← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قلب منفرد) أو مأموم (فرضه نفلًا في وقته المتَّسع: جاز)؛ لأنه إكمال في المعنى كنقض المسجد للإصلاح، لكن يكره لغير غرض صحيح مثل: أن يحرم منفردًا فيُريد الصلاة في جماعة، ونص أحمد - فيمن صلى ركعة من فريضة منفردًا، ثم حضر الإمام وأقيمت الصلاة -: "يقطع صلاته ويدخل معهم" (١٤٦) فيتخرَّج منه: قطع صحيحة، ولا يلتفت إلى هذا الشك؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه لا يُلتفت إلى الشك بعد الفراغ من أي عبادة سواء كانت صلاةً أو وضوءًا أو صيامًا، أو غيرها، ومستند هذا الإجماع: الاستصحاب؛ لأن الأصل: أن ينوي وأن يُكبِّر تكبيرة الإحرام، فيُستصحب ذلك ويعمل به ولا يؤثر عليه الشك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس، إذ لو عمل كلٌّ شخص بما يشكُّ فيه: لَلَحق كثيرًا من الناس الضِّيق والمشقَّة ولاضطربت حياته. (١٤٦) مسألة: إذا نوى صلاة الفرض ودخل فيها، ثم في أثنائها نوى قلب الفرض إلى نافلة: فإن هذا يصح، وتكون له نافلة إذا كان الوقتُ متسعًا بحيث يبقى وقت لصلاة الفرض مرة ثانية، لكن هذا الفعل يكره لغير غرض صحيح كأن يحرم بالفرض منفردًا، ثم يرى الإمام داخلًا، فينويها نافلة ويكملها خفيفة، ثم يُسلِّم، ويدخل مع الجماعة فهذا جائز بلا كراهة، أما قلب الفرض نافلة لغير مقصد صحيح فهو مباح مع الكراهة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما يجوز هدم المسجد لأجل إصلاحه، فكذلك يجوز قلب الفرض نفلًا والجامع: أن كلًّا منهما فيه وصف العبادة الكاملة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل أجر الجماعة -؛ حيث إنها تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة - كما ثبت في الحديث -، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: لكون نية عمل الطاعة لم تبطل؛ حيث إن نية النفل تدخل في نية الفرض؛ لكون الفرض: نفل وزيادة، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك إن لم يكن له غرض صحيح؟ قلتُ: لأنه يقرب =

стр. 422

النافلة بحضور الجماعة بطريق الأولى (١٤٧) (وإن انتقل بنية) من غير تحريمه (من فرض إلى فرض) آخر: (بطلا)؛ لأنه قطع نية الأول، ولم ينو الثاني من أوله (١٤٨) وإن نوى الثاني من أوله بتكبيرة إحرام: صح (١٤٩)، وينقلب: من العبث، تنبيه: قوله: "فإنه يقطعها ويدخل معهم" قلتُ: هذا على غير المشهور عن أحمد، أما المشهور عنه: فهو يقلبها نافلة ثم يُكملها خفيفة أو يقطعها، ثم يدخل مع الجماعة لصلاة الفرض وهو الصحيح؛ للمصلحة كما سبق. (١٤٧) مسألة: إذا دخل مسلم في صلاة نافلة، ثم أقيمت جماعة لصلاة الفرض: فإنه يُتمها خفيفة إن أمكن وإن لم يمكن: قطعها ودخل مع الجماعة؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للمنفرد أن يقلب فرضه نفلًا، ثم يُتم النفل سريعًا أو يقطعها، فمن باب أولى أنه إذا دخل نافلة أصلًا: أن يفعل ذلك والجامع: تحصيل ثواب صلاة الجماعة في كل، تنبيه: قوله: "فيتخرَّج عنه" يقصد: أن قول الإمام أحمد: "إن المنفرد الداخل في فريضة يقطعها لأجل الجماعة" يستنبط منه: أن قطع النافلة لأجل صلاة الفرض مع الجماعة أولى من قطع الفريضة، وهذا بناء على الرواية غير المشهورة - كما سبق -. (١٤٨) مسألة: إذا نوى بصلاته التي أحرم بها أنها صلاة العصر، ثم تذكّر في أثنائها أنه لم يُصلِّ الظهر، فنوى أن هذه الصلاة التي يصليها الآن أنها الظهر من غير تكبيرة الإحرام للظهر: فإن هذه الصلاة لا تصح عن أي واحدة منهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطع نية صلاة العصر: بطلانها، ويلزم من عدم نية صلاة الظهر من أول تكبيرة الإحرام: بطلانها، فتكون النية فاسدة في العصر، ومعدومة في الظهر، ولا صلاة بلا نية. (١٤٩) مسألة: إذا دخل في صلاة العصر - وهو: الفرض الأول - ثم نوى بتلك الصلاة أنها صلاة الظهر - وهو: الفرض الثاني - بتكبيرة الإحرام للظهر: فإن =

стр. 423

نفلًا ما بان عدمه كفائتة، فلم تكن، وفرض لم يدخل وقته (١٥٠) (ويجب) للجماعة (نية) الإمام (الإمامة و) نية المأموم (الائتمام)؛ لأن الجماعة يتعلق بها أحكام، وإنما يتميزان بالنية فكانت شرطًا: رجلًا كان المأموم أو امرأة، وإن اعتقد كل منهما أنه إمام الآخر أو مأمومه: فسدت صلاتهما كما لو نوى إمامة من لا يصح أن يؤمُّه، أو شك في كونه إمامًا أو مأمومًا (١٥١)، ولا يشترط تعيين الإمام ولا الصلاة تصح ظهرًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو نوى صلاة الظهر ثم كبر لها تكبيرة الإحرام، دون أن يتقدم ذلك إحرام بغيرها فإنه يصح: فكذلك الحال هنا، والجامع: وجود النية في موضعها في كل. (١٥٠) مسألة: إذا نوى صلاة فرض وبعد الدخول فيها تبيَّن عدم دخول وقتها، أو ظن أن عليه فائتة من الفروض، فلما دخل فيها تذكر أنه قد صلَّاها فإنه يكمل تلك الصلاة وتكون منقلبة إلى نفل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صلاحيتها لتكون فرضًا: انقلابها لتكون نفلًا، ونية الفرض تكفي عن نية النفل؛ لأن الفرض: نفل وزيادة. (١٥١) مسألة: إذا أراد زيد وبكر أن يصليا جماعة، وكان بكر إمامًا، وزيد مأمومًا: فإنه يشترط أن ينوي بكر أنه إمام، وأن ينوي زيد أنه مأموم قبل الدخول في تلك الصلاة، فلو لم ينويا ذلك، أو نوى كل واحد منهما أنه إمام للآخر في نفس الصلاة: فإن صلاتهما باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن كلًّا من الإمامة والائتمام يشترط له النية؛ لتمييز أحدهما عن الآخر، وليُعرف كل واحد منهما بأحكامه فيلزم من ذلك أن ينوي كل واحد من الإمام والمأموم حالته التي هو فيها، ويلزم من عدم ذلك: عدم صحة هذه الإمامة والائتمام مما يلزم منه: عدم صحة الجماعة؛ لفقدان شرطها كما أن الأمي لا يجوز أن ينوي أنه إمام لقاريء ولا يجوز للفاسق أن ينوي أن يكون إمامًا للعدل، فكذلك لا ينوي بكر أنه =

стр. 424

المأموم (١٥٢) ولا يضر جهل المأموم ما قرأ به إمامه (١٥٣)، وإن نوى زيد الاقتداء بعمرو، ولم ينو عمرو الإمامة صحَّت صلاة عمرو وحده (١٥٤)، وتصح نية الإمامة ظانًا حضور مأموم، لا مأموم مع أنه إمام، ولا ينوي زيد أنه إمام مع أنه مأموم بجامع: عدم صحة الإمامة والائتمام، فإن قلتَ: لمَ اُشترط ذلك؟ قلتُ: لإعطاء كل حالة أحكامها التي تستحقها: فالمأموم يجب عليه الاتباع، ويسقط عنه السهو، وتفسد صلاته بسبب فساد صلاة إمامه بخلاف الإمام، فنظرًا لهذا الاختلاف وغيره: جُعل لكل واحد نيته الخاصة به والتي لا تصلح للآخر. (١٥٢) مسألة: لا يشترط في صحة الإمامة والائتمام تعيين إمام بعينه، ولا تعيين مأموم بعينه؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم إذا صلى خلف من يصلي بالناس: صحَّت صلاته، والإمام إذا صلى وراءه الناس: صحَّت إمامته بدون تعيين مسبق، فيلزم من ذلك: عدم اشتراط تعيينهما. (١٥٣) مسألة: إذا جهل المأموم الآيات التي قرأ بها إمامه ولم يتذكرها - في الصلاة الجهرية -: فإن صلاته تصح؛ للتلازم؛ حيث إن معرفة المأموم لما قرأ إمامه لا يشترط في صحة صلاته: فيلزم من عدم اشتراط المعرفة: صحتها. (١٥٤) مسألة: إذا نوى عمرو الانفراد ودخل في الصلاة فجاء زيد واقتدى بعمرو ونوى أن يكون له مأمومًا: فإن صلاة عمرو صحيحة، وصلاة زيد باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن عمرو لم ينو الإمامة من أول صلاته ففقد شرطًا من شروط الإمامة - كما قلنا في مسألة (١٥١) - فلزم عدم صلاحيته إمامًا لزيد، ويلزم من هذا اللازم: أن صلاة زيد باطلة؛ لكونه جعل نفسه مأمومًا لإمام لم ينو الإمامة من أول صلاته، ويلزم من نية عمرو الصلاة منفردًا في أولها: صحة صلاته: لوجود نيته وعدم تغييرها.

стр. 425

شاكًا (١٥٥) (وإن نوى المنفرد الائتمام) في أثناء الصلاة: (لم يصح)؛ لأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة سواء صلى وحده ركعة أو لا، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا (كـ) ما لا تصح (نية إمامته) في أثناء الصلاة إن كانت (فرضًا)؛ لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة، ومقتضاه: أنه يصح في النفل، وقدَّمه في "المقنع" و "المحرَّر"، وغيرهما؛ "لأنه ﷺ قام يتهجَّد وحده فجاء ابن عباس فأحرم معه فصلَّى به النبي ﷺ " متفق عليه، واختار الأكثر: لا يصح في فرض ولا نفل؛ لأنه لم ينو الإمامة في الابتداء وقدَّمه في "التنقيح" وقطع به في "المنتهى" (١٥٦) (وإن انفرد) أي: (١٥٥) مسألة: إذا نوى عمرو الإمامة وهو يغلب على ظنه حضور شخص معه، ثم حضر: فإن النية والصلاة تصح، وإن شك بحضوره - أي: تساوى الطرفان -: فإن النية لا تصح، وإن حضر أحد ودخل معه واتمَّ به؛ للتلازم؛ حيث إن الظن الغالب تُبنى عليه الأحكام ويُعمل به كما يُعمل بالمقطوع به فيلزم: الصحة، أما الشك فلا تُبنى عليه أحكام، ولا يُعمل به: فيلزم عدم الصحة. (١٥٦) مسألة: إذا نوى عمرو الانفراد، ودخل في الصلاة وفي أثنائها نوى أن يتبع زيدًا، فجعل عمرو نفسه مأمومًا لزيد أو نوى عمرو الانفراد في الصلاة فجاء زيد وانضم إليه فنوى عمرو في أثناء صلاته: أن يكون إمامًا لزيد: فإن صلاة عمرو في الحالتين لا تصح، سواء كانت صلاة فرض أو نفل؛ للتلازم؛ حيث إنه يشترط في الإمامة والائتمام أن تكون نيتهما الإمامة أو الائتمام في ابتداء الصلاة - كما سبق في مسألة (١٥١) - وتستمر إلى آخرها، وعمرو هنا لم ينو الائتمام بزيد، ولم ينو أن يكون إمامًا له من ابتداء الصلاة: فلزم بطلان الصلاة في الحالتين ولعدم استمرار النية التي كانت من أول الصلاة واختلافها، وهذا يكون في النفل كما كان في الفرض؛ لعدم الفارق بينهما في النية وهذا موافق =

стр. 426

نوى الانفراد (مؤتمٌ بلا عذر) كمرض وغلبة نعاس، وتطويل إمام: (بطلت) صلاته؛ لتركه متابعة إمامه، ولعذر: صحَّت (١٥٧) فإن فارق في ثانية جمعة لعذر: أتمّها للقواعد، فإن قلتَ: إن فعل عمرو في صلاة النافلة يصح، فتصح صلاته فيها وهذا قاله كثير من الحنابلة وغيرهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال ابن عباس: "كان النبي ﷺ يُصلِّي التَّهجد عند خالتي ميمونة فقمت إلى شقه الأيسر فأخذ بيدي وجعلني في الشق الأيمن" حيث انضم ابن عباس إلى النبي ﷺ في صلاة النافلة، فغيَّر نيته من كونه منفردًا إلى الإمامة فلو لم يكن جائزًا لما فعله النبي ﷺ ، قلتُ: يُحتمل أنه ﷺ كان يغلب على ظنه أن ابن عباس سينضم إليه؛ لعلمه بمبيته عند خالته ميمونة، فكانت نيته ﷺ الإمامة في ابتداء الصلاة، وهذا يصح - كما سبق في مسألة (١٥٥) -، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض ما يلزم من اشتراط نية الإمامة والائتمام مع السنة الفعلية في النفل" فعندنا: إن ذلك التلازم عام لكل صلاة، وعندهم: خاص في الفرض فقط وقويت السنة الفعلية على إخراج النفل منه. (١٥٧) مسألة: إذا صلى مسلم خلف إمام ونوى الائتمام، وفي أثناء صلاته نوى الانفراد فترك الجماعة وأكمل الصلاة لوحده: فإن كان ذلك بسبب عذر وغرض صحيح كأن يصاب بمرض أو نُعاس، أو تطويل إمام، أو غلبة قيء، أو بول أو غائط، أو خاف من فوات رفقة، أو خاف على مال أو ولد أو أهل، أو فوات أيِّ مصلحة: فإن صلاته صحيحة، أما إن فعل ذلك لغير عذر: فلا يصح، وتبطل صلاته، ويجب عليه أن يستأنفها؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن رجلًا كان يُصلِّي خلف معاذ، فتركه، وأكمل صلاته منفردًا؛ نظرًا لتطويل معاذ الصلاة، فلما علم النبي ﷺ بذلك أنكر على معاذ تطويله للصلاة ولم يأمر ذلك الرجل بإعادة الصلاة، فلو لم يجز ذلك؛ للعذر لما أقره عليه ﷺ ؛ لأنه لا يجوز =

стр. 427

جمعة (١٥٨) (وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه)؛ لعذر أو غيره (فلا استخلاف) أي فليس للإمام أن يستخلف من يُتمَّ بهم إن سبقه الحدث (١٥٩) ولا تبطل صلاة إمام ببطلان صلاة مأموم ويُتمُّها تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأعذار الأخرى كعذر التطويل؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، بجامع: دفع المفسدة في كلٍّ ويلزم من هذا: أنه لا يصح فعل ذلك لغير عذر؛ فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك بالعذر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من الرُّخص لدفع الضيق والمشقة فقد يعتري المسلم إذا دخل في صلاته أشياء لا يمكنه الصبر معه فرخَّص الشارع ذلك لقضاء ذلك، فإن قلتَ: كيف يصح ذلك مع إن فيه تغيير نية، وهذا لا يجوز كما سبق في مسألتي (١٥١ و ١٥٦)؟ قلتُ: الأصل عدم جواز تغيير النية، وعدم صحة الصلاة إذا غيَّرها، وإنما خولِف هذا الأصل؛ للعذر الذي ذكرناه، وهذا من باب الرُّخص كما رخَّص في أكل الميتة عند الاضطرار، وكما رخَّص في الأكل والشرب في نهار رمضان عند الضرورة والحاجة. (١٥٨) مسألة: إذا كان زيد مأمومًا في صلاة الجمعة، وصلى مع إمامه ركعة كاملة، وقام للركعة الثانية، وأراد زيد أن يفارق إمامه هنا ويُصلِّي منفردًا؛ لعذر طرأ عليه: فله ذلك، ويكملها جمعة فيُصلِّي زيد ركعة أخرى فقط؛ للقياس، بيانه: كما يجوز ذلك في جميع الصلوات - كما سبق في مسألة (١٥٧) - فكذا: يجوز في صلاة الجمعة والجامع: الفرضية في كل، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: لأن صلاة الجمعة تدرك بصلاة ركعة واحدة، أما إن فارق إمامه لغير عذر، أو قبل أن يصلي ركعة كاملة: فإنه لا يكملها جمعة، بل يصليها ظهرًا، وسيأتي في باب "الجمعة". (١٥٩) مسألة: إذا أحدث الإمام بسبب خروج ريح ونحوه، أو طرأ له عذر: فإن صلاة المأمومين لا تبطل، بل يستخلف هذا الإمام من المأمومين من يُتم الصلاة =

стр. 428

منفردًا (١٦٠) (وإذا أحرم إمام الحي) أي: الراتب (بمن) أي: بمأمومين (أحرم بهم عنه؛ لإجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن عمر لما طُعن في صلاة الفجر أمر عبد الرحمن بن عوف بأن يصلي بالناس ويكملها لهم، ولم ينقل أنه استأنفها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة هذا الفعل، فإن قلتَ: لمَ لا تبطل صلاة المأمومين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإمام قد بطلت صلاته لعذره، ولم يوجد هذا عند المأمومين ولم يكن بطلان صلاة الإمام بحدث من مبطلات الصلاة، ثم إن تغير نية الذي أمَّ الناس بعد أن كانت نيته أنه مأموم يصح؛ لوجود العذر، وهو وجود الحدث عند إمامه كما قلنا في انفراد المأموم عن الإمام في مسألة (١٥٧)، فإن قلتَ: تبطل صلاة المأمومين بذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا، وعلى هذا: فلا استخلاف؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به" حيث إن هذا قد دلَّ على أن المأموم يتبع الإمام في كل شيء، ومن ذلك: أنه إذا بطلت صلاة الإمام فإن صلاة المأموم تبطل؛ نظرًا لهذه التبعية، قلتُ: إن المتابعة الواجبة هي: في الركوع والسجود والانصراف ونحو ذلك مما ورد فيه النص لصلة المأموم بها، أما بطلان صلاة الإمام بحدث فلا يتابعه المأموم على ذلك؛ لأنه لا صلة لذلك بالمأموم لا من قريب ولا من بعيد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد بالمتابعة هل هي في كل شيء، أم بشيء مخصوص؟ " فعندنا: بشيء مخصوص وهي الركوع والسجود والانصراف، وعندهم: في كل شيء. (١٦٠) مسألة: إذا بطلت صلاة مأموم بخروج بول أو ريح ونحوهما: فلا تبطل صلاة إمامه، ويكمل هذا الإمام صلاته منفردًا - إن لم يكن معه آخر - وهذا يصح ولو تغيَّرت نيته من كونه إمامًا إلى كونه منفردًا للقياس، بيانه: كما أن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة إمامه لعذر - كما سبق في مسألة (١٥٩) - =

стр. 429

نائبه)؛ لغيبته، وبنى على صلاة نائبه (وعاد) الإمام (النائب مؤتمًا: صح)؛ "لأن أبا بكر صلى فجاء النبي ﷺ والناس في الصلاة فتخلَّص حتى وقف في الصف، وتقدَّم فصلى بهم" متفق عليه (١٦١)، وإن سبق اثنان فأكثر ببعض الصلاة فأتمَّ أحدهما فكذلك لا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم والجامع: أن كلًّا منهما لا صلة له بالآخر، وليس بطلان صلاة أحدهما مؤثر في بطلان صلاة الآخر؛ لأن هذا ليس من مبطلات الصلاة. (١٦١) مسألة: إذا غاب إمام المسجد الراتب فتقدَّم نائب عنه ليصلي بالناس، وبعد دخول النائب في الصلاة حضر الإمام الراتب: فإن هذا الراتب يكون مع المأمومين ويكمل النائب عنه إمامته التي بدأها ولا يتقدَّم الراتب عليه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الذي أمَّ الناس أولًا - وهو النائب - قد نوى الإمامة من أول الصلاة فيجب أن يستمر بها ولا يقطعها إلا لعذر بحدث ونحوه كما سبق في مسألة (١٥٩)، وحضور الإمام الراتب ليس بعذر، فيلزم من ترك النائب للإمامة بسبب حضور الإمام الراتب قطع نيتها بلا عذر، وهذا يلزم منه بطلان الصلاة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تقدم الإمام الراتب للإمامة أثناء الصلاة وتأخر نائبه الذي بدأ بالإمامة فيه مفاسد، ومنها: كسر قلب النائب عند عوام الناس، وإيجاد حركة من غير جنس الصلاة قد تؤدي إلى بطلان الصلاة، وإشغال المأمومين بتلك الحركة مما يؤثر على الخشوع فيها، في حين أنه لا توجد حاجة لهذا الأمر، ودفعًا لذلك شرع هذا الحكم، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن الإمام النائب هنا يتأخر عند حضور الإمام الراتب أثناء الصلاة، ويتقدم الإمام الراتب، ويُكمل الصلاة التي بدأها نائبه، وتصح صلاتهما وهذا الذي ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد تأخر مرة، فتقدم أبو بكر فصلى بالناس، وفي أثناء الصلاة حضر رسول الله ﷺ ، فتأخر أبو بكر وتقدم النبي ﷺ وأكمل الصلاة التي بدأها أبو بكر" - كما روى =

стр. 430

بصاحبه في قضاء ما فاتهما، أو ائتمَّ مقيم بمثله إذا سلَّم إمام مسافر: صح (١٦٢). ذلك سهل بن سعد - وهذا يدل على جواز فعله لكل أحد؛ قياسًا عليه، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه ﷺ لا يساويه أحد من الصحابة في الفضل، فلا يجوز لأحد أن يتقدم عليه في الإمامة، بخلاف الأمة؛ لذلك تجد أبا بكر قال: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ "، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يقاس على النبي ﷺ غيره في الإمامة أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم. (١٦٢) مسألة: إذا سلم الإمام من الصلاة، وكان زيد وعمرو قد فاتتهما بعض ركعات منها أو كان الإمام مسافرًا فقصر الصلاة، وصلى بصلاته زيد وعمرو المقيمان، فقاما ليقضيان ما فاتهما، أو يتمان تلك الصلاة التي قصرها المسافر، فجعل زيد عمرًا إمامًا له في هذه الصلاة: فإن هذا لا يصح، بل تبطل صلاتهما؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا وعمرًا قد دخلا الصلاة في ابتدائها بنية كونهما مأمومين معًا، فيلزم من تغيير نيتهما بلا عذر إلى كون أحدهما إمامًا والآخر مأمومًا: بطلان تلك النية التي يشترط فيها الاستمرار فيما نوياه من ابتداء صلاتهما - كما سبق -، ويلزم من بطلان النية: بطلان الصلاة، فإن قلتَ: إنه يصح ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يصح أن يستخلف الإمام من يُكمل عنه الصلاة من المأمومين إذا حدث له حدث - كما سبق في مسألة (١٥٩) - فكذلك يصح ذلك هنا، والجامع: أنه في كل منهما حصل انتقال من إمام لإمام آخر، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن مسألة الاستخلاف - وهي مسألة (١٥٩) - قد رُخِّص فيها تغيير النية لوجود العذر - وهو خروج حدث أو غلبته - وفائدته: استمرار المأمومين في صلاتهم دون انقطاع، بخلاف هذه المسألة فلا يوجد عذر، فكل منهما قد فاته شيء من الصلاة مثل صاحبه، ووجد ثواب تحصيل صلاة =

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجماعة، فلا فائدة من جعل زيد لعمرو إمامًا له، فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" فعندنا: يُعمل بالتلازم، وعندهم: يُعمل بالقياس وكأنه مخصِّص لعموم التلازم. هذه آخر مسائل باب: "شروط صحة الصلاة" ويليه باب: "صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها ومستحباتها"

стр. 432

باب صفة الصلاة يُسنُّ الخروج إليها: بسكينة ووقار، ويُقارب خطاه (١)، وإذا دخل المسجد: قدَّم رجله اليُمنى، واليُسرى إذا خرج ويقول ما ورد (٢)، ولا يُشبِّك باب صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها ومستحبَّاتها وفيه مائة وسبع وأربعون مسألة: (١) مسألة: يُستحب أن يمشي إلى المسجد، وهو في حال السكينة والوقار: فيجتنب العبث ويخفض الصوت، ويغض الطرف، ويقارب الخطى، ويدعو - في هذه الحالة - بما ورد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا آتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة"، فأوجب الشارع السكينة هنا؛ لأن "على" من صيغ الوجوب، وصرفه إلى الاستحباب إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يستعجلون إلى الصلاة بدون نكير من أحد، ولفظ "السكينة" مستلزم للوقار، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا ذهب إلى المسجد يُقارب الخطى - كما رواه زيد بن ثابت - وقال ﷺ : "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا: فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت: أقبل الله إليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك" فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السكينة والوقار يُساعدان على خشوع القلب وخضوعه لله تعالى، ومقاربة الخطى فيه تكثير الحسنات وتكفير السيئات؛ حيث إنه لا يخطو خطوة إلا ورفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة - كما ورد في الحديث - وأن الدعاء وهو في طريقه إلى مسجده فيه غفران ذنوبه - كما سبق -. (٢) مسألة: يُستحب أن يُقدِّم رجله اليُمنى إذا أراد دخول المسجد ويقول: "بسم الله والصلاة على رسول الله، رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا =

стр. 433

أصابعه (٣) ولا يخوض في حديث الدنيا (٤)، ويجلس مستقبل القبلة (٥) و (يُسنُّ) للإمام فالمأموم: (القيام عند) قول المقيم (قد من إقامتها) أي: من: "قد قامت الصلاة"؛ أراد الخروج منه: قدَّم رجله اليُسرى ويقول: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روى ذلك أنس وفاطمة -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأنه شُرِع تقديم اليُمنى لما يُكرَّم، وتقديم اليُسرى لما يُستقذر كالحمام ونحوه - كما سبق -، ولأن دعاء الدخول شرع هكذا؛ لكون المسجد محل تنزيل الرحمة وشُرع دعاء الخروج هكذا؛ لكون الخارج محل طلب الرزق والفضل فخص كل دعاء بما يليق به. (٣) مسألة: يُكره أن يُشبِّك بين أصابعه، وأن يُفرقعها، وهو في حال المشي إلى الصلاة، وحال جلوسه في المسجد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يُشبِّكن بين يديه؛ فإنه في صلاة" وهذا عام في الأحوال، فيشمل حال المشي إليها، وحال الجلوس لها؛ لعدم المخصِّص، وهذا يفيد تحريم تشبيك الأصابع - وهو: إدخال بعضها في بعض - وصرفته السنة الفعلية إلى الكراهة؛ حيث إنه ﷺ قد ثبت عنه أنه قد شبَّك بين أصابعه وهو في هذه الحالة، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: لأن ذلك من العبث الذي يتنافى مع العبادة. (٤) مسألة: يُكره الكلام في الدنيا وزينتها في حال المشي إلى المسجد، وحال الجلوس فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك مما يُلهي عن الدعاء والذكر المشروع ويتنافى مع العبادة. (٥) مسألة: يُستحب أن يجلس في المسجد وهو مستقبل القبلة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الجهة خير الجهات وأشرفها - كما ورد في الحديث - وهي أقرب إلى الاستجابة للدعاء.

стр. 434

لأن النبي ﷺ "كان يفعل ذلك" رواه ابن أبي أوفى، وهذا إن رأى المأموم الإمام، وإلا: قام عند رؤيته (٦)، ولا يُحرِم الإمام حتى تفرغ الإقامة (٧) (و) تُسنُّ (تسوية الصف) بالمناكب والأكعب فيلتفتُ عن يمينه فيقول: "استووا رحمكم الله" وعن يساره كذلك (٨)، ويُكمل الأول فالأول، (٦) مسألة: إذا أقيمت الصلاة: فإنه يُستحب أن يقوم الإمام والمأموم عند قول المقيم "قد" من عبارة: "قد قامت الصلاة" هذا إذا كان الإمام في المسجد، أما إذا لم يكن الإمام في المسجد ولا يُعلم قربه منه: فلا يقوم المأموم إلا عند رؤية الإمام؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت" حيث حرم الشارع القيام للصلاة حتى يُرى الإمام، وصرفته إلى الكراهية: المصلحة؛ حيث إن القيام عند قول المقيم: "قد" والإمام بعيد لا يُرى: يشقُّ على القائم؛ لإفضائه إلى طول القيام، فكُره لأجل ذلك، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقوم عند قول المقيم "قد"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة للمأموم بأن لا يقوم قبل فيشق عليه، وأن لا يقوم بعد فتفوته تكبيرة الإحرام. (٧) مسألة: يُستحب أن لا يكبر الإمام تكبيرة الإحرام إلا إذا فرغ المقيم من الإقامة؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو كبَّر تكبيرة الإحرام قبل فراغ المقيم لاضطرب المأمومون، ولفاتت على المقيم تكبيرة الإحرام، ولما كان للإقامة فائدة، فدفعًا لذلك: شُرع هذا. (٨) مسألة: يُستحب للإمام أن يحث المأمومين بأن يسووا صفوفهم بأن يأمرهم بذلك عن يمينه وشماله، ويجب على المأمومين أن يسووا صفوفهم ويتراصوا: بأن يُلصق كل واحد من المأمومين كتفه وكعبه بكتف وكعب الآخر - على حسب الاستطاعة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "سووا صفوفكم وتراصُّوا" =

стр. 435

ويتراصُّون (٩)، وميمنة (١٠)، والصف الأول للرجال أفضل، وله ثوابه وثواب من وراءه ما اتصلت الصفوف، وكلما قرب منه فهو أفضل (١١)، والصف الأخير حيث أوجب الشارع على المأمومين تسوية الصفوف؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولم يوجد صارف له ويُستحب للإمام أن يحثهم على ذلك؛ لكونه سنة فعلية، فإن قلتَ: لِمَ وجب على المأمومين أن يسووا صفوفهم؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن التسوية في الصف تطرد الشياطين، وترضي الرحمن، كما ورد في الحديث، فإن قلتَ: لِمَ استُحب للإمام أن يحث المأمومين بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على البر والتقوى وتعاون على ذلك أصله قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وهو عام، فيشمل ما نحن فيه. (٩) مسألة: يُستحب للمأمومين أن يُكملوا الصف الأول، ثم الثاني وهكذا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه طرد الشيطان، والقرب من الإمام، تنبيه: قوله: "ويتراصون" قد سبق بيانه في مسألة (٨). (١٠) مسألة: يُستحب أن يقف المأموم عن يمين الإمام: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من فعل ذلك سيتعرض للرحمة من الله، ولدعاء الملائكة. (١١) مسألة: الصف الأول للرجال أفضل من الصف الثاني، والثاني أفضل من الثالث وهكذا، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها" "والخيرية" و"الأفضلية" بمعنى واحد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من في الصف الأول يقتدي بالإمام مباشرة، ويسمع القراءة والتكبيرات منه، ويقتدي به أشد ممن في الصف الثاني، فيكون من في الصف الأول قد تحصَّل على ثوابه، وثواب من في الصف الثاني؛ لاقتدائه به إذا كانت الصفوف متصلة.

стр. 436

للنساء أفضل (١٢) (ويقول) قائمًا في فرض مع القدرة: (الله أكبر) فلا تنعقد إلا بها نطقًا؛ لحديث: "تحريمها التكبير" رواه أحمد وغيره، فلا تصح إن نكسه، أو قال: "الله الأكبر" أو "الجليل" ونحوه، أو مدَّ همزة: "ألله" أو "أكبر"، أو قال: "إكبار"، وإن مطَّطه: كُرِه مع بقاء المعنى (١٣)، فإن أتى بالتحريمة، أو ابتدأها، أو أتمَّها غير قائم: (١٢) مسألة: الصف الأخير للنساء أفضل من الذي قبله - إذا صلَّين مع الرجال -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة، والصفوف الأخيرة استر لها، وأحصن، والغرض من ذلك: منع الفتنة، وكلما بالغت المرأة في ستر نفسها: كلما كان أجرها أعظم، ومحبتها عند الزوج أعظم أيضًا. (١٣) مسألة: إذا أراد الدخول في الصلاة: فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام قائلًا: "الله أكبر" لا يجزئه إلا هذا القول - وهو ركن - ويقول ذلك وهو قائم - للقادر عليه والقيام ركن أيضًا للمصلي فرضًا - وعلى ذلك: لا يجزيء إن عكسه بأن يقول: "أكبر الله"، أو قال: "الله الأكبر" أو قال: "الله الجليل" أو "الأعظم"، أو مدَّ همزة "الله" قائلًا: "آلله" أو مد همزة "أكبر" قائلًا: "آكبر" فيكون استفهامًا، أو قال: "إكبار" أو نحو ذلك، أو مطَّط ذلك بحيث يُحيل معناها إلى معنى آخر وهذا يبطل الصلاة، فإن مطط قوله: "الله أكبر" مطًا لا يحيل المعنى: فمكروه؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والأمر بالقيام يقتضي الوجوب لأنه مطلق، الثانية: السنة القولية، وهي من وجوه: أولها: قوله: "وتحريمها التكبير" حيث حصر التحريم بالتكبير من باب مفهوم حصر المبتدأ بالخبر، ثانيها: قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ثم يستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر"، فنفي قبول الصلاة هنا يلزم منه: أن من لم يقل: "الله أكبر" لا صلاة له، ودل مفهوم الغاية منه على أنه إذا =

стр. 437

صحَّت نفلًا إن اتسع الوقت (١٤) ويكون حال التحريمة (رافعًا يديه) ندبًا، فإن عجز عن رفع إحداهما: رفع الأخرى مع ابتداء التكبير، ويُنهيه معه (مضمومتي الأصابع ممدودة) الأصابع مستقبلًا ببطونها القبلة (حذو) أي: مقابل (منكبيه)؛ لقول ابن قالها يقبل الله صلاته إذا استكمل الشروط الأخرى - ثالثها: قوله ﷺ : "صل قائمًا" حيث أوجب القيام؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ويلزم من ذلك: أن من قال غير هذه اللفظة، أو قالها على غير المشروع: أن لا تصح صلاته؛ حيث إنه قد أتى بشيء لم يوافق به أمر الله، فيكون مردودًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا القول مع كونه قائمًا ولِمَ كانا ركنين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قوله: "الله أكبر" فيه تعظيم لله قولي، وأن الله أعظم من كل شيء يخطر ببال الإنسان، وقول ذلك في حال قيامه مبالغة في التعظيم؛ حيث لا يستحقه إلا هو سبحانه فيجتمع التعظيم القولي والفعلي في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كُره التمطيط الذي لا يحيل المعنى؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة بعض من كانت لهجته تقتضي التمطيط، دون تغيير المعنى والمقصد من ذلك. (١٤) مسألة: إذا قال القادر: "الله أكبر" - وهي تكبيرة الإحرام - وهو قاعد في فرض، أو ابتدأها وهو قاعدًا: بأن قال: "الله" ثم قام وقال: "أكبر"، أو أتم قولها وهو لم يعتدل في القيام: ففيه تفصيل: أولًا: إن كان الوقت واسعًا يسع نفلًا وفرضًا: فإنه يُتم تلك الصلاة نفلًا، ثم يقوم ويُكبر للفرض، ثانيًا: إن كان الوقت لا يسع إلا لفرض: فإنه يقطع ذلك، ثم يقوم ويُكبر لصلاة الفرض؛ للتلازم؛ حيث إن تكبيرة الإحرام لا تصح في الفرض إلا إذا كان قائمًا - حيث إن التكبيرة والقيام ركنان - كما في مسألة (١٣) - فيلزم عدم صحتها إن كان في غير القيام - وهو مستطيع له -؛ لمخالفته للمشروع عمدًا، والمقصد من ذلك قد سبق ذكره في مسألة (١٣).

стр. 438

عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يُكبِّر" متفق عليه، فإن لم يقدر على الرفع المسنون: رفع حسب إمكانه، ويسقط بفراغ التكبير كله، وكشف يديه هنا وفي الدعاء أفضل، ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه (كالسجود) يعني: أنه يُسنُّ في السجود وضع يديه بالأرض حذو منكبيه (١٥) (ويُسمع الإمام) استحبابًا بالتكبير كله (من خلفه) من المأمومين؛ ليُتابعوه، وكذا: يجهر بـ "سمع الله لمن حمده" و"التسليمة الأولى"، فإن لم يمكن إسماع جميعهم: جهر به بعض المأمومين؛ "لفعل أبي بكر معه ﷺ " متفق عليه، (كقراءته) أي: كما يُسنُّ للإمام أن يسمع قراءته من خلفه (في أوَّلتي غير الظهرين) أي: الظهر (١٥) مسألة: في أثناء تكبيرة الإحرام يُستحب أن يرفع المصلي يديه إلى مساواة كتفيه، أو أذنيه من أسفل، وتكون مكشوفة، وأصابع كل يد ممدودة، مضمومة الأصابع بعضها إلى بعض، ويكون هذا الرفع لهما في حال قوله: "الله أكبر" من أول هذا القول إلى آخره، فلا يرفعهما قبل قوله هذا، ولا بعده، ويستقبل القبلة ببطون يديه، ويفعل ذلك بالدعاء، والسجود إلا أنه يجعل بطونهما على الأرض؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روى ذلك ابن عمر ومالك بن الحويرث، وأبو هريرة - فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في تعظيم الله، وكلما زاد المسلم التعظيم لله كلما عظَّم الله له الأجر، فإن قلتَ: لِمَ لا يرفع يديه إذا فرغ من التكبير؟ قلتُ: لأن الرفع عبادة جُعل محلُّها حال التكبير، فإذا فات وقته ومحله فيلزم عدم مشروعيته، فإن قلتَ: لِمَ استُحب كشفهما؟ قلتُ: لكونه يستعطف الله ويستجديه الثواب والصلاح حيث إن هذا شأن من يريد من أحد شيئًا - ولله المثل الأعلى - تنبيه: قوله: "ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب … " قلتُ: هذا فيه نظر، حيث بينا المقصد من مشروعية رفع اليدين وكشفهما، وهو أنسب مما ذكره.

стр. 439

والعصر، فيجهر في أوَّلتي المغرب والعشاء، والصبح والجمعة، والعيدين، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح، والوتر بقدر ما يُسمع المأمومين (١٦) (وغيره) أي: غير الإمام، وهو: المأموم والمنفرد يَسرُّ بذلك كله، لكن ينطق به بحيث يُسمع (نفسه) وجوبًا في كل واجب؛ لأنه لا يكون كلامًا بدون الصوت، وهو: ما يتأتَّى سماعه (١٦) مسألة: يُستحب للإمام أن يجهر بتكبيرات الصلاة، وقراءة الفاتحة وآية بعدها - في غير الظهر والعصر -، ويجهر أيضًا بعبارة "سمع الله لمن حمده" والتسليمتين ويفعل ذلك حتى يُسمع المأمومين، وإذا تعذَّر ذلك بسبب كثرة المأمومين، أو خفض صوت الإمام: فيُستحب أن يجهر بعض المأمومين ليُسمع الآخرين بذلك - بعد سماع الإمام - إلا القراءة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث قال جابر: "صلى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه، فإذا كبَّر رسول الله ﷺ كبَّر أبو بكر ليُسمعنا" ولم ينكره النبي ﷺ ، وقول "سمع الله لمن حمده" و"التسليمتان" مثل التكبير، لعدم الفارق من باب: مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حصول متابعة الإمام متابعة دقيقة ولتحقيق الإئتمام الشرعي؛ حيث قال ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به فإذا كبَّر فكبِّروا … " ولا يحصل ذلك إلا بالجهر، فإن قلتَ: لِمَ استُحب أن يجهر بالقراءة؟ قلتُ: ليحصل كل مأموم على فائدة الاستماع، فإن قلتَ: كيف تصح صلاة المأموم مع أنه قصد إسماع المأمومين الآخرين له بالتكبير؟ قلتُ: إذا نوى الأمرين وهما: إسماع نفسه بذلك، وإسماع الآخرين: صحت صلاته؛ نظرًا لصحة النية؛ لعموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" وهما عملان قد نواهما معًا، فإن قلتَ: لمَ صحت صلاة ذلك المسمِّع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لو كُلِّف المسمِّع بإعادة صلاته مرة ثانية: للحقه الضرر والمشقة، ولما وجد متبرع في ذلك، فدفعًا لذلك: شرع.

стр. 440

حيث لا مانع، فإن كان: فبحيث يحصل السماع مع عدمه (١٧) (ثم) إذا فرغ من التكبيرة (يقبض كوع يسراه) بيمينه ويجعلهما (تحت سُرَّته) استحبابًا؛ لقول علي: "من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السُّرَّة" رواه أحمد وأبو داود (وينظر) المصلي استحبابًا (مَسْجِده) أي: موضع سجوده؛ لأنه أخشع، إلا في صلاة خوف لحاجة (١٨) (ثم) يستفتح ندبًا فـ (يقول: سبحانك اللهم) أي: أنزهك اللهم عما لا (١٧) مسألة: إذا صلى المنفرد، أو المأموم: فإنه لا يجهر بشيء من التكبير والقراءة، والتسميع والتسليم، ولكن يجب عليه أن يُسمع نفسه إذا قال أيَّ ركن أو واجب بأن يُحرِّك لسانه بشرط: عدم إزعاج الآخرين، للتلازم؛ حيث إن التكبير والتسميع والقراءة والتسبيح والتسليم كلام يُرجى ثوابه، ولا يكون كلامًا إلا إذا كان مسموعًا فيلزم - لتحقيق ذلك -: أن يُسمع نفسه بصوته ونطقه؛ فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: ليكون متأكدًا من أنه قال ذلك الركن أو الواجب، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إزعاجهم يُفسد عليهم صلاتهم فلا يعلمون ماذا يقولون، فيكون آثمًا بذلك، فدفعًا لذلك: اشتُرط هذا الشرط. (١٨) مسألة: بعد فراغ المصلي من تكبيرة الإحرام: يُستحب أن يقبض براحة يده اليُمنى كوع يده اليسرى - وهو: مفصل الكف من الذراع - ويجعلهما تحت سرَّته، وأن ينظر ببصره إلى موضع سجوده إلا إذا كان مُحتاجًا للنظر إلى غيره: كأن يخاف من شيء: كعدو، أو نار، أو دابة، أو خاف على ماله أو أهله من السرقة أو أي خطر: فإنه ينظر إلى ما خوَّفه، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: قول وائل بن حجر: "رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله" ثانيهما: قول علي: "من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السُّرَّة" وقوله هذا له حكم الحديث المرفوع؛ =

стр. 441

يليق بك (وبحمدك) سبَّحتك (وتبارك اسمك) أي: كثرت بركاته (وتعالى جدُّك) أي: ارتفع قدرك وعظم (ولا إله غيرك) أي: لا إله يستحق أن يُعبد غيرك؛ "كان ﵊ يستفتح بذلك" رواه أحمد وغيره (١٩) (ثم يستعيذ) ندبًا فيقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (٢٠) (ثم يُبسمل) لأنه لا سنة يقصدها الصحابي إلا سنة النبي ﷺ ، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذه الصفة أبلغ في التذلُّل، والخضوع، والخشوع، وأجمع لعقله وذهنه، وأمنع من العبث والتشتت، فيكمل أجر صلاته، فإن قلتَ: لِمَ لا ينظر إلى موضع سجوده في حالة الخوف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية له من أيِّ ضرر؛ إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام (١٩) مسألة: بعد فراغ المصلي من التحريمة ووضع يده اليُمنى على اليسرى تحت السرة: يُستحب أن يدعو بدعاء الاستفتاح سرًا، وهو: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك" ويقول أيضًا: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقَّ الثوب الأبيض من الدَّنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يستفتح بذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم لله وتمجيد له، وثناء عليه، وإخبار عن صفات كماله ونعوت جلاله، فإذا قال ذلك فإنه أقرب أن يُستجاب لكل دعاء يدعو به بعد ذلك، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بالاستفتاح؟ قلتُ: لأنه يستفتح به الصلاة كالمفتاح للباب. (٢٠) مسألة: بعد فراغه من الاستفتاح: يُستحب أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم سِرًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية له من كل شيطان - وهو: كل مُتمردٍ عاتٍ من الجن والإنس - وذلك حتى ينتفع بقراءته بسبب بُعد الشيطان عنه.

стр. 442

ندبًا فيقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" (٢١)، وهي: قرآن آية منه، نزلت فصلًا بين السور غير "بَرَاءة" فيُكره ابتداؤها بها، ويكون الاستفتاح، والتعوُّذ، والبسملة (سِرًّا) (٢٢)، ويُخيَّر في غير صلاة في الجهر بالبسملة (٢٣) (وليست) البسملة (من الفاتحة) وتُستحب عند فعل كل مهم (٢٤) (ثم يقرأ الفاتحة) تامَّة بتشديداتها، وهي (٢١) مسألة: بعد فراغه من الاستعاذة من الشيطان الرجيم: يُستحب أن يبسمل قائلًا: "بسم الله الرحمن الرحيم" سرًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن ذلك فيه جلب البركة في كل ما يفعل ويقول في صلاته. (٢٢) مسألة: البسملة تعتبر آية من القرآن، وهي بعض آية في سورة "النمل" ويُكره أن تستفتح سورة "براءة" بالبسملة؛ للإجماع؛ حيث أجمع الصحابة والعلماء على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كُرِّرت البسملة وجُعلت بين السور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه فصل بين السور؛ لئلا يُخلط بين السور، فإن قلتَ: لِمَ كُرهت البسملة في أول "براءة"؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن سورة "براءة" أكملت القصة التي ابتدئ بها في سورة "الأنفال" فهما كالسورة الواحدة، فكرهت البسملة بينهما لئلا يُفرق بينهما، تنبيه: قوله: "ويكون الاستفتاح … سرًا" قد بينته في المسائل (١٩ و ٢٠ و ٢١). (٢٣) مسألة: يُباح الجهر بالبسملة في غير صلاة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل إباحة الجهر بها ومنعت من الجهر بها في الصلاة: السنة الفعلية، فيبقى الجهر بها في غير الصلاة على الإباحة. (٢٤) مسألة: البسملة لا تحسب آية من الفاتحة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بـ "الحمد لله رب العالمين" - كما روى أنس - حيث إن هذا يلزم منه: أن البسملة وما قبلها ليست من الفاتحة، فلو كانت منها: لقرأها النبي ﷺ =

стр. 443

ركن في كل ركعة، وهي أفضل سورة، وآية الكرسي أعظم آية، وسُمِّيت فاتحة؛ لأنه يُفتتح بقراءتها الصلاة، وبكتابتها في المصاحف، وفيها إحدى عشرة تشديدة (٢٥)، قبل: "الحمد لله رب العالمين"، فإن قلتَ: لِمَ كانت ليست من الفاتحة؟ قلتُ: لأنها لو كانت من الفاتحة لما تحقق التنصيف الذي ورد بقوله تعالى - في الحديث القدسي -: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال تعالى: "حمدني عبدي"، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال تعالى: "أثنى علي عبدي"، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال تعالى: "مجَّدني عبدي"، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال تعالى: "هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل"" فلزم من هذا: أن يكون نصف الفاتحة عند قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فتكون ثلاث آيات من الفاتحة قبلها، وثلاث بعدها، فلو جُعلت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من الفاتحة: لما كانت: "إياك نعبد .. " في النصف، تنبيه: قوله: "وتُستحب عند فعل كل مهم" قلتُ: قد سبق بيان ذلك في مسألة (١) من مسائل "الافتتاحية والديباجة" قبل البدء بكتاب الطهارة. (٢٥) مسألة: بعد فراغه من البسملة: يجب أن يقرأ الفاتحة، وهي ركن في كل ركعة: فلا تصح الصلاة إلا بها، وهي تعتبر أعظم سورة في القرآن، ويقرأها تامَّة بتشديداتها الإحدى عشرة وهي: "الله" و"رَبِّ" و"الرَّحمن" و"الرَّحيم" و"الدِّين" و"إِيَّاك نعبد" و"إيَّاك نستعين" و"الصِّراط" و"الَّذين" و"الضَّالِّين"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" حيث إن المراد بالنفي هنا هو: نفي الصحة؛ حيث إنه أول مراتب النفي؛ إذ نفي الكمال أقل رُتبة منه فلا يمكن أن نحمل النفي عليه مع إمكاننا أن نحمله على نفي أعلى وهو نفي الصحة، ودلَّ على هذا دلالة الاقتضاء فيكون التقدير: "لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ … " ثانيهما: قوله ﷺ : "أعظم سورة في القرآن: الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني =

стр. 444

ويقرأها مرتبة متوالية (فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال) عُرفًا: أعادها، فإن كان مشروعًا كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة، وكالسكوت؛ لاستماع قراءة إمامه، وكسجود للتلاوة مع إمامه: لم يُبطل ما مضى من قراءتها مطلقًا (٢٦) الذي أوتيته"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُحافظ على قراءة الفاتحة بتشديداتها في كل ركعة، ولم يرو عنه أنه تركها مرة واحدة، فإن قلتَ: لِمَ كانت الفاتحة ركنًا؟ قلتُ: لأنها أفضل وأعظم سورة في القرآن؛ لاشتمالها على الحمد والثناء عليه سبحانه، والرحمة العامة والخاصة، والدعاء بالصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، فإن قلتَ: لِمَ وجب الحرص على ذكر التشديدات؟ قلتُ: لأن أكثر الناس يتساهلون فيها مما يلزم منه تغيير المراد من الآية، فمن ترك تشديدة عمدًا فلا يُعتبر قارئًا لها، فإن قلتَ: لِمَ سُميت بالفاتحة؟ قلتُ: لأن الصلاة تفتتح بقراءتها، والمصحف افتتح بها خطًا، فإن قلتَ: ما الفرق بينها وبين آية الكرسي؟ قلتُ: إن الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وآية الكرسي أعظم آية في القرآن كما قال ﷺ : "آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله"؛ لاشتمال هذه الآية على التوحيد بأنواعه، وبيان عظمة وقوة وعلو الله سبحانه. (٢٦) مسألة: يجب أن يقرأ المصلي الفاتحة مرتبة متوالية على حسب كتابتها في المصحف، دون تقديم بعض آياتها على بعض، ومتوالية دون انقطاع مُخِلٍّ بمعناها، فإن قطعها بذكر طويل غير مشروع في هذا المقام كأن يقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " أو قطعها بسكوت طويل: فإن هذا يُبطلها، ويجب إعادتها على إمام ومنفرد، بخلاف الذكر أو السكوت القصيرين المشروعين فلا يبطلها: كأن يسأل الله الرحمة، أو يسكت نظرًا لقراءة الإمام، أو لسجوده للتلاوة فيسجد معه، ثم يُتم هذا المأموم الفاتحة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" حيث يلزم من ذلك أن الذي يقرأ الفاتحة بدون ترتيب أو توالي وتتابع لا =

стр. 445

(أو ترك منها تشديدة أو حرفًا أو ترتيبًا: لزم غير مأموم إعادتها) أي: إعادة الفاتحة، فيستأنفها إن تعمَّد (٢٧)، ويُستحب أن يقرأها مُرتلة مُعربة يقف عند كل آية كقراءته ﷺ (٢٨) ويُكره الإفراط في التشديد يُسمى قارئًا للفاتحة، ويلزم من عدم قراءتها كما شُرعت: عدم صحة الصلاة، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط في قراءة الفاتحة الترتيب والتتابع؟ قلتُ: لأن قراءة الفاتحة عبادة واحدة لا يجوز أن تجزأ، والذكر المشروع القصير: لا يقطعها عرفًا؛ لكونه يحدث كثيرًا، فعُفي عنه؛ تسامحًا من الشارع؛ لمراعاة أحوال الناس. (٢٧) مسألة: إذا ترك المصلي عمدًا تشديدة من التشديدات الإحدى عشرة السابقة الذكر في مسألة (٢٥) أو ترك حرفًا من حروف الفاتحة، أو ترك ترتيبها: فإن الفاتحة تبطل، ويجب على إمام ومنفرد إعادتها؛ للسنة القولية والفعلية، وقد سبق ذكر ذلك في مسألتي (٢٥ و ٢٦)، تنبيه: قراءة الإمام تكفي عن قراءة المأموم؛ لما سيأتي. (٢٨) مسألة: يُستحب أن يقرأ المصلي الفاتحة مرتلة وأن يتمهل في القراءة، ويُحسِّن صوته، ويُعطي كلَّ حرفٍ حقَّه من الإعراب، بدون لحن، وأن يحضر قلبه ويفكر في معاني الآيات ومقاصدها وأن يقف عند آخر كل آية؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ "والترتيل" هو: القراءة السهلة الطبيعية من غير تكلُّف، والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: فعل الصحابي؛ حيث قد ورد أن بعض الصحابة قرأ بسرعة وحَدْر ولم يُنكر عليه، الثانية: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "زيِّنوا القرآن بأصواتكم" وهو: تحسينه من غير تكلُّف، وهذا لا يكون إلا بالترتيل والإعراب، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث قالت أم سلمة: "كان رسول الله ﷺ يُقطِّع قراءته: يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم =

стр. 446

والمدَّ (٢٩) (ويجهر الكل) أي: المنفرد، والإمام والمأموم معًا (بآمين في) الصلاة (الجهرية) بعد سكتة لطيفة؛ ليُعلم أنها ليست من القرآن، وإنما هي طابع الدعاء، ومعناه: "اللهم استجب" ويُحرَّم تشديد ميمها، فإن تركه إمام أو أسرَّه: أتى به مأموم جهرًا (٣٠)، ويلزم الجاهل تعلم الفاتحة والذكر الواجب، ومن صلى وتلقَّف القراءة يقف وهكذا"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تدبُّر للقرآن وفهم لمقاصد الآيات، ليُنتفع به قولًا وفعلًا، تنبيه: هذا الحكم في المسألة يُستحب في قراءة القرآن كله. (٢٩) مسألة: يُكره لقارئ الفاتحة وغيرها من القرآن: أن يُسرف في التشديد: بأن يجعل المشدد من الحروف حرفين بدلًا من واحد، وكذا: يُكره أن يُسرف في المدِّ: بأن يُطيل فيه حتى يُضيف إليه بعض الحروف، هذا إذا كان لا يُغير شيئًا من معاني الفاتحة، أما إن كان هذا الإسراف يُغيِّر المعنى: فإنه يُحرَّم ويُبطل القراءة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من تغيير المعنى: التحريم وبطلان القراءة؛ لكون القارئ لم يقرأ الفاتحة القراءة المشروعة، ويلزم من عدم تغيير المعنى: صحة القراءة، ويلزم من الإسراف الذي لم يُغير المعنى: كراهة القراءة به. (٣٠) مسألة: بعد فراغه من الفاتحة وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: يُستحب أن يقول المصلي - سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا "آمين" جهرًا فإن تركه إمام قاله مأموم، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا قال الإمام ولا الضَّالِّين، فقولوا: آمين" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: أن المقصد منها الدعاء؛ لأن معناها: "اللهم استجب" وهذا يستوي فيه الجهر والسر، وأن هذه الكلمة ليست من الفاتحة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال وائل بن حجر: "كان النبي ﷺ إذا قال: ولا الضَّالِّين: قال: آمين ورفع بها صوته"، الثالثة: السنة التقريرية؛ حيث كان الصحابة يجهرون بقولهم "آمين" =

стр. 447

من غيره: صحَّت (٣١) (ثم يقرأ بعدها) أي: بعد الفاتحة (سورة) ندبًا كاملة فيستفتحها بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وتجوز آية إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدِّين، والكرسي، ونصَّ على جواز تفريق السورة في ركعتين؛ خلف رسول الله حتى يرتجَّ المسجد بهم، ولم يُنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن معناها: استجب لنا ما سألناك ودعوناك من الهداية، فإن قلتَ: لِمَ استُحب الجهر بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الجهر بالشيء يُساعد على حضور القلب وطرد النوم، فإن قلتَ: لِمَ وجب تخفيف ميم "آمين"؟ قلتُ: احترازًا من تشديد الميم؛ لكونه يقلب المعنى، فلو قيل: "آمِّين" لكان معناها: قاصدين، وهذا يقلب المعنى. (٣١) مسألة: يجب على كل شخص أن يتعلَّم قراءة الفاتحة، وكل ركن أو واجب في الصلاة، ولو صف جاهل في صلاة وتلقَّف الفاتحة، من جاره أو أي ذكر واجب: لصحَّت صلاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب قراءة الفاتحة، وغيرها من الواجبات: أن يتعلَّم فعلها وقولها؛ لأنه لا صحة لصلاة بدونها، ويلزم من أخذها عن غيره في حال صلاته: أن يصح ذلك؛ لكونه أتى بالمشروع على حسب استطاعته، وهذا من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" وباب "سقوط الواجب بالعجز عنه" أصله قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم". [فرع]: إذا لم يقدر على تعلُّم الفاتحة: فيجب عليه أن يقرأ سبع آيات من أي سورة، فإن لم يستطع فإنه يقرأ ما قدر عليه من آية أو بعض آية ويُكررها، فإن لم يستطع: فإنه يشتغل بالذكر فيُكرر قوله: "لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر" ونحوها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا أتى بما يستطيعه فيكون مشروعًا؛ لأن الشرط والواجب يسقطان بالعجز عنهما، وفيه مراعاة للناس، وهذا المقصد منه.

стр. 448

لفعله ﵊ (٣٢)، ولا يُعتد بالسورة قبل الفاتحة (٣٣)، ويُكره الاقتصار على الفاتحة في الصلاة (٣٤)، والقراءة بكل القرآن في فرض؛ لعدم نقله وللإطالة (٣٥)، (٣٢) مسألة: بعد فراغه من قراءة الفاتحة: يُستحب أن يُبسْمل، ثم يقرأ سورة كاملة، وإن قرأ آية واحدة - طويلة أو قصيرة - أو قسَّم سورة بين ركعتين، أو كرَّر سورة واحدة في الركعتين، أو قرأ سورتين في ركعة: فلا بأس، ويستحق أجر الاستحباب، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من مشروعية قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة - في الركعتين الأوليين -: أن تجزئ أيُّ قراءة منه، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للحصول على أجر القراءة؛ لكونه متعبَّدًا بتلاوته، فإذا وقع ذلك في صلاة فالأجر مُضاعف. (٣٣) مسألة: إذا قرأ المصلي سورة أو آية قبل الفاتحة: فلا يُعتدُّ بهذه القراءة؛ فلا يتحصَّل على أجر القراءة؛ للتلازم، حيث إن محلَّ القراءة بعد الفاتحة فيلزم من قراءة شيء قبلها: عدم الاعتداد بها؛ لوقوعها في غير محلِّها، فإن قلتَ: لِمَ لا يُعتد بذلك؟ قلتُ: لأن القراءة في الصلاة عبادة، والعبادات توقيفية، فتكون تلك القراءة وردت على غير المشروع، فيكون مردودًا. (٣٤) مسألة: إذا قرأ المصلي الفاتحة فقط، ولم يقرأ أي شيء من القرآن بعدها: صحت صلاته مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث إن استكمال شروط وأركان وواجبات الصلاة: يلزم منه صحتها، ويلزم من حرمانه لنفسه من أجر القراءة: كراهة ذلك، وهذا المقصد منه. (٣٥) مسألة: إذا قرأ المصلي الفاتحة، وأتبعها كل القرآن في صلاة فرض: فإن صلاته تصح مع الكراهة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه لم يرد هذا عنه ﷺ في فرض، فيكون هذا المصلي فعل ما تركه ﷺ ، وهذا مكروه، فإن قلتَ: لِمَ صحت صلاته؟ ولِمَ يُكره؟ قلتُ: صحت صلاته لاستكمال شروطها وأركانها =

стр. 449

(وتكون) السورة (في) صلاة (الصبح من طِوال المفصَّل) - بكسر الطاء -، وأوله "ق" ولا يُكره لعذر كمرض وسفر من قصاره، ولا يُكره بطواله (و) تكون السورة (في) صلاة (المغرب من قصاره) ولا يُكره بطواله (و) تكون السورة (في الباقي) من الصلوات كالظهرين والعشاء (من أوساطه) (٣٦) ويحرم تنكيس الكلمات وواجباتها، وكره؛ لأنه شق على نفسه بالإطالة في حين لا يجوز قطعها؛ لكونها فرضًا، بخلاف النفل فلو شعر بأي مشقة أو لم يشعر: فإنه يجوز قطعها. (٣٦) مسألة: يُستحب أن يقرأ المصلي في الفجر من طوال المفصَّل - وهي من "ق" إلى "النبأ" -، ويقرأ في المغرب من قصاره - وهي من "الضحى" إلى آخر القرآن - ويقرأ في الظهر والعصر والعشاء من أوساطه - وهي من "النبأ" إلى "الضحى" - وإذا خالف في ذلك فلا يُكره سواء كان لعذر أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ بذلك في صلواته - كما روى ذلك أبو هريرة وجابر بن سمرة، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن أصل القراءة بعد الفاتحة مُستحب دون تفصيل في الطول والقِصر، أو وجود عذر أو عدمه فيُعمل على هذا الأصل، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الناس تُناسبهم القراءة الطويلة في الفجر؛ لأنها تكون بعد نوم وراحة، وبعدها عمل فينتفعوا، وتناسبهم القراءة القصيرة في المغرب؛ لأنها تكون بعد عمل ومشقة، وتناسبهم القراءة المتوسطة في بقية الصلوات؛ لكون حالتهم متوسطة، ففي ذلك مراعاة لهم، تنبيه: قوله: "ولا يُكره لعذر كمرض وسفر قصاره"، قلتُ: يقصد: أنه إذا قرأ في الفجر من قصار السور بغير عذر فهو مكروه، وهذا لم دليلًا عليه، تنبيه آخر: قوله: "ولا يُكره لعذر من مرض وسفر من قصاره ولا يُكره بطواله"، قلتُ: عبارة "ولا يُكره بطواله" هنا لا معنى لها، والظاهر أنها سبقة قلم من المصنف.

стр. 450

وتبطل به (٣٧) ويُكره تنكيس السُّور (٣٨) والآيات (٣٩) ولا تُكره (٣٧) مسألة: يحرم على المسلم أن يُنكِّس كلمات القرآن: كأن يعكس لفظ "أقيموا"، وإذا فعل ذلك: فإن صلاته تبطل؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على هذا، ومستنده: التلازم؛ حيث يلزم من القراءة المتنكِّسة الإخلال بنظم القرآن، والذهاب بإعجازه، وهذا يؤدي إلى أن يكون كلامًا أجنبيًا عن القرآن. (٣٨) مسألة: تصح قراءة السور منكَّسة بدون كراهية، بأن يقرأ سورة: "الناس" قبل "الفلق"؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قرأ "النساء" قبل "آل عمران"، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك بدون كراهة؟ قلتُ: لأن ذلك لا يُخلُّ بنظم ولا إعجاز القرآن، ولأنه فعل ما له فعله من أنه قرأ السورة كاملة، ولأن ترتيب السور وقع اجتهادًا من الصحابة، فإن قلتَ: إن هذا مكروه - وهذا ما ذكره المصنف -؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود - فيمن يقرأ القرآن مُنكَّسًا -: "ذلك منكوس القلب" قلتُ: لا يُحتج بقول الصحابي هذا؛ لأنه عارض السنة الفعلية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة الفعلية" فعندنا: يعمل بالسنة، وعندهم: يعمل بقول الصحابي. (٣٩) مسألة: تحرم قراءة الآيات منكَّسة، كأن يقرأ "من شر ما خلق" قبل قوله: "قل أعوذ برب الفلق" وإذا صلى بذلك: فلا تصح صلاته؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" وأمر الشارع ورد بترتيب الآيات؛ حيث إنه ﷺ كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال: "ضعوها بعد آية كذا وكذا في سورة كذا" فيلزم من قراءة الآية قبل الآية التي قبلها العمل على غير المأمور به شرعًا فيكون مردودًا غير مقبول، ويُحرَّم ذلك، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قراءة الآيات منكوسة يُفوِّت المعنى المقصود من الآيات، ويكون ذلك قريبًا من العبث والتلاعب بكلام الله، فإن قلتَ: إن هذا يُكره - وهو ما ذكره المصنف - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.

стр. 451

ملازمة سورة مع اعتقاد جواز غيرها (٤٠) (ولا تصح) الصلاة (بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) بن عفان ﵁ كقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" (٤١)، وتصح بما وافق مصحف عثمان وصحَّ سنده وإن لم يكن من العشرة (٤٢)، وتتعلق (٤٠) مسألة: لا يُكره ملازمة المسلم قراءة سورة أو آية بعد الفاتحة في الصلاة أو غيرها إذا كان معتقدًا جواز قراءة غيرها من السور والآيات؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ أقر رجلًا كان يُكرِّر قراءة سورة "الإخلاص" في صلاته، فإن قلتَ: لِمَ لا يُكره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على كثير من الناس، إذ بعضهم لا يُحسن إلا قراءة سورة. (٤١) مسألة: لا تصح الصلاة إلا بقراءة القرآن المثبت بمصحف عثمان الذي جمعه من صدور الحفاظ، وكتبة الوحي، وبناء على ذلك: لا تصح صلاة من قرأ بقراءة شاذة أو أحادية كأن يقرأ بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" أو بقراءة أُبي: "فعدة من أيام أخر متتابعات" أو بقراءة عائشة: "حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى صلاة العصر"؛ للإجماع على ذلك، ومستنده التلازم؛ حيث إن مصحف عثمان ثبت متواترًا فتلزم القراءة به، ويلزم عدم صحة القراءة بالقراءة الشاذة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لسد الذرائع؛ حيث لو صحَّت القراءة بكل قراءة يرويها فرد لأدَّى ذلك إلى عدم اطمئنان الناس إلى هذا القرآن المتعبَّد بتلاوته. (٤٢) مسألة: تصح الصلاة بقراءة موافقة لمصحف عثمان إذا صحَّ سندها بدون اضطراب أو ضعف: سواء كانت هذه القراءة من القراءات العشر - وهي: قراءة يزيد بن القعقاع، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم من المدينة، وعبد الله بن كثير، وعبد الله بن عامر من الشام، وأبو عمرو، ويعقوب بن إسحاق من البصرة، وعاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب، وعلي بن حمزة الكسائي، =

стр. 452

به الأحكام (٤٣)، وإن كان في القراءة زيادة حرف: فهي أولى؛ لأجل العشر الحسنات (٤٤) (ثم) بعد فراغه من قراءة السورة (يركع مُكبِّرًا)، لقول أبي هريرة: "كان النبي ﷺ يُكبِّر إذا قام إلى الصلاة، ثم يُكبِّر حين يركع" متفق عليه (٤٥) (رافعًا وخلف بن هشام البزَّار من الكوفة - أو كانت القراءة من غيرهم؛ للإجماع؛ حيث كان كل صحابي يصلي بقراءته إذا صحَّ سندها دون ضعف دون نكير من أحد، فصار إجماعًا سكوتيًا، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسيع وتيسير على المسلمين. (٤٣) مسألة: القراءة الأحادية أو الشاذة حجَّة في الأحكام؛ حيث يجب العمل بها، وبناء على ذلك يجب التتابع في صيام كفارة اليمين، والقضاء؛ بناء على قراءة ابن مسعود وأُبي - السابق ذكرهما في مسألة (٤١) -؛ للسبر والتقسيم؛ حيث إن ما ذكره هذا الصحابي إما أن يكون قرآنًا أو خبر آحاد، لم يصح كونه قرآنًا، فثبت أنه خبر آحاد، وخبر الآحاد يجب العمل به، وقد فصَّلتُ القول في ذلك مع الجواب عن أدلة المخالف في المهذب (٢/ ٤٨٢). (٤٤) مسألة: إذا وجد في قراءة من القراءات المعتبرة زيادة حرف: فإنه يُستحب أن يقرأ بها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من قرأ القرآن فأعربه فله في كل حرف عشر حسنات" فتقتضي المصلحة أن يقرأ بالقراءة التي فيها زيادة؛ إكثارًا للأجر، وهذا هو المقصد منه. (٤٥) مسألة: بعد فراغه من قراءة الفاتحة وشيء من القرآن: يجب أن يركع مُكبِّرًا مبتدئًا بالتكبير عند ابتداء الركوع، ومنتهيًا منه حين يستوي راكعًا - وهذا الركوع ركن لا تصح الصلاة إلا به، والتكبير فيه واجب في كل الصلاة - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث أمر ﷺ المسيء في صلاته بالركوع، وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ كان يفعل ذلك ويُداوم عليه - كما رواه أبو هريرة - فإن قلتَ: لِمَ شُرع =

стр. 453

يديه) مع ابتداء الركوع؛ لقول ابن عمر: "رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يُحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعد ما يرفع رأسه" متفق عليه (٤٦) (ويضعهما) أي: يديه (على ركبتيه مفرجتي الأصابع) استحبابًا (٤٧)، ويُكره التطبيق: بأن يجعل إحدى كفيه على الأخرى ثم يحطُّهما بين ركبتيه إذا ركع، وهذا كان في أول الإسلام ثم نُسخ (٤٨)، ويكون المصلي (مستويًا ظهره) ويجعل رأسه حياله: فلا يرفعه، ولا يخفضه، روى ابن ماجه عن وابصة بن مَعْبَد قال: "رأيتُ النبي ﷺ هذا؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله تعالى؛ ليجتمع التعظيم الفعلي - وهو الركوع والانحناء - والتعظيم القولي - وهو قوله: "سبحان ربي العظيم" -. (٤٦) مسألة: يُستحب أن يرفع يديه في بداية تكبيرة الركوع - كما فعل في تكبيرة الإحرام -؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما رواه ابن عمر -، والمقصد من الرفع هذا كالمقصد من رفعهما في تكبيرة الإحرام وقد سبق في مسألة (١٥). (٤٧) مسألة: يُستحب أن يضع كفيه - أثناء ركوعه - على ركبتيه وهما منفرجتي الأصابع، ويكون كأنه قابض على ركبتيه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما رواه وائل بن حجر، وأبو حُميد - فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة الركوع عنه، وضبط بدنه عن السقوط وتماسكه، ليعبد الله براحة تامة، ولأن التذلل والخضوع فيه تام. (٤٨) مسألة: يُكره التطبيق في الركوع، وصفته: أن يُلصق باطن كف بباطن الكف الآخر، ثم يجعلهما بين ركبتيه وهو راكع؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بوضع اليدين على الركب بعد ما كان يفعل التطبيق - كما ورد في حديث مصعب بن سعد - فيكون التطبيق منسوخًا كما قاله الترمذي، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: لأنه أقرب إلى العبث وفيه مشقة على الراكع.

стр. 454

يصلي وإذا ركع: سوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقر" (٤٩) ويجافي مرفقيه عن جنبيه (٥٠)، والمجزيء: الانحناء بحيث يمكنه مسَّ ركبتيه بيديه إن كان وسطًا في الخِلْقة، أو قدره من غيره، ومن قاعد: مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، وتتمتها الكمال (٥١) (ويقول) راكعًا: (سبحان ربي العظيم)؛ لأنه ﷺ (٤٩) مسألة: يُستحب أن يسوِّي ظهره في حال ركوعه بحيث يكون رأسه متساو مع ظهره لا يرفعه عنه ولا يخفضه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روته عائشة، ووابصة بن معبد -، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة أكثر عونًا على الطاعة، وأقل مشقة. (٥٠) مسألة: يُستحب أن يُبعد مرفقيه عن جنبيه أثناء الركوع، فلا يُلصقهما بجنبيه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكثر أجرًا؛ لما فيه من المشقة في سبيل العبادة؛ حيث إن الأجر على قدر المشقة. (٥١) مسألة: صفة ركوع القائم المجزئ هو: أن يمس براحتيه ركبتيه بعد الانحناء ممن خِلْقته متوسطة، أما من لم يكن كذلك كقصير اليدين فيُقدِّر ذلك بأن ينحني ويخفض ظهره قدر ما لو كان وسطًا ولو لم تمس راحتاه ركبتيه، وصفة ركوع القاعد المجزئ: أن يقابل بوجهه مقدمة ركبتيه أدنى مقابلة، وصفة ركوع القاعد الكامل: أن يرى الأرض التي قدَّام ركبته مباشرة مقابلًا لركبتيه أتم مقابلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الانحناء: إجزاؤه؛ لكونه يُسمى ركوعًا لغة؛ اكتفاء بأدنى ما يُطلق عليه اسم الركوع، ويلزم من عجزه عن القيام: إجزاء ما يُسمى انحناء وهو قاعد؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل وحصول المقصود.

стр. 455

"كان يقولها في ركوعه" رواه مسلم وغيره، والاقتصار عليها أفضل، والواجب: مرة وأدنى الكمال: ثلاث، وأعلاه للإمام: عشر، قال أحمد: جاء عن الحسن التسبيح التام: سبع، والوسط خمس، وأدناه: ثلاث (٥٢) (ثم (٥٢) مسألة: يجب أن يقول - أثناء ركوعه -: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة، وإن زاد ثانية فهو أفضل، وإن زاد ثالثة فهو أدنى الكمال، أما الإمام فيقولها عشر مرات - استحبابًا - وإن زاد كلامًا آخر فهو حسن كأن يقول: "سبحان ربي العظيم وبحمده" أو يقول - بعد ذلك -: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" أو يقول: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم"، ثانيهما: قوله: "أما الركوع فعظِّموا فيه الرب" وهذا الأمر مطلق في النصَّين فيقتضي الوجوب، ولا يقتضي التكرار، بل المرَّة الواحدة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﷺ كان يقول ذلك في ركوعه، وكان يزيد على ذلك على حسب ما تقتضيه المناسبة، فإن قلتَ: لِمَ وجب قول ذلك في الركوع؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله تعالى؛ ليجتمع التعظيم القولي، والتعظيم الفعلي؛ حيث إنه بقوله: "سبحان ربي العظيم" يُقرُّ بتنزيه الخالق عن مشابهة المخلوقين: فلا يتطرق إليه النقص والضعف مثلهم، حيث إنه عظيم في ذاته وصفاته ويحصل بركوعه التعظيم الفعلي، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب زيادة بعض الكلمات التعظيمية على قوله ذلك؟ قلتُ: للوصول في تعظيم الله تعالى إلى أقصى ما يستطيعه العبد، وكُلَّما زاد العبد في تعظيم الله كلما زاد أجره وقربه عند الله، فإن قلتَ: لِمَ استُحب للإمام أن يقولها عشر مرات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعل المأموم يقولها ثلاث مرات: فإن قلتَ: الأفضل ألا يزيد الراكع على قوله: "سبحان ربي العظيم" من كلام آخر مثل: "سبوح قدوس" - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ =

стр. 456

يرفع رأسه (٥٣) ويديه)؛ لحديث ابن عمر السابق (٥٤) (قائلًا إمام ومنفرد: "سمع الله لمن حَمِدَه" مُرتَّبًا وجوبًا؛ لأنه ﷺ كان يقول ذلك، قاله في "المبدع"، ومعنى "سَمِع": استجاب (٥٥) (و) يقولان (بعد قيامهما) واعتدالهما (ربَّنا ولك الحمد ملء للسنة القولية، حيث ورد الأمر بتعظيم الله في الركوع فقط، دون زيادة؟ قلتُ: هذا لا يمنع من الزيادة التي هي من جنس التعظيم، والنبي ﷺ كان يزيد كما سبق، تنبيه: قول أحمد: "جاء عن الحسن … " الخ، قلتُ: هذا قول لم أجد دليلًا عليه. (٥٣) مسألة: بعد فراغه من قوله: "سبحان ربي العظيم": يجب أن يرفع من ركوعه - وهذا الرفع ركن - ثم يعتدل قائمًا وهو ركن أيضًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا" حيث أوجب هذا الرفع والاعتدال؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ كان الرفع ركنًا؟ قلتُ: ليعود إلى القيام الذي هو أفضل من الركوع؛ المشروعية القراءة فيه دون الركوع، وهذا كله للاستعداد للسجود، فإن قلتَ: لِمَ كان الاعتدال ركنًا؟ قلتُ: لأن المصلي لا يُمكنه مناجاة ربه بهدوء بغير ذلك. (٥٤) مسألة: يُستحب أن يرفع يديه في أثناء رفعه من الركوع - كما فعل في التحريمة -؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روى ابن عمر -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في رفعهما في تكبيرة الإحرام في مسألة (١٥). (٥٥) مسألة: يجب أن يقول إمام ومنفرد: "سَمِعَ الله لمن حَمِدَه" في أثناء رفعهما من الركوع؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده" حيث أوجب الشارع قول ذلك؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ وَجَب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه العبارة قد تضمَّنت الاستجابة لكل من حمده؛ لكونه لا يحمد إلا لأنه مستحق للحمد ورجاء للزيادة أصله: قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

стр. 457

السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بَعْد) أي: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ ذلك، وله قول: "اللهم ربَّنا ولك الحمد" وبلا "واو" أفضل عكس: "ربنا لك الحمد" (٥٦) (و) يقول (مأموم في رفعه: ربَّنا ولك الحمد فقط)؛ لقوله ﵊: "إذا قال الإمام: سَمِع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" متفق عليه من حديث أبي هريرة (٥٧)، وإذا رفع المصلي من الركوع: فإن شاء وضع يمينه على (٥٦) مسألة: يُستحب أن يقول إمام ومنفرد بعد اعتدالهما قائمين: "ربَّنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمبالغة في حمد الله تعالى، على نعمه الظاهرة والباطنة، بحيث إن هذا الحمد لو فرض أن يكون أجسادًا لملأ السماوات والأرض، وهذا غاية في الحمد والشكر والتعظيم الذي لا يستحقه إلا الله سبحانه، تنبيه: عبارة "اللهم ربنا ولك الحمد" أو "ربنا لك الحمد" يستوي فيهما وجود الواو وحذفها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ورد ذلك في روايتين، ولعدم اختلاف المعنى في وجودها وعدمه؛ لأن ما قبل "الواو" جملة خاصة بالدعاء وما بعدها: جملة خاصة بالاعتراف، وليس كما زعمه المصنف من أن وجودها في الجملة الثانية أفضل، وحذفها من الأولى أفضل؛ لعدم وجود الدليل على هذا التفريق. (٥٧) مسألة: يجب أن يقول المأموم: "ربنا ولك الحمد" في أثناء رفعه من الركوع، ويُستحب أن يزيد قائلًا: "ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد حيث أوجب على المأمومين أن يقولوا ذلك؛ =

стр. 458

شماله أو أرسلهما (٥٨)، (ثم) إذا فرغ من ذكر الاعتدال (يخرُّ مُكبِّرًا) ولا يرفع يديه لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: القياس، بيانه: كما يُستحب للإمام والمنفرد أن يقولا: "ملء السماء … " فكذلك يُستحب للمأموم والجامع: المبالغة في حمد الله للمصلي، دون ترتُّب ضرر على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك على المأموم؟ قلتُ: لأن قوله ﷺ : "ربنا ولك الحمد" هو بدل عن قول الإمام: "سَمِعَ اللهُ لمن حمده" فكأن الإمام يقول: إن الله يسمع كلَّ من حَمِده، فيحمد المأموم الله؛ لكونه مؤتمًا بالإمام، فإن قلتَ: إن المأموم لا يزيد عن قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ لورودها في الحديث السابق فقط - وهو ما ذكره المصنف هنا - فيُقتصر على ما ورد؟ قلتُ: إن الحديث ورد بذلك، ولكن لم يتعرض لنفي الزيادة، فيُستحب للمأموم أن يزيد: "ملء السماء … " كغيره من المصلين؛ للمصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه "هل ما ورد في الحديث السابق يُفيد نفي الزيادة عليه من جنسه أو لا؟ " فعندنا لا يفيد ذلك، وعندهم يفيد نفي الزيادة. (٥٨) مسألة: إذا اعتدل المصلي قائمًا بعد رفعه من الركوع: فإنه يُستحب أن يضع يُمناه على يُسراه تحت سرته - كما فعل بعد تكبيرة الإحرام -؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب فعل ذلك في القيام بعد التحريمة فكذلك يفعل ذلك في القيام بعد رفعه من الركوع، والجامع: القيام في كل، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم وتبجيل وخضوع وخشوع، فإن قلتَ: يُباح وضع يُمناه على يُسراه، ويُباح إرسالهما؛ وهذا ما ذكره المصنف؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في ذلك الإباحة، فيعمل بذلك؛ لعدم وجود دليل يُغير ذلك قلتُ: لا تسلِّم عدم وجود دليل يُغير الحالة؛ حيث ورد دليلان هما: "القياس" و"المصلحة" وقد سبقا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع الاستصحاب" فعندنا يُعمل بالقياس؛ لكونه قد قوي على تغيير الحالة وعندهم: لا.

стр. 459

(ساجدًا (٥٩) على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)؛ لقول ابن عباس: "أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة واليدين، والركبتين، والرجلين" متفق عليه، وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض" (٦٠)، ولا تجب (٥٩) مسألة: بعد فراغه من قوله: "ربنا ولك الحمد" وما بعده من الذكر: يجب عليه أن يسجد بأن يخرُّ وينكبُّ على الأرض قائلًا - في أثناء انكبابه وسقوطه على الأرض -: "الله أكبر" بحيث يفرغ من هذه الكلمة قبل أن يصل إلى الأرض، وهذا السجود ركن، ولا يرفع كفيه إذا خرَّ ساجدًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" فأوجب السجود؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يرفع يديه حين يسجد - كما روى ابن عمر وأبو حُميد -، فإن قلتَ: لِمَ كان السجود ركنًا؟ قلتُ: للمبالغة في التذلل والخضوع والعبودية لله؛ حيث يضع المسلم أشرف عضو منه وهو: الوجه على الأرض مكان النعال والأقدام، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب رفع اليدين هنا؟ قلتُ: لأن وضع الوجه على الأرض يكفي عن رفع اليدين ووضعهما، فسقوط الجسم كله على الأرض أعظم من رفع اليدين ووضعهما، ولأن الساجد يستعد باليدين لوضعهما على الأرض. (٦٠) مسألة: يجب أن يسجد على سبعة أعضاء ويضعها على الأرض وهي: أطراف أصابع رجليه، ثم ركبتيه، ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه، والسجود على ذلك ركن؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين، أولهما: أنه ﵇ قد أمر بأن يُسجد على هذه الأعضاء، وأشار بيده إلى أنفه - كما روى ابن عباس - فأوجب السجود عليها؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ثانيهما: قوله =

стр. 460

مباشرة المصلي بشيء منها: فتصحُّ (ولو) سجد (مع حائل) بين الأعضاء ومُصلاه، قال البخاري في "صحيحه": قال الحسن: "كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة" إذا كان الحائل (ليس من أعضاء سجوده) (٦١) فإن جعل بعض أعضاء السجود فوق بعض: كما لو وضع يديه على فخذيه، أو جبهته على يديه: لم يجزئه (٦٢) ويُكره ترك - ﷺ : "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض" حيث نفى صحة الصلاة إذا لم يضع المصلي أنفه على الأرض، حيث إن دلالة الاقتضاء دلَّت على ذلك؛ لأنه أصح شيء يُحمل عليه هذا النفي؛ فلا يُحمل على نفي الكمال، ولا نفي الوقوع والصورة إذا أمكن حمله على نفي الصحة؛ لأوليته بالحمل، فإن قلتَ: لِمَ كان السجود على هذه الأعضاء ركنًا؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله، ولإخلاص العبودية له سبحانه، ولأن هذه الهيئة في السجود تجعل الساجد يعبد الله براحة وطمأنينة بدون مشقة. (٦١) مسألة: يُباح سجود المصلي على حائل يكون بينه وبين الأرض - إذا كان الحائل ليس من الأعضاء السبعة - كالسجاد والفرش، وطرف الثوب، والعمامة، والقلنسوة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يسجد على كور عمامته، وحكاه الحسن البصري عن جمع من الصحابة، وأي حائل مثل العمامة؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس. (٦٢) مسألة: إذا وضع بعض أعضاء السجود على بعض كأن: يضع كفيه تحت ركبتيه أو فوقهما، أو أحدهما، أو وضع كفًا على كفٍّ، أو وضع رجلًا على رجل، أو وضع يديه فوق فخذيه، أو وضع جبهته على يده ونحو ذلك: فإن هذا السجود لا يجزئه، فتبطل صلاته بذلك؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﵇ قد أمر بالسجود على سبعة أعضاء" حيث دل مفهوم العدد على عدم =
следующие страницы →