← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

مبعَّض بحسابه (٩) (وحد لوطي) فاعلًا كان أو مفعولًا (كزان): فإن كان محصنًا: فحدُّه الرجم، وإلا: جلد مائة وغرب عامًا، ومملوكه كغيره، ودُبُر أجنبية كلواط (١٠) (ولا خصِّصت بالسنة القولية التي نقلها علي: وقول الصحابي، والمصلحة التي قد سبق ذكرها في أول هذه المسألة وأما فعل الصحابي، وهو - ابن عمر - فهو اجتهاد منه في حق نفسه، وقد أسقط حقه من خدمة العبد إذا غرَّبه، وهذا شأنه، لكن ليس بحجّة هنا؛ لمخالفته السنة القولية - كما سبق أن ذكرنا ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض العموم مع الخصوص من النصوص". (٩) مسألة: إذا زنى شخص مبعَّض - وهو الذي بعضه حر، وبعضه الآخر عبد -: فإنه يجلد نصف جلد الحر - وهو خمسون جلدة، -ويجلد نصف جلد الرقيق ـ وهو خمس وعشرون-، ويُغرَّب نصف عام، ويكون ذلك من مدَّة حريته هو، لا من مدَّة سيده، فتكون عقوبته: خمس وسبعون جلدة، وتغريب ستة أشهر، ويُحسب ما زاد عن الحرية أو نقص بهذه الطريقة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بيان حدّ الزاني الحر وبيان حد الزاني العبد: ما ذكرناه في المبعَّض. (١٠) مسألة: إذا فعل شخص فعل قوم لوط - وهو: أن يأتي الذكرُ الذكر من الدُّبُرَ: فإنه يُحدُّ بحد الزنا السابق: أي إن كان محصنًا - وهو الثيب المتزوج -: فإنه يُرجم، وإن كان غير محصن ـ وهو البكر غير المتزوج -: فإنه يجلد مائة، ويُغرَّب عامًا كاملًا، هذا إن كان حرًا، أما إن كان رقيقًا: فإنه يجلد خمسين جلدة، وهذا مطلق، أي: سواء كان فاعلًا أو مفعولًا به - مع الاختيار - وسواء كان الفاعل سيدًا للمفعول به أو لا، وسواء كان دُبُر أنثى أجنبية، أو ذكر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أتى الرَّجلُ الرجلَ فهما زانيان" فوصف من فعل اللواط: بأنه زان، فيلزم من ذلك: أن حكمه حكم الزاني وهو عام لما ذكرنا، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن من فعل الزنا يُفعل به ذلك، فكذلك اللوطي يُفعل به ذلك، والجامع أن كلًّا منهما إيلاج في فرج آدمي=

стр. 2942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مُشتهى. وهذا من باب "القياس في اللغة" وهو جائز عندنا، فيكون رجم اللائط المحصن، وجلد غير المحصن اللائط ثابت بنص الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا … ﴾، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه قريبًا من الزنا في عظم الإثم قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وقال ﵇: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط" وكرَّر ذلك، فإن قلتَ: إن حدَّ اللائط الرجم؛ وهو: رواية عن أحمد، وهو قول مالك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما فعل بقوم لوط ذلك - حيث إنهم قد رُجموا بالحجارة - فكذلك من فعل مثل فعلهم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن علي، وابن عباس قلتُ: أما القياس، فهو فاسد؛ لأنَّه قياس مع النص؛ حيث إنه ثبت بالسنة أن اللائط زان ولا حجة في قياس قد خالف نصًا أما قول الصحابي: فلا حجّة فيه أيضًا؛ لمخالفته للنص السابق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس وقول الصحابي اللذين ذكروهما مع السنة" وأيضًا: "تعارض القياسين"، فإن قلتَ: إن اللائط يُحرَّق، وهو قول بعض العلماء؛ لقول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر أمر بتحريق رجل كان يفعل ذلك قلتُ: هذا مخالف للنص من أن اللائط زان - كما سبق بيانه-، ولا حجّة في قول صحابي خالف نصًا فإن قلتَ: لا حدَّ على اللائط، وهو قول أبي حنيفة وبعض العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو فعل ذلك في غير فرج: فإنه لا يحد، فكذلك من فعل بالدبر فلا حدّ عليه، والجامع: أن كلًّا منهما ليس بمحل للوطء قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع النص - وهي: السنة القولية التي ذكرنا - وهي: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" - ولا قياس مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" وأيضًا: "تعارض القياسين" وأيضًا: "تعارض قول الصحابي ـ وهو ما ذكره أبو=

стр. 2943

يجب الحد) للزنا (إلا بثلاثة شروط. أحدها: تغييب حشفة أصلية كلها) أو قدرها؛ لعدم (في قُبُل، أو دُبُر أصليين) من آدمي حي، فلا يحدّ من قبَّل، أو باشر دون الفرج ولا من غيَّب بعض الحشفة، ولا من غيَّب الحشفة الزائدة، أو غيَّب الأصلية في زائد، أو ميت، أو في بهيمة، بل يُعزَّر، وتُقتل البهيمة (١١)، وإنما يحدُّ الزاني إذا كان بكر - مع السنة". (١١) مسألة: في الأول - من شروط وجوب حدِّ الزنا واللواط - وهو: أن يُغيِّب الزاني حشفته الأصلية كلها أو قدرها؛ نظرًا لعدم الأصلية، وذلك في قُبُل، أو دُبُر أصليين من آدمي حي، أما إن قبَّل رجل أجنبية، أو قبَّلت هي أجنبيًا، أو باشر بما دون الفرج، أو غيَّب بعض حشفته، أو غيَّب حشفته الزائدة، أو غيَّب الحشفة الأصلية في زائد، أو غيَّب حشفته في قُبُل، أو دبر ميت، أو غيَّب حشفته في بهيمة: فإن الفاعل لهذه الصور التسع: لا يُحدَّ حدُّ الزنا بل يعزَّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تغييب الحشفة الأصلية في فرج أصلي: قبلًا كان أو دُبُرًا من حي: حصول اللَّذة المحرمة، فتناسبه العقوبة - وهي حد الزنا واللواط-، ويلزم من عدم ذلك - وهي الصور التسع السابقة الذكر - عدم عقوبة الزنا واللواط؛ لعدم وجود شرط الزنا واللواط، ويلزم من كون البهيمة لا حرمة لها، ولا تشتهيها النفوس السليمة: عدم وجوب الحدّ على من وطأ البهيمة، ويلزم من كون فعل تلك الصور التسع اعتداء على الآخرين ومخالفة شرعية: ثبوت عقوبة التعزير على من فعلها. [فرع]: إذا أتى رجل بهيمة، فهو محرم، ولا حدَّ عليه كما سبق، ولا تُقتل البهيمة، من أجل هذا الفعل، وهو قول بعض العلماء؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن إضاعة المال" وقتلها في حين لا جناية لها فيه إضاعة مال بغير حق، فإن قلتَ: بل تُقتل وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" قلتُ: إن هذا الحديث قد =

стр. 2944

الوطء المذكور (حرامًا محضًا) أي: خاليًا من الشبهة، وهو معنى قوله: الشرط (الثاني: انتفاء الشبهة) لقوله ﵊: "اِدرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (فلا يُحدُّ بوطء أمة له فيها شرك)، أو محرمة برضاع، ونحوه (أو لولده) فيها شرك (أو وطئ امرأة في منزله (ظنها زوجته أو) ظنها (سرّيته) فلا حدّ (أو) وطئ امرأة (في نكاح باطل اعتقد صحته أو) وطئ امرأة في (نكاح) مختلف فيه كمتعة، أو بلا ولي، ونحوه (أو) وطئ أمة في (ملك مختلف فيه) بعد قبضه كشراء فضولي، ولو قبل الإجازة (ونحوه) أي: نحو ما ذكر كجهل تحريم الزنا من قريب عهد بالإسلام، أو ناشئ ببادية بعيدة (أو أكرهت المرأة) المزني بها (على الزنا): فلا حدّ، وكذا: ملوط به أكره بإلجاء، أو تهديد، أو منع طعام أو شراب مع إضرار فيهما (١٢)، الشرط (الثالث: ثبوت الزنا ضعَّفه كثير من أئمة الحديث، ولم يُعمل به في قتل الفاعل الجاني ففي حق الحيوان الذي لا جناية منه، أولى، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الحديث الأخير هل هو صحيح، أو ضعيف؟ ". (١٢) مسألة: في الثاني - من شروط وجوب حد الزنا واللواط - وهو: أن يكون الوطء حرامًا محضًا، وهو الخالي عن الشبهة، أما إن وجدت شبهة: كأن يطأ أمة له فيها شرك: سواء اشترك فيها مع آدمي آخر، أو كانت تابعة لبيت المال، أو جامع أخته من الرضاع، أو جامع أمة أبيه، أو ابنه، أو جامع أمته المزوجة، أو المعتدَّة، أو جامع أمته المرتدَّة، أو جامع المجوسية، أو جامع امرأة في منزله ظنها زوجته، أو ظنها أمته وسريته، أو جامع امرأة في نكاح باطل اعتقد صحّته كأن يعتقد صحة التزوج بخامسة، ثم جامعها، ومثله يجهل ذلك، أو جامع امرأة في نكاح مختلف في صحته كأن يتزوج بلا ولي، أو بلا شهود، أو ينكح نكاح شغار، أو محلِّل، أو جامع أمة مختلف في ملكه لها كأن يشتري زيد لعمرو أمة، ثم يجامعها عمرو قبل إجازته لهذا الشراء، أو يزني ظنًا منه جواز الزنا - ومثله يجهل ذلك كمن أسلم حديثًا - أو الناشيء بصحراء بعيدة، أو أن تكره المرأة، أو =

стр. 2945

ولا يثبت) الزنا (إلا بأحد أمرين: أحدهما: أن يُقرُّ به) أي: بالزنا مكلَّف، ولو قنًا (أربع مرات)؛ لحديث ماعز، وسواء كانت الأربع (في مجلس أو مجالس و) يُعتبر أن (يُصرِّح بذكر حقيقة الوطء) فلا تكفي الكناية؛ لأنها تحتمل ما لا يوجب الحد، وذلك شبهة تدرأ الحد (و) يُعتبر أن (لا ينزع) أي: يرجع (عن إقراره حتى يتمّ عليه الحد) فلو رجع عن إقراره، أو هرب: كفَّ عنه، ولو شهد أربعة على إقراره به أربعًا، فأنكر، أو صدَّقهم دون أربع: فلا حدّ عليه، ولا عليهم الأمر (الثاني) مما يثبت به الزنا: (أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه) فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر؛ لأن النبي ﷺ لما أقرّ عنده ماعز: قال له: "أنكتها؟ " لا يُكنِّي؟ قال: نعم، قال: كما يُغيَّب المرود في المكحلة، الرجل على الزنا: سواء كان هذا الإكراه بمنع الطعام والشراب، أو بالضرب، أو القتل: ففي تلك الصور: لا يثبت فيها حدّ الزنا، وكذلك: لائط، وملوط به في هذه الصور: لا يثبت فيه حد الزنا واللواط؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" فأوجب منع الحدود إذا حصلت أية شبهة في الفاعل أو المفعول به؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: التلازم؛ حيث إن ما ذكر من الصور توجد شُبه تدرأ الحد: إما للاشتباه في المرأة الموطوءة، أو جهله لحكم الزنا واللواط عمومًا، أو لجهله بأحكام النكاح، أو نحو ذلك فيلزم أن لا يُقام عليه حدّ الزنا واللواط، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عمر وعلي لم يقيما حدّ الزنا على من أكرهت، ولم يقم عثمان وعلي حد الزنا على من فعله، وهو يجهل حكمه، والذكر مثل الأنثى، والأنثى مثل الذكر، واللواط كالزنا في ذلك؛ لعدم الفارق في مثل ذلك. [فرع]: إذا أتى رجل زوجته، أو سريته من دبرها: أو أتى أيَّ امرأة مما سبق ذكرهن في مسألة (١٢) فلا حد عليه، وإنما يعزر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الزوجة، أو الأمة محلًا للوطء في الجملة: عدم وجوب الحد على الفاعل.

стр. 2946

والرشاء في البئر" قال: نعم، وإذا اعتبر التصريح في الإقرار: فالشهادة أولى (أربعة) فاعل يشهد؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، ويُعتبر: أن يكونوا (ممن تُعتبر شهادتهم فيه) أي: في الزنا: بأن يكونوا رجالًا عدولًا، ليس فيهم من به مانع، من عمى، أو زوجية (سواء أتوا الحاكم جملة، أو متفرقين) فإن شهدوا في مجلسين فأكثر، أو لَمِ يكمل بعضهم الشهادة، أو قام به مانع: حدوا للقذف كما لو عيَّن اثنان يومًا، أو بلدًا، أو زاوية من بيت كبير، وآخران آخر (١٣) (١٣) مسألة: في الثالث - من شروط وجوب حدّ الزنا واللواط - وهو: أن يثبت الزنا ثبوتًا قطعيًا، ولا يثبت الزنا إلا بأحد طريقين: الطريق الأول: أن يقر الزاني بالزنا بنفسه وهو في حالة تكليفه أربع مرات سواء كان هذا الإقرار في مجلس واحد، أو مجالس متعدَّدة، وسواء كان هذا المقر حرًا أو عبدًا، ويُشترط لذلك الإقرار شرطان: أولهما: أن يُصرِّح بذكر حقيقة الجماع والوطء بتفاصيله، فلا يكتفى بالكنايات هنا ثانيهما: أن لا يرجع عن إقراره إلى أن يتم الحدّ عليه، فإن رجع عن إقراره فلا حدّ عليه، ولو هرب أثناء إقامة الحدّ عليه: فإنه يترك لا يُمسك لإتمام الحدّ عليه، ولو أقرّ أربع مرات على أنه زنا وشهد على ذلك أربعة شهود عدول، فأنكر ذلك الإقرار، أو صدَّقهم بأنه أقرّ ثلاث مرات: فلا حدّ عليه ولا عليهم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية والفعلية؛ حيث إن ما ورد في رجم ماعز، والغامدية يدلّ على ما قلناه؛ حيث إن ماعزًا أقرّ في مجلس واحد، والغامدية أقرّت في مجالس أربع مرات: فاعترف ماعز: المرة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة فرده، فقيل لماعز: إن اعترفت عنده الرابعة، رجمك فاعترف، فأمر برجمه، وقال ﵇ لماعز: "لعلك قبَّلت أو غمزت؟ قال: لا، قال: "أفنكتها؟ " قال: نعم قال: "حتى غاب ذاك منك في ذاك منها" قال: نعم، قال: "كما يغيب المروَد في المكحلة والرشاء في البئر" قال: نعم، قال: "أتدري ما الزنا؟ " قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا، فهذا يدل على

стр. 2947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اشتراط الأول - وهو التصريح لحقيقة الوطء - الذي لا يحتمل سوى الوطء في الفرج، وعدم اعتبار الكناية عنه، وأيضًا: لما هرب ماعز من شدَّة الرجم بالحجارة: اتبعه الناس وقبضوا عليه، وأكملوا رجمه حتى مات فلما علم النبي ﵇: قال: "هلَّا تركتموه لعلَّه يتوب، فيتوب الله عليه" فبدل هذا على اشتراط الثاني - وهو عدم رجوعه عن إقراره حتى استكمال الحد-، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من احتمال الكناية عن الوطء: الوطء في الفرج، وغير ذلك: ويلزم من هروبه بعد بدء الحد: احتمال رجوعه عن إقراره، ويلزم من إنكاره على الأربعة الذين شهدوا على إقراره: احتمال عدم إقراره بها جميعًا، أو احتمال عدم إقراره أربعًا: وهذه شبه محتملة فتدرأ عنه الحد؛ لأن الحد يُدرأ بأية شبهة، فإن قلتَ: لا يثبت الزنا إلّا في أربع إقرارات في أربعة مجالس، وهو قول أبي حنيفة؛ للسنة التقريرية: حيث إن ماعزًا قد أقرّ في أربعة مجالس، قلتُ: إن ما ثبت عند كثير من المحدثين هو أن ماعزًا قد أقرّ في مجلس واحد بأربع إقرارات، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما ورد عن ماعز هل أقرّ أربع مرات في مجلس واحد أو في مجالس؟ " الطريق الثاني - من طريقي ثبوت الزنا -: وهو: أن يشهد أربعة رجال عدول مسلمين أحرار في مجلس واحد من مجالس الحاكم بأن زيدًا قد زنى بشرط: أن يتّفق هؤلاء الأربعة في صفة الزنا وطريقته، وموضعه وزمنه، وعدم وجود مانع يمنعهم من ذلك ككون أحدهم أعمى، أو أحدهم زوجًا للمزني بها، فيتّفق هؤلاء الأربعة على أنهم رأوا ذكره داخل في فرجها كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر، وأنَّه فعل ذلك بها بطريقة كذا، وفي موضع كذا، وفي زمن كذا، فإذا ثبت هذا كله فإن زيدًا يُجلد مائة جلدة ويُغرَّب عامًا إن كان بكرًا، وإن كان ثيبًا: فإنه يُرجم، ولو هرب أثناء الحد: فإنه يُلحق ويكمل عليه الحد: سواء حصلت هذه الشهادة منهم في مجلس واحد، =

стр. 2948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو متفرقين في ذلك المجلس، فإن اختلف هؤلاء الأربعة في صفة الزنا، أو في زمنه: بأن قال أحدهم: زنا في يوم السبت، والآخر قال: في يوم الأحد، أو اختلفوا في مكانه من البيت، أو كان أحدهم أعمى، أو كان أحدهم زوجًا للمزني بها، أو كان أحدهم فاسقًا، أو كان أحدهم مجهول الحال في العدالة، أو شهدوا في مجلسين منفصلين من مجالس الحاكم، أو لَمِ يكمل أحدهم الشهادة بأن وصف الزنا، ولكنه لَمِ يعرف مكانه، أو زمانه فلا يُحد زيد حد الزنا، ويُجلد هؤلاء جلد القذف - ثمانين جلدة - إلّا الزوج إن لاعن؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ حيث اشترط أربعة شهداء الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يشترط التصريح في الإقرار بالزنا - كما سبق في الطريق الأول وما فعله ﵇ مع ماعز - فمن باب أولى أن يُشترط التصريح بالشهادة على الزنا والجامع: البعد عن احتمال غير الزنا في كل، الثالثة: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكرة قد شهد على المغيرة بالزنا عند عمر، فأمره أن يأتي بأربعة شهود، فأتى بهم، ولكن الرابع نكل، فجلد عمر أبا بكرة والاثنين اللذين معه ثمانين جلدة - حدّ القذف - وهذا ثابت بالقياس أيضًا؛ حيث إن الذي شهد بالزنا ولم يستكمل الشهادة: فإنه يجلد جلد القاذف بجامع: أن كلًّا منهما قد وقع منه القذف عند الحاكم، ولو كان اتحاد المجلس غير مشترط: لَمِ يجز أن يحدّهم حدّ القذف؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر. الرابعة: التلازم؛ حيث إن عدم التصريح بالزنا من الأربعة، وعدم وصف الزنا، ووقته، ومكانه، ووجود فسق في أحد الأربعة أو عمى، أو كونه زوجًا للمزني بها، وكون أحدهم مجهول العدالة وكون شهادة واحد منهم منفصلة عن شهادة الآخرين - في مجلس الحكم: يلزم منه: عدم حدّ الشهود عليه؛ لأن هذه =

стр. 2949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصور تثبت فيها الشبهة، والحدود تدرأ بأية شبهة، ويلزم جلد الشاهدين حد القذف؛ لكون حقيقة القذف قد وجدت فيه، فإن قلتَ: لِمَ اشترط في الشهود الأربعة تلك الشروط السبعة - وهي: كونهم أربعة، رجال، عدول، مسلمين، أحرار، في مجلس واحد يصفون الزنا وصفًا دقيقًا من حيث الطريقة، والمكان والزمان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزنا من أعظم المحرّمات والمنكرات، وهو يُشوه ويُقبِّح ويسيء إلى سمعة الزاني، والزانية، وقبيلتهما؛ لذلك اشتُرط فيه أربعة شهداء يتّصفون بتلك الصفات، بخلاف سائر الشهادات، فدفعًا لتلك المضرّة، اشتُرطت تلك الشروط: فلا تقبل في إثبات الزنا شهادة النساء مطلقًا؛ وذلك لتطرّق الضلال إليهن، ولا تُقبل شهادة الفساق، ولا مجهول الحال الذي لا نعلم عدالته؛ لكون الفاسق لا يخاف الله، ومجهول الحال قد يكون فاسقًا، ولا تقبل شهادة الكفار؛ لأنهم متهمون في الدين أبدًا، ولا تقبل شهادة العبيد؛ لكونه مختلف في شهادته في سائر الحقوق، ولا تقبل شهادة من جاء من الشهود بعد أن قام الحاكم؛ لاحتمال أن يتواطؤوا على الكذب، ويُعلِّم بعضهم بعضًا، والمجلس الواحد بمنزلة الحالة الواحدة ولذلك ثبت فيه خيار المجلس. ولا تُقبل شهادتهم إذا اختلفوا في وصف، أو مكان، أو زمان الزنا؛ لكون ذلك دليلًا على كذبهم، وما ذكر في هذه الصور كلها شبه تدرأ الحدّ عن المشهود عليه، ومعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات، فإن قلتَ: لِمَ اشترط عدم وجود زوج مع الشهداء على الزنا؟ قلتُ: لأن الزوج لا تُقبل شهادته على امرأته؛ لأنَّه بشهادته مقرّ بعدوانه لها، والعدو لا تقبل شهادته على من يُعاديه، وحكمه: أن يلا عن زوجته - كما سبق بيانه -، فإن قلتَ: لِمَ يُلحق ويُكمل حده إذا هرب في حالة ثبوت الزنا بالشهود، بينما إذا أقرّ: فإنه لا يلحق إذا هرب؟ قلتُ: لكونه إذا أقرّ، ثم هرب: فإنه يُفهم منه رجوعه عن إقراره، وهذه شبهة يدرأ بها الحدّ،=

стр. 2950

(وإن حملت امرأة لا زوج لها، ولا سيد لَمِ تحد بمجرَّد ذلك) الحمل، ولا يجب أن تُسأل؛ لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة الفاحشة، وذلك منهي عنه، وإن سُئلت، وادَّعت أنها مكرهة، أو وُطئت بشبهة، أو لم تعترف بالزنا أربعًا: لم تحد، لأن الحد يدرأ بالشبهات (١٤). بخلاف ما إذا شهد عليه ثم هرب: فلا شبهة في ذلك، فلا يدرأ عنه الحد فيستكمل الحد عليه. (١٤) مسألة: إذا حملت امرأة لا زوج لها، ولا سيد: فإنها تُسأل عن سبب حملها، فإن ادَّعت أنها أكرهت على الزنا، أو وُطئت بشبهة: فإنه يطلب منها إثبات ذلك بالأدلة والبينات، وإن لم تدَّع شيئًا، أو ادَّعت، ولم تثبت صدق دعواها ببيِّنة ودليل: فإنها تحدّ حدّ الزنا: فإن كانت بكرًا: فإنها تجلد مائة جلدة، وإن كانت ثيبًا: فإنها ترجم؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من الحمل بلا زوج ولا سيد، ولا وطء بإكراه أو شبهة: أن يكون ذلك الحمل من الزنا، فتحدّ حد الزنا، ولا يُلتفت إلى الاحتمالات الضعيفة؛ لأنَّه لو التفت إلى مثل تلك الاحتمالات: لما صحَّ لنا حكم شرعي، الثانية: قول الصحابي وفعله؛ حيث قال عمر: "الرجم على من زنا من الرجال والنساء إذا كان محصنًا إذا قامت البيِّنة، أو كان الاعتراف والحبل" وقال علي: "إن الزنا زناءان: زنا سر، وزنا علانية: فزنا السر: أن يشهد الشهود، وزنا العلانية: أن يظهر الحبل أو الاعتراف"، وثبت عن عمر أنه حكم برجم الحامل، بلا زوج ولا سيد وكذا: عثمان ثبت عنه ذلك، وهذا هو الموافق للقواعد الأصولية الشرعية كما قال ابن تيمية وابن القيم، فإن قلتَ: لا تحدّ المرأة إذا حملت، وإن كان لا زوج لها ولا سيد، ولا يجب أن تسأل عن سبب حملها إذا لَمِ تعترف هي بذلك، أو يشهد عليها أربعة شهود وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يُحتمل أن يكون ذلك بسبب وطء بشبهة، أو إكراه لا تريد أن تُصرِّح به وقد قيل: إن المرأة يمكن أن تحمل =

стр. 2951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من غير وطء بأن تُدخل ماء الرجل في فرجها: إما بفعلها، أو بفعل غيرها، ولهذا تُصوّر حمل البكر، وهذا يلزم منه وجود احتمال وشبهة: فلا تُحد مع وجود ذلك؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ويلزم من خشية إشاعة الفاحشة عنها: عدم وجوب سؤالها عن سبب حملها قلتُ: إن الشبه التي تدرأ الحدود هي الشبه والاحتمالات القوية التي يمكن أن يُعتمد عليها في منع إقامة الحدّ، وما ذكرتموه من احتمالات حملها بدون شيء، أو بشيء لا تريد أن تُصرِّح به أو نحو ذلك من الاحتمالات: فهي ضعيفة جدًا لا يمكن لأي عاقل أن يعتمد عليها؛ سدًا للذرائع، ومنعًا للفساد والإفساد في الأرض؛ إذ لو قُبلت مثل تلك الاحتمالات التي لا يصدِّقها ولا يقبلها أحد عنده ذرَّة من التفكير: لانتشر الزنا، والسرقة، وجميع المعاصي، وفلت أصحابها من العقوبات بسبب تلك العلل الضعيفة، أو بسبب عدم سؤال الزانية عن فعلها، أما قولهم: إن سؤالها يشيع الفاحشة: فهذا لا يُسلَّم؛ لأن الذي سيسألها هو حاكم عادل كاتم للأسرار التي يطَّلع عليها، وهذا معروف عند الحكّام والقضاة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل كل احتمال يُعتبر شبهة تدرأ الحد، أم يُشترط: أن يكون الاحتمال والشبهة فيهما من القوة ما يمكن بها منع الحد؟ فعندنا: الثاني، وعندهم الأول. هذه آخر مسائل باب: "حد الزنا" ويليه باب "حد القذف".

стр. 2952

باب حد القَذْف وهو: الرمي بزنا، أو لواط (١)، (٢) (إذا قذف المكلَّف) المختار، ولو أخرس باب حد القَذْف وفيه خمس عشرة مسألة: (١) مسألة: القذف لغة: الرمي بقوة بحجر، ومنه قولهم: "قذفته بحجر": أيك رميته، وهو في الاصطلاح: "أن يرمي شخص شخصًا آخر بالزنا، أو اللواط، أو يشهد عليه بأحدهما ولم تكمل شهادته"، وبين تعريفه لغة واصطلاحًا تناسب وتشابه؛ حيث إن الرمي بالحجارة والرمي بالمكاره يُؤثّران في المرمى بهما؛ لوجود الأذى في كل منهما؛ وأذية القول أعظم من أذية الفعل أحيانًا. (٢) مسألة: القذف محرَّم، وهو من الكبائر الموبقات، للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك ومستند ذلك قاعدتان: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ حيث حرم القذف وهو الرمي بالزنا؛ لأنَّه توعَّد فعله بالعقاب، ولا يتوعَّد بذلك إلّا من فعل حرامًا واللواط كالزنا في ذلك؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" فحكم على هذه الأشياء السبعة - ومنها القذف - بأنها موبقات ومهلكات لصاحبها، فيلزم: تحريم كل واحد منها واللواط كالزنا، فإن قلتَ: لَمِ حُرِّم ذلك، ووجب حدّ القذف على من فعله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القذف بالزنا فيه إلحاق العار بالمقذوف، وتشويه سمعته، فدفعًا =

стр. 2953

بإشارة بالزنا (محصنًا) ولو مجبوبًا، أو ذات محرم، أو رتقاء: (جُلد) قاذف (ثمانين جلدة إن كان القاذف (حرًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (وإن كان) القاذف (عبدًا) أو أمة، ولو عتق عقب قذف: جلد (أربعين) جلدة كما تقدم في الزنا (و) القاذف (المعتق بعضه) يُجلد (بحسابه): فمن نصفه حر يُجلد ستين جلدة (وقذف غير المحصن) ولو قنه (يوجب التعزير) على القاذف؛ ردعًا عن أعراض المعصومين (وهو) أي: حد القذف (حق للمقذوف) فيسقط بعفوه، ولا يقام إلّا بطلبه - كما يأتي، لكن لا يستوفيه بنفسه - وتقدَّم - (والمحصن هنا) أي: في باب القذف هو: (الحر المسلم، العاقل، العفيف) عن الزنا ظاهرًا، ولو تائبًا منه، (الملتزم، الذي يجامع مثله) وهو: ابن عشر، وبنت تسع (ولا يُشترط بلوغه) لكن لا يحد قاذف غير بالغ حتى يبلغ، ويُطالب (٣)، ومن لذلك حرم، ووجب حد القذف عليه؛ دفعاً للأذى عن المقذوف، وصيانة لسمعته ودينه وعرضه، فإن قلتَ: لَمِ أتي بباب حدّ القذف هنا؟ قلتُ: لمناسبته لباب حدّ الزنا؛ حيث إن القذف هو الرمي بالزنا، أو اللواط، وإذا شهد ثلاثة على رجل بالزنا أو اللواط: فإنهم يجلدون حد القذف كما سبق في مسألة (١٣) من باب "حد الزنا". (٣) مسألة: يُشترط في إقامة حد القذف شروط ستة. أولها: أن يكون القاذف مكلَّفًا - أي: عاقل بالغ - ثانيها: أن يكون القاذف مختارًا، ثالثها: أن يكون المقذوف محصنًا - وهو: المسلم، الحر العاقل، العفيف عن الزنا ظاهرًا، ولو كان يفعله ثم تاب عنه، رابعها: أن يكون المقذوف معه آلة الزنا - أي: يجامع مثله - كابن عشر سنوات، أو بنت تسع، ولا يشترط بلوغه، ولا يحد من قذف شخصًا غير بالغ إلا بعد بلوغ المقذوف ومطالبته بحد من قذفه، خامسها: أن يُطالب المقذوف بحد من قذفه، سادسها: أن لا يأتي القاذف ببيِّنة، ولا يقر المقذوف، فإذا توفرت هذه الشروط الستة: فإن القاذف يجلد ثمانين جلدة إن كان حرًا، أما إن كان القاذف=

стр. 2954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عبدًا: فإنه يجلد، أربعين وإن كان القاذف مُبعضاً: فإنه يجلد بحسابه: فإن كان نصفه حر: فإنه يُجلد نصف حد الحر - وهو أربعون - ونصف حد العبد ـ وهو عشرون - فيُجلد ستين جلدة، وهكذا، وهذا مطلق: أي سواء كان القاذف سليمًا، أو كان أخرسًا تفهم إشارته بأن المقذوف قد زنا، أو لا، وسواء كان القاذف صحيحًا أو مريضًا، وسواء كان المقذوف صحيحًا أو مريضًا، أو مجبوبًا، أو المقذوفة رتقاء، أو قرناء، أو مريضة، وسواء كان القاذف والمقذوف قريبين لبعضهما، أو أجنبيين، فإن تخلَّف شرط مما سبق كأن يكون القاذف مجنونًا، أو صغيرًا، أو مكرهًا، أو كان المقذوف غير محصن: كأن يكون ـ أي: المقذوف - عبدًا أو أمة، أو كافرًا، أو مجنونًا، أو غير عفيف عن الزنا وعن المعاصي، أو كان المقذوف لا يُجامع مثله كمن دون العشر، أو البنت التي دون التسع، أو لم يُطالب المقذوف بإقامة حدّ القذف على قاذفه وعفى عنه: فإنه لا يقام عليه حد القذف، بل يُعزَّر بما يراه الإمام، أو نائبه مناسبًا لردعه عن أعراض الناس، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ والمراد بـ "المحصنات" هنا: العفائف الحرائر المسلمات العاقلات، والذكر هنا كالأنثى؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، وهذا عام في أفراد القاذفين وأفراد المقذوفين؛ لأن اسم الموصول - وهو: "الذين" - و "المحصنات" - وهو جمع معرّف بأل ـ من صيغ العموم، الثانية: القياس؛ بيانه: كما حد العبد والأمة على النصف من حد الحر والحرة في الزنا، فكذلك الحال في حد القذف، والجامع: الاختلاف في كل، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من بيان حد الحر، وحد العبد في القذف: أن حد المبعَّض كما ذكرنا، فإن قلتَ: لَمِ وجب تعزير من قذف ولم تتوفّر فيه تلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ردعه وزجره من أن يتساهل في أعراض الناس، فإن قلتَ: إذا كان =

стр. 2955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حكم القذف عامًا للذكور والإناث فلم خصَّ الشارع الإناث في الآية السابقة؟ قلتُ: لأن قذفهن أغلب وأشنع، ولأن الواقعة التي نزلت بسببها الآية وردت بهن، فإن قلتَ: لَمَ لا يُحدُّ من قذف شخصًا غير بالغ إلّا بعد بلوغ المقذوف، ومطالبته؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث إن عدم اعتبار مطالبته قبل بلوغه، وعدم صلاحية الولي أن يُطالب عنه؛ لفقدان التشفّي يلزم منه: أن القاذف لا يُحد هنا إلّا بعد ما ذكر. [فرع]: لا يجوز أن يستوفي المقذوف حد القذف بنفسه، ويجلد القاذف ثمانين جلدة والذي له الحق في إقامته هو: الإمام، أو نائبه؛ للتلازم؛ حيث إن كون إقامة الحد يحتاج إلى اجتهاد، ولا يؤمن من استيفائه الحيف والسراية، ووجود اختلاف، وتنازع في ذلك: يلزم منه: قصر إقامة الحدود جميعًا على الإمام أو نائبه - وقد سبق بيانه - ولو فعل المقذوف ذلك: فلا يُعتد به؛ لعدم وقوعه موقعه. تنبيه: قوله: "الملتزم" يقصد أن الكافر الملتزم بأحكام الإسلام محصن، قلتُ: هذا مخالف للشرط الثالث، فلا يعتبر ما ذكره، وخالفه على هذا جمهور الحنابلة، وعلى رأسهم ابن قدامة في "المغني" فائدة: "المحصنات" وردت في الكتاب على أربعة معان: أولها: بمعنى العفائف المسلمات، الحرائر العاقلات، ويشمل الذكور، والإناث - وهو المراد هنا كما سبق في الآية، ثانيها: بمعنى المزوجات كقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾، ثالثها: بمعنى الحرائر كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ رابعها: بمعنى الإسلام كقوله تعالى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ وإحصانها: إسلامها هنا كما قال ابن مسعود.

стр. 2956

قذف غائبًا: لم يحد حتى يحضر ويُطالب، أو يثبت طلبه في غيبته (٤)، ومن قال لابن عشرين: زنيت من ثلاثين سنة: لم يحد (٥) (وصريح القذف) قوله: (يا زاني، يا لوطي، ونحوه) كيا عاهر، أو قد زنيت، أو زنى فرجك أو يا منيوك، ويا منيوكة إن لم يُفسّره بفعل زوج أو سيد (وكنايته) أي: كناية القذف: (يا قحبة) و (يا فاجرة) و (يا خبيثة) و (فضحت زوجكِ، أو نكست رأسه، أو جعلت له قرونًا ونحوه) كعلَّقتِ عليه أولادًا من غيره، أو أفسدت فراشه، ولعربي: يا نبطي، ونحوه، وزنت يدك، أو رجلك، ونحوه (وإن فسَّره بغير القذف: قُبل) وعُزّر كقوله: يا كافر، يا فاسق، يا فاجر، يا حمار، ونحوه (٦) (وإن قذف أهل بلد أو) قذف (جماعة لا يتصور منهم الزنا (٤) مسألة: إذا قذف زيد عمرًا بالزنا، أو اللواط، وكان عمرو غائبًا: فإن زيدًا يحد بحد القذف بأحد طريقين: أولهما: أن يحضر عمرو ويطالب بحقه. ثانيهما: أو يثبت مطالبته في غيبته عند حاكم البلد الذي هو فيه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو سرق زيد مال عمرو: فإن لعمرو الحق بالمطالبة به حاضرًا أو غائبًا، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما حق من حقوقه وهذا فيه حفظ حقوق الآخرين. (٥) مسألة: إذا قال زيد لعمرو - البالغ عشرين سنة -: "أنت زنيت منذ ثلاثين أو أربعين أو خمس وعشرين سنة": فإن زيدًا لا يحد، أو قال زيد لمسلمة: "زنيت وأنت نصرانية، أو يهودية" أو "زنيتِ وأنتِ أمة" ولم تكونا كذلك: فإنه يحد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من العلم بكذبه في قذفه لعمرو: عدم وجوب الحد عليه، ويلزم من العلم بكذبه في قذفه للمسلمة: وجوب الحدّ عليه. (٦) مسألة: ألفاظ القذف تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ألفاظ صريحة، وهي: التي لا تحتمل إلا الزنا أو اللواط فقط مثل: أن يقول القاذف للمقذوف: "يا زاني" و"يا لوطي"و "يا زانية " و"يا عاهر" و "يا عاهرة" أو "قد زنيتِ" أو "قد زنى فرجك" أو "يا منيوك" أو "يا منيوكة" بشرط: عدم تفسير ذلك من القائل: بفعل زوج، أو سيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم احتمال ذلك إلّا الزنا أو اللواط:=

стр. 2957

عادة: عُزِّر)؛ لأنَّه لا عار عليهم به؛ للقطع بكذبه (٧) وكذا: لو اختلفا في أمر، فقال أحدهما: الكاذب ابن الزانية: عُزِّر ولا حد (٨) (ويسقط حد القذف بالعفو): أن يكون قد قذفه صراحة وإن فسرها بغيره: فلا يقبل. القسم الثاني: ألفاظ الكناية، والتعريض، وهي التي تحتمل الزنا وغيره كقول القائل لآخر: "يا قحبة" أو "يا فاجرة" أو "يا فاجر" أو "يا خبيثة" أو "فضحتِ زوجك" و "ناكسة رأس زوجك" أو "جعلت لزوجك قرونًا" أو "علَّقتِ عليه أولادًا من غيره" أو " أفسدت فراشه "أو "زنت رجلكِ" أو "زنت يدكِ" أو "زنت عيناك" ونحو ذلك: فإن هذه الألفاظ إذا فسرها القائل لها بغير القذف: فإنه يُقبل منه، مع يمينه، ويُعزِّر بما يراه الإمام مناسبًا لردعه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الألفاظ تحتمل الزنا واللواط وغيرهما: عدم وجوب حد القذف على قائلها؛ لأن ذلك شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. الثانية: القياس؛ بيانه: كما لو قال شخص لغيره: "يا كافر" أو "يا فاسق" أو "يا فاجر" أو "يا "حمار" أو "يا تيس" أو "يا خنزير" أو "يا "كلب" أو "يا شارب": فإنه يُعزَّر، فكذلك من قال لغيره كنايات القذف، والجامع: أن كلًّا منها يحتمل أن يكون المقصود منها معانيها الحقيقية، ويحتمل أن يكون المقصود منها معانيها المجازية. (٧) مسألة: إذا قذف شخص أهل بلد، أو قذف جماعة لا يتصوَّر منهم الزنا، ولا اللواط عادة: فإن هذا الشخص لا يحد، بل يُعزِّره الإمام بما يراه مناسبًا؛ لردعه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القطع بكذبه: عدم حدِّه حد القذف، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: لكون ذلك لا يُلحق بهم العار. (٨) مسألة: إذا وقع خلاف وتنازع بين زيد وعمرو في شأن مال أو نحو ذلك، فبينما هما يتخاصمان، ويتحاوران قال زيد العمرو: "يا كاذب يا ابن الزانية" أو قال له: "أنت ملعون ولد زنا": فإن زيدًا لا يحد، بل يُعزَّر بما يراه الإمام مناسبًا؛ لردعه عن مثل هذه الألفاظ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حال غضب أحدهما من=

стр. 2958

أي: عفو المقذوف عن القاذف (٩) (ولا يستوفى) حد القذف (بدون الطلب) أي: طلب المقذوف؛ لأنَّه حقه - كما تقدَّم - (١٠)، ولذلك لو قال المكلَّف: "اقذفني": فقذفه: لم يحد، وعُزِّر (١١)، وإن مات المقذوف، ولم يُطالب به: سقط، وإلا: فلجميع الآخر، واحتدام الخلاف والتنازع بينهما: عدم وجوب حد القذف هنا، ويلزم استحباب التأدُّب مع الآخرين في الألفاظ: وجوب تعزير زيد على تلك الألفاظ. (٩) مسألة: إذا قذف زيد عمرًا بالزنا أو اللواط - مع استكمال شروطه السابقة- وعفا عمرو عن زيد: فإن حدّ القذف يسقط؛ للتلازم؛ حيث إن حدّ القذف والتشفّي من القاذف من حق المقذوف خاصة، فإذا أسقط حقه فيلزم سقوط الحدّ عن القاذف. (١٠) مسألة: إذا قذف زيد عمرًا بالزنا فلا يحق لأي شخص - غير عمرو - أن يُطالب باستيفاء حد القذف من زيد: سواء كان سلطانًا أو لا، وسواء كان وارثًا لعمرو أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المطالبة بذلك من حق عمرو الخاص: عدم جواز المطالبة به من غيره. (١١) مسألة: إذا قال عمرو لزيد: "اقذفني": فقذفه زيد: فإن زيدًا لا يُحدُّ، وإنما يُعزَّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون حد القذف من حق المقذوف، وقد أذن عمرو في قذفه: عدم وجوب حد القذف على زيد؛ لأن عمرًا قد أسقط حقه بالإذن فيه، ويلزم من فعل زيد للمعصية: أن يُعزَّر، فإن قلتَ: إن زيدًا هنا يُحدُّ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود شروط حد القذف: وجوب حدِّه قلتُ: يجب إذا لم يُسقط المقذوف حقه، وعمرو هنا قد أسقطه بالإذن فيه، فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حد القذف هل هو من حقوق الله تعالى، أو من حقوق الآدميين؟ فعندنا: الثاني، وعندهم: الأول.

стр. 2959

الورثة، ولو عفا بعضهم: حُدَّ للباقي كاملًا (١٢)، ومن قذف ميتًا: حد بطلب وارث محصن (١٣)، ومن قذف نبيًا: كفر، وقتل ولو تاب (١٤) (١٢) مسألة: إذا قذف زيد عمرًا فمات عمرو بعد القذف: ففي ذلك حالتان: الحالة الأولى: إن كان عمرو لم يطالب زيدًا بحقه قبل موته مع علمه به: فإن حدّ القذف يسقط عن زيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مطالبته بحقه مع علمه به: عدم وجوب الحد على زيد؛ لإسقاط عمرو حقه. الحالة الثانية: إن كان عمرو قد طالب بحقه من زيد قبل موته فمن حق ورثة عمرو أن يُطالبوا زيدًا بذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه من حق الورثة أن يطالبوا باستكمال إجراءات الشفعة إن طالب بها مورثهم قبل موته فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما من حق الورثة؛ حيث إن الورثة يقومون بما يقوم به مورثهم في مثل هذه الأشياء. [فرع]: إن أسقط بعض الورثة حقه في مطالبة زيد في حد القذف، وطالبه الباقي به: فتجب إقامته على زيد كاملًا للتلازم؛ حيث يلزم من لحوق العار بكل واحد منهم على انفراد إذا لم يطالبوا به: استحقاقهم لذلك، وكل ذلك من أجل نفي العار عن المسلمين، وهو المقصد منه. (١٣) مسألة: إذا قذف زيد عمرًا بعد موته: فمن حق وارثه أن يُطالب زيدًا بحد القذف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لحوق العار بالورثة إذا سكتوا عن هذا القذف: وجوب الحد على القاذف لمورثهم؛ نفيًا للعار عنه وعنهم. (١٤) مسألة إذا قذف مسلم نبيًا من أنبياء الله: فإنه يكفر ويُقتل، ولو تاب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك تشكيك في صدق دعواه، وفسقه: كفر من فعله، ويلزم من كفره: وجوب قتله؛ لأنَّه ارتدَّ بذلك، ويلزم من إقامة حد القذف على القاذف ولو تاب: أن يقتل من قذف نبيًا: ولو تاب؛ بل هذا من باب أولى؛ لتقديم حق الأنبياء على حق غيرهم.

стр. 2960

أو كان كافراً فأسلم (١٥). (١٥) مسألة: إذا قذف شخص وهو كافر نبيًا من الأنبياء، ثم أسلم: فإنه يسقط عنه الحد بالإسلام؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الإسلام يهدم ما قبله " وهذا عام؛ لأن "ما" موصولة، وهي من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، فإن قلتَ: لا يسقط بإسلامه وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن قذف أي آدمي من كافر لا يسقط بالإسلام فكذلك قذف النبي ﵇، والجامع: أنه حق من حقوق المقذوف قلت: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع النص، وهو الحديث السابق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص". هذه آخر مسائل باب: "حد القذف" ويليه باب "حد المسكر".

стр. 2961

باب حدِّ المسكِر أي: الذي ينشأ عنه السكر، وهو: اختلاط العقل (١)، (٢) (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وهو خمر من أي شيء كان)؛ لقوله ﵊: "كل باب حدِّ المسكر وفيه ثلاث عشرة مسألة: (١) مسألة: المسكر: هو: "الذي يتسبَّب في اختلاط العقل بحيث يجعله يختلط في كلامه، ويستوي عنده الحسن والقبيح غالبًا، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي بهذا الاسم؟ قلتُ: لأنَّه يُسكّر العقل ويسدُّه عن إدراك حقائق الأمور، مأخوذ من قولهم: "سكّرتُ الباب" إذا أغلقته فإن قلتَ: لَمِ سُمِّي خمرًا؟ قلتُ: لأن كل ما يُخامر العقل، ويستره ويغطيه ويجعله غير مدرك لحقائق الأمور يُسمَّى خمرًا لذلك يُسمَّى الشيء الذي تغطي المرأة به رأسها "خِمارًا". (٢) مسألة: شرب الخمر، وأي مُسكر حرام؛ للإجماع، ومستنده قاعدتان: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والنهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" وقال: "لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه"، واللعن عقاب، ولا يُعاقب إلّا على فعل محرم، فإن قلتَ: لَم حُرِّم الخمر، وحُدَّ شاربه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخمر، وجميع المسكرات أَم الخبائث، فمن شرب ذلك وتعاطاه: فإنه سيفعل كل منكر: من زنا، وقتل، وسرقة وغير ذلك، وسيُفسد المجتمع؛ فدفعًا لذلك حرّم، ووجبت على الشارب تلك العقوبة ردعًا له وزجرًا لأمثاله.

стр. 2962

مسكر خمر، وكل خمر حرام" رواه أحمد وأبو داود (٣) (ولا يباح شربه) أي: شرب (٣) مسألة: كل شراب أسكر كثيره: فإن قليله حرام، ويُطلق على ذلك خمرًا من أي شيء صُنع: أي: سواء صُنع من عصير العنب النيء إذا اشتدّ وقذف زبده، أو طبخ أو كان من التمر، والزبيب، أو من الحنطة والشعير، أو كان من الذرة، أو الأرز، أو كان من المصنوعات الحديثة كالأفيون والبنج، والهيرويين، والحشيش، مطبوخًا أو لا مشروبًا أو مشمومًا، ومن فعل ذلك فإنه يحد بجد الخمر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" وقال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وقال: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق فملء الكف منه حرام" والمراد بـ "الفَرَق": مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهذه الأحاديث صريحة الدلالة على ما ذكرناه في أول المسألة، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة، وأُبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، وبُعد عن الوقوع في المحرمات، فإن قلتَ: إن نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخ يحل إذا شرب بلا لهو ولا طرب، وكذلك: الخليطان من الزبيب والتمر، وكذلك نبيذ العسل والتين، والبر، والشعير يحل: سواء طبخ أو لا، بلا لهو ولا طرب، وكذلك الطلاء، أو المثلث العنبي وإن اشتدّ، وهو: ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه يحل إذا شرب لقصد استمراء الطعام، والتداوي، والتقوي على طاعة الله بشرط: أن لا يسكر هذا رأي أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم الخمر المشتد: جواز شرب ما سبق ذكره؛ إذ لا يوجد فيها معنى الخمرية التي حرمها بقوله: "حرمت الخمرة" لأنَّه لا شدَّة فيها قلتُ: إن مقصد الشارع هو: تحريم كل ما يُسكر، أو يكون مآله إلى السكر؛ سدًا للذرائع؛ حيث إن شارب هذه الأمور - التي يدَّعي بعضهم أنها=

стр. 2963

ما يسكر كثيره (اللذَّة، ولا لتداو، ولا عطش، ولا غيره إلّا لدفع لقمة غصَّ بها، ولم يحضره غيره) أي: غير الخمر، وخاف تلفًا؛ لأنَّه مضطر (٤)، ويُقدَّم عليه بول، تشرب بشرط: عدم وصولها إلى الإسكار - قد يسكر وهو لا يعلم، أو قد يُغش في ذلك أو نحو ذلك من الاحتمالات، فسدًا لذلك حرّم كل مسكر حقيقة أو ما يؤدي إليه كما أحلّ الشارع قتل خمس في الحل والحرم ـ وهي: العقرب، والحية والحدأة، والكلب الأسود، والفأرة - مقصوده قتل كل مؤذي للإنسان، وكل ما يغلب على الظن أنه مؤذ ولو آجلاً، فكذلك هنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض اللفظ مع المقصد الشرعي". تنبيه: الرأي المختار لجمهور الحنفية هو ما ذهب إليه الجمهور - وهو: "أن كل ما أسكر كثيره فقليله حرام". (٤) مسألة: لا يجوز للمسلم أن يشرب شيئًا يسكر كثيره ليتلذذ به ولا لغير ذلك، فإن غصَّ بلقمة وخشي على نفسه الهلاك والتلف: فإنه يشرب منه ما يُذهب به تلك الغصة بشرط: عدم وجود غير الخمر عنده؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فرخَّص الشارع للمضطر ـ وهو المشرف للهلاك ـ أن يفعل أي شيء ينقذ حياته، وهو عام؛ لأن الشرط من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، فيشرب ما يُذهب عنه الغصة فقط، دون أن يزيد على ذلك، وهذا من الرخص الواجبة - كما بينتُ ذلك في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس" - فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث رخَّص الشارع بإزالة الغصَّة بقدر من الخمر؛ للحفاظ على النفس، وهو مقدم على مصلحة عدم شربه، من باب: تعارض المفسدتين". [فرع]: يجوز التداوي بشرب الخمر، ويجوز شربه للعطش، وهو قول أبي حنيفة، وكثير من الشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما تدفع الغصة بشرب الخمر ويجوز أكل الميتة للمضطر، فكذلك يجوز شرب بعض الخمر؛ للتداوي به وإزالة=

стр. 2964

وعليهما ماء نجس (٥) (وإذا شربه) أي: المسكر (المسلم) أو شرب ما خلط به، ولم العطش، والجامع: الاضطرار وخوف الهلاك في كل، فإن قلتَ: لا يجوز للمسلم أن يشرب شيئًا يسكر كثيره لأجل التداوي به، أو لإزالة العطش، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إنه ليس بدواء ولكنه داء" فوصف الخمر بعدم صلاحيته لكونه دواء يُستشفى منه، بل هو داء فيلزم التحذير منه. الثانية: المصلحة؛ حيث إن شربه لا يزيل العطش، بل يزيده عطشًا، فحفاظًا عليه حُرِّم ذلك، قلتُ: أما السنة: فالمقصود منه: النهي عن شربه للتداوي به عن الأمراض الطارئة الخفيفة، أما إذا قال طبيب عدل بأن شفاءه بشرب قليل مما يسكر كثيره: فهذا يدخله ضمن المضطرين فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ﴾ .. أما المصلحة: فنحن نوافق على شربه لقليل من الخمر الذي يُزيل العطش، أو مخلوط به بعض الماء، أما ما يزيد من عطشه فغير مقصود لأي أحد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس الذي ذكرناه مع السنة التي ذكروها" وأيضًا "تعارض القياس الذي ذكرناه مع المصلحة التي ذكروها" وأيضًا: "تعارض المصلحتين". (٥) مسألة: إذا عطش شخص عطشًا شديدًا، أو مرض مرضًا شديدًا، أو غصَّ بلقمة، وخشي على نفسه الهلاك من ذلك، وعنده ماء نجس، وبول، وخمر: فإنه يشرب، ويداوي نفسه، ويُزيل اللقمة بالماء النجس، وإن لم يُوجد ماء نجس: فإنه يشرب، ويداوي نفسه، ويزيل اللقمة بالبول، فإن لم يكن عنده إلّا الخمر: فعل ذلك كله به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الماء النجس مطعومًا، أن يقدَّم على البول؛ لكون البول ليس مطعومًا، ويلزم من كون البول لا يُحدُّ من شربه: أن يقدَّم على الخمر؛ لأن الخمر يحدُّ على شربه، ويلزم من عدم وجود شيء غير الخمر عنده: أن يشربه، ويداوي نفسه، ويُزيل الغصة به؛ للحفاظ على نفسه من التلف، وهذا هو المقصد منه.

стр. 2965

يستهلك فيه، أو أكل عجينًا لتَّ به (مختارًا عالمًا أن كثيره يسكر: فعليه الحد ثمانون جلدة مع الحرية)؛ لأن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن: "اجعله كأخف الحدود ثمانين" فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد، وأبي عبيدة في الشام، رواه الدارقطني وغيره، فإن لم يعلم أن كثيره يسكر: فلا حدَّ عليه، ويُصدَّق في جهل ذلك (و) عليه (أربعون مع الرق): عبدًا كان، أو أمة (٦)، ويُعزِّر من وُجد منه (٦) مسألة: شروط وجوب حد الخمر ـ وهو: ثمانون جلدة ـ خمسة: أولها: أن يكون الشارب مكلَّفًا - وهو البالغ العاقل - ثانيها: أن يكون الشارب مسلمًا، ثالثها: أن يكون الشارب مختارًا، رابعها: أن يكون الشارب عالمًا بتحريم قليل ما أسكر كثيره، خامسها: أن يكون عالمًا أن ما شربه خمر، فإذا توفرت تلك الشروط: فيجب أن يحد ذلك الشارب ويجلد ثمانين جلدة إن كان حرًا، ويُجلد الرقيق - سواء كان عبدًا أو أمة - أربعين جلدة ويجلد المبعَّض بحسابه ـ كما سبق بيانه في القذف - أما إن كان الشارب صغيرًا، أو مجنونًا، أو كافرًا، أو مكرهًا، أو جاهلًا بحكم الخمر، أو جاهلًا بأن هذا الذي شربه هو خمر، أو كان جاهلًا أن كثير ما شربه يسكر: فإنه لا يحدُّ بحد الخمر؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من شرب الخمر فاجلدوه" فأوجب جلد شارب الخمر؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد جلد شارب الخمر أربعين جلدة، الثالثة: قول وفعل الصحابي؛ وهو من وجهين: أولهما: أن أبا بكر وعلي قد جلدا شارب الخمر أربعين جلدة، ثانيهما: أنه في عهد قد احتقر الناس عقوبة الخمر التي جلد بها الرسول ﵇، وأبو بكر - وهي أربعون - فاستشار عمر الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، وروي عنه أنه قال: "إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى فأرى أن عليه حد المفتري "وهو: القذف - وهو ثمانون جلدة، فجلد عمر شارب الخمر ثمانين جلدة، وكتب به إلى ولاته في الأطراف، الرابعة: المصلحة؛

стр. 2966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حيث إن المصلحة اقتضت أن يُجلد شارب الخمر ثمانين جلدة؛ لأن العقوبة شُرعت للرَّدع والزَّجر، ولا يحصل ذلك إلّا بثمانين، فيكون جلد أربعين ثبت بالنص، والأربعين الأخرى ثبتت بقول الصحابي وفعله لاقتضاء المصلحة، وذلك تعزيرًا، الخامسة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن حد الرقيق على النصف من حد الحر في ذلك، فإن قلتَ: إن حد شارب الخمر أربعين جلدة فقط؛ للسنة الفعلية وقول وفعل الصحابي؛ أبي بكر وعلي، حيث إن عليًا جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال جلد النبي ﵇ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إليّ" قلتُ: إن عليًا لم ينكر ما فعله عمر باستشارة كثير من الصحابة، فدل على موافقته على جلده ثمانين بالنص، وبالاجتهاد على حسب ما تقتضيه المصلحة، ودفع المفسدة، وهذا يجوز في ذلك كما جُوِّز الاجتهاد في صفة الضرب فيه من قوته وضعفه، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة مع قول وفعل الصحابي: عمر ومن وافقه من الصحابة"، فإن قلتَ: لَمِ اشترطت تلك الشروط؟ قلتُ: لأن من اجتمعت فيه تلك الشروط، ومع ذلك شرب: فإنه قاصد لارتكاب معصية الله تعالى، بخلاف الصغير، والمجنون، والمكره، والجاهل بالحكم فهم معذورون بالصغر، والجنون، والإكراه والجهل؛ لكونهم لم يقصدوا ارتكاب المعصية، لذلك لا يأثموا لو شربوا، ولا يُحدُّوا، والأصل في ذلك قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق .. وقوله: "عفي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه" والجهل مثل الخطأ؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، أما الكافر فلا يُحدُّ؛ لأن الكفار غير مكلفين بفروع الإسلام - كما فصَّلتُ ذلك في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام "-. [فرع]: إذا شرب شخص خمرًا وادَّعى جهله، بتحريمه، أو جهله بأن ما شربه=

стр. 2967

رائحتها (٧)، ........................................ خمرًا: فإنه يُصدَّق في دعواه مع يمينه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلم الصدق، فيستصحب، ويُعمل به، ويحلف؛ للاحتياط والتأكيد. [فرع ثان]: إذا شرب شيئًا قد خُلِط به خمر ولم يستهلك، أو يذوب فيه، أو أكل عجينًا قد عُجن بخمر، وليَّ، أو طبخ فيه لحمًا، وأكل من مرقه: فإنه يُحدُّ بحد الخمر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود عين الخمر في ذلك: ثبوت شربه وأكله لشيء يُسكر كثيره، وهذا حقيقة ما يوجب الحد. (٧) مسألة: إذا شمَّ زيد رائحة الخمر من فم عمرو أو تقيأ عمرو خمرًا: فإنه لا يُحدُّ بجد الخمر، بل يُعزِّره الإمام أو نائبه بما يراه مناسبًا؛ للتلازم؛ حيث إن مجرَّد رائحتها، أو التقيء يُحتمل: أنه تمضمض بها، أو ظنها ماء، فلما صارت في فيه مجَّها وأخرجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرهًا على شربها، أو شرب شراب التفاح، فإن رائحته كرائحة الخمر وهذه الاحتمالات شبهة تدرأ تقوى على درء الخمر ومنعه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، فإن قلتَ: إنه إذا وُجد منه ذلك: فإنه يحد بحد الخمر، وهو قول مالك، وهو رواية عن أحمد في الرائحة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الإقرار بشربها، أو قيام البينة بشربها يوجب إقامة حدها، فكذلك وجود رائحتها، أو تقيأها الشخص مثل ذلك، والجامع: ثبوت شربها الثانية: قول الصحابي وفعله؛ حيث إن ابن مسعود جلد رجلًا وجد منه رائحة الخمر، وقال عمر: "من قاءها فقد شربها" قلتُ: أما القياس فهو فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإقرار أو ثبوت البيِّنة بشربها لا يتطرق إليه احتمال عدم شربها، بخلاف وجود رائحتها، أو أن يتقيأها فيوجد عدَّة احتمالات في الشرب وعدمه والاحتمال شبهة تدرأ الحد - كما سبق، أما قول وفعل الصحابي: - وهما ابن مسعود، وعمر - فهو اجتهاد يحتمل وجود قرينة رجَّحت كون المحدود قد شرب الخمر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع =

стр. 2968

أو حضر شربها (٨)، لا من جهل التحريم، لكن لا يُقبل ممن نشأ بين المسلمين (٩)، ويثبت بإقراره مرَّة كقذف، أو بشهادة عدلين (١٠)، ويحرم عصير غلا، أو أتي عليه ثلاثة أيام بلياليها (١١)، القياس وقول وفعل الصحابي". (٨) مسألة: إذا حضر شخص قومًا يشربون الخمر: فإنه يُعزَّر وإن لم يشربها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حيث إن حضورها - من غير إكراه - يُعتبر رضى بها، وهذا يدخل ضمن التعاون على الإثم والعدوان، وهذا يوجب عقاب من فعل ذلك؛ لأنَّه حرام؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، وإذا لم يوجد حد: فيتقرَّر أن يُعزِّره الإمام أو نائبه بما يراه مناسبًا لردعه عن حضور أماكن المنكرات والمعاصي، وهذا هو المقصد منه. (٩) مسألة: إذا شرب شخص الخمر وادَّعى أنه جاهل في حكم الخمر فلا يعلم هل هو حلال، أو حرام؟ فإنه يُعذر بجهله، ولا يحد بشرط: أن يكون ممّن يجهل مثله - كمن نشأ في الصحراء، فإن كانت نشأته بين المسلمين: فلا يُعذر بجهله فيحد، وهذه قاعدة عامة لجميع الأحكام الإسلامية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جهله: عذره به، وهذه شبهة تدرأ عنه الحد، ويلزم من أن تحريم الخمر لا يخفى على من عاش بين المسلمين: عدم قبول دعواه في ذلك. (١٠) مسألة: يثبت أن الشخص قد شرب الخمر-؛ ليُحد بجده - بأحد طريقين: أولهما: أن يقرّ الشارب بأنه شرب الخمر ولو كان هذا الإقرار مرَّة واحدة ولو رجع: قبل منه، ثانيهما: أو أن يشهد عليه عدلان بأنه قد شرب خمرًا. للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أقرّ أنه قذف فلانًا، أو شهد عليه عدلان بأنه قذفه: فإنه يثبت القذف، ويجب حدّ القذف هنا، فكذلك شرب الخمر مثله، والجامع: أن كلًّا منهما لا يتضمن إتلافًا. (١١) مسألة: يحرم شرب عصير عنب، أو قصب، أو رمان، أو ليمون، أو برتقال،=

стр. 2969

ويكره الخليطان كنبيذ تمر مع زبيب (١٢)، لا وضع تمر، أو نحوه وحده في ماء لتحليته ما لم يشتدّ أو تتم له ثلاثة أيام (١٣). أو موز إذا وُضع في قدر ثم تُرك يغلي فوق النار، وبدأ يقذف بزبده، ويظهر له رائحة، وصوت، ولو لم يسكر، وكذلك إذا تُرك ثلاثة أيام بلياليها: فإنه يحرم ولو لم يغل، ولم يسكر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الشدَّة عادة فيما يغلي، أو يُترك ثلاثة أيام: تحريم شربه؛ لأن العلة في تحريم الخمر هي: وجود الشدَّة. (١٢) مسألة: ويُكره شرب المخلوط من التمر والزبيب إذا لم يشتد، ويحرم إذا اشتد؛ للتلازم؛ حيث إنه إذا اشتدَّ، وظهر له رائحة، وصوت، وزُبَد: فإنه يحرم؛ لأنَّه خمر، ويلزم من عدم اشتداده: كراهية شربه؛ لأنَّه في طريقه إلى الإسكار. (١٣) مسألة: إذا وضع شخص تمرًا، أو تفاحًا أو نحوهما؛ لتحلية ماء: فيجوز شربه بشرط: عدم اشتداده، وعدم مرور وعدم مرور ثلاثة أيام بلياليها عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اشتداد ما ذكرناه، أو مرور ثلاثة عليه: جواز شربه. هذه آخر مسائل باب: "حد المسكر" ويليه باب "التعزير".

стр. 2970

باب التعزير (وهو) لغة: المنع، ومنه: التعزير بمعنى النصرة؛ لأنَّه يمنع المعادي من الإيذاء، واصطلاحًا: (التأديب)؛ لأنَّه يمنع مما لا يجوز فعله (وهو) أي: التعزير (واجب في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة: كاستمتاع لا حد فيه) أي: كمباشرة دون الفرج (و) كـ (سرقة لا قطع فيها)؛ لكون المسروق دون نصاب، أو غير محرز، (و) كـ (جناية لا قود فيها) كصفع، ووكز (و) كـ (إتيان المرأة، المرأة، والقذف بغير الزنا) إن لم يكن المقذوف ولدًا للقاذف، فإن كان: فلا حد ولا تعزير (ونحوه) أي: نحو ما ذكر: كشتمه بغير الزنا، وقوله: "الله أكبر عليك أو خصمك" (١)، ولا يُحتاج في إقامة باب التعزير وفيه ثمان مسائل: (١) مسألة: التعزير لغة: المنع والرَّد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: لتنصروه، ونصرتموه، فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه، ومنعتهم أذاه، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير؛ لأنَّه يمنع الجاني أن يُعاود الذنب والمعصية - كما جاء في اللسان (٤/ ٥٦٢) ـ، ويترك ما لا يجوز فعله مطلقًا، واصطلاحًا هو: "عقوبة للتأديب في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة" فكل معصية وذنب لا يصل إلى درجة إقامة حدّ على الفاعل: فإن الإمام، أو نائبه يُعزَّر ويُعاقب هذا الفاعل بما يراه مناسبًا لردعه وزجره كأن يُباشر امرأة دون الفرج، أو يسرق شيئًا لا يبلغ النصاب، أو شيئًا لم يُحفظ ويُحرز ـ كما سيأتي في باب السرقة-، أو يضرب شخصًا ضربًا لا جناية فيه أو تفعل امرأتان السحاق - وهو: إتيان المرأة المرأة-، أو أن يقذف شخصًا بغير الزنا واللواط، أو يشتمه، أو يسبه، أو يقول له: "يا حمار" أو" يا كلب" أو "يا خنزير"، أو "الله أكبر عليك" أو "الله خصمك" أو نحو ذلك، فإن قلتَ: لَمِ جُعل هذا الباب =

стр. 2971

التعزير إلى مطالبة (٢). (ولا يُزاد في التعزير على عشر جلدات)، لحديث أبي بردة مرفوعًا: "لا يُجلد أحد فوق عشرة أسواط إلّا في حد من حدود الله" متفق عليه (٣)، وللحاكم نقصه عن هنا؟ قلتُ: لمناسبته لذلك؛ لأن المعاصي تنقسم إلى قسمين - من حيث تقدير عقوبتها أو لا -: القسم الأول: ما قدَّر الشارع عقوبتها، وهي: الجنايات، والقصاص، والديات، والكفارات، وحدّ الزنا، وحد القذف، وحد المسكر، وحد السرقة، وحد قاطع الطريق، وحد المرتد، القسم الثاني: ما لم يقدِّر الشارع عقوبتها - وهي المعاصي التي لا حدّ فيها ولا كفارة، ويعني بذلك التعزير ـ كما سبق بيانه، فهذا جعل تقدير عقوبته للإمام أو نائبه. [فرع]: إذا كان المقذوف بأي شيء ولدًا للقاذف: فلا شيء على القاذف من حد، ولا تعزير بخلاف العكس، فالولد يُحدُّ إذا قذف والده، ويُعزِّر إذا طلب الوالد ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يقتص من الوالد إذا قتل ولده، فكذلك القذف مثله، والجامع: أن الوالد سبب لوجود الولد، فلا يكون الولد سببًا في إعدامه، أو إهانته. (٢) مسألة: إذا فعل شخص أيَّ معصية مما لا يوجب حدًا مما سبق ذكرها، أو نحوها: فإن الإمام أو نائبه يؤدِّبه تعزيرًا: سواء طالب من فعلت معه تلك المعصية، أو لم يُطالب، ولذلك وجب تأديب من سبَّ أيَّ صحابي، أو أيَّ مسلم، أو أهانه، أو أذلَّه، أو بصق عليه، أو سخر منه، أو هزأ به، أو أذاع أخباره بدون إذنه، أو قلَّل من قيمته بأيِّ طريقة: سواء بالكلام، أو بالإيماء والإشارة، أو بالفعل، وهذا مطلق: أي سواء طالب وارثه ذلك أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن التعزير مشروع لتأديب وتهذيب أفراد المجتمع: فوجب إقامته لذلك. (٣) مسألة: إذا أراد الإمام أو نائبه أن يُعزِّر شخصًا لتأديبه عن طريق الجلد: فإنه=

стр. 2972

العشرة حسبما يراه (٤)، لكن من شرب مسكرًا في نهار رمضان: حُدَّ للشرب، وعُزِّر يجلده عشرة أسواط فقط، ولا يزيد عليهن وإن رأى الإمام تنقيصها: فله ذلك، وهذا في جميع الذنوب والمعاصي التي لا حدّ فيها ولا كفارة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلّا في حد من حدود الله" حيث دلَّ بمفهوم العدد على تقييد التعزير بالضرب بعشرة فما دونها وتحريم الزيادة عليها؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، ثانيهما: قوله ﵇: "من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين" والمراد: إذا عاقب الإمام شخصًا عقوبة بلغ بها حدًا، في غير ما يوجب حدًا: فإنه من المعتدين الظالمين، والله لا يحب المعتدين، الثانية: التلازم؛ حيث إن العقوبة على قدر الإجرام، والمعاصي والجرائم المنصوص على حدودها أعظم في العقوبة من غيرها: فيلزم: عدم جواز التعزير على معصية خفيفة بعقوبة عظيمة تفوق عقوبة المنصوص على حدودها، أو تساويها أو تقاربها، فإن قلتَ: تجوز الزيادة في التعزير على عشرة أسواط إذا رأى الإمام أو نائبه ذلك، ولكن لا يبلغ به المقدَّر مشرعًا وهو قول كثير من العلماء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر، وعمر ﵄ قد زادا على العشرة قلتُ: يُحتمل: أن يكونا قد عزَّرا شخصًا على عدَّة معاصي كأن يُجلد الشخص عشرة أسواط على تقبيله امرأة أجنبية، ويجلد عشرة أخرى على انتهاكه حرمتها من جهة أخرى، فتجتمع هذه الأعداد فيظن ظان أنه عُزِّر بما زاد عن الحد، وهذا يجاب به عن قول مالك: "إنه يُزاد بالتعزير على الحد مستدلًا بما فعله علي ﵁" وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال وعلى فرض عدم وجود هذا الاحتمال: فإن ما فعله هؤلاء الصحابة مخالف للسنة القولية، فلا يحتج به؛ لمعارضته نصًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض أفعال الصحابة مع السنة". (٤) مسألة: التعزير راجع إلى ما يراه الإمام مناسبًا لردع وزجر هذا العاصي، أو ذاك، =

стр. 2973

لفطره بعشرين سوطًا؛ لفعل علي ﵁، ومن وطئ أمة امرأته: حُدَّ ما لم تكن أحلَّتها له فيجلد مائة، إن علم التحريم فيهما، ومن وطئ أمة له فيها شرك: عُزِّر بمائة إلّا سوطًا (٥)، ويحرم تعزير بحلق لحية وقطع طرف، أو جرح (٦)، أو أخذ فيعزِّر أحيانًا بالضرب عشر، أو أقل من الأشواط، وأحيانًا بالحبس، وأحيانًا بالنفي والطرد، وأحيانًا بأخذ الأموال، وأحيانًا بالعزل عن المناصب، وأحيانًا بالإذلال بأي طريقة، وأحيانًا بالتوبيخ والكلام الجارح، ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تفاوت واختلاف الجرائم، والمعاصي بالشدة والضعف، واختلاف الأفراد واختلاف الأحوال، والظروف، والأزمنة: أن تختلف العقوبة التعزيرية: إذ ما يردع هذا قد لا يردع الآخر فكل له ما يناسبه، وهذا هو سبب إسناد تقدير عقوبتها إلى الإمام، أو نائبه. (٥) مسألة: إذا شرب شخص المسكر في نهار رمضان: فإنه يجلد جلد الشرب - وهو ثمانون -، ويُعزِّر بعشرة أسواط، وإذا وطأ جارية امرأته: فإنه يحد حد الزنا، ومن وطأ جارية له فيها شرك: فإنه يُعزَّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد شرب المسكر بلا عذر: أن يحد بحد المسكر، ويلزم من شربه للمسكر في نهار رمضان: أن يعزَّر بعشرة أسواط؛ لانتهاكه لحرمة رمضان، ويلزم من وطئه لجارية زوجته من غير عقد زواج، ولا ملك: أن يحد بحد الزنا، ويلزم من وطئه لجارية فيها شرك: أن يُعزَّر؛ لأن هذه الشراكة شبهة تدرأ عنه الحد، تنبيه: ما ذكره المصنف هنا من زيادة على عشرة أسواط، أو جلد مائة إلّا سوطًا أو نحو ذلك قول قد استند إلى اجتهادات بعض الصحابة، وهي محتملة ومخالفة للنص من السنة القولية - كما سبق ذكره في مسألة (٣) -. (٦) مسألة: لا يجوز للإمام أو نائبه: أن يُعزِّر أحدًا بحلق لحيته، أو قطع طرف من أطرافه، أو جرحه بشيء حاد؛ للتلازم؛ حيث إن تعزيره بذلك يُعتبر مُثْلَةً نهى الله عنها فيلزم تحريم ذلك.

стр. 2974

مال، أو إتلافه (٧) (ومن استمنى بيده) من رجل أو امرأة (بغير حاجة عُزِّر)؛ لأنَّه معصية، وإن فعله خوفًا من الزنا: فلا شيء عليه إن لم يقدر على نكاح، ولو لأمة (٨). (٧) مسألة: يجوز للإمام أو نائبه أن يُعزِّر بأخذ مال من المعزِّر، وإتلافه؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود تأديبه، وبعض الناس لا يتأدَّب إلّا بأخذ شيء من ماله، فيلزم جواز التعزير به، فإن قلتَ: يحرم أخذ، مال، أو إتلافه قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك. (٨) مسألة: من استمنى بيده - من رجل أو امرأة - لحاجة وهو غير مستطيع للزواج بحرة، أو بأمة، أو بسرية وخاف من الوقوع بالزنا أو اللواط: فلا شيء عليه، أما إن فعل ذلك من غير حاجة، أو هو قادر على النكاح والتسري ومع ذلك تركه إلى الاستمناء بيده: فإنه يُعزَّر بما يراه الإمام أو نائبه، للتلازم؛ حيث يلزم من فعله لذلك من غير حاجة ارتكابه للمعصية وهذا يُعزَّر. هذه آخر مسائل باب "التعزير" ويليه باب "القطع في السرقة".

стр. 2975

باب القطع في السرقة وهي: أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه، أو نائبه (إذا أخذ) المكلَّف (الملتزم) مسلمًا كان أو ذميًا، بخلاف المستأمن ونحوه (نصابًا من حرز مثله من مال معصوم) بخلاف حربي (لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء: قُطع)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ولحديث عائشة: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" (فلا قطع على منتهب) وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة (ولا مختلس) وهو: الذي يخطف الشيء ويمرّ به (ولا غاصب، ولا خائن في وديعة أو عارية أو غيرها)؛ لأن ذلك ليس بسرقة، لكن الأصح: أن جاحد العارية يقطع إذا بلغت نصابًا؛ لقول ابن عمر: "كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها" رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، وقال أحمد: "لا أعرف شيئًا يدفعه" (١) باب القطع في السرقة وفيه ثلاثون مسألة: (١) مسألة: السرقة التي تُقطع اليد بسببها هي: "أن يأخذ المكلَّف الملتزم بأحكام الإسلام مالًا محترمًا لمعصومٍ يبلغ ربع دينار أو ثلاثة دراهم من حرز مثله لا شبهة له فيه على وجه الاستتار والاختفاء" وسيأتي بيان ذلك في شروط القطع في السرقة، وبهذا بان الفرق بين السارق وبين المختلس والمنتهب، والغاصب، والخائن في وديعة، أو عارية ونحوها؛ إذ المختلس هو: الذي يخطف الشيء ويسلبه بغير حق على حين غفلة من مالكه، وغيره لكن من غير غلبة، والمنتهب هو: الذي يأخذ الشيء بغير حق على وجه الغلبة والقهر على مرأى من الناس، فيُمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويُخلّصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، والخائن هو الذي يأخذ المال من صاحبه بغير حق خفية مع إظهاره له النصيحة والحفظ، والغاصب هو: الذي يأخذ مال غيره بغير حق على وجه الغلبة والقهر =

стр. 2976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والاستيلاء، فالسارق تقطع يده، أما المختلس والمنتهب، والخائن، والغاصب: فلا تقطع أيديهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ حيث أوجب قطع اليد بسبب السرقة؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، واقتران الحكم - وهو القطع - بالفاء بعد وصف يناسب ذلك يدل على ذلك دلالة ظاهرة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" وقال: "ليس على المنتهب قطع" وقال: "ليس على المختلس والخائن قطع"، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﵇ "قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" فإن قلتَ: لم تُقطع يد السارق، ولا تُقطع يد المختلس والمنتهب، والغاصب، والخائن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السارق - على التعريف السابق - لا يمكن التحرز والاحتراز منه؛ لأنَّه يُنقّب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، فلو لم تقطع يد من فعل ذلك: لعظم الضرر ـ كما قال ابن القيم -؛ لأنَّه سيسرق بعض الناس بعضهم الآخر، وسيأخذوا كسبهم، وكدَّهم، وعملهم بلا مقابل، وهذا عين الظلم فدفعًا لذلك حُدَّ السارق بقطع يده، بخلاف الأربعة السابق ذكرهم فيمكن التحرز منهم: فالمختلس يمكن أن يُهزم ويؤخذ الحق منه، وكذلك المنتهب يستطيع بعض الناس الذين رأوا ذلك أن يُخلِّصوا الحق منه، والخائن يمكن أن يُحذر، وكذلك الغاصب فلا يُسمَّى ما فعلوه سرقة، فإن قلتَ: لَمِ تقطع يد السارق؟ قلتُ: للمناسبة؛ حيث إن اليد قد امتدَّت إلى مال غيره بغير حق، فناسب قطعها؛ حتى لا تمتد مرة أخرى، ولا تمتد يد غيره، فإن قلتَ: إن جاحد العارية وهو الخائن فيها يقطع إذا بلغت العارية المجحودة ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، وهي رواية عن أحمد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث إنه ﵇ قد أمر بقطع يد المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده. قلتُ: إن المخزومية تلك ليست جاحدة، وإنما هي سارقة فلذلك قطع =

стр. 2977

(ويقطع الطَّرار) وهو (الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه) أو بعد سقوطه إن بلغ نصابًا؛ لأنَّه سرقة من حرز (٢) (ويُشترط) للقطع في السرقة ستة شروط: أحدها: (أن يكون المسروق مالًا محترمًا)؛ لأن ما ليس بمال لا حرمة له، ومال الحربي تجوز سرقته بكل حال فلا (قطع بسرقة آلة لهو)؛ لعدم الاحترام (ولا) بسرقة (محرم كالخمر) وصليب (٣)، رسول الله ﵇ يدها، بدليلين: أولهما: أن أسامة لما كلَّم رسول الله ﷺ في شأنها قال ﵇: "إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف قطعوه"، ثانيهما: أنه ورد في بعض طرق حديثها: أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، ثم ذكرت القصة - كما روى ذلك البخاري ـ، فإن قلتَ: لَمِ عبَّرت عائشة ـ وهي رواية حديث المخزومية - بقولها: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده؟ قلتُ: إنما عرَّفتها عائشة بذلك؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون الجحد هو سبب القطع. (٢) مسألة: تُقطع يد الطَّرار ـ وهو: الذي يبط الجيب ويشقّه، أو كمه، أو صفنه، أو شنطته، ويسرق ما فيه إن بلغ نصابًا ـ وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم وكذلك: من أدخل يده في جيبه وسرق ما فيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود حقيقة السرقة - السابق ذكرها - في ذلك صحة وصفة بأنه سارق، والسارق تُقطع يده. (٣) مسألة: في الأول ـ من شروط السرقة التي تقطع اليد بسببها ـ وهو: أن يكون المال المسروق مالًا محترمًا يُنتفع به: سواء كان مما يُسرع إليه الفساد كالفواكه والخضروات أو لا، وسواء كان مالًا لمسلم أو لذمي، وبناء على ذلك: تجوز سرقة مال الكافر المعلن حربه للإسلام والمسلمين، وتجوز سرقة أيِّ آلة لهو كالمزامير، والعود، وآلات الموسيقى والطبل ونحو ذلك مما لا يتم الغناء إلّا به، وتجوز سرقة كل محرَّم كالخمور، والخنازير، والأصنام، والميتات، والصليب،=

стр. 2978

وآنية فيها خمر (٤)، ولا بسرقة ماء (٥)، أو إناء فيه ماء (٦)، ولا بسرقة مكاتِب، وأم ونحو ذلك ولا قطع في ذلك كله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المال مالًا محترمًا: أن يُقدِّره الشارع ويحميه لصاحبه، حفظًا لحقوقه وذلك بقطع يد من سرقه، ويلزم من عدم حرمة مال الحربي، وكون كل محرم لا يعتبر مالًا شرعيًا: جواز أخذه ولا قطع، فإن قلتَ: إن أي طعام يُسرع إليه الفساد كالفواكه والخضروات: فلا قطع على سارقه، وهو قول أبي حنيفة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا قطع في تمر ولا كثر" حيث نفى القطع في ذلك، قلتُ: إن المراد بذلك الثمر المعلَّق بدليل أنه ﵇ لما سئل عن الثمر المعلَّق فذكر حكمه، ثم قال: "ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤيه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع" وعثمان قطع يد سارق اترجَّه وهي من الفواكه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد من حديث: لا قطع في ثمر ولا كثر". (٤) مسألة: الأواني التي وُضعت فيها خمر، أو معدَّة لوضع الخمور فيها إذا سُرقت: تقطع يد سارقها؛ للتلازم؛ حيث إن الأواني مال، محترم، ولا دخل لها بالخمر فيلزم قطع يد سارقها. (٥) مسألة: لا قطع في سرقة الماء؛ للاستصحاب؛ حيث إن أصله الإباحة، فيُستصحب ذلك ويُعمل به، ويكون ذلك شبهة تدرأ الحدّ آخذه. (٦) مسألة: تُقطع يد سارق إناء فيه ماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو سرق إناء فارغ: فإن يده تُقطع فكذلك سرقة إناء فيه ماء مثله والجامع: أن كلًّا من الإناءين مال محترم، فإن قلتَ: لا تقطع يد سارق إناء فيه ماء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو سرق إناء مشتركًا بينه وبين غيره: فلا قطع، فكذلك إذا سرق إناء فيه ماء لا قطع والجامع: أن كلًّا من الإناءين متصل بما لا قطع فيه، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ إذ الإناء المشترك بينه وبين غيره في ملكيته فيه شبهة تدرأ عنه الحد، بخلاف الإناء الذي فيه ماء فلا شبهة فيه، وكون=

стр. 2979

ولد (٧) ومصحف (٨) وحر، ولو صغيرًا ولا بما عليهما (٩)، الشرط الثاني: ما أشار الماء فيه ليست شبهة؛ لإمكان إخلاء الماء منه ووضعه في إناء آخر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه تعارض القياسين". (٧) مسألة: لا تُقطع يد سارق مكاتِب - ذكرًا كان أو أنثى - أو أم ولد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سارق الحر لا تقطع يده، فكذلك سارق المكاتِب وأم الولد لا تقطع يده والجامع: أن كلًّا منهم لا يحل بيعه. (٨) مسألة: تُقطع يد سارق المصحف؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ حيث إن ذلك عام لجميع السارقين لجميع ما بلغت قيمته نصابًا الثانية القياس؛ بيانه: كما أن يد سارق كتب العلم تقطع فكذلك سارق المصحف مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منها متقوَّم تبلغ قيمته نصابًا، فإن قلتَ: لا تقطع يد سارق المصحف، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز أخذ العوض عنه: عدم قطع يد سارقه؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، قلتُ: لا يُسلَّم عدم جواز أخذ العِوَض عنه بل يجوز عندنا ـ كما سبق ذكر جواز بيعه - فبطل التلازم الذي ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في بيع المصحف هل يجوز أو لا؟ " فمن قال: يجوز بيعه: قال: من سرقه تُقطع يده إذا توفرت شروط السرقة، ومن قال: لا يجوز بيعه: قال: من سرقه لا تُقطع يده، وهذا من تأثير بعض الفروع على فروع أخرى، وهو كثير. (٩) مسألة: لا تُقطع يد سارق الحر الصغير، للقياس؛ بيانه: كما أنه لا تقطع يد سارق الحر الكبير، فكذلك الحر الصغير، مثله والجامع: عدم جواز أخذ العوض عنهما، فإن قلتَ: تُقطع يد سارق الحر الصغير؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سارق العبد الصغير تقطع يده فكذلك تقطع يد سارق الحر الصغير والجامع: عدم التمييز في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن الحر الصغير ليس=

стр. 2980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بمال ولا يؤخذ العِوَض عنه، بخلاف العبد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين، فعندنا: إن الحر الصغير يُشبه الحر الكبير، وعندهم: إنه يُشبه العبد الصغير وهو: من قياس "الشبه". [فرع]: إذا سرق شخص ما على الحر الصغير أو العبد الصغير، أو ما على المصحف ونحو ذلك من الأثواب والحلي، فالسارق تقطع يده إذا توفّرت شروط السرقة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وهذا عام لكل سارق لأي شيء له ثمن. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو سرق الأثواب، أو الحلي منفردة: فإن يد السارق تُقطع فكذلك ما لو سرقها من على لابسها والجامع: أن كلًّا منهما قد سرق نصابًا من المال، فإن قلتَ: لا تُقطع يد سارق ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ثياب الحر الكبير لو سُرقت وهي عليه: فإن يد السارق لا تُقطع فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منها تابع لما لا قطع في سرقته قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ حيث إن ثياب الكبير لو أراد أحد أخذها وهي عليه لدافع عن ذلك بقوته، فإذا أخذها فيكون منتهبًا، أو غاصبًا، وقد سبق عدم قطع يد هذين في مسألة (١) بخلاف سرقة ما على الحر الصغير، أو العبد الصغير، أو ما على المصحف: فإن المدافعة لا توجد: فتقطع يد سارقها، فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: تعارض القياسين"، وهو: من قياس "الشبه". [فرع ثان]: لا تُقطع يد سارق العبد الكبير المميز، وتقطع يد سارق العبد الصغير - وهو: الذي لا يميز بين سيده وغيره-؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من تمييز العبد الكبير، واستطاعته المدافعة عن نفسه: عدم تسمية أخذه سرقة، بل يُسمَّى نهبًا، أو غصبًا، الثانية: القياس؛ بيانه: كما تُقطع يد سارق الحيوانات فكذلك تُقطع يد سارق العبد الصغير والجامع: أن كلًّا منها مال =
следующие страницы →