Полный текст (3 194 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
بدا له ذبح غير ما سمَّى عليه: أعاد التسمية (٢٣)، ويُسنُّ مع التسمية التكبير، لا الصلاة على النبي ﷺ (٢٤)، ومن ذكر مع اسم الله اسم غيره: حرم، ولم يحل المذبوح (٢٥) (ويكره أن يذبح بآلة كالَّة)؛ لحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" رواه الشافعي، وغيره (٢٦) (و) يكره أيضًا (أن يحدّها والحيوان يُبصره)؛
(٢٣) مسألة: إذا أراد شخص ذبح شاة فسمَّى، ثم أراد ذبح غيرها: فيجب عليه أن يُعيد التسمية عند ذبح الثانية: سواء ذبح الأولى، أو تركها؛ للتلازم؛ حيث يجب أن تقصد كل ذبيحة بعينها بالتسمية فيلزم ما ذكرناه من الحكم، والتسمية على غيرها لا تغني عن التسمية عليها.
[فرع]: إذا أراد ذبح قطيع من البهائم، فسمَّى عليها جميعًا تسمية واحدة، ثم ذبحها جميعًا: فلا يحل أكل لحمها؛ للتلازم، وقد، سبق بيانه في مسألة (٢٣).
(٢٤) مسألة: يُستحب أن يقرن الذابح مع التسمية التكبير فيقول: "بسم الله والله أكبر"، دون الصلاة على النبي ﵇؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث كان ﵇ إذا ذبح قال: "بسم الله والله أكبر" الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الصلاة على النبي ﵇ هنا؛ لعدم ورود ذلك في الشرع، وعدم الشيء دليل على عدم مشروعيته.
(٢٥) مسألة: إذا ذكر الذابح اسم الله، وذكر معه اسم غيره: فإن ذلك يحرم، ولا تحل الذبيحة: سواء كان الذابح مسلمًا، أو من أهل الكتاب؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهذا يدل على تفرّد ذكره هنا، ويلزم من ذكر غيره معه: إشراكه بذلك، وهذا قد أشرك به وهذا محرم.
(٢٦) مسألة: يكره أن يذبح الشخص البهيمة بآلة كالَّة - وهي: التي لا تقطع سريعًا -؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، =
стр. 3047
لقول ابن عمر: "إن رسول الله ﷺ أمر أن تحدّ الشفار، وأن توارى عن البهائم" رواه أحمد وغيره (٢٧) (و) يكره أيضًا (أن يوجهه) أي: الحيوان (إلى غير القبلة)؛ لأن السنة: توجيهه إلى القبلة (٢٨) على شقه الأيسر (٢٩)، والرفق به، والحمل على الآلة بقوة (٣٠) (و) يكره أيضًا (أن يكسر عنقه) أي: عنق ما ذُبح (أو يسلخه قبل أن يبرد) أي: قبل زهوق نفسه؛ لحديث أبي هريرة: بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات منها: "لا تعجلوا الأنفس قبل
= وليرح ذبيحته" حيث أمر الشارع بإراحة الذبيحة من العذاب الذي تعانيه عند ذبحها بأن تكون الآلة حادَّة سريعة القطع، وهذا من الإحسان إليها، وهو مقصد من مقاصد الشريعة، وهذا الأمر للاستحباب؛ والذي صرفه إليه: التلازم؛ حيث يلزم من توفر شروط الذبح وهي: السابقة الذكر: صحة الذبح، وكون الآلة حادَّة من حظ البهيمة، فلا يجب، وترك المستحب مكروه.
(٢٧) مسألة: يكره أن يقوم الذابح بحدِّ آلة الذبح أمام بصر البهيمة، أو أن يذبح بهيمة أمام بهيمة أخرى؛ للسنة القولية: حيث إنه ﵇ "أمر أن تُحدُّ الشفار على غير مرأى من البهائم" وهو للاستحباب، وصرفه إليه: ما ذكرناه في مسألة (٢٦)، وترك المستحب مكروه.
(٢٨) مسألة: يكره أن يوجه الذابح الذبيحة أثناء ذبحها إلى غير القبلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد وجّه أضحيته إلى القبلة، وغير الأضحية مثلها في ذلك؛ لعدم الفارق، وتكره مخالفة فعله ﵇.
(٢٩) مسألة: يُستحب أن يجعل الذبيحة على شقها الأيسر؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُمكّن الذابح من الذبح بيمناه، ويمسك رأسه بيسراه.
(٣٠) مسألة: يستحب أن يترفَّق الذابح بذبيحته عند ذبحها، وأن يحمل على الآلة بقوة وعزم؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إحسان إلى الذبيحة، وإسراع القطع؛ لإسراع زهوق نفسه.
стр. 3048
أن تزهق" رواه الدارقطني (٣١)، وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه: حلَّ لنا إن ذكر اسم الله عليه (٣٢)، وذكاة جنين مباح بذكاة أمه إن خرج ميتًا، أو متحركًا كمذبوح (٣٣).
* * *
(٣١) مسألة: يكره أن يكسر الذابح عنق ذبيحته، أو يسلخها قبل أن تزهق روحها تمامًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق" وكسر العنق، والسلخ قبل زهوق روح الذبيحة فيه استعجال، يؤدي إلى تعذيب الذبيحة، وهذا النهي للكراهة، والذي صرفه إليه التلازم، كما ذكرناه في مسألة (٢٦).
(٣٢) مسألة: إذا ذبح كتابي ذبيحة تحرم عليه: كذي ظفر، ومنفرج الأصابع، والبط والنعام، وما ليس بمشقوق الأصابع: فإنه يحل للمسلمين بشرط: أن يذكر ذلك الكتابي عند ذبحها اسم الله تعالى؛ للقياس؛ بيانه: كما تحل لنا الشحوم التي حرمت عليهم، فكذلك الحال هنا.
(٣٣) مسألة: ذكاة وذبح الأم هو ذكاة وذبح للجنين الذي في بطنها إن خرج ميتًا، أو خرج وهو يتحرك حركة مذبوح، أما إن خرج حيًا: فلا يُباح إلا بالذبح الشرعي، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" الثانية التلازم؛ حيث إن كون الجنين جزءًا من أجزاء أمه، والذكاة قد أتت على جميع أجزائها يلزم منه: أن ذكاته هو ذكاة أمه، ويلزم من خروجه حيًا: أن لا يحل إلّا بالذبح الشرعي.
هذه آخر مسائل باب: "الذكاة والذبح الشرعي" ويليه باب "الصيد".
стр. 3049
باب الصَّيد
وهو: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا، غير مقدور عليه، ويطلق على "المصيد" (١) و (لا يحل المصيد المقتول في الاصطياد إلا بأربعة شروط: أحدها: أن يكون الصائد من أهل الذكاة)، فلا يحل صيد مجوسي، أو وثني، ونحوه، وكذا: ما شارك به (٢)، الشرط (الثاني: الآلة، وهي نوعان): أحدهما: (محدَّد، يُشترط فيه ما يُشترط في آلة الذبح و) يُشترط فيه أيضًا: (أن يجرح) الصيد (فإن قتله بثقله: لم يبح)؛
باب الصَّيد
وفيه سبع عشرة مسألة:
(١) مسألة: المراد بالصيد هو: "اقتناص حيوان حلال متوحِّش طبعًا كالغزلان والطيور غير مملوك ولا مقدور عليه بلا صيد" فخرج بلفظ: "حلال" الحيوان الحرام كالذئب، وخرج بلفظ "متوحش" الحيوان الإنسي كالإبل والبقر والغنم وإن توحَّشت، وخرج بلفظ: "غير مقدور عليه" الحيوان المقدور عليه بدون اقتناص كالأهلي، ويطلق على الصيد: "المصيد".
(٢) مسألة: في الأول - من شروط حل الصيد المقتول في الاصطياد - وهو: أن يكون الصائد ممّن تحل ذبيحته، وهو: العاقل سواء كان مسلمًا، أو كتابيًا، بالغًا، أو لا، ذكرًا أو لا، مختونًا أو لا، طاهرًا أو لا، فلا يحل صيد غير الكتابي، ولا المجنون، ولا السكران، ولا الوثني، ولا المجوسي، ولا صيد قد اشترك فيه من يحل صيده، ومن لا يحل - وقد، سبق بيان ذلك بالتفصيل في مسألة (٧) من باب: "الذكاة والذبح الشرعي"، وقلنا: إن الصيد، بمنزلة الذكاة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "فإن أخذ الكلب ذكاة" فسمَّى ﵇ صيد الكلب ذكاة شرعية.
стр. 3050
لمفهوم قوله ﵇: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" (٣) (وما ليس بمحدد كالبندق، والعصا، والشبكة، والفخ لا يحلّ ما قتل به) ولو مع قطع حلقوم ومريء؛ لما تقدَّم، وإن أدركه وفيه حياة مستقرة فذكَّاه: حلَّ (٤)، وإن رمى صيدًا بالهواء، أو على شجرة فسقط فمات: حلَّ (٥)، وإن وقع في ماء ونحوه: لم
(٣) مسألة: في الثاني - من شروط حل الصيد المقتول في الاصطياد - وهو: أن يقتل الصائد الصيد بآلة وهي: إما أن تكون حادَّة فيها صفات آلة الذبح السابق ذكرها في مسألة (٨) من باب "الذكاة والذبح الشرعي" - ويُشترط فيها: أن يجرح الصيد، فإن قتله بثقله كفخ، وعصى، وحجر لا حدَّ له: فلا يُباح أكله؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" حيث دلَّ على أن ما ليس بمحدَّد ينهر الدم: فلا يحل أكل ما صاده. تنبيه: آلة الصيد نوعان: أولهما: الآلة الحادَّة وقد سبق، ثانيهما: الجارحة وسيأتي بيانه.
(٤) مسألة: إذا رمى شخص صيدًا بشيء غير محدَّد كالبندق - وهي: صغار الأحجار -، والرصاص، أو العصا، أو صاده بشبكة، أو فخ: فيحل أكله بشرط: أن يدركه وفيه حياة مستقرة فيذكِّيه ويذبحه، أو أدركه بعد موته بلا تفريط منه، أما إن لم يدركه فمات قبل ذلك بتفريط منه: فلا يحل أكله؛ وإن كان مقطوع الحلقوم والمريء؛ للتلازم؛ حيث إن حصول إزهاقه بالذبح بعد حياة مستقرة له، وموته بعد صيده بلا تفريط من الصائد: يلزم منه: حلُّ أكل لحمه، ويلزم من موته بتفريط من الصائد: عدم حل أكله؛ لأنه بمنزلة الميتة.
(٥) مسألة: إذا رمى شخص صيدًا طائرًا بالهواء، أو كان على شجرة فسقط فمات: فإنه يحل أكله؛ للتلازم؛ حيث غلب على الظن أن سقوطه بسبب الإصابة، وزهوق روحه بالرمي فيلزم: حل أكله.
[فرع]: إذا رماه، فسقط، ولم يجده إلّا بعد يوم: فإنه يحلُّ أكله بشرط: أن يغلب على ظنه أن هذا هوالصيد الذي رماه بالأمس ولم يجد إلّا سهمه فيه، =
стр. 3051
يحل (٦) (والنوع الثاني: الجارحة فيباح ما قتلته) الجارحة (إن كانت معلَّمة): سواء كانت مما يصيد بمخلبه من الطير، أو بنابه من الفهود والكلاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ إلا الكلب الأسود البهيم، فيحرم صيده، واقتناؤه، ويُباح قتله، وتعليم نحو كلب وفهد: أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، وتعليم نحو صقر: أن يسترسل إذا أرسل، ويرجع إذا دُعي، لا بترك أكله (٧)، الشرط (الثالث: إرسال الآلة قاصدًا) للصيد
= للسنة القولية: حيث قال ﵇: "وإن تغيب عنك ما لم تجد فيه غير سهمك" أي: كل منه وإن تغيب عنك فترة بذلك الشرط.
(٦) مسألة: إذا رمى صيدًا وهو في الهواء أو على شجرة فوقع في ماء، أو تردَّى من جبل وضرب بالأحجار: فلا يحل أكله؛ للتلازم؛ حيث اشترك في قتله ما يحل صيده - وهو الرمي وما لا يحل قتله - وهو وجوده في ماء، أو تدحرج في جبل -: فيلزم عدم حلِّه؛ تغليبًا لجانب الحظر والتحريم.
(٧) مسألة: قتل الصيد بالجارحة، وهي: المفترسة من السباع والطير مبيح لأكل ذلك المصيد بشرط: إذا قُتل الصيد بالجارحة وهي: ما يصيد، بمخلبه من الطير كالصقر، والبازي، والعقاب، أو ما يصيد بنابه كالكلب والفهد: فإنه يُباح أكل ما قتل بسبب ذلك بشرط: أن يكون هذا الطير والحيوان معلَّمًا، وتعليم الكلب والفهد يكون بثلاثة أمور: ١ - أنه إذا أُرسل: ذهب، ٢ - إذا زُجر انزجر. ٣ - إذا أمسك الصيد لم يأكل منه، وتعليم الطير يكون بأمرين: ١ - أنه إذا أرسل: ذهب، ٢ - وإذا دُعي: رجع، وهذا مطلق في الكلاب: أي: سواء كان الكلب أسود، بهيم، أو لا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وتعليم الحيوان للصيد لا يكون إلّا بتلك الأمور، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف إنما أمسك على نفسه" - رواه عدي بن =
стр. 3052
(فإن استرسل الكلب، أو غيره بنفسه: لم يبح) ما صاده (إلا أن يزجره فيزيد في عدوه بطلبه فيحلّ) الصيد؛ لأن زجره أثَّر في عدوه، فصار كما لو أرسله (٨)، ومن رمى
= حاتم - فنهى عن أكل مما أكل منه؛ لاحتمال أن يكون قد أمسك ذلك الصيد لنفسه الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من اشتراط تعليم الحيوان على الصيد تلك الأمور؛ حيث لا يكون الحيوان معلَّمًا إلّا بها، فإن قلتَ: إن الكلب الأسود البهيم يحرم صيده ويباح قتله، ولا يجوز اقتناؤه وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث "وصفه النبي ﵇ بالشيطان، وأمر بقتله" ويلزم من ذلك: عدم جواز اقتنائه، ويلزم منه: عدم إباحة صيده قلتُ: إن الأمر بقتل الكلاب منسوخ، وهو عام للأسود وغيره، وقال كثير من العلماء: إنه يقتل كل عقور من الكلاب: سواء كان أسود أو لا، ولا يُقتل غير العقور: سواء كان أسود أو لا - كما ذكر ذلك النووي - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في آخر الأمرين في الكلب الأسود هل يُقتل أو لا؟ " فإن قلتَ: لا يُشترط ترك الأكل من الكلب، وهو قول ربيعة، ومالك، فيجوز أكل ما صاده: سواء أكل منه أو لا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل" - كما رواه أبو ثعلبة - وهذا صريح في جواز الأكل مما صاد وإن أكل الكلب منه قلتُ: إن حديث عدي أقوى من حديث أبي ثعلبة؛ لأنه متفق عليه، ولأنه تضمَّن زيادة وهي: ذكر الحكم معللًا؛ حيث قال ﵇ فيه: "فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف إنما أمسك على نفسه"، وزيادة الثقة حجة عندنا. فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنتين".
[فرع]: لا يجب غسل ما أصاب الصيد من فم الكلب؛ للسنة القولية: حيث أمر بأكله بدون غسل.
(٨) مسألة: في الثالث - من شروط حلِّ الصيد المقتول في الاصطياد - وهو: أن يقصد - =
стр. 3053
صيدًا فأصاب غيره: حلَّ (٩) الشرط (الرابع: التسمية عند إرسال السهم أو) إرسال (الجارحة، فإن تركها) أي: التسمية (عمدًا، أو سهوًا: لم يبح) الصيد؛ لمفهوم قوله
= الشخص إرسال الآلة - سواء كانت حادة، أو جارحة -، فلو لم يقصد: فلا يُباح ما قتل بسبب تلك الآلة، فمثلًا: لو سقط، حجر، أو خنجر، أو ذهب الكلب المعلَّم، أو الصقر بنفسه وحصل قتل حيوان بسبب ذلك: فلا يحل أكله إلّا إذا زجره فزاد في عدوه فيحل أكل ما صاده؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل" أي: إذا قصدت وأردت الإرسال كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: إذا أردتم الصلاة وقصدتموها، الثانية: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما يشترط القصد في الذبح فكذلك يشترط في الصيد والجامع: اشتراكهما في التسمية، والتسمية لا تكون إلّا بعد النية والقصد، ثانيهما: كما لو أرسله: فإنه يحل ما صاده، فكذلك إذا زجره فزاد في عدوه نحو الصيد وصاده: فإنه يحل أكل ما صاده والجامع: التأثير على عدو الحيوان في كل، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من عدم قصده إرساله: عدم إباحة أكله.
(٩) مسألة: إذا رمى شخص صيدًا بآلة حادَّة، أو أرسل كلبًا، أو صقرًا إلى صيد: فأصاب غير ذلك الصيد المرمي، أو المرسل إليه: فإن ذلك الغير: يحل أكله، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل" وهذان النصان عامان يشملان كل ما يصيده ذلك المرسَل الثالثة: القياس؛ بيانه: كما لو أرسل شخص آلة على صيد كبار فتفرّقت عن صغار فيحل له أخذ الصغار، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه أرسل آلة الصيد على صيد فحلَّ ما صاده، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين.
стр. 3054
﵇: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل" متفق عليه (١٠)، ولا يضرّ إن تقدَّمت التسمية بيسير، وكذا: إن تأخّرت بكثير في جارح إذا زجره فانزجر (١١)،
(١٠) مسألة في الرابع - من شروط حل الصيد المقتول في الاصطياد - وهو: أن يُسمِّي بالله عند إرسال الآلة الحادَّة - كالسهم، أو الحجر، أو الرصاص - وعند إرسال الجارحة كالكلب والطير المعلَّمين فإن ترك التسمية عمدًا: لم يبح الصيد؛ أما إن ترك التسمية سهوًا، أو نسيانًا، أو جهلًا: فيصح أكل صيده؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه فكل" حيث دلّ منطوقه على إباحة أكل ما سُمِّي عليه بالله، ودلّ مفهوم الشرط على عدم جواز أكل ما لم يُسمِّ عليه ثانيهما: قوله ﵇: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان .. " إلخ، وهو عام لكل شيء، فيشمل ما نحن فيه، والجهل كالنسيان، والسهو، والغفلة فإذا ترك التسمية جهلًا، أو نسيانًا: أُبيح صيده وهو مخصص لما سبق. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه في الذبح والتذكية تشترط التسمية، ويجوز أكل ذبيحة لم يُسمَّ بالله عليها سهوًا أو نسيانًا أو غفلة، أو جهلًا فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منها المقصود منه الأكل، فإن قلت: إذا ترك الشخص التسمية نسيانًا، أو جهلًا: فلا يباح الصيد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: وهو الحديث السابق الذكر - وهو: إذا أرسلت كلبك .. " - حيث إنه قد دلَّ بمفهوم الشرط على أن متروك التسمية لا يحل أكله، وهذا المفهوم عام لمتروك التسمية عمدًا وسهوًا وجهلًا قلتُ: إن هذا العموم قد خصَّصه حديث: "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان" وقد سبق بيان المقصد من ذلك في مسألة (٢٢) من باب: "الذكاة والذبح الشرعي".
(١١) مسألة: إذا تقدَّمت التسمية عن إرسال الآلة الحادَّة، أو الجارحة، أو تأخّرت عن ذلك بزمن يسير في العادة: فلا يضر ذلك ويجوز أكل ما صاده؛ للقياس؛ =
стр. 3055
ولو سمَّى على صيد فأصاب غيره: حلَّ (١٢)، لا على سهم ألقاه، ورمى بغيره، بخلاف ما لو سمَّى على سكين، ثم ألقاها وذبح بغيرها (١٣) (ويسن أن يقول معها) أي: مع: "بسم الله" (الله أكبر كـ) ما في (الذكاة)؛ لأنه ﷺ كان إذا ذبح يقول: "بسم الله والله أكبر"، وكان ابن عمر يقوله (١٤)، ويكره الصيد للهو (١٥) وهو أفضل مأكول (١٦)، والزراعة أفضل مكتسب (١٧).
بيانه: كما أن الصيد يحل إذا سمَّى عند ابتداء إرساله فكذلك الحال إذا تقدَّم، أو تأخَّر فيها والجامع: عدم التأثير في كل.
(١٢) مسألة: إذا سمَّى الصائد على صيد فأصاب غيره: فإنه يحلُّ أكله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حصول التسمية عند ابتداء الإرسال: حل صيده وإن صاد غيره.
(١٣) مسألة: إذا أراد إرسال سهم إلى صيد وسمَّى عليه، ثم ألقاه، ثم رمى بسهم غيره: فلا يحلُّ ما صاده به؛ أما إذا أراد الذبح بسكين مثلًا، ثم سمَّى، ثم ألقاها وذبح بغيرها: فإن ذبيحته تحلُّ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون التسمية في جانب الصيد واقعة على السهم: عدم إباحة ما صاد غير السهم المسمَّى عليه؛ وذلك لعدم حضور الصيد، بين يديه، ويلزم من كون التسمية واقعة على الذبيحة نفسها، لا على الآلة من سكين أو نحوها جواز أكل تلك الذبيحة.
(١٤) مسألة: يُستحب أن يقول الصائد: "الله أكبر" بعد التسمية؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُستحب أن يقول: "الله أكبر" مع التسمية عند الذبح والتذكية فكذلك يُستحب ذلك عند الصيد والجامع: تعظيم الله تعالى في كل.
(١٥) مسألة: يكره أن يقوم الشخص بالصيد للّهو؛ للتلازم؛ حيث إن الصيد للّهو عبث وإضاعة للوقت بغير فائدة فيلزم كراهيته.
(١٦) مسألة: الصيد أفضل مأكول؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه حلالًا لا شبهة فيه: أفضليته على المأكولات الأخرى.
(١٧) مسألة: العمل بالزراعة أفضل أنواع الكسب؛ للسنة القولية: حيث قال عليه =
стр. 3056
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* * *
= السلام: "أفضل الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور" والزراعة من العمل باليد، وتقديمه على البيع - وهو التجارة - بالذكر يدل على أنَّه أفضل من التجارة، فإن قلت: لَمِ كان ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نفع عام؛ حيث إنه يُعزّه، ويُغنيه، ويمكّنه إطعام الآخرين من أنواع الزراعة والبهائم: صدقة أو هدية ويأكل الطير منه ويقرئ الضيف، ونحو ذلك.
هذه آخر مسائل باب: "الصيد" الذي هو آخر أبواب كتاب "الأطعمة" ويليه كتاب "الأيمان".
стр. 3057
كتاب الأيمان
جمع يمين، وهي: الحلف والقسم (١) (واليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث) فيها (هي: اليمين) التي يحلف فيها (بـ) اسم (الله) الذي لا يُسمَّى به غيره كـ: "الله" و"القديم الأزلي" و"الأول الذي ليس قبله شيء" و"الآخر الذي ليس بعده شيء" و"خالق الخلق" و"رب العالمين" و"الرَّحمن"، أو الذي يُسمَّى به غيره ولم ينوِ الغير كـ "الرحيم" و"الخالق" و"الرازق" و"المولى" (أو) بـ (صفة من صفاته) تعالى كـ "وجه الله" و"عظمته" و"كبريائه" و"جلاله" و"عزّته" و"عهده" و"أمانته" و"إرادته" (أو بالقرآن، أو بالمصحف) أو بسورة، أو آية منه و"لعمر الله" يمين، وما لا يُعدُّ من أسمائه تعالى كـ "الشيء" و"الموجود"، وما لا ينصرف إطلاقه إليه ويحتمله كـ "الحي" و"الواحد" و"الكريم" إن نوى به الله: فهو يمين، وإلا: فلا (٢) (والحلف بغير الله)
كتاب الأيمان والنذور
تعريف الأيمان، وشروط وجوب الكفارة، وحكم الحلف بغير الله، ولغو اليمين، وحكم تحريم الحلال، وبيان كفارة اليمين.
وفيه تسع عشرة مسألة:
(١) مسألة: الأيمان: جمع يمين والمراد، به هنا: تأكيد الحكم المحلوف عليه بقَسَم وحَلِفٍ بمعظَّم بألفاظ مخصوصة، ووجه مخصوص - وسيأتي بيان ذلك -، فإن قلتَ: لَمِ سُمِّي الحلف باسم اليمين؟ قلتُ: لأن الحالف يُعطي يمينه ويضرب بها على يمين صاحبه، كما قلنا في سبب تسمية البيع بـ "الصفقة".
(٢) مسألة: اليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث فيها هي التي تكون في الصور الآتية: أولًا: أن يحلف باسم الله الذي لا يُسمَّى به غيره مثل: "الله" و"القديم الأزلي" و"الأول الذي ليس قبله شيء" و"الآخر الذي ليس بعده شيء" و"خالق الخلق" و"الحي الذي لا يموت" و"رب العالمين" "وفاطر السموات والأرض" =
стр. 3058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= و"الرَّحمن" و"رازق العالمين" و"العالم بكل شيء" و"مالك يوم الدين" فإذا تلفَّظ الحالف بذلك وحلف به: فإنه يكون حالفًا بالله وحده، فإن حنث ولم يفِ بما حلف عليه: وجبت الكفارة بدون نية أو قرينة، للتلازم؛ حيث إن ذلك صريح في أن المقصود الحلف بالله لا يشاركه غيره فيه - ثبت هذا بواسطة النصوص الشرعية - فيلزم أن يقع اليمين بدون قرينة، ثانيها: أن يحلف بصفة من صفاته الخاصة به مثل: "أن يحلف بوجه الله" و"بعظمته" و"بكبريائه" و"بجلاله" و"بعزَّته" و"بعلوّه" و"بعهد الله" و"بيمين الله" و"بإرادته" و"بقدرته" و"بجبروته"، و"بالقرآن" و"بالمصحف" و"بسورة" و"بآية منه" و"بكلام "الله" و"بحق القرآن" و"بالتوراة" و"بالإنجيل" و"بالزبور" و"بصحف إبراهيم" و"بصحف موسى" وقوله: "لعمر الله"، فإذا تلفَّظ الشخص بذلك: فإنه ينعقد يمينه، وعليه الكفارة إن حنث دون نية أو قرينة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك صريح في أن المقصود الحلف بالله المعظَّم دون مشاركة غيره فيه فيلزم أن يقع بذلك اليمين فور تلفُّظه به بدون نية، ثالثها: أن يحلف بشيء يُسمَّى به الله تعالى، ويُسمَّى به غيره مثل: "الرحيم" و"الخالق" و"الرازق" و"المولى" و"القادر" و"الشيء" و"الموجود" و"الحي" و"الواحد" و"الكريم" فهذه الصفات والأسماء إن أطلقه أو نوى به الحلف بالله تعالى: فهو يمين يُكفِّر إن حنث، أما إن نوى بذلك غيره: فلا يكون يمينًا، فلو حنث لا يكفّر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الصفات والأسماء تحتمل أن تكون لله، وتحتمل أن تكون لغيره، اشتراط وجود النية والمقصود منها، ويلزم من كون الحلف بذلك لله وحده، وهو الأصل: أنَّه إذا أطلق التلفُّظ بها: فإنها تكون لله تعالى.
[فرع]: يحرم الحلف بجميع الأنبياء، ولو حلف لا تنعقد اليمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم كون ذلك من الصور السابقة: عدم جواز الحلف بذلك.
стр. 3059
سبحانه وصفاته (محرم)؛ لقوله ﵇: "من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت" متّفق عليه (٣)، ويكره الحلف بالأمانة (٤) (ولا تجب به) أي: بالحلف بغير الله (كفارة) إذا حنث (٥) (ويُشترط لوجوب الكفارة) إذا حلف بالله تعالى (ثلاثة شروط: الأول: أن تكون اليمين منعقدة، وهي) اليمين (التي قصد عقدها على) أمر (مستقبل ممكن، فإن حلف على أمر ماض كاذبًا عالمًا: فهي) اليمين (الغموس)؛ لأنها تغمسه في الإثم، ثم في النار (ولغو اليمين) هو (الذي يجري على لسانه بغير قصد كقوله) في أثناء كلامه (لا والله، وبلى والله)؛ لحديث عائشة مرفوعًا: "اللغو في اليمين: كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله) رواه أبو داود، وروي موقوفًا
(٣) مسألة: يحرم الحلف بغير اسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت" فأوجب الحلف بالله إن أراد يمينًا على شيء؛ لأن الأمر مطلق، وهذا يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام.
(٤) مسألة: يحرم الحلف بالأمانة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ليس منّا من حلف بالأمانة) وهذا وعيد شديد على من فعل ذلك، وهو عقاب، ولا يُعاقب على فعل محرم، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد صارفًا قوي على صرف ذلك من التحريم إلى الكراهة.
(٥) مسألة: من حلف بغير الله، أو بغير صفاته - كما سبق في مسألة (٢) - فلا تجب الكفارة عليه إذا حنث؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" حيث يلزم من ذلك تحريم الحلف بغير الله مطلقًا، وعدم انعقاد اليمين به، وإذا لم تنعقد اليمين فلا كفارة عند الحنث، الثانية: التلازم؛ حيث إن الكفارة إنما وجبت في الحلف بالله؛ صيانة لأسمائه وصفاته من العبث واللهو، وتعظيمًا له سبحانه فيلزم عدم وجوب كفارة عليه إذا حنث في الحلف بغير الله؛ لأن غيره لا يساويه في ذلك التعظيم ولا يقاربه.
стр. 3060
(وكذا: يمين عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلافه فلا كفارة في الجميع)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وهذا منه (٦)، ولا تنعقد أيضًا من نائم،
(٦) مسألة: في الأول - من شروط وجوب الكفارة إذا حلف بالله تعالى -: وهو: أن تكون اليمين منعقدة وهي: أن يحلف بالله على أمر في المستقبل أن يفعله، وهو قاصد له، ويمكن فيه السير، ويمكن فيه الحنث، وهو لا يعلم بذلك حين الحلف، وأخرج ذلك ثلاثة أيمان: أولها: أن يحلف على أمر ماض، وهو كاذب فيه عالم بكذبه ذلك: فهذه اليمين الغموس وهي محرمة، ثانيها: أن يحلف وهو لم يقصد، بل جرى على لسانه، وهذا يُسمَّى لغو اليمين كأن يقول أثناء كلامه: "لا والله" أو "بلى والله" ثالثها: أن يحلف ظانًا صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك كأن يحلف زيد على عمرو يظن أن عمرًا سيطيعه فلم يفعل عمرو، أو ظن عمرو خلاف قصد ونية زيد الحالف وهذا من اللغو في اليمين، فهذه الثلاثة: لا كفارة فيها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ فأوجب الكفارة في اليمين المنعقدة فقط، دون غيرها، ونفى الشارع الكفارة على اليمين اللغو، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث قال ابن مسعود: "كنا نعد اليمين التي لا كفارة فيها: اليمين الغموس، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عائشة قد، بيّنت اليمين اللغو في قولها: "اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله"، فإن قلت: لَمِ وجبت الكفارة في اليمين المنعقدة؟ قلتُ: للمصلحة؛ لكون المقصود بها الحث والمنع، ولأن اللغو في اليمين يتكرر بين ألسنة الناس فلو وجبت الكفارة على ذلك: لشقّ على الناس، ولأن اليمين الغموس أعظم من أن تُكفَّر، وهي من الكبائر لذلك سميت بهذا الاسم؛ لكونها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، وهذا لأنه حلف علمه بأنه كاذب، وهذا أراد مخالفة الشارع، وأخذ حقوق الآخرين بقصد منه.
стр. 3061
وصغير، ومجنون ونحوهم (٧)، الشرط (الثاني: أن يحلف مختارًا، فإن حلف مكرهًا: لم تنعقد يمينه)؛ لقوله ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٨) الشرط (الثالث: الحنث في يمينه: بأن يفعل ما حلف على تركه) كما لو حلف: "أن لا يُكلِّم زيدًا" فكلمه مختارًا (أو يترك ما حلف على فعله) كما لو حلف: "ليكلمنَّ زيدًا اليوم" فلم يُكلِّمه (مختارًا ذاكرًا) ليمينه (فإذا حنث مكرهًا، أو ناسيًا: فلا كفارة)؛ لأنه لا إثم عليه (٩) (ومن قال في يمين مُكفَّرة) أي: تدخلها الكفارة كيمين بالله تعالى، ونذر، وظهار: (إن شاء الله: لم يحنث) في يمينه: فعل، أو ترك إن قصد المشيئة، واتّصلت يمينه لفظًا أو حكمًا؛ لقوله ﵇: "من حلف فقال: إن شاء الله: لم يحنث" رواه أحمد وغيره (١٠) (ويُسنُّ الحنث في اليمين إذا كان)
(٧) مسألة: يُشترط في الحالف: أن يكون مكلَّفًا، فلا تنعقد اليمين من زائل العقل، أو ناقصه: كالصبي، والمجنون والنائم، وأي شخص زائل العقل بأي سبب؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ" وهذا شرط لجميع التكاليف لذلك لم يذكره مع شروط وجوب الكفارة هنا الخاصة، وهو قد سبق مرارًا.
(٨) مسألة: في الثاني - من شروط وجوب الكفارة إذا حلف بالله تعالى - وهو: أن يحلف مختارًا لليمين، دون إكراه من أحد، فإن حلف مكرهًا: فلا كفارة عليه إذا حنث؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه.
(٩) مسألة: في الثالث - من شروط وجوب الكفارة إذا حلف بالله تعالى: - وهو: أن يحنث في يمينه مختارًا ذاكرًا يمينه: بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، أما إن حنث مكرهًا، أوناسيًا أو جاهلًا للحكم ليمينه: فلا كفارة عليه؛ للسنة القولية وهي ما ذكرناها في مسألة (٨).
(١٠) مسألة: إذا حلف شخص بالله، أو بإحدى صفاته أو نذر، أو ظاهر من زوجته =
стр. 3062
الحنث (خيرًا) كمن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، وإن حلف على فعل مندوب، أو ترك مكروه: كره حنثه، وعلى فعل واجب أو ترك محرم: حرم حنثه، وعلى فعل محرم، أو ترك واجب: وجب حنثه، ويخير في مباح، وحفظها فيه أولى (١١)، ولا
= وقرن ذلك بمشيئة الله لفظًا وحكمًا وترك ما حلف على فعله، أو فعل ما حلف على تركه فإنه لا يحنث، وحينئذٍ لا كفارة فمثلًا لو قال: "والله لا أدخل هذه الدار إن شاء الله" أو قال: "لله علي أن أحج إن شاء لله" أو قال: "أنتِ علي كظهر أمي إن دخلت الدار إن شاء الله" ولم يفصل عبارة: "إن شاء الله" عمّا حلف على فعله، أو على تركه إلا بشيء لا يُعدُّ فاصلًا: كسعال، أو عطاس، أو نَفَس أو نحو ذلك مما يغلبه: فإنه لا يحنث إن ترك ما حلف على فعله، أو فعل ما حلف على تركه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من حلف فقال: إن شاء الله: لم يحنث" وهو واضح الدلالة، والنذر، والظهار مثل الحلف، فإن قلتَ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: لأن لفظ "إن شاء الله" تعليق على شيء لا يمكن أن نعلمه؛ إذ المشيئة مغيبة عنّا.
(١١) مسألة: يكون الحنث مستحبًا إذا كان الحنث خيرًا لمن حلف على ترك سنة من السنن، أو حلف على فعل مكروه، ويكون الحنث مكروهًا إذا حلف على فعل مندوب، أو ترك مكروه، ويكون الحنث حرامًا إذا حلف على فعل واجب - كصلة الوالدين - أو حلف على ترك محرم - ويكون الحنث واجبًا إذا حلف على فعل محرم، أو على ترك واجب، ويكون الحنث مباحًا إذا حلف على فعل مباح، أو على تركه، وحفظ اليمين في المباح أولى؛ فتكون في ذلك الأحكام التكليفية الخمسة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خير، ويكفِّر عن يمينه" حيث دلّ على استحباب الحنث إذا كان خيرًا من المحلوف على فعله، أو تركه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ترك ما حلف على فعله، أو فعل ما حلف على تركه ينظر فيه =
стр. 3063
يلزم إبرار قسم كإجابة سؤال بالله تعالى، بل يُسن (١٢) (ومن حرَّم حلالًا سوي زوجته)؛ لأن تحريمها ظهار - كما تقدم -: سواء كان الذي حرمه (من أمة، أو طعام، أو لباس، أو غيره) كقوله: "ما أحل الله عليّ حرام" ولا زوجة له، أو قال: "طعامي علي كالميتة": (لم يحرم) عليه؛ لأن الله تعالى سمَّاه يمين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، واليمين على الشيء لا تحرمه (وتلزمه كفارة يمين إن فعله)؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أي التكفير، وسبب نزولها: أنَّه ﷺ قال: "لن أعود إلى شرب العسل" متفق عليه (١٣) ومن قال: "هو يهودي، أو كافر أو يعبد غير الله، أو بريء من الله
= إلى المصلحة، ودفع المفسدة المترتبة على ذلك، وهذا يختلف باختلاف الحالات السابقة، فلذلك انقسم الحنث إلى أقسام الأحكام التكليفية الخمسة.
(١٢) مسألة: إذا حلف زيد على عمرو بأن لا يخرج من هذه الدار: فيستحب لعمرو أن يبرّ بهذا القسم، ولا يلزمه ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يلزم إجابة سؤال بالله تعالى، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الإيجاب والإلزام يكون بالتوقيف في كل.
(١٣) مسألة: إذا حرَّم شخص على نفسه حلالًا - غير زوجته - من إماء، أو طعام، أو لباس، أو نحو ذلك كأن يقول: "طعامي عليّ كالميتة" أو يقول: "أحرم على نفسي كل حلال" أو نحو ذلك: فلا يحرم ذلك، فله أن يأكل من طعامه، ويتمتّع بكل حلال، ولكنه يُكفّر عن ذلك كفارة يمين؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فأنكر الشارع على نبيه تحريم الحلال حيث حرّم على نفسه العسل، وأوجب عليه كفارة يمين؛ لأنه سمَّى ذلك تحلَّة، ولم يسمها رافعة لإثم الحنث، والخطاب الموجَّه إلى النبي ﵇ يعم أمّته كما أن الخطاب الموجّه إلى الأمة يدخل فيه النبي ﵇ إلّا إذا ورد مخصِّص لذلك، وغير العسل مثله في الحكم؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة القولية؛ حيث =
стр. 3064
تعالى، أو من الإسلام، أو القرآن، أو النبي ﷺ ونحو ذلك ليفعلنّ كذا، أو إن لم يفعله، أو إن كان فعله": فقد فعل محرمًا، وعليه كفارة يمين بحنثه (١٤).
(فصل): في كفارة اليمين (يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين) لكل مسكين مُدُّ بر، أو نصف صاع من غيره (أو كسوتهم) أي: العشرة مساكين، للرجل ثوب يجزئه في صلاته، وللمرأة درع وخمار كذلك (أو عتق رقبة، فمن لم يجد) شيئًا مما تقدَّم ذكره: (فصيام ثلاثة أيام)؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (متتابعة) وجوبًا؛ لقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعة" (١٥)، وتجب كفارة نذر
= " إنه ﵇ جعل تحريم الحلال يمينًا"، فإن قلت: لَمِ استثنيت الزوجة هنا؟ قلتُ: لأن تحريمها ظهار كما سبق تفصيله في مباحث "الظهار".
(١٤) مسألة: إذا قال شخص: "إني يهودي إن دخلت هذه الدار" أو قال: "إني كافر إن دخلتها" أو قال: "أعبد غير الله إن دخلتها" أو قال: "إني بريء من الله إن دخلتها" أو قال: "إني بريء من الإسلام أو القرآن أو النبي ﵇ إن دخلتها" أو قال: "إني أستحلّ الزنا، أو شرب الخمر أو ترك الصلاة إن دخلتها" أو قال نحو هذه العبارات: فإن هذا محرَّم، وتجب عليه كفارة اليمين إن حنث ودخل تلك الدار المحلوف عليها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنَّه إذا حلف بالله عليه ذلك فكذلك إذا قال مثل تلك العبارات والجامع: أن ذلك قول يُوجب هتك الحرمة في كل، أي: أنَّه يكون يمينًا.
(١٥) مسألة: إذا حلف شخص، وحنث في يمينه هذا كأن ترك ما كان قد حلف على فعله، أو فعل ما كان قد حلف على تركه: فإنه يُكفِّر كفارة يمين، وهو مخيَّر بين يفعل ما يلي: ١ - إما أن يطعم عشرة مساكين، يُعطي كل مسكين مُدَّ بر، أو أرز - أي: ربع صاع منه-، أو يعطيه نصف صاع من غير البر - كالتمر والزبيب، والأقط، والشعير - ٢ - وإما أن يكسي عشرة مساكين، يُعطي كل =
стр. 3065
فورًا بحنث (١٦)، ويجوز إخراجها قبله (١٧) (ومن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها
= مسكين ثوبًا يجزئه في صلاته: فيعطي الرجل ما يستر عورته - وهي من الركبة إلى السرَّة - ويُعطي المرأة درعًا وخمارًا، سواء كانت هذه الكسوة جديدة، أو ملبوسة، ٣ - وإما أن يعتق رقبة كاملة مؤمنة سليمة من العيوب، فإن لم يقدر على إحدى تلك الخصال الثلاث: فعليه صوم ثلاثة أيام متتابعة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وهذا واضح الدلالة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قرأ ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وهذه قراءة شاذَّة، وهي لا تكون قرآنًا، ولكنها حجَّة، يُعمل بها في الأحكام؛ لكونها لا تخرج إما أن تكون قرآنًا، أو تكون خبر سمعه ابن مسعود من النبي ﵇، ولا يصح أن تكون قرآنًا؛ لأن المفروض على النبي ﵇ أن يقرأ كل آية على طائفة تقوم الحجة بقولهم وخبرهم، فلم يبق إلّا أن تكون خبر واحد وخبر الواحد حجة، فإن قلتَ: لا يُشترط التتابع في ذلك الصيام وهو قول كثير من العلماء؛ للتلازم؛ حيث إن كون تلك القراءة ليست قرآنًا، وليست خبرًا رواه الرَّاوي عنه ﵇، ولا يمكن لأي صحابي أن يزيد في القرآن ما ليس منه يلزم منه: عدم الاحتجاج بذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في القراءة الشاذة هل هى حجة أولا؟ ".
(١٦) مسألة: يجب إخراج كفارة النذر بعد حنثه مباشرة وفورًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأمر المطلق يقتضي الفورية: أن يفعل ذلك.
(١٧) مسألة: إذا رأى أنَّه سيحنث في يمينه السابق انعقاده: فيجوز أن يُخرج الكفارة قبل حنثه ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير" - كما ورد في رواية أبي داود -.
стр. 3066
واحد) ولو على أفعال كقوله: "والله لا أكلتُ" "والله لا شربت" "والله لا أعطيت" "والله لا أخذت": (فعليه كفارة واحدة)؛ لأنها كفارات من جنس واحد، فتداخلت كالحدود من جنس (وإن اختلف موجبها) أي: موجب الأيمان، وهو الكفارة (كظهار ويمين بالله) تعالى: (لزماه) أي: الكفارتان (ولم يتداخلا)؛ لعدم اتحاد الجنس (١٨)، ويُكفِّر قنّ بصوم، وليس لسيده منعه منه، ويكفر كافر بغير صوم (١٩).
(١٨) مسألة: إذا اجتمعت عدَّة أيمان على شخص، ولم يكفر عن أحدها: ففيه تفصيل: أولًا: إن كان موجبها واحدًا كأن تكون كلها يمين بالله كقوله: "والله لا آكل كذا" ويقول قبل أن يكفر عن ذلك: "والله لا أشرب كذا" فتجب كفارة واحدة عليها جميعًا: سواء كانت أفعال متَّحدة، أو متغايرة، ثانيًا: إن كان موجبها مختلف كأن تكون متكوّنة من ظهار، ويمين بالله: فتجب عليه كفارتان: كفارة للظهار، وكفارة لليمين، ولا تتداخلان؛ للقياس؛ بيانه: كما أنَّه لو زنى ثم زنى ولم يُحدُّ على الزنا الأول: فعليه حدّ واحد لهما معًا، ولو زنى، وسرق: فإنه يحدّ على الزنا، ثم يحد على السرقة فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: أن التي من جنس واحد يكفي فيها كفارة واحدة، والتي من جنسين لكل جنس كفارتها التي تخصُّها.
(١٩) مسألة: إذا عجز الحالف الحانث عن أن يكفر بشيء: واحد من الخصال الثلاث السابقة الذكر: فإنه ينتقل لشيء يستطيعه فمثلًا: إذا حنث عبد: فإنه يكفر بصوم فقط، ولا يمنعه سيده من ذلك، والكافر إذا حنث: فإنه لا يكفر بصوم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ملكية العبد لشيء: أن يكفِّر بما يملكه وهو الصوم، ويلزم من عدم صحة الصوم من الكافر: أن يكفِّر بغيره.
هذه آخر مسائل: "تعريف الأيمان، واليمين التي توجب الكفارة، وشروط وجوب الكفارة، وحكم الحلف بغير الله، واليمين الغموس، ولغو اليمين، وحكم تحريم الحلال، وبيان كفارة اليمين" ويليه باب: "جامع الأيمان المحلوف بها".
стр. 3067
باب جامع الأيمان المحلوف بها
(يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ)؛ لقوله ﵊: "وإنما لكل امرئ ما نوى" فمن نوى بالسقط، أو البناء السماء، أو بالفراش، أو البساط الأرض: قُدِّمت على عموم لفظه (١) ويجوز التعريض في مخاطبة
باب جامع الأيمان المحلوف بها
وفيه خمس عشرة مسألة:
(١) مسألة: الأيمان مبنية على نية الحالف بشرط: أن يكون اللفظ محتملًا لما نواه، فإذا نوى بيمينه ما يحتمله له: انصرفت يمينه إلى ما نواه دون ما تلفَّظ به، ويقبل منه حكمًا، فمثلًا: لو قال: "والله لا أرقى السقف، أو البناء" وقال: إني نويت بذلك السماء: قُبل منه، فلو رقى سقف بيته، أو بناءه: لم يحنث، وكذا: لو قال: "والله لا أنام على البساط" وقال: إني نويت بذلك الأرض: قُبل منه، فلو نام على بساطه المعتاد: فلا يحنث؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "وإنما لكل امرئ ما نوى" فيرجع في لفظ المتكلم إلى ما نواه إذا احتمل اللفظ ذلك: فيلزم منه: أن يُقبل قوله في ذلك ويُحمل على ما نواه، دون ظاهر لفظه وعمومه؛ ذلك لأن الله تعالى سمّى السماء بناء في قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ وسمَّاه سقفًا في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ وسمَّى الأرض بساطًا في قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾.
[فرع]: إذا نوى ما لا يحتمله اللفظ كأن يحلف قائلًا: "والله لا آكل خبزًا" ونوى به لا يدخل بيتًا: فلا ينصرف إلى ما نواه، فلا يُقبل منه، فلو دخل بيتًا: لحنث ووجبت الكفارة؛ للقياس؛ بيانه: كما لو نوى ذلك بغير يمين: فلا يُقبل منه، فكذلك لو نواه بيمين فلا يُقبل منه، والجامع: أنَّها نية مجرَّدة لا يحتملها اللفظ في كل.
стр. 3068
لغير ظالم (٢) (فإن عُدِمَت النية: رجع إلى سبب اليمين، وما هيَّجها)؛ لدلالة ذلك على النية: فمن حلف "ليقضيَّن زيدًا حقه غدًا" فقضاه قبله: لم يحنث إذا اقتضى السبب أنَّه لا يتجاوز غدًا، وكذا: "ليأكلن شيئًا" أو "ليفعلنَّه غدًا" وإن حلف: "لا يبيعه إلا بمائة": لم يحنث إلا إن باعه بأقل منها، وإن حلف: "لا يشرب له الماء من عطش" ونيته أو السبب: قطع منَّته: حنث بأكل خبزه، واستعارة دابته، وكل ما فيه منَّة (٣)
(٢) مسألة: لا يجوز التعريض في الأيمان في المخاطبات مطلقًا: سواء كانت مخاطبة ظالم، أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز التدليس في المبيع، فكذلك لا يجوز التعريض في الأيمان والجامع: التدليس على الآخرين في كل، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفاسد التدليس والمغالطة والتلبيس في المجتمع. فإن قلتَ: يجوز التعريض في مخاطبة لغير ظالم، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك قد تدعو إليه الحاجة قلتُ: إن مفاسد التعريض في ذلك أعظم من مصلحة التعريض لشخص معين؛ لأن مراعاة المصلحة العامة مقدمة على مراعاة مصالح الأفراد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين: الخاصة والعامة".
(٣) مسألة: إذا حلف شخص، ولم توجد له نية ومقصد من حلفه ذلك: فإنه يُرجع إلى سبب صدور اليمين تلك منه، وهوما هيّجه على الحلف؛ لنعلم نيّته من ذلك، فمثلًا: لو حلف عمرو قائلًا: "والله لأقضينَّ زيدًا حقه غدًا" فقضاه قبل غد، أو حلف قائلًا: "والله لأفعلن شيئًا غدًا" ففعله قبل غد، أو حلف قائلًا: "والله لا أبيعنَّ هذا الثوب إلّا بمائة" فباعه بمائة أو أقلَّ منها، فإنه لا يحنث في جميع تلك الصور الثلاث، لكن لو حلف قائلًا: "والله لا أشرب لعمرو ماءً وإن اشتدَّ بي العطش" وكان سبب ذلك قطع منَّة عمرو على زيد: فإن زيدًا يحنث لو أكل خبزًا لعمرو، ويحنث إذا استعار دابته أو سيارته ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون سبب تهييج اليمين أدلَّ شيء على نية الحالف: عدم الحنث في الصور الثلاث =
стр. 3069
(فإن عدم ذلك) أي: النية، وسبب اليمين الذي هيَّجها: (رجع إلى التعيين)؛ لأنه ابلغ من دلالة الاسم على المسمى؛ لأنه ينفي الإبهام بالكلية. (فإذا حلف "لا لبست هذا القميص" فجعله سراويل، أو رداء، أو عمامة، ولبسه: حنث، أو لا كلَّمت هذا الصبي" فصار شيخًا) وكلَّمه: حنث (أو) حلف: لا كلَّمتُ (زوجة فلان) هذه (أو صديقه فلانًا) هذا (أو مملوكه سعيدًا) هذا (فزالت الزوجية، والملك، والصداقة، ثم كلَّمهم): حنث (أو) حلف (لا أكلت لحم هذا الحمل، فصار كبشًا) وأكله حنث (أو) حلف: لا أكلتُ (هذا الرطب، فصار تمرًا، أو دبسًا، أو خلًا) وأكله: حنث (أو) حلف: لا أكلتُ (هذا اللَّبن، فصار جبنًا، أو كشكًا ونحوه، ثم أكله: حنث في الكل)؛ لأن عين المحلوف عليه باقية كحلفه: "لا لبست هذا الغزل" فصار ثوبًا، وكذا: حلفه: لا يدخل دار فلان هذه، فدخلها، وقد، باعها، أو هي فضاء، أو مسجد، أو حمام ونحوه (إلا أن ينوي) الحالف، أو يكون سبب اليمين يقتضي (ما دام) المحلوف عليه (على تلك الصفة) فتقدَّم النية، وسبب اليمين على التعيين - كما تقدَّم - (٤).
= الأولى، والحنث في الصورة الرابعة، ومعلوم: أن الألفاظ لا تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يُستدلُّ بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده بأي طريق: عمل بمقتضاه: سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو دلالة عقلية، أوقرينة حالية، أو عادة له مطَّردة كما صرَّح بذلك ابن القيم.
(٤) مسألة: إذا لم ينوِ الحالف شيئًا - كما سبق في مسألة (١) - ولم يوجد، سبب اليمين الذي هيَّجها - كما سبق في مسألة (٣) -: فإنه يُرجع إلى التعيين، فمثلًا: لو حلف قائلًا: "والله لا ألبس هذا القميص" فجعله سراويل، أو رداء، أو عمامة ولبسه: فإنه يحنث أو قال: "والله لا أكلِّم هذا الصبي" أو قال: "والله لا أُكلِّم زوجة فلان" أو قال: "والله لا أُكلِّم صديقي فلان" أو قال: "والله لا أُكلِّم عبدي فلان" أو قال: "والله لا آكل هذا الحمل الصغير" أو قال: "والله لا آكل =
стр. 3070
(فصل): (فإن عُدِم ذلك) أي: النية، والسبب، والتعيين: (رجع) في اليمين (إلى ما يتناوله الاسم، وهو) أي: الاسم (ثلاثة: شرعي، وحقيقي، وعرفي) (٥) وقد لا يختلف المسمَّى كالأرض، والسماء، والإنسان، والحيوان، ونحوها (٦): (فالشرعي)
= هذا الرطب" أو قال: "والله لا آكل هذا اللبن" أو قال: "لا أدخل دار زيد" فزال الصبا، وأصبح شيخًا، وزالت الزوجية، وعتق العبد، وزالت الصداقة، ثم كلَّم هؤلاء بعد ذلك الزوال، أو أكل الحمل لما صار كبشًا، أو أكل الرطب لما صار تمرًا أو عسلًا، أو أكل اللبن لما صار جبنًا، أو داخل تلك الدار بعدما باعها زيد أو صارت مسجدًا، أو فضاء أو حمامًا: فإنه يحنث فيما سبق من الصور كلها بشرط: عدم نيته: كون المحلوف عليه مستمرًا على تلك الصفة؛ للتلازم؛ حيث إن عدم نية الحالف، وعدم وجوب سبب قد هيَّج ذلك اليمين: الرجوع إلى التعيين؛ لكونه أبلغ من دلالة الاسم على المسمى؛ لأن التعيين بالإشارة ينفي الإبهام والإلباس، فيقدَّم على الاسم والصفة والإضافة.
(٥) مسألة: إذا لم ينو الحالف شيئًا - كما سبق في مسألة (١) - ولم يوجد سبب اليمين الذي هيجها - كما سبق في مسألة (٣) - وعُدم التعيين - كما سبق في مسألة (٤) -: فإنه يُرجع إلى ما يتناوله الاسم الذي وقع الحلف عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الاسم يقتضي ذلك المسمَّى، ولا صارف عنه: أن يُرجع إلى ذلك المسمَّى.
(٦) مسألة: إذا كان مسمَّى ما وقع الحلف عليه لا يختلف مثل قوله: "والله لا أطأ الأرض" أو "لا أنظر إلى السماء" أو "لا أكلَّم الرَّجل": فإنه ينصرف اليمين إلى مسمَّاه دون تردد، فإن وطأ الأرض، أونظر إلى السماء، أو كلَّم الرَّجل: فإنه يحنث، وعليه كفارة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اختلاف المسمَّى: ما ذكرناه.
تنبيه: إذا كان مسمَّى ما وقع الحلف عليه يختلف باختلاف كونه أحيانًا يأتي شرعيًا، ويأتي أحيانًا حقيقيًا، ويأتي أحيانًا عرفيًا: فله أحكام سيأتي بيانها فيما يلي من المسائل.
стр. 3071
من الأسماء (ما له موضوع في الشرع، وموضوع في اللغة) كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والبيع، والإجارة (فـ) الاسم (المطلق) في اليمين: سواء كانت على فعل، أو ترك (ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح)؛ لأن ذلك هو المتبادر أي: المفهوم عند الإطلاق إلا الحج، والعمرة، فيتناول الصحيح والفاسد؛ لوجوب المضي فيه كالصحيح (فإذا حلف: لا يبيع، أو لا ينكح، فعقد عقدًا فاسدًا) من بيع، أو نكاح: (لم يحنث)؛ لأن البيع والنكاح لا يتناول الفاسد (٧) (وإن قيَّد) الحالف (يمينه بما يمنع الصحة) أي: بما لا تمكن الصحة معه (كأن حلف لا الخمر، أو الخنزير: حنث بصورة العقد)؛ لتعذّر حمل يمينه على عقد صحيح، وكذلك: إن قال: "إن طلّقت فلانة الأجنبية: فأنتِ طالق" طلقت بصورة طلاق الأجنبية (٨) (و) الاسم
(٧) مسألة: إذا حلف شخص بأن لا يفعل شيئًا، أو ليفعلنَّه، وهذا الشيء له موضوع في الشرع، وموضوع في اللغة مثل: الوضوء، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والعمرة، والبيع، والإجارة كأن يقول: "والله إني صليت" أو "والله إني قمتُ بالحج": فإنه يحمل على الموضوع الشرعي الصحيح، أي: نحمله على الصلاة والحج المعروفين في الشريعة إلّا الحج والعمرة فيُحمل على الصحيح والفاسد معًا، فلو حلف: لا يبيع" أو "لا ينكح": فعقد عقدًا فاسدًا من بيع، أو نكاح: فإنه لا يحنث؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشرعي الصحيح هو المتبادر إلى الفهم عند إطلاق هذه الألفاظ: وجوب الحمل عليها، ويلزم من وجوب المضي في فاسد الحج والعمرة: حمل ذلك على صحيحهما وفاسدهما، ويلزم من كون البيع والنكاح لا يتناول الفاسد شرعًا: عدم الحنث فيما لو باع، أو نكح بعقد فاسد.
(٨) مسألة: إذا قيَّد الحالف يمينه بما لا تمكن الصحة معه كأن يحلف: "لا يبيع الخمر" أو "لا الخنزير" أو "لا يبيع الحر"، فإنه لو عقد، بيعًا في ذلك: فإنه يحنث بصورة ذلك العقد، وكذا لو قال لزوجته: "إن طلقت فلانة الأجنبية فأنتِ =
стр. 3072
(الحقيقي هو: الذي لم يغلب مجازه على حقيقته كاللحم، فإذا حلف: "لا يأكل اللحم" فأكل شحمًا، أو مخًا، أو كبدًا، أو نحوه) ككلية، وكرش، وطحال، وقلب، ولحم رأس، ولسان (لم يحنث)؛ لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول شيئًا من ذلك، إلا بنية اجتناب الدَّسم (ومن حلف لا يأكل أُدمًا: حنث بأكل البيض، والتمر، والملح، والخل، والزيتون ونحوه) كالجبن، واللبن (وكل ما يصطبغ به) عادة كالزيت، والعسل، والسمن، واللحم؛ لأن هذا معنى التأدم (و) إن حلف (لا يلبس شيئًا فلبس ثوبًا أو درعًا، أو جوشنًا) أو عمامة، أو قلنسوة (أو نعلًا: حنث)؛ لأنه ملبوس حقيقة وعرفًا (وإن حلف لا يُكلِّم إنسانًا: حنث بكلام كل إنسان)؛ لأنه نكرة في سياق النفي، فيعمّ، حتى ولو قال: "تنحَّ أو اسكت" أو "لا كلمت زيدًا" فكاتبه، أو راسله: حنث ما لم ينوِ مشافهته (و) إن حلف (لا يفعل شيئًا فوكَّل من فعله: حنث)؛ لأن الفعل يضاف إلى من فعل عنه قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ وإنما الحالق غيرهم (إلا أن ينوي مباشرته بنفسه) فتقدَّم نيته؛ لأن لفظه يحتمله (٩) (و) الاسم
= طالق"، فطلقت الأجنبية: فإن زوجته تطلق بصورة طلاق الأجنبية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعذُّر يمينه على عقد صحيح، في الصورة الأولى وعلى طلاق واقع - في الصورة الثانية -: أن يتعيَّن كون صورة ذلك محلًا له.
(٩) مسألة: إذا حلف شخص بأن لا يفعل شيئًا، أو ليفعلنه، وهذا الشيء له اسم حقيقي، وله اسم مجازي ولم يغلب مجازه على حقيقته، ولم توجد قرينة تصرفه إلى المجاز: فإنه يُحمل على الاسم الحقيقي، ولهذا صور: أولها: "إذا حلف ليقطعن رأس أسد" فلا يحنث إذا ضرب شجاعًا، ويحنث إذا لم يضرب الأسد الحقيقي؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود بالأسد حقيقة إذا أطلق الحيوان المفترس، دون الرجل فيلزم: أن لا يتناول غيره، ثانيها: إذا حلف بأن لا يأكل اللحم" فإنه لا يحنث إذا أكل غيره كالشحم، والمخ، والكبد، والكلية، والكرش، والطحال، والقلب ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود، باللحم حقيقة إذا أطلق تلك الهبرة الحمراء =
стр. 3073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فيلزم من إطلاق ذلك: عدم تناول أي شيء غيره، ثالثها: إذا حلف: "لا يأكل دسمًا": فإنه يحنث إذا أكل جميع اللحوم، والشحوم ونحوها مما ذكر سابقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تناول الدَّسم لتلك الأمور: حنثه إذا أكلها، رابعها: إذا حلف: "لا يأكل أدمًا": فإنه يحنث بأكل جميع ما يطلق عليه أُدم حقيقة كاللحم، والبيض، والتمر، والملح، والخل، والزيتون، والجبن، واللبن، والسمن، والعسل، والزيت، ونحو ذلك مما يصطبغ به ويغمس فيه الخبز؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الأشياء أُدم حقيقة: أن يحنث إذا أكل أحدها، خامسها: إذا حلف: "لا يلبس شيئًا": فإنه يحنث إذا لبس ثوبًا، أو درعًا، أو جوشنًا، أو عمامة، أو قلنسوة وطاقية، أو نعلًا، أو خفًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الأشياء ملبوسات حقيقة: أن يحنث إذا لبس أحدها، سادسها: إذا حلف بأن: "لا يكلم إنسانًا" فإنه يحنث إذا كلَّم كل إنسان حتى ولو بكلمة واحدة كقوله له: "اسكت"؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يعمّ الكلام لكل إنسان وهو حقيقة فيه؛ لأنه نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، سابعها: إذا حلف بأن: "لا يُكلِّم زيدًا فكتب إليه كتابًا وأرسله إليه: فإنه يحنث بشرط عدم نيته ترك مشافهته، أما إن كان يقصد بيمينه ترك مشافهته: فإنه لا يحنث إذا كاتبه، أو راسله؛ للتلازم؛ حيث إن كلًّا من الكلام، والمكاتبة، والمراسلة يُطلق عليه كلامًا حقيقة، فيلزم أن يحنث إذا فعلها جميعًا، ويلزم عدم الحنث إذا كاتبه أو راسله إن نوى بيمينه ذلك ترك المشافهة فقط، فإن قلتَ: إن المراسلة والمكاتبة ليستا بتكليم فلا يحنث هنا بذلك وهوقول كثير من العلماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون معنى الكلام هو: التكليم بالمشافهة عدم جعل الحنث بالمكاتبة والمراسلة قلتُ: هذا يخالف قوله ﵇: "ما بين دفتي المصحف كلام الله" فسماه كلامًا هنا مع أنَّه مكتوب، ثامنها: إذا حلف زيد: "لا يخيط ثوبًا" فوكَّل عمرًا يخيطه له فخاطه =
стр. 3074
(العرفي: ما اشتهر مجازه فغلب) على (الحقيقة كالراوية) في العرف للمزادة، وفي الحقيقة: الجمل الذي يُستقى عليه (والغائط) في العرف للخارج المستقذر، وفي الحقيقة لفناء الدار وما اطمأنَّ من الأرض (ونحوهما) كالظعينة، والدابة، والعذرة (فتتعلَّق اليمين بالعرف) دون الحقيقة؛ لأن الحقيقة في نحو ما ذكر صارت كالمهجورة، ولا يعرفها أكثر الناس (فإذا حلف على وطء زوجته أو) حلف على (وطء دار: تعلَّقت يمينه بجماعها) أي: جماع من حلف على وطئها؛ لأن هذا هو المعنى الذي ينصرف إليه اللفظ في العرف (و) تعلَّقت يمينه (بدخول الدار) التي حلف لا يطؤها؛ لما ذكر (١٠)
= له عمرو: فإن زيدًا يحنث بشرط: عدم نيته مباشرة الخياطة بنفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إضافة الفعل إلى من فعل عنه حقيقة: أن يحنث زيد هنا؛ لأنه هو الذي خاط حقيقة كمن حلف: "لا يحلق رأسه" فأمر من يحلقه له: فإن الحالق الحقيقي هو المحلوق رأسه، وقد ورد ذلك في الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ فأضاف الحلق إليهم، مع أن غيرهم هم الذين حلقوا لهم، ويلزم من نيته مباشرة الخياطة بنفسه: أن يُحمل اليمين على ما نواه؛ لاحتماله.
(١٠) مسألة: إذا حلف بأن لا يفعل شيئًا، أو ليفعلنَّه، وهذا الشيء له اسم حقيقي، وله اسم مجازي عرفي، أي: تعارف أكثر الناس عليه، وغلب هذا على الاسم الحقيقي مثل: "الراوية" هى في الحقيقة تطلق على الجمل الذي يستقى عليه الماء، ولكن أطلق في العرف المجازي على المزادة - التي هي شكل الراوية -، وكذا: "الغائط" هو في الحقيقة: المكان المطمئن والمنخفض من الأرض، وأطلق في العرف المجازي المشهور على تلك القاذورات التي تخرج من الإنسان، وكذا: "الظعينة" هي في الحقيقة: الناقة التي يُطعن عليها، وأطلق في العرف المجازي المشهور على المرأة ما دامت في هودجها وكذا: "الوطء" يطلق في الحقيقة على وطء الأرض بالأقدام، وأطلق في العرف المجازي المشهور على "جماع الزوجة": فهذا كله تتعلَّق اليمين بالاسم العرفي المشهور، دون الحقيقي، فمثلًا: لو قال: =
стр. 3075
(وإن حلف لا يأكل شيئًا، فأكله مستهلكًا في غيره كمن حلف: لا يأكل سمنًا، فأكل خبيصًا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه): لم يحنث (أو) حلف (لا يأكل بيضًا، فأكل ناطفًا: لم يحنث)؛ لأن ما أكله لا يُسمَّى سمنًا، ولا بيضًا (وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه) فيما أكله: (حنث)؛ لأكله المحلوف عليه (١١).
(فصل): (وإن حلف: لا يفعل شيئًا ككلام زيد، ودخول دار ونحوه، ففعله مكرهًا: لم يحنث)؛ لأن فعل المكره غير منسوب إليه (١٢) (وإن حلف على نفسه، أو
"والله لا أطأ زوجتي": فإنه يحنث إذا جامعها، ولا يحنث إذا وطأها بقدمه، ولو قال: "والله لا أطأ بيتك" يحنث إذا وطأ ذلك البيت بقدمه، ولو قال: "والله لا أذهب إلى الغائط الآن": فإنه يحنث إذا ذهب إلى الحمام ليقضي حاجته بإخراج البراز، ولا يحنث إذا ذهب إلى أي مكان منخفض من الأرض، وهكذا؛ للتلازم؛ حيث إن اشتهار ذلك المجاز، ونسيان الحقيقة حتى أنها صارت كالمهجورة لا يعرفها أكثر الناس يلزم منه: العمل على ما تعارف عليه هؤلاء الناس؛ لأنه لا يقصد الحالف غيره في الظاهر، فصار كالمصرَّح به.
(١١) مسألة: إذا حلف زيد: "لا يأكل سمنًا" فأكل أكلًا قد خلط فيه بعض السمن، وظهر طعم ذلك السمن أثناء أكل زيد لهذا المخلوط مع السمن: فإنه يحنث، أما إن لم يظهر طعم السمن: فلا يحنث؛ للتلازم؛ حيث إنه إذا لم يظهر طعم الشيء المحلوف عليه يلزم منه: عدم الحنث؛ لأن وجود ما لم يظهر طعمه كعدمه، ويلزم من ظهور طعم الشيء المحلوف عليه: حنثه بأكله؛ نظرًا لأكله المحلوف عليه، كما لو أكله منفردًا.
(١٢) مسألة: إذا حلف عمرو: "لا يُكلِّم زيدًا" و"لا يدخل داره" فأكره على تكليم زيد، ودخول داره: فإنه لا يحنث إذا كلَّمه، أو دخل الدار؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فعفى الشارع عن المكره مطلقًا؛ لكونه معذورًا في هذا الإكراه - وقد سبق هذا مرارًا -.
стр. 3076
غيره ممّن) يمتنع بيمينه و (يقصد منعه كالزوجة، والولد: أن لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا، أو جاهلًا: حنث في الطلاق، والعتاق) - بفتح العين - (فقط) أي: دون اليمين بالله تعالى، والنذر، والظهار؛ لأن الطلاق، والعتاق حق لآدمي فلم يُعذر فيه بالنسيان والجهل كإتلاف المال، والجناية، بخلاف اليمين بالله تعالى، فإنها حق الله تعالى، وقد رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان (١٣) (و) إن حلف (على من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره) كالأجنبي: لا يفعل شيئًا (ففعله: حنث) الحالف (مطلقًا): سواء فعله المحلوف عليه عامدًا، أو ناسيًا، عالمًا، أو جاهلًا (١٤) (وإن فعل هو) أي:
(١٣) مسألة: إذا حلف زيد على نفسه، أو حلف على غيره - ممّن يمتنع بيمينه - قاصدًا منعه كزوجته وولده قائلًا: "والله لا أفعل شيئًا" أو قائلًا لولده: "والله لا تفعلنَّ كذا": ففعل زيد، أو ولده ناسيًا أنه المحلوف عليه، أو جاهلًا لذلك: فلا يحنث بذلك الفعل مطلقًا ويمينه باقية؛ سواء كان في اليمين، أو الطلاق، أو العتاق، أو النذر، أو الظهار؛ للسنة القولية: وهو الحديث المذكور في مسألة (١٢)، وهو عام لكل خطأ، ونسيان، وجهل؛ لأن "الخطأ" و"النسيان" مفرد محلَّى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلت: إن كان ذلك في العتاق والطلاق: فإنه يحنث؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أتلف مالًا نسيانًا، أو جهلًا: فتجب عليه قيمة المتلف، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما حق لآدمي فلا يسقط بالنسيان والجهل قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن وجوب قيمة المتلف ثبت عن طريق الحكم الوضعي من باب: "إذا وجد السبب فإنه يوجد الحكم" بخلاف ما نحن فيه فلا إتلاف فيه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية".
(١٤) مسألة: إذا حلف زيد على عمرو، وهو من لا يمتنع بيمينه: أو أي أجنبي عنه من سلطان وغيره قائلًا له: "والله لا تشتري هذه السيارة" فاشتراها عمرو: فإن زيدًا يحنث، وتجب عليه الكفارة، وهذا مطلق، أي: سواء اشترى عمرو تلك السيارة =
стр. 3077
الحالف: "لا يفعل شيئًا" أو من لا يمتنع بيمينه: من سلطان، أو أجنبي (أو غيره) أي: غير من ذكر (ممّن قصد منعه) كزوجة، وولد (بعض ما حلف على كله) كما لو حلف: "لا يأكل هذا الرغيف" فأكل بعضه: (لم يحنث)؛ لعدم وجود المحلوف عليه (ما لم تكن له نية) أو قرينة، كما لو حلف: "لا يشرب ماء هذا النهر" فشرب منه: فإنه يحنث (١٥).
المحلوف عليها عامدًا، أو ناسيًا، أو غافلًا، أو عالمًا، أو جاهلًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إمكان فعل المحلوف عليه: حنث الحالف العالم بذلك.
(١٥) مسألة: إذا حلف زيد: "لا يأكل هذا الرغيف"، أو حلف على من لا يمتنع بيمينه - كزوجته وولده - بذلك، فأكل هو، أو من حلف عليه: بعض ذلك الرغيف: فإنه لا يحنث بشرط: عدم وجود قرينة تدل على عدم قدرته على فعل كل ما حلف عليه: فهذا يحنث إذا فعل البعض فمثلًا: لو حلف: "لا يشرب ماء هذا النهر" فشرب منه: فإنه يحنث؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود المحلوف عليه - وهو كل الرغيف -: عدم الحنث بأكل بعضه، ويلزم من وجود قرينة دالّة على عدم القدرة على فعل كل ما حلف عليه: حنثه إذا فعل بعضه.
هذه آخر مسائل باب: "الأيمان المحلوف بها" ويليه باب "النذر".
стр. 3078
باب النذر
لغة الإيجاب، يقال: "نذر دم فلان" أي: أوجب قتله، وشرعًا: إلزام مكلَّف مختار نفسه لله تعالى شيئًا غير محال بكل قول يدل عليه (١) و (لا يصح) النذر (إلّا من بالغ عاقل) مختار؛ لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة .. " (ولو) كان (كافرًا) نذر عبادة؛ لحديث عمر: إني نذرت في الجاهلية: أن أعتكف ليلة فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك" (٢) (والصحيح منه) أي: من النذر (خمسة أقسام): أحدها: النذر (المطلق
باب النذر
وفيه سبع عشرة مسألة:
(١) مسألة: النذر لغة: الإيجاب، ومنه قول الشخص: "نذرت دم فلان" يقصد: أوجبت قتله، وهو في الاصطلاح الشرعي: أن يُلزم المكلف المختار نفسه فعل شيء، أو تركه لله تعالى غير مستحيل بكل قول يدل عليه.
[فرع]: يُكره النذر؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" فهذا يلزم منه: كراهته.
(٢) مسألة: يصح النذر إذا صدر قولًا من البالغ العاقل المختار: سواء كان مسلمًا، أو كافرًا، فلو صدر من صغير، أو مجنون، أو سفيه، أو مكره، أو صدر بغير قول: فلا يصح، ولا يُعتبر؛ للسنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ" فلا اعتبار لنذر صبي، ولا مجنون، ولا سفيه؛ لرفع التكاليف الشرعية عنهم، فلا يلزمون بما نذروه ثانيها: قوله ﵇: "عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" فالمُكره على نذر شيء لا يلزم به؛ لأنه معذور بالإكراه، ثالثها: قال عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة فقال له النبي ﵇: "أوف بنذرك" فأوجب عليه أن يوفي بنذره مع أنه فعله في =
стр. 3079
مثل: أن يقول: لله عليّ نذر، ولم يسم شيئًا، فيلزمه كفارة يمين)؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسمَّ كفارة يمين" رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب (٣) (الثاني: نذر اللجاج، والغضب، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه) أي: من الشرط المعلَّق عليه (أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب) كقوله: إن كلمتك، أو إن لم أضربك، أو إن لم يكن هذا الخبر صدقًا أو كذبًا: فعلي الحج، أو العتق ونحوه: (فيخيَّر بين فعله، وكفارة يمين)؛ لحديث عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد في سننه (٤)، (الثالث: نذر المباح، كلبس ثوبه،
حالة كفره، فلزم صحة النذر في الكفر؛ فإن قلتَ: لِم اشترط القول هنا؟ قلتُ: لأن النذر التزام، فلم ينعقد بغير قول.
[فرع]: يصح النذر من الأخرس المكلف المختار بأي إشارة مفهومة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المتكلم يصح نذره بقوله، فكذلك الأخرس يصح نذره بإشارته المفهومة والجامع: فهم المراد في كل.
(٣) مسألة: في الأول - من أقسام النذر الصحيح - وهو: النذر المطلق، وهو: أن يقول: "علي لله نذر" ولا يسمي شيئًا منذورًا معينًا: فهذا تلزمه كفارة يمين - كما سبق بيانها -؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "كفارة النذر إذا لم يُسمَّ كفارة يمين" وهو واضح الدلالة.
(٤) مسألة: في الثاني - من أقسام النذر الصحيح - وهو: نذر اللجاج، والغضب، وهو: أن يُعلِّق نذره بشرط يقصد المنع منه، أو يقصد الحمل عليه، أو التصديق به، أو التكذيب به كأن يقول: "إن كلَّمتك فعلي حجّة" أو يقول: "إن لم يكن هذا الخبر صدقًا، فعبدي حر": فإنه يخيّر بين فعل ذلك المعلق عليه بأن يكلمه وبين أن يُكفِّر بكفارة يمين؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" فبيَّن أنه يجوز التكفير إذا وجد الشرط.
стр. 3080
وركوب دابته) فإن نذر ذلك: (فحكمه كـ) القسم (الثاني) يُخيَّر بين فعله، وكفارة يمين (٥) (وإن نذر مكروهًا: من طلاق، أو غيره: استحبّ له أن يكفر) كفارة يمين (ولا يفعله)؛ لأن ترك المكروه أولى من فعله، وإن فعله: فلا كفارة (٦) (الرابع: نذر المعصية كـ) نذر (شرب الخمر و) نذر (صوم يوم الحيض و) يوم (النحر) وأيام التشريق (فلا يجوز الوفاء به)؛ لقوله ﵇: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (ويكفر) من لم يفعله، روي هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب ﵃ (٧)، ويقضي من نذر صومًا من ذلك غير يوم
(٥) مسألة: في الثالث - من أقسام النذر الصحيح - وهو: نذر المباح، وهو: أن يقول - مثلًا -: "نذرتُ أن ألبس ثوبًا" أو "أركب دابة": فهذا يخيّر بين فعله، وأن يُكفِّر كفارة يمين إذا لم يلبس ثوبًا، أو لم يركب دابة؛ قياسًا على القسم الثاني؛ لعدم الفارق، وقد سبق.
(٦) مسألة: إذا نذر شخص شيئًا مكروهًا كأن يقول: "إن دخلتُ هذه الدار فعلي لله أن أطلق زوجتي": فيستحب له أن يكفر عن ذلك بكفارة يمين، ولا يفعل ذلك وإن فعله: فلا كفارة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ترك المكروه أولى من فعله: أن يكفر، ويترك فعله.
(٧) مسألة: في الرابع - من أقسام النذر الصحيح - وهو: نذر المعصية كأن يقول: "عليّ لله شرب الخمر" أو "علي لله صوم يوم النحر" أو تقول "علي لله صوم يوم الحيض": فهذا لا ينعقد نذره، ولا يلزمه كفارة وهو قول الجمهور؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" فنهي عن الوفاء بنذر المعصية، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، والفساد، أي: لا يترتب عليه آثاره، فإن قلتَ: إن عليه كفارة إذا لم يفعله وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقول الصحابي؛ حيث روي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وعمران بن الحصين، وسمرة بن جندب قلتُ: هذا لا يحتج به؛ لمعارضته السنة القولية؛ فإن قلتَ: ما =
стр. 3081
الحيض (الخامس: نذر التبرُّر مطلقًا) أي: غير معلَّق (أو معلَّقًا كفعل الصلاة، والصيام، والحج، ونحوه) كالعمرة، والصدقة، وعيادة المريض، فمثال المطلق: لله عليَّ أن أصوم، أو أصلي، ومثال المعلَّق (كقوله: إن شفى الله مريضي، أو سلم مالي الغائب: فلله عليّ كذا) من صلاة، أو صوم ونحوه (فوجد الشرط: لزمه الوفاء به) أي: بنذره؛ لحديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" رواه البخاري (٨) (إلّا إذا نذر الصدقة بماله كله) من يسنُّ له، فيجزئه قدر ثلثه، ولا كفارة؛ لقوله ﵇ لأبي لبابة - لمّا نذر أن ينخلع من ماله صدقة لله تعالى: "يُجزئ عنك الثلث" رواه أحمد (٩)
سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة" تنبيه: بيَّن المصنف أنه إذا نذر صوم يوم محرم عليه صومه: فلا يصومه، ولكن يقضي صومًا مكانه، إلا إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها: فلا تقضيه، وهذا بناء على مذهبه أن النذر منعقد، وبيَّنا: أنه لا ينعقد نذره، تنبيه آخر: قوله: "وأيام التشريق" هذا ورد بناء على مذهبه من أنه يحرم صيام أيام التشريق، وهذا مرجوح كما سبق بيان ذلك في كتاب الصيام.
(٨) مسألة: في الخامس - من أقسام النذر الصحيح - وهو: نذر التبرُّر والتقرب إلى الله تعالى: سواء كان مطلقًا كقوله: "لله عليّ أن أصلي" أو كان معلَّقًا بشيء كقوله: "إن شفي مريضي فلله علي أن أتصدق" فهذا يجب عليه أن يفي بما نذره إذا كان مطلقًا بما يصدق عليه اسم الصلاة - وهو ركعتان -، وإن وجد الشرط في المعلَّق: فعليه أن يفي بما نذره فيتصدَّق بما يُسمَّى صدقة، وهكذا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" فأوجب الله الوفاء بالنذر إذا كان في طاعة الله تعالى؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب.
(٩) مسألة: إذا نذر شخص أن يتصدَّق بماله كله: فيجزئه أن يتصدَّق بثلث ماله، ولا كفارة عليه؛ للسنة القولية: حيث إن أبا لبابة قد نذر أن يتصدَّق بماله كله لله =
стр. 3082
(أو) نذر الصدقة (بمسمى منه) أي: ماله كألف (يزيد) ما سمَّاه (على ثلث الكل: فإنه يجزئه) أن يتصدَّق (بقدر الثلث) ولا كفارة عليه، جزم به في "الوجيز" وغيره، والمذهب: أنه يلزمه الصدقة بما سمَّاه، ولو زاد على الثلث كما في "الإنصاف" وقطع به في "المنتهى" وغيره (١٠) (وفيما عداها) أي: عدا المسألة المذكورة بأن نذر الثلث فما دونه: (يلزمه) الصدقة بـ (المسمَّى)؛ لعموم ما سبق من حديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (ومن نذر صوم شهر) معيَّن كرجب، أو مطلق: (لزمه التتابع)؛ لأن إطلاق الشهر يقتضي التتابع: سواء صام شهرًا بالهلال، أو ثلاثين يومًا بالعدد (وإن نذر أيامًا معدودة) كعشرة أيام، أو ثلاثين يومًا: (لم يلزمه التتابع)؛ لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع (إلا بشرط): بأن يقول: "متتابعة" (أو نية) التتابع (١١)، ومن نذر
تعالى فبيَّن له النبي ﵇: أنه يجزئه أن يتصدَّق بثلثه، ولم يذكر كفارة، فيلزم منه: عدم مشروعية الكفارة هنا.
(١٠) مسألة: إذا نذر شخص أن يتصدَّق بألف دينار: فيجب عليه أن يتصدَّق به، ولو زاد على ثلث ماله بشرط: أن لا يكون ذلك الألف كل ماله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من التزامه بهذا المبلغ بعينه: أن يوفي به، فإن قلت: إذا كان هذا الألف أكثر من ثلث ماله كله فلا يتصدَّق إلا بما يُعادل ذلك الثلث، أما إن كان الألف ثلث فأقل: فيوفي به، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو نذر أن يتصدَّق بكل ماله: فيجزئه الثلث - كما سبق في مسألة (٩) - فكذلك الحال هنا، والجامع: عدم الزيادة على الثلث، قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه في مسألة (٩) قد نذر كل ماله، وهذا نذر بما سماه منه، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" تنبيه: قوله: "وفيما عداها .. " هذا هو المقصود في مسألة (٨) وقد سبقت.
(١١) مسألة: إذا نذر شخص صوم شهر معين كأن يقول: "علي صوم شهر رجب"، =
стр. 3083
صوم الدهر: لزمه، فإن أفطر: كفَّر فقط بغير صوم، ولا يدخل فيه رمضان، ولا يوم نهي، ويقضي فطره برمضان، ويصام لظهار ونحوه منه، ويُكفِّر مع صوم ظهار، ونحوه (١٢)، ومن نذر صوم يوم الخميس ونحوه، فوافق عيدًا، أو أيام تشريق: أفطر،
أو شهر غير معين كأن يقول: "علي صوم شهر"، أو نذر صوم أيام معدودة كأن يقول: "عليّ صوم عشرة أيام": فيجب عليه أن يوفي بنذره، ويصوم عدد أيام الشهر، أو عدد الأيام المعدودة، ولا يجب عليه التتابع في تلك الصور الثلاث، بل يصوم عدد ما نذره: سواء صام شهرًا بالهلال، أو صام ثلاثين يومًا بالعدد، فإن أفطر في يوم من أيام الشهر: قضاه في يوم آخر من غير ذلك الشهر بشرط: أن لا يقول عند نذره: "متتابعة" أو ينوي التتابع، فإن قال أو نوى ذلك: وجب عليه التتابع؛ للتلازم؛ حيث إن صحة إطلاق الشهر على ما بين الهلالين، وإطلاقه على ثلاثين يومًا، وأنه يجزئه لو صام ثلاثين يومًا بالاتفاق: يلزم منه: عدم وجوب التتابع فيما لو نذر أن يصوم شهرًا معينًا، أو شهرًا مطلقًا ويلزم من نذره صوم أيام فقط: عدم وجوب التتابع؛ لأنه لا دلالة للأيام على التتابع، ويلزم من اشتراطه للتتابع في ذلك، أو نيته لذلك: وجوب التتابع عليه؛ عملًا بذلك الشرط والنية، فإن قلت: صوم شهر معين أو شهرًا مطلقًا: يجب عليه التتابع، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن إطلاق الشهر يلزم منه التتابع قلتُ: لا يُسلَّم أنه يقتضيه؛ لأن الشهر يُطلق على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يومًا، وإذا نذر ثلاثين يومًا فلا يلزمه التتابع فكذلك إذا نذر صوم شهر فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٢) مسألة: إذا نذر أن يصوم عامًا كاملًا: فيجب عليه أن يصومه، فإن أفطر يومًا: فإنه يُكفِّر كفارة يمين، ولا يقضيه بصوم، ولا يحسب من العام شهر رمضان بل يصومه فرضًا، ولا يوم من الأيام المنهي عن الصيام فيها كيوم العيدين، أو يوم حيض، ولا كفارة ولا قضاء، وإن ظاهر من زوجته، أو جامع زوجته في نهار =
стр. 3084
وقضى، وكفَّر (١٣) وإن نذر صلاة، وأطلق: فأقله ركعتان قائمًا لقادر (١٤)، وإن نذر صومًا وأطلق، أو صوم بعض يوم: لزمه يوم بنية من الليل (١٥)، ولمن نذر صلاة جالسًا: أن يصليها قائمًا (١٦)، .........................
رمضان أو قتل في ذلك العام المنذور صومه: فإنه يصوم لذلك من ذلك العام المنذور صومه، ويكفِّر كفارة يمين عمّا فاته من ذلك العام، ولا يقضيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نذره ذلك: تلك الأحكام السابقة الذكر؛ لأنه ألزم نفسه بشيء قادر على فعله، ويلزم من إفطاره يومًا من العام المنذور صومه: أن يكفر، دون أن يقضيه، ويلزم من وجوب صوم رمضان، وصوم كفارة الظهار، والمجامعة في نهار رمضان بأصل الشرع: أن يقدم على صوم النذر؛ لأنه أوجبه هو على نفسه، ويلزم من كون أيام النهي لا تقبل صوم النذر: عدم الكفارة وفطرها والقضاء؛ لأن نذر صومها لا ينعقد فيها أصلًا.
(١٣) مسألة: إذا نذر شخص أن يصوم يوم الخميس: فوافق أن كان يوم الخميس يوم عيد: فإنه يفطر، ويقضي نذره في يوم آخر، ويُكفِّر بكفارة يمين؛ للتلازم؛ حيث إن تحريم صوم يوم العيد، وانعقاد نذره، وعدم فعل ما نذره: أن يفطر في ذلك اليوم، ويقضي يومًا مكانه، ويكفِّر كفارة يمين؛ لفوات محلِّه.
(١٤) مسألة: إذا نذر صلاة وأطلق: فيجب عليه أن يصلي ركعتين وهو قائم إن كان قادرًا عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الركعتين أقل صلاة: وجوب ذلك؛ لأنه أقل ما يطلق عليه الاسم.
(١٥) مسألة: إذا نذر شخص أن يصوم، وأطلق، أو نذر أن يصوم بعض يوم: فيجب عليه أن يصوم يومًا كاملًا، وينوي لذلك من الليل؛ للتلازم؛ حيث إن أقل ما يطلق عليه صوم هو صوم يوم كامل فيلزم وجوبه.
(١٦) مسألة: إذا نذر شخص أن يصلي جالسًا: يستحب أن يصلي ركعتين قائمًا؛ للتلازم؛ حيث إن الصلاة قائمًا أفضل: فلزم استحبابه.
стр. 3085
وإن نذر رقبة: فأقل مجزئ في كفارة (١٧).
(١٧) مسألة: إذا نذر شخص أن يعتق رقبة - عبدًا أو أمة -: فإنه يجزئه أن يُعتق أقل ما يجزي في كفارة ظهار، أو قتل ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يجزئ فيما ثبت بأصل الشرع فيلزم إجزاؤه.
هذه آخر مسائل باب: "النذر" وهو آخر كتاب: "الأيمان والنذور" ويليه كتاب: "القضاء".
следующие страницы →