Полный текст (3 194 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والاستيلاء، فالسارق تقطع يده، أما المختلس والمنتهب، والخائن، والغاصب: فلا تقطع أيديهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ حيث أوجب قطع اليد بسبب السرقة؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، واقتران الحكم - وهو القطع - بالفاء بعد وصف يناسب ذلك يدل على ذلك دلالة ظاهرة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" وقال: "ليس على المنتهب قطع" وقال: "ليس على المختلس والخائن قطع"، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﵇ "قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" فإن قلتَ: لم تُقطع يد السارق، ولا تُقطع يد المختلس والمنتهب، والغاصب، والخائن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السارق - على التعريف السابق - لا يمكن التحرز والاحتراز منه؛ لأنَّه يُنقّب الدور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، فلو لم تقطع يد من فعل ذلك: لعظم الضرر ـ كما قال ابن القيم -؛ لأنَّه سيسرق بعض الناس بعضهم الآخر، وسيأخذوا كسبهم، وكدَّهم، وعملهم بلا مقابل، وهذا عين الظلم فدفعًا لذلك حُدَّ السارق بقطع يده، بخلاف الأربعة السابق ذكرهم فيمكن التحرز منهم: فالمختلس يمكن أن يُهزم ويؤخذ الحق منه، وكذلك المنتهب يستطيع بعض الناس الذين رأوا ذلك أن يُخلِّصوا الحق منه، والخائن يمكن أن يُحذر، وكذلك الغاصب فلا يُسمَّى ما فعلوه سرقة، فإن قلتَ: لَمِ تقطع يد السارق؟ قلتُ: للمناسبة؛ حيث إن اليد قد امتدَّت إلى مال غيره بغير حق، فناسب قطعها؛ حتى لا تمتد مرة أخرى، ولا تمتد يد غيره، فإن قلتَ: إن جاحد العارية وهو الخائن فيها يقطع إذا بلغت العارية المجحودة ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، وهي رواية عن أحمد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث إنه ﵇ قد أمر بقطع يد المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده. قلتُ: إن المخزومية تلك ليست جاحدة، وإنما هي سارقة فلذلك قطع =
стр. 2977
(ويقطع الطَّرار) وهو (الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه) أو بعد سقوطه إن بلغ نصابًا؛ لأنَّه سرقة من حرز (٢) (ويُشترط) للقطع في السرقة ستة شروط: أحدها: (أن يكون المسروق مالًا محترمًا)؛ لأن ما ليس بمال لا حرمة له، ومال الحربي تجوز سرقته بكل حال فلا (قطع بسرقة آلة لهو)؛ لعدم الاحترام (ولا) بسرقة (محرم كالخمر) وصليب (٣)،
رسول الله ﵇ يدها، بدليلين: أولهما: أن أسامة لما كلَّم رسول الله ﷺ في شأنها قال ﵇: "إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف قطعوه"، ثانيهما: أنه ورد في بعض طرق حديثها: أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، ثم ذكرت القصة - كما روى ذلك البخاري ـ، فإن قلتَ: لَمِ عبَّرت عائشة ـ وهي رواية حديث المخزومية - بقولها: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده؟ قلتُ: إنما عرَّفتها عائشة بذلك؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون الجحد هو سبب القطع.
(٢) مسألة: تُقطع يد الطَّرار ـ وهو: الذي يبط الجيب ويشقّه، أو كمه، أو صفنه، أو شنطته، ويسرق ما فيه إن بلغ نصابًا ـ وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم وكذلك: من أدخل يده في جيبه وسرق ما فيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود حقيقة السرقة - السابق ذكرها - في ذلك صحة وصفة بأنه سارق، والسارق تُقطع يده.
(٣) مسألة: في الأول ـ من شروط السرقة التي تقطع اليد بسببها ـ وهو: أن يكون المال المسروق مالًا محترمًا يُنتفع به: سواء كان مما يُسرع إليه الفساد كالفواكه والخضروات أو لا، وسواء كان مالًا لمسلم أو لذمي، وبناء على ذلك: تجوز سرقة مال الكافر المعلن حربه للإسلام والمسلمين، وتجوز سرقة أيِّ آلة لهو كالمزامير، والعود، وآلات الموسيقى والطبل ونحو ذلك مما لا يتم الغناء إلّا به، وتجوز سرقة كل محرَّم كالخمور، والخنازير، والأصنام، والميتات، والصليب،=
стр. 2978
وآنية فيها خمر (٤)، ولا بسرقة ماء (٥)، أو إناء فيه ماء (٦)، ولا بسرقة مكاتِب، وأم
ونحو ذلك ولا قطع في ذلك كله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المال مالًا محترمًا: أن يُقدِّره الشارع ويحميه لصاحبه، حفظًا لحقوقه وذلك بقطع يد من سرقه، ويلزم من عدم حرمة مال الحربي، وكون كل محرم لا يعتبر مالًا شرعيًا: جواز أخذه ولا قطع، فإن قلتَ: إن أي طعام يُسرع إليه الفساد كالفواكه والخضروات: فلا قطع على سارقه، وهو قول أبي حنيفة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا قطع في تمر ولا كثر" حيث نفى القطع في ذلك، قلتُ: إن المراد بذلك الثمر المعلَّق بدليل أنه ﵇ لما سئل عن الثمر المعلَّق فذكر حكمه، ثم قال: "ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤيه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع" وعثمان قطع يد سارق اترجَّه وهي من الفواكه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد من حديث: لا قطع في ثمر ولا كثر".
(٤) مسألة: الأواني التي وُضعت فيها خمر، أو معدَّة لوضع الخمور فيها إذا سُرقت: تقطع يد سارقها؛ للتلازم؛ حيث إن الأواني مال، محترم، ولا دخل لها بالخمر فيلزم قطع يد سارقها.
(٥) مسألة: لا قطع في سرقة الماء؛ للاستصحاب؛ حيث إن أصله الإباحة، فيُستصحب ذلك ويُعمل به، ويكون ذلك شبهة تدرأ الحدّ آخذه.
(٦) مسألة: تُقطع يد سارق إناء فيه ماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو سرق إناء فارغ: فإن يده تُقطع فكذلك سرقة إناء فيه ماء مثله والجامع: أن كلًّا من الإناءين مال محترم، فإن قلتَ: لا تقطع يد سارق إناء فيه ماء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو سرق إناء مشتركًا بينه وبين غيره: فلا قطع، فكذلك إذا سرق إناء فيه ماء لا قطع والجامع: أن كلًّا من الإناءين متصل بما لا قطع فيه، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ إذ الإناء المشترك بينه وبين غيره في ملكيته فيه شبهة تدرأ عنه الحد، بخلاف الإناء الذي فيه ماء فلا شبهة فيه، وكون=
стр. 2979
ولد (٧) ومصحف (٨) وحر، ولو صغيرًا ولا بما عليهما (٩)، الشرط الثاني: ما أشار
الماء فيه ليست شبهة؛ لإمكان إخلاء الماء منه ووضعه في إناء آخر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه تعارض القياسين".
(٧) مسألة: لا تُقطع يد سارق مكاتِب - ذكرًا كان أو أنثى - أو أم ولد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سارق الحر لا تقطع يده، فكذلك سارق المكاتِب وأم الولد لا تقطع يده والجامع: أن كلًّا منهم لا يحل بيعه.
(٨) مسألة: تُقطع يد سارق المصحف؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ حيث إن ذلك عام لجميع السارقين لجميع ما بلغت قيمته نصابًا الثانية القياس؛ بيانه: كما أن يد سارق كتب العلم تقطع فكذلك سارق المصحف مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منها متقوَّم تبلغ قيمته نصابًا، فإن قلتَ: لا تقطع يد سارق المصحف، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز أخذ العوض عنه: عدم قطع يد سارقه؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، قلتُ: لا يُسلَّم عدم جواز أخذ العِوَض عنه بل يجوز عندنا ـ كما سبق ذكر جواز بيعه - فبطل التلازم الذي ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في بيع المصحف هل يجوز أو لا؟ " فمن قال: يجوز بيعه: قال: من سرقه تُقطع يده إذا توفرت شروط السرقة، ومن قال: لا يجوز بيعه: قال: من سرقه لا تُقطع يده، وهذا من تأثير بعض الفروع على فروع أخرى، وهو كثير.
(٩) مسألة: لا تُقطع يد سارق الحر الصغير، للقياس؛ بيانه: كما أنه لا تقطع يد سارق الحر الكبير، فكذلك الحر الصغير، مثله والجامع: عدم جواز أخذ العوض عنهما، فإن قلتَ: تُقطع يد سارق الحر الصغير؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سارق العبد الصغير تقطع يده فكذلك تقطع يد سارق الحر الصغير والجامع: عدم التمييز في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن الحر الصغير ليس=
стр. 2980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمال ولا يؤخذ العِوَض عنه، بخلاف العبد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟
قلتُ: سببه: "تعارض القياسين، فعندنا: إن الحر الصغير يُشبه الحر الكبير، وعندهم: إنه يُشبه العبد الصغير وهو: من قياس "الشبه".
[فرع]: إذا سرق شخص ما على الحر الصغير أو العبد الصغير، أو ما على المصحف ونحو ذلك من الأثواب والحلي، فالسارق تقطع يده إذا توفّرت شروط السرقة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وهذا عام لكل سارق لأي شيء له ثمن. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو سرق الأثواب، أو الحلي منفردة: فإن يد السارق تُقطع فكذلك ما لو سرقها من على لابسها والجامع: أن كلًّا منهما قد سرق نصابًا من المال، فإن قلتَ: لا تُقطع يد سارق ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ثياب الحر الكبير لو سُرقت وهي عليه: فإن يد السارق لا تُقطع فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منها تابع لما لا قطع في سرقته قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ حيث إن ثياب الكبير لو أراد أحد أخذها وهي عليه لدافع عن ذلك بقوته، فإذا أخذها فيكون منتهبًا، أو غاصبًا، وقد سبق عدم قطع يد هذين في مسألة (١) بخلاف سرقة ما على الحر الصغير، أو العبد الصغير، أو ما على المصحف: فإن المدافعة لا توجد: فتقطع يد سارقها، فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: تعارض القياسين"، وهو: من قياس "الشبه".
[فرع ثان]: لا تُقطع يد سارق العبد الكبير المميز، وتقطع يد سارق العبد الصغير - وهو: الذي لا يميز بين سيده وغيره-؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من تمييز العبد الكبير، واستطاعته المدافعة عن نفسه: عدم تسمية أخذه سرقة، بل يُسمَّى نهبًا، أو غصبًا، الثانية: القياس؛ بيانه: كما تُقطع يد سارق الحيوانات فكذلك تُقطع يد سارق العبد الصغير والجامع: أن كلًّا منها مال =
стр. 2981
إليه بقوله: (ويُشترط) أيضًا: (أن يكون) المسروق (نصابًا، وهو) أي: نصاب السرقة (ثلاثة دراهم) خالصة، أو تخلص من مغشوشة (أو ربع دينار) أي: مثقال، وإن لم يُضرب (أو عرض قيمته كأحدهما) أي: ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، فلا قطع بسرقة ما دون ذلك؛ لقوله ﷺ : "لا تُقطع اليد إلّا في ربع دينار فصاعدًا" رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما، وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهمًا رواه أحمد (١٠) (وإذا نقصت قيمة المسروق) بعد إخراجه: لم يسقط القطع؛ لأن
مملوك، فقد عنده التمييز.
[فرع ثالث] إذا كان العبد الكبير لا يميز بين سيده وغيره بسبب نوم، أو جنون، أو أعجمية عنه أو نحو ذلك: فإن سارقه تقطع يده؛ قياسًا على الحيوانات كما سبق بيانه في الفرع الثاني.
(١٠) مسألة: في الثاني - من شروط السرقة التي تُقطع اليد بسببها - وهو: أن يكون المال المسروق قد بلغ نصابًا، وهو ثلاثة دراهم، أو ربع دينار: سواء كان من النقد الخالص المضروب أو غير المضروب، أو كان عَرَضًا قيمته ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، فإذا سرق شخص هذا النصاب، أو عرضًا قيمته ذلك فما فوق: فإن يده تُقطع، أما إن سرق أقل من ذلك: فلا قطع؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا تقطع اليد إلّا في ربع دينار فصاعدًا" الثانية: السنة الفعلية: "حيث إنه ﵇ قد قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم" وكان ربع الدينار ثلاثة دراهم، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قالت عائشة: "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا" وثبت هذا عن عمر، وعثمان، وعلي، والسنة، وقول الصحابي قد خصَّصا عموم آية السرقة، فإن قلتَ: لا تقطع اليد إلّا بسرقة دينار كامل، أو عشرة دراهم، وهو قول أبي حنيفة وبعض العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث روى الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﵇ أنه قال: "لا قطع إلّا في عشرة دراهم" الثانية: السنة
стр. 2982
النقصان وجد في العين بعد سرقتها (١١) أو ملكها) أي: العين المسروقة (السارق) ببيع أو هبة، أو غيرهما (لم يسقط القطع) بعد الترافع إلى الحاكم (١٢) (وتعتبر قيمتها)
الفعلية؛ حيث قال ابن عباس: "قطع رسول الله ﷺ في مجنٍّ قيمته دينار، أو عشرة دراهم" قلتُ: أما حديث الحجاج: فهو ضعيف ـ كما قال كثير من أئمة الحديث -، أما حديث ابن عباس: فلا دلالة فيه على عدم القطع بما دون الدينار، أو عشرة دراهم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حديث الحجاج" فعندنا: ضعيف، وعندهم: قوي، وأيضًا: "الخلاف في دلالة حديث ابن عباس". تنبيه: هناك مذاهب في قدر النصاب الذي تُقطع اليد به غير ما ذكر هنا، وكلها ضعيفة؛ نظرًا لضعف أدلّتها.
(١١) مسألة: إذا سرق زيد ثوبًا مثلًا من عمرو - قد بلغ ثمنه نصابًا وأخرجه من ملك عمرو، ثم نقصت قيمته بعد تمام سرقته فكانت أقل من النصاب بعد الترافع إلى الحاكم: فإن يد زيد تقطع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وهنا تمَّت السرقة: فوجب القطع، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو استعمل ذلك الثوب بعد سرقته فنقصت قيمته: فإن يده تُقطع، فكذلك الحال هنا والجامع أن النقص حدث بالعين المسروقة فلم يمنع القطع، فإن قلتَ: يسقط قطع يد زيد هنا وهو قول أبي حنيفة وبعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم الشرط - وهو استدامة النصاب -: عدم الحكم وهو القطع قلتُ: إن النصاب شرط لوجوب القطع حين السرقة، فلا تُشترط استدامته؛ قياسًا على الحرز، فإنه - لو زال الحرز -: فالقطع لا يسقط، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في استدامة النصاب هل هو شرط أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(١٢) مسألة: إذا سرق زيد ثوبًا - مثلًا - من عمرو، ثم بعد ذلك اشتراه من عمرو، ووافق عمرو على بيعه له، أو وهبه، له أو ورثه زيد من عمرو، أو أوصى عمرو =
стр. 2983
أي: قيمة العين المسروقة (وقت إخراجها من الحرز)؛ لأنَّه وقت السرقة التي وجب بها القطع (فلو ذبح فيه) أي في الحرز (كبشًا) فنقصت قيمته أو شق فيه ثوبًا فنقصت قيمته عن نصاب) السرقة (ثم أخرجه) من الحرز: فلا قطع؛ لأنَّه لم يُخرج من الحرز نصابًا (أو أتلف فيه) أي: في الحرز (المال: لم يُقطع)؛ لأنَّه لم يخرج منه شيئًا (١٣) (و) الشرط الثالث (أن يُخرجه من الحرز، فإن سرقه من غير حرز) كما لو
به إلى زيد: فإن يد زيد تُقطع بعد الترافع إلى الحاكم، أما قبل ذلك: فلا تقطع يده؛ للسنة القولية: حيث إن صفوان بن أمية نام في المسجد، وتوسَّد رداءه، فأخذ من تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبي ﷺ : "فأمر به النبي ﵇ أن يُقطع" فقال صفوان: أنا لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، وفي رواية: أن صفوان قال: "أتقطعه في ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأُنسئه ثمنه قال ﵇: "هلا كان قبل أن تأتيني به؟ " حيث بيَّن الشارع: أن يد السارق تُقطع إذا تمّت السرقة، ووصل الأمر إلى الحاكم: سواء ملك السارق العين المسروقة بأي سبب من أسباب الملك أو لا، ودلّ بمفهوم الزمان على أن ملكية السارق للعين المسروقة لو حصلت قبل وصول الأمر إلى الحاكم: لسقط عنه القطع، فإن قلتَ: إن القطع يسقط ولو وصلت إلى الحاكم في هذه الحالة، وهو قول أبي حنيفة، وبعض العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ملكها قبل وصول الأمر إلى الحاكم وقبل المطالبة: فإن القطع يسقط فكذلك الحال بعد وصوله إلى الحاكم، والجامع: أن العين صارت ملكًا للسارق، وما صار ملكه لا يُقطع به قلتُ: إن ملكية السارق للعين المسروقة تمَّت بعد تمام شروط السرقة ومنها: مطالبة المسروق بحقه عند الحاكم: وهذا يصدق عليه أنه سارقه، والسارق تقطع يده، بخلاف ملكيته لها قبل مطالبة المسروق بها عند الحاكم: فلم تتم شروط السرقة: فلا تقطع يده، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض النص مع القياس".
(١٣) مسألة: النصاب الذي تُقطع به اليد ـ وهو ثلاثة دراهم، أو ربع دينار - يُحسب =
стр. 2984
وجد بابًا مفتوحًا، أو حرزًا مهتوكًا: (فلا قطع) عليه (وحرز المال: ما العادة حفظه فيه)؛ إذ الحرز معناه الحفظ، ومنه: احترز أي تحفَّظ (١٤) (ويختلف) الحرز (باختلاف الأموال، والبلدان، وعدل السلطان وجوره، وقوّته وضعفه)؛ لاختلاف الأحوال باختلاف المذكورات (فحرز الأموال): أي: النقود (والجواهر، والقماش في الدور والدكاكين والعمران) أي الأبنية الحصينة، والمحال المسكونة من البلد (وراء
من وقت إخراج العين المسروقة من حرزها، ولا يُحسب من بعد إخراجها، فمثلًا: لو ذبح سارق كبشًا، أو شقَّ ثوبًا وهو في حرزه، فنقصت قيمته عن نصاب السرقة السابق الذكر، ثم بعد ذلك أخرجه من ذلك الحرز ـ وهو لا يبلغ نصاب السرقة -: فإنه لا تقطع يد السارق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود الشرط؛ حيث لم يُخرج من الحرز نصابًا: عدم وجوب القطع.
(١٤) مسألة: في الثالث - من شروط السرقة التي تُقطع اليد بسببها ـ وهو: أن يُخرج السارق العين المسروقة من حرزها، وهو - أي الحرز -: ما اعتاد الناس حفظ أموالهم فيه، مأخوذ من "احترز": أي: تحفَّظ وتحصَّن ولم يجعل أحدًا يطَلع على ما تحفّظ عليه وحصَّنه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ما أخذ من غير أكمامه واحتمل: ففيه قيمته، ومثله معه، وما كان في الجران: ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن" وهذا النص يُخصِّص آية السرقة، كما خصَّصناها باعتبار النصاب، الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع كل من يُعتدُّ بقوله من العلماء ـ من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة - على اشتراط ذلك، ومن خالف فقوله شاذ لا يُعتدُّ به، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من وجوب قطع يد سارق الأموال من حرزه من غير بيانه: أن يُعرف ذلك عن طريق عرف وعادة الناس؛ لأنَّه لا طريق إلى معرفته إلّا من جهته، فإن قلتَ: لَمِ لم يُبين ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحرز يختلف باختلاف الأزمان، والبيئات، والأماكن، وحال الناس من أمن وخوف - كما سيأتي بيانه-، فدفعًا للمشقّة عليهم: تُرك بيان الحرز لما تعارفوا عليه.
стр. 2985
الأبواب والأغلاق الوثيقة) والغلق: اسم للقفل: خشبًا كان أو حديدًا، وصندوق بسوق وثمَّ حارس: حرز (وحرز البقل، وقدور الباقلاء ونحوهما) كقدور طبيخ وخزف (وراء الشرائج) وهي: ما يُعمل من قصب ونحوه يضم بعضه إلى بعض بحبل أو غيره، (إذا كان في السوق حارس)؛ الجريان العادة بذلك (وحرز الحطب، والخشب الحظائر): جمع حظيرة - بالحاء المهملة، والظاء المعجمة -: ما يُعمل للإبل والغنم من الشجر، تأوي إليه، فيعبر بعضه في بعض ويربط، (وحرز المواشي: الصِّير): جمع صيرة وهي: حظيرة الغنم (وحرزها) أي: المواشي (في المراعي بالراعي، ونظره إليها غالبًا)؛ فما غاب عن مشاهدته غالبًا: فقد خرج عن الحرز، وحرز سفن في شط بربطها، وإبل باركة معقولة بحافظ حتى نائم، وحمولتها بتقطيرها مع قائد يراها، ومع عدم تقطيرها بسائق يراها، وحرز ثياب في حمام ونحوه محافظ كقعوده على متاع، وإن فرَّط حافظ حمام بنوم، أو تشاغل: ضمن، ولا قطع على سارق إذًا، وحرز باب ونحوه: تركيبه بموضعه (١٥) (و) الشرط الرابع: (أن تنتفي الشبهة) عن السارق؛
(١٥) مسألة: الحرز هو: ما عُدَّ حرزًا في عرف الناس، وهو: ما جرت عادتهم وعرفهم بحفظ كل مال بحسبه، وهذا يختلف باختلاف الأموال، والبلدان، والأزمان والسلاطين، وظلم السلطان وجوره وعدله، وقوته وضعفه، وهذا يتبين بصور: أولها: حرز الأموال النقدية، والجواهر، واللؤلؤ، والقماش، يكون في الدور، والدكاكين، وداخل الأبنية الحصينة، والأمكنة المسكونة الموجودة وراء الأبواب المغلقة والمقفلة: سواء كانت هذه الأبواب حديدًا، أو خشبًا، ثانيها: إذا وجد صندوق في سوق، وعنده حارس له فهو حرز، ثالثها: حرز الخيمة من شعر، أو نحو ذلك: بوجود شخص داخلها، ولو كان نائمًا، رابعها: البقل، والباقلاء، وقدورهما، وقدور يُطبخ فيها، وخزف حرزها: كونها وراء الشرائج وهو: السور المكوَّن من قصب، ومسعف النخيل يربط بعضها ببعض بشرط: أن يكون هناك حارس في السوق الموجودة فيه، خامسها: الحطب، والخشب،=
стр. 2986
لحديث: "اِدرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (فلا يقطع) سارق (بالسرقة من مال أبيه، وإن علا ولا) بسرقة (من مال ولده وإن سفل)؛ لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر (والأب، والأم في هذا سواء)؛ لما ذكر (١٦) (ويقطع الأخ) بسرقة مال
والمواشي حرزها: كونها في الحظائر، وهو مكان معدٌّ لها مكوّن من سور من الشجر، وتُربط البهائم عادة فيها أما إن كانت البهائم في المرعى فحرزها: وجود راع لها ونظره إليها غالب وقته، سادسها: حرز السفن وجودها مربوطة على شط البحر أو النهر، سابعها: حرز سيارات ودراجات: وجودها في داخل سور وُضع مخصَّصًا لها، ثامنها: حرز طائرات وجودها في مطاراتها المخصَّصة لها، تاسعها: حرز إبل باركة معقولة بحبل يكون بوجود حافظ لها وإن كان نائمًا، عاشرها: حرز حمولة السفن، والسيارات، والطائرات، والبهائم، يكون بوجود حافظ لها يراها غالب وقته، حادي عشر: حرز ثياب في حمام يكون بوجود حافظ لها، ثاني عشر: حرز ثياب ونحوها مما لم تكن عليه: قعوده أو توسّده عليها، ثالث عشر: حرز باب: يكون بتركيبه بموضعه، وكل شيء حرزه على حسب ما تعارف عليه الناس في زمانهم، وهذا هو دليل وقاعدة هذه المسألة، فلو تشاغل هذا الحافظ، أو وجدت دور لا مكان فيها في الصحراء، أو وسط مزارع، وسُرق منها شيء: فلا قطع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الحرز: عدم القطع؛ لفقدانه لشرط من شروط السرقة، فإن قلتَ: لم يُرجع في حرز كل شيء إلى ما تعارف عليه الناس؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لظروف، وأحوال، وأزمان كل شخص.
(١٦) مسألة في الرابع - من شروط السرقة التي تقطع اليد بسببها ـ وهو: عدم وجود شبهة في ملكية المال المسروق، فإن وُجدت شبهة: فلا قطع، فمثلًا: لو سرق من مال أبيه أو أمه، أو جده أو جدته، أو سرق أب من مال ولده، أو من مال ولد ولده وإن نزل، أو سرقت أم من مال ولدها أو ولد ولدها وإن نزل: سواء في ذلك الابن، أو البنت: فلا تقطع؛ للسنة القولية: وهي من وجهين:=
стр. 2987
أخيه (و) يُقطع (كل قريب بسرقة مال قريبه)؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة من أحدهما للآخر، فلم تمنع القطع (١٧) (ولا يقطع أحد من الزوجين بسرقته من مال
أولهما: قوله ﵇: "أنت ومالك لأبيك"، وقال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" وفي لفظ: "فكلوا من كسب أولادكم" وهذا يلزم منه: عدم قطع اليد إذا أكل من مال ولده، ثانيهما: قوله ﵇: "اِدرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" حيث إن كون الشارع قد أذن للوالد - مطلقًا - بالأخذ من مال ولده، وكون كل واحد من الوالد والولد تجب نفقته من مال الآخر، وتمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه يلزم من ذلك وجود شبهة تدرأ حد السرقة عنهما، فإن قلتَ: إن هذا لا يُشترط، فتقطع يد أي سارق: سواء كان السارق ولدًا، أو والدًا للمسروق أو لا، وهو قول بعض العلماء أبو ثور، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وهذا عام لجميع السارقين؛ لأن "السارق" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم قلتُ: إن السنة القولية قد خصَّصت عموم الآية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة".
(١٧) مسألة: إذا سرق أيُّ قريب من مال قريبه - سوى عمودي النسب السابق الذكر في مسألة (١٦) -: فإن يد السارق تقطع - بعد توفر شروط السرقة -: سواء كان السارق أخًا للمسروق أو لا؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن تقع يد كل سارق؛ لأنَّه ثبت بعد استقراء وتتبع النصوص الواردة في قطع السارق من الكتاب والسنة: أنها عامة وشاملة لجميع السارقين، ويخصَّص منهم عمودا النسب - وهم الوالد وإن علا، أو الولد وإن نزل إذا سرق كل واحد منهما من مال الآخر؛ لأن السنة القولية التي ذكرت في المسألة (١٦) قد خصَّصت ذلك كما سبق ذكره فيبقى ما عداهما على الأصل ـ وهو قطع يده إذا سرق.
стр. 2988
الآخر، ولو كان محرزًا عنه) روى ذلك سعيد عن عمر بإسناد جيد (١٨) (وإذا سرق
(١٨) مسألة: تُقطع يد الزوج إذا سرق مال زوجته المحرز، وتُقطع يد الزوجة إذا سرقت من مال زوجها المحرز؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وهو عام الجميع السارقين وخُصِّص منه محمود النسب - وهم الوالد والولد - لتخصيص السنة القولية؛ لذلك ـ كما سبق في مسألة (١٦) - الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الأجنبي إذا سرق مال أجنبي: فإن يده تقطع فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق كل واحد منهما، فإن قلتَ: لا تقطع يد الزوج ولا الزوجة هنا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العبد لو سرق من مال سيده أو سيدته: فلا قطع عليه؛ حيث إن عبد الله بن عمرو الحضرمي جاء إلى عمر فقال: إن غلامي سرق مرآة امرأتي فقال عمر: "أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم"، فكذلك الزوج أي: إذا كان العبد لا يُقطع بسرقة مالها فمن باب أولى إذا سرق الزوج أنه لا يُقطع قلتُ: إن عمر لم يحكم على أن الزوج لا تقطع يده إذا سرق من مال زوجته المحرز، بل حكم على العبد بذلك، ولا يصح قياس الزوج على العبد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ حيث إن العبد تجب نفقته على سيده، فلعلَّه ظنَّ أن كل ما في المنزل تبع لسيده، فيكون ماله قد سرق ماله، فتحصل الشبهة في ذلك، فتدرأ عنه الحد، ثم إن المرآة لا تُحرز عادة، فلم تقطع يد العبد؛ لعدم وجود شرطي الحد في العبد، بخلاف الزوج، وعلى فرض صحة قياسكم: فهو باطل من جهة أخرى وهي: معارضته للنص، ولقياس أقوى منه ـ وهما ما ذكرناهما في استدلالنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس الذي ذكروه مع الكتاب" و "تعارض القياسين".
стр. 2989
عبد) ولو مكاتبًا (من مال سيده، أو سيد من مال مكاتبه): فلا قطع (١٩) (أو) سرق (حر مسلم) أو قن (من بيت المال): فلا قطع (أو) سرق (من غنيمة لم تخَّمس) فلا قطع؛ لأن لبيت المال فيها خمس الخمس (أو) سرق (فقير من غلَّة موقوفة على الفقراء) فلا قطع؛ لدخوله فيهم (أو) سرق (شخص من مال له فيه شركة، أو لأحد ممّن لا يقطع بالسرقة منه) كأبيه، وابنه، وزوجته، ومكاتبه: (لم يقطع)؛ للشبهة (٢٠)، الشرط
(١٩) مسألة: إذا سرق عبد - ولو مكاتبًا - من مال سيده، أو سرق سيد من مال مكاتبه: فلا تُقطع يد العبد؛ ولا تُقطع يد السيد هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" حيث يلزم من وجوب نفقة السيد على عبده: وجود شبهة في سرقة مال سيده، ويلزم من كون المكاتب لا زال عبدًا - ما لم يُسدّد ما عليه من نجوم المكاتبة -: وجود شبهة في سرقة سيده من ماله، والشبهة تدرأ الحد؛ كما سبق، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر حكم على أن العبد لا تقطع يده إذا سرق من مال سيده ـ كما سبق في مسألة (١٨) - فإن قلتَ: إن يد العبد، والسيد تقطع هنا، وهو قول داود الظاهري؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ وهذا عام لجميع السارقين قلتُ: إن السنة القولية؛ وقول الصحابي قد خصَّصا ذلك العموم الوارد في الآية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة وقول الصحابي".
(٢٠) مسألة: إذا سرق شخص من مال له فيه حق ولو كان قليلًا جدًا: فلا قطع على السارق فمثلًا: لو سرق الحر المسلم، أو العبد من بيت المال، أو سرق من غنيمة بعد المعركة وقبل أن يؤخذ خمس خمسها لبيت المال، أو سرق الفقير من غلَّة موقوفة على الفقراء، أو سرق من مال له فيه شركة مع آخر، أو سرق من مال لأبيه، أو أمه وإن علا، أو لولده وإن نزل، أو لمكاتبه فيه شراكة: فإن يد السارق في تلك الصور لا تقطع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ادرؤوا=
стр. 2990
الخامس: ثبوت السرقة، وقد ذكره بقوله: (ولا يُقطع إلّا بشهادة عدلين) يصفانها بعد الدعوى من مالك، أو من يقوم مقامه (أو بإقرار) السارق (مرَّتين) بالسرقة، ويصفها في كل مرَّة؛ لاحتمال ظنه القطع في حال لا قطع فيها (ولا ينزع) أي: يرجع (عن إقراره حتى يقطع) (٢١)
الحدود بالشبهات ما استطعتم" فكل شخص يسرق من مال له فيه أدنى حق: فلا تقطع يده؛ لأن هذا الحق وإن قلَّ فهي شبهة تدرأ الحد عنه، وهذا موجود في الصور السابقة؛ إذ لكل مسلم حق من بيت المال: سواء كان حرًا أو عبدًا، ولكل مسلم حقه من خمس خمس الغنيمة الذي سيوضع في بيت المال، ولكل فقير حق من غلَّة موقوفة على الفقراء، وإذا تشارك اثنان أو مجموعة في شركة، فإنهم جميعًا يملكون ذلك المال، أو يملكه والده، أو والدته، أو ولده، أو ولد ولده، أو مكاتبه، فأخذ هذا السارق من ذلك المال فيه شبهة واحتمال أن يكون قد أخذه من حقه وإن قلَّ، فلذلك درأ ومنع عنه الحد. تنبيه: قوله: "وزوجه" يقصد أن الزوج لو سرق من مال زوجته، أو العكس فلا قطع على السارق منهما؛ للشبهة قلتُ: قد بينت أن هذا مرجوح في مسألة (١٨).
[فرع]: يسقط حدّ السرقة في المجاعة إذا عمَّت البلاد والعباد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي المذكورة في مسألة (٢٠)؛ حيث إن المجاعة شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاجين الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يسقط القطع في الغزو فكذلك المجاعة يسقط، والجامع: الحاجة في كل، فإن قلتَ: لِمَ سقط القطع في الغزو؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو أُقيم الحد وهو في الغزو لكان فيه ما هو أكثر ضررًا من القطع، وهو: أن يلحق المقطوع بالمشركين؛ لكونه في وقت حرب.
(٢١) مسألة في الخامس - من شروط السرقة التي تقطع اليد بسببها ـ وهو: أن يثبت أنه سرق ثبوتًا شرعيًا، ولا يكون ذلك إلّا بأحد طريقين: الطريق الأول: أن يشهد =
стр. 2991
ولا بأس بتلقينه الإنكار (٢٢) (و) الشرط السادس: (أن يطالب المسروق منه) السارق
رجلان حران مسلمان عدلان على أن فلانًا قد سرق وهذا لا يُقبل إلّا بشرطين: أولهما: أن تكون شهادتهما تلك بعد مطالبة المسروق منه أو وكيله بالعين المسروقة عند الحاكم أو نائبه، ثانيهما: أن يصف الشاهدان العين المسروقة، وقيمتها، ووقت السرقة، ومكان ذلك، ويصفان الحرز الذي سرق منه تلك العين وصفًا دقيقًا ـ كما قلنا في الشهود على الزنا - الطريق الثاني: أن يُقرُّ السارق على نفسه مرَّة واحدة بأنه سرق وهذا يقبل بشرطين: أولهما: أن يصف السرقة فيذكر شروطها: من الحرز، والنصاب، وكيفية إخراج العين المسروقة، ووقت ذلك ومكانه ونحو ذلك ثانيهما: أن لا يرجع السارق عن إقراره هذا إلى أن يتم القطع، فإن شهد الشاهدان قبل مطالبة المسروق أو وكيله بما سُرق منه، أو لم يصف الشاهدان، أو أحدهما، أو السارق: لسرقة وشروطها صفة دقيقة، أو رجع السارق عن إقراره قبل القطع: فلا يجوز قطع يده؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك يُشترط في سائر الحقوق التي يُراد إثباتها، فكذلك السرقة يُشترط فيها ذلك، والجامع: ثبوته شرعًا وإذا لم تتوفر شروط الثبوت: لم يجب الحكم، فإن قلتَ: إنه يُشترط في الإقرار أن يُقرّ بالسرقة مرتين، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية والفعلية: حيث إنه ﵇ لما أتي له بسارق قال له: "ما إخالك سرقت؟ " قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا فأمر به فقطع قلت: هذا لا يُفيد اشتراط تكرار الإقرار، وإنما نتج ذلك عن جوابه عن تلقين النبي ﵇ له بالإنكار، فيريد السارق أن يطهر نفسه بالإقرار، وتأكيده، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المراد من السنة القولية والفعلية التي احتجوا بها".
(٢٢) مسألة: يجوز أن يُلقن السارق الإنكار؛ ليرجع عن إقراره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية السابقة الذكر وهي: قول النبي ﵇: "ما إخالك سرقت؟ "
والثانية: القياس على حد الزنا كما سبق بيانه.
стр. 2992
(بماله) فلو أقرّ بسرقة من مال غائب، أو قامت بها بيّنة: انتظر حضوره ودعواه فيُحبس، وتُعاد الشهادة (٢٣) (وإذا وجب القطع)؛ لاجتماع شروطه: (قُطعت يده
(٢٣) مسألة: في السادس - من شروط السرقة التي تقطع اليد بسببها ـ وهو: أن يُطالب المسروق منه السارق بماله الذي سرقه، فلو أقر زيد بأنه سرق من مال عمرو، أو شهد عدلان على أنه سرق من مال عمرو، وعمرو هذا غائب: فإن زيدًا يُحبس حتى يرجع عمرو: فإن طالب بالعين المسروقة: أُعيد سماع إثبات السرقة من إقرار، أو شهود فإذا تمّت الشروط: قطعت يده، وإن لم يُطالب عمرو بالعين المسروقة بعد رجوعه: أخرج زيد من ذلك السجن ولا شيء عليه؛ للتلازم؛ حيث إن المال يُباح بالبذل والإباحة، فيُحتمل أن مالكه أباحه إياه، أو وقَّفه على المسلمين، أو على طائفة الفقراء، أو المساكين وزيد ذلك منهم، أو أذن عمرو لطائفة منهم من الناس بالدخول في حرزه، وزيد من هذه الطائفة فيلزم من ذلك اشتراط المطالبة من المسروق منه - وهو هنا عمرو - لبيان هذا الاحتمال، أما إن لم يُطالب فتبقى هذه الاحتمالات قائمة فتحصل الشبهة في كون السارق له حق في هذا المال المسروق، ومعروف: أنه إذا وُجدت الشبهة وإن قلَّتَ: فلا قطع؛ ويلزم من كون السارق قد أخلَّ بحق الله، وحق واحد الشرعية: وجوب حبسه؛ لأخذ هذا الحق منه، فإن قلتَ: إن هذا لا يُشترط، بل يُقام على السارق حدّ السرقة إذا تمّت شروط السرقة السابقة وإن لم يُطالب المسروق منه بالعين المسروقة، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وبعض الحنابلة للقياس؛ بيانه: كما أن حدّ الزنا يُقام إذا تمت شروطه وإن لم يُطالب أحد بإقامته فكذلك حد السرقة والجامع: أنه في كل منهما قد ثبت فيه موجب الحد قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس: مع الفارق؛ حيث إن الزنا لا يُباح بإذن المزني بها وإباحتها له، بخلاف المال: فإنه يُباح بإذن صاحبه بأخذه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: " تعارض القياس الذي ذكروه مع التلازم".
стр. 2993
اليُمنى)؛ لقراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما" ولأنه قول أبي بكر، وعمر، ولا مخالف لهما من الصحابة (من مفصل الكف)؛ لقول أبي بكر، وعمر: تقطع يمين السارق من الكوع، ولا مخالف لهما من الصحابة (وحُسمت) وجوبًا بغمسها في زيت مغلي؛ لتستد أفواه العروق، فينقطع الدم (٢٤)، فإن عاد: قُطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه بترك عقبه، وحسمت (٢٥)، فإن عاد: حُبس حتى يتوب، وحُرِّم أن
(٢٤) مسألة: إذا توفَّرت جميع شروط قطع يد السارق الستة السابق ذكرها ـ في مسائل (٣ و ١٠ و ١٤ و ١٦ و ٢١ و ٢٣) -: فإن يده اليمنى تقطع من مفصل الكف ـ وهو الكوع -، ثم تُحسم: بأن تُغمس في الزيت المغلي؛ لقواعد الأولى: قول الصحابي؛ حيث قرأ ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما" والقراءة الأحادية حجّة، أي: يُعمل بها، وقال أبو بكر وعمر: "تقطع يمين السارق من الكوع" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون اليمنى هي آلة السرقة عادة، وهي أقوى في البطش والأخذ: أن تقطع؛ لإذهاب الآلة التي تمّت السرقة بواسطتها، ولكون البداءة باليمن أردع وأزجر، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن حسم اليد بعد القطع في زيت مغلي فيه سد لفتحات العروق فينقطع الدم؛ لئلا يستمر في النزول فيؤدي إلى الهلاك.
(٢٥) مسألة: إذا سرق شخص، وقطعت يده اليمنى - كما سبق في مسألة (٢٤) ـ فإن عاد مرة أخرى: فإن رجله اليسرى هي التي تقطع من مفصل كعبه، ويترك له عقبًا يمشي عليه، ثم يُحسم: بأن يُغمس في زيت مغلي؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله"، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن المحارب تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فكذلك الحال هنا والجامع: فتقطع رجله اليسرى بعد قطع يده اليمنى، وهذه هي المخالفة المقصودة، الثالثة: قول الصحابي، وفعله؛ حيث إن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك في السارقين، وكان علي يقطع من شطر القدم من معقد الشراك، الرابعة: المصلحة؛ حيث إن المشي على الرجل اليمنى أسهل فوجب قطع اليسرى.
стр. 2994
يقطع (٢٦).
(ومن سرق شيئًا من غير حرز: ثمرًا كان أو كُثَرا) - بضم الكاف، وفتح المثلثة -: طلع الفحال (أو غيرهما) من جمار، أو غيره: (أُضعفت عليه القيمة) أي: ضمنه بعوضه مرتين، قاله القاضي، واختاره الزركشي، وقدَّم في "التنقيح": أن التضعيف خاص بالثمر، والطلع والجمَّار، والماشية، وقطع به في "المنتهى" وغيره؛ لأن التضعيف ورد في هذه الأشياء على خلاف القياس، فلا يتجاوز به محل النص
(٢٦) مسألة: إذا سرق شخص: فقُطعت يده اليمنى - كما سبق في مسألة (٢٤) ـ فإن عاد: قُطعت رجله اليسرى - كما سبق في مسألة (٢٥ - فإن عاد ثالثة: فلا يُقطع منه شيء، بل يحبس حتى يتوب توبة نصوحًا؛ لقاعدتين: الأولى: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا قد أتي بسارق مقطوع اليد والرجل فقال: بأي شيء يأكل؟ وبأي شيء يتوضأ؟ وبأي شيء يغتسل؟ وبأي شيء يقوم على حاجته فسجنه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن قطع يده اليسرى، أو رجله اليمنى في الثالثة فيه إلحاق ضرر بالغ عليه - كما أشار إلى ذلك علي ﵁ فدفعاً لذلك الضرر: شُرع ما ذكر، فإن قلتَ: إنه إذا سرق في الثالثة: فإن يده اليسرى تقطع، وإذا سرق في الرابعة: فإن رجله اليمنى تقطع، وفي الخامسة يُعزِّر، ويُحبس وهذا قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد، لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر قد قطعا يد أقطع اليد والرجل قلتُ: إن هذا معارض بقول علي، فتتعارض اجتهادات الصحابة فتتساقط، ويبقى لنا الاستدلال بالمصلحة التي ذكرها علي في عدم قطع مقطوع اليد والرجل، بل يُقتصر على سجنه حتى يتوب. تنبيه: استدل قال: من يقطع مقطوع اليد والرجل ببعض الأحاديث التي بعضها أنكرها أئمة الحديث، والبعض الآخر لم توجد في كتب السنن المعتمدة، فلذلك لم أذكرها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض أقوال الصحابة وأفعالهم".
стр. 2995
(ولا قطع) لفوات شرطه وهو: الحرز (٢٧)، (٢٨)، (٢٩)،
(٢٧) مسألة: إذا سرق شخص شيئًا من غير حرز: كأن يسرق ثمرًا على نخل، أو كُثرًا - وهو: طلع الفحل - أو جمَّارًا - وهو: شحم النخلة-، أو ماشية غير محروزة: فلا تُقطع يد سارقه، وإنما يُضاعف عليه ثمنه، فإذا كان المسروق يساوي عشرة دراهم: حسب على سارقه على أنه يساوي عشرين درهمًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "وليس في شيء من الماشية قطع إلّا فيما آواه المراح .. " ثانيهما: قوله ﵇ في الثمر المعلَّق -: "من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متّخذ خبنة: فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيء: فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤيه الجرين فبلغ ثمن المجن: فعليه القطع" وهو واضح الدلالة، وطلع الفحل، والجمَّار كالثمر المعلَّق؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن غلمان حاطب بن أبي بلتعة قد نحروا ناقة وجدوها - وهي كانت لرجل من مزينة - فأغرمهم عمر مثليّ قيمتها. فإن قلتَ: لِمَ لا تقطع يده مع أنه سرق ما يساوي نصابًا؟ قلتُ: لفوات شرط من أهم شروط السرقة وهو: عدم الحرز، وإذا عُدم الشرط: عدم الحكم.
(٢٨) مسألة: إذا أُريد قطع يد سارق فطريقته هي: أن يجلس، ويربط بحبل؛ لئلا يتحرَّك، وتجريده بقوة حتى يتبين مفصل الكف، ثم توضع على هذا المفصل سكينًا حادة جدًا، أو أي آلة أحدّ وأقوى في القطع منها، وتجرُّ بقوة؛ ليقطع في مرة واحدة، وإن وُضع مُخدِّر؛ لئلا يحسّ بالألم فلا بأس؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تيسير قطع يده، وعدم تعذيبه.
(٢٩) مسألة: يجتمع على السارق واجبان: أولهما: قطع يده ـ بعد استكمال شروط السرقة - ثانيهما: ردُّ العين المسروقة إن وجدت بعينها، وإن لم توجد: فإنه يرد مثلها إن كانت مثلية، أو ردّ قيمتها؛ للقياس؛ بيانه كما أن المحرم في الحج لو =
стр. 2996
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٣٠)
صاد صيدًا مملوكًا: فإنه يجب عليه الجزاء ودفع قيمته لصاحب الصيد فكذلك الحال هنا يجب أن تقطع يد السارق، وأن يدفع العين المسروقة أو ثمنها إلى المسروق منه والجامع: أن كلًّا منهما فيه حقان لمستحقين فجاز اجتماعهما، فإن قلتَ: إذا قُطع السارق قبل الغرم فلا يغرم العين المسروقة، وإن غُرِّم قبل القطع: فلا قطع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا أقمتم الحد على السارق فلا غرم عليه" وهو واضح الدلالة قلتُ: إن الحديث ضعيف؛ لوجود راو مجهول، وهو غير قوي كما قال ابن عبد البر، وعلى فرض قوّته: فإنه يُحتمل أن المقصود: أنه لا يغرم أجرة القطع، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في الحديث الذي ذكروه" فعندنا ضعيف؛ لذلك اكتفي بالاستدلال بالقياس، وأيضًا: "الاختلاف في المراد بالحديث على فرض صحته".
(٣٠) مسألة: تكاليف قطع السارق من عامل قطع، وآلة، وزيت يُحسم به العضو ونحو ذلك من بيت المال؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القطع من جلب المصالح للأمة، ودفع المفاسد عنها: أن يؤخذ تكاليفه من بيت المال.
هذه آخر مسائل باب: "القطع في السرقة" ويليه باب "حد قطَّاع الطريق، وهم المحاربون".
стр. 2997
باب حد قطَّاع الطريق
(وهم: الذين يعرضون للناس بالسلاح) ولو عصا، أو حجرًا (في الصحراء، أو البنيان) أو البحر (فيغصبونهم المال) المحترم (مجاهرة، لا سرقة) (١)، ويُعتبر ثبوته
باب حد قطَّاع الطريق -وهم المحاربون-
وفيه ثلاث عشرة مسألة:
(١) مسألة: قطاع الطريق "هم: الذين يعرضون للناس مجاهرة بواسطة السلاح فيغصبونهم أموالهم المحترمة": سواء كان السلاح قادرًا على قتل، أو قطع طرفٍ أو إيجاد أيِّ ألمٍ، وسواء كان هذا السلاح من نوع العصا، أو الأحجار، أو السيوف والسكاكين ونحوها، وسواء كان حصل هذا في الصحراء، أو داخل المدن والبنيان، أو في البحر، وأتي بلفظ: "مجاهرة" لاشتراط أخذ المال قهرًا وهذا أخرج السارق؛ لأنَّه يأخذ المال خفية، وأُتي بلفظ: "بواسطة سلاح" لاشتراط وجود السلاح، هذا لإخراج من يعرض لهم بلا سلاح، فهذا ليس من قطاع الطريق؛ لأنهم لا يمنعون من قصدهم، وأُتي بلفظ: "المحترمة" لإخراج من يغصب الأموال غير المحترمة كالخمور، والكلاب، ومال كافر حربي، وأُتي بلفظ: فيغصبونهم أموالهم"؛ لبيان أن من قاتل جهرًا لأجل أخذ المال بأي نوع من أنواع القتال فهو قاطع طريق، ومن المحاربين، وخرج بذلك من قتل سرًا لأخذ المال، أو يدعو أحدًا إلى منزله لأي غرض فيقتله ويأخذ ماله، فهذا ليس من قطاع الطريق، فإن قلتَ: إن فعلوا ذلك في البنيان: فإنهم لا يكونون قطاع طريق، ولا محاربين، وهو رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسميته بقاطع الطريق: أن يكون ذلك في الصحراء؛ لكون قطع الطريق في الصحراء غالبًا، ويلزم من كون مَنْ في داخل البنيان يلحقه الغوث غالبًا فتذهب شوكة المعتدين: أن لا يكونوا قطاع طريق قلتُ: إن قوله تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
стр. 2998
ببيِّنة، أو إقرار مرتين والحرز، ونصاب السرقة (٢) (فمن) أي: فأي مكلَّف ملتزم، ولو أنثى، أو رقيقًا (منهم) أي: من قطاع الطريق (قتل مكافئًا) له (أو غيره) أي: غير مكافئ (كالولد) يقتله أبوه (و) كـ (العبد) يقتله الحر (و) كـ (الذمي) يقتله المسلم (وأخذ المال) الذي قتله لقصده: (قُتل) وجوبًا لحق الله تعالى، ثم غسل، وصُلِّي عليه (ثم صُلب) قاتل من يُقاد به في غير المحاربة (حتى يُشتهر) أمره، ولا يقطع مع ذلك
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ وهي نازلة في قطاع الطريق والمحاربين من المسلمين كما قال ابن عباس، وهي عامة لكل محارب: سواء كان في الصحراء أو البنيان، ثم إنهم إذا عوقبوا في الصحراء فإنهم أحق بالعقوبة في البنيان من باب القياس الأولى؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة لا محل تقاتل الناس وتعاديهم فهذا يقتضي شدَّة العقوبة عليهم؛ حيث إنه يأتيهم في مأمنهم؛ لأنهم يسلبوا الرجل في داره جميع ماله، ولا يلزم ما قالوه؛ لأن سُمُّوا بقاطع الطريق على حسب الغالب؛ لأن الغالب: أن يكونوا في الصحراء فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم الذي قالوه مع عموم الكتاب، والقياس الأولى اللذين ذكرناهما".
(٢) مسألة: يُشترط لوجوب حد المحاربة ثلاثة شروط: أولها: ثبوته ببيِّنة وهو: أن يشهد رجلان حران مسلمان عدلان على حصول ذلك، أو ثبوته بإقرار المحاربين أنفسهم مرة واحدة، ثانيها: وجود الحرز للمال الذي أخذه ذلك المحارب من صاحبه ثالثها: أن يبلغ ما أخذه المحارب من المال المحترم النصاب الذي يُقطع به السارق - وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم أو ما يعادلهما-، فلو لم تثبت بيّنة على ذلك، ولم يُقرّ بالفعل، أو وُجد المال بدون حرز مثله، أو أخذ ما دون النصاب: فإنه لا يُقطع، للقياس؛ على السرقة كما سبق بيانه بالتفصيل في مسائل (٣ و ١٠ و ١٤ و ٢١) من باب "القطع في السرقة".
стр. 2999
(وإن قتل) المحارب (ولم يأخذ المال: قتل حتمًا، ولم يُصلب)؛ لأنَّه لم يذكر في خبر ابن عباس الآتي (٣) (وإن جنوا بما يوجب قودًا في الطرف) كقطع يد، أو رجل ونحوهما: (تحتَّم استيفاؤه) كالنفس، صححه في "تصحيح المحرَّر"، وجزم به في "الوجيز" وقدَّمه في "الرعايتين" وغيرهما، وعنه: لا يتحتَّم استيفاؤه، قال في "الإنصاف": وهو المذهب، وقطع به في "المنتهى" وغيره (٤) (وإن أخذ كل واحد)
(٣) مسألة: إذا قتل شخص من قطاع الطريق شخصًا آخر، وأخذ ماله: فإن ذلك الشخص القاتل والآخذ للمال يُقتل وجوبًا، ثم يُغسل ويُصلَّى عليه، ثم يُصلب حتى يُشهر أمره، ولا يقطع، أما إن قتل ولم يأخذ المال: فإنه يُقتل حتمًا، ولا يُصلب: وهذا مطلق، أي: سواء كان هذا الشخص الذي هو من قطاع الطريق مسلمًا، أو كافرًا، ذميًا، ذكرًا، أو أنثى، أو خنثى، حرًا أو عبدًا، وسواء كان مكافئًا للمقتول أو لا، فلو قتل مسلم ذميًا لقصد أخذ ماله: أو قتل والد ولده لأجل أخذ ماله، أو قتل حر عبدًا لأجل أخذ ماله: فإن المسلم، والوالد، والحر يقتل بمن قتله هنا في المحاربة، ولكن هؤلاء الثلاثة لا يصلبون؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهي آية المحاربة السابقة الذكر في مسألة (١) وحكمها عام فيشمل من ذكرنا الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قال: "إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا" وثبت ذلك عن ابن عمر، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون هذا القتل من حق الله تعالى: عدم اعتبار المكافأة هنا.
(٤) مسألة: إذا جنى شخص من قطاع الطريق جناية توجب قودًا وقصاصًا فيما دون النفس كأن يقطع يداً، أو رجلًا، أو قلع عينًا، أو قطع أذنًا من المجني عليه: فيجب أن يُقتص من ذلك الشخص ويستوفي فتقطع يده كما قطع يد الآخر وهكذا، ولو عفى المجني عليه: لم يسقط؛ القاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لو قتل نفسًا: فإنه يقاد ويقتل به فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه نوع قود. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الجراح تابعة للقتل: ثبوت حكم =
стр. 3000
من المحاربين (من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق) من مال لا شبهة له فيه (ولم يقتلوا: قطع من كل واحد يده اليُمنى، ورجله اليسرى في مقام واحد) وجوبًا (وحسمتا) بالزيت المغلي (ثم خُلِّي) سبيله (٥) (فإن لم يصيبوا نفسًا، ولا مالًا يبلغ نصاب السرقة: نفوا بأن يُشردوا) متفرقين (فلا يتركون يأوون إلى بلد) حتى تظهر توبتهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ
= فيها مثل حكمه، فإن قلت: لا يتحتَّم استيفاء ذلك، وهوقول كثير من الحنابلة، وهو رواية عن أحمد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذكر الشرع - في حدود المحاربين - للقتل والصلب، والقطع والنفي: عدم تعلُّق غيرها في المحاربة، فلا يتحتَّم قلتُ: لم يرد ما ذكرناه بالنص - ولكنه ثبت بالقياس والتلازم وهما دليلان معتبران، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم الذي ذكروه مع القياس، والتلازم اللذين ذكرناهما".
(٥) مسألة: إذا اجتمع مجموعة من قطاع الطريق، واعترضوا شخصًا، وأخذوا جميعًا منه مالًا قدر ما يُقطع به السارق - وهو: ربع دينار، أو ثلاثة دراهم - ولم يقتلوه: فإن كل واحد من قطاع الطريق تُقطع يده اليُمنى، ورجله اليسرى في زمان ومكان واحد، ثم تُحسما: بأن توضعا في زيت مغلي - كما يُفعل به عند القطع في السرقة - ثم يُخلَّى سبيله؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهي آية الحرابة - وقد سبق ذكرها في مسألة (١) - الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عبَّاس قال: "إذا لم يقتلوا، وأخذوا المال: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن قطع يده اليمنى، ورجله اليسرى أكثر تأثيرًا في المجتمع من القتل؛ لأن القتل قد يُنسى، أما إذا رأى أفراد المجتمع شخصًا مقطوع اليد والرجل تذكروا بذلك جرمه، وابتعدوا عمّا فعل؛ لئلا يصيبهم مثل ما أصابه، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من استيفاء ما لزمه بقطع اليد والرجل: تخلية سبيله بدون حبس، أو نفي.
стр. 3001
الْأَرْضِ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: إذا قتلوا وأخذوا المال: قُتلوا وصُلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل، ولم يأخذوا مالًا: نُفوا من الأرض" رواه الشافعي (٦)، ولو قتل بعضهم: ثبت حكم القتل في حق جميعهم، وإن قتل بعض، وأخذ المال بعض: تحتَّم قتل الجميع وصلبهم (٧) (ومن تاب منهم) أي:
(٦) مسألة: إذا أخاف قطاع الطريق الناس، ولم يقتلوا، ولم يأخذوا مالًا يساوي نصاب السرقة: فإنهم يُنفوا، كل واحد في بلد مختلف عن بلد الآخر، فلا يتركون يجتمعون في بلد واحد حتى يُظهروا توبتهم توبة نصوحًا، ويكون نفيهم عامًا كاملًا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ وهو قوله في آية الحرابة وقطاع الطريق: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عبَّاس قال: وإذا أخافوا السبيل، ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الزاني غير المحصن - وهو البكر - يجلد مائة جلدة، ويُغرَّب عامًا - أي: يُنفى إلى بلد غير بلده - فكذلك قاطع الطريق الذي لم يقتل ولم يأخذ مالًا يُنفى، والجامع: أن المعاقبة بالنفي تناسب من فعل ذلك، قاعدة: عقوبة قاطع الطريق - وهو المحارب - تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: القتل والصلب وهذا خاص بمن قتل وأخذ المال - كما سبق في مسألة (٣) - القسم الثاني: القتل فقط، وهذا خاص بمن قتل ولم يأخذ مالًا - كما سبق في مسألة (٣) - القسم الثالث: قطع يده اليُمنى، ورجله اليسرى فقط، وهذا خاص بمن أخذ المال، ولم يقتل - كما سبق في مسألة (٥) - القسم الرابع: النفي فقط، وهذا خاص بمن أخاف الناس ولم يقتل ولم يأخذ مالًا - كما سبق في مسألة (٦) -، وقد، بيَّن ذلك ابن عبَّاس، وخُصِّصت الآية به.
(٧) مسألة: إذا حصل تواطؤ بين مجموعة من الأفراد، وأخافوا الناس، وقتل بعض هذه المجموعة بعض الناس: فإن الإمام أو نائبه يقتل جميع تلك المجموعة: سواء =
стр. 3002
من المحاربين (قبل أن يُقدر عليه: سقط عنه ما كان) واجبًا (لله) تعالى (من نفى وقطع) يد ورجل (وصلب وتحتُم قتل)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (وأخذ بما للآدميين من نفس، وطرف، ومال، إلا أن يعفى له عنها) من مستحقها، ومن وجب عليه حد، سرقة، أو زنا، أو شرب، فتاب منه قبل ثبوته عند حاكم: سقط، ولو قبل إصلاح عمل (٨) (ومن صال
= مَنْ باشر القتل، أو لا، وكذلك: إذا قتل بعضهم، وأخذ المال البعض الآخر: تقتل كل المجموعة وتصلب؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن طليعة الجيش، ومؤخرته تستحق من الغنيمة مثل ما يستحق سائر الجيش فكذلك الحال هنا والجامع: استواء المباشر وغيره في الغرم، والغنم، الثانية: التلازم؛ حيث إن المحاربة مبنية على حصول المنفعة والمعاضدة والمناصرة فلا يتمكّن المباشر من فعله إلّا بقوة الردء والمعين فيلزم: أن يُعمِّموا بعقاب واحد، فإن قلت: لَمِ شُرع هذا؟ قلت: لأن كل واحدٍ من المجموعة مقوِّي للآخر في إخافة الناس، فإن قلت: ليس على الردء والمعين إلّا التعزير، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه في الحدود يجب إقامة الحد على فاعل ومرتكب المعصية فقط، ويُعزَّر المعين فكذلك الحال هنا قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المحاربة مبنية على اجتماع المحاربين على المعاضدة فيلزم إنزال العقوبة عليهم جميعًا، بخلاف سائر الحدود فكل شخص يحدّ على حسب معصيته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وأيضًا: "تعارض القياس الذي ذكره مع التلازم".
(٨) مسألة: إذا تاب شخص من المحاربين قبل أن يُقدر ويُقبض عليه، أو تاب سارق، أو زان، أو شارب للخمر قبل ثبوت ذلك عند حاكم: فإن العقوبات التي لله تعالى تسقط وهي عقوبة المحاربين، أو قطع يد السارق، أو قتل أو جلد الزاني، أو جلد الشارب، وما هو حق للآدميين من الاقتصاص من النفس، أو الأطراف، أو الجراح، أو رد الأموال المسروقة: فإن جميع ذلك يُردّ إلى أصحابها
стр. 3003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إلّا إذا عفى أصحابها عنها: وهذا مطلق: أي سواء حصل ذلك قبل مضي مدَّة يعلم بها صدق توبته وإصلاح عمله أو لا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى - بعد آية المحاربة -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث استثنى الشارع التائبين قبل القدرة عليهم فلا يقام عليهم حد المحاربة، وهذا دل بمفهوم الموافقة على اعتبار توبة غيره بطريق أولى؛ لأن ما قُبلت توبته مع شدَّة ضرره وتعدِّيه وهو المحارب فمن باب أولى أن تقبل توبته فيما دون ذلك - وهي الحدود - الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أصبتُ حدًّا، فأقمه عليّ، قال: "أليس قد صلَّيت معنا؟ " قال: نعم قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك" ثانيها: قوله ﵇: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومن لا ذنب له لا حدّ عليه، ثالثها: قوله ﵇ في ماعز لما هرب من أذى الرجم -: "هلّا تركتموه لعلَّه يتوب فيتوب الله عليه؟ " الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن حدّ المحارب يسقط إذا تاب قبل القدرة عليه فكذلك الحدود الأخرى مثله تسقط بمجرد رد التوبة والجامع: أن كلًّا منها حق خالص الله تعالى، الرابعة التلازم؛ حيث يلزم من كون حقوق الآدميين عليهم ومبناها على المشاحة: عدم سقوطها عنهم، فإن قلت: لا تسقط الحدود - كحدّ السرقة والزنى، والشرب - بالتوبة قبل أن تصل إلى الإمام أونائبه وهو قول مالك، وأبي حنيفة وكثير من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث إن آية السرقة، وآية الزنا وردتا عامتين، فيشملان التائب، وغيره الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﵇ قد رجم ماعزًا، والغامدية، وقطع الذي أقرّ بالسرقة عنده مع أنهم جاؤوا تائبين قلتُ: أما الآيتان: فإن عمومهما قد خصِّصا بمنطوق ومفهوم آية المحاربة والسنة القولية والقياس - كما سبق ذكرها -، وأما السنة الفعلية: فقد وصل الأمر إلى ولي الأمر - وهو النبي ﵇ لذلك أقام =
стр. 3004
على نفسه، أو حرمته) كأمه، وبنته، وأخته، وزوجته (أو ماله: آدمي، أو بهيمة: فله) أي: للمصول عليه (الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به) فإذا اندفع بالأسهل: حرم الأصعب؛ لعدم الحاجة إليه (فإن لم يندفع) الصائل (إلّا بالقتل: فله) أي: للمصول عليه (ذلك) أي: قتل الصائل (ولا ضمان عليه)؛ لأنه قتله لدفع شره (وإن قتل) المصول عليه: (فهو شهيد)؛ لقوله ﵊: "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد" رواه الخلال (٩) (ويلزمه الدفع عن
= عليهم الحد ولم ينظر إلى توبتهم، وكلامنا فيمن تاب قبل أن يصل الأمر إلى الحاكم، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الآيات" و"تعارض الكتاب مع السنة" و"تعارض الكتاب مع القياس".
(٩) مسألة: إذا صال وهجم زيد عليك، أو على أحد من محارمك كأمك، أو أختك أو بنتك، أو زوجتك، أو أراد أخذ مالك، أو بهيمتك: فلك أن تدافع عن نفسك بما يغلب على ظنك أن زيدًا سيندفع به: سواء كان هذه الآلة سهلة كالعصا أو صعبة كالحديد، فإن لم يندفع زيد - وهو الصائل والهاجم عليك - إلا بقتله: فلك قتله، ولا ضمان عليك، فإن قتلك فأنت شهيد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال أبو هريرة: جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" وقال ﵇ "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل: فهو شهيد" وغير المال كالمال في الدفاع عنه؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" الثانية التلازم؛ حيث يلزم من كون المقصود دفعه: أن يُدفع بأيسر السبل، ويلزم اضطراره إلى قتل الصائل: جواز قتله، ويلزم من كونه قد قتله لدفع شره: عدم ضمانه كالباغي، فإن قلت: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يُشرع ذلك: لأدَّى إلى تسلّط الناس بعضهم على بعض.
стр. 3005
نفسه) في غير فتنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وكذا: يلزمه الدفع في غير فتنة عن نفس غيره (و) عن (حرمته) وحرمة غيره؛ لئلا تذهب الأنفس (١٠) (دون ماله) فلا يلزمه الدفع عنه، ولا حفظه عن الضياع والهلاك، فإن فعل: فلا ضمان عليه (١١) (ومن دخل منزل رجل متلصِّصًا: فحكمه كذلك) أي:
(١٠) مسألة: إذا صال وهجم زيد على نفسك، أو نفس غيرك: من ذكور، وإناث: بأن رأى شخصًا يريد أن يزني بامرأة، أو يلوط بذكر: فيجب عليك أن تدافع عن نفسك وعن نفس غيرك بشرط: عدم الفتنة، أي: بشرط: القدرة على هذا الدفاع، وعدم الحوق ضرر عليك في دفاعك أو بعده؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ حيث دلَّت الآية بعمومها على عدم جواز الدفاع عن الأنفس إذا كان ذلك سيؤدي إلى التهلكة والموت، أو أيِّ ضرر، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ في الفتنة -: "اِجلس في بيتك، فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف: فغطِّ وجهك" ولقوله: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن عثمان لم يدفع عن نفسه في الفتنة المعروفة، وترك القتال مع إمكانه، الرابعة: المصلحة؛ حيث إنه قادر على إحياء النفس فيلزم الدفاع عنها لأجل ذلك، ولمنع شيوع الفواحش بالنساء وغيرهن، وهذا هو المقصد منه.
(١١) مسألة: إذا صال وهجم زيد على مالك: فلا يجب عليك أن تدافع عنه فإن فعلت ودافعت: وقتلت الصائل والمهاجم: فلا ضمان عليك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز بذل المال للغير: عدم وجوب المدافعة عنه، ولا حفظه عن الضياع والهلاك، ويلزم من أنه دافع عنه لدفع شره: عدم ضمانه فيما لو مات، فإن قلت: بل يجب عليك أن تدافع عن المال، وحفظه من الضياع والهلاك، وهو لكثير من العلماء؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇ عن القيل والقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال" والنهي هنا، مطلق فيقتضي التحريم فيحرم =
стр. 3006
يدفعه بالأسهل، فالأسهل، فإن أمره بالخروج فخرج: لم يضربه، وإلّا: فله ضربه بأسهل ما يندفع به، فإن خرج بالعصا: لم يضربه بالحديد (١٢)، ومن نظر في بيت غيره من خصاص باب مغلق ونحوه، فخذف عينه أو نحوها فتلفت: فهدر، بخلاف مستمع قبل إنذاره (١٣).
* * *
= إضاعته بالتساهل بعدم الدفاع عنه قلتُ: إن هذا عام، وهو مخصَّص بالتلازم الذي ذكرناه، ثم إنه يُحتمل وجود ضرر على المدافع عن ماله: فدفعًا لذلك: شرع ما قلناه، وهو المقصد منه.
(١٢) مسألة: إذا دخل زيد منزلك مُتلصِّصًا - أي: طالبًا للسرقة -: فادفعه بالأسهل بما يغلب على ظنك دفعه به، فإن كفى أمره بالخروج فخرج: فلا يجوز اتباعه وضربه، وإن خرج بالعصا: فلا تضربه بالحديد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اندفاع شره بالأسهل: عدم جواز ضربه بالأصعب.
(١٣) مسألة: إذا نظر أي شخص من خصاص وخلل بابك، أو جدارك، أو رقى سطحًا، أو منارة وبدأ ينظر إلى بيتك: فطعنته بعود ونحوه فأصبت عينه، أو أي بقعة من بدنه فتلف: فلا ضمان عليك؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من اطلع في بيت ففقئت عينه: فلا دية، ولا قصاص" ومثله الاستماع. فإن قلت: لَمِ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه المحافظة على عورات الناس وأسرارهم.
هذه آخر مسائل باب: "حد قطاع الطريق - وهم المحاربون -" ويليه باب "قتال أهل البغي".
стр. 3007
باب قتال أهل البغي
أي: الجور والظلم، والعدول عن الحق (إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة) - بفتح النون -: جمع مانع: كفسقة، وكفرة، وبسكونها بمعنى: امتناع يمنعهم (على الإمام بتأويل سائغ) ولو لم يكن فيهم مطاع: (فهم بغاة) ظلمة، فإن كانوا جمعًا يسيرًا لا شوكة لهم، أولم يخرجوا بتأويل، أو خرجوا بتأويل غير سائغ: فقطاع طريق (١)، (٢)، ونصب الإمام فرض كفاية، ويُجبر من تعيَّن لذلك، وشرطه: أن يكون
باب قتال أهل البغي
وفيه عشر مسائل:
(١) مسألة: أهل البغي - أو البغاة - هم: مجموعة من الناس من أهل الجور والظلم، والعدول عن الحق لهم قوة، وشوكة، ومنْعة، وسلاح، وعدد وعدَّة، وشدَّة لا يكفَّون إلا بجمع جيش يخرجون على الإمام ويخالفونه، ويريدون خلعه بتأويل سائغ ويحتمل قبوله: سواء كان هذا التأويل صوابًا أو خطأ: وهذا الاسم - وهو: البغاة - يُطلق عليهم: سواء كان فيهم ومعهم شخص مطاع، أو لا، وسواء كانوا في طرف دولة ذلك الإمام، أو في وسطها، فإن قلتَ: ما الفرق بين هؤلاء وبين قطاع الطريق؟ قلت: البغاة ما سبق ذكرهم، ويكونوا قطاع طريق إذا كانوا مجموعة يسيرة لا شوكة لهم، أوكانوا مجموعة كثيرة، ولكنهم خرجوا بلا تأويل، أو خرجوا بتأويل ولكنه غير سائغ، وفرق بين حكم البغاة - كما سيأتي - وبين حكم قطاع الطريق - كما سبق - فإن قلتَ: لَمِ جُعل هذا الباب بعد باب قطاع الطريق؟ قلتُ: لشبه البغاة بقطاع الطريق ببعض طرقه ووجوهه - كما سبق بيانه -.
(٢) مسألة: يجب قتال أهل البغي - كما سبق وصفهم -؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فأوجب الله =
стр. 3008
حرًا، ذكرًا، عدلًا، قرشيًا، عالمًا، كافيًا ابتداء ودوامًا (٣) (و) يجب (عليه) أي: على الإمام (أن يراسلهم) أي: البغاة، (فيسألهم) عن (ما ينقمون منه: فإن ذكروا مظلمة: أزالها، وإن ادّعوا شبهة: كشفها)؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، والإصلاح إنما يكون بذلك، فإن كان ما ينقمون منه مما لا يحل: أزاله، وإن كان حلالًا لكن التبس عليهم، فاعتقدوا أنه مخالف للحق: بيَّن لهم دليله، وأظهر لهم وجهه (فإن فاؤوا) أي: رجعوا عن البغي، وطلب القتال: تركهم (وإلا) يرجعوا: (قاتلهم)
= تعالى قتال أهل البغي هنا؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من خرج على أمتي وهم جمع، فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان" وهذا الأمر للوجوب؛ لأنه مطلق، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع الصَّحابة على قتال أهل البغي، فإن قلت: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اجتماع لكلمة المسلمين، وحماية لهم من الفتن التي تحدث عادة بسب البغاة ممن لا يرضون بأحد من الولاة.
(٣) مسألة: يجب على المسلمين أن يضعوا عليهم إمامًا حاكمًا لهم يكون ذكرًا حرًا، عدلًا، عالمًا بأكثر الأحكام الفقهية، كافيًا في السياسة، وإقامة العقوبات على العصاة، والدفاع عن الأمة ابتداءً، ودوامًا وإن وُجد شخص قرشي صالح لها فهو أولى؛ وإذا أجمع المسلمون أو أكثرهم على شخص وعيّنوه فيجب عليه أن يقبلها، وإن أبى: فإنه يُجبر عليها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الأئمة من قريش" الثانية: المصلحة؛ حيث لا يُمكن أن يُقام الدين، ولا الدنيا، ولا مصالح الناس المتعدِّدة إلا بنصب إمام وحاكم لهم، وأجمع المؤرخون وأهل الإسلام: على أن الناس لا يصلحون إلّا بولاة، ولو تولّى من الظلمة فهو خير من عدم ذلك، وسنة من إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمارة، وإذا كان ذكرًا حرًا عدلًا عالمًا كافيًا في ذلك قرشيًا فهو مقدم على غيره.
стр. 3009
وجوبًا وعلى رعيته معونته (٤)، ويحرم قتالهم بما يعم إتلافهم كمنجنيق ونار إلا
(٤) مسألة: إذا ظهرت جماعة من البغاة فيجب على الإمام أن يراسلهم ويتفاهم معهم على كل شيء: فيسألهم عن الأمور التي نقموا عليه بشأنها، فإن كان ما ينقمونه وينتقدونه مما لا يحل فعله شرعًا: أزاله؛ ليرجعوا إلى الطاعة، وإن كان ما ينقمونه حلالًا شرعًا، لكن التبس عليهم الأمر فظنوا أن الحلال باطل، أو العكس: بيَّن أدلة حلِّه، وقواعده الشرعية، وأظهر لهم وجهة نظره فإن رجعوا عن البغي إلى الحق: فإنه يتركهم، وإن أصروا على موقفهم وأبوا الرجوع: فإنه يعظهم هو، أو يرسل إليهم من العلماء المحققين المخلصين من يخلص لهم النصيحة، ويُبين لهم الحق، فإن أصرُّوا على موقفهم يجب عليه - أي: على الإمام - أن يقاتلهم حتى يُشتت شملهم، ويقضي عليهم قضاء لا قيام لهم بعده، ويجب على جميع الرعية أن يُعينوا الإمام على قتالهم، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ والمراد بالإصلاح المأمور به هنا: هو مراسلة البغاة، وكشف الشبهة" وإزالة المظلمة إن وُجدت والمخاطب هنا الإمام الذي بايعته الرعية فيكونون معه في ذلك فوجب قتالهم إن لم يرجعوا؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، وقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فأوجب طاعة ولي الأمر إذا أمر بقتال هؤلاء البغاة، الثانية: المصلحة؛ حيث وجبت مناصحتهم، وكشف الشبهة لهم؛ لأن المقصود كفهم ودفع شرّهم، لا قتلهم، فإذا أمكن بمجرد القول فهو أولى من القتال؛ لما في القتال من الضرر على الفريقين وهو المقصد منه؛ الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن عليًا لمّا اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فنصحهم وبيّن لهم الأدلة من الكتاب والسنّة فرجع منهم أربعة آلاف شخص.
стр. 3010
لضرورة، وقتل ذريتهم ومُدْبرهم، وجريحهم، ومن ترك القتال (٥)، ولا قود بقتلهم، بل الدية (٦)، ومن أُسر منهم: حبس حتى لا شوكة، ولا حرب (٧)، وإذا انقضت: فمن وجد منهم ماله بيد غيره: أخذه، وما تلف حال حرب غير مضمون (٨)، وإن
(٥) مسألة: إذا أراد الإمام قتال البغاة: فلا يستعمل سلاحًا يقتل جميعهم كالمنجنيق، والقنابل، ونحو ذلك إلّا عند الضرورة القصوى بأن لا يمكنه صدَّهم إلّا بذلك فحينئذٍ يستعمله، وكذلك لا يجوز للإمام أن يقتل أولادهم وذريتهم، وإذا هرب أحد منهم من ساحة القتال فلا يتبع، ولا يجوز قتل جريحهم، ولا من ألقى السلاح منهم؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث إن العدالة يلزم منها هذه الأحكام؛ لأنه ليس من العدل قتل، جميعهم، وذريتهم، وهاربهم، وجريحهم، ومن ألقى السلاح الثانية: القياس؛ بيانه: كما يجب على الإنسان قتل الصائل عليه بأي سلاح فكذلك الحال في البغاة الذين لا يمكن صدّهم إلّا بسلاح يهلك جميعهم، والجامع: الدفاع عن النفس الثالثة: قول الصحابي؛ حيث صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: "لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم" وفي لفظ: "ومن ألقى السلاح فهو آمن".
(٦) مسألة: إذا قتل الإمام من يحرم قتله أثناء المعركة مع البغاة: فلا قود، ولا قصاص؛ بل تجب الدية، للتلازم؛ حيث يلزم من الشبهة: عدم القصاص؛ لأن الشبهة تدرأ القود والقصاص، ويلزم من كون المقتول معصوم الدم: وجوب الدية.
(٧) مسألة: إذا أسر الإمام بعض البغاة: فإنه يُحبس إلى أن تنكسر شوكتهم، وينهزموا هزيمة لا قيام لهم بعدها، فإذا انتهت الحرب: فإن من حُبس منهم يُطلق سراحه؛ للمصلحة: حيث إن في حبسه كسرًا لقلوب البغاة، وفي إطلاقه قبل هزيمتهم، وانتهاء الحرب معهم ضررًا على أهل العدل.
(٨) مسألة: إذا انتهت الحرب مع البغاة، وهُزموا، فمن وجد ماله - من الرعية - على =
стр. 3011
أظهر قوم رأي الخوارج، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام: لم يتعرَّض لهم، وتجري الأحكام عليهم كأهل العدل (٩) (وإن اقتتلت طائفتان؛ لعصبية أو) طلب (رئاسة: فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة) من الطائفتين (ما أتلفت) على (الأخرى) قال الشيخ تقي الدين: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يعلم عين المتلف، ومن دخل بينهما لصلح فقتل وجُهل قاتله، وما جُهل متلفه: ضمنتاه على السواء (١٠).
= حاله بيد غيره منهم، أو من غيرهم: فهو أحقُّ به، ومن تلف ماله أو نفسه بسبب الحرب معهم: فلا ضمان فيه؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال علي: "من عرف شيئًا مع أحد فليأخذه" الثانية: المصلحة؛ حيث يلزم من حربهم ومقاتلتهم إتلاف أموالهم وأموال الآخرين؛ لضرورة الحرب والقتال، فلو كان كل ما تلف سيضمنه الإمام ومن معه: لما قاتلهم، ولعمَّت الفوضى، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(٩) مسألة: إذا كفَّر قوم مرتكبي الكبائر، أو سبَّ أحدًا من الصَّحابة أو نحو ذلك مما يعتقده الخوارج ولكن هؤلاء القوم لم يخرجوا عن قبضة الإمام، ولم يجتمعوا عليه بالحرب: فلا يجوز لهذا الإمام أن يتعرَّض لهم بقتال ولا قتل، وتُجرى عليهم أحكام الشريعة: من ضمان نفس ومال، وتطبيق الحدود عليهم؛ للقياس؛ بيانه: كما يفعل ذلك بأهل العدل، فكذلك يفعل بهؤلاء ذلك، والجامع: أن كلًّا منهم تحت قبضة الإمام.
(١٠) مسألة: إذا اقتتلت طائفتان، أو قبيلتان - داخلتان في طاعة الإمام - بسبب عصبية، أو ثأر، أو طلب رئاسة: فإن كل واحدة ظالمة للأخرى، وكل من مات من الأنفس، أو أتلف من الأموال تضمنه كل واحدة منهما على السواء، أي: يُحسب الضمان على مجموع الطائفتين، دون تفريق بين أفرادها: سواء عُلم عين المتلف، أولا، هذا إذا جهل القاتل والمتلف، أما إذا عُلِم القاتل والمتلف: =
стр. 3012
* * *
= فإن الذي أتلفه من الطائفتين، أو الأفراد: هو الذي يضمنه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بغي إحداهما على الأخرى، وكون المتلف نفسًا معصومة، أو مالًا معصومًا، وعدم معرفة الفاعل: أن يكون الضمان عليهما معًا، ويلزم من معرفة عين الفاعل من الطائفتين، أو الأفراد: أن يوجب عليه الضمان بمفرده.
هذه آخر مسائل باب: "قتال أهل البغي" ويليه باب "حكم المرتد".
стр. 3013
باب حكم المرتد
(وهو) لغة الراجع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، واصطلاحًا: (الذي يكفر بعد إسلامه) طوعًا، ولو مميزًا، أو هازلًا بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل (١) (فمن أشرك بالله) تعالى كفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
باب حكم المرتد
وفيه تسع عشرة مسألة:
(١) مسألة: المرتد لغة: هو الراجع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا واصطلاحًا: هو: الشخص الذي يكفر بعد إسلامه باختياره: سواء كان مكلَّفًا، أو صبيًا مميزًا، وسواء كان جادًّا، أو هازلًا، وسواء كان ذلك الكفر بنطق، أو باعتقاد، أو بشك، أو بفعل فهذا يكفر وحكمه أن يقتل، ثبت هذا بقواعد: الأولى: الكتاب: وهو من وجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وهذا عام في كل ما يؤدي إلى الردّة من الإسلام إلى الكفر على اختلاف الأسباب التي ذكرناها، ثانيها: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ حيث بيّن اشتراط كون الشخص مختارًا للردَّة، أما المُكره عليها: فلا يكون مرتدًا حقيقة، ثالثها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ حيث دلّت على أن الهازل، والمتلاعب بألفاظ مكفرة: يكفر وإن كان هازلًا؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من بدَّل دينه فاقتلوه" فأوجب قتل المرتد؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن الخلفاء الأربعة، ومعاذ، وابن عبَّاس وجوب قتل المرتد، الرابعة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على قتل المرتد، ومستند هذا الإجماع ما سبق من القواعد، فإن قلتَ: لَمِ يُقتل المرتد؟ =
стр. 3014
به﴾ (أو جحد ربوبيته) سبحانه (أو) جحد (وحدانيته أو) جحد (صفة من صفاته) كالحياة، والعلم: كفر (أو اتّخذ لله) تعالى (صاحبة، أو ولدًا، أو جحد بعض كتبه أو) جحد بعض (رسله، أو سب الله) (أو) سب (رسوله) أي: رسولًا من رسله، أو ادَّعى النبوة: (فقد كفر)؛ لأن جحد شيء من ذلك كجحده كله، وسب أحد منهم لا يكون إلّا من جاحده (٢) (ومن جحد تحريم الزنا أو) جحد (شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها) أي: على تحريمها، أو جحد حل خبز ونحوه مما لا خلاف فيه، أو جحد وجوب عبادة من الخمس أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا (بجهل) أي: بسبب جهله، وكان ممن يجهل مثله ذلك: (عرِّف) حكم (ذلك)؛ ليرجع عنه (وإن) أصرّ أو (كان مثله لا يجهله: كفر)؛ لمعاندته للإسلام، وامتناعه من الالتزام لأحكامه، وعدم قبوله لكتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع الأمة، وكذا: لو سجد لكوكب ونحوه، أو أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء
= قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرتد لو تُرك مع تركه للإسلام لأدَّى ذلك إلى أن يدعو إلى الكفر الذي ذهب إليه، وهذا ينشر فساده، فدفعًا لذلك: شرع قتله، وقد سبق بيان ذلك.
(٢) مسألة: يكون الشخص مرتدًا عن الإسلام إذا أشرك مع الله غيره - أو به - أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم، ويتوكَّل عليهم، أو جحد ربوبية الله، أو أنكر الشهادتين معًا، أو إحداهما، أو جحد وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو قال: إن الله صاحبة أو ولد، أو جحد بعض كتبه، أو جحد بعض رسله، أو سب الله، أو سب رسوله، أو كان مبغضًا الله ولرسوله، أو ادَّعى النبوّة، أو صدَّق من ادَّعاها، أو سخر بوعد الله، أو وعيده، أو لم يكفر اليهود والنصارى، أو غيرهم من طوائف الكفار، أو شكّ في كفرهم، أو قال: إن عليًا إله، أو نبي؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده الآيات والأحاديث الكثيرة التي دلّت على أن من فعل ذلك: فهو كافر.
стр. 3015
بالدين، أو امتهن القرآن، أو أسقط حرمته (٣)، لا من حكى كفرًا سمعه، وهو لا يعتقده (٤).
(فصل): (فمن ارتدَّ عن الإسلام، وهو مكلَّف مختار: رجل أو امرأة: دُعي إليه) أي: إلى الإسلام، واستتيب (ثلاثة أيام) وجوبًا (وضُيِّق عليه) وحُبس؛ لقول عمر ﵁: "فهلَّا حبستموه ثلاثًا، فأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعلَّه يتوب، أو يراجع أمر الله، اللَّهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني" رواه مالك في "الموطأ"، ولو لم تجب الاستتابة: لما برئ من فعلهم (فإن) أسلم: لم يُعزَّر، وإن (لم يسلم: قتل بالسيف) ولا يحرق بالنار؛ لقوله ﵇: "من بدَّل دينه فاقتلوه، ولا تُعذِّبوه بعذاب الله" يعني: بالنار، أخرجه البخاري، وأبو داود (٥)، إلا رسول
(٣) مسألة: من جحد أو أنكر حكمًا قد أجمع العلماء عليه إجماعًا قطعيًا: كأن يُحلّل حرامًا، أو يُحرِّم حلالًا كأن يحل الزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل بغير حق والسرقة ونحو ذلك، أو أن يحرم على نفسه أكل الخبز، أو يجحد عبادة من أركان الإسلام الخمس، أو لم يقبل حكم الكتاب، أو السنة، أو حكم إجماع المسلمين، أو سجد لكوكب أو صنم ونحو ذلك، أو استهزأ بالدين الإسلامي بقول، أو فعل، أو امتهن القرآن واحتقره، أو أسقط مهابته: فإنه يحكم بكفره إن كان مثله لا يجهل مثل تلك الأحكام، أما إن كان مثله يجهل تلك الأحكام - كمن عاش في الصحراء طول عمره أوحديث عهد بالإسلام -: فإنه يُعلَّم تلك الأحكام فإن أصرّ على إنكار ذلك وجحدها: فإنه يحكم بكفره؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده الآيات والأحاديث التي وردت في ذلك وهي كثيرة.
(٤) مسألة: لا يكفر من حكى كفرًا سمعه من غيره، وهو لا يعتقده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اعتقاد الكفر في ذلك: عدم الحكم بكفره.
(٥) مسألة: إذا ارتدَّ شخص مكلَّف مختار عن الإسلام: فإنه يُدعى إليه ثلاثة أيام: =
следующие страницы →