Полный текст (3 194 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
يرفع رأسه (٥٣) ويديه)؛ لحديث ابن عمر السابق (٥٤) (قائلًا إمام ومنفرد: "سمع الله لمن حَمِدَه" مُرتَّبًا وجوبًا؛ لأنه ﷺ كان يقول ذلك، قاله في "المبدع"، ومعنى "سَمِع": استجاب (٥٥) (و) يقولان (بعد قيامهما) واعتدالهما (ربَّنا ولك الحمد ملء
للسنة القولية، حيث ورد الأمر بتعظيم الله في الركوع فقط، دون زيادة؟ قلتُ: هذا لا يمنع من الزيادة التي هي من جنس التعظيم، والنبي ﷺ كان يزيد كما سبق، تنبيه: قول أحمد: "جاء عن الحسن … " الخ، قلتُ: هذا قول لم أجد دليلًا عليه.
(٥٣) مسألة: بعد فراغه من قوله: "سبحان ربي العظيم": يجب أن يرفع من ركوعه - وهذا الرفع ركن - ثم يعتدل قائمًا وهو ركن أيضًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا" حيث أوجب هذا الرفع والاعتدال؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ كان الرفع ركنًا؟ قلتُ: ليعود إلى القيام الذي هو أفضل من الركوع؛ المشروعية القراءة فيه دون الركوع، وهذا كله للاستعداد للسجود، فإن قلتَ: لِمَ كان الاعتدال ركنًا؟ قلتُ: لأن المصلي لا يُمكنه مناجاة ربه بهدوء بغير ذلك.
(٥٤) مسألة: يُستحب أن يرفع يديه في أثناء رفعه من الركوع - كما فعل في التحريمة -؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما روى ابن عمر -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في رفعهما في تكبيرة الإحرام في مسألة (١٥).
(٥٥) مسألة: يجب أن يقول إمام ومنفرد: "سَمِعَ الله لمن حَمِدَه" في أثناء رفعهما من الركوع؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده" حيث أوجب الشارع قول ذلك؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ وَجَب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه العبارة قد تضمَّنت الاستجابة لكل من حمده؛ لكونه لا يحمد إلا لأنه مستحق للحمد ورجاء للزيادة أصله: قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
стр. 457
السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بَعْد) أي: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ ذلك، وله قول: "اللهم ربَّنا ولك الحمد" وبلا "واو" أفضل عكس: "ربنا لك الحمد" (٥٦) (و) يقول (مأموم في رفعه: ربَّنا ولك الحمد فقط)؛ لقوله ﵊: "إذا قال الإمام: سَمِع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" متفق عليه من حديث أبي هريرة (٥٧)، وإذا رفع المصلي من الركوع: فإن شاء وضع يمينه على
(٥٦) مسألة: يُستحب أن يقول إمام ومنفرد بعد اعتدالهما قائمين: "ربَّنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمبالغة في حمد الله تعالى، على نعمه الظاهرة والباطنة، بحيث إن هذا الحمد لو فرض أن يكون أجسادًا لملأ السماوات والأرض، وهذا غاية في الحمد والشكر والتعظيم الذي لا يستحقه إلا الله سبحانه، تنبيه: عبارة "اللهم ربنا ولك الحمد" أو "ربنا لك الحمد" يستوي فيهما وجود الواو وحذفها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ورد ذلك في روايتين، ولعدم اختلاف المعنى في وجودها وعدمه؛ لأن ما قبل "الواو" جملة خاصة بالدعاء وما بعدها: جملة خاصة بالاعتراف، وليس كما زعمه المصنف من أن وجودها في الجملة الثانية أفضل، وحذفها من الأولى أفضل؛ لعدم وجود الدليل على هذا التفريق.
(٥٧) مسألة: يجب أن يقول المأموم: "ربنا ولك الحمد" في أثناء رفعه من الركوع، ويُستحب أن يزيد قائلًا: "ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد حيث أوجب على المأمومين أن يقولوا ذلك؛ =
стр. 458
شماله أو أرسلهما (٥٨)، (ثم) إذا فرغ من ذكر الاعتدال (يخرُّ مُكبِّرًا) ولا يرفع يديه
لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: القياس، بيانه: كما يُستحب للإمام والمنفرد أن يقولا: "ملء السماء … " فكذلك يُستحب للمأموم والجامع: المبالغة في حمد الله للمصلي، دون ترتُّب ضرر على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك على المأموم؟ قلتُ: لأن قوله ﷺ : "ربنا ولك الحمد" هو بدل عن قول الإمام: "سَمِعَ اللهُ لمن حمده" فكأن الإمام يقول: إن الله يسمع كلَّ من حَمِده، فيحمد المأموم الله؛ لكونه مؤتمًا بالإمام، فإن قلتَ: إن المأموم لا يزيد عن قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ لورودها في الحديث السابق فقط - وهو ما ذكره المصنف هنا - فيُقتصر على ما ورد؟ قلتُ: إن الحديث ورد بذلك، ولكن لم يتعرض لنفي الزيادة، فيُستحب للمأموم أن يزيد: "ملء السماء … " كغيره من المصلين؛ للمصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه "هل ما ورد في الحديث السابق يُفيد نفي الزيادة عليه من جنسه أو لا؟ " فعندنا لا يفيد ذلك، وعندهم يفيد نفي الزيادة.
(٥٨) مسألة: إذا اعتدل المصلي قائمًا بعد رفعه من الركوع: فإنه يُستحب أن يضع يُمناه على يُسراه تحت سرته - كما فعل بعد تكبيرة الإحرام -؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب فعل ذلك في القيام بعد التحريمة فكذلك يفعل ذلك في القيام بعد رفعه من الركوع، والجامع: القيام في كل، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم وتبجيل وخضوع وخشوع، فإن قلتَ: يُباح وضع يُمناه على يُسراه، ويُباح إرسالهما؛ وهذا ما ذكره المصنف؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في ذلك الإباحة، فيعمل بذلك؛ لعدم وجود دليل يُغير ذلك قلتُ: لا تسلِّم عدم وجود دليل يُغير الحالة؛ حيث ورد دليلان هما: "القياس" و"المصلحة" وقد سبقا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع الاستصحاب" فعندنا يُعمل بالقياس؛ لكونه قد قوي على تغيير الحالة وعندهم: لا.
стр. 459
(ساجدًا (٥٩) على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)؛ لقول ابن عباس: "أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة واليدين، والركبتين، والرجلين" متفق عليه، وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض" (٦٠)، ولا تجب
(٥٩) مسألة: بعد فراغه من قوله: "ربنا ولك الحمد" وما بعده من الذكر: يجب عليه أن يسجد بأن يخرُّ وينكبُّ على الأرض قائلًا - في أثناء انكبابه وسقوطه على الأرض -: "الله أكبر" بحيث يفرغ من هذه الكلمة قبل أن يصل إلى الأرض، وهذا السجود ركن، ولا يرفع كفيه إذا خرَّ ساجدًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" فأوجب السجود؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يرفع يديه حين يسجد - كما روى ابن عمر وأبو حُميد -، فإن قلتَ: لِمَ كان السجود ركنًا؟ قلتُ: للمبالغة في التذلل والخضوع والعبودية لله؛ حيث يضع المسلم أشرف عضو منه وهو: الوجه على الأرض مكان النعال والأقدام، فإن قلتَ: لِمَ لا يُستحب رفع اليدين هنا؟ قلتُ: لأن وضع الوجه على الأرض يكفي عن رفع اليدين ووضعهما، فسقوط الجسم كله على الأرض أعظم من رفع اليدين ووضعهما، ولأن الساجد يستعد باليدين لوضعهما على الأرض.
(٦٠) مسألة: يجب أن يسجد على سبعة أعضاء ويضعها على الأرض وهي: أطراف أصابع رجليه، ثم ركبتيه، ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه، والسجود على ذلك ركن؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين، أولهما: أنه ﵇ قد أمر بأن يُسجد على هذه الأعضاء، وأشار بيده إلى أنفه - كما روى ابن عباس - فأوجب السجود عليها؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ثانيهما: قوله =
стр. 460
مباشرة المصلي بشيء منها: فتصحُّ (ولو) سجد (مع حائل) بين الأعضاء ومُصلاه، قال البخاري في "صحيحه": قال الحسن: "كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة" إذا كان الحائل (ليس من أعضاء سجوده) (٦١) فإن جعل بعض أعضاء السجود فوق بعض: كما لو وضع يديه على فخذيه، أو جبهته على يديه: لم يجزئه (٦٢) ويُكره ترك
- ﷺ : "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض" حيث نفى صحة الصلاة إذا لم يضع المصلي أنفه على الأرض، حيث إن دلالة الاقتضاء دلَّت على ذلك؛ لأنه أصح شيء يُحمل عليه هذا النفي؛ فلا يُحمل على نفي الكمال، ولا نفي الوقوع والصورة إذا أمكن حمله على نفي الصحة؛ لأوليته بالحمل، فإن قلتَ: لِمَ كان السجود على هذه الأعضاء ركنًا؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله، ولإخلاص العبودية له سبحانه، ولأن هذه الهيئة في السجود تجعل الساجد يعبد الله براحة وطمأنينة بدون مشقة.
(٦١) مسألة: يُباح سجود المصلي على حائل يكون بينه وبين الأرض - إذا كان الحائل ليس من الأعضاء السبعة - كالسجاد والفرش، وطرف الثوب، والعمامة، والقلنسوة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يسجد على كور عمامته، وحكاه الحسن البصري عن جمع من الصحابة، وأي حائل مثل العمامة؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس.
(٦٢) مسألة: إذا وضع بعض أعضاء السجود على بعض كأن: يضع كفيه تحت ركبتيه أو فوقهما، أو أحدهما، أو وضع كفًا على كفٍّ، أو وضع رجلًا على رجل، أو وضع يديه فوق فخذيه، أو وضع جبهته على يده ونحو ذلك: فإن هذا السجود لا يجزئه، فتبطل صلاته بذلك؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﵇ قد أمر بالسجود على سبعة أعضاء" حيث دل مفهوم العدد على عدم =
стр. 461
مباشرتها بلا عذر (٦٣)، ويُجزئ بعض كل عضو، وإن جعل ظهر كفيه أو قدميه على الأرض أو سجد على أطراف أصابع يديه: فظاهر الخبر: أنه يُجزئه - ذكره في "الشرح" - (٦٤)، ومن عجز بالجبهة: لم يلزمه بغيرها، ويومئ ما
إجزاء السجود على أقلَّ من ذلك، ولو وضع عضوًا من أعضاء السجود على الآخر: لكان ساجدًا على أقل من السبعة، فلا يجزئه ذلك - وهو قادر على السجود عليها كلها -، فإن قلتَ: لِمَ تبطل صلاته هنا؟ قلتُ: لأنه فعل فعلًا ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا، فيشمله عموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردُّ".
(٦٣) مسألة: يُكره السجود على حائل إن كان مستطيعًا للسجود على الأرض؛ للمصلحة؛ حيث إن ملامسة تلك الأعضاء السبعة للتراب ومباشرتها له أبلغ في العبودية والتذلل والتواضع والخضوع لله سبحانه المستحق لذلك؛ فيُكره السجود على الحائل لغير عذر.
(٦٤) مسألة: لا يجزئ في السجود إلا إذا وضع كل عضو بكامله - من الأعضاء السبعة - على الأرض بأن يسجد على أطراف أصابع القدمين بكاملها، وعلى كفيه بكاملهما، وعلى ركبتيه بكاملهما، وعلى جبهته وأنفه بكاملهما هذا إذا قدر على ذلك، أما العاجز عن ذلك أو عن بعضه: فإنه يسجد على حسب قدرته، وبناء على ذلك فإنه لو وضع بعض أصابع رجليه أو جزءًا من ركبتيه، أو جزءًا من جبهته أو أنفه، أو سجد على غير المعتاد: كأن يجعل ظهر كفِّه أو ظهر قدمه، أو أطراف أصابع اليدين على الأرض وهو متعمِّد قادر على السجود العادي: فإن هذا لا يجزئه، وتبطل الصلاة به، للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ أمر بأن يسجد على سبعة أعضاء: أصابع الرجلين، والركبتين، واليدين، والجبهة والأنف، وهذا عام، فيشمل جميع أجزاء العضو =
стр. 462
أمكنه (٦٥) (ويُجافي) الساجد (عضُديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه) وهما عن ساقيه
الواحد، فيسجد على العضو كاملًا السجود المعتاد، فمن سجد على بعضه، أو سجد عليه سجودًا غير معتاد: فلا يسمى ساجدًا سجودًا شرعيًا فيكون مردودًا؛ لكونه أتى بغير ما أمر الشارع به؛ لعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردُّ"، ثانيهما: قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فالواجب يسقط بالعجز عنه، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لإتمام العبادة على الوجه الذي شرعه الله تعالى؛ إذ تركه عمدًا يكون من العبث واللعب، لانعدام أو قلة الخشوع والتذلل والخضوع، فإن قلتَ: إنه يجزئ وضع بعض العضو، أو السجود على غير المعتاد، كأن يضع ظهر كفه، أو ظهر قدمه، أو أطراف الأصابع من اليدين على الأرض سواء كان عمدًا أو سهوًا، وسواء كان قادرًا على السجود المعتاد أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث إن ظاهر أمره ﷺ : "بأن يسجد على سبعة أعظم .. " يدلُّ على ذلك، قلتُ: من سجد على بعض العضو من الأعضاء، أو سجد على غير المعتاد: لا يشمله عموم الحديث السابق؛ لكونه لا يسمى ساجدًا شرعًا ولغة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "هل يُسمَّى من وضع بعض عضوه، أو وضعه على غير المعتاد ساجدًا شرعًا أو لغة؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(٦٥) مسألة: إذا لم يستطع السجود على عضو من الأعضاء السبعة لمرض ونحوه، فإنه لا يجب عليه السجود على غير ذلك العضو تعويضًا عنه، بل الواجب عليه أن يومئ إلى ذلك: فإذا عجز عن السجود على الجبهة مثلا: فإنه يومئ إلى السجود عليها، ويهبط وينهزع على حسب قدرته؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: "أمره ﷺ بالسجود على الأعضاء السبعة" فلا ينوب عن تلك الأعضاء غيرها؛ حيث أمر بالسجود عليها بعينها، ثانيهما: قوله ﷺ : =
стр. 463
ما لم يؤذ جاره (ويُفرق ركبتيه) ورجليه، وأصابع رجليه ويُوجهها إلى القبلة، وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه إن طال (٦٦) (ويقول) في السجود: (سبحان ربي الأعلى) على ما تقدم في تسبيح الركوع (٦٧) (ثم يرفع رأسه) إذا فرغ من السجدة (مُكبِّرًا،
" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث أوجب الشارع بأن يفعل ما يستطيعه من الأحكام الشرعية؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس.
(٦٦) مسألة: يُستحب للرجل إذا سجد: أن يُبْعِد عَضُديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويُباعد بين ركبتيه ورجليه وأصابعهما، ويُوجِّه تلك الأصابع إلى القبلة إلا إن طال السجود فيُباح له إلصاق المرفقين على الفخذين، هذا كله بشرط عدم إيذاء المجاور له في الصف؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يباعد بين ما ذكرناه في السجود - كما روى أبو حميد -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الهيئة في السجود أقرب إلى النشاط واليقظة، وهما يُناسبان تلك العبادة، وفيها تذلل وخشوع، بخلاف اعتماد بعض ما ذكرنا على بعض؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى الكسل والخمول وهذا مناف للعبادة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح إلصاق المرفقين على الفخذين إن طال السجود؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخفيف المشقة على الساجد عندما يطيل الدعاء، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إيذاء الآخرين محرم - ولو كانت وسيلة الأذى طاعة -؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
(٦٧) مسألة: يجب أن يقول المصلي في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" مرة واحدة، وإن زاد ثانية فهو أفضل، وإن زاد ثالثة: فهو أدنى الكمال، أما الإمام: فإنه يُكثر من قول ذلك، كما سبق ذكره في مسألة (٥٢)، ويُستحب أن يُكثر الدعاء =
стр. 464
ويجلس مفترشًا يُسراه) أي: يُسرى رجليه (ناصبًا يُمناه) ويُخرجها من تحته، ويُثني أصابعها نحو القبلة، ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع (٦٨)، (ويقول) بين
بحوائجه الأخروية بعد ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه لما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال ﷺ : "اجعلوها في سجودكم" حيث أوجب الشارع ذلك؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال حذيفة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول إذا سجد: "سبحان ربي الأعلى"، فإن قلتَ: لِمَ وجب قول ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُنزِّه الله في ذلك؛ لأن السجود هبوط وانحطاط إلى الأرض، وهذا نقص، فيُبين العبد أنه يُنزه الله عن ذلك، ويصفه بأنه الأعلى دائمًا، فإن قلتَ: لِمَ استُحب كثرة الدعاء في السجود؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العبد يكون أقرب إلى الله تعالى وهو ساجد؛ لقوله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" فإن قلتَ: ما سبب ذلك؟ قلتُ: لأن المسلم في سجوده يكون في ذُل، فتكون رحمة الله قريبة منه.
(٦٨) مسألة: بعد فراغه من قوله: "سبحان ربي الأعلى" وهو ساجد: يجب عليه أن يرفع رأسه وهو يُكبِّر قائلًا: "الله أكبر" ويكون التكبير أثناء رفعه، وهذا الرفع ركن، ثم يجلس جلسة مطمئنة وهي ركن أيضًا، وصفتها المستحبة: أن يفرش رجله اليُسرى، ويكون ظهرها متوجهًا إلى القبلة، وينصب رجله اليُمنى بأن يجعلها قائمة، وتكون خارجة من جهة اليمين، ويُثني أصابعها إلى جهة القبلة، ويضع يديه على فخذيه مبسوطتين مضمومتي الأصابع - وتُسمَّى هذه: "الجلسة بين السجدتين" وهي ركن ويفعل ذلك أيضًا في "جلسة التشهد الأول" - كما سيأتي -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا" - أي: بعد السجدة - وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: قول عائشة: "كان =
стр. 465
السجدتين (رب اغفر لي) الواجب: مرة، والكمال: ثلاث (٦٩) (ويسجد) السجدة (الثانية كالأولى) فيما تقدَّم من التكبير والتسبيح وغيرهما (٧٠) (ثم يرفع) من
- ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدًا"، ثانيهما: قول عائشة: "كان ﷺ يفرش رجله اليُسرى وينصب اليُمنى" ويلزم من ذلك فعله لوصف تلك الجلسة السابقة، فإن قلتَ: لِمَ يرفع مكبرًا، ولِمَ كان ذلك ركنًا؟ قلتُ: لأن الرفع من السجود فيه بعض العظمة التي قد يراها بعض الناس لنفسه، فيُكبِّر الله هنا؛ ليتذكر أن الله أكبر منه، ومن كل شيء فيتذلل له، فإن قلتَ: لِمَ استُحبت تلك الجلسة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الجلسة هي المناسبة لجلسة يتعبد الله بها؛ حيث إنها تؤدي إلى الاطمئنان، بخلاف ما لو جلس على صفة الإقعاء: فإنها تشق عليه، وليست جلسة عبادة.
(٦٩) مسألة: يجب أن يقول في أثناء جلوسه: "رب اغفر لي" مرة واحدة، وإن زادها ثانية فهو أفضل، وإن زادها ثالثة: فهو أدنى الكمال، ويُكثر الإمام من قول ذلك كما سبق في مسألة (٥٢)، وإن دعا بعد ذلك: فمستحب؛ للسنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: قول حذيفة: "كان ﷺ يقول بين السجدتين: رب اغفر لي" وكان يواظب على ذلك، ثانيهما: قول ابن عباس: "كان ﷺ يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني" فإن قلتَ: لِمَ يقول ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المصلي لما ركع وسجد وتذلل له، وسبَّحه ناسب أن يدعوه بهذا، لتكون الاستجابة قريبة، فإن قلتَ: لِمَ استُحبت الزيادة والدعاء؟ قلتُ: لما ذكرناه في الركوع والسجود - في مسألتي: (٥٢ و ٦٧) -.
(٧٠) مسألة: بعد فراغه من قوله: "رب اغفر لي" - وهو جالس - يسجد السجدة الثانية، ويفعل ويقول فيها كما فعل وقال في السجدة الأولى من التكبير =
стр. 466
السجود (مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه) ولا يجلس للاستراحة (معتمدًا على ركبتيه إن سهل) وإلا: اعتمد على الأرض (٧١)، وفي الغُنية": يُكره أن يُقدِّم إحدى
والتسبيح والصفة - كما سبق في مسائل (٦٠ إلى ٦٧)؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" وقد سبق تقريره، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يسجد سجدتين في كل ركعة - كما ذكره من وصف صلاة النبي ﷺ من الصحابة -، فإن قلتَ: لِمَ كرر السجود دون الركوع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن السجود أبلغ في التذلل والخضوع لله تعالى، وأقرب ما يكون العبد إلى ربه، لذا شرع الشارع تكراره؛ جلبًا للمصالح لهذا العبد، بخلاف الركوع.
(٧١) مسألة: بعد فراغه من السجدة الثانية: يجب عليه أن يرفع رأسه وينهض قائمًا، ويقول - أثناء قيامه -: "الله أكبر" - وهذا القيام ركن -، وصفة هذا القيام المستحب: أن يعتمد على مقدمتي قدميه وركبتيه إن تيسر ذلك، فإن صعب: فإنه يعتمد على الأرض بيديه على النهوض؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث إن الواجب على كل عبد أن يفعل ما يستطيعه، الثانية: السنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: "أنه ﷺ كان يُكبِّر حين يقوم من السجدة الثانية"، ثانيهما: "أنه ﷺ كان إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه"، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: ليعود إلى ما كان عليه من القيام، وشرعت هذه الصفة في القيام؛ لأنها تناسب العبادة - كما سبق -، وإن عجز: فإنه يعتمد على الأرض؛ لما فيه من دفع المشقة، [فرع]: لا تُستحب جلسة الاستراحة وهي: جلسة خفيفة تكون بين الرفع من السجدة الثانية والقيام؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر وابنه، وابن مسعود وابن عباس لم يستحبوها، فإن قلتَ: إنها مستحبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعلها، قلتُ: إن هذا الفعل يُحتمل أنه =
стр. 467
رجليه (٧٢) (ويُصلي) الركعة (الثانية كذلك) أي: كالأولى (ما عدا التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام (والاستفتاح، والتعوذ، وتجديد النية) فلا تُشرع إلا في الأولى، لكن إن لم يتعوَّذ فيها: تعوَّذ في الثانية (٧٣) (يجلس مفترشًا) كجلوسه بين السجدتين (ويداه على فخذيه) ولا يُلقمهما ركبتيه و (يقبض خنصر) يده (اليُمنى، وبنصرها،
لكبر سنه، وضعفه في آخر حياته، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، ويؤيد ذلك: أن الذي روى ذلك هو مالك بن الحويرث قد قدم إلى النبي ﷺ في آخر حياته؛ ويؤيده أيضًا قوله ﷺ : "إني بدنتُ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود" فلم تثبت شرعًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع قول الصحابي" فعندنا: يعمل بقول الصحابي؛ لكونه أقوى من السنة هنا؛ لأن الاحتمال أضعفها، وعندهم: يعمل بالسنة.
(٧٢) مسألة: يُكره أن يُقدِّم المصلي إحدى رجليه ليتقوى بذلك على القيام من السجود بدون عذر، قاله عبد القادر الجيلي في كتابه: "الغنية"؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الفعل فيه حركة قليلة قد تؤثر على كمال الأجر في الصلاة.
(٧٣) مسألة: إذا استوى قائمًا - بعد السجدة الثانية -: فإن تلك تسمَّى الركعة الثانية، ويفعل ويقول من القراءة والركعة، والسجدتين، والجلوس بين السجدتين، كما فعل وقال في الركعة الأولى، ولكن لا يُشرع في الركعة الثانية أن يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ولا الاستفتاح، ولا يأتي بنية جديدة خلاف النية الأولى، ولا يتعوذ، لكن إن لم يتعوذ في الأولى: تعوذ في الثانية؛ لقاعدتين: الأول: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﵇ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشرع قول ذلك في الثانية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تكرار ذلك في كل ركعة فيه مشقة، مع أن المقصود منها قد حصل بمرَّة واحدة.
стр. 468
ويُحلِّق إبهامها مع الوسطى): بأن يجمع بين رأس الإبهام والوسطى، فتشبه الحلقة من حديد ونحوه (ويُشير بسبَّابتها) من غير تحريك (في تشهُّده) ودعائه في الصلاة وغيرها عند ذكر الله تعالى؛ تنبيهًا على التوحيد (ويبسط) أصابع (اليُسرى) مضمومة إلى القبلة (٧٤) (ويقول) سِيرًّا: (التحيات لله) أي: الألفاظ التي تدل على
(٧٤) مسألة: بعد فراغه من الركعة الثانية - بقيامها وركوعها وسجودها الأول، ثم الجلسة بعدها، ثم السجدة الثانية -: يجلس جلسة التشهد الأول للصلاة الرباعية والثلاثية وهذا واجب، وللتشهد الأخير للصلاة الثنائية - وهي الفجر -، والصفة المستحبة لهذه الجلسة هي: أن يفترش رجله اليُسرى - كما سبق في صفة الجلسة بين السجدتين في مسألة (٦٨) - واضعًا يده اليُمنى على فخذه الأيمن، باسطًا ذراعيه على طول فخذه، ويقبض خنصر يده اليُمنى والبنصر منها، ويُحلِّق الوسطى مع الإبهام ويجعلهما كحلقة، ويترك إصبعه السبابة متوجهًا إلى القبلة؛ ليُشير به عند التشهد بدون تحريك، ويُشير به - أيضًا - عند ذكر الله تعالى أثناء صلاته، أما يده اليُسرى فيضعها على فخذه الأيسر ممدودة مبسوطة، ويضم أصابعها؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه يجلس للتشهد الأول، ومستنده: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن قلتَ: لِمَ شُرعت تلك الصفة في الجلسة؟ قلتُ: لأن هذه الصفة هي أعلى مراتب الرغبة والرهبة والتذلل والخشوع، وأكمل صفات الاعتذار لله تعالى؛ لكونه جاثيًا على ركبتيه أمام خالقه، فإن قلتَ: لِمَ خُصِّصت اليُمنى بتلك الأفعال؟ قلتُ: لكون اليمين تُقدَّم للأفعال الشريفة - كما سبق -، فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ إصبع السبَّابة للإشارة عند التشهد، ولِمَ سُمي بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن هذا الإصبع أقوى الأصابع في الإشارة؛ لكونه متصلًا بعروق القلب مباشرة - كما قيل -، فتكون الإشارة به سببًا لحضور القلب، فيكون في ذلك توحيد الله باطنًا وظاهرًا، وسُمي بالسبابة؛ لأنه يُشار به عند السَّبِّ والمخاصمة، فإن قلتَ: =
стр. 469
السلام والملك، والبقاء، والعظمة لله تعالى، مملوكة له ومختصَّة به (والصلوات) أي: الخمس أو الرحمة، أو المعبود بها، أو العبادات كلها، أو الأدعية (والطيبات) أي: الأعمال الصالحة، أو من الكلم (السلام) أي: اسم السلام، وهو: الله، أو سلام الله (عليك أيها النبي) بالهمز من النبأ؛ لأنه مخبر عن الله، وبلا همز: إما تسهيلًا، أو من النبوة، وهي: الرفعة، وهو: من ظهرت المعجزات على يده (ورحمة الله وبركاته) جمع بركة وهي: النماء والزيادة (السلام علينا) أي: على الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح، وهو: القائم بما عليه من حقوق الله، وحقوق عباده، وقيل: المكثر من العمل الصالح، ويدخل فيه النساء، ومن لم يُشاركه في الصلاة (أشهد أن لا إله إلا الله) أي: أخبر بأني قاطع بالوحدانية (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) المرسل إلى الناس كافة (هذا التشهد الأول) علَّمه النبي ﷺ ابن مسعود، وهو في "الصحيحين" (٧٥) (ثم يقول) في التشهد الذي يعقبه
لِمَ يُحلِّق الإبهام مع الوسطى ويقبض الخنصر والبنصر؟ قلتُ: للحزم والمبالغة في الاهتمام بما يقول في تشهده.
(٧٥) مسألة: إذا اطمئن واستوى جالسًا للتشهد الأول - وهو الذي لا يليه السلام -: فإنه يجب أن يقول سرًا - بحيث يُسمع نفسه دون إزعاج الآخرين -: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" ثم يقوم في الرباعية والثلاثية، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث علَّم رسول الله ابن مسعود هذا التشهد، الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على عدم الجهر بالتشهدين، فإن قلتَ: لِمَ يقول ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُقر بأن جميع التعظيمات والعبادات، والطيبات من أعمال وأقوال لله تعالى، ثم يدعو بالسلام والسلامة والحفظ والعناية من الله لنبيه، ولجميع المسلمين، ثم =
стр. 470
السلام: (اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)؛ لأمره ﷺ بذلك في المتفق عليه من حديث كعب بن عجرة (٧٦)، ولا يجزئ لو أبدل "آل" بـ "أهل"، ولا تقديم الصلاة على التشهد (٧٧) (ويستعيذ) ندبًا فيقول:
يختم ذلك بكلمة التوحيد؛ تجديدًا لها، فائدة: إن جُعل لفظ "النبي" بدون همزة في آخره فهو: من النبوة، وهي: الرفعة، وهو: من ظهرت المعجزات على يده، وإن جعل بهمزة "النبيء" فالمراد به: المخبر، وهي لغة رديئة - كما جاء في "اللسان" (١/ ١٦٢) -، تنبيه: باقي معاني ألفاظ "التشهد" واضح من كلام المصنف.
(٧٦) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأول: فإنه يجب أن يقول التشهد الأخير - وهو وجلسته ركنان وهو الذي يليه التسليم سرًا - وهو: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" هذا إذا كانت الصلاة ثنائية، أما إن كانت ثلاثية أو رباعية: فإنه - بعد التشهد الأول - يقوم ليأتي بما بقي من صلاته، ثم يتشهد التشهد الأول، ثم الثاني هذا؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد أمر بذلك" والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ يقول ذلك في التشهد الأخير؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دعاء بالرحمة للنبي ﷺ ، وبأن يمدحه الله في الملأ الأعلى، ويسأله بأن يرحم أتباع محمد على دينه - وهو المراد بالآل كما سبق ذكره في مسألة (١١) من مسائل: "الافتتاحية والديباجة" - قبل البدء بكتاب الطهارة.
(٧٧) مسألة: لا يُجزئ إذا قال: "اللهم صل على محمد وعلى أهل محمد"، أو قدَّم "الصلاة على النبي" على "التشهد الأول"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" وهذا عام فيشمل الذي يقول =
стр. 471
أعوذ بالله (من عذاب جهنم و) من (عذاب القبر و) من (فتنة المحيا والممات و) من (فتنة المسيح الدَّجال) و"المحيا والممات": الحياة والموت، و"المسيح" - بالحاء المهملة - على المعروف (و) يجوز أن (يدعو بما ورد) أي: في الكتاب والسنة، أو عن الصحابة، والسلف، أو بأمر الآخرة، ولو لم يشبه ما ورد، وليس له الدعاء بشيء مما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها كقوله: "اللهم ارزقني جارية حسناء" أو "طعامًا طيبًا" وما أشبهه، وتبطل به (٧٨) (ثم يُسلم) وهو جالس؛ لقوله ﷺ : "وتحليلها
شيئًا في أحد التشهدين على غير ما أمر الشارع به، فمن فعل ذلك: فإنه يُردُّ كل عمله، فإن قلتَ: لِمَ يُجزئ ذلك؟ قلتُ: لسد الذرائع، لأنه لو فتح هذا لاجتهد الناس في أمور تعبُّدية، وهذا لا يجوز، ثم إن "أهل" المقصود به الزوجات والأولاد، والمقصود بـ "آل" أتباع محمد جميعًا إلى قيام الساعة، فيختلف المعنى باختلاف الألفاظ.
(٧٨) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأخير يُستحب: أن يستعيذ بالله من أربعة أمور قائلًا: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال"، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء من أمور الآخرة، والأفضل أن يدعو بما ورد في القرآن والسنة، ودعاء علماء الأمة المخلصين، ولا يدعو بشيء من أمور الدنيا وشهواتها، كأن يدعو بأن يرزقه بزوجة جميلة، أو بستان مثمر ونحو ذلك، فإن دعا بذلك: بطلت صلاته، ويجب أن يُعيدها؛ للسنة الفعلية والقولية؛ حيث كان ﷺ يدعو بتلك الكلمات الأربع بعد التشهد الأخير - كما رواه أبو هريرة - وقد أمر ﷺ "بأن يتخير العبد - بعد ذلك - من الدعاء أعجبه إليه" - كما رواه ابن مسعود -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدعاء قبل التسليم من المواضع التي تُستجاب الدعوة فيها، فقد سئل ﷺ أيُّ الدعاء =
стр. 472
التسليم" وهو: منها فيقول: (عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن
أسمع؟ فقال: "جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة" و"دُبُر الشيء": آخره، فيكون آخر الصلاة هو: دُبُرها، وهذا مناسب، حيث إنه يقع بعد قراءات وتكبيرات وتسبيحات وتعظيمات وتمجيدات، وصلوات على النبي، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّم الدعاء بتلك الكلمات الأربع؟ قلتُ: للمصلحة؛ فمن أُستعيذ بها وأُبعد عنها: فقد جمع خيري الدنيا والآخرة؛ حيث إنه يستعيذ من عذاب القبر وجهنم، وفتنة المحيا - وهو: حب الأموال، والمناصب والشهرة - وفتنة الممات - وهو: سؤال الملكين وهو في قبره، ويستعيذ من فتنة المسيح الدجال فيما لو خرج، وهو حي، فإن قلتَ: لِمَ خُصِّص المسيح بالذكر هنا؟ قلتُ: لعظم فتنته على وجه الأرض، ويُعتبر خروجه من علامات الساعة، وهو يخرج من جهة المشرق، ويمكث أربعين يومًا يخدع الناس، فيتبعه كثير منهم، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الألوهية، ثم بعد الأربعين ينزل المسيح: عيسى ﵇ فيقتل المسيح الدجال، فإن قلتَ: لِمَ سُمي بالمسيح؟ قلتُ: لأنه يمسح الأرض بسرعة سيره فيها - على أرجح الأقوال -، فإن قلتَ: لِمَ سُمي بالدجال؟ قلتُ: لأنه يُدَّجِّل على الناس ويكذب عليهم، ويخدعهم، فإن قلتَ: لِمَ لا يدعو في صلاته بشيء من أمور الدنيا؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث إن الدعاء بشيء من أمور الدنيا كلام من غير جنس الصلاة فيلزم من ذلك: أنه مُحرَّم، وأنه يُبطل الصلاة؛ لأن الكلام الذي من غير جنس الصلاة يُبطلها. [فرع]: يُستحب أن ينظر المصلي أثناء صلاته كلها - سواء كان قائمًا أو راكعًا أو جالسًا - إلى موضع سجوده؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا أجمع لنظره وفكره، وعقله من التشتت، فيكون أكمل في الخشوع والخضوع والتذلل.
стр. 473
يساره كذلك) (٧٩) وسُنَّ التفاته عن يساره أكثر (٨٠)، وأن لا يطول السلام، ولا يمدُّه في الصلاة ولا على الناس (٨١)، وأن يقف على آخر كل
(٧٩) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأخير، وما شاء من الدعاء: يجب عليه أن يختتم الصلاة بالتسليم، وهو ركن يلتفت أولًا عن يمينه، ويقول: "السلام عليكم ورحمة الله" ويلتفت عن يساره ويقول مثل ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وتحليلها التسليم" فحصر المبتدأ في الخبر، فدلَّ مفهوم الحصر هنا على أنه لا يتحلل من الصلاة إلا بالتسليم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلت: لِمَ كان ذلك ركنًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سلام على الحاضرين، لكونه مشغولًا عنهم بالصلاة في حمى ربه، كغائب حضر، ويدعو لهم، وللملائكة بالسلامة والحفظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى، ولأنه دخل في الصلاة بالتحريمة، وهو ركن فلا يقوى على إخراجه منها إلا بركن، وهو: التسليم.
(٨٠) مسألة: يُستحب للإمام أن يلتفت في تسليمه عن يساره أكثر من التفاته عن يمينه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان للمأمومين أن الصلاة قد انتهت لمن لم يتبيَّن له ذلك في التسليمة الأولى.
(٨١) مسألة: يُستحب أن يحذف السلام حذفًا باختصار وإيجاز وسرعة: فلا يمدُّه ويُمططه ويُطيله؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أبو هريرة: "حَذْفُ السلام سنة" وإذا قال الصحابي ذلك فإنه يقصد إن ذلك سنة سنَّها ﷺ ، و"حذف الشيء": الإسراع به والتخلص منه، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة قد انتهت، فليس من المناسب أن يُطيل بشيء لا فائدة من الإطالة فيه.
стр. 474
تسليمة (٨٢)، وأن ينوي به الخروج من الصلاة (٨٣)، ولا يُجزئ إن لم يقل: "ورحمة الله" في غير صلاة الجنازة (٨٤)، والأولى: أن لا يزيد: "وبركاته" (٨٥) (وإن كان)
(٨٢) مسألة: يُستحب أن يقف الإمام وغيره على لفظ الجلالة من قوله: "السلام عليكم ورحمة الله" في كل تسليمة فلا يصل التسليمتين؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في إعلام الآخرين بأن الصلاة قد انتهت.
(٨٣) مسألة: يجب على المصلي إذا أراد التسليم أن ينوي الخروج من الصلاة به؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يدخل في الصلاة إلا بنية الدخول وذلك بتكبيرة الإحرام، فكذلك لا يخرج منها إلا بنية الخروج بالتسليم، والجامع: أن العمل لا يصح شرعًا إلا بنية في كل، وهو المقصد منه.
(٨٤) مسألة: يُشترط في التسليم: أن يقول: "السلام عليكم ورحمة الله" في كل صلاة ذات ركوع وسجود؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على ذلك، فيلزم من المداومة الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من تمام السلام: طلب الرحمة من الله تعالى، فإن قلتَ: لِمَ قيد ذلك في الصلاة ذات الركوع والسجود؟ قلتُ: لأن الصلاة التي لا ركوع فيها ولا سجود وهي: صلاة الجنازة لا يشترط ذلك فيها فيجزئ وإن لم يقل: "ورحمة الله"؛ لكون صلاة الجنازة قد شُرعت للدعاء للميت بالرحمة، ونظرًا لسبق ذلك لا يشترط الدعاء بها مرة ثانية.
(٨٥) مسألة: المستحب: أن لا يزيد لفظ "وبركاته" في التسليم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ لا يقول: "وبركاته" في كثير من سلامه، والكثرة في إيقاع الشيء تفيد الاستحباب، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اختصار السلام مشروع - كما سبق في مسألة (٨١) - وحذف "وبركاته" يُساعد على هذا الاختصار.
стр. 475
المصلي (في ثلاثية) كمغرب (أو رباعية) كظهر (نهض مُكبِّرًا بعد التشهد الأول) ولا يرفع يديه (وصلى ما بقي كـ) الركعة (الثانية بالحمد) أي: الفاتحة (فقط) ويُسرُّ بالقراءة (ثم يجلس في تشهده الأخير متورِّكًا) يفرش رجله اليُسرى، وينصب اليُمنى، ويُخرجهما عن يمينه، ويجعل إليتيه على الأرض ثم يتشهد ويُسلِّم (٨٦)
(٨٦) مسألة: بعد فراغه من التشهد الأول في الظهر والعصر والمغرب والعشاء: يجب أن ينهض لإكمال صلاته وهو يُكبِّر، ويستحب أن يرفع يديه هنا، ثم يقرأ الفاتحة بادئًا بـ "الحمد لله" سرًا فقط دون أن يقرأ بعدها شيئًا، ثم يركع ويفعل كما فعل في الركعتين الأوليين، فإذا فرغ من ذلك: جلس للتشهد فيقول: التشهد الأول، ثم التشهد الأخير، ثم يدعو بما شاء، ثم يُسلِّم، ويُستحب أن يكون جلوسه على صفة التورُّك وهي: أن يعتمد على الورك الأيسر بأن يفرش قدمه الأيسر، وينصب الأيمن ويُخرجهما عن يمينه، ويجعل إليتيه ومقعدته على الأرض، للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يرفع يديه إذا قام من الركعتين، وكان لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين شيئًا بعد الفاتحة، وكان يجلس جلسة التورُّك - كما روى أبو حميد -، فإن قلتَ: لِمَ لا يقرأ بعد الفاتحة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلم في آخر صلاته قد تشق عليه القراءة، فإن قلتَ: لِمَ استُحب رفع اليدين هنا؟ قلتُ: لكونه أبلغ في التعظيم، فإن قلتَ: لم استُحبت جلسة التورك هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإطالة في هذه الجلسة مشروعة للتشهدين والدعاء، فلا يصلح لهذا إلا هذه الجلسة؛ تيسيرًا على الناس، فإن قلتَ: لا يرفع يديه عند القيام من الركعتين - وهو ما ذكره المصنف هنا - للسنة الفعلية؛ حيث لم يكن ﷺ يرفع يديه هنا؟ قلتُ: إن أبا حميد قد روى عنه ﷺ : أنه رفع يديه في هذا الموضع، وهذه زيادة ثقة مقبولة عندنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه "الخلاف في حجية زيادة الثقة" فعندنا: حجة، وعندهم: لا.
стр. 476
(والمرأة مثله) أي: مثل الرجل في جميع ما تقدم حتى رفع اليدين (لكن تضمُّ نفسها) في الركوع والسجود وغيرهما، فلا تتجافى، (وتسدل رجليها في جانب يمينها) إذا جلست، وهو أفضل، أو متربِّعة، وتسرُّ بالقراءة وجوبًا إن سمعها أجنبي، وخنثى كأنثى (٨٧) ثم يُسنُّ أن يستغفر ثلاثًا، ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" ويقول: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر معًا" ثلاثًا وثلاثين، ويدعو بعد كل مكتوبة مُخلصًا في دعائه (٨٨)
(٨٧) مسألة: صلاة المرأة والخنثى كصلاة الرجل في الأفعال والأقوال، لكن يُستحب للمرأة أن لا تُبعد عضو عن عضو في ركوع أو سجود، وأن تسدل رجليها وتجعلهما في الجانب الأيمن في جميع جلسات الصلاة، أو أن تتربع في جلستها والأنثى مثلها في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا عام فيشمل الرجال والنساء والخناثى، لأن "الواو" من صيغ العموم، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا كان يقول: "إذا صلت المرأة فلتحتفز وتضم فخذيها"، وكان ابن عمر "يأمر النساء بأن يتربَّعن في الصلاة" "وكانت عائشة تسدل رجليها في الجانب الأيمن منها إذا جلست في الصلاة"، وهذا كله مخصِّص للسنة القولية السابقة، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في سترها، والخنثى مثلها؛ لاحتمال أن يكون امرأة. [فرع]: يجب على المرأة أن تخفض صوتها في القراءة إذا كان حولها رجال أجانب عنها، فإن لم يوجد أجانب: فيُستحب أن تخفض صوتها؛ للتلازم؛ حيث إن جهرها بصوتها عند الأجانب يُثير الفتنة غالبًا فيلزم وجوب خفضه؛ دفعًا لذلك، ويلزم من جهرها بصوتها عند غير الأجانب: عدم إثارة الفتنة غالبًا، لذلك استحب خفض الصوت، لاحتمال وجود أجنبي ولو بعيدًا.
(٨٨) مسألة: يُستحب للمسلم إذا فرغ من صلاته أن يقول: "استغفر الله" ثلاث مرات، ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال =
стр. 477
فصل: (ويُكره في الصلاة التفاته)؛ لقوله ﷺ : "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" رواه البخاري (٨٩)، وإن كان لخوف ونحوه: لم
والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ" ثم يقول: "سبحان الله" ثلاثًا وثلاثين، و"الحمد لله" ثلاثًا وثلاثين و"الله أكبر" ثلاثًا وثلاثين فتكون تسعًا وتسعين، ثم يكمل المائة بقوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك" ويُخلص في هذا الدعاء، ثم يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص، والفلق، والناس، للسنة القولية والفعلية؛ حيث إنه ﷺ أرشد إلى بعض ذلك، وفعل البعض الآخر في أحاديث كثيرة رواها معاذ، والزبير، والحارث، وأبي أمامة، وعقبة وغيرهم، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما بعد الصلاة مباشرة من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء؛ حيث إنه وقع بعد القراءات والتعظيمات، والتكبيرات، والصلاة على النبي ﷺ فناسب الدعاء والذكر هنا، وفيه تجديد للتوحيد.
(٨٩) مسألة: يُكره الالتفات القليل بلا حاجة في أثناء الصلاة، للسنة القولية؛ حيث سئل النبي ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" فالشيطان يختطف البصر بسرعة من المصلي على غفلة منه، وهذا يُنقص من أجرها لذا: كُره، ولم يُبيِّن ﵇ أن الصلاة تبطل، وهذا يلزم منه: صحتها؛ إذ لو كانت باطلة لبينه؛ لأنه لا يجوز تأخير =
стр. 478
يُكره (٩٠)، وإن استدار بجملته، أو استدبر القبلة في غير شدَّة خوفٍ: بطلت صلاته (٩١) (و) يُكره (رفع بصره إلى السماء) إلا إذا تجشأ فيرفع وجهه؛ لئلا يؤذي من حوله؛ لحديث أنس: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم" فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال "لينتهينَّ، أو لتُخطفنَّ أبصارهم"
البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الالتفات عبث وإن كان قليلًا، والعبث يُنقص من أجر الصلاة، فإن قلتَ: لِمَ لم يحرم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الالتفات اليسير لا يسلم منه أحد، فروعيت المشقة، من باب "ما تعم به البلوى".
(٩٠) مسألة: يُباح للمصلي: أن يلتفت - وإن كان كثيرًا - بشرط: أن يكون ذلك لحاجة أو ضرورة: كأن يكون خائفًا من عدو، أو دابة، أو سيارة، أو حشرة، أو ضياع أهل أو مال أو نحو ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يلتفت إلى الشِّعب وهو يصلي؛ لوجود عدو هناك - كما رواه سهل بن الحنظلية -، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضررٍ عن الناس.
(٩١) مسألة: إذا استدار المصلي بجميع بدنه - رأسه وصدره ورجليه - لغير القبلة، أو جعل القبلة قبالة ظهره: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان في شدة خوف: فصلاته صحيحة، للتلازم؛ حيث يلزم من هذه الشدة في الخوف: صحة الصلاة؛ لأن شرط "استقبال القبلة" - يسقط بالعجز عنه؛ بسبب الخوف، والضرورات تبيح المحظورات، ثانيًا: إن لم توجد شدة خوف: فإن صلاته تبطل للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الشرط: عدم المشروط، فيلزم من عدم استقبال القبلة - لغير ضرورة وهي شدة الخوف -: عدم صحة الصلاة؛ فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن الناس، ومراعاة أحوالهم.
стр. 479
رواه البخاري (٩٢) (و) يُكره أيضًا (تغميض عينيه)؛ لأنه فعل اليهود (٩٣) (و) يُكره أيضًا (إقعاؤه) في الجلوس، وهو: أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه - هكذا فسَّره الإمام وهو قول أهل الحديث - واقتصر عليه في "المغني" و"المقنع" و"الفروع" وغيرها، وعند العرب: "الإقعاء" جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا قدميه مثل إقعاء الكلب، قال في "شرح المنتهى": "وكل من الجلستين مكروه"؛ لقوله ﷺ : "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يُقعي الكلب" رواه ابن
(٩٢) مسألة: يُكره رفع المصلي بصره إلى السماء لغير حاجة، فإن رفعه لحاجة كان يغلبه الجشأ فله رفع وجهه بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن ذلك - في حديث أنس - وصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ القياس، بيانه: كما أن الالتفات اليسير أثناء الصلاة بلا حاجة يكره، فكذلك رفع البصر إلى السماء أثنائها مكروه، والجامع: انحراف الوجه قليلًا عن القبلة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن رائحة الجشأ تؤذي من حوله، فأبيح رفع الوجه إلى السماء، رفعًا لهذا الأذى، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النظر إلى السماء بلا حاجة فيه عبث يُنقص أجر الصلاة.
(٩٣) مسألة: يُكره تغميض المصلي لعينيه بحيث لا يرى شيئًا بلا حاجة، أما إن وُجدت حاجة لذلك، كأن يكون أمامه ما يُحرَّم النظر إليه فيجب تغميضهما، أو يكون أمامه بعض الزخارف، أو بعض الناس أو السيارات مما يتسبب في إشغاله عن الركوع فيُستحب تغميضهما؛ للمصلحة؛ حيث إن تغميض العينين مظنة للنوم والكسل وفيه تشبه بالكفار عند عبادتهم فكره لذلك، ووجب التغميض؛ لكون النظر إلى العورة حرام، وما يُترك به الحرام واجب، واستُحب التغميض؛ لكونه متسبب في عدم الخشوع.
стр. 480
ماجه (٩٤)، ويُكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس؛ لقول ابن عمر: "نهى النبي ﷺ أن يجلس الرَّجل في الصلاة، وهو معتمد على يده" رواه أحمد وغيره (٩٥)، وأن يستند إلى جدار ونحوه؛ لأنه يُزيل مشقة القيام إلا من حاجة، فإن كان يسقط لو أُزيل: لم تصح (٩٦) (و) يُكره (افتراشه ذراعيه ساجدًا) بأن يمدُّهما على الأرض
(٩٤) مسألة: يُكره الإقعاء في جلوس الصلاة، بأن يُلصق إليتيه ومقعدته بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه، ويجعلها متجهة إلى أعلى ويضع يديه على الأرض كما يفعل الكلب؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن ذلك، وقد صَرف هذا النهي إلى الكراهة: فعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن عباس وابن عمر والزبير أنهم يفعلون ذلك أحيانًا في صلاتهم، فإن قلت: لِمَ كره ذلك؟ قلتُ: جلسة الإقعاء فيها قرب من العبث وكثرة الحركة، وعدم مناسبتها للعبادة.
(٩٥) مسألة: يُكره اعتماد المصلي على يده وهو جالس؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن جلوس المصلي وهو معتمد على يده" وصرف هذا إلى الكراهة التلازم حيث إن الصلاة تامة، فيلزم صحتها، ولكنه كره؛ لكونه أزال مشقة الجلوس مما يتسبب في نقصان أجره.
(٩٦) مسألة: إذا استند المصلي على جدارٍ أو عصى ونحوهما في حال الوقوف فهذا مكروه إن كان لا يسقط إذا أزيل ما استند إليه أما إن كان يسقط إذا أزيل: فلا تصح صلاته للتلازم؛ حيث يلزم من عدم سقوطه إذا أزيل: عدم اعتماده عليه، وأنه أتى بالقيام على المشروع فصحَّت صلاته، لكن كره؛ لكون اعتماده هذا يُعتبر نوعًا من العبث المنقص من أجر الصلاة، ويلزم من سقوطه إذا أزيل: اعتماده عليه بدون إتيانه بالقيام، فلم تصح صلاته؛ لفقدان القيام الذي هو ركن من أركان الصلاة. [فرع]: إذا وُجد عذر كمرض أو خوف ونحوهما عند المصلي واحتاج إلى الإقعاء، أو الاعتماد على يده أو الاستناد إلى =
стр. 481
ملصقًا لهما بها؛ لقوله ﷺ : "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" متفق عليه من حديث أنس (٩٧) (و) يُكره (عبثه)؛ لأنه ﷺ رأى رجلًا يعبث في صلاته فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (٩٨) (و) يُكره (تخصُّره) أي: وضع يده على خاصرته؛ "لنهيه ﷺ أن يصلي الرجل
الجدار أو العصى: فإنه يفعل ذلك، وصلاته صحيحة بلا كراهة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ لما أسنَّ وكثر لحمه: اتخذ عمودًا في مصلَّاه يعتمد عليه" والخوف والمرض ونحوهما مثل الثقل وكثرة اللحم؛ لعدم الفارق بجامع: دفع المشقة وهذا من باب "مفهوم الموافقة"، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(٩٧) مسألة: يُكره أن يفترش المصلي ذراعيه في السجود بأن يُلصقهما بالأرض ولا يرفعهما عنها كالفراش كما يفعل الكلب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" وصرف هذا النهي إلى الكراهة: الإجماع؛ حيث إن أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود - كما قال الترمذي - وضد الاختيار والمستحب: المكروه، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة قد تؤدي إلى النوم والكسل وهذا مناف للعبادة، فكره فعلها؛ دفعًا لهذا.
(٩٨) مسألة: يُكره العبث في أي جزء من أجزاء الصلاة بأن يُحرك رجلًا أو يدًا، أو ساعة أو عمامة أو أيَّ شيء مما عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في رجل رآه يعبث في الصلاة -: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" فالعبث في الجوارح يلزم منه عدم خشوع القلب المطلوب في الصلاة، فلزم كراهة العبث؛ لئلا يؤدي إلى ترك المطلوب فعله في الصلاة، وهو: الخشوع مما يتسبب في نقصان الأجر.
стр. 482
متخصِّرًا" متفق عليه من حديث أبي هريرة (٩٩) (و) يُكره (تروُّحه) بمروحة ونحوها؛ لأنه من العبث إلا لحاجة كغم شديد (١٠٠)، ومراوحته بين رجليه مستحبَّة، وتُكره كثرته؛ لأنه فعل اليهود (١٠١) (وفرقعة أصابعه وتشبيكها)؛ لقوله ﷺ : "لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة" رواه ابن ماجه عن علي، وأخرج هو والترمذي عن كعب بن عجرة: "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد شبَّك أصابعه في الصلاة ففرَّج رسول الله ﷺ بين أصابعه" (١٠٢)،
(٩٩) مسألة: يُكره التخصُّر في الصلاة بأن يضع المصلي يده في وسطه فوق الوركين؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن ذلك" وصرف هذا النهي إلى الكراهة: التلازم؛ حيث يلزم من هذا ترك المستحب، وهو وضع اليد فوق أو تحت السرة، وترك المستحب مكروه، لكونه حرم نفسه من الخير، وهو المقصد منه.
(١٠٠) مسألة: يُكره أن يراوح المصلي عن نفسه بمروحة يمسكها بيده بلا حاجة، فإن وجدت حاجة كوجود حر شديد ونحوه: فلا يكره التروح؛ للمصلحة؛ حيث إن تروحه بلا حاجة ينقص من أجر الصلاة؛ لكونه عبثًا، وعند وجود الحاجة لذلك لا يكره؛ لدفع الضرر عن نفسه.
(١٠١) مسألة: يُستحب أن يراوح المصلي بين قدميه وهو قائم بأن يعتمد على إحدى قدميه ويريح الأخرى إذا طال به القيام ولكن يُكره الإكثار من ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه اطمئنان وسكون وخشوع مما يزيد أجر صلاته، وكُره من الإكثار من ذلك؛ لئلا يتشبه بالكفار؛ حيث كان اليهود يتمايلون في عبادتهم، فسدًا لذلك كره.
(١٠٢) مسألة: يُكره أن يفرقع المصلي أصابعه وأن يشبك بعضها ببعض؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعلي: "لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة" وصرفت السنة الفعلية هذا النهي إلى الكراهة؛ حيث "إنه ﷺ قد فرق بين =
стр. 483
ويُكره التمطِّي (١٠٣) وفتح فمه ووضعه فيه شيئًا (١٠٤)، لا في يديه (١٠٥)، وأن يصلي وبين يديه ما يلهيه أو صورة منصوبة ولو صغيرة، أو نجاسة، أو باب مفتوح، أو إلى نار من قنديل أو شمعة (١٠٦) والرمز بالعين والإشارة لغير حاجة، وإخراج لسانه،
أصابع رجل قد شبكها وهو في الصلاة" ولم يأمره بإعادة الصلاة، مما يدل على صحتها، ولكن هذا الفعل مكروه، ولا فرق بين التشبيك والفرقعة، بجامع: كون كل واحد منهما عبثًا ينقص من أجر الصلاة، ولا يليق بها وهذا هو المقصد منه.
(١٠٣) مسألة: يُكره أن يتمطى المصلي بأن يتمدد ويتمغَّط؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يعتبر من العبث في الصلاة، يتسبب في إنقاص أجر الصلاة.
(١٠٤) مسألة: يُكره أن يفتح المصلي فمه: سواء وضع فيه شيئًا بدون جرعه أو لا؛ للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (١٠٣).
(١٠٥) مسألة: يباح أن يضع المصلي في يده شيئًا: سواء كان في قبضته، أو كمه أو كيس في ثوبه ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا يخلو منه أحد؛ لعموم البلوى به، فأُبيح لمشقة تركه.
(١٠٦) مسألة: يُكره أن يصلي المسلم وأمامه أيُّ شيء يلهيه عادة من صور وتماثيل، أو أمامه نجاسة من كنيف وقمامة، أو أمامه باب مفتوح، أو كتابات في جدران، أو أمامه قنديل أو شمعة فيها نار أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك كله يشغله عن كمال خشوعه فينقص أجره، وكونه يصلي وأمامه نجاسة لا يليق بأي عبادة تشترط لها الطهارة.
стр. 484
وأن يصحب ما فيه صورة من فصِّ أو نحوه، وصلاته إلى متحدِّث، أو نائم، أو كافر، أو وجه آدمي، أو إلى امرأة تصلي بين يديه (١٠٧)، وإن غلبه تثاؤب: كضم ندبًا، فإن لم يقدر: وضع يده على فمه (١٠٨) (و) يُكره (أن يكون حاقنًا) حال دخوله في الصلاة، والحاقن هو: المحتبس بوله، وكذا: كل ما يمنع كمالها كاحتباس غائط، أو ريح وحر وبرد وجوع وعطش مفرط؛ لأنه يمنع الخشوع، وسواء خاف فوت الجماعة أو لا؛ لقوله ﵇: "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" رواه مسلم عن عائشة (أو بحضرة طعام يشتهيه) فتُكره صلاته إذًا؛ لما تقدم، ولو خاف فوت الجماعة، وإن ضاق الوقت عن فعل جميعها: وجبت في جميع الأحوال، وحرِّم اشتغاله بغيرها (١٠٩)، ويُكره أن يخصَّ جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه
(١٠٧) مسألة: يُكره أن يغمز المصلي بعينه أو يشير بها، أو يخرج لسانه، وأن يحمل أي صورة لغير حاجة، وأن يصلي وأمامه شخص يتكلم، أو نائم، أو ميت، أو كافر أو امرأة تصلي بين يديه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك مشغل له عن الخشوع مما يتسبب في نقصان أجره، ومقابلة الكافر أثناء الصلاة لا يليق بالعبادة.
(١٠٨) مسألة: يُستحب أن يمنع المصلي التثاؤب الذي غلبه، فإن لم يستطع: فيضع يده على فمه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لإيذاء الآخرين به، وهذا فيه دفع مفسدة.
(١٠٩) مسألة: يُكره أن يصلي وفكره منشغل عن الخشوع بشيء كأن يحصره البول، أو الغائط، أو الريح، أو ضايقه حر أو برد، أو إحساسه بجوع أو عطش، أو ألم أو غضب، أو اشتهى طعامًا بين يديه، أو رغب في جماع امرأته، وهذا مطلق، أي: سواء فاتته صلاة الجماعة أو لا، فعلى هذا: يجوز له تأخير الصلاة حتى يزول ما يشغله بشرط: أن لا يكون وقت الصلاة ضيقًا، بأن يخشى من خروج وقتها، فإن خشي خروجه: فإنه يصلي على أيَّة حال؛ لقواعد: الأولى: =
стр. 485
من شعار الرافضة (١١٠)، ومسح أثر سجوده في الصلاة، ومسُّ لحيته (١١١)، وعقصُ
الأخبثان" - وهما: - البول والغائط - حيث نفى أن تكون الصلاة كاملة الأجر إذا صلَّاها وهو قد حصره البول أو الغائط، أو كان بحضرة طعام، وهذا ثبت بدلالة الاقتضاء؛ حيث إن التقدير: "لا صلاة كاملة بحضرة طعام … "، لأنه يمكن حمل النفي هنا على نفي الكمال، وما ذكر مما يُشغل الفكر مثل الطعام والبول والغائط؛ لعدم الفارق بجامع: إشغال الفكر عن الخشوع من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء" و"كان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام" الثالثة: التلازم؛ حيث إن الصلاة في وقتها شرط - كما سبق - والصلاة مع الخشوع مستحب، فيلزم من ذلك تقديم فعل الشرط وهو: الصلاة في الوقت المُضيَّق قبل خروج وقت الصلاة؛ لأن فقدانه يبطل الصلاة، أما فقدان المستحب، وهو: الخشوع فهو ينقص من الأجر فقط، فإن قلتَ: لِمَ كرهت الصلاة وهو منشغل الفكر بمثل تلك الأشياء؟ قلتُ: لأنها مشغلة عن الخشوع والتذلل في الصلاة، ولأن ذلك مضر بالصحة، فدفعًا لذلك، وإكمالًا للأجر: كُره أن يصلي مع وجود تلك الأشياء فيه.
(١١٠) مسألة: يُكره أن يخصِّص المصلي قطعة من الحجر أو الطين ليضع جبهته عليها عند السجود؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة تقليد الرافضة الذين يفعلون ذلك وهذه من البدع العظيمة، فائدة: الرافضة طلبوا من زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فأبى فرفضوه، وكانوا يأخذون قطعة من حجر أو طين من حول قبر الحسين بن علي ليسجدوا عليها.
(١١١) مسألة: يُكره أن يزيل المصلي التراب الذي علق في جبهته، وكذا: مس لحيته؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من العبث.
стр. 486
شعره، وكفُّ ثوبه ونحوه، ولو فعلهما لعمل قبل صلاته، ونهى الإمام رجلًا كان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى، ونقل ابن القاسم: يُكره أن يشمِّر ثيابه؛ لقوله ﷺ : "تَرِّب تَرِّب" (١١٢) (و) يُكره (تكرار الفاتحة)؛ لأنه لم يُنقل (١١٣) و (لا) يكره (جمع سور في) صلاة (فرض كنفل)، لما في الصحيحين: أن النبي ﷺ قرأ في ركعة من قيامه بالبقرة وآل عمران والنساء (١١٤) (و) يسنُّ (له) أي: للمصلي (ردُّ المار بين يديه)؛ لقوله ﷺ : "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعنَّ أحدًا يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين" رواه مسلم عن ابن عمر، وسواء كان المارُّ آدميًا أو غيره، والصلاة فرضًا أو نفلًا، بين يديه سترة فمرَّ دونها أو لم تكن فمرَّ قريبًا منه، ومحلُّ
(١١٢) مسألة: يُكره أن يعقص المصلي شعر رأسه: بأن يدخل أطرافه في أصوله، ويشدُّه بشيء، وأن يكف ثوبه وكمه بأن يرفعهما أثناء ركوعه أو سجوده؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشبُّه بفعل المتكبرين، فكره؛ لئلا يؤدي إلى التكبر، تنبيه: استدلال المصنف بما روي أنه ﵇ قال: "ترِّب ترِّب" لا يصح؛ لأن كثيرًا من أئمة الحديث ضعَّفوه.
(١١٣) مسألة: يُكره أن يكرر المصلي قراءة الفاتحة: بأن يقرأها مرتين أو أكثر؛ للمصلحة؛ حيث إن قراءتها مرة واحدة ركن في الصلاة - كما سبق - ولم ينقل تكراره ﷺ لها، فيكون تكرارها تطويلًا بلا فائدة.
(١١٤) مسألة: يُباح أن يقرأ المصلي سورتين فأكثر بعد الفاتحة في قيام واحد في صلاة الفرض، ولا يُكره ذلك؛ للقياس، بيانه: كما يُباح ذلك في صلاة النفل؛ حيث قرأ ﷺ البقرة وآل عمران والنساء فيها، فكذلك يُباح في الفرض، والجامع: أن كلًا منهما تشرع القراءة فيها بعد الفاتحة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه زيادة التعبد بكثرة قراءة القرآن.
стр. 487
ذلك: ما لم يغلبه، أو يكن المار محتاجًا للمرور أو بمكة (١١٥)، ويحرم المرور بين
(١١٥) مسألة: يجب أن يردَّ المصلي كلَّ مار بين يديه - وهو: ما بين رجليه وموضع سجوده - ويُرجعه من حيث أتى، ويجتهد في ذلك بأن يومئ ويُشير ويلمس برفق، وكل ذلك لا يُكره، ولو وجدت حركة ليست من جنس الصلاة، وهذا مطلق، أي سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا، وسواء كان المار آدميًا أو غيره، وسواء كان المصلي قد وضع سترة فمرَّ المارُّ دونها أو لا: فمر المصلي قريبًا من المصلي والصلاة تصح، وذلك بشرطين: أولهما: أن لا يغلب المار المصلي في المرور، فإن غلبه وأصرَّ على المرور فلا يُطيل المصلي في ردِّه ويتركه يمر، ثانيهما: أن لا يكون المار بحاجة إلى المرور، فإن كان بحاجة إليه فلا يمنعه المصلي كأن يكون المكان ضيقًا، أو كان المصلون كثيرين كما هو الحال في المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا كان أحدكم يُصلي فلا يَدَعنَّ أحدًا يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليُقاتله؛ فإن معه قرين" فقد حر أن يترك المصلي أحدًا يمر بين يديه؛ لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب؛ فيجب عليه أن يرده قدر المستطاع إن كان المار غير مضطر، ووجوب الرد يستلزم أن الحركة بسبب ذلك لا تُكره، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إصرار المار على المرور وإطالة المصلي في ردِّه: يُبطل الصلاة؛ لكثرة الحركة، وردُّ المار مع ضيق المكان وكثرة المصلين فيه إضرار بالمار، فدفعًا لذلك: اشترط هذان الشرطان، فإن قلتَ: لِمَ وجب رده؟ قلتُ: لأن المار وصف بأنه شيطان، وهذا مشغل للمصلي عن الخشوع، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي المار بأنه القرين أو الشيطان؟ قلتُ: لأن هذا المار قد فعل شيئًا لا يفعله إلا الشيطان وهو كونه خرق حرمة الصلاة، تنبيه: قوله: "يُسن للمصلي رد المار" هذا مرجوح؛ حيث لم أجد دليلًا على هذا الاستحباب، بل هو واجب كما سبق.
стр. 488
المصلي وسترته ولو بعيدة، وإن لم يكن سترة: ففي ثلاثة أذرع فأقل (١١٦)، فإن أبى المار الرجوع: دفعه المصلي، فإن أصرَّ: فله قتاله ولو مشى، فإن خاف فسادها: لم يُكرر دفعه (١١٧)، ويضمنه (١١٨)، وللمصلي دفع العدو من سيل وسبع، أو سقوط
(١١٦) مسألة: يحرم أن يمرَّ الشخص بين يدي المصلي - وهو: ما بين قدميه وموضع سجوده - سواء وضع المصلي سترة أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم: لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه" فتوعد المار بالعقاب والإثم، ولا يُعاقب على فعله إلا الحرام، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا سيكون سببًا في إشغال المصلي مما يؤدِّي إلى إنقاص أجره، وهذا يضره فدفعًا لذلك: شرع هذا، تنبيه: تحديد المصنف بمسافة ثلاثة أذرع لم أجد عليه دليلًا عليه.
(١١٧) مسألة: إذا ردَّ المصلي المار، فلم يرجع: فإن للمصلي أن يدفعه بيده، فإن أصر المار ولم يرجع أيضًا: فله قتاله ولمسه، لكن إن خاف أن تفسد صلاته بذلك: فإنه يتركه يمر، ولا يُكرر دفعه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فإن أبى فليقاتله" وقد سبق، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كثرة الحركة: بطلان الصلاة، فلذا لا يُكرر الدفع، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقه المؤدِّي إلى كمال صلاته، تنبيه: قوله: "ولو مشى" قلتُ: هذا غير صحيح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إباحة المشي بسبب الرد: أن يمشي الناس وهم يصلون ويتقاتلون بأيديهم في المساجد، وهذا لا يمكن أن يرد به الإسلام، الذي علَّمنا على السكينة والوقار، وذلك لأن المشي لا حدَّ له.
(١١٨) مسألة: إذا كرَّر المصلي دفع المار وقاتله لأجل أن يُبعده فمات المارُّ أو تضرر: فإن المصلي يضمنه، ويدفع ديته أو أرش الجناية؛ للتلازم؛ حيث إن تكرار المدافعة غير مشروع فيلزم ضمان ما حدث بسببه؛ لكونه قد تعدَّى.
стр. 489
جدار ونحوه، وإن كثُر: لم تبطل في الأشهر قاله في المبدع (١١٩) (و) له (عدُّ الآي) والتسبيح وتكبيرات العيد بأصابعه؛ لما روى محمد بن خلف عن أنس: "رأيتُ النبي ﷺ يعقد الآي بأصابعه" (١٢٠) (و) للمأموم (الفتح على إمامه) إذا ارتجَّ عليه أو غلط؛ لما روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فلُبِّس عليه، فلما انصرف، قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: نعم قال: "فما منعك؟ " قال الخطابي: إسناده جيد (١٢١)، ويجب في الفاتحة كنسيان سجدة ولا تبطل به ولو بعد أخذه في
(١١٩) مسألة: يُباح أن يدفع المصلي عن نفسه ضرر سيل أو سبع أو إزالة جدار أو عمود أو سقف، أو إبعاد صائل من حيوان أو إنسان، ونحو ذلك، ولا تُبطل حركته بسبب ذلك صلاته ولو كثُرت؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع ضرر عن نفسه؛ فأبيح لأنه "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، و"الضرر يُزال" وفيه استمراره في صلاته؛ لإبعاده عن مشقة إعادتها؛ لأنها حركات للضرورة، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(١٢٠) مسألة: يُباح أن يعدَّ المصلي الآيات التي يقرأ بها، وتسبيحات الركوع والسجود، والتكبيرات في صلاتي العيد والاستسقاء، وهذا من غير تلفظ باللسان، ويكون بأصابعه، ولا تكره الحركة التي تكون بسبب هذا العد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد عدَّ الآيات بأصابعه - كما رواه أنس - والتسبيحات والتكبيرات مثل الآيات من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط، فإن قلت: لِمَ لا يتلفظ بلسانه بالعدِّ؟ قلتُ: لأنه إذا تلفَّظ: بطلت صلاته؛ لكونه ليس من جنس الصلاة.
(١٢١) مسألة: يُباح أن يفتح المأموم على إمامه إذا غلط في قراءة آية من القرآن أو تركها، وهذا الفتح غير مكروه؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ أنكر على أُبي بن كعب لعدم ردَّه عليه لما غلط بآية، وهذا يدل على إباحة الرَّدِّ، فإن قلتَ: لِمَ =
стр. 490
قراءة غيرها (١٢٢)، ولا يفتح على غير إمامه؛ لأن ذلك يُشغله عن صلاته، فإن فعل: لم تبطل، قاله في "الشرح" (١٢٣) (و) له (لبسُ الثوب و) لفُّ (العُمامة)؛ لأنه ﷺ "التحف بإزاره وهو في الصلاة، وحمل أُمامة، وفتح الباب لعائشة" وإن سقط رداؤه فله رفعه (١٢٤) (و) له (قتل حية وعقرب وقمل) وبراغيث ونحوها، لأنه ﷺ "أمر
أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة على إكمال القراءة؛ ليكمل أجر قراءة الإمام لها.
(١٢٢) مسألة: يجب على المأموم أن يفتح على إمامه إذا غلط في قراءة بعض آيات الفاتحة غلطًا يُحيل المعنى، كأن يقرأ الإمام: "صراط الذين أنعمتُ" أو يترك آية منها، ويرد عليه ولو أخذ بقراءة غيرها؛ للقياس، بيانه: كما يجب على المأموم تنبيه الإمام إذا نسي سجدة فكذلك يجب تنبيهه إذا غلط أو نسي شيئًا من الفاتحة، والجامع: أن كلًا منهما ركن لا تتم الصلاة إلا بتمامه.
(١٢٣) مسألة: يُكره أن يفتح المأموم على غير إمامه إذا غلط في قراءته ممن يقرأ حوله في صلاة أو لا، وصلاة هذا المأموم صحيحة وإن قام بالفتح؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة المأموم إذا فتح على إمامه، فكذلك تصح إذا فتح على غيره، والجامع: أن الفتح قراءة للقرآن وهو قول مشروع في الصلاة، وليس فيه خطاب للآدمي، فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: لاحتمال انشغال المأموم بذلك. [فرع]: يُباح أن يقبل المصلي من غير المصلي فتحه عليه إذا غلط المصلي في قراءة القرآن؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ردَّ على رجل يُصلي، وكان الرجل المصلي يقبل منه، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة على تكميل صلاة المصلي في حين أنه لا يُشغله.
(١٢٤) مسألة: يُباح للمصلي أن يلبس ثوبًا، أو جبَّة، أو فروة، أو عباءة، وأن يصلح من عمامته، أو من أيَّ شيء عليه، وله فتح باب وإغلاقه، وله رفع ما =
стр. 491
بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب" رواه أبو داود والترمذي وصحَّحه (١٢٥) (فإن أطال) أي: أكثر المصلي (الفعل عرفًا من غير ضرورة)، وكان متواليًا بـ (لا تفريق: بطلت) الصلاة (ولو) كان الفعل (سهوًا) إذا كان من غير جنس الصلاة؛ لأنه يقطع الموالاة، ويمنع متابعة الأركان، فإن كان لضرورة: لم يقطعها كالخائف، وكذا: إن تفرَّق ولو طال المجموع، واليسير ما يُشبه فعله ﷺ من حمل أُمامة، وصعود المنبر، ونزوله عنه لما صلَّى عليه، وفتح الباب لعائشة، وتأخره في صلاة الكسوف، ثم عوده ونحو ذلك، وإشارة الأخرس ولو مفهومه كفعله (١٢٦)، ولا تبطل بعمل
سقط، وإسقاط ما كان عليه، وله الإشارة بيده أو بعينه، والحركة التي تكون بسبب ذلك غير مكروهة بشرط: أن يكون ذلك لحاجة ولو قليلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد التحف بإزاره، وحمل أُمامة بنت زينب، وأنه فتح لعائشة وهو يصلي، وكان ﷺ يُشير في الصلاة وهذا يلزم منه الحركة" وما ذكر من الأمثلة مثل ما فعله ﷺ هنا؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه السعي إلى تكميل الصلاة بإيجاد الطمأنينة، والأمور بمقاصدها؛ حيث إنه يقصد من ذلك إزالة ما يشغل باله.
(١٢٥) مسألة: يُباح أن يقتل المصلي الحية والعقرب والقمل والبرغوث وأيَّ حشرة خشيَ أن تؤذيه أو تؤذي أحدًا، والحركة الناتجة عن ذلك غير مكروهة؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ بقتل الحية والعقرب في الصلاة" وهو: أمر بعد حظر فيقتضي الإباحة، ويلزم من ذلك أن الحركة الناتجة عن ذلك غير مكروهة؛ لأن قتلهما لا بدَّ له من حركة، وقتل أي حشرة كقتل الحية والعقرب؛ لعدم الفارق بجامع: دفع الضرر من باب: "مفهوم الموافقة"، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(١٢٦) مسألة: تبطل الصلاة إن تحرك المصلي بحركات كثيرة متتالية من غير جنس الصلاة لغير ضرورة، سواء كانت عمدًا أو سهوًا، أما إن وقعت تلك الحركات =
стр. 492
قلب، وإطالة نظر في كتاب ونحوه (١٢٧) (وتباح) في الصلاة: فرضًا كانت أو نفلًا
للضرورة في محل واحد، أو كانت متفرقة في الصلاة ومجموعها جعلها كثيرة: أو كانت من جنس الصلاة كإطالة ركوع: فإن الصلاة لا تبطل في هذه الحالات الثلاث؛ للتلازم؛ حيث إن الكثيرة المتوالية في ركعة واحدة الواقعة بغير ضرورة يلزم منها قطع الموالاة بين أركان الصلاة، وهذا يلزم منه: بطلان الصلاة، ويلزم من وقوعها للضرورة كدفع الضرر عنه، أو كونها متفرقة، أو كانت من جنس الصلاة: صحتها: لكونه مضطرًا إلى ذلك، ولكونها لا تقطع الموالاة بين الأركان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحديد للحركات التي تبطل بها الصلاة والتي لا تبطل؛ حتى يُعبدُ الله تعالى على بصيرة، فإن قلتَ: كيف نعرف القليل من الحركات والكثيرة؟ قلتُ: إن الحركة القليلة مثل حركته ﷺ لما حمل أُمامة بنت زينب والحسن والحسين في كل سجود، وحركته أثناء صعوده ونزوله لما صلى على المنبر، وحركته لما فتح الباب لعائشة وهو يصلي، والكثيرة: ما زاد عن ذلك، وعلى ذلك فقس، [فرع]: الأخرس - وهو: العاجز عن النطق - كغيره من الناطقين في إشاراته وحركاته، وتكثير الفعل وتقليله على التفصيل السابق؛ قياسًا عليهم؛ لعدم الفارق بجامع: التكليف في كل، سواء كانت إشارته مفهومة أو لا من باب مفهوم الموافقة.
(١٢٧) مسألة: لا تبطل الصلاة لحديث قلب المصلي بأن يُحَدِّث نفسه بتجارة أو علم أو نحو ذلك، وكذا: إطالة نظر في كتاب أو صحيفة، ولكن هذا مكروه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إكمال شروط وأركان وواجبات الصلاة: صحتها، ويلزم من نقصان الخشوع والحضور: كراهة هذا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثٌّ على الخشوع وإحضار فكر وقلب المصلي وفهم ما يقول فيها.
стр. 493
(قراءة أواخر السور، وأوساطها)؛ لما روى أحمد ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، وفي الثانية: الآية في آل عمران: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية (١٢٨)، (وإذا نابه) أي: عرض للمصلي (شيء) أي: أمر كاستئذان عليه، وسهو إمامه: (سبَّح رجل) ولا تبطل وإن كثر (وصفَّقت امرأة ببطن كفّها على ظهر الأخرى) وتبطل إن كثُر؛ لقوله ﷺ : "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليُسبِّح الرجال، ولتُصفِّق النساء" متفق عليه من حديث سهل بن سعد، وكُره التنبيه بنحنحةٍ، وصفير، وتصفيقه وتسبيحها، لا بقراءة وتهليل وتكبير ونحوه (١٢٩) (ويبصق) ويقال
(١٢٨) مسألة: يُباح أن يقرأ المصلي - بعد الفاتحة بالركعتين الأوليين - بأوائل وأواسط وأواخر السور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان ابن مسعود يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس.
(١٢٩) مسألة: إذا سهى إمام، أو استأذن عليه أحد وهو يصلي منفردًا، أو خاف على أحد الضرر: فيجب على الرجل أن يسبِّح قائلًا: "سُبحان الله"، وتُصَّفِق المرأة ببطن كفِّها على ظهر الأخرى، وتسبيح الرجل لا يُبطل الصلاة وإن كثر، وتصفيق المرأة يُبطلها إن كثُر، وإن نبَّه المصلي المستأذن عليه بقراءة كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أو هلَّل، أو كبَّر: فإن هذا يجزئ، ولا يكره، لكن إذا سبَّحت امرأة، أو صفَّق رجل، أو حصل التنبيه بنحو نحنحة أو تصفير ونحو ذلك: فإن هذا يُكره وتصح الصلاة، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليُسبِّح الرجال ولتصفق النساء" فأوجب هذا؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم من ذلك: عدم كراهة ذلك؛ لأن هذا القول والفعل يستلزم القول والحركة، الثانية: التلازم؛ حيث =
стр. 494
بالسين والزاي (في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه) ويحك ببعض؛ إذهابًا لصورته، قال أحمد: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارته دفنه؛ للخبر، ويُخلِّق موضعه استحبابًا، ويلزم حتى غير الباصق إزالته، وكذا: المخاط والنخامة، وإن كان في غير المسجد: جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه؛ لخبر أبي هريرة: "وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها" رواه البخاري، وفي ثوبه أولى، ويُكره يمنة وأمامًا (١٣٠)،
إن تنبيه الرجل بالتسبيح، يلزم منه: أن تنبيه الرجل والمرأة بالقراءة والتكبير والتهليل جائز؛ لكونه من جنس ما يُقال في الصلاة، ويلزم من تنبيه الرجل والمرأة بغير ما شُرع لهما: كراهة ذلك؛ لأن كلًّا منهما نبَّه بشيء لم يُشرع له، فإن قلتَ: لِمَ وجب هذا التنبيه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التعاون على البر؛ إذ فيه إصلاح ما فسد من الصلاة، وإكمال ما نقص منها، ومعروف أن هذا واجب كما قال عبد الوهاب المالكي في "الإشراف"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع التسبيح للرجل، والتصفيق للمرأة؟ قلتُ: الأصل: مشروعية التسبيح لكل منهما؛ لكونه من جنس الصلاة، لكن خولف ذلك في المرأة؛ لأن صوتها عورة، فلا تظهره لذلك، فإن قلتَ: لِمَ كثرة التسبيح لا يبطل الصلاة، وكثرة التصفيق يُبطلها؟ قلتُ: لأن التسبيح من جنس الصلاة، أما التصفيق فليس من جنس الصلاة فيبطلها كثيره عمدًا وسهوًا، فإن قلتَ: لِمَ كُره التصفير، والتنحنح؟ قلتُ: للاحتياط؛ حيث إن ذلك قد يتسبَّب في إبطال الصلاة فكره لأجل ذلك.
(١٣٠) مسألة: يُباح أن يبصق المصلي ويتفل أو يتنخَّم أو يخرج مخاطه: وحركته بسبب ذلك لا يُبطلها، ولا تكره، ولكن إن كان يصلي منفردًا: فإن المستحب أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه، ويدفنه وهذا كفارته، وإن كان يصلي في المسجد: فإنه يبصق في ثوبه أو ردائه، ويحكه؛ لئلا تكن له صورة، ويُستحب أن =
стр. 495
وله ردُّ السلام إشارة (١٣١) والصلاة على النبي ﷺ عند قراءة ذكره في نفل (١٣٢)
يُطيب موضعه وهو المسمى بـ "الخلوق" ويُستحب للباصق أو غيره مما يرى البصاق ونحوه إزالته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية والفعلية؛ حيث قال ﷺ : "وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض" فلزم أن الحركة بسبب ذلك لا تُبطل الصلاة، ولا يُكره له ذلك؛ لأن هذا الفعل يلزم منه تلك الحركة، ودل مفهوم المكان: على كراهة البُصاق في اليمين وفي الأمام، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إذن الشارع بهذا، وجعله عن يساره، وتحت قدمه، أو في ثوبه عند الصلاة مع الجماعة، وتطييب موضعه، واستحباب إزالته بحكه أو دفنه فيه دفع الضرر عن نفسه، وعن الآخرين لإكرامهم، وإكرام الملائكة.
(١٣١) مسألة: يُباح للمصلي أن يردَّ السلام على من سلَّم عليه بإشارة اليد، أو هزِّ الرأس قليلًا، والحركة التي تحدث هنا غير مكروهة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يرد السلام وهو يصلي بالإشارة" ويلزم منه: عدم كراهة الحركة هنا؛ لأن هذا الفعل مستلزم للحركة، فإن قلتَ: لم أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في تعميم الألفة والمحبة بين الناس.
(١٣٢) مسألة: يُباح أن يُصلِّي على النبي ﷺ عند ذكره في أثناء صلاته النفل كأن يقرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فيقول المصلي: " ﷺ " ولا يؤثر على تلك الصلاة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين فضل القراءة وفضل وأجر الصلاة على النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لِمَ خُصِّص ذلك بصلاة النفل دون الفرض؟ قلتُ: لأن الشارع يتساهل في صلاة النفل دون الفرض؛ ألا ترى: أن النفل تقطع بدون عذر، وأن القاعد يصليها وإن كان قادرًا على القيام، وأنها تصلى على الراحلة؛ بخلاف الفرض، فيُشدَّد فيها دون النفل.
следующие страницы →