Полный текст (3 194 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
كان لك بيِّنة فأحضرها إن شئت، فإن أحضرها) أي: البيِّنة لم يسألها الحكم، ولم يُلقِّنها، فإذا شهدت: (سمعها) وحرم ترديدها، وانتهارها، وتعنتها (وحكم بها) أي: بالبيِّنة إذا اتضح له الحكم، وسأله المدَّعي (١٢) (ولا يحكم) القاضي (بعلمه) ولو في غير حد؛ لأن تجويز القضاء بعلم القاضي يفضي إلى تهمته، وحكمه بما يشتهي (١٣) (وإن قال
إنكاره لا يصح -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نفي المدَّعى عليه نفيًا مطلقًا عين ما ادَّعاه عليه المدَّعي: صحة جوابه وإنكاره، ويلزم من اعتراف المدَّعى عليه بسبب الحق: عدم صحة جوابه وإنكاره.
(١٢) مسألة: إذا أنكر المدَّعى عليه دعوى المدَّعي: فإن القاضي يطلب البيِّنة من المدَّعي على دعواه فيقول له: "إن كان لك بيِّنة فأحضرها إن شئت"، فإن أحضر البيِّنة: سمعها القاضي بلا ترديد أو تعنُّت، أو انتهار، أو زجر لهذه البيِّنة - إن كانت البيِّنة شهود - ولم يلقنها ثم يحكم القاضي بسبب تلك البيِّنة فورًا بشرطين: أولهما: أن يتّضح للقاضي الحكم بعد الاستفسار عن ذلك من المدَّعى عليه، ثانيهما: أن يطلب ويسأل المدَّعي القاضي أن يحكم بها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر" فتقديم ذكر البيِّنة يلزم تقديم سماعها من المدَّعي أولًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تلقين الشهود الشهادة: ظلم المدَّعى عليه، ويلزم من ترديد أو تعنت، أو زجر، أو انتهار البيِّنة - وهم الشهود كتمان الشهادة؛ لأن الشهود يتأذون من ذلك الزجر، أو الانتهار.
(١٣) مسألة: لا يجوز للقاضي أن يحكم على شخص بمجرد علمه فيما رآه أو سمعه في غير مجلسه: سواء كان ذلك في حد، أو في غير حد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك ذريعة ووسيلة إلى حكمه بالباطل والحكم بالتشهي؛ إذ لو فتح هذا الباب لأدَّى ذلك إلى قتله وعقوبته لأناس لا ذنب لهم، وأدَّى إلى أخذ أموال الآخرين بغير حق، فإن قلتَ: يجوز أن يقضي بعلمه وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد؛ للسنة =
стр. 3117
المدَّعي: ما لي بيِّنة: أعلمه الحاكم أن له اليمين على خصمه)؛ لما روي أن رجلين اختصما إلى النبي ﵇: حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي، وفي يدي، وليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: "ألك بيِّنة؟ " قال: لا، قال: "فلك يمينه" وهو حديث حسن صحيح، قاله في "شرح المنتهى"، وتكون يمينه (على صفة جوابه) للمدَّعي (فإن سأل) المدَّعي من القاضي إحلافه: (أحلفه، وخلَّى سبيله) بعد تحليفه إياه؛ لأن الأصل براءة ذمّته (ولا يُعتد بيمينه) أي: يمين المدَّعى عليه (قبل) أمر الحاكم له و (مسألة المدَّعي) تحليفه؛ لأن الحق في اليمين للمدَّعي، فلا يُستوفى إلا بطلبه (وإن نكل) المدَّعى عليه عن اليمين: (قضى عليه) بالنكول رواه أحمد عن عثمان ﵁ (فيقول) القاضي للمدَّعى عليه: (إن حلفت): خليت سبيلك (وإلّا) تحلف: (قضيت عليك) بالنكول (فإن لم يحلف: قضى عليه) بالنكول (١٤) ...............
القولية: حيث إن هندًا لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي قال لها النبي ﵇: "خذي ما يكفيكِ أنتِ وولدكِ بالمعروف" فحكم لها من غير بينة ولا إقرار؛ لعلمه بصدقها، وهذا يلزم منه أن يقضي القاضي بعلمه قلتُ: إن هذه فتيا وليست قضاء بدليل: أن النبي ﵇ أفتى في حكم أبي سفيان من غير حضوره، ولو كان قضاء لم يحكم عليه في غيبته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حديث هند هل المقصود به القضاء، أو الفتيا؟ ".
(١٤) مسألة: إذا طلب القاضي من المدَّعي أن يأتي ببيِّنة على دعواه ولم يأت بها: فإنَّ القاضي يطلب من المدَّعى عليه أن يحلف يمينًا أنه بريء ممّا ادّعاه المدَّعي جملة وتفصيلًا، ولا يطلب ذلك من المدَّعى عليه إلّا بعد أن يسأل المدَّعي ذلك، ويطلب من القاضي تحليف المدَّعى عليه، فإذا حلف المدَّعى عليه بأنه بريء مما ادَّعاه عليه المدَّعي: فإن القاضي يخلي سبيله ويطلقه، وإن نكل وامتنع المدَّعى عليه =
стр. 3118
(فإن حلف المنكر) وخلّى الحاكم سبيله (ثم أحضر المدَّعي بيِّنة) عليه: (حكم) القاضي (بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق) هذا: إذا لم يكن قال: "لا بيِّنة لي" فإن قال ذلك، ثم أقامها: لم تسمع؛ لأنه مكذب لها (١٥).
عن الحلف: فإن القاضي يقضي عليه بسبب ذلك النكول، ويلزمه بإعطاء الحق للمدَّعي؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه، وهذا منكر فوجبت عليه اليمين فقط إذا لم يحضر المدَّعي بيّنة على دعواه، وأيضًا قوله ﵇ للحضرمي لمّا لم يحضر بيّنة على خصمه - "فلك يمينه ما لك عليه إلّا يمينه" فإن حلف: أُخلي سبيله، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من امتناع المدَّعى عليه عن اليمين: ثبوت الحق عليه؛ لأنه لا يمتنع عنها عادة إلّا إذا كان الحق عليه ويلزم من كون الحق في اليمين للمدّعي: عدم جواز استيفاء ذلك اليمين إلّا بطلبه - أي: بطلب المدَّعي - الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عثمان قد حكم على المدَّعى عليه بسبب النكول، فإن قلتَ: لِمَ كانت اليمين في جانب المدَّعى عليه، دون المدَّعي إذا لم يحضر المدَّعي بيِّنة على ما ادَّعاه؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث إن الأصل براءة ذمة المدَّعى عليه؛ حيث لم يترجَّح جانب المدَّعي بشيء، فكان جانب المدَّعى عليه أولى باليمين؛ نظرًا لقوّته بأصل براءة الذمة كما صرّح بذلك ابن القيم.
(١٥) مسألة: إذا طلب القاضي من المدَّعى عليه أن يحلف على إنكار ما ادَّعاه عليه المدَّعي - بعد أن لم يحضر المدّعي بيِّنة على دعواه - فحلف المدَّعى عليه على براءته ممّا ادعاه عليه المدَّعي، وخلى سبيله، ثم بعد ذلك: أحضر المدَّعي بيِّنة على دعواه: فإن القاضي يسمع البيِّنة ويحكم بتلك البيِّنة، وهذا مطلق، أي: سواء قال المدَّعي أولًا: "لا بينة لي" أو لم يقل تلك العبارة؛ للتلازم؛ حيث إن اليمين لا تُزيل الحق فيلزم من إثبات البيِّنة: الحكم بها على خصمه الذي حلف سابقًا، فإن قلتَ: إن قال المدَّعي أولًا: "لا بيِّنة لي"، ثم حلف المدَّعى عليه، ثم أحضر =
стр. 3119
(فصل): (ولا تصح الدعوى إلا محرَّرة)؛ لأن الحكم مرتب عليها، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "وإنما أقضي على نحو ما أسمع" ولا تصح أيضًا إلّا (معلومة المدَّعى به) أي: تكون بشيء معلوم؛ ليتأتَّى الإلزام (١٦) (إلا) الدعوى بـ (ما نصححه مجهولًا كالوصية) بشيء من ماله (و) الدعوى (بعبد من عبيده) جعله (مهرًا ونحوه) كعوض خلع، أو أقرَّ به فيطالبه بما وجب له (١٧)، ويُعتبر أن يصرِّح بالدعوى، فلا يكفي:
المدَّعي البيِّنة: فلا تُسمع، ولا يحكم بها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من إحضارها مع قوله: "لا بيِّنة لي": عدم سماعها وعدم قبولها؛ لأنه يكون بذلك مكذب لها قلتُ: لا يكون مكذبًا لها إذا أحضرها فيما بعد؛ لأن المدَّعي كان يقصد: أنه لا بيِّنة له الآن، ولم يقصد أنه لا بيِّنة له أبدًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٦) مسألة: إذا ادَّعى شخص على شخص آخر دعوى عند القاضي فلا تصح تلك الدعوى إلا محرَّرة موضَّحة بشيء معلوم: فإن كان المدَّعى عينًا حاضرة عينها بالإشارة، وإن كانت غائبة ذكر صفاتها وما يميزها عن غيرها فمثلًا: إذا كان المدعى دارًا فيجب أن يبين المدَّعي حدودها، وموضعها، فيدّعي المدَّعي قائلًا: إن تلك الدار بحدودها وحقوقها لي، وأنها في يد خصمه ظلمًا، وأنا أطالبه بردِّها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "وإنما أقضي على نحو ما أسمع" بيَّن ﵇ أنه يقضي على حسب ما يسمع من تفاصيل الدَّعوى الثانية: التلازم؛ حيث يلزم أن الدعوى يترتَّب عليها حكم القاضي، فيلزم من وضوح تفاصيلها: الحكم بها والإلزام بالحكم بسببها، ويلزم من عدم ذلك: عدم بيان الحكم؛ لأن القاضي سيسأل المدَّعى عليه عمّا ادَّعاه عليه المدَّعي، فإن اعترف بها: لزمه، ولا يمكن أن يلزمه مجهولًا.
(١٧) مسألة: تصح الدعوى بالوصية والإقرار وإن كانت غير محرَّرة، أي: كانت مجهولة: كأن يدَّعي شخص على شخص آخر بأنه أوصى له بشيء من ماله كإحدى =
стр. 3120
"لي عنده كذا" حتى يقول: "وأنا مطالبه به" (١٨)، ولا تسمع بمؤجَّل؛ لإثباته غير تدبير، واستيلاد، وكتابة (١٩)، ولا بد أن تنفكّ عمّا يُكذِّبها: فلا تصح على إنسان أنه قتل، أو سرق من عشرين سنة، وسنُّه دونها (٢٠)، ولا يُعتبر فيها ذكر سبب
دوابه، أو أحد عبيده، أو أنه أقرّ له بمال مجهول، فيطالبه بما وجب له؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح أن يقرّ، أو يوصي بمجهول: فكذلك يصح لخصمه أن يدَّعي عليه أنه أوصى أو أقرَّ له بمجهول والجامع: أن الجهل متسامح فيه في كل.
(١٨) مسألة: يُشترط في الدعوى: أن يُصرِّح المدَّعي بها، ويطلب حقه من المدَّعى عليه فيقول: "لي عنده كذا، وأنا أطالبه به" فلا يكفي أن يقتصر على قوله: "لي عنده كذا" ويسكت؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من دعوى المدَّعي هو: المطالبة بإرجاع حقه فيلزم ذكر المطالبة به.
(١٩) مسألة: يشترط في الدعوى: أن لا تكون الدعوى بشيء مؤجَّل لإثباته إلّا في حالتين: أولهما: إذا كانت الدعوى في دين وخاف سفر المدين - وهو المدَّعى عليه - أو سفر الشهود، ثانيهما: إذا كانت الدعوى في تدبير، أو استيلاد، أو كتابة، فإذا وُجدت هاتان الحالتان: فإن الدعوى تسمع، وفي غيرها لا تسمع؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز الطلب بالشيء قبل حلوله، وحبسه عليه: عدم جواز سماع الدعوى فيه، ويلزم من صحة الحكم في التدبير، والاستيلاد، والكتابة وإن تأخر أثرها: جواز سماع الدعوى وإن كانت مؤجَّلة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن سفر المدين، أو الشهود يؤدي إلى ضياع حق المدَّعي، فجاز سماع دعواه وإن كان في شيء مؤجل، دفعًا للضَّرر عنه.
(٢٠) مسألة: يُشترط في الدعوى: أن تنفك عمّا يُكذِّبها، أو يشك فيها عرفًا وواقعًا كأن يدَّعي زيد البالغ من العمر عشرين سنة بأن عمرًا قد قتل منذ خمس وعشرين سنة وأنه شاهده يفعل ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك: تكذيب دعواه قطعًا.
стр. 3121
الاستحقاق (٢١) (وإن ادَّعى عقد نكاح أو) عقد (بيع، أو غيرهما) كإجارة: (فلا بدَّ من ذكر شروطه)؛ لأن الناس مختلفون في الشروط: فقد لا يكون العقد صحيحًا عند القاضي (٢٢)، وإن ادَّعى استدامة الزوجية: لم يشترط ذكر شروط العقد (٢٣) (وإن ادَّعت امرأة نكاح رجل؛ لطلب نفقة، أو مهر، أو نحوهما: سمعت دعواها)؛ لأنها تدّعي حقًا لها تضيفه إلى سببه (وإن لم تدَّع سوى النكاح) من نفقة، ومهر، وغيرهما: (لم تقبل) دعواها؛ لأن النكاح حق الزوج عليها، فلا تسمع دعواها بحق لغيرها (٢٤)
(٢١) مسألة: لا يُشترط في الدعوى: أن يذكر المدَّعي سبب الاستحقاق، بل يكفي أن يقول: "لي عنده ألف درهم" دون ذكر سببها، وهل هي دين، أو ثمن مبيع، أو عوض خلع أو نحو ذلك؟؛ للمصلحة: حيث إن كثرة الأسباب في ذلك، وكثرة خفائها على المدَّعي يجعل ذلك شاقًا على تذكُّر ذلك، فدفعًا لذلك سقط عنه ذكر سبب الاستحقاق.
(٢٢) مسألة: إذا ادَّعى زيد: أنه عقد النكاح على مولية عمرو، أو باعه كذا، أو أجره كذا، ونحو ذلك من العقود: فيجب أن يذكر المدَّعي - وهو زيد - شروط ذلك العقد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف العلماء في شروط كل عقد: ذكر تلك الشروط التي بُني ذلك العقد عليها؛ لأن القاضي من العلماء فقد لا يكون ذلك العقد صحيحًا عند ذلك القاضي؛ لفقدان شرط من الشروط المعتبرة عنده.
(٢٣) مسألة: إذا ادَّعى زيد على امرأة أنه زوجها، وأن الزوجية مستمرة: فلا يُشترط ذكر شروط عقد الزواج؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا لم يدع عقدًا، وإنما ادَّعى خروجها عن طاعته فيلزم: عدم ذكر شروط العقد.
(٢٤) مسألة: إذا ادَّعت امرأة أنها زوجة فلان؛ لأجل أن تطلب نفقة لها، أو مهرًا لم يُؤدِّه إليها: فإن دعواها تسمع وتقبل أما إن ادَّعت أنها زوجته فقط، ولم تطلب شيئًا: فلا تقبل دعواها؛ للتلازم: حيث يلزم من ادِّعائها حقًا لها - وهو النفقة والمهر -: أن تسمع دعواها، وتقبل، ويلزم من ادِّعائها شيئًا ليس بحق لها، وهو =
стр. 3122
(وإن ادَّعى) إنسان (الإرث: ذكر سببه)؛ لأن أسباب الإرث تختلف، فلا بد من تعيينه (٢٥)، ويُعتبر تعيين مدَّعى به إن كان حاضرًا بالمجلس، وإحضار عين بالبلد لتعين، وإن كانت غائبة: وصفها كسَلَمَ، والأولى: ذكر قيمتها أيضًا (٢٦) (وتُعتبر عدالة البيِّنة ظاهرًا وباطنًا)؛ لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلا في عقد نكاح فتكفي العدالة ظاهرًا - كما تقدم - (٢٧) (ومن جُهلت عدالته: سأل) القاضي
الزوجية واستمراره بدون أن تطلب شيئًا آخر: عدم سماع دعواها، وعدم القبول، لأن النكاح حق الزوج عليها.
(٢٥) مسألة: إذا ادَّعى زيد على عمرو: أنه يرث من أبيه: فيجب أن يذكر المدّعي - وهو زيد - سبب هذا الإرث؛ للتلازم؛ حيث إن أسباب الإرث تختلف باختلاف الوارث، والمورِّث، والقرب والبعد فيلزم منه: أن يُعيِّن سبب ذلك الإرث حتى يحكم القاضي على ضوء ذلك.
(٢٦) مسألة: يُشترط أن يُعيِّن المدَّعي مدَّعى به والإشارة إليه إن كان حاضرًا في مجلس القضاء، وإحضاره إن كان بنفس البلد، وإن كان غائبًا: يجب أن يصفه وصفًا يتميّز به عن غيره كوصف العين المسلم فيها، ويُستحب أن يذكر قيمته بالإضافة إلى ذكر صفته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف الحكم باختلاف الشيء المدَّعى به، وصفته: أن يعين ذلك المدعى به، بالإشارة، والإحضار في مجلس القضاء، أو وصفه إن كان غائبًا وذلك لإزالة اللبس.
(٢٧) مسألة: يُشترط في الشهود الذين يشهدون مع المدَّعي أن يكونوا عدولًا ظاهرًا، ويحكم بها إن لم يعلم خلافها؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال ﵇: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فاشترط العدالة في الشاهدين الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد قبل شهادة الأعرابي، وهو لا يعلم عنه إلا ما ظهر منه، وهو الإسلام، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قال: "المسلمون عدول"، فإن قلتَ: لا تقبل إلّا شهادة عدلين ظاهرًا وباطنًا إلّا في عقد النكاح فتكفي =
стр. 3123
(عنه) ممّن له به خبرة باطنة بصحبة، أو معاملة، ونحوهما (٢٨)، وتقدَّم بيِّنة جرح على تعديل (٢٩)، وتعديل الخصم وحده، أو تصديقه للشاهد تعديل له (٣٠) (وإن علم)
العدالة ظاهرًا، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك التفصيل، ثم إن العدالة باطنًا يصعب الاطّلاع عليها، فإن قلتَ: لم اشترطت العدالة في الشهود؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الآخرين من أن يأكلها الظلمة.
(٢٨) مسألة: إذا كان الشاهدان، أو أحدهما مجهول الحال في العدالة: فيجب على القاضي أن يسأل عن عدالتهما ممّن يعرفهما بسبب جوار، أو صحبة في سفر، أو مشاركة في مال، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من اشتراط العدالة في الشاهدين: وجوب العلم بها بأي طريق يغلب على ظن القاضي وجودها بهما، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن رجلًا قد زكَّى رجلًا آخر عند عمر فقال له عمر: أنت جاره تعرف ليله ونهاره؟ قال: لا، قال: صحبته في السفر الذي تظهر فيه جواهر الرجال؟ قال: لا، قال: عاملته بالدينار والدرهم؟ قال: لا، قال عمر: لست تعرفه، فهذا يدل على أن الشخص المسؤول عن عدالة شخص آخر يجب أن يكون عارفًا له بسبب جوار، أو صحبة في سفر، أو معاملة في تجارة.
(٢٩) مسألة: إذا اختلف زيد وعمرو على بكر فقال زيد: إن بكرًا ليس بعدل بسبب كذا وكذا، وقال عمرو: إن بكرًا عدل في مجلس القاضي: فإنه - أي: القاضي يقدم قول المجرِّح - وهو زيد - فلا يقبل بكرًا شاهدًا؛ للتلازم؛ حيث إن المجرِّح - وهو زيد - قد علم بزيادة علم خفي على المعدِّل، أما المعدِّل - وهو عمرو - فقد شهد بما ظهر على بكر، ومن معه زيادة علم مُقدَّم على من ليس معه ذلك.
(٣٠) مسألة: إذا شهد مجهول الحال في العدالة، وعدَّله الخصم - وهو المشهود عليه -، أو صدَّقه: فإن ذلك يعتبر تعديلًا لذلك الشاهد في تلك القضية التي شهد فيها، ويجب على القاضي الحكم بشهادته؛ للتلازم؛ حيث إن البحث عن عدالة الشاهد =
стр. 3124
القاضي (عدالته) أي: عدالة الشاهد: (عمل بها) ولم يحتج إلى التزكية، وكذا: لو علم فسقه (٣١) (وإن جرَّح الخصم الشهود: كُلِّف البينة به) أي بالجرح، ولا بدَّ من بيان سببه عن رؤية، أو استفاضة (٣٢) (وانظر) من ادَّعى الجرح (له ثلاثة أيام إن
كان لحفظ حق المشهود عليه، وقد اعترف بعدالته، أو صدقه، فيلزم ثبوت عدالته في تلك القضية، فيلزم القاضي الحكم بشهادته، وإن كان للمشهود عليه حق فقد أسقطه بذلك فإن قلتَ: لا يجوز للقاضي الحكم بشهادة ذلك الشاهد المجهول الحال وإن اعترف المشهود عليه بعدالته، أو صدَّقه، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ للتلازم؛ حيث إن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى فيلزم عدم الحكم بشهادة ذلك الشاهد، ولهذا لو رضي الخصم بأن يحكم عليه بقول فاسق: لم يجز للقاضي الحكم به؛ لعدم العدالة قلتُ: ما نحن فيه مجهول حال، وليس بفاسق وهما مختلفان، فمجهول الحال الأصل فيه العدالة، بخلاف الفاسق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" و"الخلاف في مجهول الحال ما المقصود فيه؟ ".
(٣١) مسألة: إذا علم القاضي عدالة الشاهد من قبله: عمل بها، وحكم بناء على ذلك، وإن علم فسق الشاهد: عمل به، ولم يحكم بناء على ذلك، ولا يحتاج - أي: القاضي - إلى تزكية وتعديل أحد، أو تجريحه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القاضي قد ثبتت عدالته - بسبب توليته للقضاء -: الاكتفاء بتعديله للشاهد أو تجريحه.
(٣٢) مسألة: إذا جرَّح الخصم - وهو المشهود عليه - الشهود الذين أتى بهم خصمه: فإن القاضي يطلب من ذلك الخصم أن يذكر دليلًا على هذا التجريح، وأن يذكر سببه: بأن يطلب القاضي سبب تجريح الشاهدين، أو أحدهما وهل كان ذلك بسبب رؤية على فعل فسق، أو اشتهر عنهما الفسق أو نحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن اختلاف الناس في أسباب الجرح يلزم منه: أن يطلب القاضي بيِّنة على ذلك =
стр. 3125
طلبه، وللمدَّعي ملازمته) أي: ملازمة خصمه في مدَّة الإنظار؛ لئلا يهرب (فإن لم يأت) مدعي الجرح (ببينة: حكم عليه)؛ لأن عجزه عن إقامة البيِّنة على الجرح في المدة المذكورة دليل على عدم ما ادَّعاه (٣٣) (وإن جهل) القاضي (حال البينة طلب من المدَّعي تزكيتهم)؛ لتثبت عدالتهم فيحكم له (ويكفي فيها) أي: في التزكية (عدلان يشهدان بعدالته) أي: بعدالة الشاهد (٣٤) (ولا يُقبل في الترجمة و) في (التزكية و) في
التجريح؛ لأن بعض الناس يُجرِّح بشيء ليس بجرح عند الآخرين كمن سُئل عن شخص وقيل له: لماذا لا تأخذ الحديث من فلان؟ فقال: لأنه إذا ركب البرذون يجعله يركض به، فهذا يدل على سفاهة وخفَّة، فقالوا له: قد يكون له عمل عاجل، أو قد يكون البرذون قد استعجل به من غير إرادة من الراكب، وغير ذلك من الاحتمالات، وكذا: ترى اليوم بعض من لا يخاف الله يقلل من قيمة شخص آخر، ويقطع أرزاقه ويشوّه سمعته بين الخلق بسبب شيء قد لاحظه عليه قد عمله بسبب مرض، أو أي علَّة لا يريد أحدًا أن يطَّلع عليها، فلذلك أوجب المحققون من العلماء: بيان سبب التجريح، وسبب التزكية والتعديل حتى يحكم الآخرون فيهما.
(٣٣) مسألة: إذا جرَّح الخصم - وهو: المشهود عليه - الشهود، وطلب القاضي بيان سبب التجريح، فطلب المجرِّح مدَّةً ليأتي بذلك: فللقاضي أن يمهله ثلاثة أيام لذلك، ومن حق المدَّعي أن يلازم الخصم - وهو المجرِّح - مدة الثلاثة الأيام تلك وإذا لم يأت بذلك: فإن القاضي يحكم عليه؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن إلزامه ببيان سبب التجريح في الحال تضييق عليه، وإمهاله أكثر من ثلاثة أيام فيه مضرَّة على المدَّعي الذي أتى بالشهود، وملازمة المجرح من قبل المدَّعي فيه الحفاظ عليه من الهروب، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم إتيانه بسبب التجريح: عدم وجود التجريح أصلًا؛ لأن ذلك دليل على بطلان دعواه الجرح.
(٣٤) مسألة: إذا جهل القاضي حال الشاهدين: فإنه يطلب من المدَّعي أن يُحضر =
стр. 3126
(الجرح، والتعريف) عند حاكم (والرسالة) إلى قاضي آخر بكتابه ونحوه (إلا قول عدلين) إن كان ذلك فيما يُعتبر فيه شهادة عدلين وإلا: فحكم ذلك حكم الشهادة، على ما يأتي تفصيله (٣٥)، وإن قال المدَّعي: لي بينة، وأُريد يمينه: فإن كانت بالمجلس: فليس له إلّا إحداهما، وإلا: فله ذلك (٣٦)، وإن سأل ملازمته حتى يقيمها: أجيب في
مُزكِّيين عدلين يشهدان أن الشاهدين عدلان؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وهذا عام في نفس الشهود، وفيمن يشهد أنهما عدلان - وهما المزكيان - الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر لما جهل حال شاهدين طلب من المدَّعي إحضار من يشهد بأنهما عدلان.
(٣٥) مسألة: يُشترط قول عدلين في قبول الترجمة عمّن لا يفهم كلامه عند حاكم لا يعرف لسان الخصم، وقبول التزكية، وقبول التجريح، وقبول التعريف بالمدَّعي، والمدَّعى عليه، وتعريف الشهود، والمشهود به، والمحكوم عليه، والمحكوم به، والمحكوم له، وتعريف المثبت له، والمثبت عليه، ونفس المثبت في إرسال وكتاب قاض إلى قاضي آخر، وقبول قول نقل من امرأة أرسل إليها لتُستحلف؛ للمصلحة: حيث إن اشتراط العدلين في هذه الأمور أغلب على الظن في حصول ذلك، وآكد للقاضي، وأكثر احتياطًا للدِّين، فلزم ذلك الشرط.
(٣٦) مسألة: إذا قال المدَّعي: "لي بيِّنة، وأريد يمينه أيضًا": فليس له إلّا البيِّنة، أو يمين المدَّعى عليه إن كانت البيِّنة حاضرة في مجلس القضاء، أما إن كانت البيِّنة ليست حاضرة في المجلس: فللمدَّعي تحليف المدَّعى عليه في المجلس، وإقامة البيِّنة فيما بعد؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "شاهداك أو يمينه" وهذا واجب مخيَّر، فأيهما حصل: يكتفى فيه، ولا يجمع بينهما إذا كانا حاصلين في نفس المجلس؛ لعدم جواز الجمع بين المبدل، والبدل، وهذا بخلاف ما إذا كانت البيِّنة في غير مجلس القضاء فيمكن ذلك.
стр. 3127
المجلس، فإن لم يحضرها فيه: صرفه؛ لأنه لم يثبت له قبله حق حتى يحبس به (٣٧) (ويحكم على الغائب) مسافة القصر (إذا ثبت عليه الحق)؛ لحديث هند، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: "خذي ما يكفيكِ، وولدكِ بالمعروف" متفق عليه، فتسمع الدعوى والبيِّنة على الغائب مسافة قصر، وعلى غير مكلَّف، ويحكم بها، ثم إذا حضر الغائب: فهو على حجته (٣٨) (وإن ادَّعى) إنسان (على حاضر في البلد غائب عن مجلس الحكم) أو على مسافر دون مسافة قصر، غير مستتر (وأتى) المدَّعي (ببيِّنة: لم تسمع الدعوى، ولا البيِّنة) عليه حتى يحضر مجلس الحكم؛ لأنه يمكن سؤاله، فلم يجز الحكم عليه قبله (٣٩).
(٣٧) مسألة: إذا طلب المدَّعي ملازمة المدَّعى عليه إلى أن يقيم بينة على دعواه: فإن طلبه يُجاب في المجلس، فإن لم يحضر المدَّعي تلك البيِّنة على دعواه في المجلس: فإنه يُصرف المدَّعى عليه، ولا يلازمه، ولا يقيم به كفيلًا؛ للتلازم؛ حيث إن ملازمته من ضرورة إقامة البيِّنة فيلزم إجابة طلبه، ويلزم من عدم إحضار المدَّعي للبينة: عدم ثبوت شيء على المدَّعى عليه، ولا يوجد شيء يستلزم الحبس به.
(٣٨) مسألة: يجوز للقاضي أن يحكم على الغائب في بلد يبعد عن بلد القاضي مسافة قصر - وهو ٨٢ كم - بشرط: ثبوت الحق عليه بعد سماع الدعوى عليه، وكذا: تسمع الدعوى على غير مكلف: كالصبي والمجنون ويحكم بها، فإذا حضر الغائب، أو كُلِّف غير المكلَّف فهو على حجّته؛ للسنة القولية: حيث إن هندًا لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي قال ﵇: "خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف" فقضى ﵇ على الغائب - وهو: أبو سفيان -، ومثله غير المكلَّف؛ لعدم الفارق؛ حيث إن كلًّا منهما لا يعبر عن نفسه، وهذا من باب: "مفهوم الموافقة".
(٣٩) مسألة: إذا ادَّعى زيد على عمرو بدعوى، وعمرو - المدَّعى عليه - غائب عن =
стр. 3128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مجلس الحكم، وهو حاضر في نفس البلد، أو مسافر إلى بلد آخر مسافة أقل من مسافة قصر - وهي ٨٢ كم - وعمرو غير مستتر: فلا يجوز للقاضي أن يسمع دعوى زيد، ولا بيِّنته حتى يحضر عمرو - المدَّعى عليه - مجلس الحكم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم المشقّة في حضور عمرو، وإمكان سؤاله عن الدعوى: عدم جواز الحكم في الدعوى بدون حضوره.
هذه آخر مسائل باب: "طريق الحكم وصفته" ويليه باب "كتاب القاضي إلى القاضي".
стр. 3129
باب كتاب القاضي إلى القاضي
أجمعت الأمة على قبوله، أي: كتاب القاضي إلى القاضي؛ لدعاء الحاجة إليه (١) فـ (يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق) لآدمي كالقرض، والبيع، والإجارة (حتى القذف) والطلاق، والقود، والنكاح، والنسب؛ لأنها حقوق آدمي لا تُدرأ بالشبهات و (لا) يُقبل (في حدود الله) تعالى (كحد الزنا ونحوه) كشرب الخمر؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر، والدرء بالشبهات (٢) (ويقبل) كتاب القاضي (فيما
باب كتاب القاضي إلى القاضي
وفيه خمس مسائل:
(١) مسألة: المراد من كتاب القاضي إلى القاضي هو: أن يكون زيد في بغداد، وله حق على عمرو الذي هو ساكن مكة، ولا يتمكن زيد من إثبات حقه وأخذه في مكة؛ لكونه يتعذَّر عليه - أي على زيد - السفر مع شهوده؛ إلى مكة لكونهم غير معروفين بمكة، فيقوم قاضي بغداد بإثبات الدعوى، وقبول شهادة الشهود، ويكتبها في خطاب ويرسلها إلى قاضي مكة، فيقوم قاضي مكة باستدعاء المدَّعى عليه - وهو عمرو - ويسأله عن الدعوى: فإن أقرَّ بها: حكم عليه وأخذ حق زيد، وأرسله إلى قاضي بغداد، وإن أنكر عمرو: بيَّن سبب هذا وأرسله إلى قاضي بغداد.
(٢) مسألة: كتاب القاضي إلى القاضي مقبول في كل حق لآدمي مثل: القرض، والبيع، والإجارة، والغصب، والصلح، والوصية بمال، والرهن، والجناية الموجبة للمال، والقذف، والطلاق، والقصاص، والنكاح، وإثبات النسب، والخلع، ونحو ذلك من الحقوق التي توجب مالًا، ولكن لا تقبل في حدود الله كأن يدَّعي زيد - الذي ببغداد على عمرو - الذي بمكة - بأنه قد زنى، أو شرب الخمر؛ للمصلحة: حيث إن كتاب القاضي إلى القاضي فيما فيه حقوق يقبل؛ لأن =
стр. 3130
حكم به) الكاتب؛ (لينفذه) المكتوب إليه (وإن كان) كل منهما (في بلد واحد)؛ لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حال (ولا يقبل) كتابه (فيما ثبت عنده ليحكم) المكتوب إليه (به إلا أن يكون بينهما مسافة قصر) فأكثر؛ لأنه نقل شهادة إلى المكتوب إليه، فلم يجز مع القرب كالشهادة على الشهادة (٣) (ويجوز أن يكتب) كتابه (إلى قاضي
الحاجة داعية إليه؛ إذ في ذلك حفظ حقوق الناس في حين عدم المشقة والضيق عليهم ولا تقبل في حدود ليس فيها حق لآدمي؛ لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه في تلك الحدود، ولأنها تدرأ بالشبهات، والإسقاط بالرجوع عن الإقرار، وكتاب القاضي إلى القاضي شهادة وفيه شبهة؛ لكونه يتطرّق إليه احتمال السهو والخطأ وذلك في شهود الفرع.
(٣) مسألة: كتاب القاضي المقبول على قسمين: القسم الأول: أن يكتب القاضي بما حكم به كأن يحكم على رجل بحق فيتغيب قبل وفائه، أو يدَّعي عمرو حقًا على غائب، ويسأل القاضي أن يحكم عليه، فيحكم عليه، ويسأله أن يكتب له كتابًا بحكمه إلى قاضي البلد الذي فيه ذلك الغائب، فيكتب إليه: فيجب على القاضي المكتوب إليه قبوله وإمضاؤه: سواء كان القاضي الكاتب، والقاضي المكتوب في بلدين متباعدين، أو في بلد واحد، كل واحد في ناحية منه، للمصلحة: حيث إن حكم القاضي يجب إمضاؤه على كل حال فيلزم قبوله، وإلا تعطّلت الأحكام، وكثرت الخصومات، القسم الثاني: أن يكتب القاضي بعلمه شهادة شاهدين عنده، ويُثبت ذلك، ويرسله إلى القاضي الآخر - وهو المكتوب إليه - وذلك ليحكم بالقضية، فيجب على القاضي الآخر - المكتوب إليه، أن يقبل ذلك إذا كان بين القاضي الكاتب، والقاضي المكتوب إليه مسافة قصر فأكثر - وهي ٨٢ كم -، أما إن كانت المسافة التي بينهما قصيرة - أقل من ٨٢ كم -: فلا تقبل هذه الكتابة؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا إذا وجدت مسافة قصر بين شاهد الأصل وشاهد الفرع، ولا تقبل ما هو أقل من ذلك، فكذلك الحال هنا، =
стр. 3131
معيَّن و) أن يكتبه (إلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين) من غير تعيين، ويلزم من وصل إليه قبوله؛ لأنه كتاب حاكم من ولايته، وصل إلى حاكم، فلزمه قبوله، كما لو كتب إلى معيَّن (٤) (ولا يقبل) كتاب القاضي (إلّا أن يُشهد به القاضي الكاتب شاهدين) عدلين يضبطان معناه، وما يتعلَّق به الحكم (فيقرأه) القاضي الكاتب (عليهما) أي: على الشاهدين (ثم يقول: اشهدا: أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان) أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين، (ثم يدفعه إليهما) أي: إلى العدلين، اللذين شهدا بما في الكتاب، فإذا وصلا: دفعاه إلى المكتوب إليه، وقالا: نشهد: أن هذا كتاب فلان إليك، كتبه بقلمه، والاحتياط ختمه، بعد أن يقرأه عليهما، ولا يُشترط، وإن أشهدهما عليه مدرجًا مختومًا: لم يصح (٥).
والجامع: أن كلًّا منهما نقل شهادة.
(٤) مسألة: يجوز أن يكتب القاضي إلى قاضٍ معين في جهته، أو بلد آخر قائلًا: "إلى فلان قاض البلد أو الجهة الفلانية" فيلزمه قبوله - كما سبق بيانه - ويجوز أن يكتب إلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين وحكّامهم من غير تعيين، ويجب على من وصل إليه من القضاة قبوله والعمل به؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو كتب إلى معين فيجب على هذا المعين قبوله والعمل به فكذلك إذا كتب إلى غير معين من قضاة المسلمين، ووصل واحدًا منهم فيجب عليه أن يعمل به والجامع: أنه كتاب من ولايته وصل إلى حاكم آخر، فإن قلتَ: لا يجوز أن يكتب إلى غير معين، وهو قول أبي حنيفة قلتُ: لا فرق بين الخطاب الخاص، والخطاب العام بوجوب العمل إلا أن في الخصوصية زيادة تأكيد فقط.
(٥) مسألة: يُشترط في كتاب القاضي إلى القاضي: أن يُشهد القاضي الكاتب شاهدين عدلين على أن هذا كتابه إلى القاضي الفلاني - ويسميه - أو هذا كتابه إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين، ثم يدفعه إليهما، فإذا وصلا إلى القاضي المكتوب إليه قالا: نشهد: أن هذا كتاب فلان إليك، وأنه كتبه بقلمه، وحينئذ يلزم =
стр. 3132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاضي المكتوب إليه قبوله: سواء قرأ القاضي الكاتب على الشاهدين محتوى ما في الكتاب، أو دفعه إليهما مدرجًا مختومًا إذا عرف خطه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن العقود يشترط فيها شهود شاهدين عدلين فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه لا يكفي الظاهر في كل، ثانيهما: كما أن وصية الرجل إذا وجدت عند رأسه، أو محفوظة بين أوراقه وعرف خطه نفذ ما فيها: سواء أشهد عليها أو لا، فكذلك كتابة القاضي إلى القاضي مثل ذلك لا يُحتاج إلى أن يشهد الشاهدان إلى ما تضمنه ذلك الكتاب، وإنما يشهدان بأنه كتاب القاضي، والجامع: أنه في كل منهما يغلب على الظن أنه صدر من صاحبه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن العمل بكتابته إذا عرف خطه: فيه منع من تعطيل الأحكام، وتيسير لها وإن لم يشهد الشاهدان بما تضمنه ذلك الكتاب، فإن قلتَ: إن أشهد الشاهدين على الكتاب، وهو مدرج مختوم: فإنه لا يصح، ولا يلزم القاضي المكتوب إليه قبوله، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه لا يجوز لأي شخصٍ أن يشهد إلّا بما يعلم فيلزم من ذلك أن يقرأه عليهما، ويعلمهما بما تضمنه ذلك الكتاب قلتُ: هذا لا يلزم؛ لأن المطلوب من الشاهدين أن يشهدا أن هذا كتاب القاضي سلمنا إياه وذلك معلوم لهما، أما ما يتضمنه ذلك الكتاب فليست الشهادة عليه.
[فرع]: يستحب أن يختم القاضي الكاتب كتابه بختمه، ولا يجب الختم؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للكتاب من أن يطَّلع عليه؛ الثانية: التلازم؛ حيث إن الاعتماد على شهادة الشاهدين، لا على الختم فلم يجب الختم.
هذه آخر مسائل باب: "كتاب القاضي إلى القاضي" ويليه باب: "قسمة الأملاك".
стр. 3133
باب القسمة
من قسمت الشيء: إذا جعلته أقسامًا، والقِسم - بكسر القاف -: النصيب، وهي نوعان (١)، (٢): قسمة تراضٍ، وأشار إليها بقوله: (لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر) ولو على بعض الشركاء (أو) لا تنقسم (إلا برد عوض) من أحدهما على الآخر (إلا برضاء الشركاء) كلهم؛ لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وغيره، وذلك (كالدور الصغار، والحمام، والطاحون الصغيرين) والشجر المفرد (والأرض التي لا تتعدَّل بأجزاء، ولا قيمة كبناء أو بئر) أو معدن (في بعضها) أي: بعض الأرض (فهذه القسمة في حكم البيع) تجوز بتراضيهما، ويجوز فيها ما يجوز في البيع خاصة (ولا يجبر من امتنع) منهما (من قسمتها)؛ لأنها معاوضة، ولما فيها من الضرر (٣)، ومن دعا شريكه
باب قسمة الأملاك وتدخُّل القاضي في ذلك
وفيه تسع عشرة مسألة:
(١) مسألة: تقسيم الشيء: جعله أقسامًا، يقال: "قاسمه المال": إذا ميّز نصيبه من نصيب غيره وأفرده لخاصته.
(٢) مسألة: قسمة الأملاك جائزة بنوعيها - وهما: قسمة تراضي، وقسمة إجبار -؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ وقال: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم" الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث قسَّم النبي ﵇ خيبر وكان يقسم الغنائم، فإن قلتَ: لِمَ شُرعت القسمة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الناس بحاجة إلى قسمة ما اشتركوا فيه من أملاك؛ ليتمكَّن كل واحد من الشركاء من التصرف بماله تصرفًا مطلقًا، والتخلُّص من سوء الشراكة، وكثرة الأيدي على المال.
(٣) مسألة: في الأول - من نوعي قسمة الأملاك - وهي: قسمة تراضي، والمراد منه: =
стр. 3134
فيها إلى بيع: أُجبر، فإن أبى: باعه الحاكم عليهما، وقسم الثمن بينهما على قدر حصصهما، وكذا: لو طلب الإجارة، ولو في وقف، والضرر المانع من قسمة الإجبار نقص القيمة بالقسمة (٤)، ومن بينهما دار لها علو وسفل، وطلب أحدهما جعل السفل
أن يكون بين شريكين - فأكثر - دار، أو دكان، أو أرض صغيرة ضيقة، ونحو ذلك مما لا تمكن قسمته إلا بضرر يلحق أحد الشريكين، أو برد عوض من أحدهما على الآخر، فهذه لا تجوز قسمتها إلّا برضى الشريكين - أو الشركاء - ولا يجبر من امتنع، وتكون القسمة هنا في حكم البيع لا يصح إلّا برضاهما ونحو ذلك من شروط البيع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فحرم كل شيء يُلحق الضرر بأي مسلم؛ لأن النفي هنا نهي، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهو عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهي من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق المسلمين من أن تؤكل بالحيل.
(٤) مسألة: إذا كان زيد شريكًا لعمرو في ملكية دار ضيقة لا تقبل التقسيم إلّا بضرر - وهو نقص القيمة - فطلب زيد بيع تلك الدار، أو تأجيرها، فأبى شريكه - وهو عمرو -: فإن القاضي يبيعها، أو يؤجرها ويقسّم ثمنها - إذا باعها - أو أجرتها - إذا أجرها - على الشريكين على قدر حصصهما في ملكها: سواء كانت الدار خالصة، أو وقفًا عليهما؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يجوز بيع العين المرهونة إذا لم يفِ الراهن بدينه: سواء امتنع عن بيعها أو لا، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما حق عليه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الطالب لبيعها، أو تأجيرها أراد بذلك التخلُّص من ضرر الشراكة، ومجرّد بيعها، أو تأجيرها لا يلحق ضررًا بالشريك الآخر بخلاف ما لو طلب تقسيمها؛ لأن قيمتها تنقص بالقسمة.
стр. 3135
لواحد، والعلو لآخر: لم يجبر الممتنع (٥)، النوع الثاني: قسمة إجبار وقد ذكرها بقوله: (وأما ما لا ضرر) في قسمته (ولا ردَّ عوض في قسمته كالقرية، والبستان، والدار الكبيرة، والأرض) الواسعة (والدكاكين الواسعة، والمكيل، والموزون من جنس واحد كالأدهان، والألبان، ونحوها إذا طلب الشريك قسمتها: أُجبر) شريكه (الآخر عليها) إن امتنع من القسمة مع شريكه، ويقسم عن غير مكلَّف وليه، فإن امتنع: أُجبر ويقسم حاكم على غائب من الشريكين بطلب شريكه أو وليه (٦)، ومن دعا شريكه في بستان إلى قسم شجره فقط: لم يُجبر، وإلى قسم أرضه: أُجبر، ودخل الشجر تبعًا (٧) (وهذه القسمة) وهي: قسمة
(٥) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو بملكية دار لها دور علوي، ودور سفلي، وطلب زيد أن يكون هو في الدور العلوي، وعمرو يكون في الدور السفلي، أو بالعكس، وامتنع عمرو: فإنه لا يُجبر على ذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مفسدة ومضرَّة على الممتنع، فدفعًا لذلك: فإنه لا يُجبر.
(٦) مسألة: في الثاني - من نوعي قسمة الأملاك - وهو: قسمة إجبار، والمراد منه: أن يكون بين شريكين - فأكثر - دار، أو أرض، أو دكاكين واسعة، أو بستان كبير أو مكيلات وموزونات ونحو ذلك ممّا تمكن قسمته بدون إلحاق ضرر بأحد الشريكين، أو برد عوض من أحدهما إلى الآخر بسبب تلك القسمة: فهذه تجوز قسمتها إذا طلب أحد الشريكين ذلك، فإن أبى شريكه الآخر: فإن القاضي يجبره عليها: سواء كان هذا الشريك هو المالك بنفسه، أو هو ولي المالك، وسواء كان ذلك الشريك حاضرًا، أو غائبًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه من حق كل مالك في سائر الحقوق طلب ذلك فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما حق عليه الثانية: المصلحة؛ حيث إن الطالب لقسمتها يريد إزالة الضرر اللاحق إليه بسبب الشراكة، ويُريد التصرف بحقه ونصيبه بكامل حريته كيفما شاء.
(٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في بستان، ودعا زيد عمرًا إلى تقسيم الشجر الذي =
стр. 3136
الإجبار (إفراز) لحق أحد الشريكين من الآخر (لا بيع)؛ لأنها تخالفه في الأحكام: فيصح قسم لحم هدي، وأضاحي، وثمر يخرص خرصًا، وما يكال وزنًا، وعكسه، وموقوف ولو على جهة، ولا يحنث بها من حلف لا يبيع، ومتى ظهر فيها غبن فاحش: بطلت (٨) (ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم و) أن يتقاسموا (بقاسم
فيه بينهما دون أرضه: فإن عمرًا لا يُجبر على تلك القسمة، أما إذا دعاه زيد إلى قسمة أرض البستان: فإنه يجبر على تلك القسمة، ويكون الشجر الذي عليها تبعًا للأرض المقسومة؛ للمصلحة: حيث إن قسمة الشجر يلحق الضرر بشريكه - وهو عمرو - فدفعًا لذلك: شرع عدم إجباره؛ لأن الشجر تابع للأرض غير مستقل بنفسه، أما إذا دعاه إلى قسمة الأرض: فيُجبر شريكه على قسمتها؛ لأن فيه منفعة للطالب - زيد -، وعدم تضرُّر شريكه فشرع إجباره على ذلك.
(٨) مسألة: قسمة الإجبار - السابق بيانها في مسألة (٦) - هي: إفراز وعزل لحق ونصيب أحد الشريكين من حق ونصيب الآخر، وليست بيعًا، وبناء عليه ترتب على ذلك أحكام شرعية: منها: أنه يصح قسم لحم الهدي، والأضحية مع عدم جواز بيعها، ويصح أيضًا: قسم ثمر يخرص من تمر ورطب ونحوهما مع عدم صحة بيعهما، ويصح أيضًا قسم ما يكال من ربوي وغيره عن طريق الوزن، وقسم ما يوزن من ربوي وغيره عن طريق الكيل وإن لم يقبض في المجلس مع عدم صحة البيع في ذلك، ويصح أيضًا: قسم موقوف: سواء على جهة واحدة، أو على جهتين مع عدم صحة ذلك، وأيضًا: أنه إذا حلف بأنه لا يبيع ما يقسم قسمة إجبار، وإذا قسمه: لا يحنث، بخلاف قسمة التراضي فيحنث إذا حلف؛ لأنه بيع، وأيضًا: أنه إذا ظهر فيما قسمه - في قسمة الإجبار - غبن فاحش: فإن القسمة تبطل، بخلاف قسمة التراضي، فإذا حصل على أحد الشريكين المقتسمين برضا غبن: لم تبطل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون قسمة الإجبار تخالف البيع في أحكامه وأسبابه؛ إذ لا يُشترط التراضي ونحوه من شروط البيع: عدم جعله بيعًا.
стр. 3137
ينصبونه، أو يسألوا الحاكم نصبه) وتجب عليه إجابتهم؛ لقطع النزاع (٩)، ويشترط: إسلامه، وعدالته، ومعرفته بها (١٠)، ويكفي واحد إلا مع تقويم (١١) (وأجرته) وتسمى القسامة - بضم القاف - على الشركاء (على قدر الأملاك) ولو شرط خلافه، ولا ينفرد بعضهم باستئجاره، وتعدل السهام بالأجزاء إن تساوت كالمكيلات، والموزونات غير المختلفة، وبالقيمة إن اختلفت، وبالرد إن اقتضته (١٢) (فإذا اقتسموا، أو اقترعوا:
(٩) مسألة: يجوز للشريكين - أو الشركاء - أن يتقاسما بنفسيهما ما بينهما من الشيء المشترك بينهما، أو يضعان شخصًا يتولى القسم بينهما يرضيان به، أو يطلبان من القاضي تعيين شخص يتولى ذلك، فيجب على القاضي أن يفعل ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحق لا يتعداهما: جواز أن يتوليا القسمة، أو أن ينصبا من يتولى ذلك، أو أن يطلبا من القاضي نصب أحد يتولى ذلك، ويلزم من كون قطع النزاع من وظائف القاضي: وجوب تعيين شخص يتولى القسم بينهما.
(١٠) مسألة: يُشترط فيمن يتولَّى القسمة بين الشريكين: أن يكون مسلمًا، عدلًا، عارفًا لتقسيم الأملاك وطريقتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من توفر تلك الشروط الثلاثة فيمن يتولى القسمة: أن يقبل قوله، ويعمل به دون ميل، أو إجحاف، بخلاف الكافر، أو الفاسق، أو الجاهل: فلا يُقبل قوله؛ لاتهامه.
(١١) مسألة: يكفي شخص واحد قد توفّرت فيه تلك الشروط الثلاثة - التي في المسألة (١٠) - ليتولى القسمة بشرط: عدم قسمة التقويم، أما إن كانت فيه قسمة تقويم: فلا بد من قاسمين؛ للقياس وهو من وجهين: أولهما: كما يكتفى بقاض واحد يفصل بين الخصوم، فكذلك الحال هنا والجامع: الثقة بقوله في كل، ثانيهما: كما أن سائر الشهادات لا يكتفى إلّا بشاهدين فكذلك القسمة بالتقويم لا يكتفى إلّا بقاسمين والجامع: أن كلًّا منهما شهادة بالقيمة.
(١٢) مسألة: أجرة الذي يتولى القسمة تكون على جميع الشركاء: سواء كان الطالب للقسمة واحدًا، أو كلهم، وسواء شُرط: أن يعطيه أحدهم أجرته من نصيبه أو =
стр. 3138
لزمت القسمة)؛ لأن القاسم كالحاكم، وقرعته كحكمه (١٣) (وكيف اقترعوا: جاز) بالحصى أو غيره (١٤)، وإن خير أحدهم الآخر: لزمت برضاهم وتفرقهم (١٥)، ومن
لا، فتدفع له أجرته على حسب نصيب كل شريك فمثلًا: لو كان لزيد ربع الدار، ولعمرو نصفها، ولبكر ربعها: فإن زيدًا يدفع ربع أجرة من يتولى القسمة، وعمرو يدفع نصفها، وبكر يدفع ربعها، وهكذا، تدفع له بالأجزاء إن تساوت، وبالقيمة إن اختلفت على حسب ما يقتضيه كل شيء مقسوم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القاسم قد عمل لجميعهم وخلَّص كل واحد من ضيق الشراكة: أن تكون أجرته عليهم جميعًا على حسب أملاكهم.
(١٣) مسألة: إذا تمَّت القسمة بين الشركاء بواسطة من يتولى القسمة، أو تمّت القرعة بينهم في ذلك: فإن القسمة تلزم كل واحد منهم، فيلزم بالنصيب الذي وقع له: سواء رضي أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن القاضي إذا حكم بين الخصوم: فإن كل واحد يلزمه الحكم الذي صدر له، أو عليه: رضي أو لا، فكذلك القاسم، أو القرعة مثله، والجامع: أن كلًّا منهم حكم قد توفرت فيه شروط الحاكم.
(١٤) مسألة: إذا اتفق الشركاء على أن يقتسموا ما بينهما من الشيء المشترك بينهم بالقرعة: فإن ذلك يجوز بأي طريقة من طرق القرعة كأن يكون بين زيد، وعمرو، وبكر أرض واسعة، فيقسمونها أثلاثًا مثلًا: فتكتب أوراق ثلاثة باسم جهات الأرض الثلاث، فتوضع في شيء خفي لا يراه أحد من الشركاء، فيقال لشخص رابع أجنبي عن الشركاء: أخرج الورقة الأولى، وتكون لزيد، فيدخل يده ويخرج ورقة فيكون ما فيها لزيد، وكذلك يفعل في عمرو، وفي بكر وهكذا؛ للتلازم؛ حيث إنه ليس أحدهم بأولى من الآخرين: فلزمت هذه الطريقة؛ تسوية بين الشركاء.
(١٥) مسألة: إذا قسم الشركاء الأرض التي بينهم، ثم خيَّر أحدهم الآخر، فأخذ كل واحد جهة من جهات تلك الأرض، وتراضوا، وتفرّقوا على ذلك: فإن ذلك =
стр. 3139
ادَّعى غلطًا فيما تقاسماه بأنفسهما، وأشهدا على رضاهما به: لم يلتفت إليه (١٦)، وفيما قسمه قاسم حاكم، أو قاسم نصباه يقبل ببيِّنة، وإلا: حلف منكر (١٧)، وإن ادَّعى كل شيئًا: أنه من نصيبه: تحالفا، ونُقضت (١٨)، ولمن خرج في نصيبه عيب جهله: إمساك أرش، أو فسخ (١٩).
يلزم كل واحد منهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تراضيهم وتفرقهم على ذلك: لزوم كل واحد لما أخذه.
(١٦) مسألة: إذا تقاسم شريكان ما بينهما من الشراكة بأنفسهما، ورضي كل واحد منهما بنصيبه، وأشهد على ذلك، ثم بعد مدَّة ادَّعى أحدهما بأنه وقع غلط في ذلك، وأنه يريد زيادة أو نحو ذلك: فإنه لا تسمع دعواه، ولا يطلب منه بيِّنة، ولا يحلف غريمه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه قد رضي بالقسمة: عدم سماع دعواه، ولا طلبه، لأن رضاه ذلك عام وشامل لما أصابه، ولما أصاب شريكه.
(١٧) مسألة: إذا قام بتقسيم الشركة قاض، أو قاسم قد رضياه: فقسم ذلك، ثم ادَّعى أحدهما: أنه وقع غلط في تلك القسمة: فإن دعواه تسمع، ويطلب منه البيِّنة، فإن لم يأت ببيِّنة حلف المنكر لذلك - وهو شريكه الذي لم يدع شيئًا -؛ للتلازم؛ حيث إنه لم يقع رضا على القسمة، وإنما ألزمه بها ذلك القاضي، أو القاسم بينهما فلزم قبول دعواه، ويعمل بقوله ﵇: "البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر لكونها دعوى كغيرها.
(١٨) مسألة: إذا تقاسم شريكان ما بينهما من أرض، فصار نصيب زيد الجهة الشمالية منها، وصار نصيب عمرو الجهة الجنوبية، ثم ادَّعى زيد: أن نصيبه الجهة الجنوبية لا الشمالية، ونفى ذلك عمرو: فإنهما يتحالفان، أي يحلف كل واحد منهما للآخر على نفي ما ادّعاه، وتُنقض القسمة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون المدَّعى به لم يخرج عنهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر: أن يُشرع ذلك.
(١٩) مسألة: إذا تمّت القسمة بين زيد وعمرو، ثم بان أن في نصيب زيد عيبًا، وثبت =
стр. 3140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك: فإن زيدًا يُخيَّر بين أن يمسك نصيبه، ويعطيه عمرو أرش ذلك العيب، وبين أن يفسخ القسمة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري السلعة إذا بان فيها عيب يخير بين هذين الأمرين فكذلك الحال فيما نحن فيه والجامع: أن ظهور العيب الثابت نقص في كل، فلا بد أن يعوض عن هذا النقص.
هذه آخر مسائل باب: "قسمة الأملاك" ويليه باب: "الدعاوي والبيِّنات".
стр. 3141
باب الدَّعاوي والبيِّنات
الدعوى لغة: الطلب، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أي يطلبون، واصطلاحًا: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره، أو ذمته، والبيِّنة: العلامة الواضحة كالشاهد فأكثر، و (المدَّعي: من إذا سكت) عن الدعوى: (تُرك) فهو المطالِب (والمدَّعى عليه: من سكت لم يترك) فهو المطالَب (١) (ولا تصح الدعوى و) لا (الإنكار) لها (إلا من جائز التصرف) وهو: الحر، المكلَّف، الرشيد (٢)، سوى
باب الدَّعاوي والبيِّنات
وفيه تسع مسائل:
(١) مسألة: الدعاوي: جمع دعوى، والدَّعوى لغة: الطلب، ومنه قولهم: "دعوته لحضور وليمة" أي: طلبت منه الحضور، وهي اصطلاحًا: "إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته من دين ونحوه" ومعناه: أن يدَّعي زيد أن الدار التي تحت يد عمرو هي ملكه، أو يدّعي أنه يطالب عمرًا دينًا قدره ألف ريال مثلًا، فيطالبه بذلك، فيكون المدَّعي - وهو زيد هنا - من إذا سكت عن الدعوى: تُرك؛ لعدم وجود من يُطالب بالدعوى، ويكون المدعى عليه - وهو عمرو هنا -: من إذا سكت عن الدعوى: لم يُترك؛ لوجود من يُطالبه بالدعوى - وهو زيد -، والبيِّنات: جمع بيِّنة، وهي: لغة: العلامة الظاهرة وهي في الاصطلاح: كل شيء يُبين، ويُظهر الحق من شهود ونحوهم من علامات، وأمارات، وقرائن.
(٢) مسألة: يُشترط في صحة الدَّعوى: أن يكون المدَّعي، والمدَّعى عليه جائزي التصرُّف - وهو: الحر البالغ العاقل الرشيد -، وبناء على ذلك: لا يصح أن يدَّعي صبي، أو مجنون، أو سفيه استحقاق شيء بيد غيره، ولا يصح أن يكون المدَّعى عليه صبيًا، أو مجنونًا، أو سفيهًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن غير جائز =
стр. 3142
إنكار سفيه فيما يؤاخذ به لو أقرّ به كطلاق وحَدٍّ (٣) (وإذا تداعيا عينًا) أي: ادَّعى كل منهما أنها له، وهي (بيد أحدهما: فهي له) أي: فالعين لمن هي بيده (مع يمينه إلا أن تكون له بيِّنة) ويقيمها (فلا يحلف) معها؛ اكتفاء بها (٤) (وإن أقام كل واحد) منهما (بيِّنة أنها) أي: العين المدَّعى بها (له: قضى) بها (للخارج ببيِّنته، ولغت بينة الداخل)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه" رواه أحمد ومسلم، ولحديث: "البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر" رواه الترمذي (٥)، وإن لم تكن العين بيد أحد،
التصرف لا يصح إقراره في مال، فكذلك لا تصح دعواه، ولا إنكاره والجامع: عدم التحمُّل في كل.
(٣) مسألة: إذا أنكر سفيه شيئًا لو أقرّ به فإنه يؤاخذ به: كأن ينكر أنه طلَّق امرأته، أو ينكر أنه زنى: فإن هذا الإنكار يصح منه وإن كان المنكر سفيهًا، ويحلف إذا أنكر؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الطلاق، وعدم المعصية، فيُعمل بذلك، وصار ذلك مؤيدًا لإنكاره فصح منه، ولولا ذلك الأصل: لما صح من السفيه الإنكار.
(٤) مسألة: إذا ادَّعى زيد أن الدار التي تحت يد عمرو له، فطالب عمرًا بها، ولم توجد بيِّنة لدى زيد على ذلك: فإن الدار تكون لعمرو، ويحلف على أنها ملكه إلا إن وُجدت بينة لدى عمرو: فلا يلزم بالحلف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها بيده: أن يكون شاهد الحال معه، ويؤيد باليمين، ويلزم من وجود بيِّنة بيد من كانت تحت يده: عدم إلزامه باليمين؛ لأن البيِّنة تكفي عن اليمين.
(٥) مسألة: إذا كانت الدار تحت يد عمرو، فادَّعى زيد أنها ملك له، وطالب زيد عمرًا بها، فأقام كل واحد - من زيد وعمرو - بيِّنة على أن تلك الدار ملك له، وتساوت البينتان بالقوة: فإنه يحكم بأن الدار للداخل - وهو عمرو هنا وهو من كانت الدار تحت يده - دون الخارج - وهو زيد هنا وهو من لم تكن الدار بيده -؛ =
стр. 3143
ولا ثم ظاهر: تحالفا، وتناصفاها (٦)، وإن وجد ظاهر لأحدهما: عُمل به: فلو تنازع الزوجان في قماش البيت، ونحوه: فما يصلح لرجل فله، ولها فلها، ولهما فلهما (٧)،
للتلازم؛ حيث يلزم من تساوي بينة عمرو وزيد بالقوة وزيادة كون الدار تحت يد عمرو: أن يقضي بها لعمرو؛ لقوة جانبه في الدَّعوى، فإن قلتَ: إنه يحكم بالدار على أنها لزيد - وهو الخارج وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "ولكن اليمين على المدَّعى عليه" وقال: "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر" حيث دلَّ هذان النصان على أن المدَّعي إذا أقام البيِّنة: فإنه يحكم بها له، بصرف النظر عن كون المدَّعى عليه أثبت بيِّنة أو لا، قلتُ: إن هذين الحديثين قد وردا فيما إذا لم يكن مع من هي بيده بيِّنة، أو لا بيِّنة لأحدهما، وادَّعى كل واحد منهما أنها كلها له، أما إذا أثبت كل واحد منهما بينة وتساوت البيِّنتان: فإن وجودها تحت يد أحدهما مرجح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد بالحديثين".
(٦) مسألة: إذا لم تكن الدار تحت يد أحد، فادَّعاها كل من زيد وعمرو: فإن كل واحد منهما يحلف: أنه لا حق للآخر فيها، ثم تُقسَّم بينهما، فيأخذ كل واحد منهما نصفها، وإن نكل زيد عن الحلف: فإن كل الدار تكون لعمرو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استوائهما في الدعوى وعدم المرجِّح لأحدهما: وأن أحدهما ليس بأولى من الآخر: أن تُقسم بينهما بالسوية ويلزم من نكول أحدهما: أن تكون كلها لمن حلف.
(٧) مسألة: إذا ادَّعى كل واحد منهما ملك شيء، ووجدت أمارة أو قرينة، أو أمر ظاهر يدل على أنه ملك لأحدهما: فإنه يُعمل بتلك الأمارة، أو القرينة، أو الأمر الظاهر فمثلًا: لو اختلف الزوجان في ملكية أثاث منزل كالأواني، والفرش ونحوها فكل من الزوج والزوجة يدَّعي أنها ملكه: فإن ما يصلح للزوج يُعطى إياه، كالأسلحة، والعمامة، وما يصلح للزوجة: يُعطى إياها كقمصان =
стр. 3144
وإن كانت بيديهما: تحالفا وتناصفاها (٨)، فإن قويت يد أحدهما كحيوان واحد سائقه، وآخر راكبه: فهو للثاني؛ لقوة يده (٩).
نساء، وحلي، وقدور ونحوها، وما يصلح لهما معًا: يقسم بينهما على النصف كالكتب والفرش؛ للتلازم؛ حيث إن الأمارة والقرينة، والظواهر من الأمور والقرائن مُرجِّحات أنها لمن هي في جانبه، فيعمل بها كما يُعمل بها في الأدلة الشرعية.
(٨) مسألة: إذا ادَّعى كل واحد منهما ملك أرض، وكانت تحت يديهما معًا وتساويا في ذلك: فإن كل واحد منهما يحلف أنه لا حق للآخر فيها، ثم تُقسَّم بينهما، فيأخذ كل واحد منهما نصفها؛ للتلازم؛ وقد سبق بيانه في مسألة (٦).
(٩) مسألة: إذا ادَّعى كل واحد منهما ملك شيء، وكان تحت يديهما معًا؛ وقويت يد أحدهما دون الآخر: فإن ذلك الشيء يكون لمن قويت يده كأن يركب زيد بعيرًا، وعمرو يقوده ويسوقه: فأن يحكم بأن البعير ملك لزيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ركوب زيد قوة يده على البعير: فحكم له به.
هذه آخر مسائل باب: "الدعاوي والشهادات" وهو آخر أبواب كتاب: "القضاء والفتيا" ويليه كتاب: "الشهادات"
стр. 3145
كتاب الشهادات
واحدها شهادة: مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عمّا شاهده، وهي: الإخبار بما علمه بلفظ: "أشهد" أو "شهدت" (١) (تحمل الشهادة في غير حق الله) تعالى (فرض كفاية) فإذا قام به من يكفي: سقط عن بقية المسلمين (وإن لم يوجد إلّا من يكفي: تعيَّن عليه) وإن كان عبدًا: لم يجز لسيده منعه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قال ابن عباس وغيره: المراد به التحمل للشهادة، وإثباتها عند الحاكم، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لإثبات الحقوق، فكان واجبًا كالأمر بالمعروف
كتاب الشهادات
- بيان تعريفها، وحكم تحملها وأدائها، وكتمانها، ووجوب العلم بما يُشهد فيه، وشروط من تُقبل شهادته
وفيه أربع وعشرون مسألة:
(١) مسألة: الشهادات جمع: شهادة، وهي لغة مشتقة من المشاهدة؛ لكون الشاهد يخبر عمّا شاهده ورآه، وهي في الاصطلاح: أن يُخبر جائز التصرف بما علمه بأي لفظٍ أفاد ذلك كرأيتُ أو سمعتُ أو شهدتُ، أو أشهد ونحو ذلك، وتسمَّى الشهادة البيِّنة؛ لأنها تبين ما التبس، وتكشف الحق في المختلف فيه، فإن قلتَ: يُشترط: في صحة الشهادة أن تكون بلفظ: "أشهد" أو "شهدت"، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فيلزم من ورودها بهذا اللفظ: الالتزام به عند الأداء قلتُ: لم يرد في أي دليل من أدلة الشرع وجوب الالتزام بلفظ "أشهد" عند أداء الشهادة، وما لم يرد فيه شيء: يبقى على الإطلاق دون التقيد بلفظ معين.
стр. 3146
والنهي عن المنكر (٢) (وأداؤها) أي: أداء الشهادة (فرض عين على من تحملها متى دُعي إليه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٣)
(٢) مسألة: تحمُّل الشهادة في حق الآدمي فرض كفاية على كل شخص - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين - سواء كان المشهود عليه مالًا كبيع وشراء ونحوهما، أو قول كقذف ونحوه، هذا إذا وجد غير ذلك الشخص أما إن لم يوجد غيره: فإن تحمله للشهادة واجبًا وجوبًا عينيًا عليه: سواء كان حرًا، أو عبدًا، ولا يجوز لسيده منعه من تحملها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ حيث حرم الامتناع عن تحمل الشهادة، لأن النهي في قوله: "لا يأب" مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، فيلزم وجوب تحمل الشهادة، وإثباتها عند الحاكم إذا احتيج إليها؛ لكون ذلك هو الغرض والفائدة من تحملها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الحاجة تدعو إلى الشهادة؛ نظرًا لحصول التجاحد بين الناس؛ إذ بسببها تثبت الحقوق، فكانت من الواجبات كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن قلتَ: لِمَ كانت فرض كفاية إذا وُجد غير ذلك الشخص؟ قلتُ: لأنه يكتفي في الشهادة باثنين من الرجال، ولا داعي للزيادة، فإن قلتَ: لِمَ كانت الشهادة واجبة: تحمُّلًا، وأداءً؟ قلتُ: لأنه سبب من أسباب إرجاع الحقوق إلى أهلها، ومنع ظلم الناس بعضهم لبعض.
(٣) مسألة: أداء الشهادة فرض عين على من تحمَّلها إذا دُعي إلى أدائها ولا يحل كتمانها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ، وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ حيث أوجب أداء الشهادة؛ حيث نهى عن كتمانها، والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب، وقد توعَّد من يكتم الشهادة بالوعيد، وهو تأثيم قلبه، والوعيد عقاب، ولا يعاقب إلّا على فعل محرم، أو ترك واجب، فيلزم وجوب أداء الشهادة على من تحملها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لما سبق أن ذُكر في مسألة (٢).
стр. 3147
(و) محل وجوبها إن (قدر) على أدائها (بلا ضرر) يلحقه (في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو أهله) وكذا: لو كان ممّن لا يقبل الحاكم شهادته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (وكذا في التحمُّل) يُعتبر انتفاء الضرر (ولا يحل كتمانها) أي: كتمان الشهادة؛ لما تقدَّم، فلو أدَّى شاهد، وأبى الآخر، وقال: "احلف بدلي": أثم (٤)، ومتى وجبت الشهادة: لزم كتابتها (٥)، ويحرم أخذ الأجرة، وجُعْل عليها، ولو لم تتعيَّن عليه، لكن إن عجز عن المشي، أو تأذى به: فله أجرة مركوب (٦)، ومن
(٤) مسألة: يُشترط لوجوب تحمل الشهادة وأدائها: أن يكون الشخص المتحمِّل والمؤدِّي لها قادرًا على ذلك - أي: على التحمل والأداء - بلا ضرر يلحق بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو فردًا من أهله: سواء كان عاجلًا، أو آجلًا، وسواء كان هذا الضرر ضربًا، أو حبسًا، أو مشقة سير، أو سفرًا ونحو ذلك، فإن لحقه ضرر من ذلك: لم يلزمه التحمُّل، ولا الأداء، وكذا: لو كان الحاكم لا يقبل شهادته لم يلزمه التحمل، ولا الأداء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ فحرَّم أن يُضار الشاهد بسبب الشهادة: تحمُّلًا وأداء؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، فيلزم اشتراط: عدم إلحاق الضرر به بسببها الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث حرّم إلحاق الضرر بأيِّ مسلم؛ لأن النفي: نهي، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهو عام للشاهد وغيره؛ لأن "ضرر، وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم. تنبيه: قوله: "ولا يحل كتمانها" قد سبق بيانه في مسألة (٣).
(٥) مسألة: إذا تحمَّل شخص الشهادة فيجب عليه أن يكتبها ويدوِّنها بتفاصيلها؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يحفظ للناس حقوقهم بكل دقَّة.
(٦) مسألة: لا يجوز للشاهد أن يأخذ أُجرة أو جُعْل على تحمل الشهادة، أو على أدائها: سواء تعيَّنت عليه أو لا إذا لم يتكلَّف على ذلك بشيء، أما إن تكلَّف: =
стр. 3148
عنده شهادة بحد لله: فله إقامتها وتركها (٧) (ولا) يحل (أن يشهد) أحد (إلا بما يعلمه)؛ لقول ابن عباس: سئل النبي ﷺ عن الشهادة فقال: "ترى الشمس؟ " قال: نعم قال: "على مثلها فاشهد أو دع" رواه الخلال في "جامعه" (٨)، والعلم إما (برؤية،
كأن يحتاج إلى مركوب، أو تأذَّى بالمشي، أو السفر أو نحو ذلك فيجب على المشهود له أن يدفع له تكلفة ذلك ويجوز له أخذ ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشهادة تحمُّلًا وأداءً - واجبًا: عدم أخذ الأجرة والجعل عليه؛ لكونه يقوم بواجب، والواجبات لا تؤخذ الأجرة عليها، ويلزم من تكلُّفه على تحمل أو أداء الشهادة: وجوب دفع تلك التكلفة على المشهود له؛ لأنه في مصلحته، ويجوز للشاهد أن يأخذه؛ لانقطاعه عن مصالحه؛ لأجل تلك الشهادة.
(٧) مسألة: يجوز للشاهد إقامة الشهادة في حدود الله تعالى من غير تقدم دعوى، ويُستحب عدم إقامتها وتركها، كأن يرى زيد عمرًا يزني فلزيد أن يشهد عليه بالزنا عند الحاكم، ويُستحب أن يستر عليه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من ستر عورة ستره الله في الدنيا والآخرة" حيث بيّن استحباب الستر هنا، وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حقوق الله مبنية على التسامح، ولا ضرر في تركها على أحد، وهذا يُرغِّب في ستر بعض الناس على بعض، وقد ظهر على وجه عمر الضيق والتأثر لما شهد أبو بكرة ومن معه على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولكن تلك الشهادة لم تتم فظهر الفرح والسرور على وجه عمر، فجلد أبا بكرة ومن معه حد القذف.
(٨) مسألة: لا يجوز لأي شخص أن يشهد إلّا بما يعلمه سواء كان علمًا قطعيًا، أو غالبًا على الظن، فإن لم يعلم، أو شك: فلا يجوز له أن يشهد؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فاشترط في صحة الشهادة: أن يكون الشاهد عالمًا بما =
стр. 3149
أو سماع) من مشهود عليه كعتق، وطلاق، وعقد، فيلزمه أن يشهد بما سمع، ولو كان مستخفيًا حين تحمُّل (أو) سماع (باستفاضة فيما يتعذَّر علمه) غالبًا (بدونها كنسب، وموت، وملك مطلق، ونكاح) عقده، ودوامه (ووقف ونحوها) كعتق، وخلع، وطلاق، ولا يشهد باستفاضة إلا عن عدد يقع بهم العلم (٩) (ومن شهد بـ) عقد (نكاح، أو غيره من العقود: فلا بد) في صحة شهادته به (من ذكر شروطه)؛ لاختلاف الناس في بعض الشروط، وربما اعتقد الشاهد ما ليس بصحيح صحيحًا (١٠) (وإن شهد برضاع): ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها، أو لبن
يشهد عليه علمًا يقينًا، أو غالبًا على ظنه الثانية: المصلحة؛ حيث إنه بسبب الشهادة قد تؤخذ حقوق الآخرين بغير حق، فلذلك اشترط ذلك، لمنع ذلك. تنبيه: حديث ابن عباس الذي ذكره المصنف هنا ضعيف لذلك لم أضعه مع أدلة هذه المسألة.
(٩) مسألة: يحصل العلم بالمشهود فيه بطريقين: أولهما: الرؤية كأن يرى أن فلانًا قتل آخر، أو يزني بامرأة، أو يسرق، أو يشرب الخمر ونحو ذلك، ثانيهما: السماع: كأن يسمع بأن فلانًا باع على فلان تلك الدار، أو يعتق عبده، أو يطلِّق امرأته، أو يرث مع ذكر السبب، أو يوقف شيئًا ونحو ذلك وهذا يخص من سمع من عين شخص، وتسمع شهادة باستفاضة بشرط: أن يعتذر علمه بدونها، وذلك بأن يشتهر المشهود به بين الناس، فيتسامعون بذلك الخبر، فيشهد هو بما اشتهر عن عدد يقع العلم بهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون مدرك الشهادة الرؤية والسماع: أن يحصل العلم بهما.
(١٠) مسألة: يشترط في صحة الشهادة في العقود كعقد نكاح، ونحوه: أن يذكر الشاهد شروط ذلك العقد، فلا يُكتفى بأن يقول: "أشهد أنه عقد بينهما عقد نكاح صحيح" بل لا بدَّ أن يقول: أشهد "أنه عقد بينهما عقد نكاح صحيح وذلك بولي، وشاهدي عدل"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف العلماء في شروط =
стр. 3150
حلب منه (أو) شهد بـ (سرقة)؛ ذكر المسروق منه والنصاب، والحرز، وصفتها (أو) شهد بـ (شرب) خمر: وصفه (أو) شهد بـ (قذف: فإنه يصفه) بأن يقول: أشهد أنه قال: "يا زاني" أو "يا لوطي" ونحوه (ويصف الزنا) إذا شهد به (بذكر الزمان والمكان) الذي وقع فيه الزنا (و) ذكر (المزني بها) وكيف كان، وأنه رأى ذكره في فرجها (ويذكر) الشاهد (ما يُعتبر للحكم ويختلف) الحكم (به في الكل) أي: في كل ما يشهد فيه (١١)، ولو شهد اثنان في محفل على واحد منهم أنه طلَّق أو أعتق، أو على خطيب أنه قال، أو فعل على المنبر في الخطبة شيئًا لم يشهد به غيرهما مع المشاركة في سمع وبصر: قبلا (١٢).
= كل عقد: كعقد النكاح، وغيره من العقود: أن يذكر كل شاهد شروط العقد الذي شهد عليه؛ لئلا يعتقد الشاهد ما ليس بصحيح من العقود بأنه صحيح.
(١١) مسألة: يجب على الشاهد أن يذكر في شهادته كل ما يتعلَّق بها من صفات المشهود فيه مما يؤثِّر في الحكم سلبًا أو إيجابًا فمثلًا: إذا شهد بأن فلانًا قد زنى بامرأة يجب عليه أن يذكر الوقت والمكان الذي وقع الزنا فيه، وطريقة الزنا، والمرأة المزني بها، وأنه رأى ذكره داخلًا في فرجها، وإذا شهد بأن فلانًا أخ لفلان من الرضاعة: أن يذكر عدد الرضعات، وأنها وقعت دون الحولين ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُزيل الاحتمال في عدم معرفة الشاهد بالمشهود فيه ويؤكد علم الشاهد بما يشهد فيه فيطمئن الحاكم فلزم وجوب ذكر ذلك.
(١٢) مسألة: إذا اجتمع عدد كثير من الناس ومعهم زيد، وعمرو، وبكر، فشهد عمرو وبكر على زيد بأنه طلَّق امرأته، أو أعتق عبده، أو كان زيد خطيبًا فشهد عمرو وبكر عليه بأنه قال كذا، أو فعل كذا، ولم يشهد بقية الناس الذين معهما من المجتمعين: فإن شهادتهما - أي: شهادة عمرو، وبكر - تُقبل، ولا ينظر إلى رأي الآخرين الذين لم يشهدوا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اكتمال نصاب الشهادة - وهما اثنان -: قبول شهادتهما، ولا يكون عدم شهادة الباقين مانعًا من قبول شهادتهما.
стр. 3151
(فصل): (وشروط من تقبل شهادتهم: ستة) أحدها: (البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبيان) مطلقًا (١٣)، ولو شهد بعضهم على بعض (١٤) (الثاني: العقل، فلا تقبل شهادة مجنون، ولا معتوه وتقبل) الشهادة (ممن يُخنق أحيانًا) إذا تحمّل، وأدّى (في حال إفاقته)؛ لأنها شهادة من عاقل (١٥) (الثالث: الكلام، فلا تقبل شهادة
(١٣) مسألة في الأول - من شروط من تُقبل شهادته - وهو: أن يكون بالغًا، فلا تقبل شهادة الصبي على بالغ في أي شيء من الحقوق؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الصبي لا يقبل إقراره على نفسه، فكذلك لا تقبل شهادته على غيره، والجامع: عدم الثقة بما يقول الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم خوفه من مأثم الكذب فيمنعه عنه: عدم قبول شهادته، فإن قلت: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الآخرين، إذ لو قبلت شهادة الصبيان لأُكلت أموال الناس بالباطل.
(١٤) مسألة: تقبل شهادة الصبيان فيما بينهم، أي: تقبل شهادة الصبي على آخر مثله فيما إذا جرى بينهم، سرقات أو جراحات بشرط: كونهم عقلاء، وقبل افتراقهم عن الموضع الذي وقع فيه الجراح ونحو ذلك؛ للمصلحة: حيث إنه لو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأدَّى ذلك إلى إهدار دماء الصبيان، وضياع الحقوق، وتعطيلها مع غلبة الظن بصدقهم، فدفعًا لذلك شُرع قبول شهادتهم على بعضهم فإن قلت: لا تقبل شهادتهم فيما بينهم أيضًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: هما: القياس، والتلازم؛ وقد سبق ذكرهما في مسألة (١٣) وهما عامّان لشهادتهم على بالغين وعلى غير بالغين قلتُ: إن عموم. هذين الدليلين مخصَّص بالمصلحة التي ذكرناها في هذه المسألة - وهي مسألة (١٤) - فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في عموم القياس والتلازم هل تصلح المصلحة مخصِّصة لهما أو لا؟ ".
(١٥) مسألة: في الثاني - من شروط من تُقبل شهادته - وهو: أن يكون عاقلًا، فلا=
стр. 3152
الأخرس، ولو فهمت إشارته)؛ لأن الشهادة يُعتبر فيها اليقين (إلّا إذا أداها) الأخرس (بخطه) فتقبل (١٦) (الرابع: الإسلام)؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل
= تقبل شهادة المجنون: سواء كان لا يُفيق أبدًا أو كان يفيق أحيانًا، ولا تقبل شهادة المعتوه - وهو الذي يميز بعض الأشياء -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، والثانية: التلازم؛ وقد سبق بيانهما في مسألة (١٣)، فإن قلت: لِمَ اشترط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (١٣)، فإن قلت: تُقبل شهادة المجنون الذي يفيق أحيانًا إذا تحملها وأداها في حال إفاقته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العاقل تقبل شهادته فكذلك تقبل شهادة المجنون في حال إفاقته والجامع: أن الشهادة وقعت من عاقل في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشخص المجنون الذي يفيق أحيانًا لا ندري متى أفاق بالتحديد؟ فقد يشهد وهو في حالة جنون ومع هذا الاحتمال وإن كان ضعيفًا إلا أنه لا يساوى بالعاقل الذي لم يُعهد منه جنون قط فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
(١٦) مسألة: في الثالث - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون متكلِّمًا بما يشهد فيه إذا كان من طبعه الكلام، أما الأخرس خلْقة فتقبل شهادته إذا فُهم المقصود منها فهمًا لا يحتمل الخطأ؛ وكذلك إذا خطها بخطه: فإنها تقبل؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن خطه وإشارته تقوم مقام نطقه في كل أحكامه من بيع وشراء، وهبة، وعتق ونكاح، ونحو ذلك فكذلك في شهادته، والجامع: فهم المقصود في كل الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من اعتبار اليقين أو غلبة الظن في الشهادة أن لا تُقبل من الناطق بالإشارة، بل لا بد من الكلام، فإن قلت: لا تُقبل الشهادة من الأخرس ولو فهمت إشارته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط اليقين في الشهادة عدم الاكتفاء بالإشارة فيها؛ لعدم حصول اليقين بذلك قلتُ: لا يشترط اليقين في الشهادة، بل يُكتفى=
стр. 3153
منكم﴾، فلا تقبل من كافر (١٧)، ولو على مثله (١٨) إلا في سفر على وصية مسلم أو كافر، فتُقبل من رجلين كتابيين عند عدم غيرهما (١٩) (الخامس: الحفظ) فلا تقبل من
= بغلبة الظن، وإذا أشار الأخرس إشارة تُفهم المقصود: فإنه يغلب على ظننا حصول المشهود فيه، والعمل بما يغلب على الظن واجب، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس"، فإن قلت: لم اشترط كون الشاهد متكلمًا؟ قلت: للمصلحة؛ وهي الاحتياط في حقوق الآخرين.
(١٧) مسألة: في الرابع - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون مسلمًا، فلا تقبل الشهادة من الكافر على المسلم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فبين الشارع أن الشهادة تقبل من العدل، ودل مفهوم الصفة على عدم قبول الشهادة من الكافر؛ لكونه ليس بعدل، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الآخرين.
(١٨) مسألة: تقبل شهادة الكافر على مثله، أي: تقبل شهادة بعضهم على بعض إذا كانوا داخلين في ملَّة واحدة فتقبل شهادة اليهودي على اليهودي، وتقبل شهادة النصراني على النصراني؛ للقياس؛ بيانه: كما تقبل شهادة بعض المسلمين على بعض، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما يلي بعضهم البعض الآخر؛ فإن قلت: لا تقبل شهادة الكافر على كافر مثله، وهو قول المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن شهادته لا تقبل على غير أهل دينه، فكذلك لا تقبل على أهل دينه والجامع: عدم الثقة في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكافر قد يخون من هم على غير دينه، بخلاف أهل دينه فيبعد أن يخونهم، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين".
(١٩) مسألة: تصح شهادة الكافر على وصية مسلم مات في سفر عند عدم غيره؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
стр. 3154
مغفَّل، ومعروف بكثرة سهو، وغلط؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله (٢٠) (السادس: العدالة) وهي: لغة الاستقامة، من العدل: ضد الجور، وشرعًا: استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله (ويُعتبر لها) أي: للعدالة (شيئان) أحدهما: (الصلاح في الدين، وهو) نوعان: أحدهما (أداء الفرائض) أي: الصلوات الخمس، والجمعة (بسننها الراتبة) فلا تقبل ممّن داوم على تركها؛ لأن تهاونه بالسنن يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وكذا: ما وجب من صوم وزكاة، وحج (و) الثاني (اجتناب المحارم: بأن يأتي كبيرة، ولا يُدمن على صغيرة) والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة: كأكل (الربا، ومال اليتيم، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والصغيرة: ما دون ذلك من المحرمات: كسب الناس بما دون القذف، واستماع كلام النساء الأجانب على وجه التلذذ به، والنظر المحرم (فلا تقبل شهادة فاسق) بفعل كزان، وديوث، أو اعتقاد كالرافضة، والقدرية، والجهمية، ويكفر مجتهدهم الداعية، ومن أخذ بالرخص: فسق (الثاني) مما يُعتبر للعدالة: (استعمال المروءة) أي: الإنسانية (وهو) أي: استعمال المروءة: (فعل ما يجمله ويزينه) عادة كالسخاء، وحُسن الخلق، وحُسن المجاورة (واجتناب ما يُدنّسه ويُشينه) عادة من الأمور الدنيئة
= إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ حيث دَّل قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ جواز شهادة الكافر في هذه الحالة وهذا عام في جميع الكفار: سواء كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم، فإن قلت: لا تقبل تلك الشهادة إلا من كافرين كتابيين، وهو ما ذكره المصنف هنا قلت: لم أجد دليلًا قويًا على هذا التخصيص بأهل الكتاب.
(٢٠) مسألة: في الخامس - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون حافظًا متقنًا، فلا تُقبل من كثير الغفلة، والنسيان، والخطأ، والغلط؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الناس؛ إذ كثير الغفلة والنسيان قد تلتبس عليه الأمور فيقلب الحق باطلًا، والباطل حقًّا.
стр. 3155
المزرية به: فلا شهادة لمصافح، ومتمسخر، ورقَّاص، ومغن، وطفيلي، ومتزي بزي يسخر منه، ولا لمن يأكل بالسوق إلا شيئًا يسيرًا كلقمة، وتفاحة، ولا لمن يمد رجله بمجمع الناس، أو ينام بين جالسين ونحوه (٢١) (ومتى زالت الموانع) من الشهادة (فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق: قبلت شهادتهم) بمجرد ذلك، لعدم المانع لقبولها (٢٢)، ولا تعتبر الحرية فتقبل شهادة عبد، وأمة في كل ما
(٢١) مسألة: في السادس والأخير - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون عدلًا، والعدالة لغة: من العدل، وهو الاستواء في الأحوال كلها: من الأقوال والأفعال، وهي: اصطلاحًا: "هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة" والمراد بملازمة التقوى: فعل جميع ما أمر به الشارع أمرًا جازمًا، واجتناب جميع ما نهى عنه الشارع نهيًا جازمًا، وترك كل كبيرة - وهي: ما فيه حدّ في الدنيا ووعيد في الآخرة كالزنا، والسرقة، والقتل ونحو ذلك - وترك المداومة على فعل صغيرة - وهي ما دون الكبائر كذم الناس بما دون القذف ونحو ذلك - وهذا هو الصلاح في الدين، والمراد بملازمة المروءة: فعل كل شيء يزينه ويحسنه ويجمله، وترك كل شيء يشينه ويُدنِّسه، وهذا معروف بين الناس، فلا تقبل شهادة الفاسق عملًا واعتقادًا وهو الذي لم يلزم التقوى والمروءة مطلقًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فاشتُرط في الشهادة: كون الشاهد عدلًا، والفاسق غير العدل، وقال تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا﴾ فأمر بعدم قبول قول وخبر الفاسق إلّا بعد التبين والتأكد، وهذا يفيد بمفهوم الصفة: أن العدل إذا أخبر بشيء فإنه يُقبل دون التأكد، فإن قلت: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: حفظ حقوق الآخرين.
(٢٢) مسألة: إذا توفرت الشروط الستة السابقة الذكر في شخص: فإن شهادته تُقبل، فلو بلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق: فإن شهادتهم تقبل بمجرد ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم المانع من قبول شهادتهم: توفر=
следующие страницы →