Полный текст (3 194 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
الحيض (الخامس: نذر التبرُّر مطلقًا) أي: غير معلَّق (أو معلَّقًا كفعل الصلاة، والصيام، والحج، ونحوه) كالعمرة، والصدقة، وعيادة المريض، فمثال المطلق: لله عليَّ أن أصوم، أو أصلي، ومثال المعلَّق (كقوله: إن شفى الله مريضي، أو سلم مالي الغائب: فلله عليّ كذا) من صلاة، أو صوم ونحوه (فوجد الشرط: لزمه الوفاء به) أي: بنذره؛ لحديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" رواه البخاري (٨) (إلّا إذا نذر الصدقة بماله كله) من يسنُّ له، فيجزئه قدر ثلثه، ولا كفارة؛ لقوله ﵇ لأبي لبابة - لمّا نذر أن ينخلع من ماله صدقة لله تعالى: "يُجزئ عنك الثلث" رواه أحمد (٩)
سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة" تنبيه: بيَّن المصنف أنه إذا نذر صوم يوم محرم عليه صومه: فلا يصومه، ولكن يقضي صومًا مكانه، إلا إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها: فلا تقضيه، وهذا بناء على مذهبه أن النذر منعقد، وبيَّنا: أنه لا ينعقد نذره، تنبيه آخر: قوله: "وأيام التشريق" هذا ورد بناء على مذهبه من أنه يحرم صيام أيام التشريق، وهذا مرجوح كما سبق بيان ذلك في كتاب الصيام.
(٨) مسألة: في الخامس - من أقسام النذر الصحيح - وهو: نذر التبرُّر والتقرب إلى الله تعالى: سواء كان مطلقًا كقوله: "لله عليّ أن أصلي" أو كان معلَّقًا بشيء كقوله: "إن شفي مريضي فلله علي أن أتصدق" فهذا يجب عليه أن يفي بما نذره إذا كان مطلقًا بما يصدق عليه اسم الصلاة - وهو ركعتان -، وإن وجد الشرط في المعلَّق: فعليه أن يفي بما نذره فيتصدَّق بما يُسمَّى صدقة، وهكذا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" فأوجب الله الوفاء بالنذر إذا كان في طاعة الله تعالى؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب.
(٩) مسألة: إذا نذر شخص أن يتصدَّق بماله كله: فيجزئه أن يتصدَّق بثلث ماله، ولا كفارة عليه؛ للسنة القولية: حيث إن أبا لبابة قد نذر أن يتصدَّق بماله كله لله =
стр. 3082
(أو) نذر الصدقة (بمسمى منه) أي: ماله كألف (يزيد) ما سمَّاه (على ثلث الكل: فإنه يجزئه) أن يتصدَّق (بقدر الثلث) ولا كفارة عليه، جزم به في "الوجيز" وغيره، والمذهب: أنه يلزمه الصدقة بما سمَّاه، ولو زاد على الثلث كما في "الإنصاف" وقطع به في "المنتهى" وغيره (١٠) (وفيما عداها) أي: عدا المسألة المذكورة بأن نذر الثلث فما دونه: (يلزمه) الصدقة بـ (المسمَّى)؛ لعموم ما سبق من حديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (ومن نذر صوم شهر) معيَّن كرجب، أو مطلق: (لزمه التتابع)؛ لأن إطلاق الشهر يقتضي التتابع: سواء صام شهرًا بالهلال، أو ثلاثين يومًا بالعدد (وإن نذر أيامًا معدودة) كعشرة أيام، أو ثلاثين يومًا: (لم يلزمه التتابع)؛ لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع (إلا بشرط): بأن يقول: "متتابعة" (أو نية) التتابع (١١)، ومن نذر
تعالى فبيَّن له النبي ﵇: أنه يجزئه أن يتصدَّق بثلثه، ولم يذكر كفارة، فيلزم منه: عدم مشروعية الكفارة هنا.
(١٠) مسألة: إذا نذر شخص أن يتصدَّق بألف دينار: فيجب عليه أن يتصدَّق به، ولو زاد على ثلث ماله بشرط: أن لا يكون ذلك الألف كل ماله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من التزامه بهذا المبلغ بعينه: أن يوفي به، فإن قلت: إذا كان هذا الألف أكثر من ثلث ماله كله فلا يتصدَّق إلا بما يُعادل ذلك الثلث، أما إن كان الألف ثلث فأقل: فيوفي به، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو نذر أن يتصدَّق بكل ماله: فيجزئه الثلث - كما سبق في مسألة (٩) - فكذلك الحال هنا، والجامع: عدم الزيادة على الثلث، قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه في مسألة (٩) قد نذر كل ماله، وهذا نذر بما سماه منه، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" تنبيه: قوله: "وفيما عداها .. " هذا هو المقصود في مسألة (٨) وقد سبقت.
(١١) مسألة: إذا نذر شخص صوم شهر معين كأن يقول: "علي صوم شهر رجب"، =
стр. 3083
صوم الدهر: لزمه، فإن أفطر: كفَّر فقط بغير صوم، ولا يدخل فيه رمضان، ولا يوم نهي، ويقضي فطره برمضان، ويصام لظهار ونحوه منه، ويُكفِّر مع صوم ظهار، ونحوه (١٢)، ومن نذر صوم يوم الخميس ونحوه، فوافق عيدًا، أو أيام تشريق: أفطر،
أو شهر غير معين كأن يقول: "علي صوم شهر"، أو نذر صوم أيام معدودة كأن يقول: "عليّ صوم عشرة أيام": فيجب عليه أن يوفي بنذره، ويصوم عدد أيام الشهر، أو عدد الأيام المعدودة، ولا يجب عليه التتابع في تلك الصور الثلاث، بل يصوم عدد ما نذره: سواء صام شهرًا بالهلال، أو صام ثلاثين يومًا بالعدد، فإن أفطر في يوم من أيام الشهر: قضاه في يوم آخر من غير ذلك الشهر بشرط: أن لا يقول عند نذره: "متتابعة" أو ينوي التتابع، فإن قال أو نوى ذلك: وجب عليه التتابع؛ للتلازم؛ حيث إن صحة إطلاق الشهر على ما بين الهلالين، وإطلاقه على ثلاثين يومًا، وأنه يجزئه لو صام ثلاثين يومًا بالاتفاق: يلزم منه: عدم وجوب التتابع فيما لو نذر أن يصوم شهرًا معينًا، أو شهرًا مطلقًا ويلزم من نذره صوم أيام فقط: عدم وجوب التتابع؛ لأنه لا دلالة للأيام على التتابع، ويلزم من اشتراطه للتتابع في ذلك، أو نيته لذلك: وجوب التتابع عليه؛ عملًا بذلك الشرط والنية، فإن قلت: صوم شهر معين أو شهرًا مطلقًا: يجب عليه التتابع، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن إطلاق الشهر يلزم منه التتابع قلتُ: لا يُسلَّم أنه يقتضيه؛ لأن الشهر يُطلق على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يومًا، وإذا نذر ثلاثين يومًا فلا يلزمه التتابع فكذلك إذا نذر صوم شهر فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٢) مسألة: إذا نذر أن يصوم عامًا كاملًا: فيجب عليه أن يصومه، فإن أفطر يومًا: فإنه يُكفِّر كفارة يمين، ولا يقضيه بصوم، ولا يحسب من العام شهر رمضان بل يصومه فرضًا، ولا يوم من الأيام المنهي عن الصيام فيها كيوم العيدين، أو يوم حيض، ولا كفارة ولا قضاء، وإن ظاهر من زوجته، أو جامع زوجته في نهار =
стр. 3084
وقضى، وكفَّر (١٣) وإن نذر صلاة، وأطلق: فأقله ركعتان قائمًا لقادر (١٤)، وإن نذر صومًا وأطلق، أو صوم بعض يوم: لزمه يوم بنية من الليل (١٥)، ولمن نذر صلاة جالسًا: أن يصليها قائمًا (١٦)، .........................
رمضان أو قتل في ذلك العام المنذور صومه: فإنه يصوم لذلك من ذلك العام المنذور صومه، ويكفِّر كفارة يمين عمّا فاته من ذلك العام، ولا يقضيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نذره ذلك: تلك الأحكام السابقة الذكر؛ لأنه ألزم نفسه بشيء قادر على فعله، ويلزم من إفطاره يومًا من العام المنذور صومه: أن يكفر، دون أن يقضيه، ويلزم من وجوب صوم رمضان، وصوم كفارة الظهار، والمجامعة في نهار رمضان بأصل الشرع: أن يقدم على صوم النذر؛ لأنه أوجبه هو على نفسه، ويلزم من كون أيام النهي لا تقبل صوم النذر: عدم الكفارة وفطرها والقضاء؛ لأن نذر صومها لا ينعقد فيها أصلًا.
(١٣) مسألة: إذا نذر شخص أن يصوم يوم الخميس: فوافق أن كان يوم الخميس يوم عيد: فإنه يفطر، ويقضي نذره في يوم آخر، ويُكفِّر بكفارة يمين؛ للتلازم؛ حيث إن تحريم صوم يوم العيد، وانعقاد نذره، وعدم فعل ما نذره: أن يفطر في ذلك اليوم، ويقضي يومًا مكانه، ويكفِّر كفارة يمين؛ لفوات محلِّه.
(١٤) مسألة: إذا نذر صلاة وأطلق: فيجب عليه أن يصلي ركعتين وهو قائم إن كان قادرًا عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الركعتين أقل صلاة: وجوب ذلك؛ لأنه أقل ما يطلق عليه الاسم.
(١٥) مسألة: إذا نذر شخص أن يصوم، وأطلق، أو نذر أن يصوم بعض يوم: فيجب عليه أن يصوم يومًا كاملًا، وينوي لذلك من الليل؛ للتلازم؛ حيث إن أقل ما يطلق عليه صوم هو صوم يوم كامل فيلزم وجوبه.
(١٦) مسألة: إذا نذر شخص أن يصلي جالسًا: يستحب أن يصلي ركعتين قائمًا؛ للتلازم؛ حيث إن الصلاة قائمًا أفضل: فلزم استحبابه.
стр. 3085
وإن نذر رقبة: فأقل مجزئ في كفارة (١٧).
(١٧) مسألة: إذا نذر شخص أن يعتق رقبة - عبدًا أو أمة -: فإنه يجزئه أن يُعتق أقل ما يجزي في كفارة ظهار، أو قتل ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يجزئ فيما ثبت بأصل الشرع فيلزم إجزاؤه.
هذه آخر مسائل باب: "النذر" وهو آخر كتاب: "الأيمان والنذور" ويليه كتاب: "القضاء".
стр. 3086
كتاب القضاء
لغة: إحكام الشيء، والفراغ منه، ومنه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، واصطلاحًا: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الحكومات (١) (وهو فرض كفاية)؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه (٢) (ويلزم الإمام أن ينصب في كل إقليم)
كتاب القضاء، والفتيا
بيان حقيقتهما، وحكمهما، وواجب الإمام في اختيار القاضي، ووصيته له، وألفاظ توليته، وعمل القاضي، وحكم طلبه للرزق، وشروط وصفات القاضي
وفيه خمس وعشرون مسألة:
(١) مسألة: القضاء لغة: الحكم، والفصل، ويطلق على الأحكام، والفراغ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: أحكمها، وفرغ منها، وهو في الاصطلاح: إظهار الحكم الشرعي للخصمين وإلزامهما به، والفتيا اصطلاحًا: إظهار الحكم الشرعي للسائل عنه، دون الإلزام به ومن يتولى القضاء يُسمَّى قاضيًا، وحاكمًا، فإن قلت: لِمَ سُمِّي بذلك؟ قلتُ: لأن القاضي يمضي الأحكام ويوجب العمل بها على كل من الخصمين.
(٢) مسألة: القضاء والفتيا فرض كفاية، فلا بدّ للناس من قاض وحاكم ليحكم بينهم بالعدل؛ لئلا تؤكل حقوق الناس بالباطل؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الثانية: السنة القولية والفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد تولى القضاء، وكذلك الأنبياء الذين قبله، وبعث ﵇ عليًا، ومعاذًا قاضيين إلى اليمن، وقال عقبة بن عامر: جاء النبي ﵇ خصمان يختصمان إليه فقال: "اقضِ بينهما" قلت: =
стр. 3087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنت أولى بذلك قال: "وإن كان" قلتُ: علام أقضي؟ قال: "اقض فإن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد" وهذا إشارة إلى أهمية القضاء بين الخصوم و"أمر ﵇ بأن لا يسافر اثنان إلا ويجعلان أحدهما أميرًا" وهذا تنبيه على أنه لا بد للأمر من رأس يقضي ويفصل؛ لئلا تحصل فتنة؛ الثالثة: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن الخلفاء الراشدين قد تولّوا القضاء، وبعثوا القضاة في الأطراف ليقضوا بين الناس الرابعة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على وجوب نصب القضاة الذين يحكمون بين الناس، فإن قلتَ: لِمَ وجب نصب القضاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أمر الناس، وحياتهم لا يمكن أن تستقيم بدونهم، إذ في القضاء أمر بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وإيصال الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظلمه، وإصلاح بين الناس، وتخليص بعضهم من بعض، وإثبات شرع الله في أرضه وعلى خلقه، وتأمين الناس في دورهم، وأسواقهم، وهذا من أعظم القرب إلى الله تعالى ولذلك وجب على من بلغ درجة الاجتهاد في الشريعة، وقوي عليه أن يتولاه، وله أجران في كل قضية أصاب فيها، وله أجر واحد إذا أخطأ فيها؛ حيث قال ﵇: "إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر" أما إذا لم يبلغ درجة الاجتهاد في الشريعة، أو كان بالغًا لدرجة الاجتهاد ولكن غلب على ظنه أنه لا يؤدي الحق في القضاء: فيحرّم عليه أن يتولَّاه؛ للمصلحة: حيث يلزم من عدم بلوغه درجة الاجتهاد أو عدم أدائه للحق فيه: أن لا يؤدي الحقوق إلى أهلها ويكون الحكم بالتشهي، والتلذذ ويكون الجهال هم الحكّام، ويُبعد العلماء المحققون فينتشر الفساد والظلم، ولا يأمن أحد على نفسه، ولا على أمواله، ولا على أي شيء كان، فيكسل الناس عن العمل: فلا يعملون بتجارة، ولا زراعة ولا غيرها وفي هذا هدم للإسلام والمسلمين، وقد وقع بعض من ذلك.
стр. 3088
- بكسر الهمزة - (قاضيًا)؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر الخصومات في جميع البلدان بنفسه، فوجب أن يرتّب في كل إقليم من يتولّى فصل الخصومات بينهم؛ لئلا تضيع الحقوق (٣) (ويختار) لنصب القضاء (أفضل من يجد علمًا وورعًا)؛ لأن الإمام ناظر للمسلمين فيجب عليه اختيار الأصلح لهم (٤) (ويأمره بتقوى الله)؛ لأن التقوى رأس الدِّين (و) يأمره بـ (أن يتحرَّى العدل) أي: إعطاء الحق لمستحقه من غير ميل (٥)
(٣) مسألة: يجب على الإمام الأعظم أن يُعيِّن في كل بلد قاضيًا؛ للمصلحة: حيث إن الإمام نفسه لا يمكنه أن يباشر الخصومات بين الناس في جميع البلدان؛ فجلبًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة من حفظ حقوق الناس: وجب أن يُعيِّن في كل بلد قاضيًا يقوم بذلك عنه.
(٤) مسألة: يجب على الإمام الأعظم أن يختار لمنصب القضاء أفضل شخصٍ: علمًا، وورعًا، وتقوى، وهذا يثبت بعدَّة اختبارات يقوم بها الإمام بنفسه لذلك الشخص: فيسأله عن عدَّة أمور في الدين والدنيا، فإذا ثبت عنده العلم والورع: فإنه يعينه للقضاء، وإن لم يتمكّن الإمام من فعل ذلك: فإنه يوكِّل من يثق به أن يعقد لذلك الشخص الذي يُراد للقضاء عدَّة جلسات؛ لاختباره لمعرفة علمه وورعه؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابة؛ حيث كان الخلفاء الراشدون لا يولُّون أحدًا القضاء أو أي عمل إلّا بعد عدة اختبارات وامتحانات لهم في الأمور الشرعية والدنيوية الثانية: المصلحة؛ حيث إن الإمام الأعظم ناظر للمسلمين عامة، فيجب عليه اختيار الأصلح علمًا وورعًا لهم، وإذا اختار غير الأصلح وهو يعلم ذلك: فقد غشَّ المسلمين فيه، فيقع عليه إثم عظيم ويدخل في عموم قوله ﵇: "من غشَّنا فليس منَّا".
(٥) مسألة: يجب على الإمام الأعظم إذا ولَّى شخصًا القضاء أن يوصيه بشيئين مهمين:
أولهما: أن يأمره بتقوى الله تعالى، فيفعل كل ما أمر الشارع به، ويترك كل ما نهى الشارع عنه، ثانيهما: أن يأمره بأن يتحرَّى ويجتهد لإقامة العدل بين المتخاصمين، =
стр. 3089
(ويجتهد القاضي في إقامته) أي: إقامة العدل بين الأخصام (٦)، ويجب على من يصلح، ولم يوجد غيره ممّن يوثق به أن يدخل فيه إن لم يشغله عمّا هو أهمّ منه (٧)،
وإعطاء كل ذي حق حقه من غير ميل لأحد الخصمين؛ للمصلحة: حيث إن ذلك إعانة للقاضي في إقامة الحق، وتقوية لقلبه، وبيان من الإمام الأعظم على الاعتناء بأمر الشرع، والاهتمام بأهله.
(٦) مسألة: يجب على القاضي أن يبذل قصارى اجتهاده في إقامة العدل بين الخصوم، وعدم الميل إلى أحدهما، وهذا يحصل بالتفكير بأدلة الخصمين تفكيرًا دقيقًا، وعدم الاستعجال بإظهار الحكم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" فحرَّم الشارع أن يقضي القاضي بين الخصمين وهو في حالة لا يمكنه التركيز بأدلة الخصمين بسبب الغضب، أو كل ما يشغله عن ذلك كشدة جوعه، أو عطشه، أو ألمه، أو شدة برد، أو حر، أو كونه حاقنًا أو نحو ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، ولأن العلَّة في الحديث: "انشغال الفكر المانع من التفكير السليم" وهي متعدية، وهذا فيه إيماء إلى وجوب بذل قصارى جهده في أدلة الخصمين الموصل إلى العدل، الثانية: المصلحة؛ حيث إن عدم اجتهاد القاضي لإقامة العدل فيه الحكم بغير حكم الله تعالى، وعدم الإنصاف، مما يؤدِّي إلى الفتنة، ونصر الظلم، وخذل الحق، فدفعًا لذلك: شرع ما قلناه.
(٧) مسألة: إذا كان زيد يصلح للقضاء: علمًا، وورعًا: فيجب عليه أن يتولَّاه بشرطين: أولهما: أن لا يوجد غيره ممّن هو أعلم منه وأورع ممّن يوثق به، ثانيهما: أن لا يُشغله تولِّي القضاء عمّا هو أهمّ منه كأن يشغله عن أمر دينه، فإن وجد من هو أعلم منه، وأورع، أو كان القضاء يشغله عمّا هو أهم منه في الدِّين: فلا يجوز لزيد أن يتولّاه، ولا يجوز طلبه؛ للمصلحة: حيث إن عدم وجود غيره يقوم بالقضاء: يجعله يتعيَّن عليه؛ حفظًا لحقوق الناس من أن يستولي عليها الظلمة، وإذا وجد غيره أفضل =
стр. 3090
ويحرم بذل مال فيه، وأخذه (٨)، وطلبه وفيه مباشر أهل (٩) (فيقول) المولى لمن يولِّيه: (ولَّيتك الحكم، أو قلَّدتك الحكم ونحوه) كفوّضت، أو رددت، أو جعلت إليك الحكم، أو استنبتك، أو استخلفتك في الحكم، والكناية نحو: اعتمدتُ أو عوَّلتُ عليك، لا ينعقد بها إلا بقرينة نحو: فاحكم (ويكاتبه) بالولاية (في البعد) أي: إذا كان غائبًا، فيكتب له الإمام عهدًا بما ولّاه (١٠)، ......................
منه، أو إذا تولّاه زيد سيشغله عمّا هو أهمّ منه يلزم منه ترك الفاضل، وفعل المفضول، وهذا لا يجوز؛ لما فيه من إلحاق الضرر إلى الناس.
(٨) مسألة: يحرم على الشخص: أن يبذل مالًا للإمام الأعظم، أو يجعل أحدًا يُكلِّم الإمام الأعظم لأجل أن يوليه القضاء: ولو كان ذلك الشخص عالمًا ويحرم على الإمام أن يأخذ ذلك المال؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك من أكل المال بالباطل فيلزم عدم جوازه.
(٩) مسألة: يحرم على الشخص أن يطلب من الإمام الأعظم أن يولِّيه القضاء، في حين وجود قاضٍ صالح له، ولو كان ذلك الطالب للقضاء أهلًا للقضاء: علمًا، وورعًا، ويُكره للإمام أن يولِّي ذلك الطالب للقضاء؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه نزع حق من صاحبه، وهذا ظلم ظاهر، وهو محرم، فيجب تركه.
(١٠) مسألة: الألفاظ لتولية القضاء قسمان: أولهما: الألفاظ الصريحة، كأن يقول الإمام: "ولَّيتك الحكم" أو "قلَّدتك الحكم" أو "فوَّضت إليك الحكم" أو "رددت إليك الحكم" أو "جعلت إليك الحكم" أو "استنبتك في الحكم" أو "استخلفتك في الحكم"، فإذا وُجد المولَّى في مجلس الإمام، وقبل، أو كان غائبًا فكاتبه بهذه الألفاظ ووضع خاتمه على الكتابة وقبل: فإن ولاية القضاء تنعقد له شرعًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الألفاظ لا تحتمل عدم التولية: أن تكون صريحة لا تحتاج إلى قرينة، ثانيهما: الألفاظ غير الصريحة - وهي: الكناية - كأن يقول الإمام: "اعتمدت عليك" أو "عوَّلتُ عليك" أو "وكَّلت إليك الأمر" أو: =
стр. 3091
ويُشهد عدلين عليها (١١) (وتفيد ولاية الحكم العامة: الفصل بين الخصوم، وأخذ الحق لبعضهم من بعض) أي: أخذه لربه ممّن هو عليه (والنظر في أموال غير الراشدين) كالصغير، والمجنون، والسفيه، وكذا: مال غائب (والحجر على من يستوجبه لسفه، أو فلس، والنظر في وقوف عمله؛ ليعمل بشرطها، وتنفيذ الوصايا، وتزويج من لا ولي لها) من النساء (وإقامة الحدود، وإمامة الجمعة والعيد) ما لم يخصَّا بإمام (والنظر في مصالح عمله بكفّ الأذى عن الطرقات وأفنيتها، ونحوه) كجباية خراج، وزكاة ما لم يخصا بعامل، وتصفّح شهوده، وأمنائه؛ ليستبدل بمن يثبت جرحه، والاحتساب على الباعة، والمشترين، وإلزامهم بالشرع (١٢) (ويجوز أن يولِّي
"أسندت إليك الحكم" ونحو ذلك من الألفاظ، فهذه لا ينعقد بها إلّا بقرينة؛ للتلازم؛ حيث إن هذه الألفاظ تحتمل الولاية وغيرها فيلزم عدم صحة الولاية بها إلّا بقرينة تنفي الاحتمال.
(١١) مسألة: لا يُشترط: أن يُشهد الإمام الأعظم شاهدين عدلين إذا ولَّى غائبًا القضاء؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد الاستقراء والتتبّع أن الرسول ﷺ ، وكذلك الخلفاء الراشدون لم يكونوا يشهدون أحدًا على تلك التولية، وإنما كانوا يكتبون ويختمون بما يدل على أنه كتاب منهم بالتولية، فإن قلتَ: يُشترط هنا الإشهاد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه استيثاق وتأكيد أن التولية صادرة من الإمام الأعظم قلتُ: لا حاجة لهذا، إذ إن كتابات الإمام الأعظم وأختامه لا يجرؤ أحد أن يُقلِّدها، وهيبة الإمام تمنع من ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع الاستقراء".
(١٢) مسألة: إذا وُلِّي شخص القضاء في بلدٍ ولاية عامة: فإن واجبه أن ينظر في عشرة أشياء وهي: فصل الخصومات، واستيفاء الحق ممّن هو عليه، وإعطاؤه لمن يستحقه، والنظر في أموال الغائبين، واليتامى، والصبيان، والمجانين، والسفهاء، والحجر على من يرى الحجر عليه؛ لسفه، أو فَلَس، والنظر في وقوف بلدته؛ =
стр. 3092
القاضي عموم النظر في عموم العمل): بأن يولّيه سائر الأحكام في سائر البلدان (١٣) (و) يجوز أن (يولِّي خاصًا فيهما): بأن يولِّيه الأنكحة بمصر مثلًا (أو) يولِّيه خاصًا (في أحدهما): بأن يولِّيه سائر الأحكام ببلد معيَّن، أو يولِّيه الأنكحة بسائر البلدان (١٤)،
ليعمل بشرط موقفها، والنظر في الوصايا؛ ليعمل بنص الموصي، وتزويج من لا ولي لها من النساء، والنظر في كل ما يجلب المصالح لبلده، ويدفع عنه المفاسد: بأن يقيم الطرقات، والأفنية، وترسيم الحدود بين الجيران، والنظر في تأدية زكاة المسلمين، وجباية وخراج غيرهم، والنظر في الشهود، والأمناء ليبقي المزكَّى، والمعدَّل، ويُبعد المجروح، والفاسق، والنظر في البائعين، وأماكنهم، والمشترين والتأكّد من أنهم يبيعون، ويشترون على حسب القواعد والأنظمة الشرعية، ونحو ذلك مما يحتاج فيه إلى تدخل شرعي؛ للعادة والعرف والمصلحة؛ حيث إن العادة من القضاة تولِّي هذه الأشياء عند إطلاق ولايتهم للقضاء فكان على ما جرت العادة فيه؛ جلبًا للمصالح، ودفعًا للمفاسد.
(١٣) مسألة: يجوز للإمام الأعظم أن يولِّي شخصًا القضاء والنظر في عموم الأحكام الشرعية، في سائر بلدان الدولة، فيكون عامًا في النظر، وعامًا في العمل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الإمام الأعظم يتولَّى كل شيء من الأحكام الشرعية في جميع البلدان فكذلك القاضي يتولّى مثله في ذلك، والجامع: النظر في مصالح الناس.
(١٤) مسألة: يجوز للإمام الأعظم أن يولِّي شخصًا القضاء في الأنكحة أو الأحوال الشخصية فقط، في جميع بلدان الدولة، ويجوز أن يولِّيه سائر الأحكام الشرعية في بلد واحد معيَّن، ويجوز أن يولّيه القضاء في المواريث في بلد معيَّن فقط، ونحو ذلك من الأعمال التي يُحسنها ذلك الشخص؛ للمصلحة: حيث إن الواجب أن يُعيَّن كلُّ شخص على رأس العمل الذي يحسنه، وهو له أهل، وفي ذلك جلب مصالح للعباد والبلاد ودفع مفاسد عنهم.
стр. 3093
وإذا ولَّاه ببلد معيَّن: نفَّذ حكمه في مقيم به، وطارئ إليه فقط، وإن ولَّاه بمحل معيَّن، لم ينفذ حكمه في غيره، ولا يسمع بيِّنة إلّا فيه كتعديلها (١٥)، وللقاضي طلب رزق من بيت المال؛ لنفسه، وخلفائه، فإن لم يجعل له فيه شيء، وليس له ما يكفيه، وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلّا بجعل: جاز، ومن يأخذ من بيت المال: لم يأخذ أجرة لفتياه، ولا لحكمه (١٦)، (ويشترط في القاضي عشر صفات: كونه بالغًا
(١٥) مسألة: إذا ولَّى الإمام الأعظم شخصًا قاضيًا في بلد معيَّن: فإن حكم ذلك القاضي ينفذ في جميع المقيمين في ذلك البلد، والوافدين عليه، وهم المقيمون فيه إقامة طارئة ومؤقتة، أما غير المقيم في ذلك البلد، وليس بطاري ووافد إليه: فلا يدخل تحت ولايته، وكذلك إذا سافر القاضي إلى بلد آخر لم يولَّ عليه فلا ينفذ حكمه في المقيمين الساكنين في ذلك البلد الآخر، وكذا: لو وُلِّي القضاء في مجلس، أو محل معين: فلا ينفذ حكمه في مجلس، أو محل آخر، ولا يسمع بيِّنة إلا في محل وبلد ولايته فقط، وهو محل حكمه، ولو سمع ذلك، أو حكم في غير مجلس، أو محل، أو بلد ولايته فيجب أن يعيد ذلك في مجلس، أو محل، أو بلد ولايته؛ للمصلحة: حيث إن كل قاض قد أذن له الإمام الأعظم بأن يقضي في بلد، أو محل، أو مجلس قد عيّنه له، فلا يتعدَّاه القاضي إلى غيره؛ لأن الإمام الأعظم قد علم بواسطة عيونه وجواسيسه أن هذا لا يصلح إلّا للبلد الفلاني فقط فتكون المصلحة في عدم تركه إلى بلد، أو محل، أو مجلس آخر، إذ قد تحصل مفسدة إن ذهب إلى غيره.
(١٦) مسألة: إذا كان للقاضي رزق يصرف له من بيت المال: فلا يجوز له أن يأخذ أجرة من الخصمين، ولا لفتياه للناس، أما إن لم يكن له رزق: فله طلب الرزق هذا له، ولنوابه، ومعاونيه، فإن لم يُصرف له: فله الحق بأن يطلب من الخصمين ما يكفيه من الرزق، وله حق الامتناع من القضاء والفتيا إلا بجعل؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إنه إذا لم يجز صرف الرزق له: فإن هذا سيؤدي إلى تعطيل =
стр. 3094
عاقلًا)؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره، فلا يكون واليًا على غيره (ذكرًا)؛ لقوله ﵊: "ما أفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة" (حرًا)؛ لأن الرقيق مشغول بحقوق سيده (مسلمًا)؛ لأن الإسلام شرط للعدالة (عدلًا) ولو تائبًا من قذف، فلا يجوز تولية الفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (سميعًا)؛ لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين (بصيرًا)؛ لأن الأعمى لا يعرف المدعي من المدّعى عليه (متكلمًا)؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته (مجتهدًا) إجماعًا ذكره ابن حزم، قاله في "الفروع" (ولو) كان مجتهدًا (في مذهبه) المقلِّد فيه لإمام من الأئمة، فيراعي ألفاظ إمامه، ومتأخرها، ويُقلِّد كبار مذهبه في ذلك، ويحكم به، ولو اعتقد خلافه (١٧).
مصالح الناس، وضياع حقوقهم، فدفعًا لذلك وجب صرف الرزق له؛ لئلا يشتغل بمؤنته ومؤنة أولاده عن التفرّغ للقضاء والفتوى الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن الصحابة فرضوا لأبي بكر كل يوم درهمين، وكان عمر يصرف لشريح مائة درهم كل شهر، وأمر عمر بالفرض لمن ولي القضاء، وقال: "ارزقوهم واكفوهم من مال الله تعالى".
(١٧) مسألة: يُشترط أن تتوفر عشر صفات في القاضي أولها: أن يكون بالغًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه صبيًا: أن يحتاج إلى من يتولّى عليه؛ لقلَّة عقله، والقاضي نُصِّب ليتولَّى على غيره فلا يصلح للقضاء؛ لما بينهما من المنافاة، ثانيها: أن يكون عاقلًا؛ للتلازم؛ وقد سبق، ثالثها: أن يكون ذكرًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ما أفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة" والقضاء من أعلى الولايات، وسبب عدم صلاحيتها لذلك: أنها ناقصة عقل ودين فقد تخدع في أسلوب أحد الخصمين أو صورته وهيئته، أو إظهار ضعفه فتعطيه حق غيره، رابعها: أن يكون حرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتغال الرقيق بخدمة سيده: عدم صلاحيته للقضاء؛ وإذا تولَّاه: تضرر سيده؛ لذلك سقطت عنه صلاة الجمعة، والحج، =
стр. 3095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والعمرة، والجهاد ونحو ذلك من الواجبات، خامسها: أن يكون عدلًا؛ للتلازم؛ حيث إن القضاء يلزم منه: أن يكون القاضي يُقبل قوله في الأحكام، والفاسق لا يُوثق بقوله لذلك رُدَّت شهادته، وروايته للأحاديث؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فأمر الشارع بعدم الاستيثاق بقوله والتأكد مما يورده من أقوال، فيلزم من ذلك عدم صلاحيته للقضاء من باب أولى؛ لأن الحكم أولى بالتأكد منه، سادسها: أن يكون مسلمًا؛ للقياس الأولى، بيانه: كما أن الفاسق لا يصلح للقضاء فمن باب أولى عدم صلاحية الكافر له؛ لأن الكفر: فسق وزيادة، سابعها: أن يكون سميعًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم سماع الأصم لكلام الخصمين: عدم صلاحيته للقضاء، واشتراط توفّر السمع، ثامنها: أن يكون بصيرًا، للتلازم؛ حيث إن تشابه المدَّعي، والمدَّعى عليه على الأعمى، وتشابه الأصوات، وخفاء الحركات التي قد تكون أمارة على بطلان كلام أحد الخصمين: يلزم منه: عدم صلاحيته - أي: الأعمى - للقضاء، تاسعها: أن يكون مُتكلِّمًا؛ للتلازم؛ حيث إن عدم إمكان الأخرس من النطق بالحكم، وعدم فهم جميع الناس أو أكثرهم إشارته يلزم منه: عدم صلاحيته للقضاء، عاشرها: أن يكون مجتهدًا، أي أن يكون بالغًا درجة الاجتهاد في الشريعة، ولا يبلغ الشخص درجة الاجتهاد إلا إذا توفرت فيه شروط المجتهد، وقد فصَّلتُ ذلك في كتابي: "الإتحاف" و"المهذَّب"، ولا يجوز للقاضي أو المفتي أن يتقيَّد بمذهب معيَّن، بل يقضي ويفتي بالحكم الأقوى دلالةً من الكتاب، أو السُنّة، أو الإجماع، أو القياس، أو أي دليل آخر معتبر عنده من الأدلة المختلف فيها كقول الصحابي، وشرع من قبلنا، والاستحسان، والاستصحاب، والعرف، والمصلحة، والاستقراء، والتلازم وغير ذلك مما فصَّلته في الكتابين السابقين؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، =
стр. 3096
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن أخطأ فله أجر" فيلزم من ذلك اشتراط بلوغ درجة الاجتهاد، فإن قلت: إنه إذا اشتُرط الشرط الأخير فإنه يؤدي إلى تعطيل حقوق الناس؛ للتلازم؛ حيث إن قلَّة وندرة البالغين لدرجة الاجتهاد يلزم منه ذلك قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأنه قد يعين الإمام الأعظم قضاةً ينظرون في الأمور، ويسمعون من الخصوم، ويكتبون ذلك، ثم يرسلون ما كتبوه إلى هيئة علماء قد بلغوا درجة الاجتهاد فينظر هؤلاء في القضية مرة أخرى، فيرسلوا إلى الأولين بالموافقة، أو المخالفة، أو الاستفسار عن بعض الأمور، أو استدعاء الخصوم إلى مقرّ تلك الهيئة، ويُعمل ببعض ذلك الآن في "مجلس القضاء الأعلى" أو "هيئة التمييز"، فإن قلت: لا يشترط الرابع، فيصلح الرقيق أن يكون قاضيًا، وهو لكثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصلح لإمارة سرية، ويصلح لقسم الصدقات، والفيء، وإمامة الصلاة: فكذلك يصلح للقضاء والجامع: الولاية في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن هذه الأشياء لا تأخذ منه وقتًا طويلًا، بخلاف القضاء، ثم لا نسلِّم أن تلك الأمور تصح منه بدون إذن سيده، فإن قلت: لا يُشترط الثامن، فيصلح أن يكون الأعمى قاضيًا؛ للتلازم؛ حيث إن معرفته لأوصاف الخصمين تكفي عن مشاهدتهما فيلزم صلاحيته له، قلتُ: إن الوصف لا يكفي عن المعاينة والمشاهدة؛ إذ في المشاهدة دلائل على ظهور الحق لا توجد في الوصف، وهذا معلوم بالضرورة، وكم من شخص اكتشف كذب شخص من ظاهره ونظرته، وبعض حركاته.
[فرع]: لا يجوز لأي شخص أن يقضي بمذهب إمامه، أو ما ذهب إليه كبار علماء مذهبه بدون أن يعتقد صحّته ولا يمكنه أن يدرك الصحيح من الباطل من الأحكام إلّا إذا كان صحيح النظر في الأدلة المتّفق عليها، والمختلف فيها، ولا يمكنه أن يكون كذلك إلّا إذا بلغ درجة الاجتهاد.
стр. 3097
قال الشيخ تقي الدين: وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولَّى لعدم الأنفع من الفاسقين، وأقلّهما شرًا، وأعدل المقلِّدين، وأعرفهما بالتقليد، قال في "الفروع": "وهو كما قال" (١٨)، ولا يُشترط أن يكون القاضي كاتبًا (١٩)، أو ورعًا (٢٠)، ............
(١٨) مسألة: تُطبَّق تلك الشروط على الشخص الذي يختار قاضيًا على حسب الإمكان والقدرة فمن توفّرت فيه خمسة شروط مقدم على من توفّرت فيه أربعة، ومن توفّرت فيه ثمانية مقدّم على من توفّرت فيه سبعة فقط وهكذا، فإذا انعدمت تلك الشروط ولم يوجد شخص لذلك: ووجد فاسقان: فإنه يُقدَّم أنفعهما للناس وأقلهما شرًا، وإذا لم يوجد إلا مقلِّدان: قُدِّم أعدلهما، وأعرفهما بالتقليد لغيره، وهكذا، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وتولية القضاة مأمور بها، وتولية أحسن الفاسقين، وأحسن المقلِّدين هو نهاية القدرة والاستطاعة في تنفيذ ذلك الأمر فوجب، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ترك الناس بلا قاض فيه مفاسد أعظم من مفسدة تولية أحسن الفاسقين، أو أحسن المقلِّدين، فيُقدَّم في ذلك أخفّ المفسدتين وهي: تولية أحسن الفاسقين، أو أحسن المقلِّدين.
(١٩) مسألة: لا يُشترط في القاضي: أن يكون كاتبًا؛ للتلازم؛ حيث إن الحكم يصح بدون كتابة فيلزم عدم اشتراطها، فإن قلت: تُشترط معرفته للكتابة؛ للمصلحة: حيث إن معرفته للكتابة تجعله يعرف ما يكتبه كاتبه، ولا يتمكّن من إخفائه عليه قلتُ: إن حكم القاضي ينفّذ ولو لم يُكتب، وفي العادة: أن لا يضع القاضي كاتبًا له إلّا إذا وثق به كما أنه يعتمد على من يقيس له المساحة، ويُقيِّم المتلفات ولا يُشترط علمه بها.
(٢٠) مسألة: يُشترط في القاضي: أن يكون ورعًا يخشى الله ويخافه في الصغائر قبل =
стр. 3098
أو زاهدًا (٢١)، أو يقظًا (٢٢)، أو مثبتًا للقياس (٢٣)، أو حسن الخلق، والأولى كونه
الكبائر؛ للمصلحة: حيث إن اتّصافه بالورع يجعل الناس يثقون بما يحكم به، ومن لا ورع له: لا يمكن أن يوثق به، وأكثر الفقهاء قالوا: إن كل ولاية لها ركنان: أولهما: القوة في الحكم، وهذا ترجع إلى قوته العلمية وتنفيذ الحكم الذي يصدره، - ثانيهما: الأمانة، وهي التي يُعبِّر عنها بعضهم بالورع وخشية الله تعالى في السر والعلن، فإن قلت: لا يشترط الورع فيه بل يستحب، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(٢١) مسألة: لا يُشترط في القاضي أن يكون زاهدًا: بأن يتقشَّف في مأكولاته ومشروباته، وسكنه، بل له أن يلبس الوسط من الثياب، ويأكل ويشرب الوسط من الأطعمة والأشربة، ويسكن في الوسط من المساكن، بل يستحب؛ للتلازم؛ حيث إن عدم الزهد لا ينافي تولِّي منصب القضاء فيلزم عدم اشتراطه.
(٢٢) مسألة: يُشترط في القاضي: أن يكون يقظًا متنبهًا لحيل الخصوم التي قد تتبين من حركاتهم، وهيئاتهم، وإشاراتهم؛ للتلازم؛ حيث إن المغفَّل لا يمكنه إدراك الحق من بعض بيِّنات الخصوم فلزم اشتراط اليقظة في القاضي، فإن قلتَ: لا يُشترط ذلك، بل يُستحب أن يكون كذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(٢٣) مسألة: يُشترط في القاضي: أن يكون مثبتًا للقياس، ويحتج به لإثبات الأحكام الشرعية، وأن يعرف حقيقته، وأركانه، وشروط كل ركن، للتلازم؛ حيث إن اشتراط كونه مجتهدًا - كما سبق في مسألة (١٧) - يلزم منه: اشتراط كونه عالمًا مثبتًا للقياس الشرعي؛ لأن القياس أهم أنواع الأدلة المجتهد فيها؛ إذ ثبتت به ثلاثة أرباع الأحكام الفقهية، فالذي لا يُتقنه ولا يثبته فقد انهدم عنده أكثر الأحكام الشرعية، ومثل هذا لا يصلح لأن يتولى القضاء، فإن قلتَ: لا يُشترط ذلك، بل يُستحب أن يكون كذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: هذا مخالف =
стр. 3099
كذلك (٢٤) (وإذا حكَّم) - بتشديد الكاف - (اثنان) فأكثر (بينهما رجلًا يصلح للقضاء) فحكم بينهما: (نفذ حكمه في المال، والحدود، واللعان، وغيرها) من كل ما ينفذ فيه حكم من ولَّاه إمام أو نائبه؛ لأن عمر وأُبيًا تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم، ولم يكن أحد ممَّن ذكرنا قاضيًا (٢٥).
لاشتراطه الاجتهاد في الشرط العاشر من شروط القاضي - كما سبق في مسألة (١٧) -.
(٢٤) مسألة: لا يُشترط في القاضي: أن يكون حسن الخلق بأن يختار الفضائل، ويترك الرذائل، ولكن يُستحب أن يكون كذلك؛ للتلازم؛ حيث إن عدم حسن الخلق لا ينافي منصب القضاء فيلزم عدم اشتراطه.
(٢٥) مسألة: إذا طلب اثنان فأكثر من شخص أن يحكم بينهما: فحكم بينهما: فإن حكمه ينفذ ويطبَّق بشرطين: أولهما: أن يكون ذلك الشخص قد توفّرت فيه شروط القاضي السابق ذكرها، ثانيهما: أن يحكم بينهما في الأمور المالية فقط، أما غير ذلك كالحدود، والقصاص، والأنكحة، واللعان: فلا يجوز أن يحكم بها إلّا القاضي المعيَّن من قبل الإمام الأعظم؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر وأُبي قد تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم الثانية: التلازم؛ حيث إن كون الحكم في الحقوق المالية لا تحتاج إلى قوة، وأنه لا سراية، ولا آثار لها، وإن حصل شيء من ذلك أمكن إدراكه يلزم منه: جواز حكمه فيها، وجواز تنفيذ حكمه، ويلزم من حاجة الحكم في غير الأموال إلى قوة، واحتمال السراية في التنفيذ، والمخاصمات الشديدة في كثير من الخصومات: عدم جواز الحكم في ذلك إلّا للقاضي المعيّن من قبل الإمام الأعظم؛ لأنه هو الذي يقدر على الإلزام بذلك الحكم، وهذا هو الذي قيد الإطلاق السابق فإن قلتَ: إن من اختير حاكمًا بين اثنين ينفذ حكمه في الأموال، واللعان، والحدود وغيرها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن =
стр. 3100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعض الصحابة قد تحاكموا إلى البعض الآخر - كما سبق ذكره - وهذا مطلق قلتُ: إن كان ذلك مطلقًا فقد قيَّده ما ذكرناه من التلازم، وعلى فرض إطلاقه: فإنه اجتهاد صحابي، ولا يلزمنا إذا وجد دليل أقوى منه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع التلازم".
هذه آخر مسائل: "حقيقة القضاء والفتيا، وحكمهما، وواجب الإمام في اختيار القاضي، ووصيته له، وألفاظ توليته، وعمل القاضي، وحكم طلبه للرزق، وشروط وصفات القاضي" ويليه باب "آداب القاضي".
стр. 3101
باب آداب القاضي
أي: أخلاقه التي ينبغي له التخلّق بها (ينبغي) أي: يسن (أن يكون قويًا من غير عنف)؛ لئلا يطمع فيه الظالم، والعنف ضد الرفق (١) (ليِّنًا من غير ضعف)؛ لئلا يهابه صاحب الحق (٢) (حليمًا)؛ لئلا يغضب من كلام الخصم (ذا أناءة) أي: تؤدة، وتأنٍ، لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي (٣) (و) ذا (فطنة)؛ لئلا يخدعه بعض
باب آداب القاضي
وفيه إحدى وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: يُستحب أن يكون القاضي قويًا في علمه، متمكنًا منه، مستظهرًا به، ذا شخصية مهابة في ذلك، ولكن تكون هذه القوة مع رفق ولطف، ويستبعد العنف والشدَّة قدر استطاعته؛ للمصلحة: حيث إن تلك القوة وسيلة إلى إعطاء الحق لمستحقه من أي شخص، والرفق وسيلة إلى إقناع الآخرين بحكمه.
(٢) مسألة: يُستحب أن يكون القاضي ليِّنًا لطيفًا، لبقًا من غير ضعف في العلم؛ للمصلحة: حيث إنه إذا كان قاسيًا، جافًا: فإن صاحب الحق من الخصوم سوف يهابه، ويتجنَّبه ويصعب إبلاغه بالبيِّنة بصورة واضحة، لشدّة تنكره للخصوم، وإذا كان فيه ضعف في جانب من جوانب العلم: فلا يقدر - أي: هذا القاضي - أن يُقنع الخصم بحكمه الذي أصدره فدفعًا لذلك استحب ما ذكر.
(٣) مسألة: يُستحب أن يكون القاضي حليمًا متأنيًا متريثًا ذا تؤدة؛ نابذًا وتاركًا للعجلة، والطيش، والحدَّة، والتسرُّع، وعدم التثبت والغضب والشهوة، فيُثمر ذلك وقارًا وسكينة عليه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك الخلق يجعل حكمه مقبولًا عند الناس، ويكون موثوقًا به؛ لأن الحلم زينة العلم، وبهاؤه، وجماله؛ لأنه لباس العلم كما ذكر ذلك ابن القيم، وقديمًا قيل: في التأنِّي السلامة، وفي العجلة الندامة، ومن منّا لا يُريد السلامة في أقواله وأفعاله، وتصرفاته؟!
стр. 3102
الأخصام (٤)، ويسن: أن يكون عفيفًا (٥)، بصيرًا بأحكام من قبله (٦)، ويدخل يوم اثنين، أو خميس، أو سبت (٧)، لابسًا هو وأصحابه أجمل الثياب (٨) ولا يتطيَّر، وإن
(٤) مسألة: يُستحب أن يكون القاضي شديد الفطنة والتنبّه، يعرف الحيل والخدع، والمكر التي يستعملها بعض الخصوم لأخذ حقوق غيرهم، أي: يستحب أن يكون شديد المعرفة للأمارات والدلائل الحالية والمقالية؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تيسير الوصول إلى إحقاق الحق، وإبطال الباطل؛ لكثرة ما يظهر المحق بصورة المبطل، والمبطل بصورة المحق، ويظهر الزنديق المنافق بصورة الصديق، المتدين الورع، فإذا لم يكن شديد الفطنة والتنبّه لذلك اختلطت عليه حقائق الأمور، وكثر غلطه، فدفعًا لذلك استحب أن يكون كما ذكرنا، تنبيه: شدَّة الفطنة والتنبّه هذا هو المستحب، أما الفطنة واليقظة والتنبّه فهو شرط كما سبق ذكره.
(٥) مسألة: يُستحب أن يكون القاضي عفيف النفس عمّا في أيدي الناس؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه قطع أمل بعض الظلمة من أن يستميلوه بإعطائه بعض العطاءات ليحكم في صالحهم.
(٦) مسألة: يُستحب أن يكون القاضي مطَّلعًا على الأحكام التي سبق أن حكم فيها من سبقه من القضاة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يجعله بصيرًا بالقضايا السابقة التي قُضي فيها؛ ليستفيد من خبراتهم؛ لتعينه على ما سيأتي من أحكام.
(٧) مسألة: يُستحب أن يدخل القاضي مجلس القضاء في ضُحى يوم الاثنين، أو الخميس، أو السبت؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "بورك لأمتي في سبتها وخميسها" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد دخل المدينة، ضحى يوم الاثنين، والمقصود: التفاؤل في ذلك.
(٨) مسألة: يُستحب أن يدخل القاضي مجلس القضاء وهو لابس أحسن ما عنده من الثياب، وكذلك يفعل معاونوه: من كتَّاب، وحُجَّاب، وشُرَط ونحو ذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أعظم له ولهم في النفوس فيرهبه ويخافه الظلمة، فلا =
стр. 3103
تفاءل فحسن (٩) (وليكن مجلسه في وسط البلد) إذا أمكن؛ ليستوي أهل البلد في المضي إليه (١٠)، وليكن مجلسه فسيحًا، لا يتأذى فيه بشيء (١١)، ولا يكره القضاء في الجامع (١٢)، ولا يتّخذ حاجبًا ولا بوابًا بلا عذر (١٣) إلّا في غير مجلس
يتجرؤوا على التملُّق والنفاق في مجلسه؛ لكونه نائبًا عن الإمام الأعظم، وقائمًا بشرع الله.
(٩) مسألة: يحرم أن يتطيَّر ويتشاءم القاضي، ويستحب له أن يتفاءل بالخير؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﵇ عن الطيرة، ويحب الفأل" والنهي عن الطيرة مطلق، فيقتضي التحريم الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كونه قدوة للآخرين: العمل على ذلك الحكم - وهو تحريم التطيّر، واستحباب التفاؤل -.
(١٠) مسألة: يُستحب أن يكون مجلس القاضي في وسط البلد بقدر الإمكان؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُسهِّل على الساكنين في شمال، وجنوب، وغرب، وشرق البلد الوصول إليه بيسر، دون مشقَّة، أو عناء؛ لأن الناس كلهم بحاجة إليه بمرتبة واحدة، وكذا: إن كان قاضيًا لعدة قرى فإنه يكون في قرية تتوسطها؛ لما ذكرناه.
(١١) مسألة: يُستحب أن يكون مجلس القاضي فسيحًا واسعًا ليس بالبارد الشديد البرودة، ولا بالحار الشديد الحرارة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُبعد التأذي بذلك، وتكون نفسيته مفتوحة لسماع بيّنات الخصوم، ولفهمها فهمًا دقيقًا؛ لأن ذلك يساعده على الوصول إلى الحكم بدقة.
(١٢) مسألة: لا يكره القضاء في مسجد جامع إذا اقتضت المصلحة لذلك؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر، وعثمان، وعلي كانوا يقضون في المسجد.
(١٣) مسألة: يجوز للقاضي أن يتّخذ حاجبًا أو بوابًا ثقة إن وجدت حاجة له عند انعقاد جلسة الحكم وحاجتهم إلى ترتيب وتنظيم، وإن لم توجد حاجة: فلا يجوز اتخاذ ذلك؛ للمصلحة: حيث إن الناس عند تزاحمهم قد يظلم بعضهم البعض =
стр. 3104
الحكم (١٤) (و) يجب (أن يعدل بين الخصمين في لحظه، ولفظه، ومجلسه ودخولهما عليه) (١٥) إلا مسلمًا مع كافر، فيقدم دخولًا، ويرفع جلوسًا (١٦)، وإن سلَّم أحدهما:
الآخر في سبق المتأخر للمتقدم فيُحتاج إلى الحاجب أو البوَّاب لترتيب الناس، وإدخالهم الأول فالأول على حسب سبقهم بالحضور، أما إن لم يحتج لذلك فلا ينبغي أن يتّخذ القاضي بوابًا أو حاجبًا؛ لأنه قد يقدم المتأخر ويدخله على القاضي، ويؤخّر المتقدم.
(١٤) مسألة: يجوز للقاضي أن يتّخذ حاجبًا أو بوابًا إذا لم يكن في مجلس القضاء كما شاء؛ للتلازم؛ حيث من كونه لم يكن في مجلس الحكومة: أن يفعل ما شاء؛ لأنه من حقه.
(١٥) مسألة: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين المسلمين في كلامه، وإشاراته، وألفاظه، ويساويهما في المجلس فلا يقدم أحدهما على الآخر، وكذلك في الدخول عليه: ولا يقدم لأحدهما دون الآخر، ولا يظهر السرور لأحدهما دون الآخر وهكذا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم" وهذا تنبيه على وجوب التسوية بين الخصمين في كل شيء، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تقديم وتفضيل أحد الخصمين يؤدِّي إلى انكسار قلب الخصم الآخر، وضعفه عن القيام بحجّته - كما قال ابن القيم - وتردده في أن يتكلَّم بصراحة في قضيته، وهذا ظلم ظاهر، فرفعًا لذلك: وجبت العدالة بينهما.
(١٦) مسألة: إذا تخاصم مسلم مع كافر: فإن القاضي يقدم المسلم على الكافر في الدخول، والجلوس، ويجعله أرفع من الكافر أثناء الجلوس؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حرمة الإسلام وأنه يعلو ولا يُعلى عليه: أن يقدَّم المسلم على الكافر في ذلك كما في البناء - كما سبق بيانه -.
стр. 3105
ردَّ ولم ينتظر سلام الآخر (١٧)، ويحرم أن يسار أحدهما، أو يُلقِّنه حجّته، أو يضيفه، أو يُعلِّمه كيف يدَّعي (١٨) إلا أن يترك ما يلزمه ذكره في الدعوى (١٩) (وينبغي) أي: يسن (أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب، وأن يشاورهم فيما يشكل عليه) إذا أمكن، فإن اتّضح له الحكم: حكم، وإلّا أخَّره؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢٠)
(١٧) مسألة: إذا دخل أحد الخصمين على القاضي وسلَّم عليه: فيجب على القاضي أن يرد السلام عليه دون أن ينتظر سلام الخصم الآخر؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون رد السلام واجبًا على الفور: أن يردّ القاضي السلام على من سلَّم فورًا الثانية: المصلحة؛ حيث إن عدم رد السلام على من تقدَّم بالسلام، وأُخِّر حتى سلَّم الآخر فيه كسر قلب ذلك المتقدِّم بإلقاء التحية، وهذا مخالف للعدالة الواجبة على القاضي.
(١٨) مسألة: يحرم على القاضي أن يظهر السرور لأحد الخصمين، أو يُلقِّنه حجّته، أو يُعلِّمه كيفية الدعوى على خصمه، أو يضيفه بأن يقدم له بعض الأكل أو الشراب، ولا يفعل ذلك مع الخصم الآخر؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إنه نزل رجل على علي: فقال له: إنك خصم، قال: نعم، قال: تحوَّل عنا ومراده: لا تجلس بجانبي، بل اجلس مع خصمك، وهذا تنبيه على عدم جواز التفريق بين الخصوم في كل شيء، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إظهار السرور لأحد الخصمين، أو تلقينه الحجة دون خصمه فيه كسر لقلب خصمه، وهذا ظلم له، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(١٩) مسألة: يجوز للقاضي أن يُعلم أحد الخصمين كيف يدَّعي، وكيفية تحرير دعواه؟ بشرط: عدم استطاعته وقدرته على تحريرها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب صحة الدعوى المرفوعة إلى القاضي: أن يُعلِّم القاضي الخصمين معًا، أو أحدهما كيفية تحريرها، وتقديمها لا سيما وأنه لا ضرر على خصمه في ذلك.
(٢٠) مسألة: يُستحب أن يحضر فقهاء المذاهب مجلس القاضي إن أمكن ذلك، =
стр. 3106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُستحب أن يشاورهم فيما يشكل عليه، فإن ظهر له حكم في قضية: حكم بها، وإن لم يظهر له الحكم فيها: فإنه يؤخر الحكم ويؤجل النظر في القضية إلى وقت آخر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ حيث دلت هذه الآية بعمومها على وجوب مشاورة الإمام، أو القاضي للعلماء؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان النبي ﵇ يشاور أصحابه في كثير من القضايا منها: أسارى بدر، ومصالحة الكفار يوم الخندق" قال الحسن البصري: إن النبي ﵇ غني عن تلك المشاورة، وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث استشار أبو بكر الناس في ميراث الجدة، واستشار عمر الناس في شارب الخمر، وفي دية الجنين، الرابعة: المصلحة؛ حيث إن جلوس الفقهاء مع القاضي فيه تذكير للقاضي لما نسيه من الأدلة؛ لأن الإحاطة بجميع الأدلة يكاد يكون متعذِّر، وقد يتنبّه لإصابة الحق، ومعرفة حكم الحادثة من هو دون القاضي فكيف بمن يساويه؟ فقد جاءت أبا بكر جدتان - أم أم، وأم أب - فورَّث أم الأم، وأسقط أم الأب فقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله لقد أسقطت التي لو ماتت ورثها، وورَّثت التي لو ماتت لم يرثها، فرجع أبو بكر عن رأيه، وشرَّك بينهما، وكان هذا هو المسلك الذي سلكه كثير من المحققين المتقين من القضاة والحكّام.
[فرع]: إذا حكم القاضي في قضية فليس لأحد من الجالسين معه من الفقهاء الاعتراض عليه، وإن خالف اجتهاده، إلا أن يخالف ذلك الحكم الذي أصدره القاضي نصًا، أو إجماعًا؛ للمصلحة: حيث إن الاعتراض على حكم القاضي المعيَّن فيه إزالة الثقة به عند العامة، وهذا مضرّ به، أما إن كان ذلك الحكم مخالفًا لنص، أو إجماع: فلمن حضر من الفقهاء مخالفته؛ لأنه لا طاعة =
стр. 3107
(ويحرم القضاء وهو غضبان كثيرًا)؛ لخبر أبي بكرة مرفوعًا: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" متفق عليه (أو) وهو (حاقن أو في شدة جوع أو) في شدة (عطش أو) في شدة (همٍّ، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج)؛ لأن ذلك كله يشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهو في معنى "الغضب" (وإن خالف) وحكم في حال من هذه الأحوال (فأصاب الحق: نفذ) حكمه؛ لموافقته الصواب (٢١) (ويحرم) على الحاكم (قبول رشوة)؛ لحديث ابن عمر
لمخلوق في معصية الخالق.
(٢١) مسألة: يحرم على القاضي أن يحكم في قضية وهو مشوَّش الفكر، قليل التركيز في بيِّنات الخصمين: سواء كان سبب هذا التشويش غضب، أو جوع، أو عطش، أو هم أو غم قد لحقه، أو ملل من العمل، أو تضايق من أحد، أو خوف، أو ألم، أو برد، أو حر، أو رطوبة، أو بول قد حصره، أو غائط، أو كسل وخمول، أو نعاس، أو فرح أو نحو ذلك مما يشغل الفكر ويساعد على عدم التركيز بأدلة الخصمين، وإن خالف ذلك وحكم بالقضية: فإن حكمه ينفذ بشرط: أن يكون قد أصاب الحق في حكمه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" حيث حرم الشارع أن يقضي القاضي ويحكم بين خصمين وهو في حالة غضب، لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، ولم يفرق الشارع بين الغضب الكثير والشديد وبين الغضب القليل واليسير؛ لأن لفظ "غضبان" مطلق فاستوى فيه ذلك، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يحرم القضاء في حالة الغضب فكذلك يحرم القضاء في حالة الجوع وغيره مما ذكرنا مما هو مشغل للفكر، ومشوّش عليه والجامع: إشغال الفكر، والتشويش عليه من أن يفكر بأدلة الخصمين تفكيرًا دقيقًا، حيث إن ذلك مانع من إصابة الحق في الغالب، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من إصابة الحق إذا قضى وهو مشوش الفكر: أن ينفذ حكمه ويعمل به. تنبيه: اشترط المصنف أن يكون =
стр. 3108
قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (وكذا) يحرم على القاضي قبول (هدية)؛ لقوله ﵇: "هدايا العمال غلول" رواه أحمد (إلا) إذا كانت الهدية (ممَّن كان يهاديه قبل ولايته إذا لم تكن له حكومة): فله أخذها كمفت، قال القاضي، ويسنُّ له التنزُّه عنها، فإن أحسَّ أنه يقدمها بين يدي خصومة، أو فعلها حال الحكومة: حرم أخذها في هذه الحالة؛ لأنها كالرشوة (٢٢)،
الغضب والجوع المانع من القضاء: كثيرًا، والجوع والعطش وغيرهما مما ذكر أن تكون شديدة. قلتُ: هذا لم أجد دليلًا قويًا عليه، بل مجرد حصول الغضب، أو الجوع أو العطش يكفي في المنع من القضاء، وهو الذي دلّ عليه إطلاق الحديث السابق.
(٢٢) مسألة: يحرم على القاضي أن يأخذ رشوة أو هدية من الخصمين، أو أحدهما، حتى لو كان أحد الخصمين معتادًا أن يهدي القاضي قبل تولية القضاء إذا كانت له قضية تحتاج إلى حكم من ذلك القاضي، أما إذا لم تكن له قضية: فيكره للقاضي أن يقبل ذلك؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول ابن عمر: "لعن رسول الله ﷺ الراشي، والمرتشي والرائش" فحرَّم الرشوة؛ لأنه توعد من فعلها باللعن، وهو عقاب، ولا يعاقب إلّا فعل محرم، ثانيهما: قوله ﵇: "هدايا العمّال غلول" حيث إن: هداياهم خيانة، والحكم بالخيانة عقاب، ولا يعاقب إلا على فعل حرام، فتكون الهدايا حرام، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما يجوز للمفتي أن يأخذ الهدية مع الكراهة، فكذلك يجوز للقاضي أن يأخذ الهدية ممّن اعتاد أن يهديه قبل ولايته إذا لم يكن عنده حكومة له، فإن قلتَ: لِمَ حرّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قبول الرشوة، والهدية يفضي إلى قضاء حاجته بسببها حيث إن من عادة النفس البشرية محبة الذي يهدي إليها شيئًا، أو يقضي لك حاجة، فإذا فعل ذلك بالقاضي: فإنه سينظر إلى الراشي، والمهدي بعين الرضا، وسينظر إلى من لم يرشه أو لم يهده بعين السخط، وهذا يؤثر على =
стр. 3109
ويكره بيعه، أو شراؤه إلّا بوكيل لا يُعرف به (٢٣) (ويُستحب: أن لا يحكم إلّا بحضرة شهود)؛ ليستوفي الحق (٢٤)، ويحرم تعيينه قومًا بالقبول (٢٥) (ولا ينفذ حكمه لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له) كوالده، وولده، وزوجته، ولا على عدوه كالشهادة (٢٦)، ومتى عرضت له، أو لأحد ممّن ذكر حكومة: تحاكما إلى بعض
الحكم إيجابًا وسلبًا لذلك ورد: "أن الهدية تفقأ عين الحاكم" وورد: "أن حبك الشيء يعمي ويصم".
(٢٣) مسألة: يكره أن يقوم القاضي بنفسه بمزاولة البيع والشراء، وأنواع التجارات، لكن يوكِّل من يقوم بذلك عنه بشرط: أن لا يعرف الناس أن هذا وكيل عن القاضي، وإن زاول التجارة: من بيع وشراء بنفسه وتمّت أركان ذلك وشروطه: فإنه يصح؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إنه إذا زاول التجارة بنفسه: فإن الناس سيراعونه في خفض السعر ونحو ذلك؛ رهبة فيؤدِّي إلى إلحاق الضرر باقتصادهم وحقوقهم ويلزم من اشتغاله بالتجارة بنفسه: أن يشتغل عن النظر بدقة في أمور الناس وقضاياهم، وهذا مضرّ بهم، فدفعًا لذلك: كره له فعل ذلك بنفسه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من توفّر أركان وشروط البيع والشراء: صحة ذلك.
(٢٤) مسألة: يُستحب أن يحكم القاضي بحضرة الشهود الذين قبل شهادتهم في القضية التي ينظر بها؛ للمصلحة: حيث إن هذا فيه استيفاء للحجج والبيِّنات مما يؤدي إلى استكمال القضاء بالقضية، وليكن كل شيء على مسمع ومرأى منهم حتى لو أراد أحدهم أن يرجع عن شهادته أمكنه ذلك.
(٢٥) مسألة: يحرم على القاضي أن يُعيِّن أفرادًا لا يقبل إلّا شهادتهم فقط، دون غيرهم؛ للتلازم: حيث إن كل من ثبتت عدالته تقبل شهادته فيلزم تحريم تعيين أفراد لا تقبل الشهادة إلّا منهم.
(٢٦) مسألة: يحرم على القاضي أن يحكم في قضية هو خصم فيها، ويحرم أن يحكم في =
стр. 3110
خلفائه، أو رعيته كما حاكم عمر أُبيًا إلى زيد بن ثابت (٢٧)، ويسنّ أن يبدأ بالمحبوسين، وينظر فيم حُبسوا، فمن استحق الإبقاء: أبقاه، ومن استحق الإطلاق: أطلقه، ثم في أمر أيتام، ومجانين، ووقوف، ووصايا لا ولي لهم، ولا ناظر، ولو نفذ الأول وصية موص إليه: أمضاها الثاني وجوبًا، ومن كان من أمناء الحاكم للأطفال، والوصايا التي لا وصي لها بحاله: أقره، ومن فسق: عزله (٢٨)، ولا ينقض
قضية يوجد فيها فرد مما لا تقبل شهادته له كوالده وولده، وزوجته، ويحرم أن يحكم في قضية يوجد فيها عدوه، وإذا حكم في هذه الصور: فإن حكمه لا ينفذ؛ للقياس؛ بيانه: كما تحرم شهادته لنفسه، وشهادته لوالده، أو ولده، أو زوجته وتحريم شهادته على عدوه، ولا يُعمل بتلك الشهادة لو وقعت فكذلك القضاء مثلها، والجامع: وقوع الاتهام في كل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للتأكيد على إبراء الذمة، والإخلاص في الدين.
(٢٧) مسألة: إذا خاصم القاضي أحدًا من الرعية؛ أو وُجدت خصومة بين أحد أقربائه الذي لا تقبل شهادته له، أو وجدت خصومة بينه وبين أحد أعدائه، أو أعداء أحد أقربائه - السابق ذكرهم -: فإنه يحكم بينهم الإمام الأعظم، أو قاض آخر؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر وأُبي قد تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم علي، ورجل من العراق إلى القاضي شريح، وتحاكم علي ورجل من اليهود إلى القاضي شريح، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لإبراء الذمة، والإخلاص في الدين.
(٢٨) مسألة: أول ما يبدأ به القاضي عمله - حين تعيينه - أن يعيد النظر في جرائم الأشخاص الذين حبسهم القاضي الذي قبله: فإن كانوا قد فرغوا من العقوبة التي وجبت عليهم أطلقهم، وإن لم يحصل ذلك: أبقاهم على ما هم عليه، ثم بعد ذلك ينظر فيمن يستحق الولاية عليه من الصغار، والمجانين، والأوقاف، والوصايا: فإن كان عليهم ولي وناظر نظر فيه: فإن كان صالحًا أبقاه، وإن كان =
стр. 3111
من حكم صالح للقضاء إلّا ما خالف نص كتاب الله، أو سُنة رسوله كقتل مسلم بكافر، وجعل من وجد عين ماله عند مفلس أسوة الغرماء، أو إجماعًا قطعيًا، أو ما يعتقده، فيلزم نقضه، والناقض له حاكمه إن كان (٢٩) (ومن ادَّعى على غير برزة) أي: طلب من الحاكم أن يحضرها للدعوى عليها: (لم تحضر) أي: لم يأمر الحاكم بإحضارها (وأُمرت بالتوكيل)؛ للعذر، فإن كانت برزة - وهي التي تبرز لقضاء حوائجها - أُحضرت، ولا يُعتبر محرم تحضر معه (وإن لزمها) أي: غير البرزة إذا
غير ذلك: عزله، ووضع شخصًا آخر، وإن لم يكن عليهم ولي ولا ناظر عيَّن من يراه مناسبًا لذلك ثم ينظر فيما شابه ذلك من الأمور التي تحتاج إلى عجلة في النظر؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إزالة ظلم عن المظلومين وفيه حفظ حقوق الضعاف الذين لا حول لهم ولا قوة، والحاكم ولي من لا ولي له فلزم تقديم النظر في تلك الأمور؛ جلبًا للمصالح، ودفعًا للمفسدة.
(٢٩) مسألة: إذا بدأ القاضي عمله، فوجد أن القاضي الذي سبقه قد قضى وحكم في قضايا: فلا يجوز للقاضي الجديد أن ينقض ما حكم به من سبقه إلا إذا كان ذلك الحكم قد خالف نصًا من كتاب أو سُنة، أو إجماعًا قطعيًا، أو خالف ما يعتقده ذلك القاضي الجديد: كأن يحكم القاضي القديم بأن يُقتل المسلم إذا قتل كافرًا، أو يحكم بأن من وجد عين متاعه عند مفلس: فإنه يساوى بالغرماء ونحو ذلك: فإن هذا يجب نقضه؛ للتلازم؛ حيث إن كون ذلك الحكم قد جاء مخالفًا لصريح نص، أو إجماع قطعي، أو اعتقاد خلافه يلزم منه: وجوب نقضه ومخالفته، وإعادة النظر في القضية فيحكم القاضي الجديد بما يراه في ذلك؛ فيُعمل قوله ﵇: "لا يُقتل مسلم بكافر" على عمومه، ويُعمل قوله ﵇: "من وجد متاعه عند رجل مفلس فهو أحقّ به". تنبيه: قوله: "والناقض له حاكمه إن كان" هذا لا يمكن؛ لأن الحاكم به يراه ولكن ينقضه من لا يراه، ونبّه على ذلك كثير من علماء الحنابلة وغيرهم المحققين.
стр. 3112
وكَّلت (يمين أرسل) الحاكم (من يحلفها) فيبعث شاهدين؛ لتستحلف بحضرتهما (وكذا) لا يلزم إحضار (المريض)، ويؤمر أن يوكِّل، فإن وجبت عليه يمين: بعث إليه من يحلِّفه (٣٠)، ويُقبل قول قاضي معزول عدل لا يتهم: كنتُ حكمت لفلان على فلان بكذا، ولو لم يذكر مستنده، أو لم يكن بسجلِّه (٣١).
(٣٠) مسألة: إذا ادَّعى زيد بدعوى على امرأة غير برزة - وهي التي لا تبرز لقضاء حوائجها -، أو ادَّعى على مريض: فعلى القاضي أن يأمرهما بالتوكيل عنهما، وإن لزمهما يمين: فإن القاضي يرسل إليهما من يحلفهما، ويبعث إليهما بشاهدين يشهدان على ذلك اليمين، فإن كانت المرأة برزة - وهي التي تخرج في العادة لقضاء حوائجها -: فإن القاضي يحضرها مع محرم لها لتدافع عن نفسها؛ للمصلحة: حيث إن إحضار غير البرزة، والمريض فيه مشقة عظيمة عليهما فدفعًا لذلك: لا يلزما بالحضور، بخلاف البرزة إذا حضرت مع محرمها؛ حفظًا لها من الفتنة فإن قلتَ: لا يشترط وجود محرم عند حضور البرزة وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل يُشترط؛ لأن غالب من يكون عند القاضي رجال، فلا بدّ من محرم لها يحفظها من فتنتها بهم، أو فتنتهم بها، سدًا للذرائع.
(٣١) مسألة: إذا قال القاضي القديم العدل غير المتهم بشيء: إني كنتُ قد حكمت لزيد على عمرو بكذا: فإن القاضي الجديد يقبل قوله مطلقًا: سواء ذكر القاضي القديم مستند الحكم بأن كان بإقرار، أو بيِّنة، أو لا، وسواء كان قد سجّله في أوراق أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن عزله لا يلزم منه منع قبول قوله فيما فعله سابقًا.
هذه آخر مسائل باب: "آداب القاضي" ويليه باب "طريق الحكم وصفته".
стр. 3113
باب طريق الحكم وصفته
طريق كل شيء: ما يتوصل به إليه، والحكم: فصل الخصومات (١) (إذا حضر إليه الخصمان) يسنّ أن يجلسهما بين يديه و (قال: أيكما المدّعي)؛ لأن سؤاله عن المدعي منهما، لا تخصيص فيه لواحد منهما (٢) (فإن سكت) القاضي (حتى يُبدأ) بالبناء للمفعول، أي حتى تكون البداءة بالكلام من جهتهما: (جاز) له ذلك (٣)
باب طريق الحكم وصفته
وفيه تسع وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: الحكم لغة: المنع، ومنه سُمِّي القاضي حاكمًا: لأنه يمنع الظالم من ظلمه، وهو في الاصطلاح: فصل الخصومات، والإلزام بذلك، والمراد بطريق الحكم: السبب الموصل إليه، والمراد بصفته: كيفية وطريقة الحكم.
(٢) مسألة: إذا حضر الخصمان عند القاضي: فإنه يسن أن يجلسهما بين يديه بدون تفضيل أحدهما على الآخر، ثم يقول - أي: القاضي -: أيُّكما المدَّعي، فيتكلَّم المدّعي بدعواه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر" فيلزم من تقديم المدعي بالذكر هنا: السؤال عنه أولًا فيبدأ بالكلام في دعواه، ثم يتلوه المدَّعى عليه، ثانيهما: أنه "﵇ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم" الثانية: التلازم؛ حيث إن السؤال عن المدّعي لا تخصيص ولا تقديم لأحدهما على الآخر فلزم صحته، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن جلوسهما بين يديه أمكن للقاضي في العدل بينهما، وأسمع لحجتهما.
(٣) مسألة: إذا سكت القاضي، ولم يسأل عن المدَّعي، فبدأ كل واحد منهما بالكلام من جهتهما: فإن هذا يجوز، ولا يجوز أن يقول لأحدهما تكلَّم؛ للتلازم؛ حيث إن تساويهما في الخصومة يلزم منه: جواز الكلام من ناحيتهما معًا، ويلزم منه =
стр. 3114
(فمن سبق بالدعوى: قدَّمه) الحاكم على خصمه (٤)، وإن ادَّعيا معًا: أقرع بينهما، فإذا انتهت حكومته ادَّعى الآخر إن أراد (٥)، ولا تُسمع دعوى مقلوبة (٦)، ولا حسبة بحق الله تعالى: كعبادة، وحد، وكفارة، وتُسمع بينة بذلك، وبعتق وطلاق من غير دعوى (٧) لا
عدم جواز طلب القاضي الكلام من أحدهما؛ لأنه تخصيص له وتفضيل، وهذا ظلم ظاهر للآخر يخشى أن يتسبَّب في كسر قلبه.
(٤) مسألة: إذا بدأ أحد الخصمين بدعواه قبل الآخر: فإنه يُقدِّمه القاضي، ويسمع كلامه قبل خصمه، فلو قال خصمه: أنا المدَّعي: لم يلتفت القاضي إليه، ويقول له: أجب خصمك عن دعواه، ثم ادَّع ما تراه فيما بعد؛ للتلازم؛ حيث إن سبقه لخصمه بالدعوى يلزم منه تقديمه؛ لأنه يُقدَّم بالسبق.
(٥) مسألة: إذا ادعيا معًا؛ بحيث إن كل واحد منهما يزعم أنه هو المدّعي على الآخر: فإن القاضي يُقرع بينهما، فمن أصابته القرعة جعله هو المدَّعي الأول، فإذا فرغ من دعواه، وحكم له أو عليه، سمع دعوى خصمه الآخر إن أراد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القرعة يُلجأ إليها إذا تساوت الحقوق: أن تستعمل هي، لكون الخصمين قد تساويا عند القاضي.
(٦) مسألة: لا تُسمع دعوى مقلوبة: بأن يدَّعي من عليه الحق على من له الحق بأنه أخذ حقه كأن يقول زيد: "أنا أدّعي على عمرو: أنه يدَّعي عليّ بألف فأحلفني أنه لا حق له علي"؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدعي، واليمين على من أنكر"، والدعوى المقلوبة بصورتها السابقة مخالفة لذلك.
(٧) مسألة: لا تسمع دعوى حسبة بحق الله تعالى كأن يدَّعي زيد على عمرو عند القاضي بأنه ترك عبادة من العبادات، أو اقترف زنا يستحق عليه حد، أو كفارة، ولكن تسمع بيّنة بحق الله، وحدّ، وكفارة بلا دعوى، وكذا: تسمع بيِّنة بعتق، وطلاق بلا دعوى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الدعوى: وجود مدَّعى عليه، وهنا لم يوجد ذلك فلزم أن تسمع البيِّنة بلا دعوى.
стр. 3115
بيِّنة بحق معيَّن قبل دعواه (٨)، فإذا حرَّر المدّعي دعواه: فللحاكم سؤال الخصم عنها، وإن لم يسأله سؤاله (٩) (فإن أقرَّ له) بدعواه: (حكم له عليه) بسؤاله الحكم؛ لأن الحق للمدَّعي في الحكم، فلا يستوفيه إلا بسؤاله (١٠) (وإن أنكر) بأن قال - للمدعي قرضًا، أو ثمنًا -: ما أقرضني، أو ما باعني، أو لا يستحق عليّ ما ادَّعاه، ولا شيئًا منه، أو لا حقَّ له علي: صح الجواب، ما لم يعترف بسبب الحق (١١) و (قال) الحاكم (للمدَّعي: إن
(٨) مسألة: لا تُسمع بيِّنة بحق شخص معيَّن قبل أن يدَّعي ذلك الشخص ذلك الحق بدعوى محررة؛ للتلازم؛ - كما سبق بيانه في مسألة (٧) -.
(٩) مسألة: إذا قدَّم المدَّعي دعواه للقاضي وهي محرَّرة واضحة جلية: فللقاضي أن يسأل خصمه - وهو المدَّعى عليه -: سواء قال المدَّعي للقاضي اسأله عنها أو لم يقل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من شاهد الحال: أن يسأل القاضي المدَّعى عليه عن دعوى المدَّعي.
(١٠) مسألة: إذا سأل القاضي المدَّعى عليه عن دعوى المدَّعي، وأقرَّ المدَّعى عليه بالدعوى: فإن القاضي يحكم للمدَّعي على المدَّعى عليه ويلزمه بحق المدَّعي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقرار المدَّعى عليه: ثبوت الحكم عليه والحق للمدَّعي؛ لأن الإقرار لا احتمال فيه بشرط: أن يكون المقرّ جائز التصرُّف، فلا يتم ذلك إلا بسؤال المدَّعى عليه عنه.
(١١) مسألة: إذا سأل القاضي المدَّعى عليه عن دعوى المدَّعي كأن يقول المدَّعي: "إني أقرضته مائة درهم" أو "بعته ثوبًا بمائة" وما أعطانيها، وأنكر المدَّعى عليه الدَّعوى قائلًا: "ما أقرضني شيئًا، أو ما باعني شيئًا" أو قال: "لا يستحق علي ما ادَّعاه" أو "لا حقَّ له عندي" أو نحو ذلك من عبارات النفي المطلق: فإنه يصح الجواب - وهو: إنكاره، ويقبله القاضي بشرط: أن لا يعترف المدَّعى عليه بسبب الحق كأن يقول المدَّعى عليه: "أقرضتني مائة، أو بعتني ثوبًا ولكن ما لك عليّ شيء أو لا تستحق شيئًا عندي"، فإن اعترف بذلك: فإن جوابه - وهو: =
стр. 3116
كان لك بيِّنة فأحضرها إن شئت، فإن أحضرها) أي: البيِّنة لم يسألها الحكم، ولم يُلقِّنها، فإذا شهدت: (سمعها) وحرم ترديدها، وانتهارها، وتعنتها (وحكم بها) أي: بالبيِّنة إذا اتضح له الحكم، وسأله المدَّعي (١٢) (ولا يحكم) القاضي (بعلمه) ولو في غير حد؛ لأن تجويز القضاء بعلم القاضي يفضي إلى تهمته، وحكمه بما يشتهي (١٣) (وإن قال
إنكاره لا يصح -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نفي المدَّعى عليه نفيًا مطلقًا عين ما ادَّعاه عليه المدَّعي: صحة جوابه وإنكاره، ويلزم من اعتراف المدَّعى عليه بسبب الحق: عدم صحة جوابه وإنكاره.
(١٢) مسألة: إذا أنكر المدَّعى عليه دعوى المدَّعي: فإن القاضي يطلب البيِّنة من المدَّعي على دعواه فيقول له: "إن كان لك بيِّنة فأحضرها إن شئت"، فإن أحضر البيِّنة: سمعها القاضي بلا ترديد أو تعنُّت، أو انتهار، أو زجر لهذه البيِّنة - إن كانت البيِّنة شهود - ولم يلقنها ثم يحكم القاضي بسبب تلك البيِّنة فورًا بشرطين: أولهما: أن يتّضح للقاضي الحكم بعد الاستفسار عن ذلك من المدَّعى عليه، ثانيهما: أن يطلب ويسأل المدَّعي القاضي أن يحكم بها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر" فتقديم ذكر البيِّنة يلزم تقديم سماعها من المدَّعي أولًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تلقين الشهود الشهادة: ظلم المدَّعى عليه، ويلزم من ترديد أو تعنت، أو زجر، أو انتهار البيِّنة - وهم الشهود كتمان الشهادة؛ لأن الشهود يتأذون من ذلك الزجر، أو الانتهار.
(١٣) مسألة: لا يجوز للقاضي أن يحكم على شخص بمجرد علمه فيما رآه أو سمعه في غير مجلسه: سواء كان ذلك في حد، أو في غير حد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك ذريعة ووسيلة إلى حكمه بالباطل والحكم بالتشهي؛ إذ لو فتح هذا الباب لأدَّى ذلك إلى قتله وعقوبته لأناس لا ذنب لهم، وأدَّى إلى أخذ أموال الآخرين بغير حق، فإن قلتَ: يجوز أن يقضي بعلمه وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد؛ للسنة =
стр. 3117
المدَّعي: ما لي بيِّنة: أعلمه الحاكم أن له اليمين على خصمه)؛ لما روي أن رجلين اختصما إلى النبي ﵇: حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي، وفي يدي، وليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: "ألك بيِّنة؟ " قال: لا، قال: "فلك يمينه" وهو حديث حسن صحيح، قاله في "شرح المنتهى"، وتكون يمينه (على صفة جوابه) للمدَّعي (فإن سأل) المدَّعي من القاضي إحلافه: (أحلفه، وخلَّى سبيله) بعد تحليفه إياه؛ لأن الأصل براءة ذمّته (ولا يُعتد بيمينه) أي: يمين المدَّعى عليه (قبل) أمر الحاكم له و (مسألة المدَّعي) تحليفه؛ لأن الحق في اليمين للمدَّعي، فلا يُستوفى إلا بطلبه (وإن نكل) المدَّعى عليه عن اليمين: (قضى عليه) بالنكول رواه أحمد عن عثمان ﵁ (فيقول) القاضي للمدَّعى عليه: (إن حلفت): خليت سبيلك (وإلّا) تحلف: (قضيت عليك) بالنكول (فإن لم يحلف: قضى عليه) بالنكول (١٤) ...............
القولية: حيث إن هندًا لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي قال لها النبي ﵇: "خذي ما يكفيكِ أنتِ وولدكِ بالمعروف" فحكم لها من غير بينة ولا إقرار؛ لعلمه بصدقها، وهذا يلزم منه أن يقضي القاضي بعلمه قلتُ: إن هذه فتيا وليست قضاء بدليل: أن النبي ﵇ أفتى في حكم أبي سفيان من غير حضوره، ولو كان قضاء لم يحكم عليه في غيبته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حديث هند هل المقصود به القضاء، أو الفتيا؟ ".
(١٤) مسألة: إذا طلب القاضي من المدَّعي أن يأتي ببيِّنة على دعواه ولم يأت بها: فإنَّ القاضي يطلب من المدَّعى عليه أن يحلف يمينًا أنه بريء ممّا ادّعاه المدَّعي جملة وتفصيلًا، ولا يطلب ذلك من المدَّعى عليه إلّا بعد أن يسأل المدَّعي ذلك، ويطلب من القاضي تحليف المدَّعى عليه، فإذا حلف المدَّعى عليه بأنه بريء مما ادَّعاه عليه المدَّعي: فإن القاضي يخلي سبيله ويطلقه، وإن نكل وامتنع المدَّعى عليه =
стр. 3118
(فإن حلف المنكر) وخلّى الحاكم سبيله (ثم أحضر المدَّعي بيِّنة) عليه: (حكم) القاضي (بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق) هذا: إذا لم يكن قال: "لا بيِّنة لي" فإن قال ذلك، ثم أقامها: لم تسمع؛ لأنه مكذب لها (١٥).
عن الحلف: فإن القاضي يقضي عليه بسبب ذلك النكول، ويلزمه بإعطاء الحق للمدَّعي؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه، وهذا منكر فوجبت عليه اليمين فقط إذا لم يحضر المدَّعي بيّنة على دعواه، وأيضًا قوله ﵇ للحضرمي لمّا لم يحضر بيّنة على خصمه - "فلك يمينه ما لك عليه إلّا يمينه" فإن حلف: أُخلي سبيله، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من امتناع المدَّعى عليه عن اليمين: ثبوت الحق عليه؛ لأنه لا يمتنع عنها عادة إلّا إذا كان الحق عليه ويلزم من كون الحق في اليمين للمدّعي: عدم جواز استيفاء ذلك اليمين إلّا بطلبه - أي: بطلب المدَّعي - الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عثمان قد حكم على المدَّعى عليه بسبب النكول، فإن قلتَ: لِمَ كانت اليمين في جانب المدَّعى عليه، دون المدَّعي إذا لم يحضر المدَّعي بيِّنة على ما ادَّعاه؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث إن الأصل براءة ذمة المدَّعى عليه؛ حيث لم يترجَّح جانب المدَّعي بشيء، فكان جانب المدَّعى عليه أولى باليمين؛ نظرًا لقوّته بأصل براءة الذمة كما صرّح بذلك ابن القيم.
(١٥) مسألة: إذا طلب القاضي من المدَّعى عليه أن يحلف على إنكار ما ادَّعاه عليه المدَّعي - بعد أن لم يحضر المدّعي بيِّنة على دعواه - فحلف المدَّعى عليه على براءته ممّا ادعاه عليه المدَّعي، وخلى سبيله، ثم بعد ذلك: أحضر المدَّعي بيِّنة على دعواه: فإن القاضي يسمع البيِّنة ويحكم بتلك البيِّنة، وهذا مطلق، أي: سواء قال المدَّعي أولًا: "لا بينة لي" أو لم يقل تلك العبارة؛ للتلازم؛ حيث إن اليمين لا تُزيل الحق فيلزم من إثبات البيِّنة: الحكم بها على خصمه الذي حلف سابقًا، فإن قلتَ: إن قال المدَّعي أولًا: "لا بيِّنة لي"، ثم حلف المدَّعى عليه، ثم أحضر =
стр. 3119
(فصل): (ولا تصح الدعوى إلا محرَّرة)؛ لأن الحكم مرتب عليها، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "وإنما أقضي على نحو ما أسمع" ولا تصح أيضًا إلّا (معلومة المدَّعى به) أي: تكون بشيء معلوم؛ ليتأتَّى الإلزام (١٦) (إلا) الدعوى بـ (ما نصححه مجهولًا كالوصية) بشيء من ماله (و) الدعوى (بعبد من عبيده) جعله (مهرًا ونحوه) كعوض خلع، أو أقرَّ به فيطالبه بما وجب له (١٧)، ويُعتبر أن يصرِّح بالدعوى، فلا يكفي:
المدَّعي البيِّنة: فلا تُسمع، ولا يحكم بها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من إحضارها مع قوله: "لا بيِّنة لي": عدم سماعها وعدم قبولها؛ لأنه يكون بذلك مكذب لها قلتُ: لا يكون مكذبًا لها إذا أحضرها فيما بعد؛ لأن المدَّعي كان يقصد: أنه لا بيِّنة له الآن، ولم يقصد أنه لا بيِّنة له أبدًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٦) مسألة: إذا ادَّعى شخص على شخص آخر دعوى عند القاضي فلا تصح تلك الدعوى إلا محرَّرة موضَّحة بشيء معلوم: فإن كان المدَّعى عينًا حاضرة عينها بالإشارة، وإن كانت غائبة ذكر صفاتها وما يميزها عن غيرها فمثلًا: إذا كان المدعى دارًا فيجب أن يبين المدَّعي حدودها، وموضعها، فيدّعي المدَّعي قائلًا: إن تلك الدار بحدودها وحقوقها لي، وأنها في يد خصمه ظلمًا، وأنا أطالبه بردِّها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "وإنما أقضي على نحو ما أسمع" بيَّن ﵇ أنه يقضي على حسب ما يسمع من تفاصيل الدَّعوى الثانية: التلازم؛ حيث يلزم أن الدعوى يترتَّب عليها حكم القاضي، فيلزم من وضوح تفاصيلها: الحكم بها والإلزام بالحكم بسببها، ويلزم من عدم ذلك: عدم بيان الحكم؛ لأن القاضي سيسأل المدَّعى عليه عمّا ادَّعاه عليه المدَّعي، فإن اعترف بها: لزمه، ولا يمكن أن يلزمه مجهولًا.
(١٧) مسألة: تصح الدعوى بالوصية والإقرار وإن كانت غير محرَّرة، أي: كانت مجهولة: كأن يدَّعي شخص على شخص آخر بأنه أوصى له بشيء من ماله كإحدى =
стр. 3120
"لي عنده كذا" حتى يقول: "وأنا مطالبه به" (١٨)، ولا تسمع بمؤجَّل؛ لإثباته غير تدبير، واستيلاد، وكتابة (١٩)، ولا بد أن تنفكّ عمّا يُكذِّبها: فلا تصح على إنسان أنه قتل، أو سرق من عشرين سنة، وسنُّه دونها (٢٠)، ولا يُعتبر فيها ذكر سبب
دوابه، أو أحد عبيده، أو أنه أقرّ له بمال مجهول، فيطالبه بما وجب له؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح أن يقرّ، أو يوصي بمجهول: فكذلك يصح لخصمه أن يدَّعي عليه أنه أوصى أو أقرَّ له بمجهول والجامع: أن الجهل متسامح فيه في كل.
(١٨) مسألة: يُشترط في الدعوى: أن يُصرِّح المدَّعي بها، ويطلب حقه من المدَّعى عليه فيقول: "لي عنده كذا، وأنا أطالبه به" فلا يكفي أن يقتصر على قوله: "لي عنده كذا" ويسكت؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من دعوى المدَّعي هو: المطالبة بإرجاع حقه فيلزم ذكر المطالبة به.
(١٩) مسألة: يشترط في الدعوى: أن لا تكون الدعوى بشيء مؤجَّل لإثباته إلّا في حالتين: أولهما: إذا كانت الدعوى في دين وخاف سفر المدين - وهو المدَّعى عليه - أو سفر الشهود، ثانيهما: إذا كانت الدعوى في تدبير، أو استيلاد، أو كتابة، فإذا وُجدت هاتان الحالتان: فإن الدعوى تسمع، وفي غيرها لا تسمع؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز الطلب بالشيء قبل حلوله، وحبسه عليه: عدم جواز سماع الدعوى فيه، ويلزم من صحة الحكم في التدبير، والاستيلاد، والكتابة وإن تأخر أثرها: جواز سماع الدعوى وإن كانت مؤجَّلة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن سفر المدين، أو الشهود يؤدي إلى ضياع حق المدَّعي، فجاز سماع دعواه وإن كان في شيء مؤجل، دفعًا للضَّرر عنه.
(٢٠) مسألة: يُشترط في الدعوى: أن تنفك عمّا يُكذِّبها، أو يشك فيها عرفًا وواقعًا كأن يدَّعي زيد البالغ من العمر عشرين سنة بأن عمرًا قد قتل منذ خمس وعشرين سنة وأنه شاهده يفعل ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك: تكذيب دعواه قطعًا.
следующие страницы →