← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

أظهر قوم رأي الخوارج، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام: لم يتعرَّض لهم، وتجري الأحكام عليهم كأهل العدل (٩) (وإن اقتتلت طائفتان؛ لعصبية أو) طلب (رئاسة: فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة) من الطائفتين (ما أتلفت) على (الأخرى) قال الشيخ تقي الدين: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يعلم عين المتلف، ومن دخل بينهما لصلح فقتل وجُهل قاتله، وما جُهل متلفه: ضمنتاه على السواء (١٠). = حاله بيد غيره منهم، أو من غيرهم: فهو أحقُّ به، ومن تلف ماله أو نفسه بسبب الحرب معهم: فلا ضمان فيه؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال علي: "من عرف شيئًا مع أحد فليأخذه" الثانية: المصلحة؛ حيث يلزم من حربهم ومقاتلتهم إتلاف أموالهم وأموال الآخرين؛ لضرورة الحرب والقتال، فلو كان كل ما تلف سيضمنه الإمام ومن معه: لما قاتلهم، ولعمَّت الفوضى، فدفعًا لذلك شرع هذا. (٩) مسألة: إذا كفَّر قوم مرتكبي الكبائر، أو سبَّ أحدًا من الصَّحابة أو نحو ذلك مما يعتقده الخوارج ولكن هؤلاء القوم لم يخرجوا عن قبضة الإمام، ولم يجتمعوا عليه بالحرب: فلا يجوز لهذا الإمام أن يتعرَّض لهم بقتال ولا قتل، وتُجرى عليهم أحكام الشريعة: من ضمان نفس ومال، وتطبيق الحدود عليهم؛ للقياس؛ بيانه: كما يفعل ذلك بأهل العدل، فكذلك يفعل بهؤلاء ذلك، والجامع: أن كلًّا منهم تحت قبضة الإمام. (١٠) مسألة: إذا اقتتلت طائفتان، أو قبيلتان - داخلتان في طاعة الإمام - بسبب عصبية، أو ثأر، أو طلب رئاسة: فإن كل واحدة ظالمة للأخرى، وكل من مات من الأنفس، أو أتلف من الأموال تضمنه كل واحدة منهما على السواء، أي: يُحسب الضمان على مجموع الطائفتين، دون تفريق بين أفرادها: سواء عُلم عين المتلف، أولا، هذا إذا جهل القاتل والمتلف، أما إذا عُلِم القاتل والمتلف: =

стр. 3012

* * * = فإن الذي أتلفه من الطائفتين، أو الأفراد: هو الذي يضمنه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بغي إحداهما على الأخرى، وكون المتلف نفسًا معصومة، أو مالًا معصومًا، وعدم معرفة الفاعل: أن يكون الضمان عليهما معًا، ويلزم من معرفة عين الفاعل من الطائفتين، أو الأفراد: أن يوجب عليه الضمان بمفرده. هذه آخر مسائل باب: "قتال أهل البغي" ويليه باب "حكم المرتد".

стр. 3013

باب حكم المرتد (وهو) لغة الراجع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، واصطلاحًا: (الذي يكفر بعد إسلامه) طوعًا، ولو مميزًا، أو هازلًا بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل (١) (فمن أشرك بالله) تعالى كفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ باب حكم المرتد وفيه تسع عشرة مسألة: (١) مسألة: المرتد لغة: هو الراجع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا واصطلاحًا: هو: الشخص الذي يكفر بعد إسلامه باختياره: سواء كان مكلَّفًا، أو صبيًا مميزًا، وسواء كان جادًّا، أو هازلًا، وسواء كان ذلك الكفر بنطق، أو باعتقاد، أو بشك، أو بفعل فهذا يكفر وحكمه أن يقتل، ثبت هذا بقواعد: الأولى: الكتاب: وهو من وجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وهذا عام في كل ما يؤدي إلى الردّة من الإسلام إلى الكفر على اختلاف الأسباب التي ذكرناها، ثانيها: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ حيث بيّن اشتراط كون الشخص مختارًا للردَّة، أما المُكره عليها: فلا يكون مرتدًا حقيقة، ثالثها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ حيث دلّت على أن الهازل، والمتلاعب بألفاظ مكفرة: يكفر وإن كان هازلًا؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من بدَّل دينه فاقتلوه" فأوجب قتل المرتد؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن الخلفاء الأربعة، ومعاذ، وابن عبَّاس وجوب قتل المرتد، الرابعة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على قتل المرتد، ومستند هذا الإجماع ما سبق من القواعد، فإن قلتَ: لَمِ يُقتل المرتد؟ =

стр. 3014

به﴾ (أو جحد ربوبيته) سبحانه (أو) جحد (وحدانيته أو) جحد (صفة من صفاته) كالحياة، والعلم: كفر (أو اتّخذ لله) تعالى (صاحبة، أو ولدًا، أو جحد بعض كتبه أو) جحد بعض (رسله، أو سب الله) (أو) سب (رسوله) أي: رسولًا من رسله، أو ادَّعى النبوة: (فقد كفر)؛ لأن جحد شيء من ذلك كجحده كله، وسب أحد منهم لا يكون إلّا من جاحده (٢) (ومن جحد تحريم الزنا أو) جحد (شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها) أي: على تحريمها، أو جحد حل خبز ونحوه مما لا خلاف فيه، أو جحد وجوب عبادة من الخمس أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا (بجهل) أي: بسبب جهله، وكان ممن يجهل مثله ذلك: (عرِّف) حكم (ذلك)؛ ليرجع عنه (وإن) أصرّ أو (كان مثله لا يجهله: كفر)؛ لمعاندته للإسلام، وامتناعه من الالتزام لأحكامه، وعدم قبوله لكتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع الأمة، وكذا: لو سجد لكوكب ونحوه، أو أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء = قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرتد لو تُرك مع تركه للإسلام لأدَّى ذلك إلى أن يدعو إلى الكفر الذي ذهب إليه، وهذا ينشر فساده، فدفعًا لذلك: شرع قتله، وقد سبق بيان ذلك. (٢) مسألة: يكون الشخص مرتدًا عن الإسلام إذا أشرك مع الله غيره - أو به - أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم، ويتوكَّل عليهم، أو جحد ربوبية الله، أو أنكر الشهادتين معًا، أو إحداهما، أو جحد وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو قال: إن الله صاحبة أو ولد، أو جحد بعض كتبه، أو جحد بعض رسله، أو سب الله، أو سب رسوله، أو كان مبغضًا الله ولرسوله، أو ادَّعى النبوّة، أو صدَّق من ادَّعاها، أو سخر بوعد الله، أو وعيده، أو لم يكفر اليهود والنصارى، أو غيرهم من طوائف الكفار، أو شكّ في كفرهم، أو قال: إن عليًا إله، أو نبي؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده الآيات والأحاديث الكثيرة التي دلّت على أن من فعل ذلك: فهو كافر.

стр. 3015

بالدين، أو امتهن القرآن، أو أسقط حرمته (٣)، لا من حكى كفرًا سمعه، وهو لا يعتقده (٤). (فصل): (فمن ارتدَّ عن الإسلام، وهو مكلَّف مختار: رجل أو امرأة: دُعي إليه) أي: إلى الإسلام، واستتيب (ثلاثة أيام) وجوبًا (وضُيِّق عليه) وحُبس؛ لقول عمر ﵁: "فهلَّا حبستموه ثلاثًا، فأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعلَّه يتوب، أو يراجع أمر الله، اللَّهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني" رواه مالك في "الموطأ"، ولو لم تجب الاستتابة: لما برئ من فعلهم (فإن) أسلم: لم يُعزَّر، وإن (لم يسلم: قتل بالسيف) ولا يحرق بالنار؛ لقوله ﵇: "من بدَّل دينه فاقتلوه، ولا تُعذِّبوه بعذاب الله" يعني: بالنار، أخرجه البخاري، وأبو داود (٥)، إلا رسول (٣) مسألة: من جحد أو أنكر حكمًا قد أجمع العلماء عليه إجماعًا قطعيًا: كأن يُحلّل حرامًا، أو يُحرِّم حلالًا كأن يحل الزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل بغير حق والسرقة ونحو ذلك، أو أن يحرم على نفسه أكل الخبز، أو يجحد عبادة من أركان الإسلام الخمس، أو لم يقبل حكم الكتاب، أو السنة، أو حكم إجماع المسلمين، أو سجد لكوكب أو صنم ونحو ذلك، أو استهزأ بالدين الإسلامي بقول، أو فعل، أو امتهن القرآن واحتقره، أو أسقط مهابته: فإنه يحكم بكفره إن كان مثله لا يجهل مثل تلك الأحكام، أما إن كان مثله يجهل تلك الأحكام - كمن عاش في الصحراء طول عمره أوحديث عهد بالإسلام -: فإنه يُعلَّم تلك الأحكام فإن أصرّ على إنكار ذلك وجحدها: فإنه يحكم بكفره؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده الآيات والأحاديث التي وردت في ذلك وهي كثيرة. (٤) مسألة: لا يكفر من حكى كفرًا سمعه من غيره، وهو لا يعتقده؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اعتقاد الكفر في ذلك: عدم الحكم بكفره. (٥) مسألة: إذا ارتدَّ شخص مكلَّف مختار عن الإسلام: فإنه يُدعى إليه ثلاثة أيام: =

стр. 3016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بأن يُقال له في كل يوم: "عُد إلى الإسلام، أو أسلم وإلا قتلناك" ويُضيَّق عليه بحبس ونحوه، فإذا مضى ثلاثة أيام على هذا الاستتاب وأصر على كفره: فإنه يقتل بالسيف ولا يحرق بالنار: سواء كان هذا المرتد رجلًا، أو امرأة، أو خنثى؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "من بدَّل دينه فاقتلوه، ولا تعذِّبوه بعذاب" فأوجب الشارع قتل المرتد؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وحرم الشارع أن يُعذَّب بعذاب الله - وهو النار-؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، وهو عام فيشمل النساء والرجال من المرتدين؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم ثانيهما: قوله ﵇: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" والقتل بالسيف من الإحسان بالقتل، فيكون السيف من المأمور بالقتل به. الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن رجلًا كفر بعد إسلامه، فضُربت عنقه، فقال عمر: "فهلَّا حبستموه ثلاثًا، فأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه، لعله يتوب، أو يراجع أمر الله، اللَّهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني" حيث يلزم من هذا وجوب الاستتابة ثلاثة أيام؛ لأنه لو لم تجب الاستتابة ثلاثًا، لما تبرأ عمر من فعلهم، الثالثة: التلازم؛ حيث إنه يحتمل أنه كفر لشبهة قد طرأت عليه، ولا تزول الشبه عادة إلا بعد مدَّة يُراود صاحبها فيها ويُناقش، وأقرب تلك المدة ثلاثة أيام فلزمت الاستتابة ثلاثة أيام وذلك ليُدعى في اليوم الأول، ويُبيَّن له ضلاله ثم تُعاد عليه في اليوم الثاني، ويترك ليفكِّر فيها، ثم تعاد عليه في اليوم الثالث: فإن أصرَّ بعدها: فلا عذر له، فيُقتل، فإن قلتَ: يجوز تحريقه بالنار؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر قد أمر خالدًا بأن يُحرِّق المرتدين وفعل خالد قلتُ: إن أبا بكر أمر بتحريق المرتدين لما كثروا من العرب، وعظم الأمر عليه ﵁ فخشي على بيضة الإسلام، فرأى دفعًا لذلك: أن يفعل ذلك ليرجعوا إلى الإسلام، ولينزجر من حدّثته نفسه بذلك، وفرق بين ذلك وبين =

стр. 3017

كفار: فلا يُقتل (٦)، ولا يقتله إلا الإمام، أو نائبه ما لم يلحق بدار حرب، فلكل أحد قتله، وأخذ ما معه (٧) (ولا تقبل) في الدنيا (توبة من سبَّ الله) تعالى (أو) سب (رسوله) سبًا صريحًا، أو تنقَّصه (ولا) توبة (من تكررت ردَّته) ولا توبة زنديق - وهو: المنافق الذي يظهر الإسلام، ويخفي الكفر - (بل يقتل بكل حال)؛ لأن هذه الأشياء تدل على فساد عقيدته، وقلَّة مبالاته بالإسلام (٨)، ويصح إسلام مميز = ما نحن فيه، ثم لو تساويا: فإنه اجتهاد صحابي لا يلزمنا إذا عارض نصًا شرعيًا - وهوالحديث السابق - فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة مع قول الصحابي". [فرع]: إذا ارتدَّ شخص، ثم عاد إلى الإسلام بعد التوبة: فإنه لا يُعاقب؛ للمصلحة: حيث إن في معاقبته تنفيرًا له عن الإسلام، فشرع ما قيل؛ دفعًا لذلك، وتحبيبًا للإسلام. (٦) مسألة: إذا كان المرتد رسول كفار إلى المسلمين: فلا يجوز لإمام المسلمين أو نائبه أن يقتله؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن رسولي مسيلمة الكذاب لم يقتلهما أبو بكر. (٧) مسألة: لا يقتل المرتد إلا الإمام، أو نائبه إذا كان في دار الإسلام، أما إن كان في دار حرب: فيجوز لكل أحد أن يقتله، وسلبه، وأخذ ما معه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون قتله كان لحق الله تعالى: أن يقتله الإمام أو نائبه، ويلزم من كونه بدار حرب: أن يقتله كل أحد؛ لأنه صار حربيًا. (٨) مسألة: إذا سبَّ شخص الله تعالى، أو رسوله سبًا صريحًا، أو تعريضًا، أو تنقَّصهما، أو استخفّ بهما، أو تكررت ردَّته، أو تزندق ونافق، ثم تاب توبة نصوحًا: فإن توبته تقبل؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فإذا كان الكافر مطلقًا قد غفر الله له ما قد سلف من أنواع المعاصي فإن ما نحن فيه يُغفر له إن شاء الله إذا أخلص في التوبة وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ثم قال: ﴿إلا =

стр. 3018

يعقله (٩) وردَّته، لكن لا يُقتل حتى يستتاب بعد البلوغ ثلاثة = الَّذِينَ تَابُوا﴾ فاستثنى سبحانه التائبين من المنافقين، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد كفَّ عن المنافقين بسبب إظهارهم للإسلام الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه ثبت عن ابن مسعود، وعلي: قبول توبة هؤلاء، فإن قلتَ: إن توبة هؤلاء لا تقبل بل يقتل حالًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن من قامت به هذه الأشياء: من سب الله ورسوله، وتكرار الردة، والزندقة: والنفاق لا يُبالي عادة بالإسلام فيلزم عدم من الفائدة من توبته: فيُقتل حالًا قلتُ: هذا غير صحيح، فكم من شخص قد بالغ في العصيان فصلح كأحسن ما يكون الصلاح، وكم من شخص قد بالغ في الصلاح ففسد كأسوأ ما يكون الفساد، لذلك قد بيّن الله تعالى: أنَّه لا يوجد مانع يمنع الإنسان من التوبة وقبولها في الآيتين السابقتين مهما كان ذنبه، فإن قلت: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب والسنة الفعلية مع التلازم". (٩) مسألة: يصح إسلام الصبي المميز الذي يعقله، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وهذا يعمّ البالغين والصبيان الذين يميزون ما يفعلون ويقولون؛ لأن "مَنْ" الشرطية، واسم الجنس المعرّف بأل - وهو: الناس" -من صيغ العموم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﵇ لم يرد على أحد إسلامه: سواء كان صغيرًا، أو كبيرًا منهم علي، والزبير، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما تصحّ الصلاة والحج من الصبي، فكذلك يصح الإسلام منه، والجامع: أن كلًّا منها عبادة محضة، فإن قلتَ: لا يصح الإسلام من الصبي مطلقًا، وهو قول الشافعي وبعض الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "رُفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ" حيث بيّن الشارع بالمنطوق على عدم تكليف الصبي بشيء =

стр. 3019

أيام (١٠) (وتوبة المرتد) إسلامه (و) توبة (كل كافر إسلامه: بأن يشهد) المرتد، أو الكافر الأصلي (أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)؛ لحديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ دخل الكنيسة، فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فقرأ حتى أتى على صفة النبي ﷺ ، وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمَّد رسول الله فقال النبي ﷺ : "آووا أخاكم" رواه أحمد (١١) ............................................. = من الشريعة، فلا يصح شيء مما يقوله أو يفعله، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الصبي لو صحّ إسلامه للحقه الضرر: فوجبت عليه الزكاة في ماله، ووجبت عليه نفقة قريبه المسلم، وحرم من ميراث قريبه الكافر، قلتُ: أما الحديث: فلا يصح الاستدلال به هنا؛ لأنه يقتضي: أن لا يكتب عليه ذنب إذا فعل معصية، والإسلام طاعة يكون له، لا عليه، أما المصلحة: فإن هذه المضار التي تلحقه فيما لو أسلم ليست بشيء بجانب ما يحصل له من مصالح إسلامه الدنيوية والأخروية، والخلاص من شقاء الدارين، والخلود في الجحيم، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية؛ والفعلية التي ذكرناهما مع السنة القولية؛ والمصلحة التي ذكروهما". (١٠) مسألة: إذا ارتدَّ الصبي المميز عن الإسلام: فإن ردَّته تصح، ويُجبر على الإسلام، فإن أصر على ردَّته: فإنه يُستتاب بعد بلوغه ثلاثة أيام، فإن أسلم: ترك، وإن أصرّ على ردّته: فإنه يقتل؛ للتلازم؛ حيث إن عدم وجوب عقوبة على الصبي بدليل: عدم عقوبته على الزنا والشرب والسرقة وسائر الحدود، ولا يُقتل في القصاص يلزم منه: عدم عقوبته على ردته، ويلزم من بلوغه: عقوبته على ردّته بعد استتابته كالبالغ. (١١) مسألة: توبة المرتد عن الإسلام أو الكافر الأصلي، هو: إسلامه، وذلك بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويُخلَّى سبيله؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا =

стр. 3020

(ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه) كتحليل حرام، أو تحريم حلال، أو جحد نبي، أو كتاب، أو رسالة محمَّد ﷺ إلى غير العرب: (فتوبته مع) إتيانه بـ (الشهادتين إقراره بالمجحود به) من ذلك؛ لأنه كذَّب الله سبحانه بما اعتقده من الجحد، فلا بدّ في إسلامه من الإقرار بما جحده (أو قوله: أنا) مسلم أو (بريء من كل دين يخالف) دين (الإسلام) ولو قال كافر: أسلمت، أو أنا مسلم، أو أنا مؤمن: صار مسلمًا، وإن يلفظ بالشهادتين (١٢)، ولا يغني قوله: محمَّد رسول الله عن كلمة التوحيد (١٣)، = لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ثانيهما: أنَّه ﵇ جعل اليهودي الذي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله من الإخوان المسلمين، وهذا كله يدلّ على أن ذلك كاف في توبته. (١٢) مسألة: إذا كان سبب كفر الشخص هو جحد فرض أجمع العلماء عليه مما ينبني عليه تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو جحد نبي، أو كتاب، أو ملك من الملائكة، أو جحد أن النبي ﵇ مرسل إلى الناس كافة؛ بل إلى العرب فقط: فتوبة هذا الشخص: أن يشهد الشهادتين، ويُقرُّ إقرارًا صريحًا بما جحده، ويكفي قوله: "أنا مسلم" أو قوله: "أنا بريء من كل دين مخالف للإسلام" أو قوله: "أنا مؤمن" في جعله من المسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم وإن لم يتلفّظ بالشهادتين؛ للتلازم؛ حيث إنه كفر بجحده ذلك فيلزم - لأجل أن يكون مسلمًا -: أن يُقر بما جحده، ويلزم من إقراره بما يتضمَّن الشهادتين بقوله: "أنا مسلم، أو مؤمن" ونحوهما: أن يكون مسلمًا. (١٣) مسألة: إذا قال مرتد، أو كافر أصلي: "محمَّد رسول الله" فقط، فلا يكون تائبًا ولا مسلمًا، لذلك لا بد أن يقول كلمة التوحيد - وهي: لا إله إلّا الله"، للتلازم؛ حيث يلزم من جحد شيئين - وهما الشهادتان - عدم زوال جحده إلّا بالإقرار بهما معًا، ويلزم من عدم تضمُّن الشهادة بأن محمدًا رسول الله الشهادة بالتوحيد: عدم كفايتها لوحدها.

стр. 3021

وإن قال: "أنا مسلم ولا أنطق بالشهادتين": لم يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين (١٤)، ويُمنع المرتد من التصرّف في ماله، وتقضى منه ديونه، ويُنفق منه عليه، وعلى عياله، فإن أسلم، وإلا: صار فيئًا من موته مرتدًّا (١٥)، ويكفر ساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه (١٦)، لا كاهن، ومنجِّم، وعرَّاف، وضارب بحصى، ونحوه إن لم يعتقد إباحته، وأنه يعلم به الأمور المغيبة، ويُعزَّر ويكف (١٤) مسألة: إذا قال المرتد، أو الكافر الأصلي: "أنا مسلم ولكني لا أنطق بالشهادتين": فإنه لا يحكم بإسلامه إلّا إذا أتى بالشهادتين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من امتناعه عن الإتيان بالشهادتين بإقراره ذلك: التشكيك في المقصود من قوله: "أنا مسلم"، وإذا احتمل القول الشك فلا تبنى عليه أحكام. (١٥) مسألة: إذا ارتدَّ شخص عن الإسلام: فإنه يمنع من التصرف في ماله من حين ردّته من بيع، أو شراء، أو هبة، أو عطية، أو نحو ذلك، وتُقضى منه ديونه، ويُنفق منه على من يعول، فإن رجع إلى الإسلام: أُعيد إليه ماله، وإن لم يرجع وقتل بعد استتابه: فإنه يكون فيئًا يُجعل في بيت مال المسلمين يُقسم في مصالح المسلمين؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المفلس يُمنع من التصرف في ماله - وهو الحجر عليه - فكذلك المرتد والجامع: تعلُّق حق الغير بهذا المال في كل؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الديون، ونفقة الأقارب حقوق يجب الوفاء بها: الإنفاق من مال المرتد على ذلك، ويلزم من كونه قد ارتدّ وقتل؛ لإصراره على ذلك: أن يُجعل ماله في بيت المال؛ لأنه لا وارث له؛ لكونه كافرًا، واختلاف الدين من موانع الإرث. (١٦) مسألة: الساحر - وهو الذي يفعل أشياء تفرّق بين المرء وزوجه، ويفرق بين مجتمعين، ويجمع بين متفرقين - يحكم بكفره، ويُقتل؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستند ذلك: الكتاب لما ورد في الآية، والمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر.

стр. 3022

عنه (١٧)، ويحرم طلسم ورقية بغير العربي (١٨) ويجوز الحل بسحر ضرورة (١٩). * * * (١٧) مسألة: الكاهن - وهو الذي له من يأتيه بالأخبار من الجن - والمنجِّم - وهو من ينظر في النجوم يستدلّ بها على الحوادث - والعرَّاف - وهو الذي يحدس ويخرص - والضارب بالحصى - وهو القداح - هؤلاء لا يكفرون بما يفعلون ويعزّرون على أفعالهم بشرط عدم ادِّعاء الواحد منهم بأنه يعلم الغيب، أما إذا ادَّعى ذلك: فإنه يكفر، ويقتل؛ للتلازم؛ حيث إن فعل هؤلاء لا يصل إلى درجة الكفر، وضررهم أقلّ من ضرر الساحر فيلزم: عدم كفرهم، ويلزم من وجود بعض الضرر في أفعالهم: أن يُعزّرون، ويلزم من ادّعائهم على الغيب: كفرهم، وجزاء الكافر القتل. (١٨) مسألة: يحرم أن يستعمل بعض الناس الطلاسم - وهي الخطوط التي يكتبها بعض الناس زاعمًا أنَّها تدفع الأذى -، ويحرم أن تستعمل رقية - وهي: ما يرقى بها المريض من آيات وأدعية معلومة - إذا كانت بغير اللغة العربية، أما إن كانت الرقية بالعربية وبكلام الله، وبأسمائه وصفاته واعتقاد الراقي أنَّها تؤثر بتقدير الله تعالى: فإن الرقية تجوز؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ورود الرقية على المشروع: استعمالها، ويلزم من إتيان الرقية على المشروع: جواز استعمالها. (١٩) مسألة: يجوز حلُّ وفكُّ السحر بسحر آخر؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع الضرر عن المسحور. هذه آخر مسائل باب: "حكم المرتد" وهو آخر كتاب "الحدود" ويليه كتاب "الأطعمة".

стр. 3023

كتاب الأطعمة جمع "طعام" وهو: ما يؤكل ويُشرب (١) (والأصل فيها الحل)؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعً﴾ (فيباح كل) طعام (طاهر) بخلاف متنجس، ونجس (لا مضرَّة فيه) احترازًا عن السم ونحوه حتى المسك ونحوه كالعنبر (من حب، وثمر وغيرهما) من الطاهرات (ولا يحل نجس كالميتة والدم)؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية (ولا) يحل (ما فيه مضرَّة كالسم ونحوه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) كتاب الأطعمة تعريفها، وبيان الأصل فيها، وما يحل منها، وما لا يحل، عند الاضطرار وعند عدمه، وحكم الضيافة وفيه سبع وعشرون مسألة: (١) مسألة: الأطعمة جمع "طعام" وهو لغة: ما فيه طعم، وفي الاصطلاح: كل شيء يُساغ حتى الماء قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وقال ﵇ في ماء زمزم - "إنه طعام طُعم" - أي: يشبع الإنسان منه، وإذا أُطلق "الطعام" عند أهل الحجاز: فالمراد به البر خاصة، وفي العرف: الطعام: اسم لما يُؤكل، و "الشراب" اسم لما يُشرب - كما في المصباح (٣٧٢) -. (٢) مسألة: جميع الأطعمة والأشربة حلال للمسلم إلّا ما استثناه الشارع - كما سيأتي - فيباح له أن يأكل كل طعام طاهر لا يُلحق الضرر به: من حب وثمر وحيوانات وجامدات، ومائعات، ونحو ذلك، أما المتنجس، أو النجس كالغائط، والبول، والكلاب، والخنازير، والدم والميتة أوالطاهر الذي فيه مضَّرة على الآكل كالسم، والعطورات ونحو ذلك: فلا يجوز أكله ولا شربه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ حيث =

стр. 3024

(وحيوانات البر مباحة (٣) إلا الحمر الأهلية)؛ لحديث جابر: "أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل" متفق عليه (٤) (و) إلا (ماله ناب = بيَّن أن الأصل في المطعومات الحل، وهذا لازم من اللام الواردة في لفظ "لكم"، والمراد خلقها لكي تنتفعوا بها، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ حيث إن هذا مستثنى من الأصل، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وأكل ما يضرّ بالإنسان يؤدي إلى الهلاك والموت والتلف فنهى عنه وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وهذا التحليل والتحريم عام للمأكولات، والمشروبات، ونحو ذلك، فكل طيب حلال، وكل خبيث حرام وهذا كله لجلب المصالح للعبد ودفع المفاسد عنه، وهذا من أعظم محاسن الشريعة. (٣) مسألة: جميع حيوانات البر يُباح أكلها - إلا ما سيأتي ذكره -؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل حل جميع الأطعمة، والحيوانات من الأطعمة، فيحل أكلها؛ عملًا بذلك، وقد سبق في مسألة (٢). (٤) مسألة: يحرم أكل لحم الحمر الأهلية، وشرب ألبانها؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن أكل لحوم الحمر الأهلية" والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم وهو مخصص لعموم الآية المبيحة، فإن قلت: لِمَ حرم أكل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحمار الأهلي يأكل عذرات بني آدم -وهو غائطه إذا يبس- فكرَّم الشارع بني آدم من أن يأكل لحمًا قد نبت بعضه من تلك النجاسات المغلَّظة؛ حماية له من الضرر بسبب ذلك، فإن قلت: يجوز أكل لحم الحمار الأهلي؛ للسنة القولية: حيث جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله أصابتنا سنة لم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وأنت حرَّمت لحوم الحمر الأهلية قال: "أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل حوالي القرية" وهذا يدل على أن آخر الأمرين: جواز أكل لحوم الحمر الأهلية، قلتُ: عنه جوابان: =

стр. 3025

يفترس به) أي: ينهش بنابه؛ لقول أبي ثعلبة الخشني: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع" متفق عليه (غير الضبع)؛ لحديث جابر: "أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الضبع" احتج به أحمد، والذي له ناب (كالأسد، والنمر، والذئب، والفيل، والفهد، والكلب، والخنزير، وابن آوى، وابن عرس، والسنُّور) مطلقًا (والنمس، والقرد، والدب) والفنك، والثعلب، والسنجاب، والسمُّور (٥)، (٦) (و) إلا (ماله = أولهما: أن هذا الحديث قد ضعفه بعض أئمة الحديث، ثانيهما: على فرض قوّته: فإنه يُحتمل أنَّه رخص بأكل لحوم الحمر الأهلية هنا للضرورة - وهي المجاعة التي ذكرها ذلك الرجل السائل - فيكون هذا في مرتبة المضطر - وهذا يحل له أكل الميتة وهي أنجس من الحمر الأهلية، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين". (٥) مسألة: كل حيوان له ناب ينهش به - وهوالسن خلف الرباعية - يحرم أكل لحمه: كالأسد، والنمر، والذئب، والفيل، والفهد، والكلب، والخنزير، وابن آوى - وهو: حيوان يشبه الكلب كريه الرائحة - وابن عرس - وهو حيوان يشبه الفأرة مستطيل البدن - والسنور - وهو: القط - والنمس - وهو حيوان يشبه القط إلا أنَّه قصير اليدين والرجلين - والقرد، والدب، والثعلب، والفنك - وهو: حيوان يشبه الثعلب - والسنجاب - وهو حيوان يشبه الجربوع - والسمُّور - وهو: حيوان يشبه الفأرة؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن كل ذي ناب من السباع" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهذا مخصص لعموم الآيات المبيحة لأكل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل حيوان له ناب ينهش به يكون من الحيوانات العادية - من الاعتداء فإذا أكل الإنسان لحمها: فإنه سيكون شبيهًا بها في الاعتداء على الآخرين. (٦) مسألة: الضبع يُباح أكل لحمه؛ للسنة القولية حديث جابر: "أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الضبع" والأمر هنا للإباحة؛ لأنه ورد، بعد الحظر؛ حيث نهى ﵇ =

стр. 3026

مخلب من الطير يصيد به كالعقاب والبازي، والصقر، والشاهين، والباشق والحِدَأَة) - بكسر الحاء وفتح الدال والهمزة (والبومة)؛ لقول ابن عبَّاس: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير" رواه أبو داود (٧) (و) إلا (ما يأكل الجيف) من الطير (كالنسر، والرخم، واللقلق، والعقعق) وهو: القاق (والغراب الأبقع، والغداف وهو) طائر (أسود صغير أغبر، والغراب الأسود الكبير (٨) و) إلا (ما يستخبثه العرب) ذوو اليسار (كالقنفذ، والنيص، = عن كل ذي ناب، والضبع له ناب، فلما أمر ﵇ بأكله دلّ على إباحة أكله، فإن قلتَ: لِمَ أبيح أكله؟ قلتُ: لأن الضبع ليس من السباع العادية - أي: لا يعتدي على أحد - لذلك جاز أكله، فإن قلتَ: لا يجوز أكل الضبع، وهو قول أبي حنيفة ومالك؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع والضبع له ناب فيدخل تحت ذلك العموم قلتُ: إن السنة القولية التي ذكرناها - حيث أمر ﵇ بأكل لحمه - قد خصَّصت ذلك العموم الوارد في السنة القولية التي ذكروها، وهناك مخصِّص آخر وهو: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر، وأبا هريرة قد ثبت عنهما أنهما يُبيحان أكل لحم الضبع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض السنتين". (٧) مسألة: كل طير له مخلب - وهو: الظفر الطويل المحدَّد - يصيد به يحرم أكل لحمه كالعقاب، والبازي، والصقر، والشاهين - وهو: يشبه الصقر إلا أنَّه طويل الجناحين - والباشق - وهو: طير من أصغر الجوارح - والحدأة، والبومة والهدهد؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن أكل كل ذي مخلب من الطير" والنهي مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حرّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الطيور تأكل الجيف والنجاسات من اللحوم الميتة، فأراد الشارع أن يمنع ذلك عن بني آدم؛ لئلا تفسده. (٨) مسألة: كل حيوان، أو طير يأكل الجيف كالنسر، والرخم، واللقلق، والغداف - =

стр. 3027

والفأرة، والحية، والحشرات كلها، والوطواط (٩)، و) إلا (ما تولَّد من مأكول وغيره كالبغل) من الخيل، والحمر الأهلية، والسمع، وهو: ابن الذئب، والضبع (١٠)، وما تجهله العرب، ولم يذكر في الشرع: يرد إلى أقرب الأشياء شبهًا به، ولو أشبه مباحًا ومحرمًا: غُلِّب التحريم (١١)، ودود جبن، وخل ونحوها يؤكل تبعًا (١٢). = وهو: طائر أغبر صغير - والغراب الأبقع، والأسود الكبير: يحرم أكل لحمه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وكل ما يأكل الجيف الميتة والنجاسات فهو من الخبائث التي تؤثر في جسم الإنسان إذا أكلها، وتضره ضررًا بليغًا. (٩) مسألة: كل حيوان، أو طير تستخبثه وتكرهه النفوس السليمة وتعافه: فإنه يحرم أكل لحمه: كالقنفذ الصغير، والنيص - وهو: القنفذ الكبير -، والفأرة، والحية، والعقرب، وجميع الحشرات كالصراصير، والجعلان، والخنافس، والخفَّاش ونحو ذلك؛ للكتاب؛ وقد سبق بيانه في مسألة (٨). (١٠) مسألة: إذا تولَّد حيوان من حيوان مأكول اللحم، ومن حيوان محرم اللحم كالبغل يولد من خيل وحمار أهلي، أو سمع يولد من ذئب وضبع: فإنه يحرم أكله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه متولدًا من محرم، وحلال: أن يحرم؛ تغليبًا لجانب التحريم؛ احتياطًا لدين المسلم. (١١) مسألة: إذا وجد حيوان تجهل العرب جنسه ونوعه، ولم يرد في الشرع حكمه: فإنه يرد إلى ما يشبهه: فإن كان يشبه حيوانًا حلالًا: ألحق به، وكان حلالًا، وإن كان يشبه حيوانًا حرامًا: ألحق به، وكان حرامًا، وإن كان يشبه حيوانًا حرامًا، ويشبه حيوانًا حلالًا بصورة متساوية: فإنه يكون حرامًا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من قوة شبهه بالحيوان الحلال، أو الحرام: إلحاقه به، وأخذ حكمه، ويلزم من التساوي في ذلك: تحريم ذلك الحيوان؛ تغليبًا للحرام احتياطًا للدين. (١٢) مسألة: إذا وجد دود جبن، أو خل، أو تمر، وهو ما يسمى بـ "سرو التمرة" =

стр. 3028

(فصل): (وما عدا ذلك) الذي ذكرنا أنَّه حرام (فحلال) على الأصل (كالخيل)؛ لما سبق من حديث جابر (وبهيمة الأنعام) وهي: الإبل، والبقر، والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (والدجاج، والوحشي من الحمر و) من (البقر) كالإيل، والتيتل، والوعل، والمها (و) كـ (الظباء، والنعامة، والأرنب، وسائر الوحش) كالزرافة، والوبر، واليربوع، وكذا: الطاووس، والببغاء، والزاغ، وغراب الزرع؛ لأن ذلك مستطاب فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١٣) (ويباح حيوان البحر كله)؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (١٤) (إلا = ونحو ذلك فإنه يؤكل مع أصله إذا لم يستقذره آكله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه متولِّدًا من طاهر غير مضر: جواز أكله. (١٣) مسألة: كل حيوان ليس له ناب، أو طائر ليس له مخلب، أو ليس بحمار أهلي، أو ما يأكل الجيف منهما، أو ما تستخبثه وتعافه النفوس السليمة، أو تولَّد من حلال وحرام - كما سبق في مسائل (٤ إلى ١٠) - فهو حلال الأكل: كالخيل، وبهيمة الأنعام - الإبل، والبقر والغنم -، والدجاج، والحمار الوحشي، والبقر الوحشية على اختلاف أنواعها كالأيِّل، والتيتل، والوعل - وهو تيس الجبل - والمها وجميع أنواع الظباء والغزلان، والنعامة، والأرانب، وسائر الوحش كالزرافة، والوبر، واليربوع، والطاووس، والببغاء، والزاغ، وغراب الزرع، والحمام بأنواعه، والبط، والأوز، وجميع أنواع العصافير والجراد وغير ذلك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ وهو واضح الدلالة، وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ وهذه الأشياء من الطيبات فتكون حلالًا الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه "﵇ قد أذن في لحوم الخيل" الثالثة: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل إباحة جميع الأطعمة، والحيوانات من الأطعمة، فيحل أكلها؛ عملًا بذلك - كما سبق في مسألة (٣) -. (١٤) مسألة: جميع حيوانات البحر حلال - إلا ما سيأتي ذكره -؛ لقاعدتين: الأولى: =

стр. 3029

الضفدع)؛ لأنها مستخبثة (و) إلا (التمساح)؛ لأنه ذو ناب يفترس به (و) إلا (الحية)؛ لأنها من المستخبثات (١٥)، وتحرم الجلَّالة التي أكثر علفها النجاسة، ولبنها وبيضها نجس حتى تحبس ثلاثًا وتطعم الطاهر فقط (١٦)، ويكره أكل تراب، وفحم، وطين، = الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وهو عام وشامل لكل ما يُصاد منه طريًا مما لا يعيش إلّا في الماء في جميع الأحوال، وهو واضح الدلالة على ذلك الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ في ماء البحر -: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وقال ﵇: "أُحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان: فالجراد والسمك، وأما الدمان: فالطحال والكبد" وهو واضح الدلالة. (١٥) مسألة: الذي لا يحل أكله من حيوانات البحر: الضفدع، والتمساح، والحية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وهذه الثلاثة من المستخبثات التي تعافها العقول السليمة، ويزيد التمساح عليها بأنه يأكل الإنسان، فحرمت دفعًا للضرر عن المسلم، وهو المقصد منه. (١٦) مسألة: كل حيوان، أو طائر يكثر من أكل النجاسات: فيحرم أكل لحمه وشرب لبنه، وأكل بيضه وهو ما يسمى بـ "الجلَّالة": سواء كان من بهيمة الأنعام، أو الدجاج، أو نحو ذلك، وإذا أراد شخص أكل لحمها فإنه يحبسها ثلاثة أيام فيطعمها الطاهر من المأكولات، ثم يأكل لحمها، ويشرب لبنها، ويأكل بيضها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇ "نهى عن أكل الجلالة وألبانها، وعن ركوبها" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم؛ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثًا، وأطعمها الطاهرات" فإن قلت: لَمِ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن أكلها للنجاسات يؤدّي إلى أن يتكون لحمها، ولبنها، وبيضها من تلك النجاسات، فإذا تناولها الشخص فستكون هذه النجاسات داخل جوفه، وعروقه، فإن قلتَ: إنه لا يحرم أكل الجلالة وإن أكلت =

стр. 3030

وغدة، وأذن قلب، وبصل، وثوم ونحوهما ما لم ينضج بطبخ، لا لحم منتن، أو نئ (١٧) (ومن اضطر إلى محرم): بأن خاف التلف إن لم يأكله (- غير السم - حلَّ له) إن لم يكن في سفر محرم (منه ما يسد رمقه) أي: يمسك قوته، ويحفظها؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١٨)، .................................. = النجاسة، بل يكره، ويستحب أن تطعم بالطاهر ثلاثًا قبل أكلها، وهو قول الجمهور - أبي حنيفة، ومالك، والشافعي -؛ للتلازم؛ حيث إن الحيوان لا ينجس بأكله للنجاسات بدليل أن شارب الخمر تتنجس أعضاؤه، وإنما كُره أكل لحم الجلالة؛ للنهي الوارد في الحديث السابق قلتُ: إن النهي الوارد في الحديث مطلق، فيقتضي التحريم ولم أجد صارفًا قوي على صرفه من التحريم إلى الكراهة، أما قولهم: "إن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات": فهذا غير مسلَّم؛ لأن لحمها ينبت من تلك المأكولات النجسة؛ لأنها أكثر غذاء الجلَّالة، بخلاف الخمر فليس أكثر غذاء شاربه، بل هو شراب قليل لا يؤثر في إنبات اللحم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في النهى هل هو مطلق، أو قد صرف من التحريم إلى الكراهة؟ ". (١٧) مسألة: يكره أن يأكل الشخص التراب، والفحم، والطين، والغُدَد - وهي التي كالشحم تتكوّن داخل اللحم-، وأذن القلب والبصل، والثوم - ما لم ينضج بطبخ - والكراث، والفجل، واللحم المنتن، واللحم النيء؛ للمصلحة: حيث إن ضرر تلك الأشياء على الآكل أكثر من نفعها، ولكونه يؤذي برائحتها الآخرين، فإن قلتَ: لا كراهة في أكل اللحم المنتن، أو النيء، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، بل إن كراهة أكلهما أشدّ من كراهة أكل البصل والكراث. (١٨) مسألة: يجب أكل وشرب كل محرَّم من البهائم والطيور والسوائل - غير السم - بشروط ثلاثة: أولها: أن يضطر إلى ذلك بأن خاف التلف أو الهلاك إذا لم يأكل منه، ثانيها: أن يكون في سفر مباح، ثالثها: أن يأكل من المحرم ما يسد رمقه، =

стр. 3031

وله التزود إن خاف (١٩)، ويجب تقديم السؤال على أكله (٢٠)، ويتحرى في مذكاة = ويحفظ عليه قوته، فإن لم يضطر إلى ذلك، أو كان في سفر معصية، أو شبع من المحرم: فلا يجوز له ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ حيث دل على إباحة أكل المحرمات حال الاضطرار، وتضمَّنت هذه الآية الشرطين: الأول والثالث؛ حيث بين الجواز للمضطر، وأن لا يزيد على الضرورة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن أكل المضطر للمحرم فيه إبقاء المهجة، وهي الحياة، والإكثار من أكل المحرم مضر بالأكل، وإذا أكل منه المسافر سفر معصية كقاطع الطريق: ففي ذلك تعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى نهى عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، وأكل السم يؤدي إلى الموت مباشرة فلم يجز، فإن قلت: إن هذه رخصة مباحة، وليست واجبة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا ورد بعد حظر: أن يكون للإباحة قلتُ: إن الحكم يختلف باختلاف حال الآكل: فإن خشي الهلاك - كما في هذه المسألة - فيجب عليه الأكل من المحرم، وإن لم يخش ذلك فيباح، وقد بيّنتُ ذلك بالتفصيل في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس". (١٩) مسألة: يجوز للمضطر المسافر سفر طاعة أن يتزوَّد ويأخذ من اللحوم المحرمة: سواء خاف الهلاك، أو لا، لكن لا يأكل منها إلا إذا لم يجد الحلال؛ للمصلحة: حيث إن في تزوّده وأخذه من ذلك لا ضرر فيه وفيه احتياط لنفسه فقد لا يجد شيئًا من الحرام أو الحلال، فدفعًا لذلك يتزود ويأخذ منها، فإن قلت: لا يتزود منها إلّا عند خوف التلف، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك. (٢٠) مسألة: إذا كان المضطر الذي شارف على الهلاك يستطيع أن يأكل مما يسأل الناس ويعطونه إياه: فيجب عليه أن يفعل ذلك، وهو مقدَّم على أكل المحرَّم؛ =

стр. 3032

اشتبهت بميتة (٢١)، فإن لم يجد إلا طعام غيره، فإن كان ربه مضطرًا أو خائفًا أن يضطر: فهو أحق به وليس له إيثاره، وإلا: لزمه بذل ما يسدّ رمقه فقط بقيمته، فإن أبى رب الطعام: أخذه المضطر منه بالأسهل فالأسهل، ويعطيه عِوَضه (٢٢) (ومن = للقياس؛ بيانه: كما أنَّه يُقدَّم السؤال على أكل الميتة فكذلك المحرم مثلها والجامع: دفع ضرر الميتة، والمحرَّم وهو المقصد منه. (٢١) مسألة: إذا اشتبهت على شخص شاة مذكاة - وهي المذبوحة ذبحًا شرعيًا - مع شاة ميتة: فيجب عليه أن يتأكَّد وأن يتحرَّى: فإن غلب على ظنه أن أحدهما وهي المذكاة أكل منها وترك الأخرى، وإن لم يتبيّن له: جاز أن يأكل منهما معًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وهذا الاجتهاد والتحري هو آخر ما يستطيعه ذلك الشخص، فيفعله، فيكون ما زاد عليه يسقط عنه، ويلزم: جواز الأكل منهما عند العجز عن معرفة المذكاة، وهذا من لطف الله تعالى لعباده، وهو المقصد منه. (٢٢) مسألة: إذا كان زيد مضطرًا ولم يجد إلا طعام عمرو الذي هو مضطر إليه أيضًا، أو هو خائف أن يضطر إليه: فإن عمرًا أحق بذلك الطعام من زيد، ولا يجوز له - أي: لعمرو - أن يُعطيه زيدًا، ويبقى هو بلا طعام، أما إن كان عمرو ليس مضطرًا إلى ذلك الطعام: فيجب عليه أن يُعطي زيدًا منه ما يسدُّ رمقه، بقيمته، فإن أبي عمرو أن يعطي زيدًا ذلك -مع عدم اضطراره إليه-: فمن حق زيد أن يأخذ منه ما يسد رمقه وإن لم يرض عمرو ولكن بأسلوب سهل لا عنف فيه، ويعطيه عوض ما أخذه، فإن امتنع عمرو: فمن حق زيد أن يأخذه منه قهرًا ويعطيه عوضه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إعطاء عمرو طعامه المضطر إليه لزيد: أن يُهلك نفسه وعياله، وهذا يكون من باب قتل النفس، فلم يجز، ويلزم من عدم إعطاء عمرو من طعامه لزيد -مع عدم اضطراره إليه- =

стр. 3033

اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه) كثياب (لدفع برد أو) حبل، أو دلو لـ (استقاء ماء ونحوه: وجب بذله له) أي: لمن اضطر إليه (مجانًا) مع عدم حاجته إليه؛ لأن الله تعالى ذمّ على منعه بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢٣)، وإن لم يجد المضطر إلا آدميًا معصومًا فليس له أكله، ولا أكل عضو من أعضاء نفسه (٢٤) (ومن مرَّ بثمر بستان في = أن يهلك زيد، وهذا من باب قتل النفس أيضًا بغير حق: فجاز لزيد أن يأخذ ما يسدّ رمقه منه قهرًا؛ حفاظًا على المهجة، ويلزم من أخذ زيد بعض الطعام من عمرو أن يُعطيه عِوَضه؛ لأنه لا يحق مال امرئ إلّا بطيب نفس منه - كما ورد عنه ﵇. [فرع]: لو لم يعط عمرو بعض الطعام زيدًا إلا بأكثر من ثمن مثله: فلا يجب على زيد إلّا دفع مثل ثمنه فقط، للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع استغلال بعض الناس الآخرين. (٢٣) مسألة: إذا اضطر زيد إلى نفع مال عمرو مع بقاء عين ذلك المال: كأن يطلب زيد من عمرو أن يُعطيه ثوبًا ليلبسه لدفع برد، أو يطلب منه حبلًا، ودلوًا ليجلب ماء من البئر: فيجب على عمرو أن يعطيه لزيد مجانًا بشرط: أن يكون عمرو غير مضطر إلى ذلك الثوب، أو الحبل، أو الدلو، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ حيث ذمَّهم على منع إعطاء الماعون للانتفاع به وردِّه، والذم عقاب، ولا يُعاقب إلا على ترك واجب، وهذا فيه حثّ على التعاون بين المجتمع، وهو المقصد منه. (٢٤) مسألة: إذا وجد المضطر آدميًا حيًا معصومًا ولم يجد غيره: فلا يجوز له أن يقتله ويأكله، ولا يأكل أي عضو من أعضائه: سواء كان مسلمًا، أو ذميًا، أو مستأمنًا، أما إن كان هذا المعصوم ميتًا ولم يجد غيره: فيجوز له أكله، وإن كان هذا الآدمي الحي غير معصوم الدم: كالكافر، والمرتدّ، والزاني واللائط المحصن - وهو الثيب - والقاتل غيره بغير حق: فيجوز له قتله وأكله؛ للتلازم؛ حيث يلزم =

стр. 3034

شجر، أو تساقط عنه، ولا حائط عليه) أي: على البستان (ولا ناظر) أي: حافظ له: (فله الأكل منه مجانًا من غير حمل) ولو بلا حاجة؛ روي عن عمر، وابن عبَّاس، وأنس بن مالك، وغيرهم، وليس له صعود شجرة، ولا رميه بشيء، ولا الأكل من مجموع إلا لضرورة، وكذا: زرع قائم، وشرب لبن ماشية (٢٥) (وتجب) على المسلم = من كون المعصوم مثله: عدم جواز قتله وأكله؛ لأنه بهذا يُبقي نفسه، بإتلاف غيره، ويلزم من كونه غير معصوم: جواز قتله وأكله؛ لعدم حرمته؛ حيث إن قتله مباح ويلزم من كون المعصوم ميتًا: جواز أكله للمضطر؛ لأن حرمة الحي أعظم، وكل ذلك لأجل الحفاظ على حقوق الآخرين. (٢٥) مسألة: إذا مرَّ شخص بثمر بستان في شجر، أو تساقط عنه، أو وجد زرعًا أو ضرع ماشية فيه لبن: فيجوز له أن يأكل منه، ويشرب من اللبن ولو بلا حاجة ولا يحمل، بشرط: عدم وجود صاحبه، أو وكيله، وعدم وجود حائط عليه، وعدم كونه مجموعًا، لكن لا يجوز له أن يصعد الشجرة ليأكل، أو يرمي الثمر بحجر أو بشيء آخر ليتساقط أو يأكل من ثمر مجموع إلّا إذا اضطرّ وخشي الهلاك أو التلف؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يجد أحدًا فليحتلب وليشرب ولا يحمل" وحمل هذا على ما إذا لم يوجد ناظر أو وكيل، والشجر والزرع مثله الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن عمر، وابن عبَّاس، وأنس، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن المضطر يأكل مطلقًا - كما سبق بيانه -؛ لإبقاء نفسه، فإن قلت: لا يُباح الأكل والشرب إلّا عند الضرورة هنا وهو لأكثر العلماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" وقال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفس منه" وهذا عام: فيشمل: ما وجد صاحبه عنده وناظره، وما عليه حائط، وما هو مجموع أو لا، قلتُ: إن حديثنا قد خصَّص عموم الحديثين اللذين قد ذكرهما المخالف، ثم إن عدم =

стр. 3035

(ضيافة المسلم المجتاز به في القرى) دون الأمصار (يومًا وليلة) قدر كفايته مع أُدم؛ لقوله ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته" متفق عليه، ويجب إنزاله بيته مع عدم مسجد ونحوه، فإن أبى من نزل به الضيف: فللضيف طلبه به عند حاكم، فإن أبى: فله الأخذ من ماله بقدره (٢٦)، = وجود أحد عند البستان، والزرع، والماشية، وعدم وجود حائط، ولم يجمع أمارات دالّة على أن صاحبها قد أباحها للأكل منها فقط، وهي أيضًا مخصصة لعموم الحديثين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين". (٢٦) مسألة: يجب على زيد المسلم الساكن في القرى والأرياف - البعيدة عن المدن والبلدان - أن يكرم الضيف المسلم إذا نزل به يومًا وليلة، ويطعمه طعامه المعروف قدر كفايته، وأن ينزله بيته هذه المدة إذا لم يُوجد مسجد، أو مكان لإيواء المسافرين، فإن امتنع زيد عن إكرام مَنْ نزل به: فمن حق الضيف أن يطلب حقه منه عند الحاكم، أو نائبه، فإن امتنع زيد الذهاب إلى المحاكمة: فللضيف أن يأخذ من مال زيد قدر حاجته فقط؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته" حيث أوجب الشارع إكرام الضيف المسلم؛ لأن الأمر في قوله: "فليكرم" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وقد حدد للإكرام يومًا وليلة، ودلَّ بمفهوم العدد على أن الضيف إذا جلس عند المضيف أكثر من يوم وليلة، فلا يجب على المسلم إكرامه وضيافته ثانيهما: قوله ﵇: "إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي له" وهذا يدل على أن من حق الضيف أن يأخذ طعام وشراب يوم وليلة وإن امتنع المضيف، وله حق طلب هذا الحق منه عند الحاكم، وليس للضيف أخذ أكثر من =

стр. 3036

. . . . . . . . . . . . . . . . . (٢٧). * * * = طعام وشراب يوم وليلة؛ لتخصيص الحديث الأول لذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إكرام الضيف واجب إذا كان المضيف في القرى؛ لعدم وجود أسواق، وخانات وفنادق لإيواء المسافرين وهذا على حسب العادة والعرف، فيحتاج هذا المسافر إلى استضافة؛ لوجوب حفظ نفسه، وهذه بخلاف البلدان والحضر، والمدن فلا يجب إكرام الضيف فيها؛ لوجود الأسواق والفنادق والخانات، فلا يحتاج الضيف حاجة ماسة إلى أحد عادة ولا يلزم المضيف بإنزال ضيفه بمنزله إذا وجد مسجد في القرية؛ لدفع الحرج والمشقة، أما إن لم يوجد شيء من أماكن الإيواء فيجب على المضيف إنزاله في بيته إذا أمنه للضرورة إلى ذلك، وهذه هي التي خصصت عموم الحديثين السابقين. (٢٧) مسألة: تستحب الضيافة ثلاثة أيام وما زاد صدقة، ويجب على الضيف أن يتأدَّب مع المضيف، فلا يدخل البيت إلا مع صاحب البيت، ويخرج إذا خرج، ويغض بصره قدر ما يستطيع، وأن لا يرفع صوته على صاحبه، وأن لا يجرح شعوره بكلام غير موزون، وأن لا يثوي عنده ويطيل الجلوس حتى يُحرجه، بل يخرج هنا وهناك، وإذا أمكنه أن لا يأتي إلى بيت صاحبه إلّا وقت الأكل والنوم فهو أفضل، وأن يحاول أن يأتي بمزايا وصفات المضيف الحسنة ويُشيد، بها؛ تفريحًا له؛ للمصلحة: حيث إن ذلك كله مما يُرغِّب في الضيف ويؤنس به، ويدفع الضيق والحرج والمشقة التي يجدها المضيف. هذه آخر مسائل: "تعريف الأطعمة، وبيان الأصل فيها، وما يحل منها، وما لا يحل عند الاضطرار، وعند عدمه وحكم الضيافة ويليه باب "الذكاة والذبح الشرعي".

стр. 3037

باب الذكاة يُقال: ذكى الشاة ونحوها تذكية، أي: ذبحها، فهي ذبح، أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه، أو عقر ممتنع (١) و (لا يُباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة)؛ لأن غير المذكى ميتة، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (إلا الجراد والسمك، وكل ما لا يعيش إلّا في الماء) فيحل بدون ذكاة لحل ميتته؛ لحديث ابن عمر يرفعه: "أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: الحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" رواه أحمد وغيره (٢)، وما يعيش في البر والبحر باب الذكاة والذبح الشرعي وفيه ثلاث وثلاثون مسألة: (١) مسألة: الذكاة لغة: تمام الشيء، وإدراكه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي: إلا ما أدركتم ذكاته، وهي في الاصطلاح قطع الحلقوم والمريء من الحيوان، أو عقر ما يمتنع منه بما يجرحه: سهم أو غيره، فإن قلت: لم سمي ذكاة مع أنَّه ذبح؟ قلتُ: لأن اسم "الذكاة" أعم من الذبح؛ لأن "الذكاة": ذبح وزيادة إتمامه، فإن قلت: لِمَ جُعل هذا الباب هنا؟ قلت: لمناسبته لما قبله؛ حيث سبق بيان أن الأصل في الحيوانات الحل، وهذا لا يتم إلا بذبح شرعي - ستأتي شروطه -. (٢) مسألة: لا يجوز أكل أي شيء من الحيوانات مقدور على القبض عليه إلا بذكاته وذبحه ذبحًا شرعيًا - كما سيأتي بيانه - إلّا الجراد وكل ما لا يعيش إلا بالماء كالسمك ونحوه: فإن ذلك يجوز أكله بدون ذبح؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وإذا تلف الحيوان من غير تذكية وذبح شرعي فإنها ميتة فتكون حرامًا إلًا على المضطر - كما سبق بيانه - أما ما ذكي فيحل، عملًا بالتخصيص بالاستثناء، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ في ماء البحر -: "هو الطهور ماؤه الحلُّ ميتته" وقال: =

стр. 3038

كالسلحفاة، وكلب الماء لا يحل إلا بالذكاة (٣)، وحرم بلع سمك حيًا (٤)، وكُره شيه حيًا (٥)، لا جراد؛ لأنه لا دم له (٦) (ويُشترط للذكاة أربعة شروط) أحدها: (أهلية المذكي: بأن يكون عاقلًا) فلا يباح ما نكاه مجنون، أو سكران، أو طفل لم يميز؛ لأنه لا يصح منه قصد التذكية (مسلمًا) كان (أو كتابيًا) أبواه كتابيان؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال البخاري: قال ابن عبَّاس: طعامهم ذبائحهم (ولو) كان المذكى (مميزًا) أو (مراهقًا، أو امرأة، أو أقلف) لم يختن، ولو = " أُحلَّ لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد. ." وهذان صريحان في الدلالة على حل ميتات البحر بدون ذبح، فإن قلت: لم لا يحل أكل الميتة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن احتباس الدم في بدن البهيمة بسبب موتها حتف أنفها يجعلها مُتسمِّمة، فيتضرر آكلها، فإن قلت: لم حل أكل ميتة البحر والجراد؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة ذبحه، ولعدم وجود دم في داخلها أصلًا. (٣) مسألة: الحيوان الذي يعيش في البحر فترة وفي البر فترة كالسلحفاة، وكلب الماء، وبعض السرطانات: لا يحل إلا إذا ذبح ذبحًا شرعيًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه يعيش في البر والبحر: عدم جواز أكله إلا بذبحه؛ إلحاقًا له بحيوان البر؛ احتياطًا للدِّين، والدنيا. (٤) مسألة: يحرم أكل السمك وهو حي؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تعذيب للسمك وإلحاق الضرر بالآكل؛ حيث إنه سيفسد عليه حلقه، ومعدته، فدفعًا لذلك: حُرِّم. (٥) مسألة: يكره أن يُشوى السمك بالنار وهو حي؛ للمصلحة: حيث إن ذلك تعذيب له مع عدم الحاجة إلى ذلك؛ لإمكان تركه حتى يموت، وهو عادة يموت سريعًا. (٦) مسألة: يجوز أن يُشوى الجراد، بالنار وهو حي؛ للمصلحة: حيث إن الجراد لا يموت في الحال، بل يبقى مدة طويلة، فقد يتضرر المريد أكله، فاقتضت المصحلة: جواز ذلك.

стр. 3039

بلا عذر (أو أعمى) أو حائضًا، أو جنبًا (ولا تباح ذكاة سكران ومجنون)؛ لما تقدم (و) لا ذكاة (وثني، ومجوسي، ومرتد لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٧) الشرط الثاني: الآلة، فتباح الذكاة بكل محدَّد) ينهر الدم بحده (٧) مسألة: في الأول - من شروط الذكاة والذبح الشرعي - وهو: أن يكون المذكّي والذابح عاقلًا سواء كان مسلمًا عدلًا، أو فاسقًا، أو كافرًا كتابيًا حربيًا أو ذميًا - من اليهود أو النصارى -، وسواء كان بالغًا أو مراهقًا - وهو قريب البلوغ - أو صغيرًا مميزًا - وهو ما له سبع سنوات فما فوق - وسواء كان ذكرًا، أو أنثى، أو خنثى، وسواء كان مختونًا، أو أقلفًا، وسواء كان بصيرًا أو أعمى، وسواء كان طاهرًا، أو جنبًا، وسواء كانت المرأة طاهرة، أوحائضًا، فكل هؤلاء يصح منهم الذبح والتذكية، وعلى ذلك فلا يحلُّ أكل ذبيحة مجنون، أو سكران، أو صغير لم يميز: وهو ما لم يبلغ سبع سنوات - ولا ذبيحة كافر - غير الكتابي كالوثني والمجوسي والمرتد؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهو صريح في حل ذبائح أهل الكتاب من حيث إن المقصود، بالطعام هنا: الذبائح كما قال ابن عبَّاس، وروي عن ابن مسعود، مثله ودلّ بمفهوم الصفة على تحريم ذبائح غير أهل الكتاب من الكفار، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" وزائل العقل - كغير المميز والمجنون والسكران - لا قصد ولا نية له صحيحة، فلا يصح منهم عمل الذبح فلا يصح إلا بنية وقصد، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على حل ذبائح المسلم والكتابي العاقل وتحريم ذبائح غير الكتابي، فإن قلت: لِمَ حلَّت ذبائح أهل الكتاب؟ قلت: لأنهم يؤمنون بالله، ويحرمون الذبح لغير الله. [فرع]: إذا كان الكافر يتديَّن بدين أهل الكتاب - اليهود والنصارى: فإن ذبيحته تحلّ: سواء كان أبواه كتابيان أو كان أحدهما كتابيًا؛ وهو قول كثير =

стр. 3040

(ولو) كان (مغصوبًا من حديد، وحجر، وقصب وغيره) كخشب له حد، وذهب، وفضة وعظم (إلا السن والظفر)؛ لقوله ﵇: "ما أنهر الدم فكل ليس السن والظفر" متفق عليه (٨) الشرط (الثالث: قطع الحلقوم) وهو: مجرى النفس (و) قطع = من الحنابلة والحنفية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الذي يدين بدين أهل الكتاب يدفع الجزية بصرف النظر عن أبويه فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الاعتبار بدين الشخص لا بدين أبويه، يؤيده: عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فإن قلت: لا تحلّ ذبيحة الكتابي إلا إذا كان أبواه كتابيين، أما إن كان أبواه أو أحدهما غير كتابي: فلا تحلُّ ذبيحته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن وجود ما يقتضي الإباحة وهو كونه يدين بدين أهل الكتاب، وما يقتضي التحريم وهو كون أبويه، أو أحدهما غير كتابي: يلزم منه: تحريم ذبيحته؛ تغليبًا لجانب الحظر والتحريم على جانب الحل قلتُ: إن الأحكام تخص الفاعل لها فلا اعتبار لغيره؛ فإن قلت ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المقصود بالكتابي هل هو ما كان أصله من أهل الكتاب، أو من هو يدين بدينهم؟ " فعندنا: الثاني، وعندهم الأول. (٨) مسألة: في الثاني - من شروط الذكاة والذبح الشرعي - وهو: أن يذبح الذابح بآلة محددة تنهر الدم بحدِّها: قاطعة، أو خارقة: سواء كانت من حديد، أو خشب، أو حجر، أو قصب، أو ذهب أو فضة - سوى السن والظفر-، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ما أنهر الدم فكل، ليس السن والظفر" فأباح الذبح بكل آلة تنهر الدم، وهو عام الجميع ما سبق ذكره وغيره؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، واستثنى السن والظفر المتصلين، أو المنفصلين فلا يجوز الذبح بهما، وهذا دل بمفهوم الموافقة على أن كل عظم لا يجوز الذبح به، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: جاز الذبح بكل آلة؛ للتوسعة على المسلمين، ومنع الذبح بالسن؛ لأنه سكين الحبشة والظفر؛ لأنه عظم، والعظام طعام إخواننا الجن =

стр. 3041

(المريء) بالمد، وهو: مجرى الطعام والشراب (٩)، ولا يشترط إبانتهما، ولا قطع الوَدجين (١٠)، ولا يضر رفع يد الذابح إن أتم الذكاة على الفور (١١)، والسنة: نحر إبل بطعن بمحدد في لبَّتها، وذبح غيرها (١٢) (فإن أبان الرأس بالذبح: لم يحرم = من المسلمين فلا تنجَّس بالذبح بها - كما قال ابن القيم - فإن قلتَ: يصح الذبح بالعظم، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلت: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك. (٩) مسألة: في الثالث - من شروط الذكاة والذبح الشرعي - وهو: أن يقطع الذابح الحلقوم - وهو مجرى النفس - ويقطع المريء - وهو: مجرى الطعام والشراب - ويسمَّى بـ "البلعوم"؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الذكاة في الحلق واللُّبة" أي: محل الذبح الحلق واللُّبة - وهي: الوهدة التي بين أصل العنق والصدر - ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه مجمع العروق فينفسخ الدم بالذبح فيه، ويسرع بزهوق النفس، فيكون أطيب اللحم، وأخف على الحيوان. (١٠) مسألة: يصح الذبح بقطع الحلقوم والمريء، ولو لم يفصلهما تمام الفصل، ولو لم يقطع الودجين - وهما الوريدان - أو أحدهما، فإن فصل وأبان الحلقوم والمريء وقطع الودجين: فهو أكمل وأبلغ في الذبح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطع الحلقوم والمريء: تمام الذبح فلا داعي للزيادات التي لا دليل قوي عليها. (١١) مسألة: إذا أتَّم الشخص الذكاة والذبح: فلا يضر أن يرفع يده فور الانتهاء، ولا يُشترط إبقاء يده عليها كما يفعل البعض للتلازم؛ حيث يلزم من الإتمام: وجود الذبح الشرعي فيكون ما زاد على ذلك لا داعي له. (١٢) مسألة: يُستحب أن تُنحر الإبل بأن يطعن لبتها - وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر - وذلك بشيء محدَّد كالسيف ونحوه، ويُستحب أن تذبح غير الإبل - من البقر والغنم ونحوهما - بقطع الحلقوم والمريء وإذا عكس جاز؛ للسنة الفعلية؛ حيث نحر ﵇ الإبل، وذبح الكبشين بيده، وقد، سبق بيانه.

стр. 3042

المذبوح (١٣)، وذكاة ما عجز عنه: من الصيد والنعم المتوحشة و) النعم (الواقعة في بئر ونحوها بجرحه في أي موضع كان من بدنه) روي عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبَّاس، وعائشة ﵃ (١٤) (إلا أن يكون رأسه في الماء ونحوه) مما يقتله لو انفرد (فلا يباح) أكله؛ لحصول قتله بمبيح وحاضر، فغُلِّب جانب الحظر (١٥)، وما ذُبح من قفاه ولو عمدًا إن أتت الآلة على محل ذبحه، وفيه حياة (١٣) مسألة: إذا قطع الذابح رأس البهيمة أثناء ذبحها: فلا تحرم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطع الرأس وقوع الذبح الشرعي. (١٤) مسألة: إذا عجز شخص عن إمساك البهيمة التي يريد ذبحها من الصيد والنعم الهاربة، أو المتوحشة، أو الساقطة في بئر، أو نهر، فيجوز له أن يجرحها بآلة بأي مكان من بدنها: بأن يطعنها في سنامها، أو بتلك الآلة، فتنتقل ذكاتها من الذبح والنحر إلى العقر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية والتقريرية؛ حيث ندّ بغير فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه فقال ﵇: "ما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا" الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وشرع هذا للتيسير، فإن قلتَ: لا يجوز ذلك إلا أن يذَّكي، وهو قول مالك؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وهو عام لكل بهيمة أريد أكلها من الحيوان الإنسي قلتُ: إن هذا العموم قد خُصِّص بالسنة القولية والتقريرية، وقول الصحابي كما سبق بيانه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة وقول الصحابي". (١٥) مسألة: إذا كان الحيوان المراد ذبحه قد تردَّى رأسه في الماء: فإنه لوقتله بأي آلة من بعيد: فإنه لا يحل أكله؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لوجرح مسلم ومجوسي بهيمة فماتت: فلا يجوز أكلها فكذلك لوجرح مسلم بهيمة رأسها داخل ماء فماتت: فلا يحل أكلها والجامع: أنه اشترك في قتل الحيوان مبيح ومحرم في كل، فجرح المسلم مبيح، وجرح المجوسي محرم فغُلِّب جانب التحريم هنا؛ احتياطًا للدِّين، =

стр. 3043

مستقرة حلَّ، وإلا: فلا (١٦)، ولو أبان رأسه: حلَّ مطلقًا (١٧). والنطيحة ونحوها إن ذكَّاها، وحياتها تمكن زيادتها على حركة مذبوح: حلَّت، والاحتياط: مع تحرك ولو بيد، أو رجل (١٨)، وما قُطع حلقومه، أو أبينت حشوته: = فكذلك اشترك في قتل الحيوان هنا جرح المسلم المبيح وغرقه بالماء المحرم، فغلِّب جانب المحرم؛ احتياطًا للدين. (١٦) مسألة: إذا ذبح شخص بهيمة من قفاه: سهوًا، أو عمدًا: فإنه يحل أكل لحمها بشرطين: أولهما: أن تأتي آلة الذبح على محل الذبح -: وهو: قطع الحلقوم والمريء - ثانيهما: أن تكون في البهيمة حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء، فإن لم تأت الآلة على محل الذبح، أو لم يكن في البهيمة حياة مستقرة قبل القطع: فلا يحل أكل لحمها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا الذبح قد أتى على ما فيه حياة مستقرة: حلُّ الأكل، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين. (١٧) مسألة: إذا قطع رأس البهيمة بالسيف وأطاره بعيدًا عنها: فإنه يحل أكل لحمها: سواء كان هذا القطع من جهة وجهها، أو قفاها، أو غيرها، وهو مريد لذبحها؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من قطع ما لا يعيش معه الحيوان في محل الذبح حل لحمه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك ثبت عن علي، وعمران بن الحصين، فإن قلت: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. (١٨) مسألة: إذا وُجدت بهيمة قد شارفت على الموت بسبب نطح وضرب غيرها بها، أو ضربت جدار، أو سقطت من شاهق، أو وُجدت منخنقة، أو موقوذة، أو متردِّية، أو أكل بعضها سبع، أو مريضة، أو صيدت بشبكة، أو شرك، أو أنقذت من غرق أو نحو ذلك: فتمكّن شخص من ذبحها ذبحًا شرعيًا بعد أن تأكد أن فيها حياة بأمارة حركتها حركة تزيد عن حركة المذبوح، ولو كانت هذه =

стр. 3044

فوجود حياته كعدمها (١٩) الشرط (الرابع: أن يقول) الذابح (عند) حركة يده بـ (الذبح: بسم الله)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ و (لا يجزئه غيرها) كقوله: باسم الخالق، ونحوه؛ لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى "بسم الله" (٢٠) ........................................................ = الحركة حصلت بواسطة تحريك هذا الشخص لها فتحرّكت: فإنه يحل أكل لحمها؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وهو عام لكل ما ثبتت تذكيته من أي حيوان فيه حركة الثانية: السنة القولية والتقريرية؛ حيث إن جارية كانت ترعي غنمًا بسلع، فأصيبت شاة من غنمها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل رسول الله ﷺ فقال: "كلوها" الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عبَّاس قد سئل عن ذئب قد عدا على شاة فعقرها فأدركها صاحبها فذبحها بحجر فقال: "يُلقي ما أصاب الأرض، ويأكل سائرها" فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو التوسعة على المسلمين والمحافظة على حقوقهم. (١٩) مسألة: إذا وُجدت بهيمة قد قطع حلقومها قبل ذبحها ذبحًا شرعيًا، أو أُزيلت حشوتها وأمعاؤها وذُبحت: فلا يحل أكل لحمها، ولو كانت تتحرك؛ للقياس؛ بيانه: كما يحرم أكل لحم الميتة فكذلك يحرم أكل هذه البهيمة، وما بان من حركة فهي حركة المذبوح، فوجود تلك الحركة وعدمها واحد. (٢٠) مسألة: في الرابع - من شروط الذكاة والذبح الشرعي - وهو: أن يقول الذابح عند حركة يده بالذبح: "بسم الله" ولا يجزئ غيرها كأن يقول: "باسم الخالق" أو "باسم الرزّاق"؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ويلزم من إطلاق "اسم الله": أن ينصرف إلى لفظ: " بسم الله" الثانية: السنة القولية والفعلية؛ حيث قال ﵇: "يا غلام سمّ الله" وكان ﵇ إذا ذبح سمّى، فإن قلتَ: لَمِ شرعت التسمية هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التسمية على ذلك يجعل الذابح والمذبوح مباركين، ويطيب المذبوح، =

стр. 3045

وتجزيء بغير عربية، ولو أحسنها (٢١) (فإن تركها) أي: التسمية (سهوًا: أُبيحت) الذبيحة؛ لقوله ﵇: "ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمَّد" رواه سعيد (لا) إن ترك التسمية (عمدًا) ولو جهلًا: فلا تحل الذبيحة؛ لما تقدَّم (٢٢)؛ ومن = ويطرد الشيطان عنهما، وتركها يؤثر خبثًا في الحيوان. (٢١) مسألة: إذا سمى شخص عند ذبحه بغير اللغة العربية: فإن ذلك يُجزئ: سواء كان ذلك الشخص يحسن العربية، أولا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حصول ذكر الله عند ذبح: أجزاؤه؛ لحصول المقصود، فإن قلتَ: لَمِ لَمْ يجزئ التكبير والسلام بغير اللغة العربية؟ قلتُ: لأن المقصود في الصلاة اللفظ؛ لكونه متعبَّدًا به. [فرع]: يصح ذبح الأخرس، ويشير بالتسمية برأسه أو طرفه إلى السماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك صحة ذبحه؛ لحصول المقصود وهو قصد ذكر الله. (٢٢) مسألة: إذا ترك شخص التسمية عند الذبح سهوًا ونسيانًا وجهلًا وخطأ: فإنه يجوز أكل ذبيحته، أما إن ترك التسمية عمدًا فلا تحل الذبيحة؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمَّد" فيلزم أنه إذا تعمَّد تركها: فلا تحل ذبيحته، ثانيهما: قوله ﵇: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" وهو عام لكل شيء، فيشمل ما نحن فيه، والجاهل بالحكم مثل الناسي والمخطئ؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: إن الجاهل بوجوب التسمية ولم يسم: فلا تحل ذبيحته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ قياسًا على المتعمد قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن العالم بوجوب التسمية ومع ذلك تعمَّد تركها: فإنه أراد مخالفة الشارع، بخلاف الجاهل بذلك فلم يرد مخالفة الشارع، فتحل ذبيحته؛ نظرًا لعدم قصده فهو كالناسي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فقسناه على الناسي والمخطئ، وهم قاسوه على العامد.

стр. 3046

بدا له ذبح غير ما سمَّى عليه: أعاد التسمية (٢٣)، ويُسنُّ مع التسمية التكبير، لا الصلاة على النبي ﷺ (٢٤)، ومن ذكر مع اسم الله اسم غيره: حرم، ولم يحل المذبوح (٢٥) (ويكره أن يذبح بآلة كالَّة)؛ لحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" رواه الشافعي، وغيره (٢٦) (و) يكره أيضًا (أن يحدّها والحيوان يُبصره)؛ (٢٣) مسألة: إذا أراد شخص ذبح شاة فسمَّى، ثم أراد ذبح غيرها: فيجب عليه أن يُعيد التسمية عند ذبح الثانية: سواء ذبح الأولى، أو تركها؛ للتلازم؛ حيث يجب أن تقصد كل ذبيحة بعينها بالتسمية فيلزم ما ذكرناه من الحكم، والتسمية على غيرها لا تغني عن التسمية عليها. [فرع]: إذا أراد ذبح قطيع من البهائم، فسمَّى عليها جميعًا تسمية واحدة، ثم ذبحها جميعًا: فلا يحل أكل لحمها؛ للتلازم، وقد، سبق بيانه في مسألة (٢٣). (٢٤) مسألة: يُستحب أن يقرن الذابح مع التسمية التكبير فيقول: "بسم الله والله أكبر"، دون الصلاة على النبي ﵇؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث كان ﵇ إذا ذبح قال: "بسم الله والله أكبر" الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الصلاة على النبي ﵇ هنا؛ لعدم ورود ذلك في الشرع، وعدم الشيء دليل على عدم مشروعيته. (٢٥) مسألة: إذا ذكر الذابح اسم الله، وذكر معه اسم غيره: فإن ذلك يحرم، ولا تحل الذبيحة: سواء كان الذابح مسلمًا، أو من أهل الكتاب؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهذا يدل على تفرّد ذكره هنا، ويلزم من ذكر غيره معه: إشراكه بذلك، وهذا قد أشرك به وهذا محرم. (٢٦) مسألة: يكره أن يذبح الشخص البهيمة بآلة كالَّة - وهي: التي لا تقطع سريعًا -؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، =

стр. 3047

لقول ابن عمر: "إن رسول الله ﷺ أمر أن تحدّ الشفار، وأن توارى عن البهائم" رواه أحمد وغيره (٢٧) (و) يكره أيضًا (أن يوجهه) أي: الحيوان (إلى غير القبلة)؛ لأن السنة: توجيهه إلى القبلة (٢٨) على شقه الأيسر (٢٩)، والرفق به، والحمل على الآلة بقوة (٣٠) (و) يكره أيضًا (أن يكسر عنقه) أي: عنق ما ذُبح (أو يسلخه قبل أن يبرد) أي: قبل زهوق نفسه؛ لحديث أبي هريرة: بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات منها: "لا تعجلوا الأنفس قبل = وليرح ذبيحته" حيث أمر الشارع بإراحة الذبيحة من العذاب الذي تعانيه عند ذبحها بأن تكون الآلة حادَّة سريعة القطع، وهذا من الإحسان إليها، وهو مقصد من مقاصد الشريعة، وهذا الأمر للاستحباب؛ والذي صرفه إليه: التلازم؛ حيث يلزم من توفر شروط الذبح وهي: السابقة الذكر: صحة الذبح، وكون الآلة حادَّة من حظ البهيمة، فلا يجب، وترك المستحب مكروه. (٢٧) مسألة: يكره أن يقوم الذابح بحدِّ آلة الذبح أمام بصر البهيمة، أو أن يذبح بهيمة أمام بهيمة أخرى؛ للسنة القولية: حيث إنه ﵇ "أمر أن تُحدُّ الشفار على غير مرأى من البهائم" وهو للاستحباب، وصرفه إليه: ما ذكرناه في مسألة (٢٦)، وترك المستحب مكروه. (٢٨) مسألة: يكره أن يوجه الذابح الذبيحة أثناء ذبحها إلى غير القبلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد وجّه أضحيته إلى القبلة، وغير الأضحية مثلها في ذلك؛ لعدم الفارق، وتكره مخالفة فعله ﵇. (٢٩) مسألة: يُستحب أن يجعل الذبيحة على شقها الأيسر؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُمكّن الذابح من الذبح بيمناه، ويمسك رأسه بيسراه. (٣٠) مسألة: يستحب أن يترفَّق الذابح بذبيحته عند ذبحها، وأن يحمل على الآلة بقوة وعزم؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إحسان إلى الذبيحة، وإسراع القطع؛ لإسراع زهوق نفسه.

стр. 3048

أن تزهق" رواه الدارقطني (٣١)، وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه: حلَّ لنا إن ذكر اسم الله عليه (٣٢)، وذكاة جنين مباح بذكاة أمه إن خرج ميتًا، أو متحركًا كمذبوح (٣٣). * * * (٣١) مسألة: يكره أن يكسر الذابح عنق ذبيحته، أو يسلخها قبل أن تزهق روحها تمامًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق" وكسر العنق، والسلخ قبل زهوق روح الذبيحة فيه استعجال، يؤدي إلى تعذيب الذبيحة، وهذا النهي للكراهة، والذي صرفه إليه التلازم، كما ذكرناه في مسألة (٢٦). (٣٢) مسألة: إذا ذبح كتابي ذبيحة تحرم عليه: كذي ظفر، ومنفرج الأصابع، والبط والنعام، وما ليس بمشقوق الأصابع: فإنه يحل للمسلمين بشرط: أن يذكر ذلك الكتابي عند ذبحها اسم الله تعالى؛ للقياس؛ بيانه: كما تحل لنا الشحوم التي حرمت عليهم، فكذلك الحال هنا. (٣٣) مسألة: ذكاة وذبح الأم هو ذكاة وذبح للجنين الذي في بطنها إن خرج ميتًا، أو خرج وهو يتحرك حركة مذبوح، أما إن خرج حيًا: فلا يُباح إلا بالذبح الشرعي، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" الثانية التلازم؛ حيث إن كون الجنين جزءًا من أجزاء أمه، والذكاة قد أتت على جميع أجزائها يلزم منه: أن ذكاته هو ذكاة أمه، ويلزم من خروجه حيًا: أن لا يحل إلّا بالذبح الشرعي. هذه آخر مسائل باب: "الذكاة والذبح الشرعي" ويليه باب "الصيد".

стр. 3049

باب الصَّيد وهو: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا، غير مقدور عليه، ويطلق على "المصيد" (١) و (لا يحل المصيد المقتول في الاصطياد إلا بأربعة شروط: أحدها: أن يكون الصائد من أهل الذكاة)، فلا يحل صيد مجوسي، أو وثني، ونحوه، وكذا: ما شارك به (٢)، الشرط (الثاني: الآلة، وهي نوعان): أحدهما: (محدَّد، يُشترط فيه ما يُشترط في آلة الذبح و) يُشترط فيه أيضًا: (أن يجرح) الصيد (فإن قتله بثقله: لم يبح)؛ باب الصَّيد وفيه سبع عشرة مسألة: (١) مسألة: المراد بالصيد هو: "اقتناص حيوان حلال متوحِّش طبعًا كالغزلان والطيور غير مملوك ولا مقدور عليه بلا صيد" فخرج بلفظ: "حلال" الحيوان الحرام كالذئب، وخرج بلفظ "متوحش" الحيوان الإنسي كالإبل والبقر والغنم وإن توحَّشت، وخرج بلفظ: "غير مقدور عليه" الحيوان المقدور عليه بدون اقتناص كالأهلي، ويطلق على الصيد: "المصيد". (٢) مسألة: في الأول - من شروط حل الصيد المقتول في الاصطياد - وهو: أن يكون الصائد ممّن تحل ذبيحته، وهو: العاقل سواء كان مسلمًا، أو كتابيًا، بالغًا، أو لا، ذكرًا أو لا، مختونًا أو لا، طاهرًا أو لا، فلا يحل صيد غير الكتابي، ولا المجنون، ولا السكران، ولا الوثني، ولا المجوسي، ولا صيد قد اشترك فيه من يحل صيده، ومن لا يحل - وقد، سبق بيان ذلك بالتفصيل في مسألة (٧) من باب: "الذكاة والذبح الشرعي"، وقلنا: إن الصيد، بمنزلة الذكاة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "فإن أخذ الكلب ذكاة" فسمَّى ﵇ صيد الكلب ذكاة شرعية.

стр. 3050

لمفهوم قوله ﵇: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" (٣) (وما ليس بمحدد كالبندق، والعصا، والشبكة، والفخ لا يحلّ ما قتل به) ولو مع قطع حلقوم ومريء؛ لما تقدَّم، وإن أدركه وفيه حياة مستقرة فذكَّاه: حلَّ (٤)، وإن رمى صيدًا بالهواء، أو على شجرة فسقط فمات: حلَّ (٥)، وإن وقع في ماء ونحوه: لم (٣) مسألة: في الثاني - من شروط حل الصيد المقتول في الاصطياد - وهو: أن يقتل الصائد الصيد بآلة وهي: إما أن تكون حادَّة فيها صفات آلة الذبح السابق ذكرها في مسألة (٨) من باب "الذكاة والذبح الشرعي" - ويُشترط فيها: أن يجرح الصيد، فإن قتله بثقله كفخ، وعصى، وحجر لا حدَّ له: فلا يُباح أكله؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" حيث دلَّ على أن ما ليس بمحدَّد ينهر الدم: فلا يحل أكل ما صاده. تنبيه: آلة الصيد نوعان: أولهما: الآلة الحادَّة وقد سبق، ثانيهما: الجارحة وسيأتي بيانه. (٤) مسألة: إذا رمى شخص صيدًا بشيء غير محدَّد كالبندق - وهي: صغار الأحجار -، والرصاص، أو العصا، أو صاده بشبكة، أو فخ: فيحل أكله بشرط: أن يدركه وفيه حياة مستقرة فيذكِّيه ويذبحه، أو أدركه بعد موته بلا تفريط منه، أما إن لم يدركه فمات قبل ذلك بتفريط منه: فلا يحل أكله؛ وإن كان مقطوع الحلقوم والمريء؛ للتلازم؛ حيث إن حصول إزهاقه بالذبح بعد حياة مستقرة له، وموته بعد صيده بلا تفريط من الصائد: يلزم منه: حلُّ أكل لحمه، ويلزم من موته بتفريط من الصائد: عدم حل أكله؛ لأنه بمنزلة الميتة. (٥) مسألة: إذا رمى شخص صيدًا طائرًا بالهواء، أو كان على شجرة فسقط فمات: فإنه يحل أكله؛ للتلازم؛ حيث غلب على الظن أن سقوطه بسبب الإصابة، وزهوق روحه بالرمي فيلزم: حل أكله. [فرع]: إذا رماه، فسقط، ولم يجده إلّا بعد يوم: فإنه يحلُّ أكله بشرط: أن يغلب على ظنه أن هذا هوالصيد الذي رماه بالأمس ولم يجد إلّا سهمه فيه، =
следующие страницы →