← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

(فصل): (وشروط من تقبل شهادتهم: ستة) أحدها: (البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبيان) مطلقًا (١٣)، ولو شهد بعضهم على بعض (١٤) (الثاني: العقل، فلا تقبل شهادة مجنون، ولا معتوه وتقبل) الشهادة (ممن يُخنق أحيانًا) إذا تحمّل، وأدّى (في حال إفاقته)؛ لأنها شهادة من عاقل (١٥) (الثالث: الكلام، فلا تقبل شهادة (١٣) مسألة في الأول - من شروط من تُقبل شهادته - وهو: أن يكون بالغًا، فلا تقبل شهادة الصبي على بالغ في أي شيء من الحقوق؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الصبي لا يقبل إقراره على نفسه، فكذلك لا تقبل شهادته على غيره، والجامع: عدم الثقة بما يقول الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم خوفه من مأثم الكذب فيمنعه عنه: عدم قبول شهادته، فإن قلت: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الآخرين، إذ لو قبلت شهادة الصبيان لأُكلت أموال الناس بالباطل. (١٤) مسألة: تقبل شهادة الصبيان فيما بينهم، أي: تقبل شهادة الصبي على آخر مثله فيما إذا جرى بينهم، سرقات أو جراحات بشرط: كونهم عقلاء، وقبل افتراقهم عن الموضع الذي وقع فيه الجراح ونحو ذلك؛ للمصلحة: حيث إنه لو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأدَّى ذلك إلى إهدار دماء الصبيان، وضياع الحقوق، وتعطيلها مع غلبة الظن بصدقهم، فدفعًا لذلك شُرع قبول شهادتهم على بعضهم فإن قلت: لا تقبل شهادتهم فيما بينهم أيضًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: هما: القياس، والتلازم؛ وقد سبق ذكرهما في مسألة (١٣) وهما عامّان لشهادتهم على بالغين وعلى غير بالغين قلتُ: إن عموم. هذين الدليلين مخصَّص بالمصلحة التي ذكرناها في هذه المسألة - وهي مسألة (١٤) - فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في عموم القياس والتلازم هل تصلح المصلحة مخصِّصة لهما أو لا؟ ". (١٥) مسألة: في الثاني - من شروط من تُقبل شهادته - وهو: أن يكون عاقلًا، فلا=

стр. 3152

الأخرس، ولو فهمت إشارته)؛ لأن الشهادة يُعتبر فيها اليقين (إلّا إذا أداها) الأخرس (بخطه) فتقبل (١٦) (الرابع: الإسلام)؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل = تقبل شهادة المجنون: سواء كان لا يُفيق أبدًا أو كان يفيق أحيانًا، ولا تقبل شهادة المعتوه - وهو الذي يميز بعض الأشياء -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، والثانية: التلازم؛ وقد سبق بيانهما في مسألة (١٣)، فإن قلت: لِمَ اشترط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (١٣)، فإن قلت: تُقبل شهادة المجنون الذي يفيق أحيانًا إذا تحملها وأداها في حال إفاقته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العاقل تقبل شهادته فكذلك تقبل شهادة المجنون في حال إفاقته والجامع: أن الشهادة وقعت من عاقل في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشخص المجنون الذي يفيق أحيانًا لا ندري متى أفاق بالتحديد؟ فقد يشهد وهو في حالة جنون ومع هذا الاحتمال وإن كان ضعيفًا إلا أنه لا يساوى بالعاقل الذي لم يُعهد منه جنون قط فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين". (١٦) مسألة: في الثالث - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون متكلِّمًا بما يشهد فيه إذا كان من طبعه الكلام، أما الأخرس خلْقة فتقبل شهادته إذا فُهم المقصود منها فهمًا لا يحتمل الخطأ؛ وكذلك إذا خطها بخطه: فإنها تقبل؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن خطه وإشارته تقوم مقام نطقه في كل أحكامه من بيع وشراء، وهبة، وعتق ونكاح، ونحو ذلك فكذلك في شهادته، والجامع: فهم المقصود في كل الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من اعتبار اليقين أو غلبة الظن في الشهادة أن لا تُقبل من الناطق بالإشارة، بل لا بد من الكلام، فإن قلت: لا تُقبل الشهادة من الأخرس ولو فهمت إشارته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط اليقين في الشهادة عدم الاكتفاء بالإشارة فيها؛ لعدم حصول اليقين بذلك قلتُ: لا يشترط اليقين في الشهادة، بل يُكتفى=

стр. 3153

منكم﴾، فلا تقبل من كافر (١٧)، ولو على مثله (١٨) إلا في سفر على وصية مسلم أو كافر، فتُقبل من رجلين كتابيين عند عدم غيرهما (١٩) (الخامس: الحفظ) فلا تقبل من = بغلبة الظن، وإذا أشار الأخرس إشارة تُفهم المقصود: فإنه يغلب على ظننا حصول المشهود فيه، والعمل بما يغلب على الظن واجب، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس"، فإن قلت: لم اشترط كون الشاهد متكلمًا؟ قلت: للمصلحة؛ وهي الاحتياط في حقوق الآخرين. (١٧) مسألة: في الرابع - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون مسلمًا، فلا تقبل الشهادة من الكافر على المسلم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فبين الشارع أن الشهادة تقبل من العدل، ودل مفهوم الصفة على عدم قبول الشهادة من الكافر؛ لكونه ليس بعدل، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الآخرين. (١٨) مسألة: تقبل شهادة الكافر على مثله، أي: تقبل شهادة بعضهم على بعض إذا كانوا داخلين في ملَّة واحدة فتقبل شهادة اليهودي على اليهودي، وتقبل شهادة النصراني على النصراني؛ للقياس؛ بيانه: كما تقبل شهادة بعض المسلمين على بعض، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما يلي بعضهم البعض الآخر؛ فإن قلت: لا تقبل شهادة الكافر على كافر مثله، وهو قول المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن شهادته لا تقبل على غير أهل دينه، فكذلك لا تقبل على أهل دينه والجامع: عدم الثقة في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكافر قد يخون من هم على غير دينه، بخلاف أهل دينه فيبعد أن يخونهم، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين". (١٩) مسألة: تصح شهادة الكافر على وصية مسلم مات في سفر عند عدم غيره؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ

стр. 3154

مغفَّل، ومعروف بكثرة سهو، وغلط؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله (٢٠) (السادس: العدالة) وهي: لغة الاستقامة، من العدل: ضد الجور، وشرعًا: استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله (ويُعتبر لها) أي: للعدالة (شيئان) أحدهما: (الصلاح في الدين، وهو) نوعان: أحدهما (أداء الفرائض) أي: الصلوات الخمس، والجمعة (بسننها الراتبة) فلا تقبل ممّن داوم على تركها؛ لأن تهاونه بالسنن يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وكذا: ما وجب من صوم وزكاة، وحج (و) الثاني (اجتناب المحارم: بأن يأتي كبيرة، ولا يُدمن على صغيرة) والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة: كأكل (الربا، ومال اليتيم، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والصغيرة: ما دون ذلك من المحرمات: كسب الناس بما دون القذف، واستماع كلام النساء الأجانب على وجه التلذذ به، والنظر المحرم (فلا تقبل شهادة فاسق) بفعل كزان، وديوث، أو اعتقاد كالرافضة، والقدرية، والجهمية، ويكفر مجتهدهم الداعية، ومن أخذ بالرخص: فسق (الثاني) مما يُعتبر للعدالة: (استعمال المروءة) أي: الإنسانية (وهو) أي: استعمال المروءة: (فعل ما يجمله ويزينه) عادة كالسخاء، وحُسن الخلق، وحُسن المجاورة (واجتناب ما يُدنّسه ويُشينه) عادة من الأمور الدنيئة = إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ حيث دَّل قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ جواز شهادة الكافر في هذه الحالة وهذا عام في جميع الكفار: سواء كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم، فإن قلت: لا تقبل تلك الشهادة إلا من كافرين كتابيين، وهو ما ذكره المصنف هنا قلت: لم أجد دليلًا قويًا على هذا التخصيص بأهل الكتاب. (٢٠) مسألة: في الخامس - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون حافظًا متقنًا، فلا تُقبل من كثير الغفلة، والنسيان، والخطأ، والغلط؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الناس؛ إذ كثير الغفلة والنسيان قد تلتبس عليه الأمور فيقلب الحق باطلًا، والباطل حقًّا.

стр. 3155

المزرية به: فلا شهادة لمصافح، ومتمسخر، ورقَّاص، ومغن، وطفيلي، ومتزي بزي يسخر منه، ولا لمن يأكل بالسوق إلا شيئًا يسيرًا كلقمة، وتفاحة، ولا لمن يمد رجله بمجمع الناس، أو ينام بين جالسين ونحوه (٢١) (ومتى زالت الموانع) من الشهادة (فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق: قبلت شهادتهم) بمجرد ذلك، لعدم المانع لقبولها (٢٢)، ولا تعتبر الحرية فتقبل شهادة عبد، وأمة في كل ما (٢١) مسألة: في السادس والأخير - من شروط من تقبل شهادته - وهو: أن يكون عدلًا، والعدالة لغة: من العدل، وهو الاستواء في الأحوال كلها: من الأقوال والأفعال، وهي: اصطلاحًا: "هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة" والمراد بملازمة التقوى: فعل جميع ما أمر به الشارع أمرًا جازمًا، واجتناب جميع ما نهى عنه الشارع نهيًا جازمًا، وترك كل كبيرة - وهي: ما فيه حدّ في الدنيا ووعيد في الآخرة كالزنا، والسرقة، والقتل ونحو ذلك - وترك المداومة على فعل صغيرة - وهي ما دون الكبائر كذم الناس بما دون القذف ونحو ذلك - وهذا هو الصلاح في الدين، والمراد بملازمة المروءة: فعل كل شيء يزينه ويحسنه ويجمله، وترك كل شيء يشينه ويُدنِّسه، وهذا معروف بين الناس، فلا تقبل شهادة الفاسق عملًا واعتقادًا وهو الذي لم يلزم التقوى والمروءة مطلقًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فاشتُرط في الشهادة: كون الشاهد عدلًا، والفاسق غير العدل، وقال تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا﴾ فأمر بعدم قبول قول وخبر الفاسق إلّا بعد التبين والتأكد، وهذا يفيد بمفهوم الصفة: أن العدل إذا أخبر بشيء فإنه يُقبل دون التأكد، فإن قلت: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: حفظ حقوق الآخرين. (٢٢) مسألة: إذا توفرت الشروط الستة السابقة الذكر في شخص: فإن شهادته تُقبل، فلو بلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق: فإن شهادتهم تقبل بمجرد ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم المانع من قبول شهادتهم: توفر=

стр. 3156

يقبل فيه وحرة (٢٣)، وتقبل شهادة ذي صنعة دنيئة كحجام، وحداد، وزبال (٢٤). = شرط قبولها. (٢٣) مسألة: لا تُشترط الحرية في الشهادة: فتقبل شهادة العبيد والإماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن شهادة الأحرار والحرائر مقبولة فكذلك شهادة العبيد والإماء والجامع: توفر شروط قبول الشهادة في كل. (٢٤) مسألة: لا يُشترط في الشهادة: كون الشاهد ذا صنعة شريفة، بل تقبل شهادة أصحاب المهن والصنائع الدنيئة كالحجام، والزبال، والحداد، والجزار ونحوهم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن شهادة أصحاب المهن الشريفة تقبل فكذلك تقبل شهادة أصحاب المهن الدنيئة والجامع: توفر شروط قبول الشهادة في كل. هذه آخر مسائل باب: "تعريف الشهادة، وحكم تحملها، وأدائها، ووجوب العلم بما يشهد فيه، وشروط من تقبل شهادتهم" ويليه باب: "موانع الشهادة، وعدد الشهود وغير ذلك"

стр. 3157

باب موانع الشهادة، وعدد الشهود وغير ذلك (لا تقبل شهادة عمودي النسب) وهم: الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا (بعضهم لبعض) كشهادة الأب لابنه، وعكسه؛ للتهمة بقوة القرابة، وتقبل شهادته لأخيه، وصديقه، وعتيقه (ولا) تقبل (شهادة أحد الزوجين لصاحبه) كشهادته لزوجته، ولو بعد الطلاق، وشهادتها له؛ لقوة الوصلة (١) (وتقبل) الشهادة (عليهم): فلو شهد على أبيه، أو ابنه، أو زوجته أو شهدت عليه: قبلت إلّا على زوجته بزنا (٢) باب موانع الشهادة، وعدد الشهود والشهادة على الشهادة، ورجوع الشهود عن الشهادة وفيه ست وثلاثون مسألة: (١) مسألة: لا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض: فلا تقبل شهادة الأب والجد وإن علا لولده وإن سفل، ولا تقبل شهادة الولد وإن سفل لأبيه وجده وإن علا ولا تقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة الزوجة لزوجها: سواء كان ذلك قبل الطلاق أو بعده؛ للتلازم؛ حيث إن وجود قوة القرابة بين عمودي النسب، ووجود قوة الوصلة بين الزوجين، وتبسط أحدهما في مال الآخر يلزم منه: عدم قبول شهادة هؤلاء لبعضهم؛ لوجود تهمة أن يحابي كل واحد الآخر في ذلك، فدفعًا لتلك التهمة: شرع عدم القبول. [فرع]: تقبل شهادة الأخ لأخيه، والرجل لصديقه، والسيد العتيقه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وهذا عام، فيشمل ما ذكرناه الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انتفاء التهمة في المحاباة: قبولها هنا. (٢) مسألة: تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم على بعض: فتقبل شهادة الأب، أو الجد وإن علا على ولده وإن سفل، وتقبل شهادة الولد وإن سفل على أبيه أو=

стр. 3158

(ولا) تقبل شهادة (من يجر إلى نفسه نفعًا) كشهادة السيد لمكاتبه، وعكسه، والوارث بجرح مورِّثه قبل اندماله فلا تقبل (٣)، وتقبل له في دينه في مرضه (٤) (أو يدفع عنها) أي: عن نفسه بشهادته (ضررًا) كشهادة العاقلة بجرح شهود الخطأ، الخطأ، والغرماء بجرح شهود الدين على المفلس، والسيد بجرح من شهد على مكاتبه بدين ونحوه (٥)، (ولا) = جده وإن علا، وتقبل شهادة الزوج على زوجته - في غير الزنا - وتقبل شهادة الزوجة على زوجها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انتفاء التهمة في ذلك: قبول شهادته عليه، ويلزم من إقراره على نفسه بعداوته لها بشهادته على زوجته بالزنا؛ لإفسادها فراشه: عدم قبول شهادة الزوج على زوجته بالزنا، وحكمه اللعان وقد سبق تفصيل الكلام فيه. (٣) مسألة: لا تقبل شهادة شخص في شيء له فيه نفع بسبب تلك الشهادة أو سيتحصَّل منه على نفع مستقبلًا مثل: أن يشهد السيد لمكاتبه بمال، أو يشهد المكاتب لسيده بمال، وأن يشهد الوارث بأن وارثه قد جرحه فلان، وذلك قبل اندماله وشفائه فكل ذلك لا تقبل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود التهمة بانتفاع الشاهد بهذه الشهادة: عدم قبولها منه؛ لأن المكاتب، أو السيد سينتفع بهذا المال الذي شهد فيه، وربما سرى الجرح إلى النفس فتجب الدية بسبب تلك الشهادة فكأنه شهد لنفسه. (٤) مسألة: تقبل شهادة وارث لمورثه في مرضه بدين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشاهد لا حق له في ماله حين الشهادة: قبول شهادته. (٥) مسألة: لا تقبل شهادة شخص في شيء يدفع به عن نفسه ضررًا بسبب تلك الشهادة كأن تشهد العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ، أو أن يشهد الغرماء بجرح شهود الدَّين على المفلس، أو أن يشهد السيد بجرح من شهد على مكاتبه بدين فهؤلاء لا تقبل شهادتهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود التهمة بدفع الشاهد الضرر عن نفسه: عدم قبولها منه؛ لأن العاقلة إذا شهدوا بما سبق فقد وقع=

стр. 3159

تقبل شهادة (عدو على عدوه كمن شهد على من قذفه أو قطع الطريق عليه) والمجروح على الجارح، ونحوه (ومن سرَّه مساءة شخص، أو غمّه فرحه فهو عدوه) (٦) والعداوة في الدَّين غير مانعة، فتقبل شهادة مسلم على كافر، وسني على مبتدع (٧) وتقبل شهادة العدو لعدوه (٨)، وعليه في عقد نكاح (٩)، ولا شهادة من عرف بعصبية، وإفراط في حمية كتعصب قبيلة على قبيلة، وإن لم تبلغ رتبة العداوة (١٠). = عليهم الاتهام في دفع الدية عن أنفسهم، ولأن الغرماء إذا شهدوا بما سبق: ففي ذلك اتهامهم بتوفير المال عليهم، ولأن السيد إذا شهد فيما سبق فإنه يدفع الضرر عن نفسه. (٦) مسألة: لا تقبل شهادة عدو على عدوه عداوة دنيوية كأن يشهد على من قذفه، أو يشهد على من قطع الطريق عليه، أو أن يشهد المجروح على جارحه، فهؤلاء لا تقبل شهادتهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود التهمة هنا: عدم قبول الشهادة فائدة: يعلم الشخص أنه عدو لشخص آخر: إذا سرَّه إذا أصابته مصيبة، وإذا غمّه إذا ناله سرور. (٧) مسألة تقبل شهادة عدو على عدوه عداوة دينية: فتقبل شهادة المسلم على كافر، وتقبل شهادة العامل بالسنة على المبتدع؛ للتلازم؛ حيث إن تمسك المسلم والسني بدينه يمنعه من ارتكاب محظور في دينه فيلزم قبول شهادته على غيره. (٨) مسألة تقبل شهادة العدو لعدوه: سواء كانت عداوة دنيوية، أو دينية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود تهمة محاباته: قبول شهادته. (٩) مسألة: تقبل شهادة العدو على عدوه في عقد نكاح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود ذريعة إلى بلوغ غرضه، وتشفيه: قبول شهادته عليه في ذلك؛ إذ لا تهمة في ذلك. (١٠) مسألة: لا تُقبل شهادة شخصٍ عرف بعصبية، وإفراط في حمية لقبيلته، وإن لم تبلغ العداوة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك العصبية والحمية: عدم قبول شهادته، =

стр. 3160

(فصل): في عدد الشهود (ولا يُقبل في الزنا) واللواط (والإقرار به إلا أربعة) رجال يشهدون، أو أنه أقرّ به أربعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾ الآية (١١) (ويكفي) في الشهادة (على من أتى بهيمة رجلان)؛ لأن موجبه التعزير (١٢)، ومن عرف بغنى وادَّعى أنه فقير؛ ليأخذ من زكاة: لم يُقبل إلا ثلاثة رجال (١٣) (ويُقبل في بقية الحدود) كالقذف والشرب والسرقة وقطع الطريق (و) في (القصاص) رجلان، ولا تقبل فيه شهادة النساء؛ لأنه يسقط بالشبهة (١٤) (وما ليس بعقوبة، ولا = لكونه متهمًا في عدم قول الحق. (١١) مسألة: الزنا واللواط يقبل فيهما أربعة شهود من الرجال فقط، أو يُقر أربع مرات على أنه زنا؛ أو لاط؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث إن هلال بن أمية، أو عويمر العجلاني لما اتهم زوجته بالزنا أمره ﵇ "بأن يأتي بأربعة شهداء وإلا حدٌّ في ظهرك" وهذا نص في المسألة، واللواط كالزنا في ذلك، وقد سبق بيان ذلك في باب الزنا. (١٢) مسألة: إتيان البهيمة يقبل فيه شهادة رجلين؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وهذا عام، ولا يُقاس على الزنا في عدد الشهود؛ لكون الزنا واللواط يحتاط فيه أكثر من غيره؛ لما فيه من اتهام الأفراد والأسرة بالفساد فاحترز فيه أكثر من غيره. (١٣) مسألة: إذا ادَّعى رجل بأنه فقير - وهو معروف بالغنى - لأجل أن يُعطى من الزكاة: فلا تقبل دعواه هذه إلّا بعد شهود ثلاثة رجال بأنه كذلك؛ للسنة القولية: حيث ادَّعى رجل بأنه فقير فقال ﵇: "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة" وهو نص في المسألة. (١٤) مسألة: جميع الحدود - غير حد الزنا -، وكذا: القصاص تقبل فيها شهادة رجلين، ولا تقبل شهادة النساء؛ للتلازم؛ حيث إن سقوط الحدود بالشبهات،=

стр. 3161

مال، ولا يقصد به المال، ويطّلع عليه الرجال غالبًا كنكاح، وطلاق، ورجعة، وخلع، ونسب، وولاء وإيصاء إليه) في غير مال (لا يقبل فيه إلا رجلان) دون النساء (١٥) (ويُقبل في المال، وما يقصد به) المال (كالبيع، والأجل، والخيار فيه) أي: في البيع (ونحوه) كالقرض، والرهن والغصب، والإجارة، والشركة، والشفعة، وضمان المال، وإتلافه، والعتق، والكتابة، والتدبير، والوصية بالمال، والجناية إذا لم توجب قودًا، ودعوى أسير تقدم إسلامه؛ لمنع رقه (رجلان، أو رجل وامرأتان)؛ لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ وسياق الآية يدل على اختصاص ذلك بالأموال (أو رجل ويمين المدعي)؛ لقول ابن عباس: "إن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد" رواه أحمد وغيره ويجب تقديم الشهادة عليه، لا بإمرأتين ويمين (١٦)، ويُقبل في داء دابة، وموضَّحة: طبيب، وبيطار واحد مع عدم غيره، فإن = وأن هذا لا يطّلع عليه غالبًا إلا الرجال يلزم منه: قبول شهادة رجلين، ولا تقبل النساء فيه. (١٥) مسألة: إذا وُجد شيء ليس بعقوبة، ولا مال، ولا يُقصد فيه المال ويطلع عليه الرجال غالبًا مثل: النكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع، والنسب، والولاء، ووصية في غير مال تقبل فيه شهادة رجلين دون النساء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك لا يطلع عليه إلا الرجال غالبًا، قبول: شهادة رجلين أدنى النصاب، وعدم قبول شهادة النساء. (١٦) مسألة في جميع الأموال، وما يُقصد فيه الأموال كالبيع، والأجل، والخيار في البيع، والشراء، واشتراط صفة في البيع، أو نقد غير نقد البلد، والقرض، والرهن، والعارية، والوديعة، والصلح، والإقرار بالمال، أو ما يوجب المال، والغصب، والإجارة، والشركة، والحوالة، والإبراء والشفعة، والمطالبة بها، أو إسقاطها، وضمان المال، وإتلافه، والمساقاة، والمزارعة، والمغارسة، والجعالة، والمضاربة، والهبة، والعتق، والكتابة، والتدبير، والوصية بمال، وكل=

стр. 3162

لم يتعذر فائنان (١٧) (وما لا يطلع عليه الرجال) غالبًا (كعيوب النساء تحت الثياب، = جناية لا توجب قصاصًا، ودعوى أسير تقدم إسلامه، كل ذلك يُقبل فيه إحدى أمور ثلاثة: أولها: إما شهادة رجلان، ثانيها: أو شهادة رجل وامرأتين، ثالثها: أو شهادة رجل، ويمين المدعي بشرط: تقدم شهادة الرجل على اليمين: بأن يشهد الشاهد، ثم يحلف صاحب اليمين، ولا يصح هنا شهادة امرأتين ويمين المدعي؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ حيث بيّن الشارع أن هذا يكفي في الشهادة على الدَّين، وغير ذلك مما يخص الأموال مثل الدين؛ لعدم الفارق من باب:: مفهوم الموافقة" الثانية: السنة القولية؛ حيث "قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد" وهذا يدل على الاكتفاء بذلك ولم يرد الاكتفاء بامرأتين ويمين لذلك لا يُشرع، فإن قلت: لَم جُعلت شهادة المرأتين عن شهادة رجل واحد؟ قلت: نظرًا لضعف عقل المرأة؛ حيث إن النساء ناقصات عقل ودين - كما ورد عنه ﵇ فجعلتا كذلك لأجل إن ضلَّت إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فإن قلتَ: لِمَ اكتفي برجل وامرأتين فيما يخص الأموال؟ قلتُ: لأن المال يدخله البذل، والإباحة، وتكثر فيه المعاملة بين طبقات الناس، ويطلع عليه الرجال والنساء على السواء، فوسَّع الشارع في باب ثبوته، فأدخل في ذلك شهادة النساء؛ حفظًا لحقوق الناس، فإن قلت: لِمَ شُرعت اليمين من المدعي واكتفي بها عن الشاهد الآخر؟ قلتُ: لأن اليمين تشرع في جانب من ظهر صدقه، فإن قلتَ: لِمَ لا يكتفى بشهادة امرأتين ويمين المدعي؟ قلتُ: لعدم قبول شهادة النساء في ذلك منفردات. (١٧) مسألة: إذا وجد داء في إنسان، أو حيوان: فإنه يُقبل في معرفته والشهادة فيه قول طبيب واحد، أو بيطار واحد إذا لم يوجد غيره، وإن وجد غيره: فيقبل في ذلك اثنان؛ للقياس؛ بيانه: كما أن القاضي إذا أخبر بحكم: فإنه يُقبل قوله وإن=

стр. 3163

والبكارة، والثيوبة، والحيض، والولادة، والرضاع، والاستهلال) أي: صراخ المولود عند الولادة (ونحوه) كالرتق، والقرن، والعفل، وكذا: جراحة وغيرها في حمام وعرس ونحوهما مما لا يحضره الرجال (يُقبل فيه شهادة امرأة عدل)؛ لحديث حذيفة: "أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة وحدها" ذكره الفقهاء في كتبهم، وروى أبو الخطاب عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة" (والرجل فيه كالمرأة) وأولى؛ لكماله (١٨) (ومن أتى برجل وامرأتين، أو أتى بشاهد ويمين) أي: حلفه (فيما يوجب القَوَد: لم يثبت به) أي بما ذكر (قود ولا مال)؛ لأن قتل العمد يوجب القصاص، والمال بدل منه، فإذا لم يثبت الأصل لم يجب بدله، وإن قلنا: الواجب أحدهما: لم يتعين إلا باختياره، فلو أوجبنا بذلك الدية: أوجبنا معينًا = كان منفردًا فكذلك الطبيب هنا والبيطار، والجامع: أن كلا منهما يخبر عن اجتهاده. (١٨) مسألة: إذا وجد شيء لا يطَّلع عليه إلا النساء غالبًا كالأشياء الخاصة بالنساء كمعرفة الثيوبة، والبكارة، والحيض، والولادةو والرضاع، ومعرفة صراخ المولود عند الولادة، والرتق، والقرن، والعفل وعيوب في جسم المرأة الداخلي ونحو ذلك: فإنه يُقبل فيه شهادة امرأة عدل، أو رجل عدل إذا اطّلع على ذلك كطبيب، ونحوه، وذلك بدون يمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك لا يطلع عليه غالبًا إلا امرأة، أو رجل يقوم مقام المرأة في ذلك: أن يكتفى بشهادتها، أو شهادة من يقوم مقامها، فإن قلت: لِمَ لا تشرع اليمين هنا؟ قلتُ: لأن ذلك إخبار عن أمور غائبة التي لا يطّلع عليها إلّا النساء، أو الرجل القائم مقام النساء في ذلك، بخلاف ما سبق من الأمور المالية فلا بد من شاهد ويمين؛ لكون ذلك في أمور ظاهرة يطّلع عليها الرجال غالبًا، فإذا انفرد بها الشاهد الواحد احتيج إلى تقويته باليمين. تنبيه لم أستدل بما ذكره المصنف هنا من الحديثين؛ نظرًا لضعفهما كما ذكر ذلك أئمة الحديث.

стр. 3164

بدون اختياره (١٩) (وإن أتى بذلك) أي برجل وامرأتين، أو رجل ويمين (في سرقة: ثبت المال)؛ لكمال بينته (دون القطع)؛ لعدم كمال بينته (٢٠) (وإن أتى بذلك) أي: برجل وامرأتين، أو رجل ويمين (في) دعوى (خلع) امرأته على عوض سمَّاه: (ثبت له العوض)؛ لأن بينته تامة فيه (وثبتت البينونة بمجرَّد دعواه) لإقراره على نفسه، وإن ادَّعته هي: لم يقبل فيه إلا رجلان (٢١). (١٩) مسألة: إذا أتى شخص برجل وامرأتين فشهدوا بما يوجب القود والقصاص، أو أتى ذلك الشخص بشاهد وحلف يمينًا بما يوجب القود: فإنه لا يثبت بذلك القود والقصاص، ولا الدية؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا يثبت القود والقصاص لعدم كمال بينته فيلزم منه: عدم إثباته لبدله - وهو المال والدية - فإن قلتَ: إن ذلك يوجب أحدهما - إما القود أو الدية -؟ قلتُ: لا يتعين ذلك إلا باختياره، فلو أوجبنا الدية لكنا قد أوجبنا شيئًا معينًا بدون اختياره. (٢٠) مسألة إذا أتى شخص برجل وامرأتين فشهدوا على آخر بأنه سرق، أو أتى بشاهد وحلف يمينًا على أنه سرق: فإن ذلك يثبت المال المسروق فقط، دون القطع؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الشهادة أثبتت المال: فيلزم قبول الشهادة في ذلك؛ لكمال بينته في ذلك، ويلزم من قصور البيَّنة - وهو: عدم وجود شهادة رجلين -: عدم القطع. (٢١) مسألة: إذا أتى شخص برجل وامرأتين فشهدوا على أنه خالع زوجته على عوض سمَّاه، أو أتى بشاهد، وحلف يمينًا على أنه خالع زوجته على عوض سماه: فإن ذلك يثبت له العوض الذي سماه والطلاق البائن ثبت بمجرد تلك الدعوى التي أقام عليها أولئك الشهود أو الشاهد ويمينه، أما إن ادَّعت هي: أنها خالعته على عوض سمته: فلا تقبل دعواها إلا بشهادة رجلين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمام البيِّنة بشهادة رجل وامرأتين، أو بشاهد ويمينه: ثبوت العوض له، ويلزم من إقراره على نفسه بالخلع: ثبوت البينونة بمجرَّد دعواه، ويلزم من كون مقصودها=

стр. 3165

(فصل) في الشهادة على الشهادة (ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي) وهو حقوق الآدميين، دون حقوق الله تعالى؛ لأن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات (٢٢) (ولا يحكم) الحاكم (بها) أي: بالشهادة على الشهادة (إلا أن تتعذَّر شهادة الأصل بموت أو مرض، أو غيبة مسافة قصر) أو خوف من سلطان، أو غيره؛ لأنه إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهادة شاهدي الأصل: استغنى عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع، وكان أحوط للشهادة (٢٣)، ولا بد من = الفسخ، وخلاصها من زوجها: عدم قبول دعواها الخلع إلا بشهادة رجلين عدلين كغيرها من الدعاوى. (٢٢) مسألة: الشهادة على الشهادة مقبولة في كل حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وترد فيما يرد فيه وقد سبق بيانه وذلك في جميع حقوق الآدميين من مال، وقصاص، وحدّ قذف ونحو ذلك، دون حقوق الله تعالى؛ للمصلحة: حيث إن شهادة الفرع لو لم تقبل على شهادة الأصل - في حقوق الآدميين - لأدَّى ذلك إلى تعطيل حقوق الناس، وأكل أموالهم بالباطل ولأن الحدود التي لله تعالى كحدّ شرب الخمر، وحد الزنا ونحوهما مبنية على الستر، والدرء بالشبهات، واحتمال غلط، وخطأ، وسهو، وكذب شهود الفرع أو الأصل فيها يجعل الامتناع عن الشهادة فيها أولى من أدائها؛ لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه فيها. (٢٣) مسألة: في الأول - من شروط صحة الشهادة على الشهادة والحكم بها - وهو: أن تتعذَّر شهادة الأصل بسبب موت الشهود الأصليين، أو مرضهم، أو غيبتهم في بلد يبعد مسافة قصر - وهو ٨٢ كم - أو خوف من سلطان، وإذا أمكن الاستماع إلى شهود الأصل: فلا يجوز سماع شهود الفرع؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون شهادة الأصل تُثبت نفس الحق مباشرة، وشهادة الفرع تثبت الشهادة عليه: اشتراط ذلك الشرط؛ للاحتياط في الشهادة؛ نظرًا لضعف شهادة الفرع؛ لكون احتمال الخطأ والسهو والغفلة يتطرّق إلى شهود=

стр. 3166

دوام عذر شهود الأصل إلى الحكم (٢٤) ولا بد أيضًا من ثبوت عدالة الجميع، ودوام عدالتهم (٢٥) وتعيين فرع الأصل (٢٦) (ولا يجوز لشاهد الفرع: أن يشهد إلا أن = الفرع أكثر من تطرّقه إلى شهود الأصل الثانية: المصلحة؛ حيث إنه إذا أمكن القاضي أن يسمع شهود الأصل: فإنه أيسر من سماعه شهود الفرع؛ لأنه إذا سمع شهود الأصل يكفيه أن يتأكد من عدالتهم فقط، ولكنه إذا سمع من شهود الفرع فلا بد أن يتأكد من عدالة شهود الأصل، والفرع معًا، وهذا فيه مشقّة عظيمة، فدفعًا لذلك اشتُرط ذلك الشرط. (٢٤) مسألة في الثاني -من شروط صحة الشهادة على الشهادة والحكم بها - وهو: أن يستمر العذر المانع من حضور شهود الأصل إلى صدور الحكم في القضية المشهود فيها، فلو تمكّن شهود الأصل من الحضور قبيل صدور الحكم في القضية المشهود فيها: فإنه لا بدَّ من حضورهم؛ للقياس؛ بيانه: كما لو كان شهود الأصل حاضرين لما جاز أن يشهد على شهادتهم أحد، فكذلك في حال تمكّنهم من الحضور والجامع: زوال شرط الشهادة على الشهادة -وهو: عذر عدم تمكّنهم-. (٢٥) مسألة في الثالث -من شروط صحة الشهادة على الشهادة والحكم بها- وهو: أن تثبت عدالة شهود الأصل، وعدالة شهود، الفرع، وأن تدوم تلك العدالة من الجميع إلى صدور الحكم في القضية المشهود فيها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فاشترط العدالة في الشهود، وهو عام، فيشمل شهود الأصل، وشهود الفرع. (٢٦) مسألة: في الرابع -من شروط صحة الشهادة على الشهادة والحكم بها- وهو: أن يُعين شاهدي فرع لأصله فلو قال رجلان: "أشهدنا رجلان ساكنان هذا الحي": فإن تلك الشهادة لا تقبل؛ للتلازم؛ حيث إن اليقين، أو غلبة الظن مطلوب في الشهادة فيلزم منه تعيين الفرع للأصل؛ لإثبات ذلك؛ إذ الإجمال لا يفيد اليقين ولا غلبة ظن.

стр. 3167

يسترعيه شاهد الأصل: فيقول) شاهد الأصل للفرع: (اشهد على شهادتي بكذا، أو) اشهد أني أشهد أن فلانًا أقرّ عندي بكذا أو نحوه، وإن لم يسترعه: لم يشهد؛ لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، ولا ينوب عنه إلا بإذنه، إلا أن (يسمعه يقرّ بها): أي: يسمع الفرع الأصل يشهد (عند الحاكم أو) سمعه (يعزوها) أي: يعزو شهادته (إلى سبب: من قرض، أو بيع، أو نحوه) فيجوز للفرع أن يشهد؛ لأن هذا كالاسترعاء (٢٧)، ويؤديها الفرع بصفة تحمُّله (٢٨)، وتثبت شهادة شاهدي الأصل (٢٧) مسألة في الخامس - من شروط صحة الشهادة على الشهادة والحكم بها - وهو: أن يطلب شاهد الأصل من شاهد الفرع: أن يحفظ شهادته ويؤديها في تلك القضية قائلًا: "اشهد على شهادتي بكذا" أو: "اشهد أني أشهد بكذا" أو "اشهد أني أشهد: أن فلانًا أقرّ عندي بكذا" ونحو ذلك - وهذا يسمَّى بالاسترعاء - من رعيت الشيء إذا حفظته - فإن لم يطلب منه ذلك: فلا يجوز له أن يشهد إلّا في حالة سماع شاهد الفرع لشاهد الأصل يشهد عند الحاكم ويقرّ بشهادة في قرض، أو بيع ونحوهما: فيجوز للفرع أن يشهد هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون شاهد الفرع نائبًا عن شاهد الأصل: عدم جواز شهادة الفرع إلا أن يسترعيه شاهد الأصل ويطلب منه الشهادة على شهادته، ويلزم من إثبات شاهد الأصل للشهادة عند الحاكم الإذن لغيره أن يشهد على شهادته كالاسترعاء. (٢٨) مسألة: في السادس والأخير - من شروط صحة الشهادة على الشهادة والحكم بها - وهو: أن يؤدّي شاهد الفرع شهادة الأصل بالصفة ذاتها التي تحمَّلها دون زيادة أو نقصان بأن يقول - أي: شاهد الفرع -: "أشهد أن فلان ابن فلان أشهدني أنه يشهد أن لفلان ابن فلان على فلان كذا وكذا" أو "أشهدني أنه يشهد أن فلانًا أقرّ عندي بكذا، وإن سمعه يشهد عند الحاكم قال - أي: شاهد الفرع -: "أشهد أن فلان ابن فلان شهد على فلان عند الحاكم بكذا"، وإن لم يقل ذلك فلا يصح الحكم بها، فلا أن يقول: "سمعت فلانًا يقول: أقرض=

стр. 3168

بفرعين، ولو على كل أصل فرع (٢٩)، ويثبت الحق بفرع مع أصل آخر) (٣٠)، ويُقبل تعديل فرع لأصله، وبموته ونحوه (٣١)، لا تعديل شاهد لرفيقه (٣٢) (وإذا رجع شهود المال بعد الحكم: لم ينقض) الحكم؛ لأنه قد تم، ووجب المشهود به للمشهود له، ولو = فلان فلانًا" أو يقول: "سمعتُ فلانًا يقول: لفلان على فلان كذا"؛ للتلازم؛ حيث إن الشهادة يُشترط فيها اليقين، أو ما يغلب على الظن فيلزم اشتراط ذلك؛ لكون ذلك يؤدي إليه. (٢٩) مسألة: إذا شهد فرعان على أصلين اكتفي بذلك: سواء شهد كل فرع على أصل: أو شهد الفرعان معًا على الأصلين معًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كل فرع بدل عن أصل: صحة ذلك، كما لو شهده الفرعان على نفس الحق، فإن قلت: لا تثبت حتى يشهد أربعة: يشهد فرعان على كل أصل، وهو قول الجمهور قلتُ: هذا فيه مشقة قد تمنع من الشهادة على الشهادة مما يؤدي إلى تعطيل حقوق الناس، فدفعًا لذلك، وتيسيرًا على المسلمين اكتفي بشهادة فرعين على كل أصل فرع، أو عليهما معًا؛ قياسًا على الشهادة بنفس الحق. (٣٠) مسألة: إذا شهد شاهد واحد أصلي في القضية مع شاهد فرع عن شاهد الأصل الثاني: فإن الحق يثبت بذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما تقبل شهادة الأصلين، أو الفرعين فكذلك تقبل شهادة الأصل مع الفرع والجامع: حصول اليقين وغلبة الظن في ذلك. (٣١) مسألة: إذا عدَّل الفرع الأصل الذي شهد على شهادته، أو أخبر بموته، أو مرضه، أو عدم قدرته على الحضور إلى المحكمة: فإن كل ذلك يُقبل؛ للتلازم؛ حيث إن شهادته على شهادة ذلك الأصل تعديل له فيلزم قبوله. (٣٢) مسألة: إذا عدَّل شاهد في قضية الشاهد الآخر فيها وهو رفيقه: فلا يُقبل ذلك التعديل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إفضاء ذلك إلى انحصار الشهادة في أحدهما: عدم قبول ذلك.

стр. 3169

كان قبل الاستيفاء (ويلزمهم الضمان) أي: يلزم الشهود الراجعين بذل المال الذي شهدوا به قائمًا كان أو تالفًا: لأنهم أخرجوه من يد مالكه بغير حق، وحالوا بينه وبينه (دون من زكَّاهم) فلا غرم على مزك إذا رجع المزكَّى؛ لأن الحكم تعلّق بشهادة الشهود، ولا تعلُّق له بالمزكِّين؛ لأنهم أخبروا بظاهر حال الشهود، وأما باطنه: فعلمه إلى الله تعالى (٣٣) (وإن حكم) القاضي (بشاهد ويمين، ثم رجع الشاهد: غرم) الشاهد (المال كله)؛ لأن الشاهد حجّة الدعوى، ولأن اليمين قول الخصم، وقول الخصم ليس مقبولًا على خصمه، وإنما هو شرط الحكم، فهو كطلب الحكم (٣٤)، وإن (٣٣) مسألة: إذا شهد زيد وعمرو بأن محمدًا يطالب بكرًا بألف ريال، فحكم القاضي بذلك، ودفع بكر ذلك الألف لمحمد، ثم رجع زيد وعمرو بعد ذلك: فإن الحكم لا يُنقض ويلزم زيدًا أو عمرًا أن يضمنا ذلك المال، ويدفعاه إلى بكر، ولا شيء على من زكَّى وعدَّل زيدًا وعمرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمام المشهود به للمشهود له بسبب الحكم بشهادة زيد وعمرو: عدم نقض الحكم، ويلزم من إخراج المال من يد مالكه بغير حق: أن يضمنا ذلك المال، ويلزم من تعلُّق الحكم بشهادة الشهود، دون المزكين الذين حكموا بالظاهر: عدم ضمان المزكين للشاهدين الراجعين عن الشهادة - وهما زيد وعمرو -. (٣٤) مسألة: إذا شهد شاهد واحد، وحلف المدّعي يمينًا على دعواه، وقضى القاضي وحكم بذلك المال ثم رجع الشاهد: فإن ذلك الشاهد يغرم جميع ذلك المال؛ للتلازم؛ حيث إن كون الشاهد حجة الدعوى، واشتراط تقدم شهادته على اليمين وكون اليمين قول الخصم، ولا يقبل قول خصم على خصمه يلزم منه: تفرّد ذلك الشاهد بضمان وغرم كل المال الذي شهد فيه، فإن قلت: لِمَ اشترطت اليمين إذن هنا؟ قلتُ: لأنها شرط للحكم، فجرى مجرى مطالبة المدّعي للحاكم بالحكم.

стр. 3170

رجعوا قبل الحكم: لغت، ولا حكم ولا ضمان (٣٥)، وإن رجع شهود قَوَد أو حد بعد حكم، وقبل استيفاء: لم يستوف، ووجب دية قَوَد (٣٦). (٣٥) مسألة: إذا شهد شاهدان، أو شاهد واحد في قضية مال فرجعوا قبل أن يحكم القاضي بها: فإن الشهادة تلغى، وكأنها لم تكن، أي: لا حكم، ولا ضمان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تمام ووجوب المشهود به للمشهود له: إلغاء الشهادة، وعدم الحكم أصلًا. (٣٦) مسألة: إذا شهد شهود في قَوَد، أو حد، فقضى القاضي بذلك بسبب تلك الشهادة، ثم رجع الشهود بعد الحكم وقبل استيفائه: فإن القود والقصاص أو الحد لا يُستوفى، وتجب دية قَوَد وقصاص، ويلزم الشهود الراجعين ضمان تلك الدية؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب بالعمد أحد شيئين فيلزم من سقوط أحدهما - بسبب رجوع الشهود -؛ تعين الآخر - وهو الدية، ويلزم من رجوع الشهود بعد الحكم أن يضمنوا تلك الدية - كما سبق -. [فرع]: إذا رجع الشهود في قود أو حد بعد الحكم وبعد الاستيفاء: فإن قالوا: تعمَّدنا قتله: فعليهم القصاص، وإن قالوا: غلطنا وأخطأنا: فتجب عليهم الدية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعمدهم قتله: وجوب القصاص عليهم، ويلزم من غلطهم في ذلك: وجوب الدية عليهم. هذه آخر مسائل باب: "موانع الشهادة، وعدد الشهود، والشهادة على الشهادة، ورجوع الشهود عن الشهادة"، ويليه باب: "اليمين في الدعاوي"

стр. 3171

باب اليمين في الدَّعاوي أي: بيان ما يُستحلف فيه، وما لا يستحلف فيه، وهي تقطع الخصومة حالًا، ولا تسقط حقًّا و (لا يُستحلف) منكر في العبادات) كدعوى دفع زكاة، وكفارة، ونذر (ولا في حدود الله) تعالى؛ لأنه يستحب سترها، والتعريض للمقرّ بها؛ ليرجع عن إقراره (١) ويستحلف المنكر) على صفة جوابه بطلب خصمه (في كل حق لآدمي)؛ لما تقدم من قوله ﵊: "ولكن اليمين على المدَّعى عليه" (إلا النكاح، والطلاق، والرجعة، والإيلاء، وأصل الرق) كدعوى رق لقيط (والولاء، والاستيلاء) للأمة (والنسب، والقود، والقذف) فلا يستحلف منكر شيء من ذلك؛ باب اليمين في الدعاوي وفيه ست مسائل: (١) مسألة: لا يُستحلف منكر للعبادات، أو بعضها كأن يطلب جابي الزكاة من زيد دفع زكاة ماله فيقول زيد: "إني قد دفعتها" فلا يُطلب منه أن يحلف على ذلك، وكذلك الكفارة، والنذر، وكذلك: لا يُستحلف منكر الحد من حدود الله تعالى كحد الزنا، أو السرقة، أو شرب خمر، أو قطع طريق، بل يُستحب أن يُلقَّن طريقة الرجوع عن إقراره إن أقر بواحد من تلك الحدود؛ ليرجع عن إقراره؛ لئلا يقام عليه الحد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇ لماعز - لما أقرّ بالزنا -: "لعلك قبَّلت، لعلك غمزت، لعلك نظرت"، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: أن المرتكب لحد من حدود الله تعالى لو أقرّ به، ثم رجع عن ذلك لقُبل منه، وخُلِّي سبيله ولا يستحلف لاستحباب سترها، فمن باب أولى أنه لا يُستحلف مع عدم الإقرار به، ثانيهما: كما أنه لو أنكر ما يُوجب الحد فلا يستحلف فكذلك لو أنكر عبادة من العبادات لا يستحلف والجامع: أن كلًّا منها حق من حقوق الله تعالى.

стр. 3172

لأنها ليست مالًا، ولا يقصد بها المال، ولا يقضى فيها بالنكول، ولا يستحلف شاهد أنكر تحمل الشهادة، ولا حاكم أنكر الحكم، ولا وصي على نفي دين على موصٍ (٢) وإن ادَّعى وصي وصية للفقراء، فأنكر الورثة: حلفوا على نفي العلم، فإن نكلوا: قُضي عليهم (٣)، ومن توجّه عليه حق لجماعة: حلف لكل واحد يمينًا إلا أن يرضوا بواحدة (٤) (٢) مسألة: يستحلف كل منكر لحق آدمي من مال، أو يقصد فيه مال، وذلك إذا توجّهت عليه اليمين في دعوى صحيحة على صفة جواب المنكر بطلب خصمه، وذلك في مجلس الحكم، أما إذا لم يطلب خصمه اليمين: فلا يستحلف ذلك المنكر، ولا يستحلف من أنكر شيئًا لا مال فيه، ولم يقصد فيه المال كإنكاره للنكاح، أو الطلاق، أو الرجعة، أو الإيلاء، أو دعوى رق لقيط، أو الولاء، أو دعوى استيلاد أمة فتنكره أو نسب، أو قود، أو قذف، أو شاهد أنكر تحمل الشهادة، أو حاكم أنكر الحكم، أو وصي على نفي دين على موصٍ ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر" وفي رواية: "ولكن اليمين على المدَّعى عليه" وهذا عام في كل منكر حق آدمي، وذلك لأن جانب المدَّعى عليه قوي بأصل براءة الذمة، فكان أولى باليمين إذا لم يثبت المدَّعي بيَّنة على دعواه، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون النكاح وما عطف عليه ليست بمال، ولا يقصد بها المال، ولا يقضى فيها بالنكول يلزم منه: عدم استحلاف المنكر لها. (٣) مسألة: إذا ادَّعى زيد أن عمرًا قد أوصى للفقراء بشيء من ماله، فأنكر ورثة عمرو ذلك: فإن الحاكم يطلب من هؤلاء الورثة أن يحلفوا على نفي العلم بتلك الوصية، فإن حلفوا: قضي لهم ومنعت الوصية وإن نكلوا: قضي عليهم بها، وصُرفت الوصية للفقراء كما ادّعى زيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوصية مالًا صحة الاستحلاف فيها. (٤) مسألة: إذا أنكر زيد حقًّا ماليًا لجماعة من الناس: فإنه يحلف لكل واحد منهم=

стр. 3173

(واليمين المشروعة) هي: (اليمين بالله) تعالى، فلو قال الحاكم لمنكر: قل: "والله لا حق له عندي" كفى؛ لأنه ﷺ استحلف ركانة بن عبد يزيد في الطلاق، فقال: "والله ما أردت إلّا واحدة" (ولا تُغلَّظ) اليمين (٥) (إلا فيما له خطر) كجناية لا توجب قودًا، وعتق، ونصاب زكاة فللحاكم تغليظها، وإن أبى الحالف التغليظ: لم يكن ناكلًا (٦). = يمينًا خاصة به؛ إلا أن يرضوا بيمين واحدة فيحلفها وتكفي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كل واحد منهم حقه غير حق الآخر: أن يحلف لكل واحد يمينًا خاصة به، ويلزم من كون الحق لهم وقد رضوا بإسقاطه: أن يحلف يمينًا واحدة للجميع فتكفي. (٥) مسألة: اليمين المشروعة هي: اليمين بالله تعالى كقوله: "والله لا حق له عندي" مثلًا دون تغليظ في اليمين، فلا حاجة لأن تغلظ اليمين في القول كقوله: "والله الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة .. " ولا حاجة إلى أن يحلف عند الكعبة، أو بالقدس، أو عند الصخرة، أو بالمدينة، أو بالروضة، أو عند منبر الجامع، أو أن يحلف ما بين الأذان والإقامة، أو بعد العصر، ونحو ذلك؛ للسنة التقريرية: حيث إنه ﵇ لما استحلف بعض الصحابة اكتفى بقوله: "والله إني لم أفعل ذلك"، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين. (٦) مسألة: إذا كان الأمر المستحلف عليه فيه خطر كجناية لا توجب قودًا، أو عتق، أو نصاب زكاة أو نحو ذلك: فللحاكم أن يغلظها - كما ذكرنا ذلك في مسألة (٥) -، والتغليظ ليس بشرط لصحة اليمين، فلو أبى المستحلف التغليظ: لم يكن ذلك نكولًا؛ للتلازم؛ حيث إن كون الاحتياط لازمًا في مثل هذه الأمور: أُذن للحاكم أن يغلظ اليمين، ويلزم من كون التغليظ ليس شرطًا في اليمين: عدم اعتبار امتناعه عنه نكولًا. هذه آخر مسائل باب: "اليمين في الدعاوي" وهو آخر أبواب كتاب: "الشهادات" ويليه كتاب: "الإقرار"

стр. 3174

كتاب الإقرار وهو الاعتراف بالحق، مأخوذ من المقرّ، وهو: المكان: كأن المقر يجعل الحق في موضعه، وهو: إخبار عمّا في نفس الأمر، لا إنشاء (١) (ويصح) الإقرار (من مكلَّف) لا من صغير غير مأذون في تجارة، فيصح في قدر ما أذن له فيه (مختار غير محجور عليه) فلا يصح من سفيه إقرار بمال (ولا يصح) الإقرار (من مكره) هذا محترز قوله: "مختار" إلّا أن يقرّ بغير ما أكره عليه كأن يكره على الإقرار بدرهم، فيقرّ بدينار (٢)، كتاب الإقرار وفيه ثلاث وستون مسألة (١) مسألة: الإقرار لغة: مأخوذ من قرَّ الشيء: إذا ثبت، فهو: إقرار واعتراف بما هو ثابت، وهو اصطلاحًا: إخبار وإظهار عمّا هو ثابت حقيقة في نفس الأمر، وليس بإنشاء. (٢) مسألة: يُشترط في صحة الإقرار شروط ثلاثة: الشرط الأول: أن يكون المقر مكلَّفًا - أي: بالغ عاقل - فلا يصح إقرار الصبي، والمجنون، والنائم، والمعتوه، والمغمى عليه إلّا إذا أُذن لصبي بأن يتصرَّف ببعض تجارة فيصح إقراره فيما أُذن له له فيه فقط، دون ما زاد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" حيث بيَّن الشارع: أن هؤلاء غير مكلفين حال الصبا، والجنون، والنوم، والإغماء، والعته مثل النوم والجنون؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة" بجامع: عدم الإدراك في كل، ودل بمفهوم الغاية: على اشتراط التكليف، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من الإذن للصبي بالتجارة في بعض الجوانب: صحة إقراره فيما أذن له فيه، الشرط الثاني: أن يكون المقرّ رشيدًا، فلا=

стр. 3175

ويصحّ من سكران (٣)، ومن أخرس بإشارة معلومة (٤)، ولا يصح بشيء في يد غيره، أو تحت ولاية غيره كما لو أقرّ أجنبي على صغير، أو وقف في ولاية غيره، أو اختصاصه (٥)، وتُقبل من مقرّ دعوى إكراه بقرينة كترسيم عليه، وتقدم بينة إكراه على = يصح إقرار سفيه محجور عليه؛ لأجل ذلك السفه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح إقرار صغير بمال فكذلك لا يصح إقرار سفيه والجامع: ضعف العقل في كل عن إدراك حقائق الأمور، الشرط الثالث: أن يكون المقرّ مختارًا، فلا يصح إقرار المكره؛ إلا إذا أقرّ بشيء لم يكره على الإقرار به: كأن يكره على الإقرار بدرهم، فيقرّ بدينار: فإن ذلك الإقرار يصح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﵇: "عفي لأمتي الخطأ، والنسيان وما استُكرهوا عليه" حيث يدل مفهوم الصفة على اشتراط الاختيار في صحة الإقرار، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من إقراره بشيء لم يكره عليه: صحة إقراره به؛ لعدم العذر فإن قلت: لِمَ اشترطت تلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق المقرّ نفسه. (٣) مسألة: يصح إقرار كل من زال عقله بمعصية كمن شرب الخمر عمدًا بلا حاجة إليه، ثم أقرّ بشيء لآخر: فإن إقراره هذا يصح، للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره بشيء بسبب معصية: أن يصح إقراره؛ جزاء له على ما فعل كإيقاع طلاقه وهو في حالة سكره - كما سبق بيانه -. (٤) مسألة: يصح إقرار الأخرس خِلْقة بالإشارة إذا فهم المقصود من تلك الإشارة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح إقرار الأخرس بالكتابة فكذلك يصح إقراره بالإشارة، والجامع: فهم المقصود من ذلك. (٥) مسألة: لا يصح أن يقرّ زيد بشيء تحت يد عمرو، أو تحت ولايته - أي: ولاية عمرو -؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو وقف زيد في ولاية عمرو، أو اختصاص عمرو فلا يصح ذلك الوقف، فكذلك إذا أقرّ بشيء تحت يد أو ولاية غيره،=

стр. 3176

طواعية (٦) (وإن أكره على وزن مال فباع ملكه لذلك) أي: لوزن ما أكره عليه: (صح) البيع؛ لأنه لم يكره على البيع (٧)، ويصح إقرار صبي أنه بلغ باحتلام إذا بلغ عشرًا (٨)، ولا يُقبل بسن إلا ببيئة كدعوى جنون (٩) (ومن أقرّ في مرضه) ولو مخوفًا، = والجامع: عدم القدرة على الانتفاع بما أقرّ به، أو وقفه. (٦) مسألة: إذا أقرّ زيد بمال لعمرو، وادَّعى زيد أن عمرًا قد أكرهه على ذلك الإقرار: فإن تلك الدعوى تقبل بشرطين: أولهما: أن يكون عمرو قادرًا على إكراهه، ثانيهما: أن يثبت زيد بيِّنة على ما ادَّعاه، وإذا تعارضت بيِّنة إكراهه مع بيِّنة عدم إكراهه: قدِّمت بيِّنة إكراهه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما تقبل الدعاوي في غير ذلك فكذلك تقبل الدعوى في الإكراه بمثل ذلك، الثانية: التلازم؛ حيث إن احتمال إكراهه على الإقرار أقوى من احتمال اختياره وطواعيته على الإقرار فيلزم الأقوى في الوقوع. (٧) مسألة: إذا أكره زيد على دفع مال لعمرو، فباع زيد ملكه كله؛ لأجل دفع ما أكره عليه: فإن ذلك البيع يصح؛ للتلازم؛ حيث إن عدم إكراهه على البيع يلزم منه: صحة بيعه لملكه. (٨) مسألة: إذا أقرّ صبي بأنه بلغ بالاحتلام - أي: أنه بلغ بإنزال المني منه - وعمره عشر سنين، أو أقرّت صبية بأنها بلغت بالاحتلام، وعمرها تسع سنين: فإنه يصح إقرارهما بلا بيَّنة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الاحتلام من علامات البلوغ، وأنه لا يعلم إلّا من جهتهما فقط أن يصح إقرارهما في ذلك، ويُعاملان بناء على ذلك. (٩) مسألة: إذا أقرّ صبي، أو صبية بأنهما قد بلغا بالسن - أي: ببلوغهما خمسة عشر عامًا -: فلا يقبل هذا الإقرار منهما إلّا ببيِّنة ودليل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو ادَّعى أنه يُجن فلا يقبل منه إلا ببيِّنة فكذلك إذا أقرّ بأنه بلغ خمسة عشر عامًا لا يقبل إلا ببيِّنة والجامع: أنه في كل منهما الأصل عدمه: أي: عدم=

стр. 3177

ومات فيه بشيء: فكإقراره في صحته)؛ لعدم تهمته فيه (١٠) (إلا في إقراره) أي: إقرار المريض (بالمال لوارثه) حال إقراره بأن يقول: "له علي كذا"، أو يكون للمريض عليه دين فيقرّ بقبضه منه: (فلا يقبل) هذا الإقرار من المريض؛ لأنه متّهم فيه إلّا ببينة أو إجازة (١١) (وإن أقرّ) المريض (لامرأته بالصداق: فلها مهر المثل بالزوجية، لا بإقراره)؛ لأن الزوجية دلّت على المهر ووجوبه، فإقراره إخبار بأنه لم يوفه (١٢) (ولو أقرّ المريض (أنه كان أبانها) أي: زوجته (في صحته: لم يسقط إرثها) بذلك إن لم = البلوغ، وعدم الجنون. (١٠) مسألة: إذا أقرّ شخص في مرضه بشيء أنه لفلان: فإن هذا الإقرار يصح إذا لم يكن ذلك المقرّ له من الورثة: سواء كان هذا المرض مخوفًا، أو لا، وسواء مات فيه أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما لو أقرّ هذا الشخص في صحته بذلك: فإن الإقرار صحيح فكذلك الإقرار في مرضه، والجامع: عدم التهمة في كل. (١١) مسألة: إذا أقرّ زيد في مرضه بمال أنه لعمرو، وعمرو من ورثة زيد حال إقراره بذلك، أو كان زيد يطالب عمرًا بدين - وهو من ورثة زيد - فيقرّ زيد أنه قبض ذلك الدين منه - أي: من عمرو -: فإن هذا الإقرار في الصورتين لا يقبل إلّا بشرط أن يُقيم زيد بيَّنة على ذلك الإقرار، أو يُجيز ذلك الإقرار ورثة زيد؛ للتلازم؛ حيث إن كون ذلك فيه إيصال المال إلى وارثه في مرضه وهو متّهم فيه، وهو محجور عليه في حقه، وهو من الحيل الباطلة؛ إذ العطية في مرضه لا تجوز؛ لكونها وصية ولا وصية لوارث فيلزم من ذلك كله: عدم صحة ذلك الإقرار إلا بذلك الشرط؛ لمنع أكل أموال الناس بالباطل، وهو المقصد منه. (١٢) مسألة: إذا أقرّ مريض لامرأته بالصداق والمهر ومات بعد ذلك: فيجب لها مهر مثيلاتها بسبب الزوجية، لا بسبب إقراره بذلك، للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره: الإخبار بأنه لم يسلِّمها حقها من المهر، ويلزم من الزوجية: وجوب مهر مثيلاتها.

стр. 3178

تصدقه؛ لأن قوله غير مقبول عليها بمجرده (١٣) (وإن أقرّ) المريض بمال (لوارث، فصار عند الموت أجنبيًا) أي: غير وارث: بأن أقرّ لابن ابنه، ولا ابن له، ثم حدث له ابن: (لم يلزم إقراره)؛ اعتبارًا بحالته؛ لأنه كان متهمًا (لا أنه) أي: الإقرار (باطل) بل هو صحيح موقوف على الإجازة كالوصية لوارث (١٤)، (وإن أقرّ) المريض (لغير وارث) كابن ابنه مع وجود ابنه (أو أعطاه) شيئًا: (صح) الإقرار، والإعطاء (وإن صار عند الموت وارثًا)؛ لعدم التهمة إذ ذاك، ومسألة العطية ذكرها في "الترغيب"، والصحيح: أن العبرة فيها بحال الموت كالوصية، عكس الإقرار (١٥)، (١٣) مسألة: إذا أقرّ مريض: أنه كان قد طلق زوجته طلاقًا بائنًا أثناء صحته: فإنه لا يسقط إرثها بسبب ذلك الإقرار بشرط: عدم موافقتها وتصديقها له على ما أقرّ به؛ للقياس؛ بيانه: كما لو أبانها في مرضه: فإنها ترث، فكذلك إذا أقرّ في مرضه أنه أبانها في صحته والجامع: وجود اتهامه، ونظرًا لذلك لا يقبل أيُّ قول ضدها إذا لم توجد بيِّنة. (١٤) مسألة: إذا أقرّ مريض بمال لواحد من ورثته، فصار عند الموت غير وارث كأن أقرّ لولد ولده بألف درهم في حين عدم وجود ولد له، ثم بان عند موته وجود ولد له: فإن هذا الإقرار لا يصح إلّا أن يقيم بيِّنة على ذلك، أو يجيز الورثة ذلك كما سبق في مسألة (١١) -؛ للتلازم؛ وقد سبق بيانه في مسألة (١١). (١٥) مسألة: إذا أقرّ مريض بمال لغير وارث: كأن يقرّ لابن ابنه بألف مع وجود ابنه، فصار ابن الابن عند الموت وارثًا، أو أعطاه ألفًا: فإن هذا الإقرار صحيح فيأخذ ابن الابن ذلك الألف مع أنه سيرث؛ للتلازم؛ حيث إن عدم اتهامه حين الإقرار، وحين الإعطاء، وعدم وجود ما يُسقط ذلك: صحة ذلك الإقرار، والإعطاء، فإن قلت: إذا صار المعطى حال الموت وارثًا: لم تصح العطية، وهو قول بعض الحنابلة؛ للقياس على الوصية قلت: إن الإقرار والإعطاء سواء في هذا الجانب إذا بعد احتمال التهمة عن المقرّ، والمعطي.

стр. 3179

وإن أقرّ قن بمال، أو بما يوجبه كالجناية: لم يؤخذ به إلّا بعد عتقه (١٦)، إلا مأذونًا له فيما يتعلَّق بتجارة (١٧)، وإن أقرّ بجد، أو طلاق، أو قود طرف أخذ به في الحال (١٨) (وإن أقرّت امرأة) ولو سفيهة (على نفسها بنكاح ولم يدعه) أي: النكاح (اثنان: قبل) إقرارها؛ لأنه حق عليها، ولا تهمة فيه، وإن كان المدعي اثنين: فمفهوم كلامه لا يقبل، وهو رواية، والأصح: يصح إقرارها، جزم به في "المنتهى" وغيره وإن أقاما بينتين: قدم أسبق النكاحين، فإن جهل فقول ولي، فإن جهل الولي: فسخا، ولا ترجيح بيد (١٩) (وإن أقر وليها) المجبر (بالنكاح): صحّ إقراره؛ (١٦) مسألة: إذا أقرّ رقيق بمال لشخص آخر، أو أقرّ بما يوجب مالًا كالجناية: فإن هذا الإقرار صحيح، ولا يؤخذ به إلّا بعد عتقه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الرقيق لا يملك شيئًا: عدم أخذه بما أقرّ به إلا بعد عتقه؛ لأن الرقيق وماله ملك لسيده. (١٧) مسألة إذا أقرّ رقيق بمال يخص مال تجارة قد أذن له سيده بمزاولتها: فإن هذا الإقرار صحيح ومقبول، ويؤخذ به حالًا،؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الإذن له بالتجارة: صحة إقراره به، ومؤاخذته به. (١٨) مسألة: إذا أقرّ رقيق بأنه ارتكب معصية توجب حدًا، أو أقرّ بطلاق، أو أنه قطع طرف فلان: فيصح إقراره، ويؤخذ به حالًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إمكان استيفاء ذلك من بدنه دون ماله: صحة إقراره ومؤاخذته به حالًا. (١٩) مسألة: إذا أقرّت امرأة على نفسها بنكاح واحد: فإنه يقبل إقرارها ذلك بشرط: عدم ادعاء اثنين لنكاحها، أما لو ادَّعى اثنان وقال كل واحد منهما: إنه زوجها: فلا يقبل إقرارها لواحد، فإن أقام كل واحد من الزوجين المدعين بيِّنة على أنه هو زوجها: فإنه يُقدَّم أسبق النكاحين تاريخًا، فإن جُهل التاريخ: فإنه يُقدَّم من صدَّقه وليها على ما قاله من تاريخ نكاحه لها، فإن جهل الولي ذلك: يجب فسخ النكاح كله، ولا يُرجَّح هنا بمن كانت تحت يده؛ للتلازم؛ حيث يلزم=

стр. 3180

لأن من ملك إنشاء شيء: ملك الإقرار به كالوكيل يملك عقد البيع الموكَّل فيه فيصح إقراره به (أو) أقرّ به الولي (الذي أذنت له) أن يزوجها: (صح) إقراره به؛ لأنه يملك عقد النكاح عليها فملك الإقرار به كالوكيل (٢٠)، ومن ادعى نكاح صغيرة بيده: فرَّق الحاكم بينهما، ثم إن صدقته إذا بلغت: قبل (٢١) (وإن أقرّ) إنسان (بنسب صغير، أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه: ثبت نسبه) ولو أسقط به وارثًا معروفًا: لأنه غير متهم في إقراره؛ لأنه لا حق للوارث في الحال فإن كان المقرّ به (ميتًا: ورثه) المقر (٢٢)، = من كون النكاح حقًّا لها، ولا توجد تهمة فيه: صحة إقرارها، ويلزم من ادِّعاء اثنين أنهما زوجان لها: عدم صحة إقرارها؛ لعدم جواز تزويج المرأة باثنين معًا، ويلزم من تقدم أحدهما بالنكاح في التاريخ: بطلان النكاح الثاني بالأول، ويلزم من جهل التاريخ: الرجوع إلى قول الولي، ويلزم من جهل الولي: فسخ النكاح كله، ويلزم من عدم ثبوت الحر تحت يد أحد: عدم ترجيح بيد. (٢٠) مسألة: إذا أقرّ ولي امرأة المجبر بالنكاح، أو أقرّ بنكاحها وليها الذي أذنت له أن يزوجها: فإن الإقرار في الصورتين يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوكيل يملك عقد البيع الموكَّل فيه يصح إقراره به، فكذلك الحال في هاتين الصورتين والجامع: أن كلا منهما يملك العقد. (٢١) مسألة: إذا ادَّعى شخص أنه نكح صغيرة تحت يده: فللحاكم أن يفرق بينهما، فإن صدَّقته إذا بلغت: فإن ذلك الادعاء يُقبل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم قبول المدَّعي بمجرَّده: أن يُفرِّق الحاكم بينهما عند عدم البيِّنة، ويلزم من تصديقها له عند بلوغها وعدم المانع من ذلك النكاح: قبول ما ادعاه، وأقرّ به. (٢٢) مسألة: إذا أقرّ شخص بأن ذلك الصغير، أو المجنون أنه ابنه: فإنه يثبت نسبه إلى ذلك الشخص بشرط أن يكون ذلك الصغير، أو المجنون مجهول النسب، وهذا يصح وإن كان ذلك المقرّ به مسقطًا لوارث: كأن يحجب وارثًا كان سيرث لولاه ويرثه المقرّ إن كان المقرّ به ميتًا؛ للتلازم؛ حيث إن المقرّ غير متهم في إقراره؛ لعدم=

стр. 3181

وشرط الإقرار بالنسب: إمكان صدق المقر (٢٣)، وأن لا وأن لا ينفي به نسبًا معروفًا (٢٤)، وإن كان المقر به مكلفًا: فلا بد أيضًا من تصديقه (٢٥) (وإن ادَّعى) إنسان (على شخص) مكلَّف (بشيء فصدَّقه: صح) تصديقه، وأخذ به؛ لحديث: "لا عذر لمن أقر" (٢٦) والإقرار: يصح بكل ما أدَّى معناه كصدقت، أو نعم، أو: أنا مقرّ بدعواك، أو: أنا مقرّ فقط، أو خذها، أو اتزنها، أو اقبضها، أو احرزها ونحوه، لا إن قال: أنا أقرّ، أو لا أنكر، أو يجوز أن تكون محقًا، ونحوه (٢٧). = استحقاق الوارث الاعتراض على ذلك في حالة حياة المقرّ فيلزم من ذلك: صحة الإقرار، ويلزم من صحة ذلك: أن يرث المقرُّ به المقرَّ، وأن يرث المقرُّ المقرَّ به. (٢٣) مسألة: يُشترط في صحة الإقرار بالنسب: إمكان صدق المقرّ بأن لا يكذبه الحس والواقع، فلو أقرَّ شخص بأن زيدًا ابنه مع أن زيدًا أكبر سنًا من المقرّ: لما قُبل ذلك الإقرار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تكذيب الحس والواقع: عدم صحة الإقرار؛ لوجود ما يكذبه. (٢٤) مسألة: يُشترط في صحة الإقرار بالنسب: أن لا ينفي بذلك الإقرار نسبًا معروفًا: كأن يكون المقرّ به معروف أنه ابن فلان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من معرفة نسبه: عدم صدق الإقرار به إلّا ببيِّنة تقوى على إزالة النسب المعروف به. (٢٥) مسألة: يُشترط في صحة الإقرار بنسب المكلَّف: أن يُصدَّق ذلك المكلَّف المقرّ على ذلك الإقرار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تكليفه وإدراكه: أن يعتبر تصديقه للمقر، أو عدم ذلك. (٢٦) مسألة: إذا ادَّعى زيد على عمرو بشيء فصدَّقه عمرو: فإن ذلك التصديق يصح، ويؤخذ به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تصديقه بعد الدعوى عليه: صحة ذلك؛ لبعد احتمال عدم التصديق. (٢٧) مسألة: الإقرار يصح بكل عبارة تؤدي إلى معناه والمقصود منه. مثل: "صدقت" أو "نعم" أو "أنا مقر" فقط، أو "أنا مقرّ بدعواك" أو "خذها" أو "اتزنها" أو=

стр. 3182

(فصل): (وإذا وصل بإقراره ما يسقطه مثل: أن يقول: له علي ألف لا تلزمني ونحوه) كله عليّ ألف من ثمن خمر، أو له علي ألف مضاربة، أو وديعة تلفت: (لزمه الألف)؛ لأنه أقرّ به، وادّعى منافيًا ولم يثبت فلم يقبل منه (وإن قال): له عليّ ألف وقضيته، أو برئت منه أو قال: (كان له علي) كذا (وقضيته) أو برئت منه: (فقوله) أي: قول المقر (بيمينه) ولا يكون مقرًا، فإذا حلف: خُلِّي سبيله؛ لأنه رفع ما أثبته بدعوى القضاء متصلًا فكان القول قوله (ما لم تكن) عليه (بينة) فيعمل بها (٢٨) (أو يعترف بسبب الحق) من عقد، أو غصب أو غيرهما، فلا يقبل قوله في الدفع، أو البراءة إلا ببينة؛ لاعترافه بما يوجب الحق عليه (٢٩)، ويصح استثناء النصف فأقل في = " اقبضها" أو "احرزها" ونحو ذلك من العبارات المفهمة للإقرار، أما العبارة التي فيها تشكيك أو تردد أو عدم قطع كقوله: "أنا أقرّ" أو "لا أنكر" أو "يجوز أن تكون محقًا" أو "لعلّك محقًا" أو "عسى أن تكون محقًا" أو "أظنك صادقًا" أو "أحسب" فلا يصح الإقرار بها؛ للتلازم؛ حيث إن العبارة التي لا احتمال فيها يلزم صحة الإقرار بها، ويلزم من العبارة المتردَّد فيها: الشك في الإقرار، والشك لا تُبنى عليه أحكام. (٢٨) مسألة: إذا وصل المقرّ بإقراره كلامًا - يظن أنه يسقط ما أقرّ به كأن يقول - زيد لعمرو: "عليّ ألف درهم لا تلزمني؛ لكونها قد تلفت" أو قال: "له عليّ ألف، وقضيته إياها، أو برئت منه": فيجب على زيد أن يدفع لعمرو ألفًا في الصورة الأولى، ويُقبل قوله في الصورة الثانية مع يمينه أنه قضاه حقه فإذا حلف: خلِّي سبيله، وإن نكل: وجب عليه أن يدفع ألفًا لعمرو إذا لم تكن بيِّنة عليه؛ للتلازم؛ حيث إنه في الصورة الأولى أقرّ بالألف وادّعى منافيًا لم يثبت فلزم منه: عدم قبول قوله، فوجب دفعه إلى عمرو، ويلزم من رفعه ما أثبته في الصورة الثانية بدعواه القضاء متصلًا: أن يقبل قوله مع التأكيد باليمين؛ لاحتمال كذبه. (٢٩) مسألة: إذا اعترف شخص بأن عليه ألفًا بسبب: كعقد، أو غصب، أو وديعة=

стр. 3183

الإقرار: فله على عشرة إلا خمسة: يلزمه خمسة، وله هذه الدار، ولي هذا البيت يصح، ويقبل ولو كان أكثرها (٣٠) (وإن قال: له عليّ مائة، ثم سكت سكوتًا يمكنه الكلام فيه، ثم قال: زيوفًا) أي: معيبة (أو مؤجلة: لزمه مائة جيدة حالة)؛ لأن الإقرار حصل منه بالمائة مطلقًا، فينصرف إلى الجيد الحال، وما أتى به بعد سكوته لا يُلتفت إليه؛ لأنه يرفع به حقًّا لزمه (٣١) (وإن أقرّ بدين مؤجَّل): بأن قال - بكلام = أو نحو ذلك، وادَّعى بأنه قد دفع ذلك الألف أو أبرأه صاحبه منه: فلا تقبل دعواه تلك إلّا ببيِّنة يثبتها على أنه دفعه، أو أبرأه منها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اعترافه بذلك: وجوب الحق عليه، ويلزم من وجوب ذلك الحق: عدم زواله ورفعه إلّا ببيِّنة تثبت ذلك. (٣٠) مسألة إذا أقرّ زيد بأن عليه لعمرو مالًا فلا يجوز له أن يستثني منه الأكثر ولا النصف، فلو قال: "له على عشرة إلّا ستة أو إلّا خمسة": فإن المقرّ تلزمه العشرة كاملة أما لو استثنى الأقل فقال: "له عليّ عشرة إلّا أربعة" فإن المقرّ يلزمه أن يدفع ستة؛ للاستقراء؛ وهو من وجهين: أولهما: حيث إنه ثبت بعد تتبّع واستقراء أهل اللغة أن استثناء الأكثر، أو النصف يُعتبر عيًا ولكنة، قال ابن جني: ولو قال قائل: "علي مائة إلّا تسعين": ما كان متكلمًا بالعربية، وقال مثل ذلك القتبي، وابن درستويه، والزجاج، ثانيهما: أنه بعد استقراء وتتبّع كلام العرب وجد أن الاستثناء قد جرى في كلامهم على خلاف الأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما كان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقرّ به: أجيز استثناء القليل؛ لدفع الضرر، وأما الأكثر، أو النصف فلا يعقل أن يغفل عنه الإنسان، وقد أطلت الكلام في ذلك في كتابي: "المهذب في علم أصول الفقه (٤/ ١٦٨٤ إلى ١٦٩٢)، وأجبتُ فيه عن أدلة القائلين بجواز ذلك، ومنهم المصنف هنا، وسبب الخلاف هو: ما ذكرته من اختلافهم في الأصل. (٣١) مسألة: إذا قال زيد مقرًّا: "لعمرو عليّ مائة درهم" فسكت سكوتًا يمكنه الكلام=

стр. 3184

متصل -: "له علي مائة مؤجَّلة إلى كذا" (فأنكر المقر له الأجل) وقال: هي: حالَّة: (فقول المقر مع يمينه) في تأجيله؛ لأنه مقرّ بالمال بصفة التأجيل، فلم يلزمه إلّا كذلك، وكذا: لو قال: ثمن مبيع، ونحوه، ولو قال له علي ألف مغشوشة، أو سود: لزمه كما أقر (٣٢) (وإن أقرّ أنه وهب) وأقبض (أو) أقرّ أنه (رهن وأقبض) ما عقد عليه (أو أقر) إنسان (بقبض ثمن أو غيره) من صداق، أو أجرة، أو جعالة ونحوها (ثم أنكر) المقر الإقباض، أو (القبض، ولم يجحد الإقرار) الصادر منه (وسأل إحلاف خصمه) على ذلك: (فله ذلك) أي: تحليفه، فإن نكل: حلف هو، وحكم له؛ لأن العادة جارية بالإقرار بالقبض قبله (٣٣) (وإن باع شيئًا، أو وهبه، أو أعتقه، ثم أقرّ) = فيه، ثم قال بعد ذلك: "معيبة، أو رديئة، أو مؤجَّلة": فيجب على المقرّ أن يدفع لعمرو مائة درهم جيدة حالَّة؛ للتلازم؛ حيث إن الصفة يجب أن تكون واقعة بعد الموصوف مباشرة دون فصل، فيلزم من تأخيره للصفة وهي كونها معيبة مؤجلة بدون عذر: أن يقع الموصوف على المعهود، وهو: كون المائة جيدة حالَّة فوجبت على زيد دفعها، ولا يُلتفت إلى ما قاله بعد ذلك من الصفة - وهي معيبة مؤجَّلة - لكونه ادعاء يرفع حقًّا قد قد لزمه سابقًا. (٣٢) مسألة: إذا أقرّ زيد بدين مؤجل قائلًا: "لعمرو عليّ مائة مؤجَّلة إلى سنة" فأنكر المقرّ له - وهو عمرو - قائلًا: "هي حالَّة":، أو قال المقرّ - وهو زيد -: "لعمرو عليّ مائة ثمن مبيع، أو ضمان، أو صداق، أو نحو ذلك، أو قال المقرّ - وهو زيد -: "لعمرو علي مائة مغشوشة، أو سود" ونحو ذلك: فإنه يُقبل قول المقرّ هنا في تلك الصور الثلاث مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره بتلك الصفة - وهي: التأجيل، وكونها ثمن مبيع، وكونها مغشوشة - وهو غارم: أن يقبل قوله مع يمينه. (٣٣) مسألة: إذا أقرّ زيد أنه وهب عمرًا دارًا وأقبضها إياه، أو أقرّ هو بأنه رهن شيئًا وأقبض ما عقد عليه، أو أقرّ بقبض ثمن، أو صداق، أو أجرة، أو جعالة، ثم=

стр. 3185

البائع، أو الواهب، أو المعتق (أن ذلك) الشيء المبيع، أو الموهوب، أو المعتق (كان لغيره: لم يقبل قوله)؛ لأنه إقرار على غيره (ولم ينفسخ البيع ولا غيره من الهبة والعتق (ولزمته غرامته) للمقرّ له؛ لأنه فوَّته عليه (٣٤) (وإن قال: لم يكن) ما بعته، أو وهبته ونحوه (ملكي، ثم ملكته بعد) البيع ونحوه (وأقام بينة) بما قاله: (قُبلت) بينته (٣٥) (إلا أن يكون قد أقرّ أنه ملكه أو) قال (إنه قبض ثمن ملكه) فإن قال ذلك: = أنكر ذلك المقرّ - وهو زيد - القبض، ولكنه لم يجحد الإقرار الصادر منه، ولا توجد بيِّنة على ذلك، وطلب إحلاف خصمه - وهو المقرّ له وهو عمرو - على ذلك: فله تحليفه، فإن نكل ذلك الخصم - وهو عمرو - فإن زيدًا يحلف هو، ثم يحكم له على ما قال؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نكول خصمه عن اليمين: أن يحلف هو، ويحكم له، وقد جرت العادة بذلك. (٣٤) مسألة: إذا باع زيد عبدًا على عمرو، أو وهبه له، أو أعتقه، ثم أقرّ زيد - البائع، والواهب، والمعتق -: أن ذلك العبد كان لغيره: فلا يقبل قوله - أي: لا يقبل قول زيد -، والبيع والهبة، والعتق لا ينفسخ بسبب قوله هذا، وإن أخذه ذلك الغير: فيجب على زيد أن يغرمه ويدفع ثمنه لعمرو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره على غيره: عدم قبول ذلك إلّا ببيِّنة، ويلزم من صحة البيع، والهبة، والعتق: عدم انفساخها بقوله، ويلزم من ذلك: تغريم زيد بثمن العبد للمشتري، والموهوب له، والمعتق؛ لأنه فوّته عليه من غير وجه حق. (٣٥) مسألة إذا باع زيد عبدًا على عمرو، أو وهبه له، أو أعتقه، ثم قال - أي: زيد -: لم يكن ما بعته أو وهبته، أو أعتقته ملكي حين البيع، أو الهبة أو العتق، لكني ملكته بعد البيع، أو الهبة أو العتق: فإن ذلك القول يُقبل منه بشرط: أن يثبت على قوله هذا بيِّنة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك دعوى فيلزم عدم قبولها إلّا ببيِّنة.

стр. 3186

(لم يُقبل) منه بيِّنة؛ لأنها تشهد بخلاف ما أقرّ به، وإن لم يقم بيِّنة: لم يقبل مطلقًا (٣٦)، ومن قال: (غصبتُ هذا العبد من زيد، لا بل من عمرو "أو" غصبته من زيد، وغصبه هو من عمرو" أو قال: "هو لزيد، بل لعمرو": فهو لزيد، ويغرم قيمته لعمرو (٣٧). (فصل): في الإقرار بالمجمل، وهو ما احتمل أمرين فأكثر على السواء، ضد المفسَّر (إذا قال) إنسان: (له): أي: لزيد مثلًا (عليّ شيء أو) قال له عليّ (كذا) أو كذا كذا، أو كذا وكذا، أو: له عليّ شيء وشيء: (قيل له) أي: للمقرّ: (فسِّره) أي: فسِّر ما أقررت به؛ ليتأتّى إلزامه به (فإن أبى) تفسيره (حُبس حتى يُفسره)؛ (٣٦) مسألة: إذا أقرّ زيد أن ما باعه، أو وهبه، أو أعتقه أنه ملكه، أو أنه قبض ثمن ملكه: فلا يقبل منه ذلك إلا ببيِّنة، وإن لم يقم بيِّنة على ذلك: لا يقبل كلامه مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دعواه تلك: أن لا تثبت إلّا ببيِّنة. (٣٧) مسألة: إذا قال بكر: "غصبت هذا الجمل من زيد لا بل من عمرو" أو قال: "هو لزيد، بل لعمرو": فإن الجمل يكون ملكًا لزيد في الصورتين؛ ويغرم قيمته لعمرو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره لهما في ذلك: أن يكون الجمل لزيد، وإعطاء عمرو قيمته؛ لكونه حقًّا لآدمي، ولا يُقبل رجوعه عنه. [فرع]: إذا قال: "غصبتُ ذلك الجمل من زيد، وغصبه هو من عمرو": فإن الجمل يكون لزيد، ولا يغرم قيمته لعمرو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره بالغصب من زيد: تضمّنه كونه ملكًا له، ويلزم من قوله: "وغصبه زيد من عمرو": عدم تغريمه ثمنه ودفعه لعمرو؛ لأنه إنما كان شاهدًا له به فإن قلت: إنه يغرم قيمته لعمرو في هذه الصورة، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك؛ لأن بكرًا مجرد شاهد على أن زيدًا قد غصب الجمل من عمرو فقط، والشاهد لا يغرم شيئًا.

стр. 3187

لوجوب تفسيره عليه (٣٨) (فإن فسَّره بحق شفعة أو) فسَّره (بأقل مال: قبل) تفسيره، إلا أن يكذبه المقرّ له، ويدعي جنسًا آخر، أو لا يدعي شيئًا، فيبطل إقراره (٣٩) (وإن فسَّره) أي: فسَّر ما أقرّ به مجملًا (بميته أو خمر) أو كلب لا يُقتنى (أو) بمال لا يتموَّل (كقشر جوزة) أو حبة بر، أو رد سلام، أو تشميت عاطس ونحوه: (لم يقبل) منه ذلك؛ لمخالفته لمقتضى الظاهر (٤٠) (ويُقبل) منه تفسيره (بكلب مباح نفعه)؛ لوجوب ردِّه (أو حدّ قذف)؛ لأنه حق آدمي كما مرّ (٤١)، وإن قال المقرّ: لا علم لي بما (٣٨) مسألة: إذا أقرّ زيد بشيء مجمل - وهو: ما احتمل شيئين لا مزية لأحدهما على الآخر - قائلًا: "لعمرو عليّ شيء" أو "له عليّ كذا وكذا" ونحو ذلك: فإنه يُقال لزيد - وهو المقرّ -: فسِّر ووضِّح ما أقررت به؛ لأجل أن تلزم به، فإن أبى أن يُفسِّره: فإنه يُحبس حتى يُفسِّره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صحة الحكم بالمجهول: وجوب تفسير المقرّ به؛ ليقصد بعينه، ويطالب به. (٣٩) مسألة: إذا أقرّ شخص بشيء مجمل لغيره، وفسَّره بأنه حق شفعة، أو فسَّره بأقل مال: فإن هذا التفسير يُقبل؛ إلا إذا كذَّبه المقرّ له، وادَّعى بشيء آخر، أو لم يدع شيئًا على زيد: فإن إقرار زيد يكون باطلًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون حق الشفعة حق واجب يؤول إلى المال، وأن الشيء يصدق عليه أقلّ مال: أن يقبل تفسيره هذا به، ويلزم من تكذيب المقرّ له: بطلان الإقرار؛ لكونه حقًّا له فأسقطه، أو ادّعى غيره. (٤٠) مسألة: إذا أقرّ شخص بشيء مجمل لغيره، وفسَّر ما أقرّ به بما لا يُتموَّل كخمر، أو ميتة، أو آلة طرب، أو كلب لا يُقتنى، أو نحو ذلك مما لا مال له في الإسلام: فإن ذلك التفسير لا يُقبل منه؛ للتلازم؛ حيث إن تفسيره مخالف لمقتضى الظاهر مما أقرّ به فيلزم عدم قبوله؛ لوجود التناقض. (٤١) مسألة: إذا أقرّ شخص بشيء مجمل لغيره، وفسَّره بكلب مباح نفعه، ويُقتنى مثل: كلب صيد، أو ماشية، أو زرع، أو فسِّره بحد قذف: فإن تفسيره ذلك=

стр. 3188

أقررت به: حلف إن لم يصدقه المقرّ له، وغرّم له أقل ما يقع عليه الاسم (٤٢)، وإن مات قبل تفسيره: لم يؤاخذ وارثه بشيء، ولو خلَّف تركة؛ لاحتمال أن يكون المقرّ به حدّ قذف (٤٣)، وإن قال: "له علي مال" أو "مال عظيم، أو خطير، أو جليل" ونحوه: قبل تفسيره بأقل متموّل حتى بأم ولد (٤٤) (وإن قال) إنسان على إنسان: (له عليّ = يُقبل منه؛ للتلازم؛ حيث إن الكلب المنتفع به، وحد القذف حق لآدمي فيلزم قبول تفسيره به. (٤٢) مسألة: إذا أقرّ شخص بشيء مجمل لغيره، وطولب بتفسيره، فقال ذلك المقرّ: "لا علم لي بما أقررتُ به": فيجب عليه أن يحلف يمينًا على أنه فعلًا لا يعلمه إذا لم يصدقه المقرّ له، وبعد حلفه يجب أن يدفع للمقر له أقل ما يُطلق عليه الاسم من المال، أما إن صدَّقه المقرّ له: فلا يجب على المقرّ دفع شيء؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أوصى بشيء لفقير فإنه يُعطى الفقير أقل ما يُطلق عليه الاسم من المال فكذلك الحال هنا. (٤٣) مسألة إذا أقرّ شخص بشيء مجمل لغيره، ومات ذلك الشخص قبل تفسير ذلك: فلا يجب أن يؤخذ من تركته شيء من المال ولا يطالب ورثته بشيء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من احتمال أن يكون المقرّ به حد قذف: عدم مطالبة ورثته بشيء، أو الأخذ من تركته. (٤٤) مسألة: إذا أقرّ شخص بشيء مجمل لغيره، ووصفه بأنه مال عظيم، أو خطير، أو جليل، أو نفيس، أو عزيز: فإنه يُرجع إلى عرف المتكلم، فيُفسَّر بما جرت عادته وعرفه عليه، فيحمل مطلق كلامه على محتملاته، للعرف والعادة؛ حيث إن ذلك يُرجع في العادة إلى عادة وعُرف المتكلِّم في شؤونه الخاصة، فإن قلتَ: إنه هنا يُقبل تفسيره بأقل متموّل، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف الناس في العظيم، والخطير ونحوهما من الأوصاف: أن يُفسَّر بأقل متموَّل؛ لأن الحقير عند بعض الناس قد يكون عظيمًا عند آخرين قلتُ: هذا غير=

стр. 3189

ألف: رجع في تفسير جنسه إليه) أي: إلى المقرّ؛ لأنه أعلم بما أراده (٤٥): (فإن فسَّره بجنس) واحد من ذهب، أو فضة، أو غيرهما (أو) فسَّره (بأجناس: قبل منه) ذلك؛ لأن لفظه يحتمله (٤٦)، وإن فسَّره بنحو كلاب: لم يُقبل (٤٧)، وله عليّ ألف ودرهم، أو ثوب ونحوه، أو دينار وألف، أو ألف وخمسون درهمًا، أو خمسون وألف درهم، أو ألف إلّا درهم: فالمجمل من جنس المفسَّر معه (٤٨)، وله في هذا العبد شرك، أو = مسلَّم؛ لأن صفة العظيم، أو الخطير ونحوهما تدلّان على الكثرة؛ إذ لا يُقبل من الملك والخليفة ونحوه تفسيره بأدنى متموَّل، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في صفة العظيم والخطير ونحوهما هل يختلفان باختلاف الناس أو لا؟ ". (٤٥) مسألة: إذا أقرّ شخص قائلًا: "له عليّ ألف" فإنه يُرجع في تفسير جنسه إلى المقرّ نفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علمه بما أراده من الألف: أن يُرجع في تفسيره إليه، دون غيره؛ لاحتمال أن المراد بالألف: ألف درهم، أو ألف دينار. (٤٦) مسألة: إذا أقرّ شخص قائلًا: "له عليّ ألف" وفسَّره بجنس واحد كقوله: "ألف ذهب" أو "ألف فضة" أو "ألف درهم" ونحو ذلك، أو فسَّره بأجناس كقوله: "خمسمائة ذهب، وخمسمائة فضة": فإن هذا التفسير يُقبل منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لفظه يحتمل ما فسَّره به: أن يقبل تفسيره به. (٤٧) مسألة: إذا أقرّ شخص قائلًا: "له عليّ ألف" وفسَّره بقوله: "له عليّ ألف كلب": فإن تفسيره هذا لا يقبل: سواء كانت مباحة الاقتناء أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بعد هذا التفسير عن الظاهر: عدم قبول هذا التفسير. (٤٨) مسألة: إذا أقرّ شخص فقال: "له على ألف ودرهم" أو: "له عليّ ألف وثوب" ونحوه، أو: "له عليّ دينار، وألف" أو "له عليّ ألف وخمسون درهمًا" أو "له عليّ خمسون وألف درهم" أو "له عليّ ألف إلّا درهم": فإن المجمل من الأعداد =

стр. 3190

شركة، أو هو لي وله، أو هو شركة بيننا، أو له فيه: سهم رجع في تفسير حصة الشريك إلى المقرّ (٤٩)، وله عليّ ألف إلّا قليلًا يحمل على ما دون النصف (٥٠) (وإن قال) المقرّ عن إنسان: (له عليّ ما بين درهم وعشرة: لزمه ثمانية)؛ لأن ذلك هو مقتضى لفظه (٥١) (وإن قال) له عليّ (ما بين درهم إلى عشرة أو) قال: له عليّ (من = السابقة يُفسَّر بجنس من جنس المفسَّر معه، ولو فسَّره بغير ذلك: فإنه لا يقبل منه ذلك، فيكون عليه: ألف درهم ودرهم، وعليه: ألف ثوب، وثوب، وعليه: ألف دينار ودينار، وعليه: ألف درهم وخمسون درهمًا، وعليه: خمسون درهمًا وألف درهم، وعليه: تسعمائة وتسع وتسعون درهمًا، وهكذا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من ذكر مبهم مع مفسَّر: أن يُفسَّر المبهم بجنس من جنس المفسَّر. (٤٩) مسألة إذا أقرّ زيد فقال: "لعمرو في هذا العبد شرك أو شراكة" أو قال: "هذا العبد لي ولعمرو" أو قال: "هذا العبد شركة بيني وبين عمرو" أو قال: "لعمرو في هذا العبد سهم": فإنه يُرجع في تفسير حصة عمرو إلى المقرّ نفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقراره بشيء مجمل، وعدم علم ذلك من غيره: أن يرجع في علم ذلك إلى تفسير المقرّ، دون غيره. (٥٠) مسألة: إذا أقرّ زيد قائلًا: "لعمرو عليّ ألف إلّا قليلًا" أو "لعمرو عليّ ألف إلا شيئًا": فإنه يُرجع في تفسير ذلك القليل، أو الشيء إلى المقرّ نفسه، فإن لم يُفسِّره: فإن القليل، والشيء يحملان على ما دون نصف الألف كأربعمائة وما دونها، فيلزمه أكثر من النصف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلفّظه بالقليل، أو الشيء: أن يُفسَّر بأقل من النصف؛ لاقتضاء لفظه ذلك. (٥١) مسألة: إذا أقرّ زيد قائلًا: "لعمرو عليّ ما بين درهم وعشرة": فيجب عليه أن يدفع لعمرو ثمانية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلفظه بذلك: إيجاب الثمانية عليه؛ لكونها هي التي بين العشرة والدرهم.
следующие страницы →