← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

واحدة وبريء)؛ حيث لا بيّنة للمدعي كسائر الدعاوى، فإن نكل: قضي عليه بالنكول، إن لم تكن الدعوى بقتل عمد، فإن كانت به: لم يحلف، وخُلِّي سبيله (٥)، = ظاهرة، وشرّ واضح بين المدَّعى عليه والمقتول: كالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بثأر كما كان بين الأنصار ويهود خيبر، وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين البغاة، وأهل العدل وما بين الشرطة واللصوص، وكل ما بينه وبين المقتول ضِغَن يغلب على الظن أنه قتله لأجل ذلك، وهذا مطلق، أي: سواء وجد مع تلك العداوة الظاهرة أثر قتل على المقتول أو لا، وسواء وجد القتيل في موضع لعدو أو لا؛ للسنة القولية، والتقريرية؛ حيث إن النبي ﵇ في حديث عبد الله بن سهل السابق الذكر في مسألة (٢) - لم يسأل الأنصار هل كان في خيبر غير اليهود أم لا؟ والظاهر وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكًا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلاتهم منها، وعمارتها، والاطلاع عليها، يؤيده: أنها كانت مدينة على جادة فيبعد أن تخلو من غير أهلها، وكذا: قول الأنصار: "ليس لنا عدو بخيبر إلا اليهود" يلزم منه: أن بها غيرهم ممّن ليس بعدو، وترك الاستفسار عن الحال يُنزل منزلة العموم في المقال، أي: يعم جميع الحالات التي ذكرناها، فإن قلتَ: يُشترط في اللوث: أن يكون على القتيل أثر قتل، وهو رواية عن أحمد، - وهو قول أبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود أثر قتل: أنه مات حتف أنفه قلتُ: لا يشترط ذلك؛ للسنة السابقة الذكر؛ فلم يسأل النبي هل به أثر أو لا. (٥) مسألة: إذا وُجد قتيل، فادَّعى أهل المقتول على شخص بأنه هو الذي قتله بدون لوث، وعداوة ظاهرة بينه وبين المقتول: فإن هذا المدعى عليه يحلف يمينًا واحدة بأنه لم يقتله، ويبرأ بذلك، فإن امتنع ذلك الشخص المدَّعى عليه عن اليمين ونكل، فإنه يُقضى عليه بالنكول وتؤخذ منه الدية: سواء كانت الدعوى عليه قتل خطأ، أو شبه عمد، أو عمد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال عليه =

стр. 2907

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = السلام "البيّنة على المدّعي واليمين على المنكر" وقال: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى قوم دماء رجال، وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"؛ حيث أوجب اليمين على المدعى عليه وهذا عام، فيشمل جميع الدعاوى، ومنها ما نحن فيه، الثانية: القياس وهو من وجوه: أولها: كما أنه في دعوى المال يستحلف يمينًا واحدة، فكذلك دعوى الدم والقتل والجامع: أن كلًا منهما دعوى في حق آدمي، ثانيها: كما أنه في سائر الدعاوي إذا نكل: فإنه يقضى عليه بالدعوى، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلا منهما نكول عن وجوب مال عليه، ثالثها: كما أن الحد يدرأ بالشبهة فكذلك القصاص مثله لا يجب بالنكول، والجامع: الشبهة والحجّة الضعيفة لا يُقتص بها، ولا يحدّ بها، أي: أن القتل لم يثبت ببيّنة ولا إقرار، ولم يعضده لوث: فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل، والأيمان بدل عن الإقرار والبيّنة، والبدل يكون عادة أضعف من المبدل، والضعيف شبهة والشبهة تدرأ الحد والقصاص، فإن قلت: إن كانت الدعوى بقتله عمدًا بدون لوث وعداوة: فإنه لا يحلف المدعى عليه ويُخلَّى سبيله وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الدعوى ليس بمال عدم الحلف قلتُ: إنه لا فرق بين الدعوى هذه، والدعوى بمال كما سبق بيانه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس"، فإن قلت: إن نكل المدَّعى عليه، فإن اليمين ترد إلى المدّعى فيحلف خمسين يمينًا، فيستحق المدعى عليه القصاص بذلك وهو قول كثير من الشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الدية وجبت بالنكول فكذلك القصاص، والجامع: أن كلًا وجب بسبب القتل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن القصاص لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال، ولا بالشاهد واليمين، ويُحتاط له، ويُدرأ بالشبهات بخلاف الدية فتثبت بما سبق، ولا تدرأ بالشبهات، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلت: سببه: =

стр. 2908

ومن شرط القسامة أيضًا: تكليف مدَّعى عليه القتل (٦)، وإمكان القتل منه (٧)، ووصف القتل في الدعوى (٨)، وطلب جميع الورثة، واتفاقهم على الدعوى (٩)، وعلى = " تعارض القياسين" فنحن قسنا القصاص على الحد؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على الدية، لأنه أكثر شبهًا بها عندهم. (٦) مسألة: في الثالث - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يكون المدَّعى عليه القتل مكلَّفًا - أي: يكون بالغًا عاقلًا - فإن كان صبيًا، أو مجنونًا: فلا القسامة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تكليفهم: عدم صحة الادِّعاء عليهم بشيء. (٧) مسألة: في الرابع - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يكون المدَّعى عليه القتل قادرًا على القتل ممكنًا منه فإن كان لا يقدر عليه؛ لمرض، أو ضعف ظاهر، أو كونه بعيدًا عن المكان الذي قُتل فيه القتيل، ولا يمكنه المجيء إليه، أو نحو ذلك مما يكذبه الحس: فلا تصح القسامة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم القدرة على القتل نفي القتل عنه، وإذا ثبت نفيه: فلا قسامة. (٨) مسألة: في الخامس - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يصف المدَّعي - وهم ورثة القتيل - في الدعوى: طريقة القتل: كأن يقول: جرحه بسيف، أو سكين، أو خنجر أو رماه ببندقية، في محل كذا من بدنه، أو خنقه، أو ضربه، أو أغرقه، أو هدم عليه جدارًا، أو أي شيء يقتل غالبًا؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه اطّلاع على سبب الموت، واطلاع على القاتل هل هو متمكِّن من القتل بهذه الطريقة أو لا؟ فيلزم اشتراط ذلك الوصف. (٩) مسألة: في السادس - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يطلب جميع الورثة القسامة، ويتفقوا على الدعوى للقتل، فإن طلب بعضهم ذلك، دون بعضهم الآخر، أو أنكر بعضهم ذلك: فلا قسامة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم انفراد البعض بالحق: اشتراط جميعهم فيه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط اتفاق الورثة بالمطالبة بالقصاص من قاتل مورثهم، فكذلك الحال هنا، =

стр. 2909

عين القاتل (١٠)، وكون فيهم ذكور مكلَّفون (١١)، وكون الدعوى على واحد = والجامع: أن كلًا منهما فيه دعوى قتل. (١٠) مسألة: في السابع - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يتفق جميع الورثة على عين القاتل، بأن يُعينوا قاتلًا لمورِّثهم، أما إن قال بعض الورثة قتله زيد، وقال بعضهم الآخر، بل قتله عمرو، أو قال فريق ثالث منهم: لا أعلم قاتله، فلا قسامة؛ للتلازم؛ حيث إن الأيمان أُقيمت مقام البينة فيلزم أن يُعيَّن القاتل كما يُعين بالبيِّنة. (١١) مسألة: في الثامن - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يكون المدعون ذكورًا مكلَّفين: سواء كانوا حاضرين، أو غائبين، ولا مدخل للنساء، ولا للصبيان، ولا للمجانين في القسامة: عمدًا كان القتل أو خطأ؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "يُقسم خمسون رجلًا منكم ويستحقون دم صاحكبم"، حيث دل مفهوم الصفة على: أن لا مدخل للنساء، ولا للصبيان ولا للمجانين في القسامة؛ لأن لفظ "رجل" يلزم منه ذلك، إذ الرجل ضد المرأة، وهو يُطلق عادة على البالغ العاقل، الثانية: القياس؛ بيانه: أن الصبي أو المجنون لا يقبل إقراره في حق نفسه، فكذلك لا يُقبل في حق غيره من باب أولى، فإن قلت: إن للنساء مدخلًا في القسامة في قتل الخطأ، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يقسم كل وارث بالغ عاقل؛ للقياس؛ بيانه كما أن النساء وغيرهن من العقلاء البالغين يقسمون في الدعاوى الأخرى فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منها يمين في دعوى، قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص، ولا قياس مع النص، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص"، فإن قلت: لِمَ أخرجت النساء هنا؟ قلتُ: لأن الجناية المدعاة التي يجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته فإن قلت: لم أخرج الصبي والمجنون هنا؟ قلتُ: لأن الأيمان حجّة على الحالف، والصبي والمجنون لا تثبت بقولهما حجة. =

стр. 2910

معيّن (١٢)، (١٣)، ويُقاد فيها إذا تّمت الشروط (١٤) (ويبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم فيحلفون خمسين يمينًا) (١٥)، = [فرع]: الخنثى المشكل لا يقسم؛ للتلازم؛ حيث إن احتمال كونه امرأة يلزم منه: عدم دخوله في القسامة كالمرأة، فإن قلت: إنه يقسم؛ للتلازم؛ حيث إن احتمال كونه ذكرًا: يلزم منه دخوله. قلت: إن الاحتمال الذي ذكرناه أحوط". (١٢) مسألة: في التاسع - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يتفق الورثة على شخص معيَّن مفرد، لا أكثر، ولا مبهم، فلو قالوا: قتله زيد منهم مع آخر، أو قال: قتله زيد أو عمرو: فلا قسامة؛ للقياس؛ بيانه كما أن سائر الدعاوى لا تُسمع إذا لم يكن المتهم واحدًا معينًا فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منها دعوى على غير معين. (١٣) مسألة: في العاشر - من شروط صحة القسامة - وهو: أن يتفق المدَّعون - وهم أولياء المقتول وورثته - على القتل بحضرة حاكم - وهو القاضي المجتهد-؛ للتلازم؛ حيث إن النظر في توفر شروط صحة القسامة يحتاج إلى مجتهد يفصل في ذلك ويُلزم في حكمه ولا يقوم بذلك إلا الحاكم المجتهد، فلزم حضوره. (١٤) مسألة: إذا تمت شروط صحة القسامة العشرة - السابقة الذكر في مسائل (٣ و ٤ و ٦ و ٧ و ٨ و ٩ و ١٢ و ١٣) -، وتأكد الحاكم المجتهد من توفر تلك الشروط، وتوفرت شروط القصاص والقود والاستيفاء السابق ذكرها في باب: "شروط وجوب القصاص" وباب "استيفاء القصاص" وأقسم المدَّعون، وهم أولياء المقتول خمسين يمينًا: فإن المدعى عليه يُقاد بذلك، ويُقتل به؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيُدفع إليكم برمَّته" وفي لفظ: "ويُسلَّم إليكم"، وهذا يلزم منه القصاص والقود من المدَّعى عليه القتل مع توفر الشروط السابقة الذكر (١٥) مسألة: الأيمان تُشرع في حق المدَّعين -وهم الرجال من أولياء المقتول وورثته- =

стр. 2911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أولًا، فيحلفون خمسين يمينًا على المدعى عليه أنه قتل مورِّثهم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث أمر ﵇ المدَّعين فيه بالقسم والحلف خمسين يمينًا وذلك في حديث سهل بن أبي حثمة - المذكور في مسألة (٢) - وقال ﵇: "البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر إلا في القسامة" وزيادة: "إلا في القسامة" زيادة ثقة - وهو الراوي وهو: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما سبق ذكره، وزيادة الثقة حجّة فتُقبل، وتخالف القاعدة في ذلك؛ لأجل اختصاصها في ذلك، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه فى اللَّعان يبدأ بأيمان المدَّعين، فكذلك في القسامة يبدأ بأيمان المدَّعين، والجامع: أن كلًا منها أيمان مكررة فإن قلت: يبدأ في القسامة بأيمان المدَّعى عليهم أولًا فيحلفون خمسين يمينًا، ويبرؤون، فإن أبوا: فإنه يُستحلف المدعون بخمسين يمينًا، ثم تثبت الدية على المدّعى عليهم؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر" وفي لفظ: "واليمين على المدَّعى عليه" فجعل الأيمان على المدَّعى عليهم أولًا، ثانيهما: روى سليمان بن يسار عن رجال من الأنصار: أن النبي ﷺ قال ليهود وبدأ بهم: "يحلف منكم خمسون رجلًا" فأبوا، فقال للأنصار: "استحقوا" قالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله الله على اليهود ابتداء قلتُ: أما حديث: "البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر": فإن حديث سهل يُرجَّح عليه؛ لأمرين: أولها: أن سهل هو صاحب القصة وحضرها فيرجح ما رواه صاحب القصة على ما رواه غيره؛ لأن ذلك من مرجحات الأخبار إذا تعارضت، ثانيها: أن حديث سهل متفق عليه بخلاف ذلك الحديث الذي ذكروه، أما حديث سليمان بن يسار: فإنه يرويه عن رجال من الأنصار، ولم يُذكر لهم صحبة وهو يُعتبر في ذلك منقطع، فلا يقوى على معارضة حديث سهل، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض =

стр. 2912

وتوزّع بينهم بقدر إرثهم، ويكمل كسر، ويُقضى لهم (١٦)، ويُعتبر حضور مدَّع ومدعى عليه، وسيد قن وقت حلف (١٧)، ومتى حلف الذكور: فالحق - حتى في عمد - لجميع الورثة (١٨). (فإن نكل الورثة) عن الخمسين يمينًا، أو عن بعضها (أو كانوا) أي: الورثة كلهم (نساء: حلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا وبرئ) إن رضي الورثة، وإلا: فدى = رواية الحديث المثبت للقسامة" وأيضًا: "الاختلاف في زيادة الثقة هل هي حجة أو لا؟ ". (١٦) مسألة: توزّع الخمسين يمينًا على المدَّعين - وهم الرجال- من الورثة ذوي الفروض والعصبات - وذلك بقدر إرثهم من المقتول، هذا إذا كانوا جماعة، ويُكمل الكسر، فإذا تَّمت الأيمان قُضي لهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من توزيع الإرث بقدر نصيب كل واحد منهم: أن توزَّع الأيمان كذلك؛ لأن الغرم بالغنم. [فرع]: إن لم يوجد إلا شخص واحد يرث المقتول حلف خمسين يمينًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم غيره: وجوبها عليه. (١٧) مسألة: يُشترط: أن يحضر المدعي، والمدعى عليه القتل، وذلك في وقت سماع الحاكم الأيمان الخمسين، ويحضر مع العبد سيده؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك يُشترط في إقامة البيِّنة على شخص معين، فكذلك يُشترط هنا، والجامع: المطالبة بالحق في كل. (١٨) مسألة: إذا حلف جميع ورثة المقتول من الذكور - واستكملت جميع الشروط السابقة الذكر-: فإن الحق في القود والقصاص، أو الدية يكون لجميع الورثة - سواء كانوا رجالًا، أو نساء، صغارًا، أو كبارًا -؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "وتستحقون دم صاحبكم" وفي لفظ: "يقسم خمسون منكم على رجل فيدفع إليكم برمّته" وأراد بذلك دم القاتل، الثانية: القياس، بيانه: كما أن البيِّنة حجة يثبت بها العمد فيجب بها القَوَد، فكذلك القسامة حجة يثبت بها القَوَد والجامع: أن كلًا منهما، حجة الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من كونه حقًا ثبت للميت: أن يثبت لورثته.

стр. 2913

الإمام القتيل من بيت المال كميت في زحمة جمعة، وطواف (١٩)، (٢٠). (١٩) مسألة: إذا طلب أولًا من أولياء القتيل أن يحلفوا خمسين يمينًا، فنكلوا وامتنعوا عنها، أو عن بعضها، أو كان الورثة كلهم نساء: فإن المدَّعى عليه يحلف خمسين يمينًا - ويقول: "والله ما قتلته في كل يمين، أو نحو هذه العبارة" فإذا أكملها: فإنه يبرأ بشرط: أن يكون ورثة المقتول قد رضوا بتلك الأيمان من المدَّعى عليه، أما إن لم يرضَ ورثة المقتول تلك الأيمان من المدَّعى عليه: فإن الإمام يفدي ذلك القتيل من بيت المال، وتُقسَّم تلك الفدية على ورثة المقتول كمن قتل في زحمة جمعة، وطواف ونحوهما؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ في حديث سهل بن أبي حثمة المذكور في مسألة (٢) -: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" حيث يلزم من ذلك: أن المدَّعى عليه يبرأ إذا حلف ذلك، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﵇ في حديث سهل السابق - أدَّى دية المقتول - وهو عبد الله بن سهل- من عنده، ولم يغرم اليهود بسبب أن الأنصار لم يرضوا بأيمان اليهود - كما سبق ذكره - الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت عن عمر وعلي: أنهما فديا من مات بسبب زحام في عرفة من بيت المال. (٢٠) مسألة: يُستحب أن يستظهر في ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدًا فيقول: "والله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور: إن هذا هو قاتل صاحبنا، أو يقول ذلك المدعى عليه ثم يقول: "إني لم أقتله ولم أشارك في قتله"؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تأكيد على ذلك، لئلا يُفهم غير ذلك، أو يتوسّع في الفهم، وهو من باب الاحتياط. هذه آخر مسائل باب "القسامة" وهو آخر أبواب كتاب "الديات" ويليه كتاب: "الحدود".

стр. 2914

كتاب الحدود جمع "حد"، وهو لغة: المنع، وحدود الله محارمه، واصطلاحًا: عقوبة مقدَّرة شرعًا في معصية؛ لتمنع الوقوع في مثلها (١)، كتاب الحدود بيان تعريفها، وحكمها، وشروط من تجب عليه ومَنْ يقيمها وأين؟ والشفاعة فيها وكيفية الضرب فى الحد، وأشد الجلد، وحكم من مات في حد، وحكم الحفر للمرجوم، وحضور إقامة الحد وفيه إحدى وثلاثون مسألة: (١) مسألة: الحدود جمع حد، والحد لغة: المنع، ومنه قولهم: "البواب حدَّاد": أي: مانع من دخول الناس، وقولهم: "حدود الله محارمه" أي: تمنع المؤمنين من الوقوع في شيء فيه حدّ من حدود الله، وتحرِّم عليهم الوقوع فيها، وهو في الاصطلاح: عقوبة مقدَّرة شرعًا بسبب فعل معصية كالزني، والقذف، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها - مما سيأتي-، فإن قلت: لِمَ جُعل كتاب الحدود بعد كتاب الجنايات والديات؟ قلت: للتناسب والتلائم بينها! إذ القصاص، والديات والكفارات والحدود عقوبات تمنع من الوقوع في مثلها، فإن قلت: لم شُرعت الحدود؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في إقامة الحدود على العصاة منع لهم ولغيرهم من أن يعتدوا على أعراض وأموال، ونسل، وعقول الآخرين، وهو: إحسان ورحمة من الله لعباده: إذ لا عيش المجتمع إلا إذا عُوقب العاصي والمعتدي بعقوبات مقدَّرة من الشارع كالحدود أو غير مقدّضرة كالتعزيرات، فإقامتها من أعظم المصالح ودفع المفاسد في العاجل والآجل للعباد والبلاد وفي المعاش، والمعاد، وترك إقامتها من أعظم المفاسد للمجتمع، إذ لا يتم أمر، ولا نهي لأي =

стр. 2915

. (٢) (لا يجب الحد إلّا على بالغ عاقل)؛ لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة" (٣) (ملتزم) أحكام المسلمين: مسلمًا كان أو ذميًا،: = حاكم مهما كان إذا تُركت إقامتها، أو تدخَّلت الشفاعات والمحسوبيات في عدم إقامتها على بعض الناس. (٢) مسألة: تجب إقامة الحدود على العصاة - على حسب ما قدره الشارع؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستند ذلك الكتاب والسنة كما سيأتي ذكر الآيات والأحاديث الدالّة بصراحة على وجوب إقامة الحدود. (٣) مسألة: في الأول - من شروط من يقام عليه الحد- وهو: أن يكون مكلَّفا- أي: بالغ عاقل -، فإن كان من زنا، أو سرق - أو فعل أي شيء فيه حد - صبيًا، أو مجنونًا أو كان في حال فعله لهذا نائمًا: فلا يُقام عليه الحد؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ". حيث دلّ هذا بمنطوقه على عدم تكليف الصبي، والمجنون، والنائم وهم في حال الصبا، والجنون، والنوم، فإذا سقطت جميع التكاليف، وهم في هذه الحالة: من عبادات، وسقطت عنهم الآثام في المعاصي، فإن الحدود تسقط عنهم إذا فعلوا من المعاصي ما يقتضيها، وهم في تلك الحالة، ودلَّ مفهوم الغاية من الحديث على أنه إذا بلغ الصبي وعقل المجنون، واستيقظ النائم: فإنهم سيُكلَّفون كغيرهم، ثانيهما: أنه ﵇ لما أراد رجم ماعز - لمَّا زنا - سأل عنه قائلًا: "أمجنون هو؟ " قالوا: ليس به بأس، فلم يسأل عنه ﵇ هذا إلا لغرض وعلَّة؛ حفاظًا لكلام النبي ﵇ عن اللغو، فيلزم من هذا السؤال: أن المجنون لا يُرجم؛ لأن السؤال كالمعاد في الجواب، والتقدير: إذا كان مجنونًا: فلا يحد"، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن مجنونة زنت في عهد عمر، فأراد عمر أن يرجمها، فمنعه علي، مستدلًا بالحديث السابق. الثالثة: القياس الأولى، بيانه: كما أن الصبي والمجنون تسقط عنهما التكاليف في العبادات، والآثام إذا فعلوا بعض المعاصي =

стр. 2916

بخلاف الحربي، والمستأمن (٤) (عالم بالتحريم)؛ لقول عمر، وعثمان، وعلي: "لا حدَّ إلّا على من علمه" (٥) (فيقيمه الإمام أو نائبه) مطلقًا: سواء كان الحد الله كحد الزنى، = فمن باب أولى أن تسقط عنهما الحدود، لكون الحدود تدرأ وتسقط بالشبهات، فإن قلت: كيف يقع الزنى في النوم ولو أقرّ به هل يقام عليه حد الزنى؟ قلتُ: مثل أن يزني رجل بنائمة، أو هي تستدخل ذكر نائم، فهذا النائم لا يُقام عليه حد الزنى، ولو أقرَّ النائم بأنه زنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كلام النائم لا يُعتبر، ولا يُعتدُّ به، ولا يدل على حجة مدلوله: أن لا يُؤاخذ على إقراره بما فعله وهو نائم. [فرع]: إذا كان الجنون غير مطبق - أي: يفيق أحيانًا -: فإن الحد يقام عليه إذا علم وقت إفاقته أما إذا لم يعلم: فلا يقام عليه حد، للسنة السابقة الذكر. (٤) مسألة: في الثاني - من شروط مَنْ يُقام عليه الحد - وهو: أن يكون ملتزمًا بأحكام المسلمين، في ضمان النفس، والمال والعرض، وإقامة الحدود ونحو ذلك: سواء كان مسلمًا، أو ذميًا، أما إن كان غير ملتزم بذلك كالكافر الحربي، والمستأمن: فلا تُقام عليهما الحدود المتعلِّقة، بحقوق الله كالزنى، أما الحدود المتعلِّقة بحقوق الآدميين كالقذف، ونحوه: فإنها تُقام عليهما؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب حيث قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وإقامة الحدود عليهم حكم بما أنزل الله، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون المسلم والذمي ملتزمين بأحكام الإسلام: إقامة الحدود عليهما؛ لأنها من ضمن الأحكام، ويلزم من كون الحربي والمستأمن: لم يلتزما بها: عدم إقامتها عليهما، لكونهما غير مكلَّفين بفروع الإسلام، ويلزم من كون الحقوق للآدميين - كالقذف، والسرقة -: وجوب إقامة الحدود فيها على الحربي والمستأمن؛ لكونه من باب الحكم الوضعي؛ حيث وجد السبب: فلا بد أن يوجد الحكم. (٥) مسألة: في الثالث - من شروط من يقام عليه الحد - وهو: أن يكون عالمًا بتحريم =

стр. 2917

أو لآدمي كحد القذف؛ لأنه يفتقر إلى اجتهاد، ولا يؤمن من استيفائه الحيف، فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه (٦)، ويُقيمه (في غير مسجد) ويحرم فيه؛ لحديث حكيم بن حزام: أن رسول الله ﷺ : "نهى أن يستقاد بالمسجد وأن تُنشد = ما تقتضي تلك الحدود: كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، والقذف وغيرها، فإن كان جاهلًا بحكم التحريم كأن يجهل تحريم الزنى، أو السرقة فيزني، أو يسرق، أو كان عالمًا بالتحريم، ولكنه يجهل عين المرأة كأن يتزوج امرأة فيُزفُ إليه امرأة أخرى فيظنها زوجته فيُجامعها، أو يُدفع إليه غير جاريته التي اشتراها فيطأها وهو يظنها جاريته: فلا يُقام على هذا حد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" والجهل شبهة، فلا يقام الحد لأجل ذلك، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر، وعثمان، وعلي، ورد عنهم: "أنه لا حدَّ إلا على من علمه"، وثبت أن عثمان قد أراد أن يرجم رجلًا قد زنا، فلما أصبح حدَّث الناس بما فعل، فمنعه علي حتى ينظر في الرجل، فلما استُدعي من الشام: وسُئل عن أحكام الإسلام وُجد أنه جاهل بها، فلم يُحد، فإن قلت: لَم شُرع هذا؟ قلت: لأنه معذور بالجهل. (٦) مسألة: لا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام، أو نائبه مطلقًا سواء كان الحد الله تعالى كحد الزنى، أو لآدمي كحد القذف؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن كون إقامة الحد مفتقر ومحتاج إلى اجتهاد - في توفّر شروط من يقام عليه ونحو ذلك - وكون استيفاء الحد لا يؤمن الحيف والزيادة على الواجب، وكون الإمام نائبًا عن الله في خلقه يلزم ذلك كله: أن لا يُقيمه إلا الإمام أو نائبه؛ لعدم قدرة غيره على ذلك، وهذا هو المقصد منه، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي كانوا يتولَّون إقامة الحدود، ويُنيبون غيرهم من ولاتهم في أطراف الدولة الإسلامية من أجل إقامتها عليهم.

стр. 2918

الأشعار، وأن تُقام فيه الحدود" (٧)، وتحرم شفاعة، وقبولها في حد الله تعالى بعد أن يبلغ الإمام (٨)، .................... (٧) مسألة: لا يجوز أن يقام الحد في أي مسجد يُصلَّى فيه؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇ "عن أن تقام الحدود بالمسجد" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلت: لم كان ذلك محرمًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إقامة الحدود في المسجد يؤدِّي إلى تلوّث وتلطيخ المسجد بما يخرج من المحدود عادة من قاذورات أثناء عملية العقوبة بالحد فدفعًا لذلك: شرع عدم الجواز هنا. [فرع]: إذا تمّت إقامة الحد في المسجد: فإنه يسقط الفرض ويصح إيقاعه فيه؛ للتلازم؛ حيث إن كون المقصود من إقامة الحدود - وهو الزجر والردع - قد حصل وكون المحدود نفسه لم يفعل ذلك: يلزم منه: سقوط الفرض عنه. (٨) مسألة: تحرم الشفاعة في حد من حدود الله تعالى، ويحرم على الإمام أن يقبل تلك الشفاعة إذا بلغه الأمر؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد وجب" حيث بيَّن بمنطوقه على وجوب إقامة الحد إذا بلغ الإمام أما قبل ذلك: فلا مانع من الشفاعة والعفو، ثانيهما: قوله ﵇: "أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ " وذلك حين شفع أسامة في المخزومية التي سرقت - حيث إنه يلزم من هذا الاستفهام الإنكاري: عدم جواز الشفاعة في الحدود، إذا بلغت الإمام، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عمر: "من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله: فقد ضاد الله في حكمه"، فقد حرم الشفاعة المانعة من إقامة الحدود؛ لأنه توعَّده بهذا الوعيد، وهو عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل محرّم، وقد ذهب إلى ذلك أيضًا من الصحابة الزبير، وعمَّار، وابن عباس، فإن قلت: لم شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إنه لو دخلت الشفاعة والمحسوبية في الحدود لأفضى إلى عدم إقامة الحدود إلا على الضعيف الذي لا يجد من يشفع له، فتقع المفاسد العظيمة، ولا =

стр. 2919

ولسيد مكلّف عالم به، وبشروطه إقامته بجلد (٩)، .......................................... = تستمر حياة مع شفاعات ووسائط ومحسوبيات، ولم يفسد الدول الإسلامية إلا ما حدث من شفاعات ومحسوبيات في ذلك. [فرع]: يجوز أن يُلقَّن الذي فعل معصية توجب حدًا ليرجع عن إقراره به ليسقط عنه الحد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ لماعز: "لعلَّك قبَّلت أو لمست"، وقال لسارق: "ما أخالك سرقت" فهذه العبارات يلزم منها جواز تلقين فاعل المعصية عمومًا بشيء يسقط عنه الحد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد أُتي بسارق فسأله: أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا، فتركه، وروي معنى ذلك عن أبي بكر، وأبي هريرة، وابن مسعود، وأبي الدرداء، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن هذا يُعتبر من تيسير الإسلام. (٩) مسألة: إذا كان المحدود عبدًا، أو أمة فلا يملك سيدهما أن يقيم الحد عليهما، ويُقيمه الإمام أو نائبه فقط - كما سبق في مسألة (٦) - سواء كان الحد جلدًا أو قطعًا، وهو قول الحنفية، وبعض العلماء من غيرهم؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث إن كون الحد يُشترط فيه شروط لا يُقام إلا باستكمالها، وهي دقيقة يندر من تكون فيه، وكونه يُخاف من الحيف والزيادة حين إقامته أو بعد ذلك: يلزم منه أن لا يُقيم الحد إلا الإمام أو نائبه؛ لأنه هو الذي يستطيع ذلك، ومعه من القوة والسلطنة ما يستطيع بها إلزام من يراه من الفقهاء بالنظر في هذا الأمر أو ذاك بخلاف السيد: فإنه يكون عامِّيًا غالبًا الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا يُقيم القطع والقتل إلا الإمام فكذلك الجلد وغيره، والجامع: أن كلًا منها حدّ من حدود الله تعالى، ولا يؤمن فيه الحيف والزيادة، والمضاعفات، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن إقامة الحدّ من قبل الإمام أو نائبه يقطع عادة المنازعات والاختلافات، بخلاف ما إذا فعله السيد، فإن قلت: إن السيد المكلَّف، العالم بإقامة الحد =

стр. 2920

وإقامة تعزير على رقيق كله له (١٠) (ويُضرب الرجل في الحد قائمًا)؛ لأنه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظَّه من الضرب (١١) (بسوط) وسط (لا جديد ولا خَلِق) - بفتح = وبشروطه يقيم الحد إذا كان جلدًا خاصة على عبده وهو قول المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم"، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك روي عن ابن مسعود، وابن عمر، وفاطمة بنت رسول الله ﵇، قلتُ: أما الحديث: فإنه يحتمل إقامة الحدود عليهم عند الإمام أو نائبه، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما قول الصحابي: فهو اجتهاد، لا يقوى على معارضة ما ذكرناه من التلازم، والقياس، والمصلحة، ثم كل يدّعي توفر الشروط عنده في حين أنه خلاف ذلك. فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة، وقول الصحابي مع أدلّتنا: التلازم، والقياس، والمصلحة". (١٠) مسألة: يجوز للسيد أن يُعزِّر عبده أو أمته بأي عقاب يرى أنه سيؤدّبه به بشرط: عدم وصوله إلى عقاب حدّ من حدود الله تعالى؛ للقياس؛ بيانه: كما أن للسيد أن يؤدِّب زوجته، أو ولده، بما يراه مناسبًا لإصلاحه، وتهذيبه فكذلك يجوز له أن يفعل ذلك مع عبد أو أمته، والجامع: أن كلًا تام الولاية عليه، وهو قاصد الإصلاح والتهذيب، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إصلاح المجتمع بذلك، وعدم الخوف من التبعات. [فرع]: لا يجوز أن يُعزِّر السيد عبدًا له فيه شريك، أو أمة مزوَّجة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قصور ولايته عليه: عدم جواز تفرُّده بتعزيره وتأديبه. (١١) مسألة: عندما يُجلد الرجل في حد من حدود الله - كحد القذف، وحد الزنى لغير المحصن، وحد شرب الخمر -: فإنه يُجلد وهو قائم، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه ونصيبه من الضرب، فيلزم أن يُضرب وهو قائم؛ تحقيقًا لذلك؛ الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال علي: "لكل موضع من =

стр. 2921

الخاء-؛ لأن الجديد يجرحه، والخَلِق لا يؤلمه (١٢) (ولا يُمدُّ، ولا يُربط، ولا يُجرَّد) = الحد حظ إلّا الوجه والفرج" وقال للجلاد: "اضرب وأوجع واتّق الرأس، والوجه" فإن قلت: لم يُعط كل عضو حقه من الضرب؟ قلتُ: لأن كل عضو نال من اللَّذة المحرمة، فيجب أن يناله شيء من العقاب، فإن قلتَ: إنه يجلد جالسًا، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم الأمر بضربه قائمًا: أن يُضرب جالسًا، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن المرأة تضرب جالسة فكذلك الرجل، والجامع: أن كلًا منهما مجلود في حد قلتُ: أما التلازم فلا يصح؛ لأن الشارع لم يُبيّن الكيفية التي ينبغي أن يكون عليها، فعلمناها من دليل آخر، وهما: التلازم، وقول الصحابي؛ حيث دلاَّ على القيام، أما القياس، فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المرأة قد أمر بجلدها وهي جالسة؛ لقصد سترها؛ لأنه يغلب على الظن أنها إذا قامت سيظهر منها شيء، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم وقول الصحابي اللذين ذكرناهما - مع التلازم والقياس اللذين ذكروهما". (١٢) مسألة: يُجلد في الحدود بسوط وسط، أي: لا يكون جديدًا شديد الضرب، ولا خَلِقًا ضعيف الضرب؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي وقوله؛ حيث إن الخلفاء الراشدين ضربوا المحدودين بالسياط وقال علي: "ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين" والمراد: وسطًا لا شديد، فيقتل، ولا ضعيف فلا يردع، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المصلحة تقتضي أن يُضرب المحدود ضربًا يؤلمه؛ لردعه وزجره، ولكن لا يجرحه فيكون قد زاد على الضرب فيكون حيفًا وظلمًا للمجلود، ونظرًا لذلك: شُرع ذلك وهو المقصد من ذلك، فإن قلت: يُضرب بالنعال والأيدي وأطراف الثياب وهو قول بعض العلماء؛ للسنة التقريرية: حيث إن النبي لما أُتي بشارب أمر بضربه قائلًا: "اضربوه" فقال أبو هريرة: "فمنَّا الضارب بيده، ومنّا الضارب بنعله، والضارب بثوبه" قلتُ: إن هذا كان =

стр. 2922

المحدود من ثيابه عند جلده؛ لقول ابن مسعود: "ليس في ديننا مد، ولا قيد، ولا تجريد" (بل يكون عليه قميص، أو قميصان)، وإن كان عليه فرو، أو جُبَّة محشوة: نُزعت (١٣) (ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد)؛ لأن المقصود تأديبه، لا إهلاكه، ولا = في أول الإسلام، ثم نسخ بالضرب بالسوط حيث ثبت عنه ﵇ ذلك، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الضرب في غير السوط هل نسخ، أو لا؟ ". (١٣) مسألة: يُجلد المحدود وعليه قميص وقميصان وهو طبيعي الوقوف، فلا يُمد المحدود على الأرض، ولا يربط بحبل في رجليه أو يديه، ولا يُشدَّان، ولا يُجرَّد من ثيابه، وإن كان عليه جُبَّة، أو فروة، أو أيُّ شيء سميك: فإنه يُنزع؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي وفعله؛ حيث جلد الخلفاء الراشدون بدون قيد وربط ولا مد، ولا تجريد، بل يكون عليه القميص والقميصان، وقال ابن مسعود: "ليس في ديننا مد، ولا قيد ولا تجريد"، الثانية: التلازم؛ حيث إن المقصود بالضرب إيقاع الألم عليه، ووجود الجبة، أو الفروة، أو أي شيء سميك على المجلود يمنع إحساسه بالألم فشرع نزع ذلك؛ تحقيقًا لذلك المقصود. فإن قلت: لِمَ لا يُمدُّ، ولا يربط، ولا يجرَّد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا مُدَّ أو قيد، فسيكون الضرب على جهة واحدة مما سيؤثِّر عليها تأثيرًا بليغًا، دون الجهات الأخرى، وإذا جُرِّد فسيشق جلده بالضرب ويُتلفه، وهذا حيف، وظلم، بينما إذا جلد وعليه القميص، أو القميصان: فإن ذلك لا يمنع ألم الضرب، وسيحقِّق الغرض الذي من أجله شُرع الجلد: فشرع ما ذكرنا، فإن قلت: إنه يُجرَّد عند جلده، وهو قول مالك وبعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الأمر بجلده: مباشرة بدنه، ولا يكون ذلك إلَّا بتجريده، قلتُ: إن الله تعالى أمر بجلده، ولم يأمر بتجريده من ثيابه عند جلده ولا يلزم تجريده؛ لأن من جلد من فوق الثوب الخفيف فإنه يصدق عليه أنه جلد، ثم إن تجريده مخالف لما فعله الصحابة، ولقولهم، =

стр. 2923

يرفع ضارب يده بحيث يبدو إبطه (و) سن أن (يُفرِّق الضرب على بدنه) ليأخذ كل عضو منه حظَّه، ولأن توالي الضرب على عضو واحد يؤدِّي إلى القتل، ويُكثر منه في مواضع اللحم كالإليتين، والفخذين، ويُضرب من جالس ظهره، وما قاربه (١٤) (ويتّقي) وجوبًا (الرأس، والوجه، والفرج، والمقاتل) كالفؤاد، والخصيتين؛ لأنه ربما أدَّى ضربه على شيء من هذه إلى قتله، أو ذهاب منفعته (١٥) (والمرأة كالرجل فيه) = وللمصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الأمر بجلد المحدود هل يلزم تجريده من ثيابه أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم. (١٤) مسألة: لا يجوز للذي يتولَّى الجلد أن يبالغ في جلد المحدود، ولعدم المبالغة في ذلك علامات: أولها: أنه لا يجلد إلّا بسوط وسط - كما سبق في مسألة (١٢) - ثانيها: أنه لا يرفع يده بحيث يظهر إبطه عند ضرب المجلود، ثالثها: أن يُفرِّق الضرب على بدنه: فيضرب كل عضو بشيء من الضرب، ولا يجعل الضرب أو أكثره على عضو واحد، رابعها: إذا انكشف الجلد بعد خرق القميص: عليه أن يتجنَّب ذلك الموضع المنكشف، خامسها: أن يُكثر الضرب على المواضع التي يكثر فيها اللحم عادة مثل: الإليتين، والفخذين، والظهر إن كان المجلود جالسًا، سادسها: أن لا يُمد المجلود ولا يُربط، ولا يُقيد، ولا يُجرَّد؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من جلده: تأديبه، وإصلاحه، لا إهلاكه فيلزم من ذلك عدم جواز المبالغة في جلده في تلك العلامات الست، وهو المقصد منه. تنبيه: قوله: "ويسن" هذا غير مسلّم، بل يجب تفريق الضرب كما سبق بيانه. (١٥) مسألة: يجب على الضارب: أن يجتنب - أثناء ضربه - كلًا من رأس المجلود، ووجهه، وفرجه، وما هو مواجه قلبه، وخصيتيه ونحو ذلك من مقاتله؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ضرب تلك المواضع قد يؤدِّي إلى إهلاكه، أو تلف بعض أعضائه: كالسمع، أو البصر، أو العقل أو نحو ذلك، أو يؤدي إلى ذهاب منافعه، فحماية ودفعًا له: شرع هذا وهو المقصد منه، وقد روي أن =

стр. 2924

أي: فيما ذكر (١٦) (إلا أنها تضرب جالسة)؛ لقول علي: "تضرب المرأة جالسة والرجل قائمًا" (وتشد عليها ثيابها، وتُمسك يداها؛ لئلا تنكشف)؛ لأن المرأة عورة، وفعل ذلك بها أستر لها (١٧)، وتُعتبر لإقامته نية (١٨)، ................... = رجلًا ضرب رجلًا آخر فأذهب سمعه، وبصره، ونكاحه، وعقله فقضى عليه عمر بأربع ديات، فهذا يدلّ على أن الضرب في هذه المواضع يؤدّي إلى ذلك، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عليًا قال: "لكل موضع من الجسد حظ إلّا الفرج والوجه". (١٦) مسألة: تجلد المرأة كجلد الرجل فيما سبق ذكره: من أنها تُجلد بسوط وسط - كما سبق في مسألة (١٢) - وتجلد وعليها قميص، أو قميصان، ولا تمد، ولا تربط ولا تقيد، ولا تجرَّد، ولا تُشد يداها ولا رجلاها، وإن كان عليها جُبَّة، أو فروة، أو أي شيء سميك: فإنه يُنزع - كما سبق في مسألة (١٣) -، ولا يجوز للذي يتولَّى الجلد أن يبالغ فيه أثناء جلدها -كما سبق في مسألة (١٤) -، ويجب على الضارب أن يجتنب الرأس منها، ووجهها، وفرجها، وقلبها، ونحو ذلك من مواضع مقاتلها -كما سبق في مسألة (١٥) -؛ لقول الصحابي، والمصلحة، والتلازم، وقد سبق بيانها في (١٢ و ١٣ و ١٤ و ١٥). (١٧) مسألة: عندما تُجلد المرأة في حدٍّ من حدود الله: فإنها تُجلد وهي جالسة، بعد سترها بثيابها، وشدِّها عليها ومسك يديها أثناء الجلد، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇ قال: "المرأة عورة" حيث يلزم من جلدها واقفة كشف عورتها، وهذا مخالف لذلك، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عليًا قال: "تُضرب المرأة جالسة، والرجل قائمًا" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ضربها جالسة أستر لها، ومسك يديها أثناء ضربها وشد ثيابها عليها فيه المحافظة عليها من أن تنكشف عورتها؛ منعًا للفتنة، وهو المقصد منه. (١٨) مسألة: يجب أن ينوي الضارب: أنه ضرب المجلود لإقامة حدّ من حدود الله تعالى، لكونه أمر به، وأن يقصد بذلك الإصلاح والتهذيب، ولو ضرب بدون =

стр. 2925

لا موالاة (١٩) (وأشد الجلد) في الحدود (جلد الزنى ثم) جلد (القذف ثم) جلد (الشرب ثم جلد (التعزير)؛ لأن الله تعالى خصَّ الزنا بمزيد تأكيد بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ وما دونه أخف منه في العدد، فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة (٢٠). تلك النية لصح الضرب والجلد، ولكنه يأثم؛ لعدم نيته؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" والضرب عمل فيجب أن يُنوى أنه الله تعالى. (١٩) مسألة: يُشترط في الجلد: الموالاة، وهي: التتابع في الضرب؛ للمصلحة: حيث إن المقصود منه التأديب والإصلاح والرَّدع والزَّجر، وهذا لا يكون إلّا بالتتابع في الضرب، فإن قلتَ: لا يُشترط ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، وإذا لم يحصل التتابع في الضرب فلا يحصل ألم؛ حيث إن المقصود بالضرب إيلام المجلود، ولا يحصل ذلك بعدم التتابع. (٢٠) مسألة: يجب أن يكون الجلد في الزنى لغير المحصن أشدّ من الجلد في القذف، والجلد في القذف أشد من الجلد في شرب الخمر، والجلد في شرب الخمر أشد من الجلد في التعزير؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى - في جلد الزنى -: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فخصَّ الشارع جلد الزناة غير المحصنين بهذه الخاصية ولم يذكر ذلك في غيره فلزم منه: أن الجلد في الزنى أشد من غيره، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون الجلد في الزنى أعلاها عددًا - حيث إنه مائة جلدة للبكر - يلزم منه أن لا يزيد غيره عليه في الشدَّة، ولا يكون مثله؛ لأنَّه كلَّما خفَّ في عدده: كان أخف في صفته - وهو قوة الضرب - وأنَّه لا يجوز أن يزيد عليه في إيلامه ووجعه؛ لأنَّه يؤدّي إلى أن يكون الأقل عددًا والأشد ضربًا يساوي أو يزيد على الأكثر عددًا والأخفّ ضربًا، وهذا لم يقصده الشارع، ويلزم من كون مفسدة الزنا أعظم المفاسد؛ ثم يليه في عظم المفسدة القذف، ثم يليه في ذلك: شرب الخمر، ثم تلي ذلك المعصية التي تستلزم التعزير والتأديب: أن تكون =

стр. 2926

ولا يؤخر حد لمرضٍ، ولو رُجي زواله (٢١)، ولا لحر، أو برد، عقوبة الزنى أشد ثم تليها عقوبة القذف، ثم عقوبة الشرب، ثم عقوبة المعاصي الأخرى؛ فالعقوبة توافق العمل كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. (٢١) مسألة: إذا وجب حدٌّ على شخص مريض: ففي تأخير إقامة الجلد عليه أولا حالات: الحالة الأولى: إن كان الحدُّ رجمًا، أو قتلًا: فإنه لا تؤخر إقامة الحد عليه، بل يُقام حالًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون قتله متحتمًا: أن يُقام عليه الحد؛ لأن مآله إلى الموت، ولا يُنظر إلى مرضه، الحالة الثانية: إن كان الحدُّ جلدًا، ومرضه يُرجى بُرؤه وزواله: فإن الحد لا يُقام عليه، بل يُنتظر حتى يزول مرضه، ثم بعد ذلك يُقام عليه الحدُّ وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن في تأخيره إلى البرء، إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف عضو أو منفعته فكان الأولى الأخذ به، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عليًا أخر إقامة الحد بحديثة عهد بنفاس فإن قلتَ: لا يؤخَّر إقامة الحد لأجل المرض، بل يُقام الحد حالًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ القاعدتين: الأولى فعل الصحابي؛ حيث إن عمر أقام الحد على عثمان بن مظعون في مرضه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجوب إقامة الحد على الفور، وعدم تأخير ما أوجبه الله بغير حجّة: عدم تأخيره لأي سبب قلتُ: أما فعل عمر، فيحتمل أن مرض عثمان كان مرضًا خفيفًا لا يمنع من إقامة الحدّ عليه بكماله وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، وأما التلازم: فلا نسلمه؛ لأنَّه يؤخر الحكم للعذر الشرعي كالمرض ونحوه بدليل الصلاة، وغيرها، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض أقوال الصحابة وأيضًا: "تعارض التلازم مع المصلحة" الحالة الثالثة: إن كان الحد جلدًا، ومرضه لا يُرجى برؤه وزواله: فإن الحد يُقام عليه حالًا، أي: يُجلد، ولا يُؤخَّر ذلك بشرط: أن يجلد بسوط يؤمن معه التلف، أو بشمراخ من النخل فإن خيف عليه الهلاك، أو تلف شيء من أعضائه: فإنه=

стр. 2927

ونحوه (٢٢)، فإن خيف من السوط: لم يتعيَّن، فيقام بطرف ثوبٍ ونحوه (٢٣) ................ يُجمع ضغثًا - وهو العذق - فيه مائة شمراخ فيضرب به ضربة واحدة، وإن كان فيه خمسون شمراخًا يُضرب به مرتين وهكذا، ويكفي ذلك؛ للسبر والتقسيم، بيانه: أنه إما أن يُقام عليه الحدّ على الطريقة التي ذكرناها، وإما أن لا يُقام عليه الحد، وإما أن يُضرب ضربًا كاملًا، والثاني لا يصح؛ لأنَّه مخالف للكتاب والسنة، والثالث لا يصح أيضًا؛ لأنَّه يفضي إلى إتلافه وهلاكه، أو إتلاف عضو من أعضائه فتعيَّن الأول، وهو: ما ذكرناه، فإن قلتَ: لا يُفعل ذلك، فلا يُجلد مرة واحدة بضغث فيه مائة شمراخ، وهو قول مالك،؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ و﴾ والفعل والجلد بالعذق والضغث جلدة واحدة قلتُ: يجوز أن يُقام ذلك مقام مائة جلدة - بعدد الشماريخ - كما قال تعالى - بحق أيوب ﵇ لما حلف ليضربنّ امرأته مائة جلدة ـ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فيُستعمل ذلك في حال العذر، وما نحن فيه مثله، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الآيتين". (٢٢) مسألة: إذا وجب حدٌّ على شخص فلا يُقام عليه في شدَّة حر، ولا في شدَّة برد، للمصلحة: حيث إن ذلك يُخشى منه تلف المجلود، أو تلف بعض أعضائه، فدفعًا لذلك، لا يُقام عليه حتى تزول هذه الشدَّة، ويكون الجو قريبًا من الاعتدال، فإن قلت: لا يُؤخَّر الحدُّ؛ لأجل ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمر قد أقام الحد على عثمان بن مظعون وهو مريض فكذلك يقام الحد في حال البرد والحر، قلتُ: إن أي حكم يؤخَّر لأجل أيِّ عذر شرعي، وهذا - وهو شدَّة الحر أو البرد - من الأعذار، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة". (٢٣) مسألة: إذا وجب حدٌّ على شخصٍ، وخيف عليه من الضرب بالسوط أن يتلف=

стр. 2928

ويؤخَّر لسكر حتى يصحو (٢٤) (ومن مات في حد: فالحق قتله) ولا شيء على من حدَّه؛ لأنَّه أتى به على الوجه المشروع بأمر الله، وأمر رسوله ﷺ (٢٥)، ومن زاد ولو جلدة، أو في السوط، بسببه: فإنه يُضرب بطرف ثوب، أو نعال، أو شمراخ عذق نخل أو بعذق فيه مائة شمراخ مرَّة واحدة، أو بعذق فيه خمسون شمرخًا مرتين، وهكذا أو بأي شيء يؤمن منه عدم إتلافه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "اضربوه بمثكال فيه مائة شمراخ" وهو نص في المسألة. الثانية: القياس على جلد المريض مرضًا لا يُرجى برؤه وزواله - كما سبق بيانه في الحالة الثالثة حالات من مسألة (٢١) فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة هذا المحدود، وحمايته من التلف. (٢٤) مسألة: إذا وجب حدٌّ على شخصٍ، وكان هذا الشخص في حالة سكر، فيجب أن يؤخَّر إقامة الحد حتى يصحو ويزول سكره، وإن أُقيم عليه وهو في حالة سكره: فلا يسقط عنه، ويجب أن يُعاد إذا زال عنه السكر؛ للمصلحة: حيث إن المقصود من الحد هو الزجر والرَّدع، وإحساسه بالألم، ولا يحصل ذلك إذا أُقيم وهو في حالة السكر، لذا لا يقع، موقعه ولا يوافق محلَّه، فلذلك شرع هذا. (٢٥) مسألة: إذا حُدَّ شخص بجلد، ثم مات المحدود: فلا شيء على من حدَّه، بشرط: أن لا يزيد في عدد الجلدات، وأن يكون الجلد في وقته، دون مانع أو عذر شرعي: من مرض أو حر، أو برد شديدين، للقياس: بيانه: كما أنه لو قُطعت يده قصاصًا وسرى ذلك إلى سائر بدنه فمات: فلا شيء على القاطع، فكذلك إذا جلد الجلد الشرعي فمات لا شيء على القائم بالجلد، والجامع: أن كلًا منهما قد أتى بما أمر به الله تعالى، وأمر به رسوله ﵇ على الوجه المشروع، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو ضمن من قام الحد ذلك: لما أُقيم حدٌّ من حدود الله تعالى.

стр. 2929

أو بسوط لا يحتمله فتلف المحدود: ضمنه بديته (٢٦) (ولا يُحفر للمرجوم في الزنى) رجلًا كان أو امرأة؛ لأن النبي ﷺ لم يحفر للجهنية، ولا لليهوديين (٢٧)، لكن تُشدُّ على المرأة ثيابها؛ (٢٦) مسألة: إذا حُدَّ شخص بجلد، ثم زاد القائم بالجلد جلدة واحدة، أو ضربه بسوط لا يحتمله، أو ضربه بسوط، وهو لا يحتمل إلا الضرب بأطراف الثياب، أو النعال فمات ذلك الشخص المحدود: فإن من قام بالضرب يضمنه بديته الكاملة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ضربه في غير حدّ - لتأديبه - فبالغ بالضرب بشهادة أصحاب العقول السليمة حتى مات -: فإنه يضمنه بدفع ديته كاملة، فكذلك ما نحن فيه، والجامع: وقوع الإتلاف بسبب عدوانه، فإن قلت: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع القائم بالضرب والحد من الاعتداء على المجلود بزيادة، أو شدَّة بالضرب غير معهودة، وهذا منتهى الإنصاف؛ حيث حمت الشريعة العاصين من الاعتداء عليهم. (٢٧) مسألة: إذا كان الحد رجمًا بالحجارة - وهو الشخص الزاني المحصن -: فإنه لا يُحفر للمرجوم حفرة يُجعل فيها حتى لا يتمكَّن من الهرب، بل يُرجم، وهو واقف، أو جالس: سواء كان المرجوم رجلًا، أو امرأة، وسواء ثبت الزنى بإقرار الزاني به، أو ثبت بالبيِّنة عليه أنه زنى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ لم يحفر لماعز، ولا للجهنية، ولا لليهوديين لما رجموا - بسبب زناهم - ولم يأمر بالحفر قال أبو سعيد: "لما أمر رسول الله ﷺ ماعز خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا، له ولا أوثقناه ولكن قام لنا" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الحفر عقوبة لم يرد بها الشرع: عدم ثبوتها، فإن قلتَ: إن ثبت زنى المرأة بإقرارها لم يُحفر لها، وإن ثبت بالبيِّنة حُفر لها، وهو قول كثير من الشافعية وبعض الحنابلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه روي أن النبي ﵇ رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة - كما رواه بريدة - قلتُ: إن هذا لا يجوز أن يحتجوا به؛ لأن كثيرًا من رواهُ هذا الحديث ذكروا أنه ثبت زناها بإقرارها، وهذا =

стр. 2930

لئلا تنكشف (٢٨)، ويجب في إقامة حد الزنى حضور إمام، أو نائبه (٢٩)، وطائفة من المؤمنين ولو واحدًا (٣٠)، وسن حضور من شهد وبداءتهم برجم (٣١). مخالف لما قرَّروه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حديث بريدة هل ثبت زناها بإقرارها، أو بالبيِّنة؟ ". (٢٨) مسألة: يجب أن تُشدُّ على المرأة ثيابها عند رجمها ـ إذا ثبت زناها -؛ للسنة القولية: حيث إنه ﵇ أمر أن تشدُّ عليها ثيابها" فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل لسترها، وهو مقصد من مقاصد الشريعة. (٢٩) مسألة: يجب على الإمام أو نائبه: أن يحضر إقامة حد الزني، وكل حدّ من حدود الله سواء كان الله أو كان لآدمي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" حيث كلَّف رسول الله، نائبًا عنه، وهو: أنيس بأن يقيم الحد على امرأة العسيف إذا اعترفت به، الثانية: القياس؛ بيانه: كما يجب على الإمام أو نائبه أن يحضر استيفاء القصاص، فكذلك الحال هنا والجامع: أن الإمام أو نائبه يُعتبر نائبًا عن الله تعالى في إقامة الحدود، فلا بدّ من حضوره. (٣٠) مسألة: يجب أن تحضر طائفة من المؤمنين إقامة حدّ الزنى، وهم ثلاثة فأكثر، ولو حضر الإمام أو نائبه مع القائم بالضرب، والشاهد لكفي؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والطائفة تطلق على الجمع، وأقل الجمع ثلاثة حقيقة - كما فصَّلتُ ذلك في كتابي: "أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه" تنبيه: قوله: "ولو واحدًا" هذا لا يصح؛ لأن أقلّ ما يطلق عليه طائفة جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وقد سبق بيانه وقد تُطلق على الواحد ولكن هذا نادر، وليس مقصودًا في هذه الآية. (٣١) مسألة: إذا ثبت الزنى بالبيِّنة - وهي شهادة الشهود - وقبلها الإمام أو نائبه:=

стр. 2931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فيُستحبّ أن يبدأ الإمام أو نائبه، بالرجم، ثم الشهود، ثم سائر الناس؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن علي ﵁، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبعد عن التهمة في الكذب عليه. هذه آخر مسائل: "تعريف الحدود، وحكمها، وشروط من تجب عليه، ومَنْ يقيمها؟ وأين؟ والشفاعة فيها، وكيفية الضرب في الحد، وأشد الجلد، وحكم من مات في حد، وحكم الحفر للمرجوم، وحضور إقامة الحد" ويليه باب "حد الزنى".

стр. 2932

باب حدِّ الزِّنى وهو: فعل الفاحشة في قُبُل، أو دُبُر (١) (إذا زنا) المكلَّف (المحصن: رُجم حتى يموت)؛ لقوله ﵊، وفعله، ولا يُجلد قبله، ولا يُنفى (٢) (والمحصن: باب حدِّ الزِّنى وفيه أربع عشرة مسألة: (١) مسألة: الزنى لغة واصطلاحًا هو: "الفجور وفعل الفاحشة في قُبُل، أو دُبُر" أو تقول: هو: كل وطءٍ وقع على غير نكاحٍ صحيحٍ، ولا شبهةِ نكاحٍ، ولا ملكِ يمين"، والمراد منه: إذا وطئ رجل من أهل دار الإسلام امرأة محرمة عليه من غير عقد، ولا شبهة عقد، وغير ملك، ولا شبهة ملك وهو عاقل بالغ مختار عالم بالتحريم: وجب عليه الحد، وهو: الجلد مائة جلدة إن كان غير محصن، والرجم إن كان محصنًا، فإن قلتَ: لَمِ جعل هذا الباب هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لما تكلَّم عن أحكام الحدود بصورة عامة: بدأ بذكر تفصيل الحدود فبدأ بحد الزنا، فإن قلتَ: لَمِ بُديء بحد الزنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزنى من الكبائر العظام، وهو من أكبر الذنوب بعد الشرك والقتل، وهو يُعتبر من أمهات الجرائم عند أهل الإسلام وعند جميع أهل الملل السابقة، وهو جناية عظمى على الأعراض والأنساب، ومفسد للمجتمعات، ومفرّق لها، ومسبب لكل الجرائم الأخرى من قتل، وفساد ذريع، وهو مسبب للأمراض المستعصية، ولهذا كان حدُّه أشد الحدود، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. (٢) مسألة: إذا زنا المكلَّف - وهو: البالغ العاقل -المحصن - وهو: الثيب-: فإن عقوبته: أن يُرجم بحجارة متوسطة - مثل الحجر الذي في حجم كف الرجل المتوسط في خِلْقته -=

стр. 2933

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حتى يموت: رجلًا كان أو امرأة، ثم يفعل به ـ كما يُفعل بالميت: من تغسيل، وكفن، وصلاة عليه، ودفن، ولا يُجلد قبل رجمه، ولا يُنفى؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال تعالى - فيما نسخ لفظه دون حكمه -: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله﴾ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد رجم ماعزًا، والغامدية، ولم يجلدهما، ولم ينفهما الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن المرتد يقتل بدون جلد، ولا نفي، فكذلك الزاني المحصن والجامع: أن كلًا منهما حدّ فيه قتل، فلم يجتمع معه جلد، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من وجود قتل بالرجم: سقوط ما سواه، الخامسة: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر وعثمان قد رجما ولم يجلدا، وقال ابن مسعود: "إذا اجتمع حدَّان فيهما القتل أحاط القتل"، فإن قلتَ: إن الزاني المحصن يجلد ثم يُرجم، وهو رواية عن أحمد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث روى عُبادة بن الصامت أنه ﵇ قال: "والثيب بالثيب الجلد والرجم" فجمع بينهما هنا وهو واضح الدلالة، الثانية: قول الصحابي وفعله؛ حيث إن عليًا قد جلد امرأة قد زنت ثم رجمها، وقال: جلدتها بكتاب الله - يقصد قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ - ثم قال: ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ يقصد حديث عُبادة السابق - وروى ذلك ابن عباس، قلتُ: أما السنة القولية - وهو حديث عبادة - فقد كان في أول الإسلام، فجاءت بعد ذلك قصة ماعز، ورجمه ولم يجلده فيكون ذلك آخر الأمرين، فتكون السنة الفعلية ناسخة لما ورد من الجلد في السنة القولية؛ نقل الأثرم، وإسماعيل بن سعيد عن أحمد أنه قال: "حديث عبادة كان أول حديث نزل، وأن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله ﵇ ولم يجلده، وعمر رجم ولم يجلد"، أما فعل الصحابي وقوله - وهو علي -: فإنه معارض بالسنة الفعلية، وإذا كان الأمر كذلك: فلا يُحتج به، وكذلك معارض بقول وفعل صحابي آخر - وهو قول وفعل عمر، وعثمان، وإذا تعارضت أقوال وأفعال الصحابة:=

стр. 2934

من وطئ امرأته المسلمة، أو الذمية) أو المستأمنة (في نكاح صحيح) في قُبُلها (وهما) أي: الزوجان (بالغان، عاقلان حرَّان، فإن اختلَّ شرط منها) أي: من هذه الشروط المذكورة (في أحدهما) أي: أحد الزوجين: (فلا إحصان لواحد منهما) (٣)، تساقطت، ويُرجع إلى دليل آخر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين" وأيضًا: "تعارض قول وفعل الصحابي مع السنة الفعلية" وأيضًا: " تعارض أقوال الصحابة"، فإن قلتَ: لَمِ يُرجم الزاني المحصن وهي عقوبة مغلَّظة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزنى غاية في القبح، فيُجازى بما هو غاية من العقوبات الدنيوية، وذلك لأن الثيب والمحصن لا يكون كذلك إلا إذا كان متزوجًا، وهو في ذلك قد أحرز نفسه واستغنى عن الفروج المحرمة، فلم يفعل الزنى إلّا لأنَّه أراد مخالفة الشارع؛ لكونه لا عذر له، فلذلك غُلِّظت له العقوبة كما قال ﵇: "ثلاثة لا يظلّهم الله في ظلَه يوم لا ظل إلّا ظله، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان وعائل مستكبر، وملك كذاب" فهؤلاء لا عذر لهم فيما فعلوه: فلذلك كان عليهم هذه العقوبة المغلظة فإن قلتَ: ما سبب تقديم "الزانية" على "الزاني" في الآية السابقة بينما قدم السارق على السارقة في آية السرقة؟ قلتُ: لأن المرأة الفاسقة هي أصل الفساد في كل مجتمع فهي التي تُغري الرجال في الوقوع بالفاحشة، لذلك بدأ الشارع بذكرها للتنبيه على ذلك، والحذر من النساء الفواسق، والعاهرات، بخلاف آية السرقة. (٣) مسألة: يكون الشخص - من رجل أو امرأة - محصنًا وثيبًا يُرجم إذا زنى إذا توفّرت فيه شروط ثلاثة: أولها: أن يكون مكلَّفًا - أي: بالغ عاقل - ثانيها: أن يكون حرًا، ثالثها: أن يكون قد جامع زوجته في نكاح صحيح في قبلها: سواء كانت مسلمة، أو ذمية، أو مستأمنة، فإن كان أحد الزوجين صغيرًا، أو مجنونًا، أو رقيقًا، أو لَمِ يجامع زوجته في قبلها، أو جامعها في قبلها ولكن بنكاح غير صحيح فإنه غير محصن فإذا زنا: يُجلد، ولا يُرجم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث

стр. 2935

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يقصد: المتزوجات، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "الثيب بالثيب الجلد والرجم" والثيوبة تحصل بالوطء في القُبُل، دون الدُّبُر، ولا يكون الشخص - من رجل أو امرأة - ثيبًا إلّا إذا بلغ وعقل، ثانيهما: أن ابن عمر قال: "جاء اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا وامرأة زنيا "فأمر بهما ﵇ فرُجما" فدل هذا على أن الإسلام لا يُشترط في الإحصان، فلو تزوَّج مسلم ذمية فجامعها: فإنه يكون محصنًا، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على اشتراط الحرية في الإحصان، فلو زنى عبد بأمة ثيب وهما ثيبان: فلا يرجمان، ومستند ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والرجم لا ينتصف، وإيجابه كله يُخالف النص، وما نُقل من مخالفة أبي ثور والأوزاعي لا يُلتفت إليه؛ لأن الإجماع منعقد على ما قلناه قبل ولادتهما، الرابعة: القياس؛ بيانه: وهو من وجهين: أولهما: كما أن وطء الشبهة لا يحصل به الإحصان، فكذلك وطء في نكاح غير صحيح، والجامع: أن كلًّا منهما وطء في غير ملك، ثانيهما: كما أن الجناية بالزنا ومفاسده استوت من المسلم والذمي، والمستأمن فكذلك يجب أن يستويا في الحد، فإن قلتَ: إن الذمية لا تحصن المسلم، وهي رواية عن أحمد، وهو قول مجاهد والثوري وغيرهما؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أشرك بالله فليس بمحصن" - كما رواه ابن عمر - قلتُ: إن هذا الحديث لم يصح عند كثير من علماء الحديث، وقال بعضهم: إنه موقوف على ابن عمر فلا يقوى على معارضة السنة القولية؛ حيث إنه ﵇ قد رجم اليهوديين، وعلى فرض صحته: فإنه يمكن الجمع بينهما بأن يُحمل حديثهم على إحصان القذف، وسبب هذا الجمع: أن حديثنا - وهو رجم اليهوديين - صريح فإن قلتَ: إنه حكم على اليهوديين بالرجم بحكم التوراة؛ لكونه قد راجعها فوجد الرجم فيه=

стр. 2936

ويثبت إحصانه بقوله: "وطأتها" ونحوه، لا بولده منها مع إنكار وطئه (٤) (وإذا زنى) المكلَّف (الحر غير المحصن: جُلد مائة جلدة)؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (وغُرِّب) أيضًا مع الجلد (عامًا)؛ لما روى الترمذي عن ابن عمر: أن النبي ﷺ ، ضرب وغرَّب، وأن أبا بكر ضرب وغرَّب، وأن عمر ضرب وغرَّب (٥) (ولو) كان المجلود (امرأة) فتُغرَّب مع محرم، وعليها أجرته، فإن قلتُ: إنه حكم عليهما بحكم الإسلام؛ إذ لا يسوغ للنبي ﵇ أن يحكم بغير شريعته، وإنما راجع التوراة؛ ليثبت لهم أن شريعتهم لا تخالف شريعتنا في ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين القوليتين". (٤) مسألة: يثبت إحصان الرجل بقوله: "إني قد جامعتها، أو وطئتها" وكذلك يثبت إحصان المرأة بذلك، ولذلك لو كان لرجل ولد من امرأة، ونفى أن يكون قد وطئها: فإنه لا يثبت إحصانه، فإذا زنى لا يُرجم، وكذلك لو كان العكس: بأن كان للمرأة ولد منه، ونفت أن يكون قد وطئها: فإنه لا يثبت إحصانها، فإذا زنت فلا تُرجم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك العبارة: التصريح بحقيقة الوطء، ويلزم من نفي وإنكار الرجل - أو المرأة - الوطء: عدم ثبوت إحصان كل منهما؛ ولو كان له ولد، منها، أو لها ولد منه؛ لكون ذلك يكون في درجة إمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلّا بحقيقة الوطء. (٥) مسألة: إذا زنى الذكر المكلّف الحر غير المحصن - وهو البكر -: فإنه يُجلد مائة جلدة، ويُغرَّب عاماً كاملًا إلى بلد آخر يبعد عن بلده مسافة قصر - وهي (٨٢ كم) -؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وخُصِّص ذلك بالزاني البكر المكلَّف - البالغ العاقل - والحر، والذي خصَّصه بذلك عدَّة مخصصات أولها: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ "الثيب بالثيب الجلد والرجم" فخرج المحصن، وقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق" حيث دلّ=

стр. 2937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمنطوقه على أنه لا تكليف عليهما، فلا يؤاخذان بما يفعلانه، فاشترط البلوغ والعقل، ثانيها: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد رجم ماعزًا، والغامدية، فخرج المحصن، ثالثها: القياس؛ بيانه: كما أن الأمة تجلد خمسين جلدة إذا زنت؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فكذلك العبد مثلها في ذلك؛ لعدم الفارق، فخرج العبد، والخلاصة: أن آية الزنا قد خُصِّصت بالزاني البكر المكلف الحر، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وخصِّصت المصلحة ذلك بالذكر؛ لأن المرأة لو غرِّبت لكان إفسادًا لها، وسيأتي بيانه. الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇: "جلد وغرَّب" الرابعة: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر قد جلدا البكر الزاني، وغرَّباه، فإن قلتَ: إن حد الزاني البكر جلد مائة جلدة فقط، بدون تغريب، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فأمر بالجلد فقط، والتغريب زيادة على النص القرآني، فلا يُعمل به لأن الزيادة هنا نسخ، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد غرَّب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصَّر فقال عمر: والله لا أغرِّب مسلمًا أبدًا" قلتُ: أما الكتاب فقد ورد فيه الجلد، والتغريب ورد بالسنة، وهي زيادة غير مستقلَّة، فلا تكون نسخًا؛ لأن حقيقة النسخ هو: رفع حكم الخطاب وإزالته، والخطاب وحكمه - وهو: وجوب جلد الزاني البكر مائة جلدة باق لَمِ يختلف ولم يتغيّر، ولم يرتفع، بل انضم إليه حكم آخر - وهو التغريب الوارد بالسُنّة - وقد فصَّلتُ الكلام في ذلك في كتابي: إتحاف ذوي البصائر (٢/ ٤٦٤)، وأما قول الصحابي - وهو قول عمر -: فقد ورد في تغريبه في الخمر، وهذا غير ما نحن فيه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟ ".

стр. 2938

تعذَّر المحرم: فوحدها إلى مسافة قصر (٦)، .................. (٦) مسألة: إذا زنت الأنثى المكلَّفة، البكر - وهي غير المحصنة - الحرَّة: فإنها تجلد مائة جلدة فقط، ولا تغرَّب: سواء وجدت محرمًا، أو لا وهو قول مالك، والأوزاعي، وكثير من الحنابلة لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلّا مع ذي محرم" فحرَّم سفرها إلّا مع محرم، وإن غُرِّب المحرم معها عُوقب مثلها من غير ذنب صدر منه وهذا لا يأتي به الشرع - وسيأتي زيادة لذلك- الثانية: السبر والتقسيم، بيانه: إما أن لا تغرَّب المرأة الزانية، وإما أن تغرَّب بمفردها، وإما أن تغرَّب مع محرم لها بدون إعطائه أجرته، وإما أن تغرَّب به ويُعطى أجرته من مالها، فهذه أربعة أقسام، أما الثاني - وهو تغريبها بمفردها - فباطل؛ لأن هذا مساعدة لها في الفجور، وتضييع لها، بدلًا صيانتها وحفظها، وأما الثالث - وهو تغريبها مع محرم بدون أجرة له - فهذا باطل أيضًا؛ لأنَّه عقاب لشخص غير مذنب، وهذا لا يرد في الشريعة، وأما الرابع - وهو: تغريبها مع محرم وتعطيه أجرة ذلك - فهو باطل أيضًا؛ لأن هذا زيادة على عقوبتها لَمِ يرد به الشرع، فلم يبق إلّا الأول -وهو: عدم جواز تغريبها إذا زنت-، فإن قلتَ: إن الرابع هو الصحيح، وهو أنها تغرَّب مع محرم وأجرته عليها، وإن تعذَّر المحرم: فإنها تغرب وحدها إلى مسافة قصر - وهو (٨٢) كم) - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"؛ وهذا عام للذكر والأنثى؛ لأن "البكر" اسم مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم قلتُ: هذا مخصَّص بالذكر، والذي خصَّصه به أمور: أولها: السنة القولية؛ وهو قوله ﵇: "لا يحل لامرأة .. " ثانيها: السبر والتقسيم كما سبق بيانهما في هذه المسألة، ثالثها: التلازم؛ حيث يلزم من قوله ﵇: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام": عدم جواز زيادة العقاب على ذلك، وذلك =

стр. 2939

ويُغرَّب غريب إلى غير وطنه (٧) (و) إذا زنى (الرقيق) جلد (خمسين جلدة)؛ لقوله تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والعذاب المذكور في القرآن، مائة جلدة لا غير (ولا يُغرَّب) الرقيق؛ لأن التغريب إضرار بسيده (٨)، ويجلد، ويُغرَّب بمفهوم العدد، والصفة، ولكن لو دفعت الزانية أجرة المحرم الذي يُغرَّب معها: فإن ذلك لا يجوز؛ فيكون العمل بعموم الحديث الذي استدللتم به مخالفًا لما دلَّ عليه مفهومه، فيُعمل بالمفهوم وهو: عدم أخذ الزيادة على عقوبتها، رابعها: المصلحة؛ حيث إن تغريب المرأة إفساد لها، وتعريض لها للفتنة، لا سيما إذا كانت قد سبق فسادها وثبت - وهو زناها - فهو يعتبر من التشجيع على الزنا، فنظرًا لهذه الأمور الأربعة: خصصنا بها حديثكم - وهو: البكر بالبكر .. ": فلزم من ذلك كله: أن المرأة لا تغرَّب مطلقًا. (٧) مسألة: إذا زنى شخص مكلَّف بكر حر في بلد غير بلده الأصلي: فإنه يُغرَّب إلى بلد غير بلده الأصلي؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من لفظ "التغريب": أن يُبعد إلى بلد ليس به له أنيس، فإذا غُرِّب إلى وطنه وبلده الأصلي: لَمِ يتحقق المقصود من التغريب فلا يقع موقعه، فلا يصح. (٨) مسألة: إذا زنى الرقيق: فإنه يُجلد خمسين جلدة: سواء كان هذا الرقيق عبدًا أو أمة، وسواء كان محصنًا - وهو: الثيب - أو غير محصن - وهو البكر -، ولا يُغرَّبان؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ حيث إنه قد أوجب جلد الأمة خمسين جلدة إذا زنت والرجم لا يتبعَّض، فتحدَّد الجلد، والعبد مثلها؛ لعدم الفارق، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: لمن سأله عن الأمة إذا زنت ولم تحصن -: "إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير"؛ وقال علي: "إن أمة لرسول الله زنت فأمرني أن أجلدها" ولم يذكر التغريب في النقلين، والعبد مثلها؛ لعدم الفارق الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن =

стр. 2940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عقوبة الرقيق الجلد خمسون جلدة فقط: سواء كان ثيبًا أو لا، وسواء كان ذكرًا أو أنثى دون تغريب ثابت عن عمر: وعلي وابن مسعود، الرابعة: المصلحة؛ حيث إن تغريب العبد هو إلحاق الضرر بسيده؛ لأنَّه يُحرم من خدمته مدة تغريبه، والعبد الزاني يرتاح في ذلك التغريب، فدفعًا للضرر عن السيد: شرع عدم تغريبه، فإن قلتَ: إن كانا محصنين: فإنهما يُرجمان إذا زنيا وهو قول بعض العلماء كأبي ثور؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الثيب بالثيب الجلد والرجم" وهذا عام للأحرار والعبيد؛ لأن "الثيب" مفرد محلىَّ بأل، وهو من صيغ العموم قلتُ: إن مفهوم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، وقول الصحابي قد خصَّصا ذلك العموم، وهو من باب "تخصيص عموم السنة بالكتاب"، و"تخصيص السنة بقول الصحابي"، فإن قلتَ: إن كانا محصنين - وهما المتزوجان -: فعليهما نصف الحد -وهو خمسون جلدة-، وإن كانا غير ذلك فلا حدَّ عليهما، وهو قول مروي عن ابن عباس؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ فيُفهم من لفظ "أُحصنَّ" أن يقيَّد الحكم بذلك، ولا حدَّ على غير المحصنات قلتُ: إن هذا مخالف للسنة القولية التي ذكرناها، والمفهوم لا يُعمل به إذا خالف منطوقًا، فإن قلتَ: إن الرقيق البكر إذا زنى يجلد خمسين جلدة، ويُغرَّب نصف عام، وهو قول الثوري، وأبي ثور؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ فيكون عليه نصف كل عقوبة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وهذا عام للأحرار والعبيد؛ لأن لفظ "البكر" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر جلد مملوكًا ونفاه إلى فدك قلتُ: أما الكتاب فإن التنصيف ينصرف إلى ما ذكر في القرآن فقط، وهو الجلد، وأما السنة القولية: فهي عامة، ولكن =

стр. 2941

مبعَّض بحسابه (٩) (وحد لوطي) فاعلًا كان أو مفعولًا (كزان): فإن كان محصنًا: فحدُّه الرجم، وإلا: جلد مائة وغرب عامًا، ومملوكه كغيره، ودُبُر أجنبية كلواط (١٠) (ولا خصِّصت بالسنة القولية التي نقلها علي: وقول الصحابي، والمصلحة التي قد سبق ذكرها في أول هذه المسألة وأما فعل الصحابي، وهو - ابن عمر - فهو اجتهاد منه في حق نفسه، وقد أسقط حقه من خدمة العبد إذا غرَّبه، وهذا شأنه، لكن ليس بحجّة هنا؛ لمخالفته السنة القولية - كما سبق أن ذكرنا ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض العموم مع الخصوص من النصوص". (٩) مسألة: إذا زنى شخص مبعَّض - وهو الذي بعضه حر، وبعضه الآخر عبد -: فإنه يجلد نصف جلد الحر - وهو خمسون جلدة، -ويجلد نصف جلد الرقيق ـ وهو خمس وعشرون-، ويُغرَّب نصف عام، ويكون ذلك من مدَّة حريته هو، لا من مدَّة سيده، فتكون عقوبته: خمس وسبعون جلدة، وتغريب ستة أشهر، ويُحسب ما زاد عن الحرية أو نقص بهذه الطريقة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بيان حدّ الزاني الحر وبيان حد الزاني العبد: ما ذكرناه في المبعَّض. (١٠) مسألة: إذا فعل شخص فعل قوم لوط - وهو: أن يأتي الذكرُ الذكر من الدُّبُرَ: فإنه يُحدُّ بحد الزنا السابق: أي إن كان محصنًا - وهو الثيب المتزوج -: فإنه يُرجم، وإن كان غير محصن ـ وهو البكر غير المتزوج -: فإنه يجلد مائة، ويُغرَّب عامًا كاملًا، هذا إن كان حرًا، أما إن كان رقيقًا: فإنه يجلد خمسين جلدة، وهذا مطلق، أي: سواء كان فاعلًا أو مفعولًا به - مع الاختيار - وسواء كان الفاعل سيدًا للمفعول به أو لا، وسواء كان دُبُر أنثى أجنبية، أو ذكر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أتى الرَّجلُ الرجلَ فهما زانيان" فوصف من فعل اللواط: بأنه زان، فيلزم من ذلك: أن حكمه حكم الزاني وهو عام لما ذكرنا، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن من فعل الزنا يُفعل به ذلك، فكذلك اللوطي يُفعل به ذلك، والجامع أن كلًّا منهما إيلاج في فرج آدمي=

стр. 2942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مُشتهى. وهذا من باب "القياس في اللغة" وهو جائز عندنا، فيكون رجم اللائط المحصن، وجلد غير المحصن اللائط ثابت بنص الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا … ﴾، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه قريبًا من الزنا في عظم الإثم قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وقال ﵇: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط" وكرَّر ذلك، فإن قلتَ: إن حدَّ اللائط الرجم؛ وهو: رواية عن أحمد، وهو قول مالك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما فعل بقوم لوط ذلك - حيث إنهم قد رُجموا بالحجارة - فكذلك من فعل مثل فعلهم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن علي، وابن عباس قلتُ: أما القياس، فهو فاسد؛ لأنَّه قياس مع النص؛ حيث إنه ثبت بالسنة أن اللائط زان ولا حجة في قياس قد خالف نصًا أما قول الصحابي: فلا حجّة فيه أيضًا؛ لمخالفته للنص السابق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس وقول الصحابي اللذين ذكروهما مع السنة" وأيضًا: "تعارض القياسين"، فإن قلتَ: إن اللائط يُحرَّق، وهو قول بعض العلماء؛ لقول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر أمر بتحريق رجل كان يفعل ذلك قلتُ: هذا مخالف للنص من أن اللائط زان - كما سبق بيانه-، ولا حجّة في قول صحابي خالف نصًا فإن قلتَ: لا حدَّ على اللائط، وهو قول أبي حنيفة وبعض العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو فعل ذلك في غير فرج: فإنه لا يحد، فكذلك من فعل بالدبر فلا حدّ عليه، والجامع: أن كلًّا منهما ليس بمحل للوطء قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع النص - وهي: السنة القولية التي ذكرنا - وهي: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" - ولا قياس مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" وأيضًا: "تعارض القياسين" وأيضًا: "تعارض قول الصحابي ـ وهو ما ذكره أبو=

стр. 2943

يجب الحد) للزنا (إلا بثلاثة شروط. أحدها: تغييب حشفة أصلية كلها) أو قدرها؛ لعدم (في قُبُل، أو دُبُر أصليين) من آدمي حي، فلا يحدّ من قبَّل، أو باشر دون الفرج ولا من غيَّب بعض الحشفة، ولا من غيَّب الحشفة الزائدة، أو غيَّب الأصلية في زائد، أو ميت، أو في بهيمة، بل يُعزَّر، وتُقتل البهيمة (١١)، وإنما يحدُّ الزاني إذا كان بكر - مع السنة". (١١) مسألة: في الأول - من شروط وجوب حدِّ الزنا واللواط - وهو: أن يُغيِّب الزاني حشفته الأصلية كلها أو قدرها؛ نظرًا لعدم الأصلية، وذلك في قُبُل، أو دُبُر أصليين من آدمي حي، أما إن قبَّل رجل أجنبية، أو قبَّلت هي أجنبيًا، أو باشر بما دون الفرج، أو غيَّب بعض حشفته، أو غيَّب حشفته الزائدة، أو غيَّب الحشفة الأصلية في زائد، أو غيَّب حشفته في قُبُل، أو دبر ميت، أو غيَّب حشفته في بهيمة: فإن الفاعل لهذه الصور التسع: لا يُحدَّ حدُّ الزنا بل يعزَّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تغييب الحشفة الأصلية في فرج أصلي: قبلًا كان أو دُبُرًا من حي: حصول اللَّذة المحرمة، فتناسبه العقوبة - وهي حد الزنا واللواط-، ويلزم من عدم ذلك - وهي الصور التسع السابقة الذكر - عدم عقوبة الزنا واللواط؛ لعدم وجود شرط الزنا واللواط، ويلزم من كون البهيمة لا حرمة لها، ولا تشتهيها النفوس السليمة: عدم وجوب الحدّ على من وطأ البهيمة، ويلزم من كون فعل تلك الصور التسع اعتداء على الآخرين ومخالفة شرعية: ثبوت عقوبة التعزير على من فعلها. [فرع]: إذا أتى رجل بهيمة، فهو محرم، ولا حدَّ عليه كما سبق، ولا تُقتل البهيمة، من أجل هذا الفعل، وهو قول بعض العلماء؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن إضاعة المال" وقتلها في حين لا جناية لها فيه إضاعة مال بغير حق، فإن قلتَ: بل تُقتل وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" قلتُ: إن هذا الحديث قد =

стр. 2944

الوطء المذكور (حرامًا محضًا) أي: خاليًا من الشبهة، وهو معنى قوله: الشرط (الثاني: انتفاء الشبهة) لقوله ﵊: "اِدرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (فلا يُحدُّ بوطء أمة له فيها شرك)، أو محرمة برضاع، ونحوه (أو لولده) فيها شرك (أو وطئ امرأة في منزله (ظنها زوجته أو) ظنها (سرّيته) فلا حدّ (أو) وطئ امرأة (في نكاح باطل اعتقد صحته أو) وطئ امرأة في (نكاح) مختلف فيه كمتعة، أو بلا ولي، ونحوه (أو) وطئ أمة في (ملك مختلف فيه) بعد قبضه كشراء فضولي، ولو قبل الإجازة (ونحوه) أي: نحو ما ذكر كجهل تحريم الزنا من قريب عهد بالإسلام، أو ناشئ ببادية بعيدة (أو أكرهت المرأة) المزني بها (على الزنا): فلا حدّ، وكذا: ملوط به أكره بإلجاء، أو تهديد، أو منع طعام أو شراب مع إضرار فيهما (١٢)، الشرط (الثالث: ثبوت الزنا ضعَّفه كثير من أئمة الحديث، ولم يُعمل به في قتل الفاعل الجاني ففي حق الحيوان الذي لا جناية منه، أولى، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الحديث الأخير هل هو صحيح، أو ضعيف؟ ". (١٢) مسألة: في الثاني - من شروط وجوب حد الزنا واللواط - وهو: أن يكون الوطء حرامًا محضًا، وهو الخالي عن الشبهة، أما إن وجدت شبهة: كأن يطأ أمة له فيها شرك: سواء اشترك فيها مع آدمي آخر، أو كانت تابعة لبيت المال، أو جامع أخته من الرضاع، أو جامع أمة أبيه، أو ابنه، أو جامع أمته المزوجة، أو المعتدَّة، أو جامع أمته المرتدَّة، أو جامع المجوسية، أو جامع امرأة في منزله ظنها زوجته، أو ظنها أمته وسريته، أو جامع امرأة في نكاح باطل اعتقد صحّته كأن يعتقد صحة التزوج بخامسة، ثم جامعها، ومثله يجهل ذلك، أو جامع امرأة في نكاح مختلف في صحته كأن يتزوج بلا ولي، أو بلا شهود، أو ينكح نكاح شغار، أو محلِّل، أو جامع أمة مختلف في ملكه لها كأن يشتري زيد لعمرو أمة، ثم يجامعها عمرو قبل إجازته لهذا الشراء، أو يزني ظنًا منه جواز الزنا - ومثله يجهل ذلك كمن أسلم حديثًا - أو الناشيء بصحراء بعيدة، أو أن تكره المرأة، أو =

стр. 2945

ولا يثبت) الزنا (إلا بأحد أمرين: أحدهما: أن يُقرُّ به) أي: بالزنا مكلَّف، ولو قنًا (أربع مرات)؛ لحديث ماعز، وسواء كانت الأربع (في مجلس أو مجالس و) يُعتبر أن (يُصرِّح بذكر حقيقة الوطء) فلا تكفي الكناية؛ لأنها تحتمل ما لا يوجب الحد، وذلك شبهة تدرأ الحد (و) يُعتبر أن (لا ينزع) أي: يرجع (عن إقراره حتى يتمّ عليه الحد) فلو رجع عن إقراره، أو هرب: كفَّ عنه، ولو شهد أربعة على إقراره به أربعًا، فأنكر، أو صدَّقهم دون أربع: فلا حدّ عليه، ولا عليهم الأمر (الثاني) مما يثبت به الزنا: (أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه) فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر؛ لأن النبي ﷺ لما أقرّ عنده ماعز: قال له: "أنكتها؟ " لا يُكنِّي؟ قال: نعم، قال: كما يُغيَّب المرود في المكحلة، الرجل على الزنا: سواء كان هذا الإكراه بمنع الطعام والشراب، أو بالضرب، أو القتل: ففي تلك الصور: لا يثبت فيها حدّ الزنا، وكذلك: لائط، وملوط به في هذه الصور: لا يثبت فيه حد الزنا واللواط؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" فأوجب منع الحدود إذا حصلت أية شبهة في الفاعل أو المفعول به؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: التلازم؛ حيث إن ما ذكر من الصور توجد شُبه تدرأ الحد: إما للاشتباه في المرأة الموطوءة، أو جهله لحكم الزنا واللواط عمومًا، أو لجهله بأحكام النكاح، أو نحو ذلك فيلزم أن لا يُقام عليه حدّ الزنا واللواط، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عمر وعلي لم يقيما حدّ الزنا على من أكرهت، ولم يقم عثمان وعلي حد الزنا على من فعله، وهو يجهل حكمه، والذكر مثل الأنثى، والأنثى مثل الذكر، واللواط كالزنا في ذلك؛ لعدم الفارق في مثل ذلك. [فرع]: إذا أتى رجل زوجته، أو سريته من دبرها: أو أتى أيَّ امرأة مما سبق ذكرهن في مسألة (١٢) فلا حد عليه، وإنما يعزر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الزوجة، أو الأمة محلًا للوطء في الجملة: عدم وجوب الحد على الفاعل.
следующие страницы →