Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
الشرط (الثالث: المكافأة) بين المقتول، وقاتله حال جنايته: (بأن يساويه) القاتل (في الدِّين، والحرية، والرِّق) يعني: بأن لا يفضل القاتل المقتول بإسلام، أو حرية، أو ملك (٣): (فلا يقتل مسلم) حر أو عبد (بكافر) كتابي، أو مجوسي: ذمي، أو معاهد؛ لقوله ﵇: "ولا يقتل مسلم بكافر" رواه البخاري، وأبو داود (٤) (ولا) يقتل
= صغيرًا، ولم ترد عليه حالة جنون قبل القتل: فيُقبل قول ولي المجنى عليه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلم السلامة من ذلك، فيستصحب ويعمل به حتى يرد ما يُغيِّره.
(٣) مسألة: في الثالث - من شروط وجوب القصاص والقَوَد - وهو: أن يكون القاتل والمقتول متكافئين ومتساويين وقت القتل في الدِّين، والحرية، والرق: بأن لا يكون القاتل يفضل المقتول بإسلام، أو حرية، أو ملك: كأن يكون القاتل مالكًا للمقتول؛ للتلازم؛ حيث إن القصاص مبني على تطبيق العدل والإنصاف، وإرجاع الحق لأهله، فإذا كان المقتول أقلّ من القاتل في تلك الأمور الثلاثة السابقة: ومع ذلك قتلنا القاتل: فإنه يلزم أن نكون قد ظلمنا القاتل؛ لأن المقتول قد أخذ - بسبب ذلك - أكثر من حقه، ويلزم من كون القصاص يجب من حال القتل: أن يحسب التكافؤ بين القاتل والمقتول من وقت القتل؛ لكونه وقت انعقاد السبب، فإن قلتَ: لمِ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط في الإنصاف؛ لئلا يُظلم أحد في ذلك.
(٤) مسألة: إذا قتل مسلم كافرًا: فإن المسلم لا يُقتل قصاصًا: سواء كان المسلم القاتل حرًا، أو عبدًا، وسواء كان الكافر المقتول كتابيًا، أو لا، وسواء كان ذميًا، أو معاهدًا، أو حربيًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يُقتل مسلم بكافر" وهذا يشمل المسلم القاتل الحر، والعبد، ويشمل الكافر المقتول: الحر والعبد، والحربي، والذمي والمعاهد؛ لأن "مسلم" و "كافر" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون =
стр. 2802
(حر بعبد)؛ لحديث أحمد عن علي: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد"، وروى الدارقطني عن ابن عباس يرفعه: "لا يقتل حر بعبد" (٥)، وكذا: لا يُقتل حر
= الكافر قد انتقص بالكفر، عدم قتل المسلم بالكافر؛ لأنه لا يساويه في الرتبة، فإن قلتَ: بل يُقتل المسلم إذا قتل ذميًا؛ وهو قول جمهور الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ حيث إن هذا عام للمسلم والكافر، فتقتل أيُّ نفس قتلت نفسًا أخرى: سواء كانت النفس القاتلة مسلمة، أو لا، وسواء كانت النفس المقتولة مسلمة أو لا. الثانية: السنة الفعلية والقولية؛ حيث أقاد النبي ﷺ مسلمًا بذمي وقال: "أنا أحق من وفَّى بذمته" قلتُ: أما الآية: فهي عامة، قد خُصِّصت بحديث: "لا يُقتل مسلم بكافر"، من باب تخصيص الكتاب بالسنة، وأما الحديث الذي احتجوا به فهو، ضعيف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة" وأيضًا: "الاختلاف في ضعف الحديث الذي احتجوا به" فإن قلتَ: لِمَ لا يقتل المسلم بالكافر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعلاء للمسلمين.
(٥) مسألة: إذا قتل حر عبدًا: فإن الحر لا يقتل قصاصًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يُقتل حر بعبد" وهو صريح في النهي عنه؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الأب لو قتل ابنه: فإن الأب لا يقتل به فكذلك الحر لو قتل العبد مثله، والجامع: أن كلًا الابن والعبد منقوص بالبنوة والرق، فلا يساوي الابن أباه، ولا يساوي العبد الحر، الثالثة قول الصحابي وفعله؛ حيث إن أبا بكر وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير لا يقتلون الحر بالعبد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على ترك الرق، وتحرير العبيد. فإن قلتَ: يقتل الحر إذا قتل عبدًا، وهو قول جمهور الحنفية؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ والعبد نفس، فيُقتل من قتله وإن كان حرًا، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المسلمون تتكافأ =
стр. 2803
بمبعَّض (٦)، ولا مكاتب بقنِّه؛ لأنه مالك لرقبته (٧) (وعكسه): بأن قتل كافر مسلمًا،
= دماؤهم" فلم يفرق بين العبد والحر في ذلك، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الحر إذا قتل حرًا: فإنه يُقتل به، فكذلك إذا قتل عبدًا: فإنه يقتل به، والجامع: أن كلًا منهما دمه معصوم قلتُ: أما الآية: فهي عامة، وخصَّت بحديث: "لا يُقتل حر بعبد" من باب: تخصيص الكتاب بالسنة، وأما الحديث فهو عام، ولكنه مخصوص بما جاء في آخره؛ حيث قال ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر" من باب ذكر الخاص بعد العام، وأما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع النص، ثم إنه منقوض بكون الأب لا يُقتل إذا قتل ابنه مع أنهما يشتركان بكون كل واحد آدمي معصوم الدم. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة" وأيضًا: "تعارض القياس مع النص".
(٦) مسألة إذا قتل حر، مبعَّضًا - وهو من كان بعضه حرًا، وبعضه الآخر عبدًا -: فإن الحر لا يُقتل به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القاتل قد فضل وزاد في حريته: عدم قتله إذا قتل من هو أقل منه حرية؛ تطبيقًا للعدالة.
(٧) مسألة: إذا قتل مكاتِب - وهو من اشترى نفسه من سيده على أقساط يُسددها فيما بعد - قنًّا له: فإن هذا المكاتِب لا يقتل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر لا يُقتل بعبده، فكذلك المكاتِب لا يُقتل إذا قتل قنًا له، والجامع: أن كلًا من المكاتب، والحر قد فضلا على القن ويملكانه.
[فرع]: إذا قتل مكاتِب قنَّ غيره: فإنه يُقتل به: سواء قد أدَّى من كتابته شيئًا أو لا، وسواء ملك ما يؤدي أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ والمكاتب عبد فيدخل ضمن عموم ذلك، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم".
стр. 2804
أو قنٌّ، أو مبعَّض حرًا (يُقتل) (٨) القاتل، ويقتل القنُّ بالقنِّ، وإن اختلفت قيمتهما، كما يؤخذ الجميل بالذميم، والشريف بضده (٩) (ويُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر) والمكلَّف بغير المكلَّف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١٠)، الشرط (الرابع: عدم الولادة): بأن لا يكون المقتول ولدًا للقاتل،
(٨) مسألة: إذا قتل كافر مسلمًا، أو قتل عبد، أو مبعَّض حرًا: فإن الكافر يُقتل بالكافر والعبد والمبعض يُقتل بالحر؛ القاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن يهوديًا رضّ رأس جارية من الأنصار على أوضاح لها: فقتل النبي ﷺ ذلك اليهودي: بأن رضّ رأسه بين حجرين. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه إذا قتل الكافر بالكافر، والعبد بالعبد: فإنه يقتل الكافر بمن هو فوقه - وهو المسلم - ويقتل العبد بمن هو فوقه - وهو الحر - من باب أولى.
(٩) مسألة إذا قتل عبد عبدًا آخر: فإن القاتل يقتل: سواء تساوت قيمتهما، أو تفاوتت؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وهذا عام؛ لأن "العبد" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل كل عبد سواء كانت قيمتهما متساويتين، أو كان المقتول، أقل قيمة، والقاتل أكثر، الثانية: كما أنه لو قتل شريف أو عالم أو جميل وضيعًا، أو جاهلًا، أو قبيحًا أو دميمًا: فإن القاتل يُقتل، فكذلك يقتل العبد الأكثر قيمة إذا قتل عبدًا أقلّ قيمة والجامع: أنه ليس لهذا الاختلاف أثر في إقامة العقوبة أو عدمها هنا.
(١٠) مسألة: إذا قتل ذكر أنثى أو خنثى: فإن هذا الذكر يُقتل، وإذا قتلت الأنثى أو الخنثى ذكرًا: فإن هذه الأنثى تُقتل، ويُقتل الخنثى إذا قتل ذكرًا، أو أنثى، وإذا قتل مكلَّف - بالغ عاقل - غير مكلف - صبي أو مجنون -: فإن هذا المكلف يُقتل، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقال: ﴿والحر بالحر﴾ حيث إن ذلك عام وشامل للقاتلين والمقتولين بصرف النظر عن الذكورية، أو الأنوثة، أو الخناثة، أو التكليف بالنسبة للقاتل. الثانية: السنة =
стр. 2805
وإن سفل، ولابنته وإن سقطت: (فلا يُقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل)؛ لقوله ﵊: (لا يقتل والد بولده) قال ابن عبد البر: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم (١١) (ويُقتل الولد بكل
= الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد قتل يهوديًا قد قتل جارية من الأنصار الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الذكرين إذا قتل أحدهما الآخر: فإن القاتل يقتل، فكذلك الذكر إذا قتل امرأة: فإنه يقتل بها، والجامع: أن كلًا منهما يحد إذا قذف صاحبه، ومثله القتل والقصاص، فإن قلتَ: يقتل الرجل بالمرأة، ويُعطى أولياء الرجل نصف الدية؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت عن علي ذلك قلتُ: عنه جوابان: أولهما: أنه مخالف للكتاب، والسنة والقياس، وهذه الأدلة أقوى بلا شك من قول الصحابي، فتقدَّم عليه، ثانيهما: أنا لا نسلِّم وجوب شيء مع القصاص، إذ لا شيء بعد القصاص، وكون القاتل رجلًا، فيُقتل وهو بدل عن امرأة لا عبرة به في القصاص يؤيده أن الجماعة يُقتلون بالواحد، وأن العبد يقتل بالعبد وإن اختلفت قيمتهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع الكتاب، والسنة، والقياس".
(١١) مسألة في الرابع - من شروط وجوب القصاص والقَوَد - وهو: أن لا يكون المقتول ولدًا للقاتل، فلو قتل أب ابنه، أو ابنته: فلا يقتل الأب، وكذا: لو قتلت أم ابنها، أو ابنتها: فلا تقتل الأم سواء اتفقا في الدين، أو في الحرية، أو لا، فلو قتل كافر ولده المسلم، أو قتل المسلم أباه الكافر، أو قتل العبد ولده الحر، أو قتل الحر ولده العبد: فلا قصاص بينهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ "لا يُقتل والد بولده" وهذا عام للأب والأم الحر والعبد، والكافر والمسلم، وقال: "أنت ومالك لأبيك" وهذا فيه نوع تمليك الولد لوالده، وهذه شبهة تدرأ القصاص؛ لأنه يدرأ بالشبهات، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الوالد سببًا لإيجاد الولد: أن لا يكون الولد سببًا لإعدام =
стр. 2806
منهما) أي: من الأبوين وإن علوا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي
= الوالد، ويلزم من شرف الأبوة: انتفاء القصاص، وهذا الشرف موجود ولو كان الولد والوالد مختلفين في الدين والرق والحرية.
[فرع]: إذا قتل الجد ولد ولده أو ولد بنته، أو قتلت الجدة ولد ولدها، أو ولد بنتها: فإن الجد والجدة يقتلان؛ للسنة القولية: السابقة الذكر في مسألة (١١) والمقصود بالوالد والوالدة هما: الوالدان المباشران، والمقصود بالأب - في الحديث الآخر - الأب المباشر - فلا يدخل الجد والجدة هنا ودخولهما بعيد جدًّا كما قال ابن تيمية، فإن قلتَ: إن الجد والجدة إذا قتلا أولاد أولادهما: لا يقتلان وهو قول المصنف هنا؛ للسنة القولية: وهي المذكورة في مسألة (١١)؛ لأن الجد والجدة والدان فيدخلان في عموم النص، قلتُ: إن المتبادر إلى الأذهان من ذكر: "الوالد" هو الأب المباشر، والأم المباشرة، دون الجد والجدة؛ حيث لا يدخلان إلّا بقرينة، يؤيده: أنهما غير الأبوين في الميراث، وغيرهما في ولاية النكاح ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الاختلاف في لفظ "والد" الوارد في الحديث هل يدخل فيه الجد والجدة حقيقة أو مجازًا؟ فعندنا: مجازًا، وعندهم: حقيقة، فإن قلتَ: إن الأم إذا قتلت ولدها: فإنها تقتل به؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأخ إذا قتل أخاه يقتل به، فكذلك الأم إذا قتلت ولدها تقتل به، والجامع: عدم الولاية على المقتول في كل قلتُ: إن الأم كالأب في ذلك؛ لكونها أحد الأبوين، ولكونها أولى بالبر فكانت أولى في سقوط القصاص عنها إذا قتلت ولدها، والولاية لا تُعتبر في القصاص بدليل: أن الأب إذا قتل ولده الكبير: فإن الأب لا يُقتل به، وإن كان لا ولاية له على هذا الولد الكبير فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياس مع النص".
стр. 2807
الْقَتْلَى﴾، وخُصَّ منه ما تقدَّم بالنص (١٢)، ومتى ورث قاتل، أو ولده بعض دمه: فلا قود، فلو قتل أخا زوجته، فورثته، ثم ماتت فورثها القاتل، أو ولده: فلا قصاص؛ لأنه لا يتبعَّض (١٣).
(١٢) مسألة: إذا قتل شخص أباه، أو أمه: فإن هذا الشخص يُقتل به؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ حيث إن هذا عام: في أن من قتل غيره عمدًا عدوانًا: فإنه يُقتل القاتل وخص الوالد: فلا يقتل بولده بالسنة التي ستأتي، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يُقتل والد بولده" وهذا خاص، قد خصَّص عموم الآية السابقة، من باب: "تخصيص الكتاب بالسنة"، ودلّ مفهوم الصفة: على أن الولد يقتل إذا قتل والده: من أب أو أم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن حرمة الوالد على الولد آكد فإن قلتَ: لا يقتل الولد إذا قتل أباه، أو أمه، وهذا رواية عن: أحمد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوالد لا يُقتل إذا قتل ولده فكذلك الولد لا يُقتل إذا قتل والده والجامع: أن كلًا منهما لا تقبل شهادة الآخر له بحق النسب قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الابن مضاف إلى أبيه بلام التمليك في قوله ﵇: "أنت ومالك لأبيك"، دون العكس وهذا فيه شبه تملك الوالد لولده دون العكس، ثم إن الوالد أعظم حرمة وحقًا من الأجنبي، فإذا قتُل الولد بالأجنبي فلأن يُقتل إذا قتل والده من باب أولى، فإن قلتَ: ماسبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص" وأيضًا: "تعارض القياسين" كما سبق بيان ذلك.
(١٣) مسألة: إذا قتل زيد عمرًا، ثم ورث ولد زيد القصاص، أو شيئًا منه، أو ورث القاتل - وهو زيد - شيئًا من دمه: فإن القصاص يسقط عن زيد، فمثلًا لو قتل زيد زوجته، أو قتلته زوجته ولهما ولد: فإن القصاص يسقط عن القاتل منهما، وكذا: لو قتل زيد أخًا لزوجته فورثته، ثم ماتت، فورثها ولدها - الذي هو ولد =
стр. 2808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= زيد - أو ورثها زيد القاتل: فإن القصاص يسقط عن زيد أيضًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب القصاص: أن يجب لولد زيد، ولا يجب للولد قصاص على أبيه: سواء كان هذا الولد هو الوارث الوحيد للمقتول، أو معه غيره من الورثة؛ للتلازم؛ حيث اشترك ذلك الولد في ميراث القصاص، وإذا أسقط بعض ورثة المقتول القصاص: سقط جميعه؛ لأن القصاص لا يتبعَّض فيكون شبيهًا بما لو عفا أحد الشريكين.
وكذا: لو قتلت زوجة أخًا لزوجها، ولها ولد من أخيه المقتول: فالحكم فيها كما قلنا في المسألة، والأمثلة على ذلك كثيرة.
هذه آخر مسائل باب "شروط وجوب القصاص"، ويليه باب: "استيفاء القصاص".
стр. 2809
باب استيفاء القصاص
وهو: فعل مجني عليه، أو فعل وليه بجان مثل ما فعله أو شبهه (يُشترط له) أي: استيفاء القصاص (ثلاثة شروط (١): أحدها: كون مستحقه مكلَّفًا) أي: بالغًا عاقلًا، (فإن كان) مستحق القصاص، أو بعض مستحقه (صبيًا، أو مجنونًا: لم يستوفه) لهما أب، ولا وصي، ولا حاكم؛ لأن القصاص ثبت لما فيه من التشفِّي، والانتقام، ولا يحصل ذلك لمستحقه باستيفاء غيره (وحبس الجاني) مع صغر مستحقه
باب استيفاء القصاص
وفيه سبع عشرة مسألة:
(١) مسألة: المراد بـ "استيفاء القصاص": أن يفعل المجني عليه مثل ما فعله الجاني به أو شبهه - إن كانت الجناية على ما دون النفس كقطع بيد أو رجل أو قلع عين ونحوها -، أو يفعل ولي المقتول مثل ما فعله الجاني أو شبهه بالمقتول - إن كانت الجناية على النفس -، فمثلًا: لو كان القاتل: قد قطع أطراف شخص قبل قتله: فإن ولي هذا الشخص المقتول يقطع أطراف هذا القاتل، ثم يقتله تمامًا كما فعل بالمقتول - وسيأتي بيانه - فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أولياء المقتول يجدون في أنفسهم ذلَّة بسبب قتل ذلك الشخص لصاحبهم، وعدوانه عليه، وهذا في العادة والعرف، ويجدون غيظًا، فشرع لهم الاستيفاء للقصاص من قاتل صاحبهم بالطريقة التي أذاق بها صاحبهم؛ لإعادة مكانتهم، وإعزازهم، ولدرك الغيظ الذي وجدوه، وهذا قد لا يحس به إلا من مرَّ عليه، وذاق أنواعًا من الظلم، ولا يكفي في ذلك أخذ الدية عند أكثرهم، وهذا فيه مصالح عظيمة، ودفع لمفاسد لا تحصى، إذ سيمتنع كل من حدَّثته نفسه أن يقتل أحدًا، أو يعتدي على أحد، ومن تمام محاسن الشريعة: أنها لم تطلق استيفاء القصاص، بل قيّدته بشروط سيأتي ذكرها؛ لئلا يُظلم الجاني أيضًا.
стр. 2810
(إلى) البلوغ و) مع جنونه إلى (الإفاقة)؛ لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة فلم يُنكر (٢)، وإن احتاجا لنفقة:
(٢) مسألة: في الأول - من شروط استيفاء القصاص - وهو: أن يكون مستحق القصاص مكلفًا - وهو ولي المجني عليه - فإن كان صبيًا، أو مجنونًا: فإن القاتل يُحبس حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون ويقدم الغائب، هذا إذا كان الولي واحدًا وأما إن كان أولياء المجني عليه أكثر من واحد: فإن اتّفق المكلَّفون منهم على القصاص فإنه يُحبس أيضًا حتى يبلغ الصبي منهم والمجنون ولا يستوفي القصاص عنهما أبوهما، ولا وصيهما، ولا الحاكم، وإن أسقط واحد من المكلَّفين حقَّه من القصاص: فإن القصاص يسقط عن القاتل، وحينئذٍ لا يُحبس، وتجب الدية؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث إن غير المكلَّف ليس أهلًا للتصرُّف في شيء ولا يدرك حقائق الأمور وقد لا يحس بالتشفّي والانتقام: فيلزم عدم استحقاقه لاستيفاء القصاص، وهو في حالة الصبا والجنون، ويلزم من كون القصاص قد شرع للتشفي والانتقام: أن لا يقوم به أب المستحق، أو وليه، أو وصيه، أو الحاكم؛ لأن هذا التشفّي والانتقام لا يحصل إلا لمستحقه الخاص؛ لكونه يحسُّ به حقيقة، ويلزم من إسقاط بعض المكلَّفين لحقه من القصاص: سقوط القصاص كله؛ لأن القصاص لا يتبعَّض، ويلزم أيضًا منه: عدم سجنه، وتستقر عليه الدية إن طالب بها أولياء المقتول، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن معاوية قد حبس هدبة بن خشرم في قصاص، حتى بلغ ابن القتيل، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن القاتل لو لم يُحبس لهرب وضاع الحق، فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: إن والد الصبي، أو المجنون يستوفي عنهما القصاص، وهو قول أبي حنيفة، ومالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن للأب أخذ الدية عنهما فكذلك استيفاء القصاص عنهما والجامع: أن كلًا من القصاص، والدية أحد بدلي النفس قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الدية يحصل الغرض باستيفاء الأب لها، بخلاف القصاص فلا =
стр. 2811
فلولي مجنون فقط العفو إلى الدية (٣) الشرط (الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه) أي: في القصاص (على استيفائه، وليس لبعضهم أن ينفرد به)؛ لأنه يكون مستوفيًا لحق غيره بغير إذنه، ولا ولاية له عليه، (وإن كان من بقي) من الشركاء فيه (غائبًا، أو صغيرًا، أو مجنونًا: انتظر القدوم) للغائب (والبلوغ) للصغير (والعقل) للمجنون (٤)،
= يحصل الغرض من استيفائه إلا إذا قام به مستحقه الحقيقي لأنه للتشفِّي، والانتقام، وهذا لا يحس به إلا مستحقه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم والمصلحة".
[فرع]: لا يصح أن يُقيم القاتل كفيلًا ضامنًا له ليُخلى سبيله؛ للتلازم؛ حيث إن الكفالة والضمان لا تكون في القصاص؛ لأنه لا يمكن استيفاء القصاص من غير القاتل.
(٣) مسألة: يُباح لولي المجنون أن يعفو عن القصاص بدلًا عنه، ويأخذ الدية في حالة واحدة وهي: إذا كان ذلك المجنون المستحق للقصاص فقيرًا؛ للتلازم؛ حيث إن المجنون ليس له وقت ينتظر فإذا جاء أفاق فيه، ورجع إلى عقله، فلزم ما ذكر.
[فرع]: إذا كان الصبي المستحق للقصاص فقيرًا: فليس لوليه أن يعفو عن القصاص، ويأخذ الدية؛ للتلازم؛ حيث إن الصبا مؤقت ينتهي ببلوغه: فيلزم عدم عفو الولي عن القصاص وأخذ الدية والإنفاق عليه، فإذا بلغ الصبي يُسدِّد ما عليه من النفقات.
(٤) مسألة في الثاني - من شروط استيفاء القصاص - وهو: أن يتّفق الأولياء المشتركين في القصاص وهم: المستحقون له - وهم ورثته: من النسب، والسبب: الرجال والنساء، الكبار والصغار - ولا يجوز لأي واحد منهم أو مجموعة منهم: أن يقوم باستيفاء القصاص دون البعض الآخر: فإن كان بعضهم غائبًا: انتظر حتى يعود، وإن كان صغيرًا: انتظر حتى يبلغ، وإن كان مجنونًا: انتظر حتى يعقل إن أمكن؛ للتلازم؛ حيث إن القصاص حق الجميع المشتركين في ميراث المقتول: فيلزم عدم =
стр. 2812
ومن مات قام وارثه مقامه (٥)، وإن انفرد به بعضهم: عُزِّر فقط (٦)، ولشريك في تركة جان حقه من الدية، ويرجع وارث جان على مقتص بما فوق حقه (٧)، وإن عفا
= جواز استيفائه من البعض دون البعض الآخر من غير إذنه، ولا تصح في الاستيفاء الولاية، ولا النيابة، ولا يحصل التشفّي للمستحق إذا قام به غيره.
(٥) مسألة: إذا قتل زيد عمرًا عمدًا عدوانًا، وكان المشتركون في القصاص ثلاثة - بكر، ومحمد، وزينب - وهم ورثة عمرو، ومات بكر: فإن ورثته - أي: ورثة بكر - يشتركون مع محمد، وزينب في استيفاء القصاص من زيد القاتل - بدلًا من مورِّثهم: بكر؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ورثة بكر يشتركون مع محمد وزينب في ميراث عمرو، فكذلك يشتركون معهما في استيفاء القصاص من زيد القاتل، والجامع: أن كلًا منهما حق يستحقه الوارث، فيجب أن يستوفيه، وهو من باب إعطاء كل ذي حق حقه، وهو المقصد منه.
(٦) مسألة: إذا انفرد باستيفاء القصاص واحد من المشتركين فيه: كأن يقتل محمد زيدًا؛ لكونه قد قتل عمرًا مورِّثه - كما سبق في مسألة (٥) -: فإن محمدًا لا يُقتل قصاصًا هنا؛ للتلازم؛ حيث إن محمدًا - وهو من المستحقين لاستيفاء القصاص من زيد - قتل نفسًا يستحق بعضها: فيلزم عدم وجوب قتله بتلك النفس - وهي: نفس زيد -، لأن النفس الكاملة - وهي نفس محمد هنا - لا تؤخذ ببعض النفس - وهي بعض نفس زيد -؛ لأن محمدًا قد استحق بعض نفس زيد؛ لأنه من ورثة عمرو المقتول.
(٧) مسألة: إذا انفرد باستيفاء القصاص واحد من المشتركين فيه بلا إذن بقية الورثة والمستحقين - كما فعل محمد بزيد وقتله؛ لكونه قتل عمرًا - كما سبق في مسألتي (٥ و ٦) -: فإن الذي لم يقتل من الأولياء - وهما بكر وزينب كما سبق في مسألة (٥) - يأخذ قسطه من الدِّية من وارث زيد القاتل الجاني - الذي قتله محمد - ويرجع وارث زيد - الجاني والقاتل - على المقتص - وهو محمد هنا - ويأخذ منه ما =
стр. 2813
بعضهم: سقط القَوَد (٨) الشرط (الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء: أن يتعدَّى الجاني)
= زاد على ما يستحقه: من دم الجاني، سواء كانت دية الجاني مثل دية المقتول، أو لا، أو أقل؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو مات الجاني - وهو القاتل وهو زيد هنا -: فإن لورثة المجني عليه قسطهم من الدية، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن حق كل منهم قد سقط بغير اختياره، فوجبت الدية؛ ضرورة.
(٨) مسألة: إذا عفا بعض المستحقين لاستيفاء القصاص - وهم ورثة المقتول -: فإن القصاص يسقط، سواء كان المسقط لحقه من القصاص ذكرًا، أو أنثى، كبيرًا، أو صغيرًا، فكل واحد منهم يصح عفوه ويسقط بذلك القصاص، ولا سبيل إلى القاتل - حينئذٍ -؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "فأهله بين خيرتين" وهذا عام في جميع أهل المقتول، والمرأة تعتبر من أهله، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن جميع الورثة - الكبار والصغار، الرجال والنساء - يرثون الدية، فكذلك يرثون القصاص، أي: كما أن لكل وارث حقه من ميراث الدية - لا يفرق بين الرجال والنساء - فكذلك لكل وارث حقه من القصاص، والجامع: أن كلًا منهما حق للوارث، الثالثة: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد أسقط القصاص عن رجل قد عفت امرأة عن حقها في استيفاء القصاص منه، فإن قلتَ: ليس للنساء عفو، فلو عفون عن القصاص، فلا يُنظر لذلك: سواء كُنّ وارثات أو لا، وهو قول الليث والأوزاعي، ومحكي عن مالك، للقياس؛ بيانه: كما أن ولاية النكاح يختص بالرجال والعصبات، فكذلك العفو يختص بالرجال، والجامع: أن كلًا منهما قد ثبت لدفع العار، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص - وهي السنة القولية السابقة - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص" و "تعارض القياسين".
[فرع]: إذا عفا بعض المستحقين لاستيفاء القصاص - وهم بعض الورثة - عن القاتل، ثم قتله البعض الآخر مع علمهم بذلك العفو، وسقوط القصاص =
стр. 2814
إلى غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٩) (فإذا وجب) القصاص (على) امرأة (حامل أو) امرأة (حائل فحملت: لم تقتل حتى تضع الولد، وتسقيه اللبأ)؛ لأن قتل الحامل يتعدَّى إلى الجنين، وقتلها قبل أن تسقيه اللبأ يضرُّه؛ لأنه في الغالب لا يعيش إلّا به (ثم) بعد سقيه اللبأ (إن وجد من يُرضعه): أعطي الولد لمن يرضعه، وقتلت؛ لأن غيرها يقوم مقامها في إرضاعه (وإلا) يوجد من يُرضعه: (تركت حتى تفطمه لحولين؛ لقوله ﵊: "إذا قتلت المرأة عمدًا: لم تقتل حتى تضع ما في
= بذلك: فإن هؤلاء القاتلين له: يجب عليهم القصاص والقود، سواء حكم به الحاكم، أو لا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كونهم قد قتلوا معصومًا مكافئًا لهم عمدًا عدوانًا مع علمهم بأنه لا حق لهم في قتله: وجوب القصاص على القاتل، فإن قلتَ: لا يجب القصاص على من قتله وهو قول للشافعي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع شبهة؛ نظرًا لوقوع الاختلاف فيه: عدم القصاص؛ لأن القصاص يُدرأ بالشبهات قلتُ: إن الاختلاف لا يسقط الحقوق كالقصاص، فمثلًا: لو قتل زيد مسلمًا قد قتل كافرًا: فإنّا نقتل زيدًا هذا وجود الاختلاف السابق في مسألة (٤) من باب: "شروط وجوب القصاص" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الاختلاف في حكم قصاص في شيء يُعتبر شبهة تدرأ القصاص؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(٩) مسألة: في الثالث - من شروط استيفاء القصاص - وهو: أن يُؤمن في استيفاء القصاص من شخص: عدم تعدِّي القصاص من الجاني إلى غيره إن كان القصاص بالنفس، أما إن كان القصاص في الأطراف يُشترط أن يؤمن: عدم تعدِّيه إلى طرف آخر غير المقتصّ منه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ حيث إن التعدِّي في القتل، أو في قطع طرف إسراف في القصاص، وهذا قد نهى عنه الشارع، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق للعدالة والإنصاف.
стр. 2815
بطنها إن كانت حاملًا، وحتى تكفل ولدها، وإذا زنت: لم ترجم حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا وحتى تكفل ولدها" رواه ابن ماجه (ولا يقتص منها) أي: من الحامل (في طرف) كاليد والرجل (حتى تضع) وإن لم تسقه اللبأ (والحد) بالرجم إذا زنت المحصنة الحامل، أو الحائل وحملت (في ذلك كالقصاص): فلا ترجم حتى تضع وتسقيه اللبأ، ويوجد من يرضعه، وإلا: فحتى تفطمه (١٠)، وتحد بجلد عند
(١٠) مسألة: إذا وجب القصاص على امرأة: سواء كان قصاصًا في نفس، أو قصاص في طرف كقطع يدها، أو رجلها، أو وجب الحد عليها بسبب سرقة، أو بسبب زناها وهي محصنة، وكانت هذه المرأة قد ثبت حملها: فإنها لا تقتل، ولا يقتص منها بما دون النفس إلا بعد أن تضع حملها، ثم تسقي مولودها اللبأ - وهو: أول اللبن بعد الولادة مباشرة - فإن وُجد من يرضعه عنها بعد ذلك: فإن المولود يُسلَّم لتلك المرضعة، ثم تقتل أمه، وإن لم يوجد من يرضعه: فإنها ترضعه حتى تفطمه بعد حولين، فإذا تمّ الحولان، فإنها تُقتل قصاصًا، أو حدًا، أو يقطع طرفها قصاصًا أو حدًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "إذا قتلت المرأة عمدًا: لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا، وحتى تكفل ولدها، وإذا زنت: لم ترجم حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا، وحتى تكفل ولدها، وهذا نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، ثانيهما: أنه ﵇ قال للغامدية المقرّة بالزنى: "ارجعي حتى تضعي ما في بطنك" لما ثم وضعته جاءت به فقال لها: "ارجعي حتى ترضعيه" ثم جاءت به وبيده خبزة يأكل منها، فأمر بها فرجمت، وما ذكر من قطع أطرافها قصاصًا أو حدًا مثل القتل والزنى: في أنه لا يُقام عليها القصاص والحدّ إلّا أن تضع ما في بطنها، وأن تفطمه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حرمان الطفل المولود من اللبأ، وعدم إيجاد من يرضعه: قد يضره: فدفعًا لذلك الضرر: أمر بإرضاعه.
تنبيه: قوله: "وإن لم تسقه اللَّبأ" في الاقتصاص منها بما دون النفس لم =
стр. 2816
الوضع (١١).
(فصل): (ولا يجوز أن (يستوفي قصاص إلا بحضرة سلطان، أو نائبه)؛ لافتقاره إلى اجتهاده، وخوف الحيف (١٢) (و) لا يستوفي إلّا بـ (آلة ماضية)، وعلى الإمام تفقُّد الآلة؛ ليمنع الاستيفاء بآلة كالَّة؛ لأنه إسراف في القتل (١٣)، وينظر في
= أجد دليلًا على ذلك، والصحيح: أن الحكم واحد - كما سبق بيانه.
(١١) مسألة: إذا وجب على المرأة حدٌّ فيه جلد حد القذف، فإنها لا تجلد وهي حامل، فإذا وضعت حملها: فإنها تجلد وإن كانت في حال إرضاعها لذلك المولود بشرط: عدم الإضرار بها وبولدها، للمصلحة: حيث إن جلدها بعد وضعها مباشرة غير مضرّ بها عادة، ويؤجَّل إن أضرَّ بها أو بولدها؛ دفعًا للضرر، أصله: قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقاعدة: "الضرر يزال".
(١٢) مسألة: يجب أن يستوفى القصاص من الجاني بحضرة إمام، أو نائبه؛ للتلازم؛ حيث إن افتقار وحاجة استيفاء القصاص إلى اجتهاد الإمام أو نائبه، والخوف من حيف وظلم المستحق للاستيفاء على الجاني يلزم منه: أن لا يُستوفى القصاص إلا بحضرته؛ ليمنع ما خالف الشرع في - وهو المقصد منه.
[فرع]: إذا استوفى مستحق القصاص بدون حضور الإمام أو نائبه: فإنه يصح، ويقع الموقع، ولكن يستحق هذا المستوفي التعزير والتوبيخ؛ للتلازم؛ حيث إن حضور الإمام أو نائبه فيه دفع مفسدة الجور أو الظلم: فيلزم تعزير المستوفي دونه؛ لافتياته بفعل ما منع فعله.
[فرع ثان]: يُستحب أن يحضر شاهدان استيفاء القصاص؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ضمان عدم جحد المجني عليه الاستيفاء.
(١٣) مسألة: يجب أن يستوفي ولي الدم القصاص بآلة ماضية قاتلة، وقاطعة بسرعة، ويجب على الإمام أو نائبه التأكّد من ذلك بنفسه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم =
стр. 2817
الولي، فإن كان يقدر على استيفائه ويحسنه: مكَّنه منه، وإلا: أمر أن يوكِّل (١٤)، وإن احتاج إلى أجرة: فمن مال جان (١٥) (ولا يستوفى) القصاص (في النفس إلّا
= فأحسنوا القِتْلة" والقتل بآلة ماضية وسريعة من الإحسان في القتل؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن الاستيفاء بآلة كالَّة لا تُميت سريعًا فيه إيذاء للمقتول وإسراف في القتل المنهي عنه، فمنعًا لذلك: وجب أن يُقتل بآلة ماضية، ووجب على الإمام أو نائبه أن يتأكد من ذلك بنفسه؛ تحقيقًا لذلك؛ لكونه قادرًا على منع الظلم.
[فرع]: إذا قتل المستحق لاستيفاء القصاص بآلة كالَّة: صح ذلك، ولكنه يُعزَّر؛ للمصلحة حيث فوَّت إراحة المقتول.
(١٤) مسألة: إذا كان الولي يقدر على استيفاء القصاص بنفسه، ويُحسن ذلك: فإنه يُمكَّن من ذلك، وإن لم يقدر على ذلك: فإنه يُجبر على توكيل آخر يقدر عليه، والعادة عند الحكام والولاة وجود أشخاص عندهم يقدرون على استيفاء القصاص عن غيرهم مستكملين لشروط الاستيفاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحق له: أن يستوفيه بنفسه إذا كان قادرًا على ذلك، ويلزم من عدم قدرته: توكيله من يحسنه؛ لقيام الوكيل مقام الموكِّل.
(١٥) مسألة: إذا كانت إقامة القصاص تحتاج إلى أجرة - كأجرة الذي يقطع الرقبة، أو حمل الجاني من مكان إلى مكان آخر ونحو ذلك -: فإن هذا كله يؤخذ من مال الجاني؛ للتلازم؛ حيث إن استيفاء القصاص شرع لأخذ الحق الذي عليه فيلزم أن تكون أجرة ذلك الاستيفاء لازمة له.
[فرع]: إذا وجد أولياء للمجني عليه - وهم ورثته -: فإنهم يوكِّلون أحدهم لاستيفاء القصاص من الجاني، فإن تشاحُّوا وأراد كل واحد منهم أن يستوفيه: فإنه يُقدَّم أكثرهم نصيبًا في إرث المجني عليه إذا كان قادرًا على ذلك، وإن تعذَّر ذلك: فيُقدَّم الأقدر عليه فإن كانوا سواء: أقرع؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من =
стр. 2818
بضرب العنق بسيف، ولو كان الجاني قتله بغيره)؛ لقوله ﵊: "لا قَوَد إلّا بالسيف" (١٦)، ولا يُستوفى من طرف إلا بسكين ونحوها؛ لئلا
= كون أحدهم أكثر إرثًا: أن يكون هو المقدَّم، ويلزم من كون أحدهم أقدر: أن يُقدَّم، نظرًا لكون الشارع قد قدم ذلك في الإمامة، ويلزم من تساويهم في ذلك: أن تستعمل القرعة؛ لكون الحقوق متساوية.
(١٦) مسألة: إذا أراد ولي الدم أن يستوفي القصاص: فإنه يفعل بالجانَي كما فعل بالمجنى عليه، فإن كان الجاني قد قطع أطرافه قبل قتله، فإن ولي المقتول يقطع أطرافه، ثم يقتله، ولو أغرق أو أحرق الجاني المجني عليه فمات: فإن ولي المجنى عليه يُغرق، أو يُحرق الجاني حتى الموت وإن قطع عنقه فله ذلك وهو مذهب الجمهور؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وقال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فأمر الشارع مجازاة الجاني بمثل ما فعل مع المجني عليه تمامًا، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن يهوديًا قد رضّ رأس جارية من الأنصار، فأمر ﵇ برضّ رأسه بين حجرين، وهذا أصرح شيء في الباب، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من لفظ "القصاص": أن يكون ذلك القصاص على المماثلة، فيجب أن يستوفى منه مثل ما فعل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في منع إلحاق الضرر بالآخرين. فإن قلتَ: لا يستوفى القصاص في النفس إلا بضرب عنقه بالسيف، ولو كان الجاني قتل المجني عليه بغير السيف، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا قَوَد إلّا بالسيف" حيث حصر القصاص بقطع العنق بالسيف ودلّ مفهوم الحصر على أن لا يُقتل الجاني بما قتل المجني عليه به قلتُ: هذا الحديث قد ضعَّفه كثير من أئمة الحديث، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الاختلاف في حديث: "لا قَوَد إلّا بالسيف": فعندنا ضعيف، وعندهم قوي.
стр. 2819
يحيف (١٧).
(١٧) مسألة: إذا جنى شخص على شخص آخر فقطع طرفًا من أطرافه: فلا يستوفي المجني عليه ذلك ويقطع طرف الجاني إلّا بسكين ونحوها من الآلات الحادَّة التي يُؤمن من ميلانها عن موضع الطرف؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه أمان من الحيف والميل عن موضع الطرف الذي يراد قطعه، وهذا فيه إنصاف للجاني.
هذه آخر مسائل باب: "استيفاء القصاص" ويليه باب: "العفو عن القصاص".
стр. 2820
باب العفو عن القصاص
أجمع المسلمون على جوازه (يجب بـ) القتل (العمد القود، أو الدية، فيُخيَّر الولي بينهما)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من قُتل له قتيل: فهو بخير النظرين، إما أن يُؤدَّى، وإما أن يُقاد" رواه الجماعة إلا الترمذي (وعفوه) أي: عفو ولي القصاص (مجانًا) أي: من غير أن يأخذ شيئًا (أفضل)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًّا" رواه أحمد، ومسلم، والترمذي (١)،
باب العفو عن القصاص
وفيه عشر مسائل:
(١) مسألة: إذا قتل زيد عمرًا عمدًا عدوانًا: فإن ولي عمرو يُخيَّر: فإن شاء اقتص، وقتل زيدًا - قاتل عمرو - وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عن القصاص والدية معًا، وهذا الأخير أفضل؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾: أي: كفارة للذي عفا بسبب صدقته، ففي هاتين الآيتين حثّ على العفو، وأن ما يقوى عليه إلا من اتّصف بالتقوى، التي هي أعظم صفة يتمناها كل مسلم؛ الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "من قُتل له قتيل، فهو بخير النظرين؛ إما أن يُؤدى وإما أن يُقاد" والمراد بـ "القتيل" هنا: القريب الذي كان حيًا، فصار قتيلًا بذلك القتل، والحديث صريح في تخيير ولي المقتول بين القصاص، والعفو، ثانيهما: قوله ﵇: "ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزًا"، والمرأة مثل الرجل؛ لعدم الفارق، فحثّ الشارع على العفو هنا، وجعل له هذه المكرمة - وهي العزَّة في الدنيا والآخرة - وهي فضيلة نتمنى أن نكون من أهلها: أنا، =
стр. 2821
ثم لا تعزير على جان (٢).
(فإن اختار) ولي الجناية (القَوَد، أو عفا عن الدية فقط) أي: دون القصاص: (فله أخذها) أي: أخذ الدية؛ لأن القصاص أعلى، فإذا اختاره: لم يمتنع عليه الانتقال إلى الأدنى (و) له (الصلح على أكثر منها) أي: من الدية، وله أن يقتص؛ لأنه لم يعف مطلقًا (٣)، (وإن اختارها) أي: (اختار الدية: فليس له غيرها، فإن قتله بعد:
= وجميع إخواني المسلمين العاملين بالإسلام بإخلاص، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تخيير ولي المقتول بين "القصاص" و"الدية" فيه توسعة ورحمة وتخفيف لم يكن في الشرائع السابقة؛ حيث كان القصاص على اليهود واجبًا، وكانت الدية واجبة على النصارى، وشُرع العفو: لنشر التسامح بين المسلمين، والحثّ على التعاون والترابط بين أفراد المجتمع، فإن قلتَ: لِمَ كان العفو جائزًا بالإجماع؟ قلتُ: لأن العفو إذا كان أفضل من غيره، فيلزم أن يكون جائزًا؛ لأن الأفضل فعله: جواز وزيادة.
(٢) مسألة: إذا عفا ولي المجنى عليه - أو أولياؤه، وهم ورثته - عن قصاص الجاني: فإنه - أي: الجاني - يكون حرًا طليقًا، لا تعزير ولا تأديب عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا عُفي عن الدية بالنسبة للقاتل خطأ: فإنه لا شيء عليه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما عليه حق واحد وقد سقط، فلا يُطالب بشيء آخر.
(٣) مسألة: القصاص، أو الدية واجب على الجاني، وولي المجني عليه مخيَّر بينهما: إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدية، فإذا عفا عن القصاص والقَوَد: فإن الدّية تتعيَّن، فيأخذها ولي المجني عليه وإن لم يرض ولي المجني عليه إلا بأكثر من الدية: فله ذلك، ويأخذ أكثر منها صلحًا بينه وبين الجاني؛ للتلازم؛ حيث إن القصاص أو الدية واجب مخيَّر فيلزم منه: أنه إذا اختار أحدهما لا بعينه: سقط الآخر، فيلزم من عفوه عن القصاص: وجوب الدية له؛ لأن إسقاط ما هو =
стр. 2822
قتل به؛ لأنه أسقط حقه من القصاص (٤) (أو عفا مطلقًا): بأن قال: "عفوتُ" ولم يقيده بقصاص، ولا دية: فله الدية؛ لانصراف العفو إلى القصاص؛ لأنه المطلوب الأعظم (٥) (أو هلك الجاني: فليس له) أي: لولي الجناية (غيرها) أي: غير الدية من تركة الجاني؛ لتعذُّر استيفاء القَوَد، كما لو تعذَّر في طرفه (٦) (وإذا قطع) الجاني (إصبعًا
= أعلى - وهو القصاص - لا يمنع الانتقال إلى ما أدنى، فتكون بدلًا من القصاص.
[فرع]: إذا قامت جماعة بقتل شخص: فإن ولي المقتول يخير بين القصاص منهم جميعًا، أو أخذ الدية، أو العفو عنهم، أو القصاص من بعضهم، وأخذ الدية من البعض الآخر من القاتلين؛ للقياس؛ بيانه: كما يفعل ذلك بالمنفرد، فكذلك يفعل بالجماعة والجامع: أن لولي الدم الحق في ذلك.
(٤) مسألة: إذا اختار ولي المجني عليه الدية، أو أعطي إياها فأخذها: فقد ثبت عنه: أنه أسقط القصاص والقَوَد، ولا يملك بعد ذلك طلب القصاص، ولو قتل ولي المجني عليه الجاني بعد اختياره للدية: فإنه - أي: ولي المجني عليه - يُقتل به قصاصًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أخذه للدية: أنه أسقط حقه من القصاص، ويلزم من ذلك أن الجاني: يبرأ ويكون كأنه لم يجنِ على أحد، ويلزم من قتل ولي المجني عليه له: أنه قتله عمدًا عدوانًا بدون وجه حق: فيلزم إيجاب القصاص عليه كما لو قتل ابتداءً، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه منع للتعدِّي على الآخرين.
(٥) مسألة: إذا قال ولي المجني عليه: "عفوتُ" وأطلق اللفظة، فلم يُقيِّد ذلك بقصاص، ولا دية: فله الدية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المطلوب الأعظم هو القصاص: أن يُصرف العفو عن القصاص فقط، لكونه هو المتبادر إلى الذهن عند ذكر العفو.
(٦) مسألة إذا مات الجاني: فليس لولي المجني عليه إلا الدية، تؤخذ من تركة الجاني، =
стр. 2823
عمدًا فعفا) المجروح (عنها، ثم سرت) الجناية (إلى الكف، أو النفس، وكان العفو على غير شيء فـ) السراية (هدر)؛ لأنه لم يجب بالجناية شيء، فسرايتها أولى (وإن كان العفو على مال: فله) أي: للمجروح (تمام الدية) أي: دية ما سرت إليه: بأن يسقط من دية ما سرت إليه الجناية أرش ما عفا عنه، ويجب الباقى (٧) (وإن وكَّل) ولي الجناية
= فإن لم يُخلِّف تركة: فإن الدية تسقط، ولا يُجبر أولياء الجاني على دفع الدية؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو قطع يد شخص آخر: وتعذَّر قطع يد الجاني قصاصًا؛ نظرًا لعدم وجودها: فتجب الدية ضرورة، فكذلك إذا مات الجاني مثل ذلك، والجامع: تعذر استيفاء القصاص، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود تركة للجاني: سقوط الدية؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد المحض.
(٧) مسألة: إذا قطع زيد إصبع عمرو عمدًا، فعفا عمرو عن ذلك، ثم سرت الجناية إلى كف عمرو فأتلفته فقُطع، أو سرت إلى نفسه فمات: فيجب على زيد تمام الدية، ويُسقط من تلك الدية دية الإصبع فقط - وهي عشر الدية -، والباقي يجب على زيد دفعه: سواء كان العفو الصادر من عمرو على غير شيء، أو كان على مال، وهو قول الجمهور؛ للتلازم؛ حيث يلزم من سراية الجناية إلى كتفه، أو إلى نفسه: وجوب الدية كاملة لعدم العفو عن ذلك، ويلزم من عفوه عن قطع الإصبع: اختصاص السقوط بما عفا عنه، دون غيره فيحسم منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا هو الإنصاف في إعطاء كل ذي حق حقه، فإن قلتَ: إن كان عفو عمرو على غير شيء: فإذا سرت الجناية: فسرايتها هدر، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الجناية لم يجب بسببها شيء، فإن عدم وجوب شيء في سرايتها من باب أولى قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الجناية على الإصبع قد عفا عنها، وهو لم يعلم أن ذلك سيسري على باقي يده، أو على نفسه، وعفوه عن قطع الإصبع لا يتعدَّاه إلى =
стр. 2824
(من يقتص) له (ثم عفا) الموكِّل عن القصاص (فاقتصَّ وكيله ولم يعلم) بعفوه: (فلا شيء عليهما) لا على الموكِّل؛ لأنه محسن بالعفو، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ولا على الوكيل؛ لأنه لا تفريط منه (٨)، وإن عفا مجروح عن قَوَد نفسه، أو ديتها: صح كعفو وارثه (٩) (وإن وجب الرقيق قَوَد أو) وجب له (تعزير قذف: فطلبه) إليه
= غيره من أنحاء البدن، فيختصّ العفو بالإصبع فقط، ولم يرد من عمرو ما يدل على أن العفو عام لا بلفظ، ولا بإشارة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في العفو هنا هل هو عفو عن محل الجناية، أو عنه وعن ما يسري إليه؟ ".
(٨) مسألة: إذا قتل زيد عمرًا عمدًا عدوانًا، فوكَّل بكر - ولي عمرو - محمدًا ليقتصّ من زيد، فعفا بكر - وهو الموكل - عن زيد، ولم يعلم محمد، فاستوفى - أي محمد - القصاص من زيد: فلا شيء على الموكِّل - وهو بكر - ولا شيء على الوكيل - وهو محمد -، ولا ضمان على أي واحد منهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الموكِّل - وهو بكر - قد أحسن بالعفو: عدم الضمان عليه، وعدم الرجوع عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ويلزم من عدم التفريط من الوكيل - وهو محمد -: عدم الضمان عليه؛ لأن العفو قد حصل على وجه لم يعلم به، فيُعذر به.
(٩) مسألة: إذا ضرب زيد عمرًا بسيف ونحوه، فلم يمت عمرو مباشرة، وأمكنه من العفو عن القصاص والقَوَد من زيد، أو الدية: فإن هذا العفو يصح، ولا يُطالب زيد بشيء إذا مات عمرو: سواء كان هذا بلفظ "العفو"، أو "الوصية" أو "الإبراء" أو غير ذلك مما يُفهم إسقاط الحق عن زيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ولي المقتول - وهو عمرو هنا - إذا عفا عن القصاص، والدية: فإنهما يسقطان عن القاتل - وهو زيد هنا - فمن باب أولى أن يسقطان عن زيد إذا عفا عنهما المجني عليه نفسه - وهو عمرو - قبل أن يموت، والجامع: أنه حق لكل من المجني عليه، =
стр. 2825
(وإسقاطه إليه) أي: إلى الرقيق، دون سيده؛ لأنه مختص به (فإن مات) الرقيق بعد وجوب ذلك له: (فلسيده) طلبه، وإسقاطه؛ لقيامه مقامه؛ لأنه أحق به ممّن ليس له فيه ملك (١٠).
= أو وليه، بعد موت المجني عليه.
(١٠) مسألة: إذا قتل شخص، وكان ولي المقتول رقيقًا، أو قذفه: فإن حقَّ المطالبة بالقصاص والقَوَد والتعزير مختص بذلك الرقيق: فإن شاء اقتصّ، وإن شاء عفا، ولا حقَّ لسيده في ذلك، هذا إذا كان ذلك الرقيق حيًا، أما إن مات الرقيق بعد استحقاقه للقصاص والقود والتعزير من الجاني: فإنه يحق لسيده طلب القصاص والتعزير، أو العفو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المقصود من القصاص وإقامة العقوبة التشفِّي: أن يختص القصاص، والتعزير بولي المقتول، أو نفس المقذوف، دون غيره، ويلزم من موت الرقيق: أن يكون سيده أحق بالمطالبة أو العفو؛ نظرًا لقيام السيد مقام رقيقه؛ لاختصاصه بمنافعه، وهو المقصد منه.
هذه آخر مسائل باب: "العفو عن القصاص" ويليه باب: "ما يوجب القصاص فيما دون النفس من الأطراف، والجراح".
стр. 2826
باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس من الأطراف والجراح
(من أقيد بأحد في النفس)؛ لوجود الشروط السابقة: (أُقيد به في الطرف والجراح)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية (ومن لا) يُقاد بأحد في النفس كالمسلم بالكافر، والحر بالعبد، والأب بولده: (فلا) يُقاد به في طرف، ولا جراح؛ لعدم المكافأة (ولا يجب إلّا بما يوجب القَوَد في النفس (١)، وهو)
باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس من الأطراف والجراح
وفيه ثمان عشرة مسألة:
(١) مسألة: إذا قطع زيد طرفًا لعمرو، أو جرح جرحًا فيه: فلعمرو أن يقتص من زيد فيقطع مثل طرفه الذي قطعه، ويجرحه مثل جرحه الذي جرحه بشرطين: الشرط الأول: أن يكون ممّن يُقتص منه في النفس - وهو الذي توفّرت فيه شروط أربعة: العصمة، والتكليف، والمكافأة، وعدم الولادة - كما سبق في مسائل (١ و ٢ و ٣ و ١١) من باب: "شروط وجوب القصاص" -، أما إن كان لا يُقتص منه في النفس: فلا يقتص منه في الطرف والجراح: فمثلًا: لو قطع مسلم يد كافر: فلا تُقطع يد المسلم، ولو جرح مسلم كافرًا: فلا يُجرح المسلم، ولو قطع صغير أو مجنون يد مكلَّف أو جرحه: فلا يُقتص منهما، ولو قطع حر يد عبد، أو جرحه: فلا يُقتصُّ من الحر، ولو قطع أب يد ولده، أو جرحه: فلا يقتص من الأب في ذلك، الشرط الثاني: أن يكون ذلك القطع، أو ذلك الجرح عمدًا عدوانًا محضًا، فلا قصاص ولا قود في الخطأ، ولا في شبه العمد: فلو ضرب زيد عمرًا بدون قصد إتلاف عضو من أعضائه فأتلف يد عمرو، أو عينه: فلا قصاص ولا قود على زيد، بل تجب عليه دية مغلَّظة تؤخذ من مال زيد، ولا تحمله العاقلة؛ =
стр. 2827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهذا واضح الدلالة على ثبوت القصاص والقود بقطع الأطراف، والجراح، الثانية: السنة القولية؛ حيث إن الربيع بنت النظر كسرت ثنية جارية، فطالب أولياؤها بالقصاص، فجاء أنس بن النظر أخوها فقال: والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي ﵇: "يا أنس كتاب الله: القصاص" فعفا القوم فقال النبي ﵇: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه" يقصد بذلك أنسًا، فهنا: قد أصرَّ ﵇ على أن يأخذ بالقصاص في ذلك السن، وهذا يدل على جريان القصاص بالأطراف، الثالثة: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن القصاص ثابت في النفس بالشروط الأربعة السابقة، فكذلك يثبت في الأطراف والجراح والجامع: أن كلًا منهما بحاجة إلى حفظه، ثانيهما: كما أنه يسقط القصاص إذا كانت الجناية خطأ أو شبه عمد، أو تخلَّف أحد الشروط الأربعة المشروطة في قصاص النفس بالنفس: فكذلك يسقط القصاص فيما دون النفس إذا تخلَّف أحد تلك الشروط، والجامع: عدم التساوي بين الجاني والمجني عليه، فإن قلتَ: لِمَ وجبت دية مغلَّظة على من ضرب غيره فأتلف طرفًا، أو أحدث جرحًا من غير قصد؟ قلتُ: لأن هذا الفعل شبه عمد؛ لكونه قصده بالضرب، والدية الواجبة عن طريق شبه العمد مغلظة من حيث سن الإبل كما سيأتي في باب مقادير ديات النفس في مسالتي (٢ و ٤)؛ لأن الفعل وقع مقصودًا، بخلاف جناية الخطأ على نفس، أو طرف، أو جرح: فإن العاقلة تحملها؛ لأن الجاني فعل ما له فعله شرعًا: بأن رمى صيدًا فقتل آدميًا معصومًا، أو أتلف طرفًا من أطرافه، أو جرحه، وهذا ليس من فعله، ولم يقصد شيئًا من ذلك، لذا كانت عليه دية مخفَّفة تتحمَّلها العاقلة عنه - وقد سبق - تنبيه: القصاص فيما دون النفس نوعان: وهما كما يلي:
стр. 2828
أي: القصاص فيما دون النفس (نوعان: أحدهما: في الطرف: فتؤخذ العين) بالعين (والأنف) بالأنف (والأذن) بالأذن (والسن) بالسن (والجفن) بالجفن (والشفة) بالشفة: العليا بالعليا، والسفلى بالسفلى (واليد) باليد: اليُمنى باليُمنى واليسرى باليسرى (والرِّجل) بالرجل كذلك (والإصبع) بالإصبع تماثلها في موضعها (والكف) بالكف المماثلة (والمرفق) بمثله (والذكر، والخصية، والإلية، والشُّفر) بضم الشين - وهو: أحد اللحمين المحيطين بالفرج كإحاطة الشفتين على الفم - (كل واحد من ذلك بمثله)؛ للآية السابقة (وللقصاص في الطرف شروط) ثلاثة (٢) (الأول: الأمن من
(٢) مسألة: في النوع الأول - من نوعي القصاص فيما دون النفس - وهو: القصاص في الطرف، وهو نهاية كل شيء، وهي: كما يلي:
١ - أن تُفقأ عين الجاني كما فقأ عين المجني عليه: اليُمنى باليُمنى، واليسرى باليسرى.
٢ - أن يُجدع أنف الجاني كما جدع أنف المجني عليه.
٣ - أن يُقلع سن الجاني كما قلع سن المجني عليه.
٤ - أن تُقطع أذن الجاني كما قطع أذن المجني عليه، اليمني باليمنى، واليُسرى باليسرى.
٥ - أن يُقطع جَفْن الجاني كما قطع جفن المجني عليه: الأيمن بالأيمن، والأيسر بالأيسر.
٦ - أن تُقطع شفة الجاني كما قطعت شفة المجني عليه، الشفة العليا بالعليا، والشفة السفلى بالسفلى.
٧ - أن تقطع يد الجاني كما قطع يد المجني عليه: اليمني باليمنى، واليسرى باليسرى.
٨ - أن تُقطع رجل الجاني كما قطع رجل المجني عليه: اليمنى باليمنى، واليسرى باليُسرى. =
стр. 2829
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ٩ - أن يُقطع إصبع الجاني المماثل في موضعه كما قطعه من إصبع المجني عليه.
١٠ - أن يقطع كف الجاني كما قطع كف المجني عليه: الأيمن بالأيمن، والأيسر بالأيسر.
١١ - أن يؤخذ مرفق الجاني كما أخذ مرفق المجني عليه: الأيمن بالأيمن، والأيسر بالأيسر.
١٢ - أن يُقطع ذكر الجاني كما قطع ذكر المجني عليه.
١٣ - أن تقطع خصية الجاني كما قطع خصية المجني عليه.
١٣ - أن تقطع إلية الجاني كما قطع إلية المجني عليه: اليُمنى باليُمنى، واليُسرى باليسرى.
١٤ - أن تقطع شفر الجانية - والشفران لحمان محيطان بفرج المرأة كعرف الديك - كما قطعت شفر المجني عليها الأيمن بالأيمن، والأيسر بالأيسر؛ لقاعدتين: الكتاب؛ والسنة القولية؛ وقد سبق بيانهما في مسألة (١)، وما لم يذكر فيهما من الأطراف مثل ما ذكر؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة".
[فرع]: لا يُشترط التساوي بين المقطوع جناية، والمقطوع قصاصًا من حيث: القوة، والضعف أو الكبر والصغر، أو الصحة والمرض، أو الذكر والأنثى، أو الشيخ والشاب؛ للتلازم؛ حيث إن الاختلاف بين المقطوع جناية والمقطوع قصاصًا لا يؤثر في استيفاء القصاص؛ فيلزم: عدم اشتراط التساوي؛ لكونه لو أثر ذلك: لأفضى إلى سقوط القصاص؛ لأنه لا يخلو من ذلك: فلزم عدم اشتراط التساوي. تنبيه: المقصود في هذه القصاص في الطرف هو: إتلاف الانتفاع بطرف الجاني كما أتلفه وفوته على المجني عليه: سواء كان ذلك بقطع =
стр. 2830
الحيف) وهو: شرط جواز الاستيفاء، ويُشترط لوجوبه: إمكان الاستيفاء بلا حيف: (بأن يكون القطع من مفصل، أوله حدٌّ ينتهي إليه) أي: إلى حد (كمارن الأنف، وهو: ما لان منه) دون القصبة، فلا قصاص في، جائفة، ولا كسر عظم غير سن، ولا بعض ساعد، ونحوه، ويقتص من منكب ما لم يخف جائفة (٣)، الشرط (الثاني:
= الطرف، أو بإتلافه، تنبيه ثان: لا يُقتص في الأطراف مطلقًا، بل يُشترط للقصاص في ذلك ثلاثة شروط، سيأتي بيانها.
(٣) مسألة: في الأول - من شروط القصاص في الطرف - وهو: أن يُمكن قطع الطرف مع الأمان من الحيف، أي: إذا أُمن الحيف والتعدِّي إلى شيء أكثر من الطرف الذي يُراد قطعه: جاز استيفاء القصاص والقود، وإذا شُكَّ، أو خيف الحيف والسراية إلى عضو آخر: فلا يجوز استيفاء القصاص، والأمن من الحيف والسراية يتحقَّق إذا قُطع الطرف من مفصل جلي واضح، أو يكون للطرف حدٌّ ينتهي إليه فيُقطع مما انتهى إليه: فمثلًا: إذا أريد قطع وجدع أنف: فإنه يُقطع من مارن ذلك الأنف، وهو ما لان منه، أما قصبة الأنف فلا تُقطع، وكذا: يُقلع السن، وكذا: يقتص من المنكب، والكف، أما ما لا حدَّ له: فلا يثبت فيه القصاص: كالجائفة - وهي: الجرح الواصل إلى باطن الجوف - أو كسر عظم من وسطه ككسر ساق، أو عضد، أو ورك، أو ساعد، أو نحو ذلك: فلا يجوز استيفاء القصاص هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الطرف له نهاية وحدُّ: جواز استيفاء القصاص فيه. لأنه يغلب على الظن عدم الحيف والسريان إلى غيره من الأعضاء، ويلزم من كون الطرف لا نهاية ولا حد له: عدم جواز استيفاء القصاص فيه؛ لأنه يغلب على الظن الحيف وسريان التلف إلى غيره من الأعضاء، فإن قلتَ: لِمَ اشترط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كمال الإنصاف والعدالة، ودفع المفاسد عن الجاني والمجني عليه.
стр. 2831
المماثلة في الاسم والموضع: فلا تؤخذ يمين) من يد، ورجل، وعين، وأذن، ونحوها (بيسار، ولا يسار بيمين، ولا) يؤخذ (خنصر ببنصر، ولا) عكسه؛ لعدم المساواة في الاسم، ولا يؤخذ (أصلي بزائد، وعكسه): فلا يؤخذ زائد بأصلي؛ لعدم المساواة في المكان والمنفعة (ولو تراضيا) على أخذ أصلي، بزائد، أو عكسه: (لم يجز) أخذه به؛ لعدم المقاصّة، ويؤخذ زائد بمثله موضعًا وخِلْقة (٤)، الشرط (الثالث: استواؤهما)
(٤) مسألة: في الثاني - من شروط القصاص في الطرف - وهو: أن يكون الطرف المقطوع قصاصًا مثل الطرف المقطوع جناية في الاسم، والموضع والخِلْقة: فإذا قطع الجاني اليد، أو الرجل أو العين أو الأذن، اليمنى من المجني عليه: فيجب أن تُقطع أو تقلع يد، أو رجل، أو عين، أو أذن الجاني اليمني باليمنى، واليسرى باليسرى وهكذا؛ فلا تُؤخذ يمين بيسار مما سبق، ولا يسار بيمين مما سبق، ولا يؤخذ إصبع سبابة ببنصر ولا العكس، ولا يؤخذ بنصر بخنصر ولا العكس، ولا يؤخذ إصبع أصلي بإصبع زائد، ولا العكس، وهذا مطلق أي: سواء اتفق الجاني والمجني عليه في ذلك وتراضيا عليه أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "القصاص" الوارد في الكتاب، والسنة: المماثلة في الاسم، والموضع، والخِلْقة، فإن اختلف شيء من ذلك: فلا يكون ذلك قصاصًا، ويلزم من كون الدماء لا تستباح بالإباحة كالأبضاع: عدم جواز الاختلاف في الأطراف وإن تراضيا على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في مسألة (٣)؛ فإن قلتَ: إنه لا يشترط ذلك في الشفتين، والجفنين، فتؤخذ السفلى من الشفتين بالعليا، والعكس ويؤخذ الجفن الأيسر بالأيمن وهكذا، وهو قول محكي عن ابن سيرين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استوائهما في الخِلْقة والمنفعة: عدم اشتراط ذلك قلتُ: إن المصلحة، ودفع المفسدة يقتضيان المماثلة في كل شيء ينقسم إلى أعلى وأسفل، وهو من لوازم لفظ "القصاص": فإن خُولف ذلك: فلا يصدق على ما فُعل اسم "القصاص" وهو كأخذ اليد اليمنى باليمنى تمامًا، ولا نسلِّم أن المنفعة =
стр. 2832
أي: استواء الطرفين: المجني عليه، والمقتص منه (في الصحة، والكمال: فلا تؤخذ) يد، أو رجل (صحيحة بـ) يد، أو رجل (شلَّاء، ولا) يد، أو رجل (كاملة الأصابع) أو الأظفار (بناقصت) هما (ولا) تؤخذ (عين صحيحة بـ) عين (قائمة) وهي: التي بياضها وسوادها صافيان، غير أن صاحبها لا يُبصر بها قاله الأزهري، ولا لسان ناطق بأخرس، ولو تراضيا؛ لنقص ذلك (٥) (ويؤخذ عكسه) فتؤخذ الشلاء، وناقصة الأصابع، والعين القائمة بالصحيحة (ولا أرش)؛ لأن المعيب من ذلك كالصحيح في الخِلْقة، وإنما نقص في الصفة (٦)، وتؤخذ أذن سميع بأذن أصم شلاء، ومارن الأشم
= متساوية في الأعلى والأسفل، بل كل له ما يخصه من الوظائف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(٥) مسألة: في الثالث - من شروط القصاص في الطرف - وهو: أن يكون الطرف المقطوع قصاصًا مثل الطرف المقطوع جناية في الصحة والكمال: فإذا قطع الجاني يد صحيحة من المجني عليه يجب أن تُقطع يد صحيحة من الجاني، فلا يجوز أن تؤخذ يد صحيحة بيد شلاء لا نفع فيها، ولا تؤخذ يد كاملة الأصابع بيد ناقصتها، ولا تؤخذ عين صحيحة بعين لا يُبصر بها صاحبها - وهي القائمة وإن كانت موجودة -، ولا يؤخذ لسان ناطق، بلسان أخرس: سواء اتفق الجاني والمجني عليه على ذلك وتراضيا عليه أو لا، ولا يؤخذ ذكر فحل بذكر خصي، أو عِنِّين، ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "القصاص" الوارد في الكتاب والسنة: المماثلة في الصحة والكمال، فإذا اختلف شيء من ذلك: فلا يكون ذلك قصاصًا، ويلزم من كون الدماء لا تستباح بالإباحة والبذل كالأبضاع: عدم جواز الاختلاف في الأطراف تلك وإن تراضيا على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لما ذكرناه في مسألة (٣)، ويُزاد: عدم أخذ ما فيها نفع بما لا نفع فيه؛ لأنه ظلم.
(٦) مسألة: إذا قطع زيد يد عمرو، أو رجله، أو قلع عينه الصحيحة: فإنه يُقتص =
стр. 2833
الصحيح بمارن الأخشم الذي لا يجد رائحة الشيء؛ لأن ذلك لعلَّة في الدماغ (٧).
= بقطع يد، أو رجل، أو قلع عين زيد وإن كانت غير صحيحة أو ناقصة الأصابع وشلاء، ولا يجب على زيد أن يدفع لعمرو أرش النقص - وهو الفارق بين يد عمرو الصحيحة، وبين يد زيد غير الصحيحة وإن شاء عمرو لم يقتص بقطع يد زيد غير الصحيحة ويأخذ دية يده الصحيحة كاملة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما تؤخذ الصحيحة بالصحيحة فكذلك تؤخذ غير الصحيحة بالصحيحة، والجامع: التماثل في ذات العضو وصفته. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عجز استيفاء المجني عليه حقه على الكمال بالقصاص: جواز أخذه للدِّية؛ لاستحقاقه ويلزم من كون المعيب من ذلك كالصحيح في الخِلْقة: عدم جواز أخذه للأرش مع أخذه لغير الصحيح من الطرف.
(٧) مسألة: إذا قطع زيد أذن عمرو الأصم، أو قطع مارن أنف عمرو الأخشم - وهو الذي لا يشم، ولا يجد رائحة شيء -: فإنه يُقتص بقطع أذن زيد السميع، وبقطع مارن زيد الأشم، وهذا بخلاف سائر الأعضاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون سبب عدم الشم والسمع يرجع إلى علَّةٍ في الرأس والدماغ ونقصٍ فيه؛ لأنه محلُّه: أن تؤخذ أذن سميع بأذن أصم، ويؤخذ مارن أنف أشم بمارن أنف أخشم؛ لكونهما صحيحين في ذاتهما، ولكن عدم السمع، والشمع جاء إليهما من خارجهما وهو الرأس.
[فرع]: إذا أُخذت يد، أو رجل، أو عين، أو أذن ونحو ذلك قصاصًا، ثم قدر الجاني على إلصاق تلك الأشياء بعد قطعها قصاصًا فالتصقت وثبتت: فإنه يجب قطعها مرة أخرى؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود هو إبانة تلك الأشياء، وإزالة وجودها في الجاني على الدوام كما أبانها الجاني وأزالها عن المجني عليه على الدوام فإذا أعادها وأثبتها الجاني: فإنه لم تتم إزالتها على الدوام، فلم يتم القصاص المشروع: فيلزم قطعها مرَّة أخرى إذا أُعيدت.
стр. 2834
(فصل): (النوع الثاني) من نوعي القصاص فيما دون النفس: (الجراح: فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم)؛ لإمكان استيفاء القصاص من غير حيف، ولا زيادة وذلك (كالموضحة) في الرأس، والوجه (وجرح العضد و) جرح (الساق و) جرح (الفخذ و) جرح (القدم)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٨) (ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج) كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة (و) لا في غير ذلك من (الجروح) كالجائفة؛ لعدم أمن الحيف والزيادة، ولا يُقتص في كسر عظم (غير كسر سن)؛ لإمكان الاستيفاء منه بغير حيف كبرد ونحوه (٩) (إلا أن يكون) الجرح (أعظم من
(٨) مسألة: في النوع الثاني - من نوعي القصاص فيما دون النفس - وهو: القصاص في الجروح، أي: يجب القصاص في كل جرح بشرط: أن يكون ذلك الجرح ينتهي إلى عظم كالموضِّحة في الرأس والوجه، وجرح العضد، وجرح الساق، وجرح الفخذ، وجرح القدم؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُقطع الكفّ من الكوع قصاصًا، فكذلك يُقتص في كل جرح بالشرط السابق، والجامع: أنه في كل منها أمكن استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة؛ لانتهاء كل منها إلى عظم فاصل، فإن قلتَ: لا قصاص إلا في الموضِّحة في الرأس والوجه فقط، وهو قول لبعض الشافعية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صعوبة تقدير ذلك: عدم ثبوت القصاص فيها قلتُ: عنه جوابان: أولهما: أنه اجتهاد في مقابلة نص - وهو قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، ولا اجتهاد مع النص. ثانيهما: عدم التسليم بأن القصاص في هذا فيه صعوبة؛ بل سهل ويسير؛ لكون ذلك ينتهي إلى عظم، وهو شرط القصاص في الجروح كما سبق، فهو مثل القصاص في الموضحة الذي سلمتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتَ: سببه: "الاختلاف في تقدير الجرح هل هو سهل، أو فيه صعوبة؟ " فعندنا: الأول، وعندهم: الثاني. فائدة: سميت الموضحة بهذا الاسم: لأنها توضح وتبين العظم، فيكون ظاهرًا.
(٩) مسألة: لا يجوز القصاص في أيِّ نوعٍ من الشجاج والجروح إذا لم تكن منتهية إلى =
стр. 2835
الموضِّحة كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة: فله) أي: للمجني عليه (أن يقتص موضَّحة)؛ لأنه يقتصر على بعض حقه، ويقتص من محل جنايته (وله أرش الزائد) على الموضِّحة فيأخذ بعد اقتصاصه من موضحة في هاشمة خمسًا من الإبل، وفي منقلة عشرًا، وفي مأمومة ثمانية وعشرين وثلثًا (١٠)، ويُعتبر قدر جرح بمساحة، دون كثافة
= عظم - كالموضِّحة، وجرح العضد والساق، والفخذ، والقدم - كما سبق في مسألة (٩) -: فلو هشم زيد عظمًا من عظام عمرو - وهي: المسماة بالهاشمة - أو ضرب عظمه ونقل بعضها من شدَّة الضربة إلى موضع آخر - وهي: المسماة بالمنقلة - أو ضرب عظم رأسه، ووصل إلى جلدة الدماغ - وهي: المسماة بالمأمومة -، أو جرح جرحًا وصل إلى جوفه كبطنه، وصدره، وخاصرته - وهي: المسماة بالجائقة -: فلا يقتص عمرو في ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الأمن من الحيف والزيادة أثناء استيفاء القصاص: عدم جواز القصاص في مثل هذه الأمور؛ لئلا يحصل ظلم للجاني عند القصاص منه، وهذا هو المقصد منه، تنبيه: قوله: "ولا يُقتص في كسر عظم غير كسر سنٍّ" إلى آخره قلت قد سبق ثبوت القصاص في السن في مسألة (٢)؛ لإمكان استيفاء القصاص فيه بدون حيف ولا ضرر بأن يُحكُّ في مُبْرَدٍ حتى يزول، أو يقلع عند طبيب الأسنان.
(١٠) مسألة: إذا جرح زيد عمرًا بجرح أعظم من الموضِّحة: بأن أظهر بجرحه العظم، وهشم ذلك العظم، أو نقل بعض أجزاء ذلك العظم إلى موضع آخر، أو وصل بسبب ذلك إلى جلدة الدماغ: فلعمرو الحق بأن يقتصَّ من زيد موضِّحة: بأن يجرحه حتى يتَّضح ويظهر العظم في الموضع الذي جرحه فيه، ثم يقف عند هذا الحد، أما ما زاد عن الموضِّحة: فإن عمرًا يأخذ أرش تلك الزيادة: ويكون هذا الأرش خمسًا من الإبل إذا كانت، هاشمة، وعشرًا منها إذا كانت منقلة، وثمانية وعشرين منها، وثلث جمل إذا وصل إلى جلدة الدماغ - وهي المأمومة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد جرحه موضحة: أن يقتصّ منه موضحة؛ للأمن من =
стр. 2836
اللحم (١١) (وإذا قطع جماعة طرفًا) يوجب قَوَدًا: كيد (أو جرحوا جرحًا يوجب القَوَد) كموضحة، ولم تتميز أفعالهم كأن وضعوا حديدة على "يد" وتحاملوا عليها حتى بانت: (فعليهم) أي: على الجماعة القاطعين، أو الجارحين (القَوَد)؛ لما روي عن علي: أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة، فقطع يده، ثم جاءا بآخر فقالا: هذا هو السارق، وأخطأنا بالأول، فردَّ شهادتهما على الثاني، وغرَّمهما دية يد الأول،
= الحيف؛ لانتهاء ذلك بعظم، ويلزم من عدم أمن الحيف والظلم للجاني إذا اقتصّ من أكثر من موضحة: عدم جواز القصاص فيه، وأخذ الأرش، ويلزم من التفاوت بين الهاشمة والموضحة: أن يأخذ الهاشمة خمسًا عن من الإبل، ويلزم من كون المنقلة أعظم من الهاشمة بالضعف: أن يأخذ عنها عشرًا منها، ويلزم من كون المأمومة أعظم من المنقلة، وكونها وصلت إلى جلدة الدماغ: أن يأخذ عنها ثلث الدية - وهي: ثلاث وثلاثون وثلث من الإبل - ثم نسقط دية موضحة - وهي: خمس من الإبل - فيبقى ثمان وعشرون وثلث منها، وهي أرش المأمومة.
(١١) مسألة: إذا أريد القصاص من الجرح: فإن المعتبر في ذلك الجرح الطول والعرض، دون كثافة اللحم وطريقة ذلك: أنه إذا أراد الاستيفاء من موضحة وما ماثلها: فإن كان على موضعها شعر: أزاله، ثم يعمد إلى موضع الشجّة من رأس المشجوج - وهو المجني عليه - فيعلم طول الشجة، وعرضها بخشبة أو خيط دقيق، ثم يضع ذلك على رأس الشاجّ - وهو الجاني - ويضع علامات للطول والعرش بشيء أسود كحبر ونحوه، ثم يأخذ حديدة عرضها كعرض الشجّة، وطولها كطول الشجة فيضعها في أول المعلَّم لبيان طول أو عرض، ثم يجرها إلى آخرها، فيكون بذلك آخذًا مثل الشجة طولًا، وعرضًا، ولا يراعي العمق وكثافة اللحم؛ للتلازم؛ حيث إن كون حد الموضحة العظم، وكون الناس يختلفون في قلَّة اللحم، وكثرته يلزم منه: أن يراعى في استيفاء القصاص الطول والعرض فقط، دون كثافة اللحم، وتلزم تلك الطريقة التي ذكرتها.
стр. 2837
وقال: "لو علمتُ أنكما تعمَّدتما: لقطعتكما" (١٢)، وإن تفرقت أفعالهم، أو قطع كل واحد من جانب: فلا قَوَد عليهم (١٣) (وسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها)
(١٢) مسألة: إذا اجتمعت جماعة فقطعوا طرفًا من عمرو: كيده، أو رجله، بأن وضعوا حديدة على يده فتحاملوا عليها فقطعوها معًا دون تفريق، أو اجتمعوا وجرحوا عمرًا بجرح الموضِّحة، أو بجرح انتهى إلى عظم: فلعمرو أن يقتص من هؤلاء الجماعة - القاطعين، أو الجارحين - فتقطع يد كل واحد منهم، أو يُجرح كل واحد منهم بشرط: أن لا يتميز فعل كل واحد منهم؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما تُقتل الجماعة إذا قتلوا واحدًا - كما سبق - فكذلك يقتص من كل واحد ممّن اجتمعوا على قطع أو جرح واحد بشرطه، والجامع: أنه يُقتص من كل واحد لو انفرد بقتل النفس، أو القطع، أو الجرح، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد شهد عند علي رجلان على آخر بأنه قد سرق، فقطعت يده، ثم بعد ذلك جاءاه برجل آخر وقالا: إن هذا هو السارق الحقيقي، وأخطأنا بالأول، فلم يقبل شهادتهما على الثاني، وأوجب عليهما - أي على الرجلين الشاهدين - دية يد الأول، وسلَّمها له: وقال: "لو أعلم أنكما قد تعمّدتما ذلك لقطعتكما" وهذا يدل دلالة واضحة على القصاص في الأطراف والجروح من الجماعة إذا اجتمعوا على قطع أو جرح منفرد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ المجتمع من أن يظلم بعضهم بعضًا، فلو لم يقتص من الجماعة إذا جرحوا أو قطعوا آخر: لكان هذا طريقًا سهلًا لقطع وجرح الآخرين، كما قلنا في المقصد من قتل الجماعة بالواحد، وهذا فيه رد على من خالف في ذلك ردًا صريحًا.
(١٣) مسألة: إذا اجتمعت جماعة فقطعوا طرفًا من عمرو: كيده، لكن تفرّقت أفعالهم: بأن ضرب كل واحد منهم يده، أو قطع كل واحد من جانب حتى انفصلت تلك اليد وبانت: فلا يجوز لعمرو أن يقتص منهم بأن تُقطع يد كل =
стр. 2838
فلو قطع إصبعًا فتآكلت أخرى، أو اليد، وسقطت من مفصل: فالقَوَد، وفيما يُشل: الأرش (١٤) (وسراية القود مهدرة) فلو قطع طرفًا قودًا فسرى إلى النفس فما دونها:
= واحد منهم بشرط: أن لا يتواطؤوا على أن مقصدهم بهذه الأفعال المتفرقة منهم هو: قطع يد عمرو وإن كان فعل كل واحد منهم وصل إلى درجة الجرح الذي يُقتصّ منه: فإنه يقتص منه قصاص جرح، لا قصاص قطع، أما إن تواطؤوا واتفقوا على أن مقصدهم هو: إبانة وقطع يد عمرو: فإنه يقتص منهم؛ للتلازم؛ حيث إن كلَّ واحدٍ منهم لم يقطع اليد بمفرده، ولم يحصل تواطؤ واتفاق منهم جميعًا على قطعها يلزم منه عدم القصاص منهم، ويلزم من وجود التواطؤ والاتفاق على قطعها: ثبوت القصاص، وإن كان فعلهم متفرقًا، ويلزم من وصول فعل كل واحد إلى الجرح المتعمَّد: ثبوت القصاص في الجرح، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قد يقع مثل ذلك، فدفعًا للضرر: شرع ما قيل من التفصيل.
(١٤) مسألة: سراية الجناية مضمونة بقصاص، أو دية على حسب ما يختاره المجني عليه أو وليه: فلو قطع زيد إصبع عمرو، فتآكل إصبع آخر، أو تآكلت اليد كلها وسقطت من المفصل: فلعمرو الحق بأن يقتص وتقطع يد زيد أو يطلب الدية، ولو شُلَّت يد عمرو بأن فسدِت، ولم ينتفع بها بسبب قطع ذلك الإصبع: ففي ذلك أرش ودية، ولو مات عمرو بسبب تلك الجناية على إصبعه، أو بسبب أن هشمه زيد في رأسه فمات: فلولي عمرو الحق بأن يقتص من زيد، أو يطلب الدية؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الجناية نفسها مضمونة بقصاص، أو دية فلولي عمرو الحق بأن يقتص من زيد، أو يطلب الدية - على حسب اختيار المجني عليه أو وليه - فكذلك سرايتها مثلها، والجامع: أن ذلك كله وقع بسبب الجناية، والأثر تابع للمؤثِّر في الحكم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم إمكان القصاص في الشلل: تعيُّن الدية.
стр. 2839
فلا شيء على قاطع؛ لعدم تعدِّيه (١٥)، لكن إن قطع قهرًا مع حر، أو برد، أو بآلة كالَّة، أو مسمومة، ونحوها: لزمه بقية الدية (١٦) (ولا) يجوز أن (يقتص من عضو قبل
(١٥) مسألة: سراية القَوَد والقصاص غير مضمونة، وهي هدر، فلو قطع زيد يد عمرو، أو جرحه في رأسه، ثم اقتص عمرو - بعد ما حكم الحاكم -، فقطع يد زيد، أو جرح رأسه كما فعل به زيد، ثم سرى ذلك حتى مات زيد: فلا يضمن عمرو ذلك، أو سري ذلك حتى شُلَّ زيد: فإن عمرًا لا يضمن شيئًا من ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو سرق، ثم قطع الحاكم يده، ثم سرى ذلك إلى نفسه فمات: فلا ضمان فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما قطع مستحق مقدَّر، لم يقع فيه تعدِّي فلا تضمن سرايته، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن سراية القود والقصاص غير مضمونة ثابت عن أبي بكر، وعمر، وعلي، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه فعلٌ بحق، فإن قلتَ: إن سراية القود والقصاص مضمونة بالدية يدفعها المقتصّ من ماله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المقتص - وهو هنا عمرو - لو ضرب عنق المقتص منه - وهو زيد -: لضمنه فكذلك الحال هنا، والجامع: تفويت نفسه في كل والمقتص - في الحقيقة - لا يستحق إلا طرفه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المقتص من الطرف - وهو عمرو - لم يضرب عنق المقتص منه حقيقة، بل أخذ حقه بالقصاص من الطرف أو الجرح، بخلاف من قصد ضرب عنقه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
(١٦) مسألة: إذا اقتصَّ المقتص - وهو عمرو في مسألة (١٥) - من المقتَصِّ منه - وهو زيد - وقطع يده قهرًا بلا إذنه، أو إذن الإمام أو نائبه، أو اقتصَّ منه مع حرارة الجو الشديدة، أو مع برودته الشديدة، أو اقتصّ منه بآلة كالَّة لا تقطع سريعًا، فمات المقتص منه: فتجب الدية على المقتص - وهو عمرو - ويسقط منها دية اليد - التي قُطعت قصاصًا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تساهل وتفريط المقتصّ هنا: =
стр. 2840
برئه)؛ لحديث جابر: "أن رجلًا جرح رجلًا، فأراد أن يستقيد فنهى النبي ﷺ أن يُستفاد من الجارح حتى يبرأ المجروح" رواه الدارقطني (كما لا تطلب له) أي: للعضو، أو الجرح (دية) قبل برئه؛ لاحتمال، السراية، فإن اقتصّ قبل: فسرايتها بعد هدر (١٧)، ولا قَوَد، ولا دية لما رُجي عوده من: نحو سن، ومنفعة في مدَّة تقولها أهل
= وجوب دية المقتص منه إذا مات بعد القصاص من يده.
[فرع]: إذا اقتصّ المقتص - وهو عمرو هنا - من المقتص منه - وهو زيد - فقطع يده بآلة مسمومة، وهو - أي: عمرو - يعلم ذلك: ثم مات المقتص منه: فيجب القصاص والقود على عمرو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون عمرو يعلم أن الآلة التي اقتصّ بها مسمومة وموت زيد بسبب ذلك، وجوب الاقتصاص من عمرو، أو الدية على حسب ما يراه ولي دم زيد فإن قلتَ: إن الدية تجب هنا، ويُسقط منها دية اليد - التي قُطعت قصاصًا - وهو ما ذكره المصنف هنا للقياس على ما لو اقتص عمرو بآلة كالَّة، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الآلة الكالَّة تقطع ولا يسري ذلك في بقية البدن غالبًا، لكن الآلة المسمومة تقطع ويسري ذلك في بقية البدن غالبًا، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
(١٧) مسألة: إذا قطع زيد يد عمرو، أو جرحه: فلا يجوز لعمرو أن يقتصّ من زيد - ويقطع يده، أو يجرحه في نفس موضع جرحه - ولا يجوز له - أي: لعمرو - أن يطلب دية يده، أو جرحه من زيد قبل شفاء وبرء جرحه - أي: جرح عمرو -، فإن اقتصّ عمرو من زيد، أو أخذ الدية قبل برء جرحه: فسرايتها هدر، أي: ليس من حق عمرو ولا وليه أن يأخذ شيئًا من زيد، ولا أن يُقتص منه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "إنه ﵇ نهى أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح"، فحرم القَوَد من الجاني قبل أن يبرأ جرح المجني عليه؛ لأن النهي مطلق، والنهي المطلق يقتضي التحريم، ودلّ بمفهوم الغاية على أنه إذا برأ =
следующие страницы →