للقصاص: لأدّى إلى إسقاط القصاص عن كثير ممّن يقتلون غيرهم بغير حق.
[فرع ثان]: إن لم يتواطؤا على قتله، ولم يقصدوا إسقاط القصاص بفعلهم بأن ضربه كل واحد منهم بحجر صغير: فمات بسبب مجموع الضربات: فلا قصاص عليهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تواطئهم على القتل، وعدم حصول ما يوجب القود من أحدهم: عدم وجوب القصاص.
(٢٢) مسألة: إذا قتل جماعة شخصًا واحدًا، وأسقط ولي دمه القصاص: فتجب دية واحدة عليهم جميعًا: سواء بذلوا دية واحدة أو أكثر، وسواء اتّحدوا في الجراح، فكل واحد جرح مثل ما جرحه الآخر حتى مات المقتول، أو جرح واحد جرحًا =
стр. 2792
الثاني (٢٣) (ومن أكره مكلَّفًا على قتل) معيَّن (مكافئه فقتله: فالقتل) أي: القَوَد إن لم
= واحدًا، والآخر مائة، والثالث خمسين، فلا فرق، أي: أن كل شخص يدفع مثل نصيب الآخر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قتلًا واحدًا: أن لا يلزم أكثر من دية، ويلزم من صلاحية فعل كل واحد للقتل لو انفرد: وجوب الدية عليهم على التساوي.
(٢٣) مسألة: إذا قطع زيد حشوة بكر - وهي: أمعاؤه - وأبانها بحيث لا يعيش بسبب ذلك، أو قطع دجيه - وهما العرقان في العنق -، ثم ذبحه عمرو وفصل عنقه: فإن القاتل هو زيد، فيقتص منه، أما عمرو: فإنه يعزَّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القتل والموت قد تمّ بقطع حشوته وأمعائه أو دجيه: أن يجب القصاص على من فعل ذلك - وهو زيد هنا -، ويلزم من كون عمرو قد اعتدى على ميت - وهو بكر -: أن يُعزَّر بما يراه الحاكم مناسبًا.
[فرع] إن شقَّ زيد بطن بكر، أو قطع يديه ورجليه ثم جاء عمرو فقطع رأسه: فإن القاتل هو عمرو هنا، فيقتص منه؛ للتلازم؛ حيث إن عمرو هنا هو المفوت للنفس المزهق للروح؛ لأن الإنسان قد يعيش إذا خيط بطنه، أو بدون يدين أو رجلين، ولكنه لا يعيش بدون رأس، ويضمن زيد ما أتلفه بالقصاص منه، أو الدية.
[فرع ثان]: إذا رمى زيد بكرًا من شاهق، فتلقَّاه عمرو بسيفه فقدَّه به فمات بكر: فالقاتل هو عمرو هنا فيُقتص منه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو رمى بكرًا بسهم، فقطع عمرو رأسه قبل وصول سهم زيد إليه: فإن القاتل هنا عمرو، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا من السهم والرمي من الشاهق قد لا يقتلانه بخلاف السيف؛ فإنه يقتل غالبًا. تنبيه: الأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، ولكن عليك بالقياس على ما سبق ذكره.
стр. 2793
يعف وليه (أو الدية) إن عفا (عليهما) أي: على القاتل، ومن أُكره؛ لأن القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، والمكرِه تسبَّب إلى القتل بما يفضي إليه غالبًا، وقول قادر: "اقتل نفسك، وإلّا قتلتك" إكراه (٢٤) (وإن أمر) مكلَّف (بالقتل غير مكلَّف) كصغير، أو مجنون: فالقصاص على الآمر؛ لأن المأمور آلة له لا يمكن إيجاب القصاص عليه، فوجب على المتسبِّب به (أو) أمر مكلَّف بالقتل (مكلَّفًا يجهل تحريمه) أي: تحريم القتل - كمن نشأ بغير بلاد الإسلام، ولو عبدًا للآمر: فالقصاص على الأمر؛ لما تقدم (أو أمر به) أي: بالقتل (السلطان ظلمًا من لا يعرف ظلمه فيه) أي: في القتل: بأن لم
(٢٤) مسألة: إذا أكره زيد عمرًا - وهما مكلَّفان - على قتل بكر المكافئ له - في الدِّين، والحرية، أو الرق - بأن قال له: "أقتل بكرًا وإلا قتلتك": فقتل عمرو بكرًا: فإنه يقُتص من زيد - المُكرِه - وعمرو - المكرَه -، فيُقتلان قصاصًا ببكر إن لم يعفُ ولي بكر عنهما، أما إن عفا عنهما فتجب الدية عليهما على التساوي بينهما بشرط: أن يكون المكرِه - وهو زيد - قادرًا على قتل عمرو إن امتنع عن قتل بكر، أما إذا لم يكن قادرًا على قتل عمرو إن امتنع، ومع ذلك قتل عمرو بكرًا: فإن القصاص، أو الدية تجب على عمرو فقط، ولا شيء على زيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قدرة زيد على قتل عمرو إن امتنع عن قتل بكر، وقصد عمرو استبقاء نفسه بقتل بكر: وجوب القصاص على عمرو، ويلزم من كون زيد هو المتسبِّب للقتل بذلك الإكراه: وجوب القصاص عليه أيضًا؛ لأن الإكراه على ذلك يفضي ويؤدي إلى القتل غالبًا، ويلزم من عدم قدرة المكرِه - وهو زيد - على قتل عمرو - إن امتنع عمرو عن قتل بكر -: وجوب القصاص على عمرو فقط، دون زيد؛ لأن عمرًا يستطيع التخلُّص بالامتناع، لكنه لم يفعل فوجب عليه القصاص كالمريد بدون إكراه، وهذا من باب "تكليف المكرَه"، فإن قلتَ: يجب القصاص على المكرِه - وهو زيد -، دون المكرَه - وهو عمرو - هنا، وهو قول أبي حنيفة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السيف أو السهم الذي استعمل للقتل لا يُعتبر، فكذلك =
стр. 2794
يعرف المأمور أن المقتول لم يستحق القتل (فقتل) المأمور: (فالقَوَد) إن لم يعف مستحقه (أو الدية) إن عفا عنه (على الآمر) بالقتل، دون المباشر؛ لأنه معذور؛ لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر: أن الإمام لا يأمر إلّا بالحق (وإن قتل المأمور) من السلطان أو غيره (المكَّلف) حال كونه (عالمًا تحريم القتل: فالضمان عليه) بالقَوَد، أو الدية؛ لمباشرته القتل مع عدم العذر؛ لقوله ﵇: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (دون الآمر) بالقتل، فلا ضمان عليه، لكن يؤدَّب بما يراه الإمام: من ضرب، أو حبس (٢٥)، ومن دفع إلى غير مكلَّف آلة قتل، ولم يأمره به فقتل: لم يلزم
= المكرَه لا يُعتبر، فلا يقتص منه، والجامع: أن كلًا منهما آلة للقتل؛ حيث إن المكرَه صار بالإكراه بمنزلة الآلة، والقصاص إنما يجب على مستعمل الآلة، لا على الآلة قلتَ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المكرَه له إرادة واختيار، فيستطيع أن يمتنع عن قتل بكر، ثم يقتله زيد - وهو المكره - ولكنه فعل مع استطاعته وقدرته على الامتناع، ولذلك يأثم بالقتل؛ لكونه قاتلًا، ودليله: أنه جرح بالسيف وهو يقتل غالبًا بخلاف آلة القتل - كالسيف والسهم - فلا إرادة لها، ولا قدرة فهي كورقة في رياح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" فإن قلتَ: لا يجب القصاص على واحد منهما، وهو قول بعض الحنفية كأبي يوسف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المكرِه - وهو زيد - غير مباشر للقتل، إنما هو متسبِّب، والمكرَه مسلوب الاختيار: عدم وجوب القصاص عليهما قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن المكرِه قد تسبَّب إلى القتل بما يفضي إليه غالبًا - وهو الإكراه -، والمكرَه استبقى نفسه بقتل غيره وهذا من أوضح الدلالة على اختياره وإرادته وهذا يصلح جوابًا لمن قال: إن القصاص يجب على المكرَه فقط؛ لأنه هو المباشر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(٢٥) مسألة: إذا أمر زيد عمرًا بأن يقتل بكرًا فقتله ففي القَوَد والقصاص أو الدية =
стр. 2795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حالتان: الحالة الأولى: إن كان عمرو - وهو المأمور - صبيًا، أو مجنونًا، أو معتوهًا أو كان عمرو - وهو المأمور - مكلَّفًا، وهو يجهل تحريم قتله، أو كان زيد سلطانًا فأمر عمرًا بقتل بكر ظلمًا، وعمرو لا يعلم أن قتله هذا ظلم: فيجب القصاص على الآمر - وهو زيد - دون المأمور - وهو عمرو - إن لم يعف أولياء المجنى عليه، وإن عفوا: فالدية عليه فقط - أي على زيد وهو الآمر -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود العذر عند عمرو هنا - وهو الصبا، أو الجنون، أو العته، أو الجهل -: عدم التكليف، فلا يجب على عمرو القصاص، ولا الدية، وإن كان مباشرًا، ويلزم من تكليف وعلم زيد وتسبُّبه في قتل بكر بشيء يقتل غالبًا: أن يكون القصاص، أو الدية عليه وحده. الحالة الثانية: إن كان المكلَّف يعلم تحريم قتل بكر ومع ذلك قتله: فالقصاص، أو الدية تجب عليه وحده - دون زيد - الآمر - ويُعزَّر - أي: الآمر وهو زيد - بما يراه الإمام مناسبًا لردعه: من جلد، أو حبس، أو نفي، أو أخذ مال منه أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" حيث من أطاع أمرًا بقتل آخر - سواء كان سلطانًا أو لا - مع علمه بتحريم قتله، فقد أطاع المخلوق، في معصية الخالق، وقد نهى الشارع عنه بنهي مطلق، فيقتضي التحريم؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون عمرو يعلم تحريم قتل بكر ومع ذلك قتله: وجوب القصاص أو الدية عليه فقط، دون الآمر - وهو زيد -؛ نظرًا لمباشرته القتل مع عدم العذر، ويلزم من كون زيد قد أمر بقتل بكر - من غير وجه حق - ولم يباشر، ولم يكره عمرًا على ذلك: أن يُعزَّر لتأديبه بما يراه الحاكم مناسبًا لردعه وزجره: من حبس، أو جلد، أو أخذ مال أو نحوها؛ لاختلاف الناس فيما يردعهم ويزجرهم. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنا نحتاط بذلك من القاتل الحقيقي؛ حتى يأخذ جزاءه العادل.
стр. 2796
الدافع شيء (٢٦) (وإن اشترك فيه) أي: في القتل (اثنان لا يجب القَوَد على أحدهما) لو كان (منفردًا؛ لأبوة) للمقتول (أو غيرها) من إسلام، أو حرية، كما لو اشترك أب وأجنبي في قتل ولده، أو حر ورقيق في قتل رقيق، أو مسلم وكافر في قتل كافر: (فالقود على الشريك) للأب في قتل ولده، وعلى شريك الحر والمسلم؛ لأنه شارك في القتل العمد العدوان، وإنما امتنع القصاص عن الأب، والحر، والمسلم، لمعنى يختص بهم، لا لقصور في السبب؛ بخلاف ما لو اشترك خاطئ وعامد، أو مكلَّف وغيره، أو ولي قصاص، وأجنبي، أو مكلَّف وسبع، أو مقتول في قتل نفسه: فلا قصاص (فإن عدل) ولي القصاص (إلى طلب المال) من شريك الأب ونحوه: (لزمه نصف الدية) كالشريك في إتلاف مال، وعلى شريك قن نصف قيمة المقتول (٢٧).
(٢٦) مسألة: إذا دفع زيد إلى عمرو غير المكلَّف آلة قتل - كسكين، أو سيف، أو خنجر ونحوها - ولم يأمر زيد عمرًا بأن يقتل بكرًا بذلك، ولكن عمرًا قتل بكرًا: فإن الدافع - وهو زيد - لا شيء عليه؛ للتلازم؛ حيث إن كون زيد ليس بآمر، ولا بمباشر، ولا بمكرِه، وكون آلة القتل يُنتفع بها في غير القتل يلزم منه: عدم وجوب شيء على زيد.
(٢٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في قتل بكر، وكان زيد لا يجب القَوَد والقصاص عليه؛ نظرًا لكونه والدًا لبكر، أو نظرًا لكونه حرًا وعمرو عبد وبكر عبد، أو نظرًا لكونه - أي: زيد - مسلمًا وعمرو كافر، وبكر كافر: فالقَوَد والقصاص يجب على عمرو فقط إن لم يعف ولي بكر، أما إن عفا ولي بكر: فعلى عمرو نصف الدية، أو نصف قيمة المقتول إن كان بكرًا عبدًا، وعلى زيد النصف الآخر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من امتناع القصاص عن الأب، والحر، والمسلم في هذه الصورة وشريكه قد قتل عمدًا عدوانًا: أن يكون القصاص على شريكه الآخر وهو عمرو؛ لمساواة عمرو مع المقتول في الرتبة من حيث الإسلام، والرق، وكون كل واحد منهما أجنبيًا عن الآخر، ويلزم من اشتراكهما في قتل =
стр. 2797
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بكر، وعفو الولي عن القصاص: أن يشتركا في الدية والقيمة كما لو اشتركا في إتلاف مال.
[فرع]: إذا اشترك خاطئ وعامد، أو مكلَّف، وغير مكلَّف، أو ولي قصاص وأجنبي، أو مكلَّف وسبع، أو حاول شخص لقتل نفسه فساعده آخر: فلا قصاص هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه قتل لم يتمحَّض عمدًا: فلم يلزم منه القصاص كقتل شبه العمد، ويلزم من مشاركته من لا قصاص عليه: عدم القصاص عليه هو.
هذه آخر مسائل: "حقيقة الجنايات والجراح، وأنواعها، وحكم القصاص من المشتركين في القتل، ومن المنفرد، أو المتسبِّب به" ويليه باب: "شروط وجوب القصاص".
стр. 2798
باب شروط وجوب القصاص
(وهي: أربعة) أحدها: (عصمة المقتول): بأن لا يكون مهدر الدم: (فلو قتل مسلم) حربيًا، أو نحوه (أو) قتل (ذمي) أو غيره (حربيًا، أو مرتدًا) أو زانيًا محصنًا، ولو قبل ثبوته عند حاكم: (لم يضمنه بقصاص، ولا دية) ولو أنه مثله (١)، الشرط
باب شروط وجوب القصاص
وفيه ثلاث عشرة مسألة:
(١) مسألة في الأول - من شروط وجوب القصاص والقَوَد - وهو: أن يكون المقتول معصوم الدم، فإن كان المقتول مهدر الدم: فلا قصاص ولا قود على قاتله: فمثلًا: لو قتل زيد المسلم، عمرًا الكافر الحربي، أو قتل زيد الكافر الذمي عمرًا الكافر الحربي، أو قتل زيد الذمي عمرًا المرتدّ عن الإسلام، أو قتل زيد المسلم عمرًا الزاني المحصن - وهو الذي زنا بعد نكاحه، أو بعد عقد نكاحه -: فلا شيء على زيد، أي: لا قصاص ولا دية ولا كفارة على زيد: سواء كان المقتول في مرتبته كأن يقتل زيد الزاني المحصن عمرًا الزاني المحصن قبل أن يحكم به الحاكم، أو قتل زيد المرتد عمرًا المرتد أو ليس بمرتبته؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن قاتل الخنزير لا شيء عليه، فكذلك قاتل الحربي، والمرتد، والزاني المحصن، والجامع: أن كلًا منهم مباح الدم، أو متحتم قتله، وصادف القتل محلَّه، ثانيهما: كما أن الحربي لا يضمنه المسلم إذا قتله، فكذلك لا يضمنه الذمي إذا قتله، والجامع: أنه مهدر الدم، فإن قلتَ: يجب على قاتل الزاني المحصن القصاص؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو قتل شخصًا آخر عليه القصاص: فإنه يقتل به؛ إذا كان القاتل غير مستحقه، فكذلك قاتل الزاني المحصن مثله، والجامع: أن هذا يُعتبر معتد؛ حيث إن ولي المقتول هو الذي يستحق أن يقتله، والإمام هو المستحق لقتل الزاني المحصن قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ =
стр. 2799
(الثاني: التكليف) بأن يكون القاتل بالغًا عاقلًا؛ لأن القصاص عقوبة مغلظة (فلا) يجب (قصاص على صغير و) لا (مجنون) أو معتوه؛ لأنه ليس لهم قصد صحيح (٢)،
= لأن قتل القاتل غير متحتم، فقد يعفو ولي المقتول، وهو مستحق عن طريق المعاوضة فاختص بمستحقه، أما من زنى وهو محصن فقتله متحتم لله تعالى، ولا يسقط بأي عفو، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسناه على الخنزير؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على ولي دم المقتول، وهو قياس: "غلبة الأشباه"، فإن قلتَ: لم اشتُرط هذا الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القصاص شُرع لحفظ الدماء المعصومة، التي لها قيمة، ومهدر الدم غير معصوم، ولا قيمة له، وفي ذلك دفع مفاسد الاعتداء عن المسلمين العاملين.
(٢) مسألة: في الثاني - من شروط وجوب القصاص والقَوَد - وهو: أن يكون القاتل مكلَّفًا - أي: يكون بالغًا عاقلًا -، فإن كان القاتل صغيرًا، أو مجنونًا، أو معتوهًا، أو زائل العقل بسبب يُعذر فيه كالنائم، والمغمى عليه: فلا قصاص عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "رُفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يبلغ" حيث دلَّ بمنطوقه على أن هؤلاء الثلاثة غير مكلَّفين، والمعتوه والمغمى عليه كالثلاثة في ذلك؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، وهو عام لجميع التكاليف الشرعية، ومنها: أنه لا يُقتص ممن قتل منهم، ودل بمفهوم الغاية على اشتراط التكليف - وهو: البلوغ والعقل والإدراك - الثانية: التلازم؛ حيث إن كون هؤلاء لا قصد لهم صحيح، والقصاص عقوبة مغلَّظة توقع على الفاعل يلزم منه: أن لا يُعاقب بها إلا المكلَّف المدرك لفعله، القاصد له، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المكلَّف هو الذي يصدر منه عادة القتل العمد العدوان، فمنعًا له، وردعًا لأمثاله اشتُرط ذلك؛ لحفظ المجتمع.
[فرع]: إذا قتل السكران: وجب عليه القصاص، وهو قول كثير من المحققين =
стр. 2800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= منهم أبو يعلى؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الصحابة أقاموا سكره مقام قذفه، فأوجبوا عليه حدّ القاذف؛ لقيام مظنته، وإذا وجب الحد، فالقصاص الخاص بحق الآدمي أولى بالإيجاب، والجامع: أن كلًا منهما حق لآدمي، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الشخص إذا لم يوجب عليه القصاص إذا قتل في حال سكره لأدَّى ذلك إلى أنه إذا أراد قتل أحد يشرب المسكر، ثم يقتل، ويفعل جميع المنكرات كالزنى، والسرقة، ونحوها، ثم يسلم من القصاص والعقاب، وهذا فيه مفاسد عظيمة، ويكون عصيانه سببًا لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة عنه، فدفعًا لذلك: أوجب عليه جميع ما يفعله أثناء سكره كما قلنا في وقوع طلاقه، فإن قلتَ: لا يجب عليه القصاص؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المجنون والصبي إذا قتلا عمدًا لا يجب عليهما القصاص، فكذلك السكران، والجامع: زوال العقل، أو قصوره عن إدراك حقائق الأمور، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الجنون والصبا آفة سماوية تقع للإنسان من غير إرادة منه واختيار، بخلاف السكران؛ حيث لم يسكر إلّا باختيار وإرادة منه، فهو مكتسب ويُجازى الإنسان بما اكتسبه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما سبق.
[فرع ثان]: إذا قتل شخص شخصًا آخر، وادَّعى القاتل: أنه صغير، أو مجنون، أو معتوه في حال قتله، وكذَّبه ولي المقتول أو قال ولي المقتول: كنت سكرانًا لما قتلت، فقال القاتل: كنت مجنونًا ولا بيِّنة، فإنه يقبل قول القاتل مع يمينه بشرط: أن يكون القاتل ممكن أن يكون صغيرًا، أو مجنونًا: بأن عمره أثناء القتل ممكن أن يكون صغيرًا، وقد اعتراه حال جنون قبل قتله؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلم الصدق، وبراءة ذمته من القصاص، فيستصحب ذلك ويُعمل به حتى يرد ما يُغيِّره، أما إن لم يمكن أن يكون القاتل =
стр. 2801
الشرط (الثالث: المكافأة) بين المقتول، وقاتله حال جنايته: (بأن يساويه) القاتل (في الدِّين، والحرية، والرِّق) يعني: بأن لا يفضل القاتل المقتول بإسلام، أو حرية، أو ملك (٣): (فلا يقتل مسلم) حر أو عبد (بكافر) كتابي، أو مجوسي: ذمي، أو معاهد؛ لقوله ﵇: "ولا يقتل مسلم بكافر" رواه البخاري، وأبو داود (٤) (ولا) يقتل
= صغيرًا، ولم ترد عليه حالة جنون قبل القتل: فيُقبل قول ولي المجنى عليه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلم السلامة من ذلك، فيستصحب ويعمل به حتى يرد ما يُغيِّره.
(٣) مسألة: في الثالث - من شروط وجوب القصاص والقَوَد - وهو: أن يكون القاتل والمقتول متكافئين ومتساويين وقت القتل في الدِّين، والحرية، والرق: بأن لا يكون القاتل يفضل المقتول بإسلام، أو حرية، أو ملك: كأن يكون القاتل مالكًا للمقتول؛ للتلازم؛ حيث إن القصاص مبني على تطبيق العدل والإنصاف، وإرجاع الحق لأهله، فإذا كان المقتول أقلّ من القاتل في تلك الأمور الثلاثة السابقة: ومع ذلك قتلنا القاتل: فإنه يلزم أن نكون قد ظلمنا القاتل؛ لأن المقتول قد أخذ - بسبب ذلك - أكثر من حقه، ويلزم من كون القصاص يجب من حال القتل: أن يحسب التكافؤ بين القاتل والمقتول من وقت القتل؛ لكونه وقت انعقاد السبب، فإن قلتَ: لمِ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط في الإنصاف؛ لئلا يُظلم أحد في ذلك.
(٤) مسألة: إذا قتل مسلم كافرًا: فإن المسلم لا يُقتل قصاصًا: سواء كان المسلم القاتل حرًا، أو عبدًا، وسواء كان الكافر المقتول كتابيًا، أو لا، وسواء كان ذميًا، أو معاهدًا، أو حربيًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يُقتل مسلم بكافر" وهذا يشمل المسلم القاتل الحر، والعبد، ويشمل الكافر المقتول: الحر والعبد، والحربي، والذمي والمعاهد؛ لأن "مسلم" و "كافر" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون =
стр. 2802
(حر بعبد)؛ لحديث أحمد عن علي: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد"، وروى الدارقطني عن ابن عباس يرفعه: "لا يقتل حر بعبد" (٥)، وكذا: لا يُقتل حر
= الكافر قد انتقص بالكفر، عدم قتل المسلم بالكافر؛ لأنه لا يساويه في الرتبة، فإن قلتَ: بل يُقتل المسلم إذا قتل ذميًا؛ وهو قول جمهور الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ حيث إن هذا عام للمسلم والكافر، فتقتل أيُّ نفس قتلت نفسًا أخرى: سواء كانت النفس القاتلة مسلمة، أو لا، وسواء كانت النفس المقتولة مسلمة أو لا. الثانية: السنة الفعلية والقولية؛ حيث أقاد النبي ﷺ مسلمًا بذمي وقال: "أنا أحق من وفَّى بذمته" قلتُ: أما الآية: فهي عامة، قد خُصِّصت بحديث: "لا يُقتل مسلم بكافر"، من باب تخصيص الكتاب بالسنة، وأما الحديث الذي احتجوا به فهو، ضعيف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة" وأيضًا: "الاختلاف في ضعف الحديث الذي احتجوا به" فإن قلتَ: لِمَ لا يقتل المسلم بالكافر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعلاء للمسلمين.
(٥) مسألة: إذا قتل حر عبدًا: فإن الحر لا يقتل قصاصًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يُقتل حر بعبد" وهو صريح في النهي عنه؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الأب لو قتل ابنه: فإن الأب لا يقتل به فكذلك الحر لو قتل العبد مثله، والجامع: أن كلًا الابن والعبد منقوص بالبنوة والرق، فلا يساوي الابن أباه، ولا يساوي العبد الحر، الثالثة قول الصحابي وفعله؛ حيث إن أبا بكر وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير لا يقتلون الحر بالعبد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على ترك الرق، وتحرير العبيد. فإن قلتَ: يقتل الحر إذا قتل عبدًا، وهو قول جمهور الحنفية؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ والعبد نفس، فيُقتل من قتله وإن كان حرًا، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المسلمون تتكافأ =
стр. 2803
بمبعَّض (٦)، ولا مكاتب بقنِّه؛ لأنه مالك لرقبته (٧) (وعكسه): بأن قتل كافر مسلمًا،
= دماؤهم" فلم يفرق بين العبد والحر في ذلك، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الحر إذا قتل حرًا: فإنه يُقتل به، فكذلك إذا قتل عبدًا: فإنه يقتل به، والجامع: أن كلًا منهما دمه معصوم قلتُ: أما الآية: فهي عامة، وخصَّت بحديث: "لا يُقتل حر بعبد" من باب: تخصيص الكتاب بالسنة، وأما الحديث فهو عام، ولكنه مخصوص بما جاء في آخره؛ حيث قال ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر" من باب ذكر الخاص بعد العام، وأما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع النص، ثم إنه منقوض بكون الأب لا يُقتل إذا قتل ابنه مع أنهما يشتركان بكون كل واحد آدمي معصوم الدم. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة" وأيضًا: "تعارض القياس مع النص".
(٦) مسألة إذا قتل حر، مبعَّضًا - وهو من كان بعضه حرًا، وبعضه الآخر عبدًا -: فإن الحر لا يُقتل به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القاتل قد فضل وزاد في حريته: عدم قتله إذا قتل من هو أقل منه حرية؛ تطبيقًا للعدالة.
(٧) مسألة: إذا قتل مكاتِب - وهو من اشترى نفسه من سيده على أقساط يُسددها فيما بعد - قنًّا له: فإن هذا المكاتِب لا يقتل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر لا يُقتل بعبده، فكذلك المكاتِب لا يُقتل إذا قتل قنًا له، والجامع: أن كلًا من المكاتب، والحر قد فضلا على القن ويملكانه.
[فرع]: إذا قتل مكاتِب قنَّ غيره: فإنه يُقتل به: سواء قد أدَّى من كتابته شيئًا أو لا، وسواء ملك ما يؤدي أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ والمكاتب عبد فيدخل ضمن عموم ذلك، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم".
стр. 2804
أو قنٌّ، أو مبعَّض حرًا (يُقتل) (٨) القاتل، ويقتل القنُّ بالقنِّ، وإن اختلفت قيمتهما، كما يؤخذ الجميل بالذميم، والشريف بضده (٩) (ويُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر) والمكلَّف بغير المكلَّف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١٠)، الشرط (الرابع: عدم الولادة): بأن لا يكون المقتول ولدًا للقاتل،
(٨) مسألة: إذا قتل كافر مسلمًا، أو قتل عبد، أو مبعَّض حرًا: فإن الكافر يُقتل بالكافر والعبد والمبعض يُقتل بالحر؛ القاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن يهوديًا رضّ رأس جارية من الأنصار على أوضاح لها: فقتل النبي ﷺ ذلك اليهودي: بأن رضّ رأسه بين حجرين. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه إذا قتل الكافر بالكافر، والعبد بالعبد: فإنه يقتل الكافر بمن هو فوقه - وهو المسلم - ويقتل العبد بمن هو فوقه - وهو الحر - من باب أولى.
(٩) مسألة إذا قتل عبد عبدًا آخر: فإن القاتل يقتل: سواء تساوت قيمتهما، أو تفاوتت؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وهذا عام؛ لأن "العبد" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل كل عبد سواء كانت قيمتهما متساويتين، أو كان المقتول، أقل قيمة، والقاتل أكثر، الثانية: كما أنه لو قتل شريف أو عالم أو جميل وضيعًا، أو جاهلًا، أو قبيحًا أو دميمًا: فإن القاتل يُقتل، فكذلك يقتل العبد الأكثر قيمة إذا قتل عبدًا أقلّ قيمة والجامع: أنه ليس لهذا الاختلاف أثر في إقامة العقوبة أو عدمها هنا.
(١٠) مسألة: إذا قتل ذكر أنثى أو خنثى: فإن هذا الذكر يُقتل، وإذا قتلت الأنثى أو الخنثى ذكرًا: فإن هذه الأنثى تُقتل، ويُقتل الخنثى إذا قتل ذكرًا، أو أنثى، وإذا قتل مكلَّف - بالغ عاقل - غير مكلف - صبي أو مجنون -: فإن هذا المكلف يُقتل، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقال: ﴿والحر بالحر﴾ حيث إن ذلك عام وشامل للقاتلين والمقتولين بصرف النظر عن الذكورية، أو الأنوثة، أو الخناثة، أو التكليف بالنسبة للقاتل. الثانية: السنة =
стр. 2805
وإن سفل، ولابنته وإن سقطت: (فلا يُقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل)؛ لقوله ﵊: (لا يقتل والد بولده) قال ابن عبد البر: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم (١١) (ويُقتل الولد بكل
= الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد قتل يهوديًا قد قتل جارية من الأنصار الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الذكرين إذا قتل أحدهما الآخر: فإن القاتل يقتل، فكذلك الذكر إذا قتل امرأة: فإنه يقتل بها، والجامع: أن كلًا منهما يحد إذا قذف صاحبه، ومثله القتل والقصاص، فإن قلتَ: يقتل الرجل بالمرأة، ويُعطى أولياء الرجل نصف الدية؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت عن علي ذلك قلتُ: عنه جوابان: أولهما: أنه مخالف للكتاب، والسنة والقياس، وهذه الأدلة أقوى بلا شك من قول الصحابي، فتقدَّم عليه، ثانيهما: أنا لا نسلِّم وجوب شيء مع القصاص، إذ لا شيء بعد القصاص، وكون القاتل رجلًا، فيُقتل وهو بدل عن امرأة لا عبرة به في القصاص يؤيده أن الجماعة يُقتلون بالواحد، وأن العبد يقتل بالعبد وإن اختلفت قيمتهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع الكتاب، والسنة، والقياس".
(١١) مسألة في الرابع - من شروط وجوب القصاص والقَوَد - وهو: أن لا يكون المقتول ولدًا للقاتل، فلو قتل أب ابنه، أو ابنته: فلا يقتل الأب، وكذا: لو قتلت أم ابنها، أو ابنتها: فلا تقتل الأم سواء اتفقا في الدين، أو في الحرية، أو لا، فلو قتل كافر ولده المسلم، أو قتل المسلم أباه الكافر، أو قتل العبد ولده الحر، أو قتل الحر ولده العبد: فلا قصاص بينهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ "لا يُقتل والد بولده" وهذا عام للأب والأم الحر والعبد، والكافر والمسلم، وقال: "أنت ومالك لأبيك" وهذا فيه نوع تمليك الولد لوالده، وهذه شبهة تدرأ القصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الوالد سببًا لإيجاد الولد: أن لا يكون الولد سببًا لإعدام =
следующие страницы →