← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الدية، وفي كل جفن ربعها) أي: ربع الدية (٤) (وفي أصابع اليدين) إذا قُطعت (الدية كأصابع الرجلين) ففيها دية إذا قُطعت (وفي كل إصبع) من أصابع اليدين، أو الرجلين (عشر الدية)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "دية أصابع اليدين، والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع" رواه الترمذي وصحَّحه (وفي كل أنملة) من أصابع اليدين، أو الرجلين (ثلث عشر الدية)؛ لأن في كل أصبع ثلاث مفاصل والإبهام) = رواية عن أحمد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن قطع اليدين فيه دية كاملة، وفي قطع اليد نصف الدية، فكذلك المنخران مثل اليدين، والجامع عدم وجود ثالث لكل من اليدين، والمنخرين، وقطع كل من اليدين، والمنخرين فيه إذهاب الجمال كله والمنفعة قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الحاجز بين المنخرين له وظيفته في إمساكهما، واشتراك المنخرين فيه، بخلاف اليدين فكل واحدة منفصلة عن الأخرى فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم". (٤) مسألة: إذا أتلف شخص أجفان شخص آخر الأربعة: فعلى المتلف: الدية كاملة، وفي كل جفن: ربع الدية؛ للتلازم؛ حيث إن في الأجفان جمال ظاهر، ونفع كامل؛ حيث إنها تحفظ العين من الحر، والبرد، وبعض الأتربة والغبار فيلزم وجوب الدية في قطعها كلها، ويلزم من ذلك أنه إذا أتلف واحدًا منها أن يكون على المتلف ربع الدية. قاعدة: كل ما في الإنسان منه شيء واحد: ففيه دية كاملة، - كما سبق في مسألة (١) - وكل ما فيه منه شيئان: ففي كل واحد منهما نصف الدية - كما سبق في مسألة (٢) -، وكل ما فيه منه ثلاثة أشياء: ففي كل واحد منها ثلث الدية - كما سبق في مسألة (٣) -، وكل ما فيه منه أربعة ففي كل واحد منها: ربع الدية - كما سبق في مسألة (٤) -، فلو ذكر ذلك المصنف لكان أولى؛ للاختصار.

стр. 2872

فيه (مفصلان، وفي كل مفصل) منهما (نصف عشر الدية (٥) كدية السن) يعني: أن في (٥) مسألة: إذا قُطعت أصابع اليدين معًا: ففيها دية كاملة، وكذا: إذا قُطعت أصابع الرِّجلين ففيها دية كاملة أيضًا، فتقسم هذه الدية على عشرة: فيكون في كل أصبع من أصابع اليدين: عُشْر الدية، فينتج: أن دية كل أصبع من أصابع اليدين العشرة: عشر من الإبل، أو عشرون من البقر، أو مائتان من الغنم، وكذلك أصابع الرجلين العشرة يُقال فيها كما في أصابع اليدين، وفي كل أنملة وهو المفصل من أصابع اليدين، ومن أصابع الرجلين: ثلث عشر الدية؛ لأن كل إصبع يتكون من ثلاثة أنامل ومفاصل، فتقسم دية الإصبع الواحد - وهو عشر الدية وهو عشرة من الإبل - على ثلاثة: فيكون لكل أُنملة ومفصل ثلاثة من الإبل، وثلث بعير، أو ست بقرات وثلثا بقرة، أو ست وستون من الغنم، وثلثا شاة، أما الأنملة والمفصل من إصبع الإبهام من أصابع اليدين أو الرجلين: ففيه نصف عشر الدية؛ فتقسم عشر من الإبل - وهو دية الإبهام - على اثنين، فيكون دية الأنملة - والمفصل من الإبهام: خمس من الإبل، أو عشر من البقر، أو مائة من الغنم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "دية أصابع اليدين والرجلين: عشر من الإبل لكل أصبع" وقال: "هذه وهذه سواء" يعني الخنصر والبنصر والإبهام، وهذا يلزم منه: أن في كل أنملة ومفصل ثلث العشر من الإبل، وفي أنملة الإبهام: نصف العشر من الإبل؛ ضرورة تقسيم ذلك - كما سبق - الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون في كل أصبع ثلاث أنامل: أن تقسم دية الإصبع الواحد على أنامله، كما قسمت دية اليد على الأصابع بالسوية، وهذا منتهى الإنصاف والعدل، وهو المقصد الشرعي منه. [فرع]: إذا قُلع أو أُتلف ظفر ولم يعد: ففيه خمس دية الإصبع - وهو: بعيران - أو أربع من البقر - أو أربعون من الغنم، وهو قول بعض من العلماء؛ لقول الصحابي؛ حيث إن هذا قد ثبت عن ابن عباس فإن قلت: إن في ذلك حكومة، =

стр. 2873

كل سن أو ناب، أو ضرس، ولو من صغير، ولم يعد: خمسًا من الإبل؛ لخبر عمرو بن حزم مرفوعًا: "في السن خمس من الإبل" رواه النسائي (٦). = وهو قول كثير من العلماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تقدير ذلك في الكتاب والسنة: أن يكون فيه حكومة؛ لأن التقديرات توقيفية قلت: إنه إذا لم يرد تقدير ذلك في الكتاب والسُّنة فقد ورد في دليل آخر احتجَّ به جمهور العلماء، وهو قول الصحابي، وهو: ابن عباس وترجمان القرآن، ثم إن القول بوجوب خمس دية الإصبع أقطع للنزاعات والاختلافات التي تحصل عند فعل الحكومة؛ حيث إنه في الحكومة يقوَّم المجني عليه كأنه عبد سليم، ثم يقوَّم والجناية به، فما نقص من القيمة فللمجني عليه مثل نسبته من الدية. فمثلًا: إذا قدرنا على أنه عبد سليم يساوي ستين، وقيمناه على أنه عبد قد جرح بخمسين، فيكون قد نقص سدس قيمته، فيكون للمجني عليه - الحر - سدس ديته وهذا يؤدِّي عادة إلى الاختلافات والنزاعات التي جاءت الشريعة بمحاربتها، فتقتضي المصلحة: وضع شيء موافق للقياس كما ذكره ابن عباس، وسيأتي بيان أن الحكومة لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى؛ لما فيها من بعض المفاسد، وذلك في مسألة (٢) من باب "الشجاج، وكسر العظام، وما يجب فيها من الديات". (٦) مسألة: إذا قُلع، أو أتلف سن، أو ضرس، أو ناب ولم يعد: ففيه خمس من الإبل - وهي: "نصف عشر الدية" وإن عاد مع وجود عيب فيه: ففيه حكومة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "في السن خمس من الإبل" وهذا يعم: الأسنان، والأضراس، والأنياب؛ لأن كل واحد منها يُطلق عليه اسم "السن" وقال ﵇: "الأصابع سواء، والثنية والضرس سواء، والأسنان سواء هذه وهذه سواء" وهو نص في المسألة يجاب فيه على من اجتهد، وقسَّم الدية الكاملة على الأسنان؛ إذ لا اجتهاد مع النص، ويدل هذا بمفهوم الصفة على أن =

стр. 2874

(فصل): في دية المنافع (و) تجب (في كل حاسة دية كاملة، وهي) أي: الحواس (السمع، والبصر، والشم، والذوق)؛ لحديث: "وفي السمع الدية" ولقضاء عمر ﵁ في رجل ضرب رجلًا، فذهب سمعه، وبصره، ونكاحه، وعقله بأربع ديات، والرجل حي (وكذا) تجب الدية كاملة (في الكلام و) في (العقل و) في (منفعة المشي و) في منفعة (الأكل و) في منفعة (النكاح و) في (عدم استمساك البول، أو الغائط)؛ لأن في كل واحد من هذه منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها كالسمع والبصر، وفي ذهاب بعض ذلك إذا عُلم بقدره: ففي بعض الكلام بحسابه، ويُقسَّم على ثمانية وعشرين حرفًا، وإن لم يُعلم قدر الذاهب: فحكومة (٧) (و) يجب (في كل واحد من الشعور الأربعة الدية، = السن أو الضرس، أو الناب إذا عاد كما كان: فإن ديته تسقط، وإن عاد بعيب: فإن فيه حكومة وأرش يقدره أهل الخبرة. (٧) مسألة: إذا أتلف شخص حاسَّة واحدة لشخص آخر - كأن أتلف وأذهب سمعه، أو بصره، أو شمه، أو ذوقه - أو أتلف وأذهب كلامه، أو عقله، أو منفعة مشيه، أو أكله، أو منفعة نكاحه، أو جعله لا يُمسك بوله، أو غائطه: فإن في كل واحد مما سبق - دية كاملة، وإذا أذهب بعض ذلك: فتجب عليه بعض الدية على حسب المتلف إذا علم الذاهب، فيقدَّر فمثلًا: لو أذهب بعض كلامه: فإن الدية كلها تُقسَّم على ثمانية وعشرين حرفًا - وهي الحروف الهجائية العربية - فإذا أتلف حرفًا: فإن عليه نصيبه من الدية، ففي الحرف الواحد ثلاثة من الإبل، ونصف بعير، وهكذا، أما إن لم يُعلم قدر الذاهب مما سبق: فإن ذلك فيه حكومة، يُقدِّرها أهل الخبرة والطب، كأن نقص سمعه، أو بصره، أو شمه، أو قلَّ مشيه، أو نكاحه، أو لا يمسك بوله أو غائطه كثيرًا، أو في كلامه ثقل، أو تمتمة، أو عجلة، أو اسود بياض عينيه، أو احمرّ، أو تقلَّصت شفته، أو أصبح لا يلتفت، أو يصعب عليه بلع ريقه أو نحو ذلك: ففي ذلك حكومة- كما سبق بيانها -؛ لقواعد؛ الأولى السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "وفي =

стр. 2875

وهي) أي: الشعور الأربعة: (شعر الرأس و) شعر (اللحية و) شعر (الحاجبين، وأهداب العينين) روي عن علي، وزيد بن ثابت ﵄: (في الشعر الدية"، ولأنه أذهب الجمال على الكمال، وفي حاجب نصف الدية، وفي هدب ربعها (٨)، = المشام الدية" في كتاب عمرو بن حزم، وقال: "وفي السمع الدية، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن رجلًا ضرب رجلًا آخر - في عهد عمر - فذهب سمعه، وبصره، ونكاحه، وعقله فقضى عمر على الجاني بأربع ديات والرجل حي وغير هذه الأشياء الأربعة مثلها في وجوب دية كاملة على من أذهبها؛ لعدم الفارق باختصاص النفع من باب "مفهوم الموافقة" الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من وجوب دية كاملة على إذهاب واحد من تلك الأشياء: وجوب بعض الدية إذا أذهب بعض واحد منها إن علمنا قدره، ويلزم من عدم علمنا بقدر الذاهب: الرجوع إلى حكومة أهل الخبرة والطب في تقدير حقه من الدية، فإن قلت: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإنسان ينتفع بكل واحد من تلك الأشياء تمام الانتفاع: فإذا أُذهب وحُرم منه: فيجب عليه تمام الدية، وهذا فيه دفع مفاسد عن المسلمين، فإن قلت: لم لم يُعدّ حاسة اللمس من الحواس هنا؟ قلت: لأنه يكتفى عنها بالكلام عن الشلل؛ حيث إن المشلول لا يحس بشيء، فإذا شُلّ إنسان بسبب جناية: فإنه لا يحس، وفي ذلك دية كاملة إذا أُصيب بشلل كامل، أما إن شُلَّ بعض أطرافه: ففي ذلك نصيبه من الدية. (٨) مسألة: إذا أذهب، وأتلف شخص واحدًا من الشعور الأربعة لدى شخص آخر: ففي كل واحد دية كاملة، ولذا: يكون في إذهاب وإتلاف شعر الرأس: دية كاملة، وكذا: في شعر اللحية، وكذا: في شعر الحاجبين، وكذا: أهداب العينين، أما إذا أذهب وأتلف حاجبًا واحدًا: ففيه نصف الدية، وأما إذا أذهب من الأهداب واحدًا: ففيه ربع الدية، وإذا أذهب نصف شعر الرأس، أو نصف شعر اللحية: ففيه نصف الدية، وهكذا؛ لقواعد: الأولى قول الصحابي؛ حيث إنه =

стр. 2876

وفي شارب حكومة (٩) (فإن عاد) الذاهب من تلك الشعور: (فنبت: سقط موجبه) فإن كان أخذ شيئًا: ردَّه (١٠)، وإن ترك من لحية أو غيرها ما لا جمال فيه: فدية كاملة (١١) (و) يجب (في عين الأعور الدية كاملة) قضى به عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، ولم يُعرف لهم مخالف من الصحابة ﵃، ولأن قلع عين الأعور يتضمَّن إذهاب البصر كله؛ لأنه يحصل بعين الأعور ما يحصل بالعينين (١٢)، وإن قلع صحيح عين = ثبت عن علي، وزيد أنهما قد ذكرا "أن في الشعر الدية" وهذا عام في الأربعة السابقة، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن في أنف الأخشم الدية كاملة فكذلك في كل واحد من الشعور الأربعة الدية، والجامع: أنه أذهب الجمال على الكمال بسبب ذلك، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من تقسيم الدية الكاملة على عدد ما ذهب: أنه إذا أذهب حاجبًا: فعليه نصف الدية لأنهما اثنان وإذا أذهب واحدًا من الأهداب فعليه ربع الدية؛ لأنها أربعة. (٩) مسألة: إذا أذهب شخص شارب شخص آخر: ففيه حكومة -كما سبق بيانها -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تقديره شرعًا: أن يكون فيه حكومة كما قلنا في الظفر في الفرع التابع لمسألة (٥). (١٠) مسألة: إذا أذهب شخص أحد الشعور الأربعة - المذكورة في مسألة (٨) - أو الشارب ثم عاد ذلك الشعر، ونبت فلا دية فيه، فإن كان المجني عليه قد أخذ من الجاني دية أو أرشًا: فإنه يردّها إليه؛ للتلازم؛ حيث إن الموجب للدية قد انتفى فيلزم أن تنتفي الدية. (١١) مسألة: إذا أذهب شخص بعض لحية شخص آخر، أو بعض شعر رأسه ونحو ذلك، وبقي ما لا جمال فيه، بل قد يكون الباقي قد شوَّه منظره: فتجب على الجاني دية كاملة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذهاب الجمال على الكمال: وجوب الدية بكاملها. (١٢) مسألة: إذا قلع شخص عين أعور - لا يرى إلا بها -: فعلى الجاني نصف الدية، =

стр. 2877

أعور أقيد بشرطه، وعليه معه نصف الدية (١٣) (وإن قلع الأعور عين الصحيح) = وهو مذهب كثير من العلماء، منهم أبو حنيفة، والشافعي، والثوري؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "وفي العين خمسون من الإبل" والخمسون هذه نصف دية الحر المسلم الذكر، فيقتضي: أن يكون في العين الواحدة نصف دية، وهذا مطلق في الأعور وغيره، ثانيهما: قوله ﵇: "وفي العينين الدية" يلزم منه: أن في العين الواحدة نصف الدية، وهذا مطلق: سواء قلعهما واحد، أو اثنان في وقت واحد، أو في وقتين، وقالع الثانية قالع عين أعور، فإن قلت: إن عليه دية كاملة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لو قلع عينيه معًا، وأذهب بصره بالكامل: فعليه دية كاملة، فكذلك الحال هنا، والجامع: إذهاب البصر كاملًا في كل، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر قد قضوا بذلك قلت: أما القياس، فلا يصح؛ لأنه قياس مع النص، و"القياس مع النص فاسد"، أما قول الصحابي: فلا يصح أيضًا؛ لأنه اجتهاد منهم مع وجود نص، "ولا اجتهاد مع النص" فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع النص" و"تعارض قول الصحابي مع النص". (١٣) مسألة: إذا قلع صحيح - أي: متمتع بالعينين - عين أعور: فإنه يُقاد بها، وتقلع عينه بشرط: أن يكون القلع عمدًا عدوانًا محضًا، والمكافأة، والمماثلة في العين: فإن تخلف شيء من ذلك: فلا قصاص ولا قود -كما سبق في شروط القصاص-، وإن تنازل عفا المجني عليه عن القصاص، أو لم تتوفر شروط القصاص: فيجب على الجاني أن يدفع نصف الدية؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ هذا إذا توفرت شروط القصاص، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين - وقد سبق أن بيّناهما بالتفصيل في مسألة (١٢) - فإن قلت: إنها تقلع عين الجاني - إذا توفرت شروط القصاص - وعليه أيضًا نصف =

стр. 2878

العينين (المماثلة لعينه الصحيحة عمدًا: فعليه دية كاملة، ولا قصاص) روي عن عمر، وعثمان، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، ولأن القصاص يفضي إلى استيفاء جميع البصر من الأعور، وهو إنما أذهب بصر عين واحدة، وإن كان قلعها خطأ: فنصف الدية (١٤) (و) يجب (في قطع يد الأقطع) أو رجله، ولو عمدًا (نصف = الدية، وإن عفا المجني عليه فعلى الجاني دية كاملة، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو مبني على قوله في مسألة (١٢)، وقد ضعَّفنا أدلة هذا القول في تلك المسألة - أعني مسألة (١٢) ـ وبيّنا فيها سبب الخلاف. (١٤) مسألة: إذا قلع الأعور عين صحيح العينين: ففيه حالتان: الحالة الأولى: إن قلع العين التي لا تماثل عينه - أي: عين الأعور - الصحيحة عمدًا أو قلع المماثلة لها خطأ: فلا قصاص، وعلى الجاني - وهو الأعور - نصف الدية؛ للتلازم؛ حيث إن هذا هو الأصل في القصاص والدية؛ حيث إنه لم يوجد تماثل بين العينين، أو قلع خطأ، فيلزم عدم القصاص، ويلزم من سقوطه وجوب نصف الدية؛ لأنه قلع عينًا واحدة، الحالة الثانية: إذا قلع الأعور العين - من الصحيح - المماثلة لعينه الصحيحة - أي: عين الأعور - عمدًا: فللمجني عليه القصاص، فتقلع عين الأعور - وإن لم يكن عنده إلّا هي - وإن عفا المجنى عليه: فله نصف الدية، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فتقلع عين الجاني كما قلع عين المجني عليه؛ إن وجدت شروط القصاص - السابقة الذكر، وهي: العمد، والمكافأة، والمماثلة - الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين، وقد ذكرناهما في مسألة (١٢)؛ حيث دلَّت على أن في العين الواحدة نصف الدية وهذا مطلق، الثالثة: القياس؛ حيث إنه لو قلعها غير الأعور: فالواجب فيها نصف الدية فكذلك إذا قلعها هو فإن قلت: لا قصاص في الحالة الثانية وعلى الجاني - وهو الأعور - أن يدفع دية كاملة؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث روي عن عمر، وعلي وعثمان ذلك، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من القصاص من =

стр. 2879

الدية كغيره) أي: كغير الأقطع، وكبقية الأعضاء (١٥)، ولو قطع يد صحيح: أقيد بشرطه (١٦). * * * = الأعور: إذهاب جميع بصر الأعور، وهو إنما أذهب بصر عين واحدة من المجني عليه، قلت: إن قول الصحابي والتلازم مبنيان على الاجتهاد، وما ذكرناه من الأدلة نصوص، ولا اجتهاد مع النص، ثم إن القصاص - إذا توفرت شروطه - هو: الحكم الأعدل والأمثل؛ لمنع اعتداء العوران على أعين الأصحّاء، ولو لم يجز القصاص هنا؛ لعمّ الفساد، وهذا هو المقصد الشرعي من ذلك، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع النص" و"تعارض التلازم مع النص". (١٥) مسألة: إذا قطع صحيح - أي: سليم اليدين والرجلين - يد الأقطع - وهو الذي لا توجد عنده غيرها - أو رجله الوحيدة: فللمجني عليه القصاص إذا توفرت شروطه، فإن عفا: فله نصف الدية؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قُطعت يد واحدة من صاحب يدين، أو رجل واحدة من صاحب رجلين: ففي ذلك نصف الدية فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه أتلف شيء واحد مما في البدن منه اثنان: فتجب نصف دية النفس. (١٦) مسألة: إذا قطع شخص أقطع - وهو من لا يوجد عنده إلا يد واحدة - يدًا واحدة من صحيح اليدين: فللمجني عليه القصاص - إذا توفرت شروطه وهي: العمد، والمماثلة، والمكافأة - فتقطع يد الأقطع - وإن لم يوجد عنده إلا تلك اليد - وإن عفا: فللمجني عليه نصف الدية - كما قلنا في الحالة الثانية من حالتي مسألة (١٤) -، والأدلة نفس الأدلة هناك. هذه آخر مسائل باب: "ديات الأعضاء ومنافعها" ويليه باب "الشجاج وكسر العظام".

стр. 2880

باب الشِّجاج وكسر العظام "الشَّجُ": القطع، ومنه: شججتُ المفازة، أي: قطعتها، (الشجَّة: الجرح في الرأس والوجه خاصة) سُميت بذلك؛ لأنها تقطع الجلدة، فإن كان في غيرهما: سُمِّي جرحًا، لا شجة (وهي) أي: الشجَّة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب (عشر) مرتَّبة (١)، أولها: (الحارصة) بالحاء والصاد المهملتين (التي تحرص الجلد، أي: تشقّه قليلًا، ولا تدميه) أي: لا يسيل منه دم، والحرص: الشق، يُقال: حرص القصار الثوب: إذا شقّه قليلًا، وتسمَّى أيضًا: "القاشرة" و"القشرة" (ثم) يليها (البازلة، وهي: الدامية، والدامعة) بالعين المهملة؛ لقلة سيلان الدم منها؛ تشبيهًا بخروج الدمع من العين (وهي: التي يسيل منها الدم، ثم) يليها (الباضعة، وهي التي تبضع اللحم) أي: تشقّه بعد الجلد، ومنه سُمِّي البضع (ثم) يليها (المتلاحمة، وهي: الغائصة في اللحم) ولذلك اشتقت منه (ثم) يليها (السمحاق وهي) التي ما بينها وبين العظم باب الشجاج وكسر العظام وفيه ثلاث عشرة مسألة: (١) مسألة: الشجُّ لغة: القطع والشق، ومنه: "شججت الصحراء" أي قطعتها، وقولهم: "شجَّت السفينة البحر": إذا قطعته وشقَّته جارية فيه والشجة في الاصطلاح: "الجرح في الرأس أو الوجه خاصة" وهي خاصة بهما، فإن وُجد ذلك الجرح في غير الرأس والوجه: فلا تسمَّى شجة، بل تسمَّى جرحًا، فإن قلت: لم سُمِّيت الشجة بالجرح؟ قلت: لأنها تقطع الجلدة من الرأس، والوجه - كما ورد ذلك في المصباح (٣٠٥) تنبيه: الشجاج عشر مراتب، لكل مرتبة اسم سماها به العرب، كما ثبت بالاستقراء منها خمس لم يقدر الشارع لها دية، وهي أخفّها، وقد بدأ بها المصنف، فإن قلت: لم جعل هذا الباب هنا؟ قلتُ: لأنه لما فرغ من ديات الأعضاء ومنافعها: ناسب أن يشرع في ديات الجروح.

стр. 2881

قشرة رقيقة) تسمَّى السمحاق، سميت الجراحة الواصلة إليها بها؛ لأن هذه الجراحة تأخذ في اللحم كله حتى تصل إلى هذه القشرة (فهذه الخمس لا مقدَّر فيها، بل) فيها (حكومة)؛ لأنه لا توقيف فيها في الشرع، فكانت كجراحات بقية البدن (٢) (٢) مسألة: الشجات الخفيفة خمس أولها: الحارصة، وهي: التي تشق الجلد وتقشر شيئًا يسيرًا من ذلك الجلد، ولم يظهر منه دم، وفيها نصف بعير، ثانيها: البازلة، وهي: التي تشقُّ الجلد، وتقشر شيئًا يسيرًا منه، ويظهر دم قليل جدًا بسبب ذلك، وتسمَّى "الدامعة"؛ لأن ما يظهر من الدم بسبب ذلك يشبه دمع العين إذا ظهر ووجه الشبه: قلَّة ما يخرج من الدم والدمع، وفيها بعير، ثالثها: الباضعة، وهي: التي تشقُّ الجلد، وتبضع اللحم وتشقّه، وفيها بعيران، رابعها: المتلاحمة، وهي: التي تشقُّ الجلد، وتغوص في اللحم وتدخل فيه دخولًا أقوى من الباضعة، ودون السمحاق، وفيها ثلاثة أبعرة، خامسها: السمحاق، وهي: التي تشقُّ الجلد، وتغوص في اللحم حتى تصل إلى قشرة رقيقة تكون عادة فوق العظم، تسمَّى تلك القشرة سمحاقًا، ولذا سُمِّيت الجراح الواصلة إليها بها، وفيها أربعة أبعرة، وهي مرتبة على حسب ما ذكر، وهذه التقادير في إرشها رواية عن أحمد، وبعض العلماء إلا الحارصة؛ لقواعد: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب قد قضيا بأن في البازلة الدامية: بعير وفي الباضعة: بعيران، وفي المتلاحمة: ثلاثة، وفي السمحاق: أربعة، وقال أحمد: "وأنا أذهب إليه" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من جعل في البازلة الدامية بعير واحد: أن يُجعل فيما هو دونها - وهي الحارصة نصف بعير؛ لأنها أقل منها ضررًا، فتكون أقل منها تكلفة على الجاني، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن هذا التقدير فيه دفع مشقة طريقة الحكومة، وهي: أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وبه جناية، فما نقص من القيمة يكون للمجني عليه مثل نسبته من الدية، فمثلًا: لو جنى زيد على عمرو بحارصة، أو بازلة - كما سبق بيانهما - فإنّا نقدِّر عمرًا وكأنه عبد، ثم نقوِّمه، =

стр. 2882

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وهو خال من الجناية بمائة، ثم نُقوِّمه بعد الجناية بثمانين مثلًا، فيكون قد نقص خمس قيمته، فيكون للمجني عليه خمس الدية، وهذه فيها مشقّة من أمور: أولها: عدم وجود العبيد الأرقّاء في كل العصور، خاصة في عصرنا هذا، ثانيها: إذا وُجد العبد الرقيق فيصعب أن نساوي الحر به من حيث ما نقص من قيمته؛ لاختلافهما في كثير من الأمور، مما يؤدي إلى الاختلافات والنزاعات، ثالثها: أن نسبة ما نقص من قيمة العبد تُجعل نسبة لما يستحق الحر المجني عليه من ديته، وهذا يزيد عما جُعل للموضِّحة من أرش ودية أو غيرها وهي خمس من الإبل - كما سيأتي - فمثلًا في المثال السابق سيكون للحر المجنى عليه- وهو عمرو - عشرون بعيرًا لأجل حارصة، أو بازلة، وهذا أكثر من أرش الموضِّحة بكثير مع أن الموضحة أكثر ضررًا على المجني عليه من الحارصة، أو غيرها - من الخمس السابقة وهذا ظلم للجاني، فدفعًا لذلك: شُرع أن يجعل لكل واحدة مما سبق ما يناسبها من الأبعرة على حسب الضرر اللاحق للمجني عليه كما قررنا، فإن قلت: إن في السمحاق نصف أرش الموضِّحة - أي فيها بعيران ونصف -؛ لأن الموضِّحة فيها خمس من الإبل كما سيأتي - وهو قول عمر وعثمان ﵄ قلت: ما ذكرناه من أن فيها أربعة أبعرة أنسب؛ لأن ما بعدها مباشرة فيها خمسة أبعرة مقدَّرة، فإن قلت: إن في تلك الشجات الخمس السابقة حكومة - كما بيّناها سابقًا - وهو ما ذكره المصنف هنا وهو مذهب الجمهور؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون النبي ﵇ قد قضى بالموضِّحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها: أن يكون فيما دونها حكومة؛ لعدم التقدير قلت: إنه ورد فيها تقدير عن زيد، وعلي بل وقع خلاف في تقدير بعضها كما ورد عن عمر وعثمان والصحابة أعلم بمقاصد الشريعة ومرادات ألفاظ الكتاب والسنة ممن جاؤوا بعدهم؛ لأنهم عاصروا النبي ﵇ وشاهدوا التنزيل، وأخذ =

стр. 2883

(وفي الموضِّحة، وهي: ما توضِّح اللحم) هكذا في خطِّه، والصواب: العظم (وتبرزه) عطف تفسير على توضحه، ولو أبرزته بقدر إبرة لمن ينظره (خمسة أبعرة)؛ لحديث عمرو بن حزم: "وفي الموضِّحة خمس من الإبل"، فإن عمَّت رأسًا، ونزلت إلى وجه: فموضِّحتان (ثم) يليها (الهاشمة وهي: التي توضِّح العظم وتهشمه) أي: تكسره (وفيها عشرة أبعرة) روي عن زيد بن ثابت ولم يعرف له في عصره مخالف من الصحابة (ثم) يليها (المنقلة، وهي: ما توضِّح العظم، وتهشمه، وتنقل عظامها، وفيها خمسة عشرة من الإبل)؛ لحديث عمرو بن حزم، (في كل واحدة من المأمومة) وهي: التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى "الآمة" و"أم الدماغ" (والدامغة) بالغين المعجمة، التي تخرق الجلدة (ثلث الدية)؛ لحديث عمرو بن حزم "وفي المأمومة ثلث الدية" والدامغة أبلغ (٣)، ....................................... = الشريعة من فيِّ النبي ﵇ خاصة زيد، وعلي ﵄ فهما ملازمان له ﵇، ثم إن هذا التقدير الذي ذكرناه لكل من الحارصة، والبازلة، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق أدفع لمشقة استعمال الحكومة- التي سبق بيانها - فهي أصلح للناس قديمًا وحديثًا -كما سبق توضيح ذلك -، وكون تقدير أرش هذه الشجات الخمس لم يرد في القرآن أو في السنة لا يمنع من أن يؤخذ تقدير أرشها من دليل آخر كقول الصحابي- لمن احتجّ به وقدَّمه على القياس - فهو أقوى من التلازم الذي ذكروه، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض التلازم مع قول الصحابي والمصلحة". (٣) مسألة: الشجّات الثقيلة والقوية خمس أولها: الموضِّحة، وهي التي توضِّح العظم وتبرزه وتظهر بياضه - تأتي بعد "السمحاق مباشرة التي ذكرت في مسألة (٢) -: سواء كان أبرزته ووضَّحته إبرازًا كثيرًا، أو قليلًا جدًا بقدر الإبرة، وفي ذلك خمسة من الأبعرة - وهي الإبل: الذكر أو الأنثى - وإن عممَّت رأسًا ونزلت إلى وجه: فيحسب ذلك على أنهما موضحتان - فيها عشرة أبعرة - وهكذا ثانيها: =

стр. 2884

وإن هشمه بمثقَّل، ولم يوضِّحه (٤)، أو طعنه في خدِّه، فوصل إلى فمه: فحكومة كما = الهاشمة، وهي: التي توضِّح العظم وتبرز بياضه وتهشمه وتكسره، وفي ذلك عشرة أبعرة، ثالثها: المنقلة، وهي: ما توضح العظم، وتهشمه، وتنقل بعض عظامه، ولا يلتئم إلا إذا نقل إليه بعض العظام وفي ذلك خمس عشرة من الإبل، رابعها: المأمومة - وهي: التي توضح العظم، وتهشمه، وتنقل العظام، وتصل إلى جلدة الدماغ وفي ذلك ثلث الدية - وهي ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث بعير - خامسها: الدامغة، وهي التي توضِّح العظم، وتهشمه، وتنقل العظام، وتخرق جلدة الدماغ، وفي ذلك ثلث الدية - وهي: ثلاث وثلاثون من الإبل، وثلث بعير-؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية" - كما ورد في حديث عمرو بن حزم، الثانية: القياس الأولى؛ بيانه: كما أن في المأمومة ثلث الدية فمن باب أولى أن يكون في الدامغة ثلث الدية؛ لأن الدامغة مأمومة وزيادة خرق جلدة الدماغ، الثالثة قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت أن في الهاشمة عشرة أبعرة عن زيد بن ثابت، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من أن اسم "الموضح" يشمل الجرح الموضِّح للعظم وجوب أرش الموضحة - وهي: خمس من الإبل- في الجرح الصغير، والكبير، والبارز والمستور، ويلزم من تعدد وجود مواضع الموضِّحة في الرأس والوجه وجود تعدد أرشها. (٤) مسألة: إذا هشم عظمه، بدون توضيحه وإبرازه ففي ذلك عشرة أبعرة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يلزم من كونه قد أوقع هشم العظم: أن تكون هاشمة وفي الهاشمة عشرة أبعرة، فإن قلت: إن في ذلك حكومة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم توضيح العظم: أنه غير مقدَّر، وغير المقدر فيه حكومة قلتُ: أن تحقُّق هشم العظم: يلزم منه: تحقق الأرش الذي في الهاشمة؛ لأن الحكم يدور مع العلَّة عندنا، فإن قلت ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في هل =

стр. 2885

لو أدخل غير زوج إصبعه في فرج بكر (٥) (وفي الجائفة ثلث الدية)؛ لما في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية" (وهي) أي: الجائفة (التي تصل إلى باطن الجوف) كبطن، ولو لم تخرق أمعاء وظهر، وصدر، وحلق ومثانة، وبين خصيتين، ودُبُر (٦) وإن أدخل السهم من جانب، فخرج من جانب آخر: فجائفتان، رواه = يُنظر إلى الهشم، أو لا؟ " فعندنا: ينظر إلى الأول. (٥) مسألة: إذا طعنه في خدِّه فوصل إلى داخل فمه، أو أدخل غير زوج إصبعه في فرج بكر فأذهب بكارتها: ففي ذلك ثلث الدية وهي - ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث - للقياس؛ بيانه: كما أن في الجائفة ثلث الدية - كما سيأتي - فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا من الفم، وفرج المرأة مجوّف، فأشبه ما لو وصل إلى البطن، فإن قلت: في ذلك حكومة وهو ما ذكره المصنف هنا وهي: أن يقدَّر الحر كالعبد إن وجد عبد، ثم يقوَّم العبد وهو سليم، ثم يقوَّم بعد الجناية فما نقص هو نسبة ما يأخذه من الدية - كما سبق في مسألة (٢) -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الفم، وفرج المرأة ليس بجوف: عدم فرض أرش الجائفة قلتُ: ليس المقصود بالجائفة هي التي تصل إلى جوف الإنسان المعروف، وإنما المقصود هو الذي يصل إلى شيء مجوَّف، لذلك لو ضربه ودخل على حلقه فعليه دية جائفة -كما سيأتي - فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المقصود في الجوف" فعندنا: عام لكل مجوَّف، وعندهم: خاص. (٦) مسألة: الجائفة فيها ثلث الدية - وهي ثلاث وثلاثون من الإبل، وثلث بعير-، والجائفة هي: الجرح الذي يصل إلى باطن مجوَّف لا يظهر شيء منه للرائي: كداخل البطن، وداخل ظهر، وداخل صدر، وداخل حلق، وداخل مثانة، وما بين الخصيتين، وما بين القبل والدُّبُر: سواء انخرقت بسبب ذلك أمعاءٌ، أو لا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "في الجائفة ثلث الدية"- كما ورد في حديث عمرو بن حزم، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا =

стр. 2886

سعيد بن المسيب عن أبي بكر (٧)، ومن وطئ زوجة لا يوطأ مثلها فخرق ما بين مخرج بول ومني، أو ما بين السبيلين: فعليه الدية إن لم يستمسك بول، وإلا: فثلثها، وإن كانت ممن يوطأ مثلها لمثله: فهدر (٨) (و) يجب (في الضلع) إذا جُبر كما كان بعير = الجرح الداخل في أي مجوَّف مؤثر على الصحة العامة والخاصة، وله سلبيات مؤثِّرة في المستقبل لذلك كان في ذلك ثلث الدية. (٧) مسألة: إذا أدخل شخص سهمًا، أو سكينًا، أو أي شيء حاد في جانب شخص، فخرج من الجانب الآخر منه: فإنه يُحسب ذلك على أنه عن جائفتين، أي: على الجاني ثلثا دية - وهو: ست وستون من الإبل، وثلثا بعير -؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن أبي بكر وعمر، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو ضربه بضربتين من جانبين، ودخلت الآلة الضاربة من كل جانب: فإن عليه جائفتين، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد نفذ ودخل من موضعين، فإن قلت: إن هذا يُحسب على أنه جائفة واحدة، فلا يجب في ذلك إلّا ثلث الدية، وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنفية؛ للتلازم؛ حيث إن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر إلى مجوَّف باطن فيلزم منه عدم وجوب شيء في الثانية التي نفذت من الباطن إلى الظاهر قلت: إن المقصود من الجائفة أوسع مما ذكرتموه فهي الجرح الذي يصل إلى الجوف: سواء كان هذا الجرح حدث من ظاهر إلى باطن، أو من باطن إلى ظاهر: فهذا الاختلاف في كيفية الحدوث غير معتبر، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المقصود بالجائفة" فعندنا: المقصود أوسع مما ذكروه كما سبق. (٨) مسألة: إذا وطئ شخص زوجة لا يُوطأ مثلها - كأن تكون صغيرة، أو هزيلة جدًا - فخرق ما بين مخرج البول والمني، أو خرق ما بين السبيلين: ففي قدر الدية حالتان: الحالة الأولى: إن أُصيبت تلك الزوجة بعدم استطاعتها لمسك البول أو الغائط، أو كلاهما بسبب ذلك الوطء: فتجب دية كاملة على الواطئ؛ =

стр. 2887

(و) يجب في كل واحدة من الترقوتين بعير)؛ لما روى سعيد عن عمر ﵁: "في الضلع جمل، وفي الترقوة جمل" و"الترقوة" العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف، ولكل إنسان ترقوتان، وإن انجبر الضلع، أو الترقوة غير مستقيمين: فحكومة (٩) (و) يجب (في كسر الذراع وهو: الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد، = للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قُطع أسكتيها، أو قُطع لسانها فلم تحس بالذوق: فإنه تجب دية كاملة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قد فوَّت منفعة ما أفسده، الحالة الثانية: إن لم تُصب بشيء؛ حيث إنها بعد هذا الخرق تمسك البول والغائط: فيجب عليه ثلث الدية؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُعتبر جائفة فيلزمه ديتها وأرشها، وهو ثلث الدية؛ [فرع]: إن كانت الزوجة ممن يوطأ مثلها، ثم وطئها، وخرق ذلك: فهدر، أي: لا شيء على الواطئ؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص إذا داوى امرأته بإذن منها، فماتت بسبب ذلك، أو قطع يد السارق بإذن من الحاكم فمات المقطوع: فلا شيء عليه، فكذلك الحال هنا؛ والجامع: أن كلًا منهما قد فعل ما له فعله شرعًا. (٩) مسألة: إذا كسر شخص ضلع شخص آخر، أو كسر ترقوة واحدة منه: فإن عليه بعير واحد لكل واحد منهما؛ بشرط أن ينجبر ذلك كما كان قبل الكسر، أما إن انجبرا غير مستقيمين فتجب عليه حكومة - كما سبق بيان المراد منها - لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "في الضلع جمل، وفي الترقوة جمل"؛ الثانية: التلازم؛ حيث إن عدم انجبار الكسر كما كان قبل الكسر فيه عيب وتشويه، ولم يقدر الشارع ذلك: فيلزم أن يُقدَّر ذلك عن طريق الحكومة -كما سبق بيانها-، فإن قلت: إن فيما سبق كله حكومة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك؛ للتلازم؛ حيث إن كون الضلع، أو الترقوة، عظم باطني لا يختص بجمال ومنفعة، يلزم منه: عدم وجوب أرش مقدَّر، قلتُ عنه جوابان: أولهما: أن هذا منتقض بالهاشمة؛ فإنها كسر عظم باطني ومع ذلك وجد فيها مقدر - وهو عشرة أبعرة كما =

стр. 2888

و) في (الفخذ و) في (الساق) والزند (إذا جبر ذلك مستقيمًا بعيران)؛ لما روي سعيد عن عمرو بن شعيب: أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كُسر: فكتب إليه عمر: "أن فيه بعيرين، وإذا كُسر الزندان: ففيهما أربعة من الإبل" ولم يظهر له مخالف من الصحابة (١٠) (وما عدا ذلك) المذكور (من الجراح، وكسر العظام) كخرزة صلب، وعصعص، وعانة: (ففيه حكومة، والحكومة: أن يقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوَّم، وهي) أي: الجناية (به قد برئت، فما نقصت من القيمة: فله) أي للمجني عليه (مثل نسبته من الدية: كأن) أي: لو قدَّرنا أن (قيمته) أي: قيمة المجني عليه لو كان (عبدًا سليمًا) من الجناية (ستون، وقيمته بالجناية خمسون: ففيه) أي: في جرحه (سدس ديته)؛ لنقصه بالجناية سدس قيمته (إلا أن = سبق في مسألة (٣) - ثانيهما: لا يُسلَّم قولكم: إن هذين العظمين لا يختصان بجمال، ولا منفعة؛ حيث إن جمالهما، ومنفعتهما لا يوجد في غيرهما، ولا مشارك لهما فيه؛ فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازمين" كما سبق. فائدة: الترقوة: هو العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف، ولا تكون الترقوة إلّا في الإنسان خاصة دون الحيوانات - كما في المصباح (٧٥) -. (١٠) مسألة: إذا كسر شخص زند شخصٍ آخر، أو فخذه، أو ساقه، أو عضده: فإن على الكاسر بعيرين بشرط: أن يكون قد انجبر ذلك المكسور مستقيمًا كما كان قبل الكسر، أما إن انجبر وهو غير مستقيم: فعلى الجاني حكومة - كما سبق بيان المراد منها في مسألة (٢، و ٥) - لقول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عمر في الزند والعضد، والساق والفخذ كالزند؛ لعدم الفارق، فإن قلت: إن كل ما سبق فيه حكومة، وهو قول الجمهور؛ للتلازم؛ وقد سبق بيان ذلك - فيما ذكره أبو حنيفة ومالك ومن معهما في مسألة، (٩)، وقد الجواب عنه، وبيان سبب الخلاف في تلك المسألة. فائدة: الزند هو: ما انحسر عنه اللحم من الذراع والعضد: ما بين المرفق والكتف.

стр. 2889

تكون الحكومة في محل له مقدَّر) من الشرع: (فلا يبلغ بها) أي: بالحكومة (المقدَّر) كشجة دون الموضِّحة، لا تبلغ حكومتها أرش الموضِّحة (١١)، وإن لم تنقصه الجناية (١١) مسألة: ما عدا ما سبق ذكره من العظام والجراح - وهي: الحارصة، والبازلة، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، والموضِّحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، والطعن في الخد، والجائفة، والضلع، والترقوة، والذراع، والزند، والساق، والعضد، والفخذ كما سبق بيانها في مسائل (٢ و ٣ و ٥ و ٦ و ٩ و ١٠): فيجب فيها حكومة، أي: ما عدا ما ذكر في تلك المسائل: الواجب فيه حكومة كخرزة صلب، وعصعص، وعانة، ونحوها، والحكومة: قد سبق بيانها في مسألتي (٢ و ٥) ولكن بشرط: أن لا تكون الحكومة في محل له مقدَّر من الشرع، فإن كان في محل له مقدَّر فلا يبلغ فيه أرش المقدَّر، فلو شجَّه في وجهه دون الموضِّحة كالسمحاق، فتسبب ذلك في نقص قيمته عشر قيمته، فمقتضى الحكومة: وجوب عشر من الإبل، وهذا لا يمكن مع أن الموضحة لا يجب فيها إلا خمس؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في كسر العظام والجراح الحكومة، وإنما خولفت في تلك العظام والجراح المقدرة في المسائل السابقة؛ لأدلة أخرجتها عن ذلك الأصل، وبقي الباقي على الأصل، وهي الحكومة، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون الموضحة كاملة لا يجب فيها إلا خمس من الإبل ـ كما سبق في مسألة (٣) -: يلزم منه: أن لا يجب في السمحاق إلا أقل من ذلك؛ لأن: السمحاق بعض الموضِّحة ولا يمكن أن يجب في البعض ما وجب في الكل وهذا مقتضى العدل والإنصاف، وهو المقصد الشرعي منه، فإن قلت: يجب ما تخرجه الحكومة كائنًا ما كان أي: سواء زاد عن أرش الموضِّحة وغيرها، أو لا وسواء في مكان المقدر أو لا، وهو قول محكي عن مالك، للقياس؛ بيانه: كما أن الكسر، والجرح في سائر البدن تجب فيها الحكومة مطلقًا، فكذلك في مواضع الشجات وهي الوجه والرأس، والجامع أن كلًا منهما جراحة وكسر لا مقدَّر =

стр. 2890

حال برء: قوِّم حال جريان دم (١٢)، فإن لم تنقصه أيضًا، أو زادته حسنًا: فلا شيء فيها (١٣). * * * = فيها فوجب فيها ما نقص مهما بلغ، قلتُ: إن تقدير الموضِّحة في خمس من الإبل فيه تنبيه وإيماء على أن ما دونها لا يزاد فيه على هذا المقدار؛ لأن الضرر في الموضِّحة أكبر، والشَّين أعظم والمحل واحد فكيف يجب فيما دونها أكثر مما وجب فيها؟!، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس". [فرع]: لا يمكن تقويم الكسر، أو الجرح إلّا بعد أن يبرأ المكسور، والمجروح، للتلازم؛ حيث إن أرش الجرح بالمقدَّر إنما يستقر ويُعرف بعد البرء فيلزم تأخير التقويم إلى ما بعد البرء. (١٢) مسألة: إذا لم تنقص الجناية قيمة، وأرش الشخص حال برءه: فإنه يُقوَّم حال جريان الدم من أثر الكسر، والجرح بما سبق ذكره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الخوف عليه من النقص: وجوب تقويمه في هذه الحال. (١٣) مسألة: إن كانت الجراحة مما لا تنقص المجروح شيئًا بعد الاندمال والبرء؛ أو زادته جمالًا وحسنًا: كقطع إصبع زائدة أو يد زائدة، أو قطع لحية امرأة: فلا يضمن الجاني؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه لم يُذهب منفعة عضو، ولم يحصل بفعله تشويه عضو: عدم تضمين الجاني؛ لكونه قد أحسن بما فعله. هذه آخر مسائل باب: "الشجاج، وكسر العظام وما يجب فيها من الأرش والدية" ويليه باب العاقلة وما تحمله، وكفارة القتل".

стр. 2891

باب العاقلة وما تحمله (عاقلة الإنسان) ذكور (عصابته كلهم من النسب والولاء قريبهم) كالإخوة (وبعيدهم) كابن ابن ابن عم جد الجاني، (حاضرهم، وغائبهم حتى عمودي نسبه) وهم آباء الجاني وإن علوا، وأبناؤه وإن نزلوا: سواء كان الجاني رجلًا أو امرأة؛ لحديث أبي هريرة: "قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان، سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لزوجها وبنتيها، وأن العقل على عصبتها" متفق عليه، يقال: "عقلت عن فلان": إذا غرمت عنه دية جنايته، ولو عرف نسبه من قبيلة، ولم يعلم من أي بطونها: لم يعقلوا عنه، ويعقل هرم، وزمن، وأعمى، أغنياء (١) (ولا عقل على باب العاقلة وما تحمله، وكفارة القتل وفيه أربع عشرة مسألة: (١) مسألة: العاقلة التي تتحمَّل دية شبه العمد، والخطأ عن الجاني هي: عصبات الجاني من الذكور البالغين الأحرار وذلك من النسب والولاء، ويدخل فيهم الآباء والأبناء والأخوة وسائر العصبات من العمومة، وأبنائهم، والموالي: وهذا مطلق، أي: سواء كانوا قريبين، أو بعيدين، وسواء ورثوا، أو لا، وسواء كانوا حاضرين، أو غائبين، وسواء كانوا شيوخًا، أو شبابًا، وسواء كانوا مرضاء، أو أصحّاء، وسواء كانوا يبصرون أو لا، وسواء كان الجاني رجلًا، أو امرأة بشرط: أن يكونوا أغنياء؛ بحيث تجب عليهم الزكاة - أي: عندهم من المال التام النصاب والحول-؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث اقتتلت امرأتان، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ "في الجنين بغرَّة: عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة المقتولة أن تكون على عاقلة المرأة القاتلة" وفي رواية: "قضى بالدية بين عصبة المرأة من كانوا لا يرثون منها إلا ما =

стр. 2892

رقيق)؛ لأنه لا يملك، ولو ملك فملكه ضعيف (و) لا على (غير مكلَّف) كصغير، ومجنون؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة (ولا) على (فقير) لا يملك نصاب زكاة عند = فضل عن ورثتها" فدل هذا على أن الدية على عصبة الجاني: سواء ورثوا، أو كان من حقهم الميراث لولا حجبهم بغيرهم، وهذا عام للبعيدين، والقريبين والغائبين والحاضرين، الثانية: التلازم؛ حيث إن العصبة في تحمُّل العقل كلهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحقُّ العصبات بميراثه فيلزم: أن يكونوا أولى بتحمُّل عقله، ويلزم من كون المريض، والشيخ الفاني، والأعمى من أهل المواساة: أن يكونوا من العاقلة، فإن قلت: إن المريض، والشيخ الفاني، والأعمى، ليسوا من العاقلة وهو قول بعض العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الصبي لا يُحسب من العاقلة فكذلك هؤلاء، والجامع: أن هؤلاء جميعًا ليسوا من النصرة قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المريض، والشيخ الفاني، والأعمى إذا كانوا أغنياء فإنهم من أهل النصرة المالية وهو المراد هنا، أما النصرة البدنية فلا حاجة للجاني فيها هنا، بخلاف الصبي فهو يملك ماله بالقوة، دون الفعل، فلا يكون من النصرة المالية ولا البدنية، فإن قلت: لم سُمِّيت العصبة، وأقارب الجاني عاقلة؟ قلت: لكونهم يعقلون عنه الدية، أخذًا من قولهم: "عقلتُ فلانًا إذا أعطيت ديته، وغرمتها عنه" مأخوذة أصلًا وهي من كون أقارب القاتل يعقلون الإبل - وهي مائة منها - بفناء وأمام بيوت أولياء المقتول. فإن قلت: لم اشتُرط الغنى في العاقلة؟ قلت: لأنهم هم الذين يستطيعون المواساة من أموالهم. [فرع]: إذا عرف نسب القاتل، وأنه من قبيلة كذا، لكن لا يعلم من أي بطونها: فإن تلك القبيلة لا تعقل عنه، للتلازم؛ حيث يلزم من كون القبيلة لا ترث القاتل فيما لو مات - كما سبق بيانه في الفرائض - فكذلك لا يعقلون عنه شيئًا، والجامع: عدم وجود أب يتميزون به، ويتفرع عنه الأقرباء في كل.

стр. 2893

حلول الحول فاضلًا عنه كحج، وكفارة ظهار، ولو معتملًا؛ لأنه ليس من أهل المواساة (ولا أنثى، ولا مخالف لدين الجاني)؛ لفوات المعاضدة والمناصرة (٢)، ويتعاقل أهل ذمة اتّحدت مللهم (٣)، وخطأ إمام وحاكم في حكمهما في بيت (٢) مسألة: الذين لا يتحمَّلون شيئًا من العقل - وإن كانوا من عصبات الجاني - سبعة وهم: ١ - الأنثى. ٢ - الخنثى. ٣ - الصبي. ٤ - المجنون - الفقير وإن كان له حرفة. ٦ - المخالف للجاني في الدِّين، فلا يعقل كافر عن مسلم، ولا العكس. ٧ - الرقيق؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن كون الأنثى، والخنثى، والصبي، والمجنون، والفقير، والرقيق ليسوا من أهل النصرة والمواساة؛ لكونهم لا يملكون مالًا، أو لكونهم مملوكين، أو لكونهم يملكونه بالقوة لا بالفعل يلزم منه: عدم كونهم من العاقلة، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا توارث بين المختلفين في الدِّين، فكذلك لا يكون أحدهما من عاقلة الآخر، والجامع: عدم التعاضد والمناصرة في كل، فإن قلت: إن الفقير يتحمَّل ويكون من العاقلة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وهو رواية عن أحمد، وبعض الحنابلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغني من العاقلة فكذلك الفقير مثله، والجامع أن كلًا منهما قريب للجاني، وهو من أهل نصرته، قلت: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إن الغني من أهل المواساة من ماله، بخلاف الفقير، كالزكاة تجب على من وجد نصابًا وحال عليه الحول- وهو زائد عن حوائجه الأصلية وعن واجباته العينية كالحج، والكفارات - أما الذي لا يجد ذلك، فلا يجب عليه شيء من عقل أو زكاة؛ لأنه يكون تثقيل عليه، بينما المراد من العاقلة: التخفيف عن الجاني، لكونه معذورًا في جنايته، فإن قلت ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس الذي ذكروه مع التلازم الذي ذكرناه". (٣) مسألة: يتعاقل أهل ذمَّة اتَّحد دينهم وملَّتهم، فإذا جنى يهودي: فإن عاقلته تكون من عصباته اليهود وهكذا؛ للقياس؛ بيانه كما أن المسلمين يتعاقلون، فكذلك =

стр. 2894

المال (٤)، ومن لا عاقلة له، أو له وعجزت، فإن كان كافرًا: فالواجب عليه، وإن كان مسلمًا: فمن بيت المال: حالًّا إن أمكن وإلا: سقطت (٥) (ولا تحمل العاقلة = هؤلاء مثلهم، والجامع: أن كلًا من المسلمين وأهل الذمة لهم ديات معصومين، ويتوارثون، فكذلك يتعاقلون. (٤) مسألة: إذا أخطأ إمام، أو نائبه في حكمهم: فإن دية ذلك لا تجب على عاقلتهما، وإنما تؤخذ من بيت المال، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن كون الحاكم ينوب عن الله في أحكامه وأفعاله يلزم منه: أن يكون أرش جنايته في مال الله تعالى، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لو تحمَّلت عاقلتهما ذلك: فإنه سيضرّ بها؛ لكثرة ما يقع من أخطاء في ذلك، وهو المقصد الشرعي منه، فإن قلت: إن الحاكم، أو نائبه إذا وقع الخطأ منهما: فإن عاقلته هي التي تتحمَّل ذلك؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر لما استدعى امرأة فأفزعها، فأسقطت مولودها، فمات بعد ولادته: دفع ديته بإشارة من علي ﵄ قلت: عنه جوابان: أولهما: أن هذا لا يدل على أنه دفع ديته من ماله، أو من عاقلته، حيث يحتمل أنه دفع ذلك من بيت المال، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، ثانيهما: على فرض أنه دفع ذلك من ماله، أو من عاقلته، فهو اجتهاد صحابي قد عارض التلازم؛ والمصلحة وهما الدليلان اللذان ذكرناهما، وهما أقوى منه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع التلازم والمصلحة". (٥) مسألة: إذا كان القاتل لا عاقلة له، أو له عاقلة ولكنها عجزت عن دفع الدية: فإن بيت المال يتحمَّل ذلك إن كان القاتل مسلمًا، فتُصرف تلك الدية لأولياء المجني عليه حالًا، فإن لم يمكن ذلك: فإن تلك الدية تسقط؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد ودى الأنصاري الذي قتل بخيبر من بيت المال، الثانية: القياس؛ بيانه كما أن المسلم إذا لم يكن له وارث: فإن تركته تصرف في بيت المال، فكذلك يتحمَّل بيت المال ديته، والجامع: السلطان ولي من لا ولي =

стр. 2895

عمدًا محضًا) ولو لم يجب به قصاص كجائفة، ومأمومة؛ لأن العامد غير معذور، فلا يستحق المواساة، وخرج بالمحض شبه العمد فتحمله (ولا) تحمل العاقلة أيضًا (عبدًا) أي: قيمة عبد قتله الجاني، أو قطع طرفه، ولا تحمل أيضًا جنايته (ولا) تحمل أيضًا (صلحًا) عن إنكار (ولا اعترافًا لم تصدّق به): بأن يقرّ على نفسه بجناية، وتُنكره العاقلة، روى ابن عباس مرفوعًا: "لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا" وروي عنه موقوفًا (ولا) تحمل العاقلة أيضًا (ما دون ثلث الدية التامة) أي: دية ذكر حر مسلم؛ لقضاء عمر "أنها لا تحمل شيئًا حتى يبلغ عقل المأمومة" (٦)، = له، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عمر وعلي قد ثبت عنهما أنهما قد عقلا من بيت المال عن من لم يكن له عاقلة، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من العجز عن دفع الدية من العاقلة، ومن بيت المال: سقوطها كما يسقط ركن الصلاة بالعجز عنه، فإن قلت: إن القاتل هو الذي يتحمَّل الدية عند عجز عاقلته عنها، وهو قول كثير من الحنابلة، وهو قول الشافعي؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل أن الدية واجبة على الجاني، وإنما تحمَّلتها العاقلة تخفيفًا عنه، فإذا عجزت: عاد الحكم إلى الأصل قلت: إن الشارع قد أوجبها على العاقلة لحكمة قصدها، وهي: أن الأخطاء تكثر، وأنه متحمّل للكفارة، فلو وجبت عليه الدية أيضًا: لثقل عليه الأمر، بينما العاقلة يتقاسمون تلك الدية: كل يدفع شيئًا يسيرًا بحيث لا يضرّهم، فلذلك يكون القول بسقوطها عند عجز العاقلة عنها هو الأرجح؛ نظرًا لهذه المصلحة. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الاستصحاب مع التلازم والمصلحة اللذين قد قلناهما". [فرع]: إذا كان القاتل كافرًا لا عاقلة له، أو له وعجزت عنها: فإن الدية تجب في ماله حالًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون بيت المال هو خاص للمسلمين: فإنه لا يعقل عن الكفار. (٦) مسألة: العاقلة لا تتحمَّل الدية في خمس حالات الحالة الأولى: إذا كان القتل قتل =

стр. 2896

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عمد محض: سواء وجب فيه قصاص، ثم عفا أولياء الدم عنه فوجبت الدية، أو لم يجب فيه قصاص أصلًا: كالجائفة والمأمومة؛ حيث إن هاتين الجنايتين لا يجب في كل واحدة منهما إلا ثلث الدية - كما سبق بيانه - لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا" وهو واضح الدلالة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون العامد غير معذور: أن يتحمَّل هو ما جنته يداه، فلا يستحق المواساة، الحالة الثانية: إذا قتل شخص عبدًا أو قطع طرفه، أو جرحه: فلا تتحمَّل عاقلة القاتل له، أو قاطعه، أو جارحه شيئًا من قيمة ذلك العبد، وكذا، لا تتحمَّل جنايته؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو أتلف متاع غيره: فإن هذا الشخص هو الذي يتحمَّل قيمة المتلف، دون عاقلته فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما مال من الأموال، وسلعة من السلع، ويؤيد بقول الصحابي السابق. الحالة الثالثة: إذا ادَّعى زيد على عمرو بأنه قتل مورِّثه، فأنكره المدعى عليه - وهو عمرو - وصالح المدعي على مال: فإن العاقلة لا تحمل ذلك المال؛ لقول الصحابي؛ وهو قول ابن عباس الذي ذكر في الحالة الأولى، الحالة الرابعة: إذا أقرّ شخص على نفسه بقتل خطأ، أو شبه عمد: فلا تحمل العاقلة دية ذلك، وإنما تجب عليه؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ وهو قول ابن عباس المذكور في الحالة الأولى، الثانية: سد الذرائع؛ حيث إنه قد يتَّفق هذا الشخص مع المقرّ له بذلك لتؤخذ الدية من العاقلة، ثم يقتسمان تلك الدية بينهما، فسدًا لهذه الحيلة: شرّع هذا الحكم، الحالة الخامسة: إذا كانت الجناية خطأ أو شبه عمد، وبلغ الأرش ما دون ثلث الدية فلا تتحمَّله العاقلة، بل تؤخذ من الجاني، أي: إذا بلغت الدية ثلاثًا وثلاثين من الإبل، وثلث بعير: فإن العاقلة تتحمَّله، أما ما دون ذلك: فلا تتحمَّله؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قضى عمر: "أنها لا تحمل شيئًا حتى =

стр. 2897

إلا غرَّة جنين مات بعد أمه، أو معها بجناية واحدة لا قبلها (٧)، ويؤجَّل ما وجب بشبه العمد، والخطأ على ثلاث سنين (٨)، ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يسهل = يبلغ عقل المأمومة" ومعلوم أن دية المأمومة ثلث الدية الكاملة -كما سبق بيانه - الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن كلَّ شخص يتحمَّل ويضمن ما جنت يداه؛ لأنه بدل ما أتلفه، وإنما خولف ذلك فيما زاد على ثلث الدية؛ لدفع المفسدة والمضّرة عن الجاني؛ نظرًا لكثرته، وما نقص من الثلث يبقى على الأصل؛ لكونه قليلًا لا يضرّ في العادة. (٧) مسألة: غرة الجنين إذا مات مع أمه، أو بعدها بسبب جناية واحدة خطأ أو شبه عمد، تحمله العاقلة مع دية أمه، ولا تحمل ذلك إذا مات قبل أمه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ديتهما وجبت في حال واحدة بجناية واحدة مع زيادتهما على الثلث: أن تتحمل ذلك العاقلة كالدية الواحدة، ويلزم من كون غرة الجنين أقل من الثلث إذا مات قبل: أمه أن لا تتحمله العاقلة؛ إذ لا تبعية لموته قبلها. (٨) مسألة: إذا وجبت الدية بسبب قتل شبه العمد أو الخطأ: فإن تلك الدية تؤجَّل على العاقلة على مدى ثلاث سنين تبدأ من حين وجوب الدية، كل سنة يُدفع ثلثها؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن عمر وعلي في قتل الخطأ، وشبه العمد مثله؛ فإن قلت: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على أفراد العاقلة. [فرع]: إذا تنازل أهل الدم عن القصاص في قتل العمد: فإن الدية تجب على حالَّة على القاتل إلا أن يتفق أهل الدم مع القاتل على التأجيل؛ حيث يلزم من كون دية العمد مغلّظة: وجوب تعجيلها على القاتل. [فرع ثان]: إذا مات أو جُنَّ، أو افتقر أحد أفراد العاقلة قبل الحول: فلا يلزمه شيء، أما إن حصل ذلك بعد الحول: فلا يسقط عنه نصيبه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزكاة تجب إذا حال الحول على النصاب، ولو مات أو جُنَّ، أو افتقر: فإنها تؤخذ من تركته، أما لو حصل ذلك قبل الحول: فلا تجب الزكاة =

стр. 2898

عليه ويبدأ بالأقرب فالأقرب، لكن تؤخذ من بعيد لغيبة قريب (٩). (فصل): في كفارة القتل (من قتل نفسًا محرمة) ولو نفسه، أو قنه، أو مستأمنًا، أو جنينًا، أو شارك في قتلها (خطأ) أو شبه عمد (مباشرة أو تسببًا) كحفره بئرًا: (فعليه) أي: على القاتل، ولو كافرًا، أو قنًّا، أو صغيرًا، أو مجنونًا (الكفارة)؛ عتق رقبة، فإن لم يجد: فصيام شهرين متتابعين، ولا إطعام فيها (١٠)، وإن كانت النفس = عليه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة، وهو لا يملك إسقاطه في حياته، فلا يُسقطه موته، وهذا جواب من قال: إن ذلك يسقط بموته. (٩) مسألة: إذا أراد الحاكم أخذ الدية من العاقلة: فإنه يجتهد في تحميل كل واحد من العاقلة ما يستطيع دفعه دون إلحاق مشقّة أو ضيق عليه، ويبدأ بأخذها من الأقرب للجاني فالأقرب: فيُقسِّمها على الآباء، والأبناء، ثم على الأخوة، ثم على الأعمام، ثم على أبنائهم، وهكذا، فإن اكتملت الدية من أموال الأقربين: فإنه لا يأخذ شيئًا من الأقرباء البعيدين، فإن لم تكتمل: فإن من هو أبعد منهم يساهم معهم؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون المقصود بتحميل العاقلة هو مواساة الجاني، والتخفيف عنه: أن لا يشق على غيره بها فيفرض على كل فرد ما يقدر عليه، ويلزم من كون هذا لا نص فيه: أن يُرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم كتقدير النفقات، الثانية: القياس؛ بيانه كما أنه يُقدَّم في الميراث الأقرب فالأقرب، وإذا لم يوجد القريب دخل البعيد في ذلك فكذلك يُفعل في العاقلة والجامع: أن القريب أولى بالتقديم، والغرم بالغنم، وهو المقصد منه. [فرع]: إذا تساوت جماعة في القرب من الجاني: فإنه يُقسَّم القدر الذي يلزمهم بينهم بالتساوي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تساويهم في القرابة المقتضية للعقل: تساويهم في الحكم. (١٠) مسألة: إذا قتل شخص شخصًا آخر - معصوم - الدم: قتل خطأ، أو شبه عمد: =

стр. 2899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فتجب عليه كفارة القتل، وهي: تحرير رقبة مؤمنة ـ أي: عتق عبد أو أمة مسلمين-، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وهذا مطلق، أي: سواء كان القاتل ذكرًا أو أنثى أو خنثى، وسواء كان مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان حرًا، أو عبدًا، وسواء كان بالغًا، أو صغيرًا، وسواء كان عاقلًا، أو مجنونًا، وسواء كان المقتول ذكرًا أو أنثى أو خنثى، عبدًا، أو حرًا، مسلمًا، أو كافرًا، مستأمنًا، وسواء كان حيًا خارج بطن أمه، أو كان جنينًا داخل بطنها بأن ضربها فألقته ميتًا، وسواء كان قد باشر القتل منفردًا، أو متسبِّبًا كحفر بئر، وسواء كان منفردًا أو مع جماعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ حيث إن هذه الآية أوجبت الكفارة على القاتل خطأ، وهي عامة لكل من ذكرنا من القاتلين من المسلمين، والكفار، والأحرار والعبيد إلى آخر من ذكرنا، وهي موجبة للكفارة على الترتيب: حيث إن الواجب العتق على من يقدر عليه، فإن لم يقدر عليه: فيصوم شهرين متتابعين؛ الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه في كفارة الظهار، وكفارة الوقاع في نهار رمضان: يعتق رقبة، فإن لم يجد، فيصوم، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينًا، فكذلك يُفعل في كفارة القتل مثل ذلك، والجامع: أن كلا منها كفارة شُرعت لتكفير الذنب، وهذا مثله، ثانيهما: كما أن الكفارة تجب في قتل الخطأ، فكذلك تجب في قتل شبه العمد والجامع: أن كلا منهما لم يُقصد فيه القتل، فإن قلت: إن كفارة القتل لا إطعام فيها، بل إن القاتل إذا عجز عن العتق، والصوم: فإنه يثبت في ذمته =

стр. 2900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حتى يستطيع فعل أحدهما، فإن مات: فإن الكفارة تسقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث إن الآية السابقة الذكر لم تذكر الإطعام، فيستدل بمفهوم ذلك على عدم الإطعام، قلتُ: إن عدم ذكر ذلك في الكتاب، لا يمنع من ثبوته بدليل آخر، وهو القياس كما سبق بيانه كسائر الكفارات، وكلّا من الكتاب، والقياس حجة يثبت الأحكام، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المفهوم مع القياس". [فرع]: الشخص إذا قتل نفسه خطأ: فلا تجب عليه كفارة، وهو قول جمهور الحنفية، وكثير من الحنابلة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي ﵇ فيه بكفارة، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا يجب عليه ضمان نفسه، فكذلك لا تجب الكفارة على قتل نفسه، فإن قلت: بل تجب الكفارة عليه وتؤخذ من تركته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وهو مطلق في حق قتل نفسه، أو غيره قلتُ: إن المراد بالآية: إذا قُتِل بقرينة قوله بعد ذلك: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وقاتل نفسه لا تجب لنفسه الدية، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد بالآية". [فرع ثان]: إذا اشترك مجموعة من الأشخاص في قتل واحد خطأ أو شبه عمد: فتجب على كل واحد كفارة كاملة، للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترك مجموعة في قتل عمد محض: فيجب أن يُقتصَّ من كل واحد منهم فكذلك تجب على كل واحد منهم كفارة كاملة والجامع: أن كلًا من القصاص والكفارة لا يتبعَّض فإن قلت: بل تجب عليهم كفارة واحدة يتقاسمونها وهي رواية عن أحمد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ و"من" تتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب إلا دية واحدة =

стр. 2901

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يتقاسمونها، فكذلك لا تجب إلا كفارة واحدة قلتُ: إن الدية تتبعَّض، بخلاف الكفارة فلا يمكن فيها التبعيض، ومع هذا الفرق: فلا قياس، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: "سببه تعارض القياسين". [فرع ثالث]: تجب الكفارة بقتل العبد، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ إلخ، وهو مؤمن فيشمله النص، فإن قلت: لا تجب في قتله كفارة، وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قتل بهيمة فلا كفارة، فكذلك إذا قتل عبدًا مثل ذلك، والجامع: أن كلًا منهما مضمون بالقيمة، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع عموم الكتاب". [فرع رابع]: لا كفارة في قتل العمد؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ .. ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ حيث يلزم من هاتين الآيتين: أن العمد لا كفارة فيه؛ لكونه ذكر الخطأ وذكر الكفارة، وذكر العمد ولم يذكر كفارة، بل جعل جزاءه جهنم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن عمرًا بن أمية، الضمري، وسويد بن الصامت قد قتلا عمدًا: فأوجب النبي ﵇ القَود عليهما، ولم يوجب عليهما كفارة، فإن قلت: بل تجب الكفارة في القتل العمد، وهو رواية عن أحمد، وهو قول الشافعي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال وائلة بن الأسقع: أتينا النبي ﵇ بصاحب لنا قد أوجب بالقتل فقال: "اعتقوا عنه رقبة يُعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار" فأوجب هنا الكفارة؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الكفارة تجب في الخطأ فإنها تجب في العمد من باب أولى؛ لأن العمد أعظم جرمًا، فتكون حاجة القاتل إلى تكفير ذنبه أعظم قلتُ: أما حديث وائلة: فيُحتمل أنه قتل خطأ، ويحتمل أنه قتل شبه عمد، ويحتمل أنه أمرهم بالكفارة أمر استحباب، وإذا تطرق الاحتمال =

стр. 2902

مباحة كباغ، أو القتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه: فلا كفارة (١١)، ويكفِّر قنٌّ بصوم (١٢)، ومن مال غير مكلَّف وليه (١٣)، ............................................................................... = إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما القياس: ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن القاتل خطأ وشبه العمد معذور بعض العذر في قتله، وفيه نوع تفريط، فشرعت الكفارة هنا؛ لأنها تقوى على تكفير ذنبه لخفَّته، بخلاف القاتل عمدًا عدوانًا: فلا عذر له، فلا تقوى أيُّ كفارة لتكفير ذنبه كما قال ﵇: "ثلاثة لا يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: "أشيمط زان، وعائل مستكبر، وملك كذاب" فهؤلاء لا عذر لهم في ذنوبهم تلك، لذلك لا يُقبل منهم أي شيء، فكانت عليهم تلك العقوبات، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض النصوص" و"تعارض القياس مع النص". (١١) مسألة: إذا قتل زيد عمرًا، وعمرو مستحق للقتل، ونفسه مباحة: كأن يكون عمرو حربيًا، أو من البغاة، أو قطاع الطرق، أو من المحاربين، أو كان عمرو زانيًا محصنًا، أو كان مستحقًا للقصاص، أو الحد، أو كان مرتدًا، أو صال عمرو على زيد يريد قتله، أو فعل الفاحشة فيه، أو في واحد من أهله، أو سرقة ماله، فقتله زيد دفاعًا عن نفسه، أو قتل زيد نساء أهل الحرب، أو صبيانهم: فلا كفارة على زيد في كل الصور السابقة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القتل في تلك الصور السابقة مأمور به: عدم وجوب الكفارة؛ لكون الكفارة لا تجب لمحو المأمور به، ويلزم من عدم إيمان نساء أهل الحرب وصبيانهم وعدم أمانهم: عدم الكفارة في قتلهم. (١٢) مسألة: يُكفِّر العبد إذا قتل قتل خطأ، أو شبه عمد بصوم فقط؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ملكه للمال: أن يُكفِّر بالصوم؛ لأنه هو الذي يملكه. (١٣) مسألة: يُكفِّر ولي الصبي، والمجنون عنهما بإعتاق عبد من مالهما، فإن لم يستطع:

стр. 2903

وتتعدَّد بتعدُّد القتل (١٤). * * * = فإنه -أي: الولي - يطعم ستين مسكينًا عنهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم إمكان الصوم منهما: تعين العتق، فإن لم يقدر، فالإطعام فقط، ولا صوم؛ لكون الصوم يحتاج إلى نية، ولا نيابة في النية، كما يخرج عنهما زكاة ماليهما. (١٤) مسألة: إذا تعدَّد القتل الخطأ، أو شبه العمد من شخص: فإن الكفارة تتعدَّد عليه؛ للقياس؛ بيانه كما أن الدية تتعدَّد بتعدد القتل، فكذلك الكفارة مثلها والجامع قيام كل قتل بنفسه، وعدم تعلُّقه بغيره. هذه آخر مسائل باب: "العاقلة وما تحمله وكفارة القتل" ويليه باب "القسامة".

стр. 2904

باب القسامة (وهي) لغة: اسم القسم، أقيم مقام المصدر، من قولهم: أقسم إقسامًا، وقسامة، وشرعًا: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) (١) روى أحمد ومسلم: "أن النبي ﷺ أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية" (٢)، ولا تكون في دعوى قطع باب القسامة وفيه عشرون مسألة: (١) مسألة: القسامة لغة: مأخوذة من أقسم، إقسامًا، أي: حلف حلفًا ويمينًا، وسمِّيت بـ "القسامة"؛ لكونها أيمان كثرت وتكررت وبولغ فيها، وهي في الاصطلاح: "أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم" والمراد من ذلك: أن يُقتل قتيل يغلب على الظن أن القاتل بينه وبين القتيل عداوة وبغضاء، أو بينه وبين أهله عداوة وبغضاء، ولم يُعلم قاتله يقينًا، ولا بيِّنة في ذلك، فيحلف ورثة المقتول خمسين يمينًا بأنهم قتلوه ثم يحلف المدَّعى عليهم قتله خمسين يمينًا بأنهم لم يقتلوه، وسيأتي بيان ذلك وشروطه. (٢) مسألة: القسامة مشروعة وأصل من أصول الشرع؛ للسنة القولية والفعلية، والتقريرية؛ حيث إن النبي ﵇ "قد أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية" - كما روى ذلك مسلم وأحمد، قال ابن عباس: "أول قسامة كانت فينا بني هاشم رجل منا قتله رجل من قريش، فقال أبو طالب: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، أو يحلف خمسون من قومك، وإلا: قتلناك به، فحلفوا" وروى من سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج: أن محيصة بن مسعود، وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر، فتفرّقا في النخيل، فقتل عبد الله بن سهل، فاتّهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن، وأبناء عمه حويصة، ومحيصة إلى النبي ﷺ فتكلموا في أمر صاحبهم، فقال النبي ﵇: "يُقسم خمسون منكم على رجل منهم =

стр. 2905

طرف، ولا جرح (٣) (ومن شروطها) أي: القسامة: (اللَّوث، وهو: العداوة الظاهرة كالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بالثأر)، وكما بين البغاة، وأهل العدل، وسواء جد مع اللَّوث أثر قتل أو لا (٤) (فمن ادعي عليه القتل من غير لوث: حلف يمينًا = فيدفع إليكم برمته" فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمين منهم" فقالوا يا رسول الله: قوم كفار ضلال قال: فوداه رسول الله ﷺ من قبله، فإن قلت: لَمِ شُرعت القسامة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيها مصالح للعباد من حيث الأخذ بحق شخص قتل ظلمًا ولم يعلم من قتله قطعًا إعزازًا له ولقومه، فإن قلت: إن الأصل: أن البيِّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر كما هو نص الحديث، فلا أيمان على المدّعي، قلت: إن حادثة القتل إذا حصلت بهذه الطريقة فلها أصل آخر قد ورد في السنة القولية والفعلية والتقريرية السابقة الذكر، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر إلا في القسامة" وهذا الاستثناء زيادة ثقة يجب العمل بها؛ لأنها حجة فيخصَّص بهذا الاستثناء الأدلة العامة، فإن قلت: لَمِ ذكر هذا الباب بعد القصاص، والديات، والعاقلة وما تحمله؟ قلتُ: لمناسبته لما سبق ذكره؛ حيث إن ما سبق يبحث عن حق القتيل إذا عُرف قاتله، أما هنا فيبحث عن القسم الآخر، وهو: حق القتيل إذا لم يعرف قاتله. (٣) مسألة: في الأول - من شروط صحة القسامة - أن يدَّعي أولياء المجني عليه القتل بالعمد، أو شبهه، أو الخطأ، لذلك لا تكون في دعوى قطع طرف، أو دعوى جرح، أي: إذا قُطعت يد إنسان أو جُرح: فلا يُطالب بالقسامة، ولا تشرع في حقه؛ للتلازم؛ حيث إن القسامة وردت في النفس وثبتت فيها فقط - على خلاف الأصل - وذلك لعِظَم حرمتها فيلزم: اختصاص القسامة بالنفس، دون الأطراف، والجروح، وهذا مثل الكفارة. (٤) مسألة: في الثاني - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يكون هناك عداوة =

стр. 2906

واحدة وبريء)؛ حيث لا بيّنة للمدعي كسائر الدعاوى، فإن نكل: قضي عليه بالنكول، إن لم تكن الدعوى بقتل عمد، فإن كانت به: لم يحلف، وخُلِّي سبيله (٥)، = ظاهرة، وشرّ واضح بين المدَّعى عليه والمقتول: كالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بثأر كما كان بين الأنصار ويهود خيبر، وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين البغاة، وأهل العدل وما بين الشرطة واللصوص، وكل ما بينه وبين المقتول ضِغَن يغلب على الظن أنه قتله لأجل ذلك، وهذا مطلق، أي: سواء وجد مع تلك العداوة الظاهرة أثر قتل على المقتول أو لا، وسواء وجد القتيل في موضع لعدو أو لا؛ للسنة القولية، والتقريرية؛ حيث إن النبي ﵇ في حديث عبد الله بن سهل السابق الذكر في مسألة (٢) - لم يسأل الأنصار هل كان في خيبر غير اليهود أم لا؟ والظاهر وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكًا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلاتهم منها، وعمارتها، والاطلاع عليها، يؤيده: أنها كانت مدينة على جادة فيبعد أن تخلو من غير أهلها، وكذا: قول الأنصار: "ليس لنا عدو بخيبر إلا اليهود" يلزم منه: أن بها غيرهم ممّن ليس بعدو، وترك الاستفسار عن الحال يُنزل منزلة العموم في المقال، أي: يعم جميع الحالات التي ذكرناها، فإن قلتَ: يُشترط في اللوث: أن يكون على القتيل أثر قتل، وهو رواية عن أحمد، - وهو قول أبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود أثر قتل: أنه مات حتف أنفه قلتُ: لا يشترط ذلك؛ للسنة السابقة الذكر؛ فلم يسأل النبي هل به أثر أو لا. (٥) مسألة: إذا وُجد قتيل، فادَّعى أهل المقتول على شخص بأنه هو الذي قتله بدون لوث، وعداوة ظاهرة بينه وبين المقتول: فإن هذا المدعى عليه يحلف يمينًا واحدة بأنه لم يقتله، ويبرأ بذلك، فإن امتنع ذلك الشخص المدَّعى عليه عن اليمين ونكل، فإنه يُقضى عليه بالنكول وتؤخذ منه الدية: سواء كانت الدعوى عليه قتل خطأ، أو شبه عمد، أو عمد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال عليه =

стр. 2907

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = السلام "البيّنة على المدّعي واليمين على المنكر" وقال: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى قوم دماء رجال، وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"؛ حيث أوجب اليمين على المدعى عليه وهذا عام، فيشمل جميع الدعاوى، ومنها ما نحن فيه، الثانية: القياس وهو من وجوه: أولها: كما أنه في دعوى المال يستحلف يمينًا واحدة، فكذلك دعوى الدم والقتل والجامع: أن كلًا منهما دعوى في حق آدمي، ثانيها: كما أنه في سائر الدعاوي إذا نكل: فإنه يقضى عليه بالدعوى، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلا منهما نكول عن وجوب مال عليه، ثالثها: كما أن الحد يدرأ بالشبهة فكذلك القصاص مثله لا يجب بالنكول، والجامع: الشبهة والحجّة الضعيفة لا يُقتص بها، ولا يحدّ بها، أي: أن القتل لم يثبت ببيّنة ولا إقرار، ولم يعضده لوث: فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل، والأيمان بدل عن الإقرار والبيّنة، والبدل يكون عادة أضعف من المبدل، والضعيف شبهة والشبهة تدرأ الحد والقصاص، فإن قلت: إن كانت الدعوى بقتله عمدًا بدون لوث وعداوة: فإنه لا يحلف المدعى عليه ويُخلَّى سبيله وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الدعوى ليس بمال عدم الحلف قلتُ: إنه لا فرق بين الدعوى هذه، والدعوى بمال كما سبق بيانه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس"، فإن قلت: إن نكل المدَّعى عليه، فإن اليمين ترد إلى المدّعى فيحلف خمسين يمينًا، فيستحق المدعى عليه القصاص بذلك وهو قول كثير من الشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الدية وجبت بالنكول فكذلك القصاص، والجامع: أن كلًا وجب بسبب القتل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن القصاص لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال، ولا بالشاهد واليمين، ويُحتاط له، ويُدرأ بالشبهات بخلاف الدية فتثبت بما سبق، ولا تدرأ بالشبهات، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلت: سببه: =

стр. 2908

ومن شرط القسامة أيضًا: تكليف مدَّعى عليه القتل (٦)، وإمكان القتل منه (٧)، ووصف القتل في الدعوى (٨)، وطلب جميع الورثة، واتفاقهم على الدعوى (٩)، وعلى = " تعارض القياسين" فنحن قسنا القصاص على الحد؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على الدية، لأنه أكثر شبهًا بها عندهم. (٦) مسألة: في الثالث - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يكون المدَّعى عليه القتل مكلَّفًا - أي: يكون بالغًا عاقلًا - فإن كان صبيًا، أو مجنونًا: فلا القسامة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تكليفهم: عدم صحة الادِّعاء عليهم بشيء. (٧) مسألة: في الرابع - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يكون المدَّعى عليه القتل قادرًا على القتل ممكنًا منه فإن كان لا يقدر عليه؛ لمرض، أو ضعف ظاهر، أو كونه بعيدًا عن المكان الذي قُتل فيه القتيل، ولا يمكنه المجيء إليه، أو نحو ذلك مما يكذبه الحس: فلا تصح القسامة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم القدرة على القتل نفي القتل عنه، وإذا ثبت نفيه: فلا قسامة. (٨) مسألة: في الخامس - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يصف المدَّعي - وهم ورثة القتيل - في الدعوى: طريقة القتل: كأن يقول: جرحه بسيف، أو سكين، أو خنجر أو رماه ببندقية، في محل كذا من بدنه، أو خنقه، أو ضربه، أو أغرقه، أو هدم عليه جدارًا، أو أي شيء يقتل غالبًا؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه اطّلاع على سبب الموت، واطلاع على القاتل هل هو متمكِّن من القتل بهذه الطريقة أو لا؟ فيلزم اشتراط ذلك الوصف. (٩) مسألة: في السادس - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يطلب جميع الورثة القسامة، ويتفقوا على الدعوى للقتل، فإن طلب بعضهم ذلك، دون بعضهم الآخر، أو أنكر بعضهم ذلك: فلا قسامة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم انفراد البعض بالحق: اشتراط جميعهم فيه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط اتفاق الورثة بالمطالبة بالقصاص من قاتل مورثهم، فكذلك الحال هنا، =

стр. 2909

عين القاتل (١٠)، وكون فيهم ذكور مكلَّفون (١١)، وكون الدعوى على واحد = والجامع: أن كلًا منهما فيه دعوى قتل. (١٠) مسألة: في السابع - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يتفق جميع الورثة على عين القاتل، بأن يُعينوا قاتلًا لمورِّثهم، أما إن قال بعض الورثة قتله زيد، وقال بعضهم الآخر، بل قتله عمرو، أو قال فريق ثالث منهم: لا أعلم قاتله، فلا قسامة؛ للتلازم؛ حيث إن الأيمان أُقيمت مقام البينة فيلزم أن يُعيَّن القاتل كما يُعين بالبيِّنة. (١١) مسألة: في الثامن - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يكون المدعون ذكورًا مكلَّفين: سواء كانوا حاضرين، أو غائبين، ولا مدخل للنساء، ولا للصبيان، ولا للمجانين في القسامة: عمدًا كان القتل أو خطأ؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "يُقسم خمسون رجلًا منكم ويستحقون دم صاحكبم"، حيث دل مفهوم الصفة على: أن لا مدخل للنساء، ولا للصبيان ولا للمجانين في القسامة؛ لأن لفظ "رجل" يلزم منه ذلك، إذ الرجل ضد المرأة، وهو يُطلق عادة على البالغ العاقل، الثانية: القياس؛ بيانه: أن الصبي أو المجنون لا يقبل إقراره في حق نفسه، فكذلك لا يُقبل في حق غيره من باب أولى، فإن قلت: إن للنساء مدخلًا في القسامة في قتل الخطأ، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يقسم كل وارث بالغ عاقل؛ للقياس؛ بيانه كما أن النساء وغيرهن من العقلاء البالغين يقسمون في الدعاوى الأخرى فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منها يمين في دعوى، قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص، ولا قياس مع النص، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص"، فإن قلت: لِمَ أخرجت النساء هنا؟ قلتُ: لأن الجناية المدعاة التي يجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته فإن قلت: لم أخرج الصبي والمجنون هنا؟ قلتُ: لأن الأيمان حجّة على الحالف، والصبي والمجنون لا تثبت بقولهما حجة. =

стр. 2910

معيّن (١٢)، (١٣)، ويُقاد فيها إذا تّمت الشروط (١٤) (ويبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم فيحلفون خمسين يمينًا) (١٥)، = [فرع]: الخنثى المشكل لا يقسم؛ للتلازم؛ حيث إن احتمال كونه امرأة يلزم منه: عدم دخوله في القسامة كالمرأة، فإن قلت: إنه يقسم؛ للتلازم؛ حيث إن احتمال كونه ذكرًا: يلزم منه دخوله. قلت: إن الاحتمال الذي ذكرناه أحوط". (١٢) مسألة: في التاسع - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يتفق الورثة على شخص معيَّن مفرد، لا أكثر، ولا مبهم، فلو قالوا: قتله زيد منهم مع آخر، أو قال: قتله زيد أو عمرو: فلا قسامة؛ للقياس؛ بيانه كما أن سائر الدعاوى لا تُسمع إذا لم يكن المتهم واحدًا معينًا فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منها دعوى على غير معين. (١٣) مسألة: في العاشر - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يتفق المدَّعون - وهم أولياء المقتول وورثته - على القتل بحضرة حاكم - وهو القاضي المجتهد-؛ للتلازم؛ حيث إن النظر في توفر شروط صحة القسامة يحتاج إلى مجتهد يفصل في ذلك ويُلزم في حكمه ولا يقوم بذلك إلا الحاكم المجتهد، فلزم حضوره. (١٤) مسألة: إذا تمت شروط صحة القسامة العشرة - السابقة الذكر في مسائل (٣ و ٤ و ٦ و ٧ و ٨ و ٩ و ١٢ و ١٣) -، وتأكد الحاكم المجتهد من توفر تلك الشروط، وتوفرت شروط القصاص والقود والاستيفاء السابق ذكرها في باب: "شروط وجوب القصاص" وباب "استيفاء القصاص" وأقسم المدَّعون، وهم أولياء المقتول خمسين يمينًا: فإن المدعى عليه يُقاد بذلك، ويُقتل به؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيُدفع إليكم برمَّته" وفي لفظ: "ويُسلَّم إليكم"، وهذا يلزم منه القصاص والقود من المدَّعى عليه القتل مع توفر الشروط السابقة الذكر (١٥) مسألة: الأيمان تُشرع في حق المدَّعين -وهم الرجال من أولياء المقتول وورثته- =
следующие страницы →