Полный текст (3 194 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب" رواه أبو داود والترمذي وصحَّحه (١٢٥) (فإن أطال) أي: أكثر المصلي (الفعل عرفًا من غير ضرورة)، وكان متواليًا بـ (لا تفريق: بطلت) الصلاة (ولو) كان الفعل (سهوًا) إذا كان من غير جنس الصلاة؛ لأنه يقطع الموالاة، ويمنع متابعة الأركان، فإن كان لضرورة: لم يقطعها كالخائف، وكذا: إن تفرَّق ولو طال المجموع، واليسير ما يُشبه فعله ﷺ من حمل أُمامة، وصعود المنبر، ونزوله عنه لما صلَّى عليه، وفتح الباب لعائشة، وتأخره في صلاة الكسوف، ثم عوده ونحو ذلك، وإشارة الأخرس ولو مفهومه كفعله (١٢٦)، ولا تبطل بعمل
سقط، وإسقاط ما كان عليه، وله الإشارة بيده أو بعينه، والحركة التي تكون بسبب ذلك غير مكروهة بشرط: أن يكون ذلك لحاجة ولو قليلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد التحف بإزاره، وحمل أُمامة بنت زينب، وأنه فتح لعائشة وهو يصلي، وكان ﷺ يُشير في الصلاة وهذا يلزم منه الحركة" وما ذكر من الأمثلة مثل ما فعله ﷺ هنا؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه السعي إلى تكميل الصلاة بإيجاد الطمأنينة، والأمور بمقاصدها؛ حيث إنه يقصد من ذلك إزالة ما يشغل باله.
(١٢٥) مسألة: يُباح أن يقتل المصلي الحية والعقرب والقمل والبرغوث وأيَّ حشرة خشيَ أن تؤذيه أو تؤذي أحدًا، والحركة الناتجة عن ذلك غير مكروهة؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ بقتل الحية والعقرب في الصلاة" وهو: أمر بعد حظر فيقتضي الإباحة، ويلزم من ذلك أن الحركة الناتجة عن ذلك غير مكروهة؛ لأن قتلهما لا بدَّ له من حركة، وقتل أي حشرة كقتل الحية والعقرب؛ لعدم الفارق بجامع: دفع الضرر من باب: "مفهوم الموافقة"، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(١٢٦) مسألة: تبطل الصلاة إن تحرك المصلي بحركات كثيرة متتالية من غير جنس الصلاة لغير ضرورة، سواء كانت عمدًا أو سهوًا، أما إن وقعت تلك الحركات =
стр. 492
قلب، وإطالة نظر في كتاب ونحوه (١٢٧) (وتباح) في الصلاة: فرضًا كانت أو نفلًا
للضرورة في محل واحد، أو كانت متفرقة في الصلاة ومجموعها جعلها كثيرة: أو كانت من جنس الصلاة كإطالة ركوع: فإن الصلاة لا تبطل في هذه الحالات الثلاث؛ للتلازم؛ حيث إن الكثيرة المتوالية في ركعة واحدة الواقعة بغير ضرورة يلزم منها قطع الموالاة بين أركان الصلاة، وهذا يلزم منه: بطلان الصلاة، ويلزم من وقوعها للضرورة كدفع الضرر عنه، أو كونها متفرقة، أو كانت من جنس الصلاة: صحتها: لكونه مضطرًا إلى ذلك، ولكونها لا تقطع الموالاة بين الأركان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحديد للحركات التي تبطل بها الصلاة والتي لا تبطل؛ حتى يُعبدُ الله تعالى على بصيرة، فإن قلتَ: كيف نعرف القليل من الحركات والكثيرة؟ قلتُ: إن الحركة القليلة مثل حركته ﷺ لما حمل أُمامة بنت زينب والحسن والحسين في كل سجود، وحركته أثناء صعوده ونزوله لما صلى على المنبر، وحركته لما فتح الباب لعائشة وهو يصلي، والكثيرة: ما زاد عن ذلك، وعلى ذلك فقس، [فرع]: الأخرس - وهو: العاجز عن النطق - كغيره من الناطقين في إشاراته وحركاته، وتكثير الفعل وتقليله على التفصيل السابق؛ قياسًا عليهم؛ لعدم الفارق بجامع: التكليف في كل، سواء كانت إشارته مفهومة أو لا من باب مفهوم الموافقة.
(١٢٧) مسألة: لا تبطل الصلاة لحديث قلب المصلي بأن يُحَدِّث نفسه بتجارة أو علم أو نحو ذلك، وكذا: إطالة نظر في كتاب أو صحيفة، ولكن هذا مكروه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إكمال شروط وأركان وواجبات الصلاة: صحتها، ويلزم من نقصان الخشوع والحضور: كراهة هذا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثٌّ على الخشوع وإحضار فكر وقلب المصلي وفهم ما يقول فيها.
стр. 493
(قراءة أواخر السور، وأوساطها)؛ لما روى أحمد ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، وفي الثانية: الآية في آل عمران: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية (١٢٨)، (وإذا نابه) أي: عرض للمصلي (شيء) أي: أمر كاستئذان عليه، وسهو إمامه: (سبَّح رجل) ولا تبطل وإن كثر (وصفَّقت امرأة ببطن كفّها على ظهر الأخرى) وتبطل إن كثُر؛ لقوله ﷺ : "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليُسبِّح الرجال، ولتُصفِّق النساء" متفق عليه من حديث سهل بن سعد، وكُره التنبيه بنحنحةٍ، وصفير، وتصفيقه وتسبيحها، لا بقراءة وتهليل وتكبير ونحوه (١٢٩) (ويبصق) ويقال
(١٢٨) مسألة: يُباح أن يقرأ المصلي - بعد الفاتحة بالركعتين الأوليين - بأوائل وأواسط وأواخر السور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان ابن مسعود يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس.
(١٢٩) مسألة: إذا سهى إمام، أو استأذن عليه أحد وهو يصلي منفردًا، أو خاف على أحد الضرر: فيجب على الرجل أن يسبِّح قائلًا: "سُبحان الله"، وتُصَّفِق المرأة ببطن كفِّها على ظهر الأخرى، وتسبيح الرجل لا يُبطل الصلاة وإن كثر، وتصفيق المرأة يُبطلها إن كثُر، وإن نبَّه المصلي المستأذن عليه بقراءة كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أو هلَّل، أو كبَّر: فإن هذا يجزئ، ولا يكره، لكن إذا سبَّحت امرأة، أو صفَّق رجل، أو حصل التنبيه بنحو نحنحة أو تصفير ونحو ذلك: فإن هذا يُكره وتصح الصلاة، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليُسبِّح الرجال ولتصفق النساء" فأوجب هذا؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم من ذلك: عدم كراهة ذلك؛ لأن هذا القول والفعل يستلزم القول والحركة، الثانية: التلازم؛ حيث =
стр. 494
بالسين والزاي (في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه) ويحك ببعض؛ إذهابًا لصورته، قال أحمد: البزاق في المسجد خطيئة، وكفارته دفنه؛ للخبر، ويُخلِّق موضعه استحبابًا، ويلزم حتى غير الباصق إزالته، وكذا: المخاط والنخامة، وإن كان في غير المسجد: جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه؛ لخبر أبي هريرة: "وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها" رواه البخاري، وفي ثوبه أولى، ويُكره يمنة وأمامًا (١٣٠)،
إن تنبيه الرجل بالتسبيح، يلزم منه: أن تنبيه الرجل والمرأة بالقراءة والتكبير والتهليل جائز؛ لكونه من جنس ما يُقال في الصلاة، ويلزم من تنبيه الرجل والمرأة بغير ما شُرع لهما: كراهة ذلك؛ لأن كلًّا منهما نبَّه بشيء لم يُشرع له، فإن قلتَ: لِمَ وجب هذا التنبيه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التعاون على البر؛ إذ فيه إصلاح ما فسد من الصلاة، وإكمال ما نقص منها، ومعروف أن هذا واجب كما قال عبد الوهاب المالكي في "الإشراف"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع التسبيح للرجل، والتصفيق للمرأة؟ قلتُ: الأصل: مشروعية التسبيح لكل منهما؛ لكونه من جنس الصلاة، لكن خولف ذلك في المرأة؛ لأن صوتها عورة، فلا تظهره لذلك، فإن قلتَ: لِمَ كثرة التسبيح لا يبطل الصلاة، وكثرة التصفيق يُبطلها؟ قلتُ: لأن التسبيح من جنس الصلاة، أما التصفيق فليس من جنس الصلاة فيبطلها كثيره عمدًا وسهوًا، فإن قلتَ: لِمَ كُره التصفير، والتنحنح؟ قلتُ: للاحتياط؛ حيث إن ذلك قد يتسبَّب في إبطال الصلاة فكره لأجل ذلك.
(١٣٠) مسألة: يُباح أن يبصق المصلي ويتفل أو يتنخَّم أو يخرج مخاطه: وحركته بسبب ذلك لا يُبطلها، ولا تكره، ولكن إن كان يصلي منفردًا: فإن المستحب أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه، ويدفنه وهذا كفارته، وإن كان يصلي في المسجد: فإنه يبصق في ثوبه أو ردائه، ويحكه؛ لئلا تكن له صورة، ويُستحب أن =
стр. 495
وله ردُّ السلام إشارة (١٣١) والصلاة على النبي ﷺ عند قراءة ذكره في نفل (١٣٢)
يُطيب موضعه وهو المسمى بـ "الخلوق" ويُستحب للباصق أو غيره مما يرى البصاق ونحوه إزالته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية والفعلية؛ حيث قال ﷺ : "وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض" فلزم أن الحركة بسبب ذلك لا تُبطل الصلاة، ولا يُكره له ذلك؛ لأن هذا الفعل يلزم منه تلك الحركة، ودل مفهوم المكان: على كراهة البُصاق في اليمين وفي الأمام، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إذن الشارع بهذا، وجعله عن يساره، وتحت قدمه، أو في ثوبه عند الصلاة مع الجماعة، وتطييب موضعه، واستحباب إزالته بحكه أو دفنه فيه دفع الضرر عن نفسه، وعن الآخرين لإكرامهم، وإكرام الملائكة.
(١٣١) مسألة: يُباح للمصلي أن يردَّ السلام على من سلَّم عليه بإشارة اليد، أو هزِّ الرأس قليلًا، والحركة التي تحدث هنا غير مكروهة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يرد السلام وهو يصلي بالإشارة" ويلزم منه: عدم كراهة الحركة هنا؛ لأن هذا الفعل مستلزم للحركة، فإن قلتَ: لم أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في تعميم الألفة والمحبة بين الناس.
(١٣٢) مسألة: يُباح أن يُصلِّي على النبي ﷺ عند ذكره في أثناء صلاته النفل كأن يقرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فيقول المصلي: " ﷺ " ولا يؤثر على تلك الصلاة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين فضل القراءة وفضل وأجر الصلاة على النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لِمَ خُصِّص ذلك بصلاة النفل دون الفرض؟ قلتُ: لأن الشارع يتساهل في صلاة النفل دون الفرض؛ ألا ترى: أن النفل تقطع بدون عذر، وأن القاعد يصليها وإن كان قادرًا على القيام، وأنها تصلى على الراحلة؛ بخلاف الفرض، فيُشدَّد فيها دون النفل.
стр. 496
(وتسنُّ صلاته إلى سترة) حضرًا كان أو سفرًا ولو لم يخش مارًّا؛ لقوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليُصل إلى سترة وليدْنُ منها" رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد (قائمة كمؤخرة الرَّحل)؛ لقوله ﷺ : "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل فليُصل ولا يُبال من يمرُّ وراء ذلك" رواه مسلم (١٣٣)، فإن كان في مسجد ونحوه: قرب من الجدار، وفي فضاء: فإلى شيء شاخص من شجر أو بعير، أو ظهر إنسان أو عصى، لأنه ﷺ "صلى إلى حربة وإلى بعير" رواه البخاري، ويكفي وضع العصا بين يديه عرضًا، ويُستحب انحرافه عنها قليلًا (فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط) كالهلال، قال في "الشرح": وكيفما خطَّ: أجزأه؛ لقوله ﷺ : "فإن لم يكن معه عصى فليخط خطًا" رواه أحمد وأبو داود، قال البيهقي: "لا بأس به في مثل هذا" (١٣٤) (وتبطل) الصلاة (بمرور كلب أسود بهيم) أي: لا لون فيه سوى
(١٣٣) مسألة: يُستحب أن يضع المصلي أمامه سترة بينه وبين القبلة ويقترب منها مثل: مؤخرة الرَّحل وهي: خشبة يستند عليها راكب الدابة: سواء كان منفردًا أو إمامًا، مسافرًا أو مقيمًا، خشي أن يمر أمامه مارٌّ أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليُصلِّ إلى سترة وليدنُ منها" وصرفت هذا الأمر إلى الاستحباب: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد صلى بدون سترة" فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن وضع ذلك يُعين المصلي على الخشوع، وحضور القلب، وعدم الانشغال بمن يمر أمامه؛ ويدنو منها: ليحصل منع المار بينه وبين تلك السترة.
(١٣٤) مسألة: السترة - التي يضعها المصلي أمامه - تحصل بكل شاخص: من جدار، أو عمود، أو شجر، أو بعير، أو ظهر مسلم، أو عصا ونحو ذلك، سواء في صحراء أو لا، ويقرب من الجدار قدر المستطاع، ويضع العصا عرضًا، ويُستحب أن يميل عن تلك السترة يمينًا أو شمالًا، فإن لم يجد شاخصًا، ولا =
стр. 497
السواد إذا مرَّ بين المصلي وسترته، أو بين يديه قريبًا - في ثلاثة أذرع فأقل من قدميه - إن لم تكن سترة، وخُصَّ الأسود بذلك؛ لأنه شيطان (فقط) أي: لا امرأة، وحمار، وشيطان وغيرها (١٣٥) وسترة الإمام سترة
عصا: فإنه يخط خطًا أمامه مستقيمًا، أو على شكل الهلال أو القوس؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ تركز له العنزة أو الحربة ويعرض البعير فيُصلي إلى ذلك، وكان يميل عنها فيمُر وراء السترة الحمار والكلب لا يُمنع" والخط وغير ذلك مما ذكر كالذي يضعه ﷺ ؛ لعدم الفارق بجامع: المحافظة على الخشوع بسبب ذلك من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب أن ينحرف عن السترة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الانشغال بها، تنبيه: حديث: "فإن لم يكن معه عصا فيخط خطًا" لا يصلح للاستدلال به؛ لأن كثيرًا من أئمة الحديث قد ضعَّفه، والبيهقي ذكر في "السنن الكبرى": أنه لا بأس به، أي: يستدل به على فضائل الأعمال، قلتُ: الضعيف لا يُستدل به لشيء؛ لعدم حُجِّيته.
(١٣٥) مسألة: إذا مرَّ كلب أسود لا لون فيه غير السواد بين المصلي وسترته، أو بين قدميه ومحل وضع جبهته عند السجود: فإن هذا يقطع صلاته، ويجب عليه أن يُعيدها، أما غيره مثل الكلب غير الأسود، أو المرأة، أو الحمار، أو السباع والوحوش ونحوها: فلا تقطع صلاة المصلي ولو مرَّت بين يديه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا قام أحدكم يُصلي … فإنه يقطع صلاته: المرأة والحمار والكلب الأسود" وهذا عام لهذه الثلاثة المذكورة وجاءت السنة التقريرية وخصَّصت الحديث هذا بالكلب الأسود فقط؛ حيث "كانت عائشة تكون أمام النبي ﷺ بينه وبين القبلة وهي نائمة" و"صلى ﷺ في صحراء وليس بين يديه سترة وحمار وكلب يعبثان بين يديه فما بالى بذلك" - كما رواه الفضل بن العباس - فلم يُنكر هذا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فبقي الكلب =
стр. 498
للمأموم (١٣٦) (وله) أي: للمصلي (التعوذ عند آية وعيد، والسؤال) أي: سؤال الرحمة (عند آية رحمة، ولو في فرض): لما روى مسلم عن حذيفة قال: "صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلتُ: يركع عند المائة، ثم مضى إلى أن قال: إذا مرَّ بآية فيها تسبيح: سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال: سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ: تعوَّذ" قال أحمد: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ في الصلاة وغيرها قال: سبحانك فبلى في فرض ونفل (١٣٧). فصل (أركانها) أي أركان الصلاة: أربعة عشر، جمع
الأسود هو الذي يقطع الصلاة؛ لأن العام حجة فيما بقي بعد التخصيص، فإن قلتَ: لِمَ كان الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة بخلاف غيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن الكلب الأسود شيطان كما وصفه بذلك النبي ﷺ ، لذلك يُقتل في كل حال، ولا يحل صيده، وإن دُرِّب وعُلِّم وهو نادر، أما المرأة والحمار والكلاب غير السود وباقي الحيوانات لا يخلو منها بيت من بيوت المسلمين أو الصحراء، فلو كانت تقطع الصلاة: للحق المسلمين ضرر ومشقة فدفعًا لذلك: فُرِّق بينها، تنبيه: قوله: "في ثلاثة أذرع من قدميه" هذا التحديد لم أجد دليلًا عليه وقد سبق التنبيه عليه.
(١٣٦) مسألة: سترة الإمام هي سترة للمأموم: سواء كان المأموم خلف الإمام أو عن يمينه، وبناء على ذلك: فلا يشرع للمأموم أن يتخذ سترة، ولا يُباح للمأموم أن يرد المار بينه وبين الإمام، ولا يحرم المرور بين الإمام والمأموم؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يصلي إلى سترة دون أصحابه"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على الناس.
(١٣٧) مسألة: يُستحب للمصلي - فرضًا أو نفلًا - أن يُسبِّح إذا مرَّ بآية تقتضي التسبيح قائلًا: "سبحانك" كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر للرحمة أو الجنة، أو الأنبياء والصالحين: فإنه =
стр. 499
ركن، وهو: جانب الشيء الأقوى، وهو: ما كان فيها ولا يسقط عمدًا ولا سهوًا، وسمَّاها بعضهم فروضًا، والخِلْف لفظي (١٣٨) (القيام) في فرض لقادر؛ لقوله تعالى:
يسأل الله الرحمة والجنة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ و ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، ونحوها، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر وعيد أو النار، أو أحوال المجرمين، أو أنواع العذاب: فإنه يتعوَّذ من ذلك، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ونحوها؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك في النفل - كما رواه حذيفة - وصلاة الفرض كصلاة النفل؛ لعدم الفارق، والجامع: أن كلًّا منهما قول من جنس ما يُقال في أي صلاة من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين أجر الصلاة والقراءة والدعاء، والذكر حيث يكون هذا أقرب إلى الاستجابة.
(١٣٨) مسألة: أركان الصلاة هي: التي لا يمكن أن تتم الصلاة إلا بها، فلو ترك واحدًا منها: بطلت الصلاة: سواء كان ذلك عمدًا أو سهوًا؛ وسمَّاها بعضهم "فروض الصلاة" والفرض والركن واحد؛ لأن الخلاف في التسمية فقط وهو - أي الفرض والركن -: ما طلب فعله طلبًا جازمًا بدليل قطعي، ونظرًا لهذه القطعية لا يسقط بعمد ولا سهو، فإن قلتَ: ما الفرق بين أركان الصلاة وشروطها وواجباتها وسننها؟ قلتُ: أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بوجودها جميعًا، ولا تسقط عمدًا ولا سهوًا وتكون داخل الصلاة، أما الشروط فهي مثل الأركان إلا أنه يُشترط وجودها قبل الدخول فيها، واستمرارها حتى تنتهي، أما الواجبات: فتكون داخل الصلاة وهي ما طلب فعلها طلبًا جازمًا بدليل ظني ولا تسقط عمدًا، ولو ترك المصلي واحدًا منها سهوًا: سجد للسهو، أما المستحبَّات والسنن: فهي داخل الصلاة وتصح الصلاة بدونها سواء كان سقوطها عمدًا أو سهوًا، وهي: ما طلب فعلها طلبًا غير جازم سواء بدليل قطعي أو ظني، وقد بينتُ ذلك في كتبي: "المهذب، والإتحاف"، و"الجامع" في أصول الفقه.
стр. 500
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وحدُّه: ما لم يكن راكعًا (والتحريمة) أي: تكبيرة الإحرام؛ لحديث: "تحريمها التكبير" (و) قراءة (الفاتحة)؛ لحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب"، ويتحمَّلها الإمام عن المأموم، ويأتي (والركوع) إجماعًا في كل ركعة، (والاعتدال عنه)؛ لأنه ﷺ داوم على فعله، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" ولو طوّله: لم تبطل كالجلوس بين السجدتين، ويدخل في الاعتدال الرفع، والمراد: إلا ما بعد الركوع الأول، والاعتدال عنه في صلاة الكسوف (والسجود) إجماعًا (على الأعضاء السبعة)؛ لما تقدَّم (والاعتدال عنه) أي: الرفع منه، ويُغني عنه قوله (والجلوس بين السجدتين)؛ لقول عائشة: "كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من السجود: لم يسجد حتى يستوي قاعدًا" رواه مسلم (والطمأنينة في) الأفعال (الكل) المذكورة؛ لما سبق، وهي: السكون وإن قلَّ (والتشهد الأخير وجلسته)؛ لقوله ﷺ : "إذا قعد أحدكم في صلاته: فليقل: التحيات لله" الخبر متفق عليه (والصلاة على النبي ﷺ فيه) أي: في التشهد الأخير؛ لحديث كعب السابق (والترتيب) بين الأركان؛ لأنه ﷺ كان يُصليها مرتبة، وعلَّمها المسيء في صلاته مُرتبة بـ "ثمَّ" (والتسليم)؛ لحديث: "وختامها التسليم" (١٣٩) (وواجباتها) أي: الصلاة ثمانية (التكبير غير
(١٣٩) مسألة: أركان الصلاة أربعة عشر: أولها: القيام في الفرض على القادر، والقيام هو: أن لا يكون راكعًا حسًا وشرعًا، وقد سبق بيانه في مسألة (١٣)، ثانيها: التحريمة وهو: قول المصلي عند دخوله في الصلاة: "الله أكبر" وقد سبق بيانه في مسألة (١٣)، ثالثها: قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة، وقد سبق بيانه في مسألة (٢٥)، تنبيه: قوله: "ويتحمَّلها الإمام عن المأموم" سيأتي بيانه في باب "صلاة الجماعة"، رابعها: الركوع بعد كل قيام في كل الصلاة، وسبق بيانه في مسألة (٤٥)، خامسها: الاعتدال عن الركوع وهو متضمن للرفع عنه، وسبق بيانه في مسألة (٥٣)، ويُباح التطويل في الركوع؛ قياسًا على إباحة التطويل في الجلسة بين السجدتين بجامع: وقوع كل منهما بين ركنين، تنبيه: =
стр. 501
التحريمة) فهي ركن؛ كما تقدم، وغير تكبيرة المسبوق إذا أدرك إمامه راكعًا فسنة
قوله: "إلا ما بعد الركوع الأول والاعتدال عنه في صلاة الكسوف" يُشير به إلى أن الكلام السابق في الصلاة العادية؛ بخلاف صلاة الكسوف؛ حيث يكون فيها ركوعان في ركعة واحدة - كما سيأتي بيانه - سادسها: السجود على الأعضاء السبعة وسبق بيانه في مسألتي (٥٩ و ٦٠)، سابعها: الاعتدال عن السجود، وهو متضمن للرفع عنه، وسبق بيانه في مسألة (٦٨)، ثامنها: الجلوس بين السجدتين معتدلًا، وسبق بيانه في مسألة (٦٨)، ويلزم من الاعتدال عن السجود: الجلوس بين السجدتين لذا: قال المصنف: "ويُغني عنه … "، تاسعها: الطمأنينة وهي: السكون والهدوء واستقرار جميع الأعضاء في كل فعل من أفعال الصلاة، وهذا بقدر قراءة الفاتحة في القيام وبقدر قوله "سبحان ربي العظيم"، و"سبحان ربي الأعلى" مرة واحدة في الركوع والسجود، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا … " فالركوع لا يصح إلا إذا اطمأن فيه، فيلزم من ذلك كونه ركنًا، وبقية أعمال الصلاة كالركوع والسجود؛ لعدم الفارق، عاشرها: التشهد الأخير، حادي عشر: جلسة التشهد الأخير، وهي: الجلسة التي قبل التسليم، ويقرأ فيها: التحيات لله .. ، وسبقا في مسألة (٧٦)، ثاني عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وسبق بيانه في مسألة (٧٦)، ثالث عشر: ترتيب أركان الصلاة السابقة كما سبق بيانه، فلا يُقدِّم ركنًا على ركن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ، ثم اركع" وحرف "ثم" للترتيب والتراخي، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُصليها دائمًا مرتبة، فإن قلتَ: لِمَ كان الترتيب ركنًا؟ قلتُ: لأن عدم الترتيب في أي عمل يجعله قريبًا من العبث واللهو وهذا شأن الله تعالى في كل عبادة، رابع عشر: التسليم، وسبق بيانه في مسألة (٧٩) فإن قلتَ: لِمَ كانت تلك الأمور أركانًا دون غيرها؟ قلتُ: لأنها تتضمَّن تكبير وتعظيم وتبجيل وتنزيه الله تعالى عن جميع النقائص، وبعده نبيه ﷺ ، وتنظيم العبادة تنظيمًا لا يُشابهه غيره.
стр. 502
ويأتي (والتسميع) أي: قول الإمام والمنفرد في الرفع من الركوع: "سمع الله لمن حمده" (والتحميد) أي: قول: "ربنا ولك الحمد" لإمام ومأموم ومنفرد؛ لفعله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ومحل ما يؤتى به من ذلك للانتقال بين ابتداء وانتهاء، فلو شرع فيه قبله أو كمَّله بعده: لم يجزئه (وتسبيحتا الركوع والسجود) أي: قول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود (وسؤال المغفرة) أي: قول: "رب اغفر لي" بين السجدتين (مرة مرة، ويسن) قول ذلك (ثلاثًا و) من الواجبات (التشهد الأول وجلسته) للأمر به في حديث ابن عباس، ويسقط عمن قام إمامه سهوًا؛ لوجوب متابعته والمجزئ منه: "التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" أو "عبده ورسوله" وفي التشهد الأخير ذلك مع: "اللهم صل على محمد" بعده (١٤٠) (وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة) مما تقدم في
(١٤٠) مسألة: واجبات الصلاة ثمانية: أولها: تكبيرات الصلاة - غير تكبيرة التحريم -، وقد سبق بيانه في مسألة (٤٥)، تنبيه: إذا أدرك إمامه راكعًا: فإنه يُكبِّر وينوي بها تكبيرة الإحرام، أو ينويهما معًا، وإن كبر ثانية للركوع فهو مستحب، وسيأتي بيانه في باب "صلاة الجماعة"، ثانيها: التسميع وهو قول الإمام أو المنفرد حين يرفع من الركوع: "سمع الله لمن حمده"، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٥) ثالثها: التحميد، وهو قول المأموم: "ربنا ولك الحمد" وقد سبق في مسألة (٥٧): تنبيه: الإمام والمنفرد يُستحب أن يقولا ذلك - كما سبق في مسألة (٥٦) ولا يجب كما قال المصنف هنا، تنبيه آخر: محل التكبير والتسميع، والتحميد حينما يبدأ بالانتقال من ركن إلى ركن آخر، فلا يُجزئ: أن يقوله قبل الانتقال والتحرك، ولا بعد استقراره بعد ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الشارع جعل لكل قول محلًا يقال فيه، فلو أتى بشيء في غير محلِّه: للزم منه =
стр. 503
صفة الصلاة (سنَّة، فمن ترك شرطًا لغير عذر) ولو سهوًا بطلت صلاته، وإن كان لعذر - كمن عدم الماء والتراب أو السترة أو حبس بنجسة -: صحت صلاته كما تقدم (١٤١) (غير النية، فإنها لا تسقط بحال)؛ لأن محلها القلب، فلا عجز عنها (١٤٢) (أو تعمَّد) المصلي (ترك ركن أو واجب: بطلت صلاته)، ولو تركه لشك في
بطلان هذا القول؛ لأنه فعل وقع على غير ما شرعه الله، رابعها: تسبيحة الركوع، وهو قوله أثناء الركوع: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٢)، خامسها: تسبيحة السجود، وهو قوله أثناء السجود: "سبحان ربي الأعلى" مرة واحدة، وقد سبق بيانه في مسألة (٦٧)، سادسها: قوله: "رب اغفر لي" في الجلسة بين السجدتين، وقد سبق بيانه في مسألة (٦٩) سابعها: التشهد الأول، ثامنها: جلسة التشهد الأول، وقد سبق بيانه في مسألة (٧٤)، ويقول التشهد من عبارة: "التحيات" إلى قوله: "ورسوله" كما سبق في مسألة (٧٥).
(١٤١) مسألة: إذا ترك شرطًا من شروط الصلاة - التي هي: "الطهارة من الحدث والخبث، ودخول الوقت، وستر العورة، واستقبال القبلة" - غير النية - لغير عذر: فصلاته باطلة، أما إن ترك ذلك لعذر كعدم ماء، ونحوه: فإنها تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تركه لعذر: صحة الصلاة؛ لأن الشرط يسقط بالعجز عنه؛ ويلزم من تركه لغير عذر: بطلان الصلاة؛ لكونه ترك مشروعًا لغير عذر.
(١٤٢) مسألة: إن ترك النية بأن صلى بدون نية: فإن صلاته باطلة: سواء كان ذلك لعذر أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" فلا يصح عمل شرعًا: إلا بنية؛ وهذا ثابت بدلالة مفهوم الحصر هنا، فلا يُعذر أحد فعل شيئًا بدون نية؛ لكون محل النية القلب، فيستطيعها كل أحد، فلا يُقبل قول أحد بأنه عجز عنها، وهي سرُّ العبودية كما سبق بيانه.
стр. 504
وجوبه، وإن ترك الركن سهوًا فيأتي، وإن ترك الواجب سهوًا أو جهلًا: سجد له وجوبًا (١٤٣) وإن اعتقد الفرض سنة، أو بالعكس: لم يضره، كما لو اعتقد أن بعض أفعالها فرض وبعضها نفل، وجهل الفرض من السنة، أو اعتقد الجميع فرضًا (١٤٤)، والخشوع فيها
(١٤٣) مسألة: إذا تعمَّد ترك ركن، أو تركه نظرًا لشكه هل هو ركن أو لا؟، أو تركه سهوًا، أو ترك واجبًا عمدًا: فصلاته باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن الركن والواجب لا تصح الصلاة إلا بهما: فيلزم تركها عمدًا، أو وجود شك في ركن، أو ترك الركن سهوًا: أن تبطل الصلاة؛ لعدم إتيانها على المشروع، والشك لا يُسقط الحق فيلزم بطلان صلاته لتركه شيئًا لم يتيقن أنه أتى به على المشروع. [فرع]: إذا ترك واجبًا سهوًا أو جهلًا بوجوبه: فصلاته صحيحة بشرط: أن يسجد سجدتين للسهو، وسيأتي بيانه في باب "سجود السهو"، فإن قلتَ: لِمَ يُجبر ترك الواجب سهوًا بسجود السهو، بخلاف ترك الركن سهوًا فلا يُجبر؟ قلتُ: لأن الركن - وهو الفرض - لا يُعذر أحد بجهله أو السهو عنه؛ نظرًا لثبوته بدليل قطعي لا يخفى على أحد، وهذا لأهميته عند الشارع لكونه أساسيًا في بناء الحكم فلا يقوى سجود السهو على جبره، بخلاف الواجب فقد ثبت بدليل ظني، ويُعذر كثير من الناس بجهله، لكونه أقل أهمية عند الشارع، فيقوى سجود السهو على جبره.
(١٤٤) مسألة: إذا لم يُفرق المصلي بين الأركان والفروض والواجبات والسنن كأن يظن أن الفرض نفل، أو العكس ونحو ذلك: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا قد صلى الصلاة المشروعة - بأركانها وواجباتها وسننها - فيلزم صحتها، فإن قلتَ: لِمَ صحَّت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أكثر المسلمين لا يفرقون بين تلك الأمور، ولو كُلِّف كل شخص بأن يعرف ذلك: للحقهم ضيق ومشقة، ولتعطلت مصالحهم، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
стр. 505
سنة (١٤٥) ومن علم بطلان صلاته ومضى فيها: أُدِّب (١٤٦) (بخلاف الباقي) بعد الشروط، والأركان، والواجبات، فلا تبطل صلاة من ترك سنة ولو عمدًا (وما عدا ذلك) أي: أركان الصلاة وواجباتها (سنن أقوال) كالاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، وآمين، والسورة، و"ملء السماء" إلى آخره بعد التحميد وما زاد على المرة في تسبيح الركوع، والسجود، وسؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الأخير، وقنوت الوتر (و) سنن (أفعال) كرفع اليدين في مواضعه، ووضع اليمين على الشمال تحت سرته، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، والتجافي فيه، وفي السجود، ومدَّ الظهر معتدلًا، وغير ذلك مما مر مفصلًا، ومنه: الجهر، والإخفات، والترتيل، والإطالة والتقصير في مواضعها (ولا يُشرع) أي: لا يجب ولا يُسن (السجود لتركه)؛ لعدم إمكان التحرز من تركه (وإن سجد) لتركه سهوًا: (فلا بأس) أي: فهو مباح (١٤٧).
(١٤٥) مسألة: الخشوع في الصلاة مستحب من مستحباتها؛ للتلازم؛ حيث إنه ليس من الأركان ولا الشروط، ولا الواجبات السابقة فيلزم أنه مستحب.
(١٤٦) مسألة: إذا بطلت صلاة شخص بترك ركن أو فقدان شرط ونحو ذلك ومع ذلك مضى فيها: فيجب على الإمام أو نائبه أن يؤدِّبه ويُعزِّره؛ للمصلحة؛ حيث ذلك فيه منع له ولغيره من التلاعب في العبادات، أو جعلها محلًا للعبث والاستهزاء.
(١٤٧) مسألة: سنن ومستحبات الصلاة ثمان وخمسون سنة ومستحبًا، وقد ورد ذكرها كلها مفصلة في مسائل (من ١ إلى ١٣٨) من هذا الباب، وهو: "صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها ومستحباتها" وهي: تنقسم إلى قولية، وفعلية: وهي: ما يُثاب على فعلها ولا يُعاقب على تركها، وإذا تركها المصلي أو ترك واحدًا منها عمدًا أو سهوًا: صحَّت الصلاة، ولا يُشرع لذلك سجود السهو، =
стр. 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن سجد لذلك: فهو مُباح لا يُفسد الصلاة؛ للمصلحة؛ حيث إن تلك السنن كثيرة، ولا يخلو أحد من ترك بعضها، فلو شرع السجود لذلك: للحق الناس ضيق ومشقة فدفعًا لذلك: سقط سجود السهو له.
هذه آخر مسائل باب: "صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها وسننها" ويليه باب: "سجود السهو"
стр. 507
باب سجود السهو
قال صاحب المشارق: السهو في الصلاة: النسيان فيها (يُشرع) أي: يجب تارة ويُسن أخرى - على ما يأتي تفصيله - (١) (لزيادة) سهوًا (ونقص) سهوًا (وشك) في الجملة، (لا في عمد): لقوله ﷺ : "إذا سها أحدكم فليسجد" فعلَّق السجود على السهو (في) صلاة (الفرض والنافلة) متعلِّق بـ "يُشرع" سوى صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر، وسهو (٢) (فمتى زاد فعلًا من جنس الصلاة قيامًا) في محل
باب سجود السهو
وفيه خمس وخمسون مسألة:
(١) مسألة: سجود السهو: عبارة عن سجدتين يسجدهما المصلي قبل السلام أو بعده إذا سهى عن واجب بزيادة أو نقصان أو شك، وهو يكون واجبًا ومستحبًا - كما سيأتي بيانه - فإن قلتَ: لمَ شرع سجود السهو؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يُعتبر من تمام النعمة على الأمة؛ حيث إن المصلي يُكمل ما نقص من صلاته بهذا السجود: ليكمل له الأجر، وهو من خصائص هذه الأمة.
(٢) مسألة: يُشرع سجود السهو في صلاة فرض أو نفل ذات ركوع وسجود إذا وجد واحد من ثلاثة: أولها: أن يزيد شيئًا في صلاته سهوًا كأن يصلي المغرب أربعًا؛ ثانيها: أن ينقص من صلاته واجبًا سهوًا، فيأتي به ثم يسجد للسهو، ثالثها: أن يشك هل صلاته زائدة أو ناقصة؟ فيَكمل النقصان ثم يسجد له، وعلى ذلك: فلا يسجد للسهو لترك شيء عمدًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا سها أحدكم فزاد أو نقص فليسجد سجدتين" فعلَّق السجود على السهو، ودلَّ مفهوم الشرط على أنه إذا تعمَّد: فلا يسجد للسهو، بل تبطل الصلاة كما سبق، وهذا عام للفرض والنفل؛ لأن اسم الشرط من صيغ =
стр. 508
قعود (أو قعودًا) في محل قيام ولو قلَّ كجلسة الاستراحة (أو ركوعًا أو سجودًا عمدًا: بطلت) صلاته إجماعًا، قاله في الشرح (و) إن فعله (سهوًا: يسجد له): لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: "فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين" رواه مسلم (٣)، ولو نوى القصر فأتمَّ سهوًا: ففرضه
العموم، ولا ينقدح في الذهن من ذلك إلا الصلاة ذات الركوع والسجود لكونها هي المتبادرة إلى الذهن عند الإطلاق، فإن قلتَ: لمَ لا يسجد للسهو إذا فعل شيئًا عمدًا؟ قلتُ: لأنه تعمَّد مخالفة الشارع، فلا يقوى شيء على جبره، فإن قلتَ: لمَ يُشرع هذا في الصلاة ذات الركوع والسجود فقط؟ قلتُ: للاحتراز عن الصلوات التي لا ركوع فيها ولا سجود فيها؛ لذلك لا يسجد للسهو في صلاة الجنازة؛ لأن السجود لم يشرع في أصلها، ولا يسجد للسهو في سجود التلاوة: لأن الأصل سجدة واحدة فقط، فلو شرح سجود السهو: لكان زائدًا على الأصل، ولا يسجد للسهو إذا سها في سجود السهو لأنه لو سجد هنا لوقع تسلسل، وفي ذلك مشقة، فإن قلتَ: لمَ لا يسجد للسهو إذا حدَّث نفسه في صلاته؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حديث النفس يكثر عند الناس، فلو شرع لذلك سجود: لشق على كثير منهم. [فرع]: لا يُشرع سجود السهو في صلاة الخوف؛ للمصلحة؛ حيث إن صلاة الخوف شُرعت مختصرة؛ نظرًا لظروف الحروب، فلو شرع سجود السهو له؛ لشق على الناس؛ لكثرة ما يقع السهو فيها غالبًا بسبب حالة الخوف.
(٣) مسألة: إذا زاد فعلًا من جنس الصلاة كقيام في محل جلوس، أو جلوس في محل قيام كجلسة استراحة، أو زاد ركوعًا أو جلوسًا أو سجودًا - غير مطلوب شرعًا -: فإنه يسجد سجدتي السهو إن كان ما زاده وقع على سبيل السهو، أما إن زاد ذلك عمدًا فصلاته باطلة، ويُعيدها أما إن كان ما زاده ليس من جنس =
стр. 509
الركعتان ويسجد للسهو استحبابًا (٤)، وإن قام فيها أو سجد، إكرامًا لإنسان: بطلت (٥) (وإن زاد ركعة) كخامسة في رباعية، أو رابعة في مغرب، أو ثالثة في فجر (فلم يعلم حتى فرغ منها: سجد)؛ لما روي عن ابن مسعود: "أن النبي ﷺ صلى خمسًا، فلما انفتل قالوا: إنك صلَّيت خمسًا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلَّم" متفق عليه (وإن علم) بالزيادة (فيها) أي: في الركعة: (جلس في الحال) بغير تكبير؛
الصلاة كضحك أو حركة كثيرة: فصلاته باطلة: سواء كانت سهوًا أو عمدًا، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية حيث قال ﷺ : "إذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين" وهذا عام فيشمل العمد والسهو، والزيادة التي هي من جنس الصلاة، والتي ليست من جنسها، فخصَّصت السنة القولية الحديث في الزيادة الواقعة سهوًا؛ حيث قال ﷺ : "إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين" فأخرج هنا الزيادة المتعمَّدة، فلا يُسجد لها، بل تبطل الصلاة بها، وخصّصت السنة الفعلية الزيادة التي هي من جنس الصلاة؛ حيث إنه ﷺ لا يسجد إلا للأفعال التي زادها من جنس الصلاة.
(٤) مسألة: إذا نوى المسافر قصر صلاة الظهر - مثلًا - فإنه يُصليها ركعتين، فإن سها وأتمها أربعًا: فإنه يُستحب أن يسجد للسهو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها في الأصل أربعًا: أن لا يجب سجود السهو، بل يُستحب؛ لأنه لا يُبطلها إتمامها وإن تعمَّد.
(٥) مسألة: إذا كان المسلم يصلي، فدخل إنسان عزيز عليه: فقام، أو سجد لأجل إكرامه فصلاته باطلة: سواء فعل ذلك عمدًا أو سهوًا؛ للتلازم؛ حيث إن نية الصلاة واستمرارها إلى نهايتها شرط لصحة الصلاة، فيلزم من قطع نية الصلاة لله تعالى، وصرف بعضها لإكرام ذلك الشخص: بطلان تلك الصلاة؛ نظرًا لقطعه نيتها.
стр. 510
لأنه لو لم يجلس: لزاد في الصلاة عمدًا وذلك يبطلها (فيتشهد إن لم يكن تشهد)؛ لأنه ركن لم يأت به (وسجد) للسهو (وسلَّم) لتكمل صلاته وإن كان قد تشهد: سجد للسهو وسلم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي ﷺ : صلى عليه، ثم سجد للسهو ثم سلَّم (٦) وإن قام إلى ثالثة نهارًا وقد نوى ركعتين نفلًا: رجع إن شاء وسجد للسهو، وله أن يتمها أربعًا ولا يسجد وهو أفضل، وإن كان ليلًا فكما لو قام إلى ثالثة في الفجر نصَّ عليه؛ لأنها صلاة شُرعت ركعتين أشبهت الفجر (٧)
(٦) مسألة: إذا زاد ركعة ثالثة في الفجر، أو خامسة في الظهر أو رابعة في المغرب - مثلًا -: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن لم يعلم بهذه الزيادة إلا بعد أن فرغ من الصلاة وسلَّم: فيجب عليه أن يسجد للسهو بعد السلام. ثانيًا: إن علم بهذه الزيادة في أثناء هذه الركعة المزادة: فيجب عليه أن يجلس في الحال دون تكميل تلك الركعة المزادة، ودون تكبير، فيتشهَّد إن لم يكن قد تشهَّد، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يسجد للسهو، ثم يُسلِّم، وإن كان قد تشهَّد وصلى على النبي: فيترك الركعة ويسجد للسهو ثم يُسلِّم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد سجد سجدتين بعد السلام لما علم أنه زاد ركعة خامسة بعد فراغه من الصلاة. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم جلوسه حال علمه بأن تلك الركعة زائدة: بطلان صلاته؛ لكونه بذلك قد تعمَّد زيادتها، والزيادة عمدًا في الصلاة يُبطلها، فإن قلتَ: لمَ يجلس بدون تكبير؟ قلتُ: لأنها ركعة زائدة، فلا يُشرع لها تكبير.
(٧) مسألة: إذا زاد ثالثة سهوًا في صلاة النفل: فإنه يُتمُّها أربعًا ويسجد للسهو ويُسلِّم، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يتطوَّع بأربع ليلًا أو نهارًا، دون تفريق، فإذا زاد على ما نواه أولًا، فيُكملها، ثم يسجد للسهو: نظرًا لمخالفته لما نواه، فإن قلتَ: إن كان هذا النفل في النهار =
стр. 511
(وإن سبَّح به ثقتان) أي: نبَّهاه بتسبيح أو غيره، - ويلزمهم تنبيهه -: لزمه الرجوع إليهما: سواء سبَّحا به إلى زيادة أو نقصان، وسواء غلب على ظنه صوابهما، أو خطؤهما، والمرأة كالرجل (٨) (فـ) إن (أصرَّ) على عدم الرجوع (ولم يجزم بصواب
فالأفضل أن يُتمها أربعًا، ولا يسجد للسهو، وإن شاء جلس في أثنائها ويتشهَّد ثم يسجد للسهو ثم يُسلِّم؛ وإن كان النفل في الليل: فإنه يرجع في أثناء تلك الركعة الزائدة، ويجلس ويتشهَّد، ثم يسجد للسهو، ثم يُسلِّم، وهو ما ذكره المصنف هنا لقاعدتين: الأولى: السنة القولية والفعلية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" وكان يتطوع بأربع في النهار، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لو زاد في صلاة الفجر ثالثة فإنه يجب عليه أن يرجع - إذا تذكَّر في أثنائها - ويجلس ويسجد للسهو ثم يُسلِّم، فكذلك النافلة في الليل، والجامع: أن كلًّا منهما قد شُرعت مثنى ليلًا: قلتُ: أما الحديث: فالمراد به: أن الأفضل في صلاة الليل أن يُصلِّي ركعتين ثم يُسلِّم، ثم يُصلِّي اثنتين ثم يُسلِّم كما سيأتي في باب "صلاة التطوع" - وهذا لا يمنع من صلاتها أربعًا، أما القياس: ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الفجر فرض، فلا يجوز أن يزاد فيها على المشروع؛ لعدم تساهل الشارع فيها، بخلاف النافلة فتجوز الزيادة فيها، ويجوز نقصانها وقطعها. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل كون صلاة الليل الأفضل أن تكون مثنى يمنع من الزيادة عليها أو لا؟ " فعندنا: لا يمنع، وعندهم: يمنع، و"هل النافلة كالفرض هنا أو لا؟ " فعندنا: لا وعندهم: نعم، وأيضًا "تعارض النصوص مع القياس".
(٨) مسألة: إذا نبَّه عدلان ثقتان إمامهما بأنه زاد أو نقص في صلاته: بأن سبَّحا قائلين: "سبحان الله": فيجب عليه أن يقبل كلامهما إذا غلب على ظنه =
стр. 512
نفسه: بطلت صلاته)؛ لأنه ترك الواجب عمدًا، وإن جزم بصواب نفسه: لم يلزمه الرجوع إليهما؛ لأن قولهما إنما يُفيد الظن، واليقين مقدَّم عليه (٩)، وإن اختلف عليه
صوابهما، ويرجع، ويُكمل الناقص أو يترك الزائد - إن كان في أثنائه - أو يُخبراه بعد الفراغ من صلاته: فيسجد للسهو: سواء كان المنبِّهان حرين، أو عبدين، أو رجلين، أو امرأتين، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ رجع إلى قول أبي بكر وعمر حين ذكرا له أنه زاد خامسة في صلاته - في حديث ذي اليدين - وسجد للسهو، الثانية: القياس: بيانه: كما يقبل خبرهما في الحديث والشهادة فكذلك يقبل هنا، والجامع غلبة الصدق والصواب في كل. تنبيه: قوله: "أو خطؤهما" يشير به بأنه لو غلب على ظنه خطؤهما يرجع إلى كلامهما قلتُ: هذا فيه نظر؛ حيث إذا غلب خطؤهما فإنه يلزم منه: أن يعمل بالخطأ، وهذا لا يمكن في الشريعة. [فرع]: يجب على المأمومين أن يُنبِّهوا إمامهم على أي نقص أو زيادة في الصلاة بتسبيح الرجال أو تصفيق النساء - كما سبق -؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لكونه من باب: التعاون على استكمال صلاتهم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا نابكم شيء في صلاتكم فليُسبِّح الرجال ولتصفق النساء" وهذا عام في جميع ما يُصلح الصلاة، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لارتباط صلاتهم بصلاة إمامهم.
(٩) مسألة: إذا لم يقبل الإمام قول المنبِّهين له ولم يرجع: ففيه تفصيل: أولًا: إن كان جازمًا ومتيقنًا، أو قد غلب على ظنه صواب نفسه، وخطأ غيره: فلا يلزمه الرجوع إلى قولهما ثانيًا: إن كان لم يجزم بصواب نفسه ولم يغلب على ظنه شيء ومع ذلك أصرَّ على عدم الرجوع إلى قولهما: فصلاته تبطل، ولا بدَّ من إعادتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جزمه وتيقنه أو غلبة ظنه بصوابه وخطأ =
стр. 513
من يُنبِّهه: سقط قولهم، ويرجع منفرد إلى ثقتين (١٠) (و) بطلت (صلاة من تبعه) أي: اتبع إمامًا أبى أن يرجع حيث يلزمه الرجوع (عالمًا لا) من تبعه (جاهلًا أو ناسيًا)؛ للعذر (١١) (ولا من فارقه)؛ لجواز المفارقة؛ للعذر،
المنبِّهين له: أن لا يرجع إلى قولهما، وصحة صلاته؛ عملًا بالمتيقن والغالب على الظن، ويلزم من عدم تيقّنه، وعدم غلبة الظن عنده بصوابه وعدم العمل بقول المخبرين: بطلان صلاته؛ حيث إنه ترك الواجب عمدًا، وهذا يُبطل الصلاة، ولا يجبره سجود سهو، تنبيه: قوله: "وإن جزم" قلتُ: الجزم واليقين نادر وقوعه، ولذلك يُكتفى في ذلك بغلبة ظن الإمام وهو يعمل به كاليقين.
(١٠) مسألة: إذا اختلف المأمومون فطائفة منهم قد نبَّهت الإمام على أنه سها في صلاته فزاد أو نقص، وطائفة منهم قد نبَّهته على أنه لم يسه: وعلم الإمام ذلك: فإنه لا يقبل قول الطائفتين؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا تعارض دليلان تمام التعارض: فإنهما يتساقطان ويرجع المجتهد إلى أصله - الإباحة أو الحظر - فكذلك الأمر هنا، فيعمل بما يراه صوابًا، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه ليست إحداهما بأولى من الأخرى، تنبيه: قوله: "ويرجع منفرد إلى ثقتين" قلتُ: هذا إذا لم يجزم بصواب نفسه، أو يغلب على ظنه خطؤهما كما سبق في مسألة (٩).
(١١) مسألة: إذا لم يقبل الإمام تنبيه العدلين، وهما متأكدان من صوابهما؛ فإنهما إذا تبعاه: تبطل صلاتهما إذا علما الحكم، وكانا ذاكرين لذلك، أما إذا جهلا، أو نسيا: فلا تبطل صلاتهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن الصحابة قد تابعوا النبي ﷺ لما زاد ركعة خامسة، لكونهم لم يعلموا الحكم، ولم يأمرهم ﷺ بإعادة الصلاة فلزم صحتها؛ لوجود عذر الجهل، والنسيان مثله، لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، الثانية: التلازم: حيث يلزم من متابعتهما لإمام قد قطعا بأنه زاد أو نقص في صلاته: بطلان صلاتهما؛ لأنهما =
стр. 514
ويُسلِّم لنفسه (١٢)، ولا يعتدُّ مسبوق بالركعة الزائدة إذا تابعه فيها جاهلًا (١٣) (وعمل) في الصلاة متوالٍ (مستكثر عادة من غير جنس الصلاة) كالمشي واللُّبس، ولفِّ العمامة: (يُبطلها عمده وسهوه) وجهله إن لم تكن ضرورة وتقدم (١٤) (ولا
تعمَّدا الزيادة فيها، أو النقصان منها، والزيادة المتعمَّدة تبطل الصلاة، وكذا: النقصان المتعمَّد مثلها.
(١٢) مسألة: إذا تيقَّن مأموم أن إمامه قد زاد ركعة أو نقص، فنبَّه إمامه على ذلك، ولم يقبل الإمام ذلك منه: فيجب على ذلك المأموم أن يُفارق ذلك الإمام ويُكمل الصلاة لوحده، ويُسلِّم وتصح صلاته؛ للقياس، بيانه: كما أن من فارق إمامه إذا غلبه حدث أو أشغله شيء وأكملها منفردًا تصح صلاته فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد وجد عذر قد جوز ترك الائتمام [فرع]: إذا نبَّه مسلمان مجهولا العدالة الإمام بأنه زاد أو نقص، وهو لم يجزم بصواب نفسه ولم يغلب على ظنه شيء: فيجب عليه أن يعمل بقولهما؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل في المسلمين العدالة فيُستصحب ذلك، ويعمل به، حتى يثبت خلافه، وكذا: الحكم فيما لو نبَّهه مسلم واحد.
(١٣) مسألة: إذا جاء مسبوق ودخل مع الإمام أثناء ركعة زائدة، وتبعه فيها وهو يجهل أنها زائدة، ثم علم بعد ذلك أنها زائدة: فلا يعتدّ ولا يحسب ذلك المسبوق تلك الركعة الزائدة من صلاته، بل يحذفها، ويأتي بركعة عنها عند قضاء ما فاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من احتسابها مع العلم بأنها زائدة: تعمُّد زيادة ركعة لم تكن معتبرة في الصلاة عند الإمام، وهذا يُبطل الصلاة.
(١٤) مسألة: إذا عمل المصلي أعمالًا كثيرة من غير جنس الصلاة كلبس ثوب ولف عمامة وتحريك ساعة ونحو ذلك وهي متوالية في ركعة واحدة عمدًا أو سهوًا، فإن هذا يُبطل الصلاة إن كان لغير ضرورة، أما إن كان لضرورة كقتل حية أو عقرب، أو نحو ذلك: فلا يبطل عمده ولا سهوه الصلاة، وقد تقدم =
стр. 515
يشرع ليسيره) أي: يسير عمل من غير جنسها (سجود) ولو سهوًا ويُكره العمل اليسير من غير جنسها فيها، ولا تبطل بعمل قلب، وإطالة نظر إلى شيء وتقدَّم (١٥) (ولا تبطل) الصلاة (بيسير أكل وشرب سهوًا أو جهلًا)؛ لعموم: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" (١٦) وعُلم منه: أن الصلاة تبطل بالكثير عرفًا منهما كغيرهما (١٧)
بيان ذلك في مسألتي (١٢٥ و ١٢٦) من باب "صفة الصلاة .. " ولا يُشرع لذلك سجود سهو؛ للتلازم؛ حيث لم يوجد سببه من زيادة أو نقصان أو شك: فيلزم عدم وجوب السجود.
(١٥) مسألة: يُكره العمل اليسير في الصلاة إذا كان من غير جنسها، ولا يبطلها، وكذلك عمل القلب من وساوس ونحوها لا يُبطلها، وكذلك النظر الطويل إلى صور أو جدار، وكل هذا قد سبق في مسألتي (١٠٦ و ١٢٧) من باب "صفة الصلاة … " ولا يُشرع لذلك كله سجود سهو؛ للمصلحة؛ حيث إن الأعمال اليسيرة، أو حديث النفس، أو النظر إلى شيء أمامه لو وجب سجود السهو بسببها: للحق المسلمين ضيق وحرج ومشقة؛ نظرًا لتكرار وقوعها عادة بين المسلمين ولا يسلم أحد من انشغال القلب.
(١٦) مسألة: إذا أكل أو شرب يسيرًا عادة كتمرة أو جرعة ماء ونحوهما في صلاته الفرض أو النفل سهوًا، أو جهلًا بتحريم ذلك: فصلاته صحيحة، ولا يسجد للسهو؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" وهذا عام؛ لأن لفظ: "الخطأ والنسيان" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، وخصَّصه بالقليل: القياس على الحركة اليسيرة، والمعفو عنه هنا هو: الإثم، كما هو ثابت من دلالة الاقتضاء، فإن قلتَ: لمَ صحَّت صلاته هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين، ولا يسلم منه أحد.
(١٧) مسألة: إذا أكل أو شرب كثيرًا عادة - أي: أكثر من تمرة وجرعة - في صلاته الفرض أو النفل سهوًا أو جهلًا: فصلاته باطلة؛ للقياس، بيانه: كما أن العمل =
стр. 516
(ولا) يبطل (نفل بيسير شرب عمدًا)؛ لما روي أن ابن الزبير شرب في التطوع، ولأن مدَّ النفل وإطالته مستحبَّة، فيُحتاج معه إلى جرعة ماء لدفع العطش فسومح فيه كالجلوس، وظاهره: أنه يبطل بيسير الأكل عمدًا، وأن الفرض يبطل بيسير الأكل والشرب عمدًا، وبلع ذوب سُكَّر ونحوه بفم كأكل (١٨)، ولا تبطل ببلع ما بين
الكثير من غير جنس الصلاة يُبطلها عمده وسهوه فكذلك الأكل والشرب الكثير يبطلها، والجامع: أن كلًا منهما عمل من غير جنس الصلاة، وقاطع لأركانها، ومخالف لاشتراط الموالاة فيها.
(١٨) مسألة: إذا شرب أو أكل أو بلع ما ذاب من سكر في فمه عمدًا أثناء صلاته: فإنها تبطل، سواء كانت فرضًا أو نفلًا، وسواء كان هذا كثيرًا أو يسيرًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" حيث دلَّ مفهوم الصفة على أن غير الخطأ والنسيان - وهو العمد - غير معفو عنه، وهذا المفهوم عام فيشمل: الفرض والنفل، والكثير والقليل؛ حيث إنه قد أتى بالفعل على خلاف ما أمر الشارع به من أنه يحرم عليه كل ما كان حلالًا قبل التحريمة، فيكون مردودًا؛ لعموم قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن شرب المتنفل عمدًا ماء يسيرًا: فلا يبطل تنفُّله ولا يسجد للسهو، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه؛ كما تجوز الإطالة في الجلوس في النفل لإطالة النفل، فكذلك: يجوز شرب القليل من الماء لذلك والجامع: أن كلًا منهما وقع في نفل يتسامح عادة الشارع فيه؛ للإعانة على تطويله، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عبد الله بن الزبير قد شرب حين كان يصلي النفل قلتُ: أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإطالة في الجلوس من جنس الصلاة، بخلاف الشرب فليس من جنسها، أما فعل الصحابي: فلا حجة فيه؛ لمخالفته للسنة القولية التي =
стр. 517
أسنانه بلا مضغ قال في "الإقناع": "إن جرى به ريق" وفي "التنقيح" و"المنتهى": "ولو لم يجر به ريق" (١٩) (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود) وركوع (وقعود وتشهُّد في قيام وقراءة سورة في) الركعتين (الأخيرتين) من رباعية أو في الثالثة من مغرب: (لم تبطل) بتعمُّده؛ لأنه مشروع في الصلاة في الجملة (ولم يجب له) أي: السهو (سجود بل يُشرع) أي: يُسنُّ كسائر ما لا يبطل عمده الصلاة (٢٠) (وإن سلَّم قبل إتمامها) أي: إتمام الصلاة (عمدًا: بطلت): لأنه تكلَّم
ذكرناها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس وفعل الصحابي مع عموم مفهوم السنة القولية" فعندنا: يعمل بعموم المفهوم هنا ولا يقوى القياس وفعل الصحابي على تخصيص ذلك؛ لضعفهما، وعندهم: يقويان على تخصيص ذلك العموم بجعله خاصًا بالفرض.
(١٩) مسألة: إذا كان بين أسنانه طعام فبلعه وهو يصلي: فإن صلاته صحيحة بشرط: أن لا يوجد مضغ وعلك كثير لهذا الطعام، ولا يسجد للسهو: وهذا مطلق، أي: سواء وجد ريق أو لم يوجد، وسواء كان هذا البلع سهوًا أو عمدًا أو جهلًا، أما إن وجد مضغ وعلك كثير: فإن الصلاة تبطل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تسمية ذلك أكلًا عادة: صحة صلاته، ويلزم من عدم الزيادة أو النقصان أو الشك في الصلاة: عدم وجوب سجود السهو، ويلزم من وجود المضغ والعلك الكثير: بطلان الصلاة؛ قياسًا على العمل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة؛ حيث إنه يُبطلها كما سبق، فإن قلتَ: إن جرى به ريق: فلا تبطل الصلاة، وإن لم يجربه ريق: فتبطل قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك التفصيل.
(٢٠) مسألة: إذا أتى المصلي بقول مشروع في غير محلِّه: كان يقرأ الفاتحة في الركوع، أو السجود، أو يتشهَّد في القيام أو يقرأ سورة في الركعتين الأخيرتين من الرباعية، أو الثالثة من المغرب: فصلاته صحيحة، ولا يجب لذلك سجود =
стр. 518
فيها قبل إتمامها (وإن كان) السلام (سهوًا، ثم ذكر قريبًا: أتمها) وإن انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد (وسجد) للسهو؛ لقصة ذي اليدين (٢١)، لكن إن لم يذكر حتى قام: فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عليه عن جلوس؛ لأن هذا القيام واجب للصلاة فلزم الإتيان به مع النية (٢٢)، وإن كان أحدث:
سهو، لكن سجود السهو له مستحب: سواء كان ذلك في فرض أو نفل، أو عمد أو سهو؛ للقياس، بيانه: كما أن الصلاة تصح إذا ذكر قولًا مشروعًا في محله، فكذلك تصح إذا ذكره في غير محله، والجامع: المشروعية في الجملة، فإن قلتَ: لمَ استُحب سجود السهو هنا؟ قلتُ: قياسًا على فعل متعمَّد من جنس الصلاة الذي لا يُبطلها: حيث إن هذا يُستحب له سجود السهو كتطويل في سجود أكثر من المعتاد، وتطويل في جلسة بين السجدتين ونحو ذلك، والمقصد منه: الحرص على إكمال الصلاة، والحصول على أجرها كاملًا.
(٢١) مسألة: إذا سلَّم المصلي قبل تمام صلاته كأن ترك ركنًا أو واجبًا متعمِّدًا: فإن صلاته تبطل، ويجب إعادتها، إما إن سلَّم سهوًا وتذكَّر بعد صلاته بوقت قصير أشغله بكلام في مصلحة الصلاة ولم يُحدث: فإنه يرجع ويُتم صلاته، ويسجد للسهو: سواء انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد نقص في صلاته وسلَّم، فأخبره أبو بكر وعمر بذلك - في حديث ذي اليدين - فصلى ما تركه ثم سجد للسهو ثم سلَّم" حيث إنه فعل ذلك: لأنه كان ساهيًا، وقد تذكر بوقت قصير، وانشغل بكلام فيها مصلحة للصلاة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تعمُّده للسلام قبل تمام الصلاة: بطلانها؛ لكونه سلَّم عمدًا بشيء يُبطلها من غير عذر.
(٢٢) مسألة: طريقة العود إلى إتمام الصلاة لمن سلَّم قبل تمامها هي: وجوب الجلوس، ثم ينوي القيام، ثم يقوم للإتيان بما تركه من الركعات؛ للتلازم؛ حيث =
стр. 519
استأنفها (٢٣)، (فإن طال الفصل) عرفًا: بطلت؛ لتعذر البناء إذًا (٢٤) (أو تكلَّم) في هذه الحالة (لغير مصلحتها) كقوله: "يا غلام اسقني": (بطلت) صلاته؛ لقوله ﷺ : "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" رواه مسلم وقال أبو داود: مكان "لا يصلح": "لا يحل" (ككلامه في صلبها) أي: في صلب الصلاة، فتبطل به؛
إن هذا القيام للإتيان بالركعة المتروكة ركن لا تتم الصلاة إلا به، وهذا القيام يحتاج إلى نية، والنية تكون قبل الدخول في المنوي والذي قبله هو: الجلوس: فلزم وجوب جلوسه حتى ينوي القيام منه.
(٢٣) مسألة: إذا سلَّم المصلي قبل تمام صلاته سهوًا ثم أحدث بأن: انتقض وضوؤه: فإن صلاته تبطل ويجب أن يعيدها؛ للتلازم؛ حيث إن من شرط الطهارة للصلاة استمرارها حتى نهاية الصلاة، ويلزم من وجود الحدث منه - بعد سلامه قبل تمامها - بطلان صلاته؛ لعدم تحقق شرطها.
(٢٤) مسألة: إذا سلَّم المصلي قبل تمام صلاته سهوًا، وبعد طول فصلٍ - بأن زاد عن ثلاث دقائق مثلًا - تذكَّر ذلك: فإن صلاته تبطل مطلقًا، ولو كان على طهارة؛ للتلازم؛ حيث إن الفصل الطويل يقطع الموالاة بين أركان الصلاة، فلا يُبنى اللاحق على السابق فيلزم من ذلك بطلان الصلاة؛ نظرًا لتعذُر بناء بعض الصلاة على بعض، وللتفريق بين أجزاء عبادة واحدة، فإن قلتَ: لمَ قُدِّر طول الفصل بثلاث دقائق تقريبًا؟ قلتُ: لأن كلامه ﷺ في حديث ذي اليدين لو قدر بالزمن: فإنه لا يزيد عن ثلاث دقائق لمناسبته لما نحن فيه؛ حيث إن الثلاثة أقل الجمع في المدة كما قلتُ في كتابي: "أقل الجمع" ولأن الشارع يُعلِّق الأمور كثيرًا على ثلاث كأيام التشريق، وصيام الكفارة عن اليمين، وصيام المتمتع في الحج بمكة، وأيام الاستتابة لمن ترك أو تكاسل عن الصلاة، وأيام هجران الأخ لأخيه وغيرها مما لا يُحصى، وهذا مثله بما يناسبه من الوقت.
стр. 520
للحديث المذكور، سواء كان إمامًا أو غيره، وسواء كان الكلام عمدًا، أو سهوًا أو جهلًا، طائعًا أو مكرهًا، أو واجب كتحذير ضرير ونحوه، وسواء كان لمصلحتها أو لا، والصلاة فرضًا أو نفلًا (٢٥) (و) إن تكلَّم من سلَّم ناسيًا (لمصلحتها) فإن كثُر: بطلت و (إن كان يسيرًا: لم تبطل) قال الموفق: "هذا أولى"، وصححه في "الشرح"، لأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا وبنوا على صلاتهم، وقدَّم في "التنقيح" وتبعه في "المنتهى": "تبطل مطلقًا" (٢٦)، ولا بأس بالسلام على المصلي،
(٢٥) مسألة: إذا سلَّم المصلي قبل تمام صلاته، ثم بعد ذلك تكلَّم في غير مصلحة الصلاة كأن يقول: "يا غلام اسقني ماء" أو "جهِّز الراحلة": ثم تذكَّر أنه لم يُتم صلاته: فإنها تبطل وعليه إعادتها؛ سواء كان الكلام قليلًا أو كثيرًا، أو كان قد خرج من المسجد أو لا، أو كان طائعًا أو لا، أو كان الكلام واجبًا كأن يُنبِّه ضريرًا عن مهلكة أو لا، أو كانت فرضًا أو نفلًا، وسواء كان إمامًا أو لا، وسواء وقع هذا عمدًا أو سهوًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو تكلَّم أثناء صلاته تبطل صلاته؛ لقوله ﷺ : "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" فكذلك تبطل في هذه الحالة والجامع: عدم مشروعية الكلام الذي تُكلِّم فيه، والمصلي الذي سلَّم قبل تمامها هو في صلاة، والمقصد منه: المنع من العبث واللهو في الصلاة، والحرص على إيقاعها كما شُرعت.
(٢٦) مسألة: إذا سلَّم المصلي سهوًا قبل تمام صلاته، ثم تكلَّم بكلام يخص مصلحة الصلاة، وكان الكلام هذا كثيرًا، واستغرق أكثر من ثلاث دقائق مثلًا: فصلاته باطلة، وعليه إعادتها، أما إن كان قليلًا فلم تزد مدته عن ثلاث دقائق مثلًا: فإن صلاته لا تبطل، فيعود فيُتمها، ويسجد للسهو ويُسلِّم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد تكلم في مصلحة الصلاة - لما سلَّم قبل تمامها - وذلك مع أبي بكر وعمر وذي اليدين، ثم بنوا على صلاتهم الأولى، وأتموها - في حديث ذي اليدين -، ولو حسب ذلك الكلام لغلب على الظن عدم =
стр. 521
ويردُّه بالإشارة، فإن ردَّه بالكلام: بطلت، ويردُّه بعدها استحبابًا؛ لردِّه ﷺ على ابن مسعود بعد السلام، ولو صافح إنسانًا يُريد السلام عليه: لم تبطل (٢٧) (وقهقهة) وهي
استغراقه لثلاث دقائق في عادة المتكلمين المتوسطين، الثانية: التلازم: حيث يلزم من الكلام كثيرًا الفصل الكثير، والفصل الكثير يبطل الصلاة كما سبق في مسألة (٢٤)، فإن قلتَ: إن تكلم سهوًا بعد سلامه قبل تمام صلاته تبطل صلاته سواء كان الكلام كثيرًا أو قليلًا وهو قول بعض الحنابلة؛ للقياس، بيانه: كما كان ذلك يُبطلها فيما لو تكلم في صلبها فكذلك يبطلها بعد سلامه منها قبل تمامها والجامع: وقوع كلام غير مشروع من غير جنس الصلاة قبل تمامها، قلتُ: هذا القياس ليس بحجة؛ لمخالفته لمفهوم وما يلزم من حديث ذي اليدين، فإن قلتَ: إن حديث ذي اليدين لا يُحتج به؛ لكونه منسوخًا؛ حيث وقع في أول الإسلام، قلتُ: لا يُسلَّم أنه منسوخ؛ لأن راويه أبو هريرة حيث قد شهد تلك القصة، وهو متأخر الإسلام؛ حيث كان إسلامه في السنة السابعة للهجرة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع مفهوم ولازم حديث ذي اليدين" فعندنا: يُقدَّم الحديث؛ لثبوته وقوته، وعندهم: يُقدَّم القياس؛ لكون حديث ذي اليدين منسوخًا عندهم.
(٢٧) مسألة: يُباح إلقاء السلام على مَنْ يُصلِّي، ويُباح لمن يُصلِّي أن يردَّ بالإشارة دون الكلام، ويُباح أيضًا أن يمدَّ المصلي يده إلى آخر ليُصافحه ولا يسجد لذلك سجود سهو، ويُستحب أن يرد المصلي السلام بالكلام بعد فراغه من الصلاة لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية والقولية حيث إنه ﷺ كان يرد السلام بالإشارة في أثناء صلاته، ولما سلّم عليه ابن مسعود لم يرد عليه وهو يصلي، فلما فرغ منها: ردَّ عليه قائلًا: "إن في الصلاة لشغلًا" وقال: "إن الله قد أحدث من أمره أن لا تتكلموا في الصلاة" وهذا يلزم منه: عدم تحريم ردِّ السلام بالكلام في أثناء الصلاة، وإن ردَّه فسدت؛ حيث إن هذا نهي مطلق وهو يقتضي =
стр. 522
ضحكة معروفة (ككلام)، فإن قال: "قه قه": فالأظهر أنها تبطل به وإن لم يبن حرفان، ذكر في "المغني" وقدَّمه الأكثر قاله في "المبدع"، ولا تفسد بالتبسُّم (٢٨)، (وإن نفخ) فبان حرفان: بطلت (أو انتحب) بأن رفع صوته بالبكاء (من غير خشية الله تعالى) فبان حرفان: بطلت؛ لأنه من جنس كلام الآدميين، لكن إن غلب صاحبه:
التحريم والفساد، ويلزم: استحباب ردِّه بالكلام بعد السلام، الثانية: التلازم؛ حيث إن الحركة بمدِّ اليد للمصافحة في الصلاة يسيرة فيلزم صحة الصلاة؛ لأن الحركة اليسيرة لا تبطل الصلاة - كما سبق -، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لزيادة الألفة والمحبة بين المسلمين، فإن قلتَ: لمَ تبطل برد السلام بالكلام؟ قلتُ: لأنه كلام ليس من جنس الصلاة فيبطلها. فإن قلتَ: لمَ لا يسجد للسهو عند إشارته، أو مصافحته؟ قلتُ: لعدم وجود سببه من زيادة أو نقصان أو شك.
(٢٨) مسألة: إذا تبسَّم في صلاته: فصلاته صحيحة، ولا يسجد للسهو لأجله، ولكن إذا ضحك ضحكة ظهر لها صوت - وهو المسمى بالقهقهة -: فصلاته باطلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الله أحدث من أمره أن لا تتكلموا في الصلاة" حيث نهى عن الكلام، وهذا النهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، والكلام يطلق على ما اجتمع فيه ظهور صوت وحروف ولو قلَّت، وهذا شامل للقهقهة، فتكون مبطلة للصلاة، ودلَّ مفهوم الصفة منه على أن التبسُّم لا يبطل الصلاة؛ لأنه لا يوصف بأنه كلام، فإن قلتَ: لمَ التبسُّم لا يُبطلها، والقهقهة تبطلها؟ قلتُ: لأن التبسُّم لا يخلو منه أحد فلو بطلت صلاة كل متبسِّم: للحق أكثر الناس الضيقُ والحرج لكثرة ما يقع؛ بخلاف القهقهة فهو نادر، ولا يصدر إلا من شخص قد استخفَّ بالعبادات، فإن قلتَ: لمَ لا يسجد للسهو للتبسُّم؟ قلتُ: لعدم وجود سببه من زيادة أو نقصان أو شك، ولكثرة وقوعه.
стр. 523
لم يضرُّه؛ لكونه غير داخل في وسعه، وكذا: إن كان من خشية الله تعالى (أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان: بطلت) فإن كان لحاجة: لم تبطل: لما روى أحمد وابن ماجه عن علي قال: "كان لي مدخلان من رسول الله ﷺ بالليل والنهار فإذا دخلتُ عليه وهو يصلي يتنحنح لي" وللنسائي معناه (٢٩)، وإن غلبه سُعال أو عُطاس، أو تثاؤب ونحوه: لم يضرُّ، ولو بان حرفان (٣٠) فصل: في الكلام على
(٢٩) مسألة: إذا نفخ المصلي، أو بكى أو تنحنح لغير حاجة فبان حرفان: بطلت صلاته، أما إن نفخ لحاجة كان يطرد به حشرة، أو بكى لخشية الله، أو تذكَّر عزيزًا لديه، أو تنحنح ليُعلم غيره قد استأذن عليه أنه يصلي أو نحو ذلك: فصلاته صحيحة، ولا يُشرع لذلك سجود سهو؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يُعلم عليًا أنه يصلي بالتنحنح، وأنه كان يبكي أحيانًا عند قراءته للقرآن وهو يصلي، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الكلام يُبطل الصلاة فكذلك ما بان حرفان من النفخ والبكاء، أو التنحنح يُبطلها، والجامع: تسمية كل منهما بالكلام، وأن ذلك عبث لا يليق بالصلاة، الثالثة: فعل الصحابي: حيث إن أبا بكر يغلبه البكاء عند قراءته للقرآن، وأن عمر قد بكى حين قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ولم تبطل بذلك صلاتهما، ولم يسجد السهو، الرابعة: المصلحة: حيث إن بعض الناس لا يستطيع إزالة حشرجة في حلقه إلا بالتنحنح، ولا يُزيل حشرة من وجهه إلا بنفخها، فجاز ذلك، ولا يُبطل الصلاة؛ مراعاة لأحوالهم، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع لذلك سجود السهو؟ قلتُ: لعدم وجود نقصان في الصلاة ولا زيادة ولا شك، ولكثرة وقوعها بين المسلمين.
(٣٠) مسألة: إذا سَعَل المصلي، أو عطس، أو تثاوب: فصلاته صحيحة إذا غلبه ذلك ولو بان حرفان ونحوهما، ولا يُشرع لذلك سجود سهو؛ للمصلحة: حيث =
стр. 524
السجود للنقص (ومن ترك ركنًا) فإن كان التحريمة: لم تنعقد صلاته (٣١)، وإن كان غيرها (فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى: بطلت) الركعة التي تركه منها، وقامت الركعة التي تليها مقامها ويُجزئه الاستفتاح الأول: فإن رجع إلى الأولى عالمًا عمدًا: بطلت صلاته (و) إن ذكر ما تركه (قبله) أي: قبل الشروع في قراءة الأخرى: (يعود وجوبًا فيأتي به) أي بالمتروك (وبما بعده)؛ لأن الركن لا يسقط بالسهو، وما بعده قد أتى به في غير محلِّه، فإن لم يعد عمدًا: بطلت صلاته، وسهوًا: بطلت الركعة والتي تليها عوضها (وإن علم) المتروك (بعد السلام فكترك ركعة كاملة) فيأتي بركعة ويسجد للسهو ما لم يطل الفصل (٣٢)، ما لم يكن المتروك تشهُّدًا
إن هذه الأمور تغلب عادةً الإنسان، ويشقُّ منعها، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع لذلك سجود سهو؟ قلتُ: لعدم وجود سببه ولكثرة وقوعها بين الخلق.
(٣١) مسألة: إذا ترك المصلي تكبيرة الإحرام عمدًا أو سهوًا بأن قام ثم قرأ الفاتحة مثلًا مباشرة: فإن صلاته باطلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تركه لما لا تنعقد الصلاة إلا به - وهي التحريمة - بطلان صلاته؛ لكونها لم تنعقد أصلًا.
(٣٢) مسألة: إذا ترك المصلي ركنًا - غير تكبيرة الإحرام - سهوًا من الركعة الأولى - مثلًا - بأن ترك منها قراءة الفاتحة مثلًا: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن ترك هذا بعد أن بدأ بالفاتحة من الركعة الثانية: فإن الركعة الأولى كلها باطلة، وينوي جعل الثانية هي الأولى، ولا يُعيد الاستفتاح الذي قاله في الأولى، فإن رجع إلى الأولى عمدًا وهو عالم بهذا الحكم: فإن صلاته تبطل، أما إن رجع وهو جاهل، أو ساهي: فتصح صلاته؛ ثانيًا: إن تذكَّر ما تركه قبل أن يبدأ بقراءة الفاتحة من الركعة الثانية: فيجب عليه أن يعود إلى الأولى فيأتي بما تركه - وهو قراءة الفاتحة للأولى وينويها لها - ثم يأتي بما بعده من الأعمال والأركان، فإن لم يعد عمدًا وهو عالم بوجوب العود: بطلت صلاته، أما إن لم يعد وهو جاهل أو ساهي: =
стр. 525
أخيرًا أو سلامًا فيأتي به ويسجد ويُسلِّم، (٣٣) ومن ذكر ترك ركن وجهله أو
فإن الركعة التي ترك منها ذلك الركن تبطل، وتكون التي بعدها هي الأولى؛ عوضًا عنها، ثالثًا: إن تذكرَّ ما تركه بعد فراغه من الصلاة، فإنه يأتي بركعة كاملة، ثم يتشهَّد ويسجد للسهو ويُسلَّم إذا لم يطل الفصل بين صلاته وبين تذكره ولم يتكلَّم إلا في مصلحة الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تركه لركن من أركان الأولى وتلبُّسه بركن من أركان الثانية: بطلان الأولى، وجعله الثانية هي الأولى؛ لتصحُّ الصلاة، ويلزم من مخالفته لذلك عمدًا مع علمه بالحكم: بطلان صلاته؛ لإتيانه بها على غير المشروع، ويلزم من عدم تلبُّسه بركن من أركان الثانية: أن يعود إلى الأولى فيأتي بما تركه، ويلزم من مخالفته لذلك عمدًا: بطلان صلاته، ويلزم من تذكُّره لما تركه بعد فراغه: أن يأتي بركعة كاملة؛ لكونها قد فسدت بترك ركن من أركانها كما فعل النبي ﷺ في حديث ذي اليدين، ويلزم صحة الصلاة بذلك عند عدم إطالة الفصل، وعدم الكلام إلا بمصلحتها؛ لكونه يلزم من إطالة الفصل والكلام بغير مصلحتها: بطلان الصلاة؛ لفقدان شرط الموالاة بين أركانها. وقد سبق بيانه؛ ويلزم من مخالفة ذلك كله جهلًا ونسيانًا: صحة ما فعله؛ لأنَّه معذور بهما، فإن قلتَ: إذا عاد إلى الأولى ونواها لِمَ يأتي بما بعده وإن كان فعله؟ قلتُ: لأنَّه أتى به في المرة الأولى وهو في غير محله، فلا يجزئ، ومعروف أن الركن لا يسقط بالسهو.
(٣٣) مسألة: إذا ترك التشهد الأخير أو السَّلام سهوًا ثم تذكر بعد فراغه ذلك: فإنه يعود ويأتي بما تركه، ثم يسجد للسهو، ثم يُسلَّم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فعله لذلك الركن في محلَّه: صحة الصلاة، ويسجد لسهوه هذا، وليس هذا كمن ترك قراءة الفاتحة أو ركوعًا أو سجودًا؛ لأن هذه الأمور يقع بعدها أركان أخرى، والتشهد أو السلام ليس بعدهما شيء فحصل الفرق.
стр. 526
محلَّه: عمل بالأحوط (٣٤) (وإن نسي التشهد الأول) وحده أو مع الجلوس له (ونهض) للقيام: (لزمه الرجوع) إليه (ما لم ينتصب قائمًا، فإن استتمَّ قائمًا: كره رجوعه)؛ لقوله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإن استتم قائمًا فلا يجلس وليسجد سجدتين" رواه أبو داود وابن ماجه من حديث المغيرة بن شعبة (وإن شرع في القراءة: حرم) عليه (الرجوع)؛ لأن القراءة ركن مقصود في نفسه بخلاف القيام، فإن رجع عالمًا عمدًا: بطلت صلاته، لا ناسيًا أو جاهلًا، ويلزم المأموم متابعته، وكذا: كل واجب فيرجع إلى تسبيح ركوع وسجود قبل اعتدال لا بعده (وعليه سجود) أي: سجود السهو (للكل) أي: كل ما تقدم (٣٥) (ومن شك في عدد الركعات) بأن تردَّد: أصلى اثنتين أم ثلاثًا؟ مثلًا؟:
(٣٤) مسألة: إذا فرغ من صلاته، فتذكَّر أنه ترك ركنًا من ركعة من ركعات الصلاة، ولكنه لا يعلم أيَّ ركن، أو لا يعلم في أي ركعة: فيجب عليه أن يفرض: أنه ترك قراءة الفاتحة من الركعة الأولى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جعله المتروك قراءة الفاتحة أن يأتي بها وبما بعدها من الأركان من ركوع وسجود، ويلزم من جعل المتروك في الركعة الأولى: أن يُلغيها ويجعل الثانية هي الأولى ويأتي بركعة أخرى، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للاحتياط؛ حيث إن ذلك يجعله متيقنًا من صحة صلاته.
(٣٥) مسألة: إذا نسي التشهد الأول، أو جلسته، وقام: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن تذكَّر ذلك قبل اعتداله قائمًا: فيجب عليه الرجوع فيجلس ويتشهَّد، ثم يقوم فُيكمل صلاته، ثم يسجد للسهو قبل سلامه، ثانيًا: إن تذكَّر ذلك بعد اعتداله قائمًا، وقبل قراءة الفاتحة، فُيكره رجوعه، وأن رجع فصلاته صحيحة، ويسجد للسهو قبل السلام: سواء رجع أو لا، ثالثًا: إن تذكَّر ذلك بعد اعتداله قائمًا وبعد ابتدائه بقراءة الفاتحة: فيحرَّم عليه الرجوع، بل يستمر=
стр. 527
(أخذ بالأقل): لأنَّه المتيقن، ولا فرق بين الإمام والمنفرد، (٣٦) ولا يرجع مأموم
في قراءته وصلاته، ويسجد للسهو قبل سلامه، فإن رجع وهو عالم بتحريم ذلك عمدًا: فإن صلاته تبطل، أما إن رجع جهلًا أو نسيانًا: فصلاته صحيحة، ويجب على المأموم متابعة الإمام في كل ما يفعل، وكذا يفعل المصلي إذا نسي أيَّ واجب من واجبات الصلاة كنسيانه تسبيحة الركوع أو السجود: فلو نسي المصلي تسبيحة السجود مثلًا ورفع، فإن تذكر قبل اعتداله من السجود: رجع إلى آخر ما ذكر من التفصيل؛ للسنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإن استتم قائمًا: فلا يجلس وليسجد سجدتين"، فأوجب الجلوس عند عدم اعتداله؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، وحرم الجلوس إذا استتم قائمًا، وبدأ القراءة؛ لأن النهي في قوله: "فلا يجلس" مطلق، فيقتضي التحريم، ولأنه شرع في المقصود الأساسي من القيام وهو قراءة الفاتحة، فلا يقطع ذلك الركن لأجل العود لإتمام واجب؛ لهذين الأمرين حُرِّم الرجوع، ولكن إن لم يبدأ بالقراءة: فيُكره رجوعه فقط؛ لعدم دخوله في ركن القراءة، وأوجب الشارع سجود السهو؛ لأن الأمر في قوله: "وليسجد" مطلق فيقتضي الوجوب، ثانيها: قوله ﷺ : "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" فكل من فعل شيئًا نسيانًا فلا إثم عليه، وعمله صحيح، ومثله الجهل، ثالثها: قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" حيث أوجب الشارع أن يتبع المأموم إمامه في كل ما يفعله؛ لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب.
(٣٦) مسألة: إذا شك المصلي فلم يدرِ هل صلى ركعتين أم ثلاثًا: فإنه يجب أن يحمل ذلك على أقلهما وهو: أنه صلى اثنتين ويُكمل صلاته، ثم يسجد للسهو قبل سلامه سواء كان إمامًا أو منفردًا للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا شك=
стр. 528
واحد إلى فعل إمامه، فإذا سلَّم إمامه: أتى بما شك فيه وسجد وسلَّم، (٣٧) وإن شكَّ هل دخل معه في الأولى أو الثانية؟: جعله في الثانية؛ لأنَّه المتيقن، وإن شك من أدرك الإمام راكعًا أرفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعًا أم لا؟: لم يعتدَّ بتلك الركعة؛ لأنَّه شاك في إدراكها ويسجد للسهو (٣٨) (وإن شكَّ) المصلي (في ترك ركن فكتركه)
أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل السلام" حيث أوجب الشارع البناء على الأقل؛ لأنَّه المتيقن؛ لأن الأمر في قوله: "فليطرح" و "ليبن" مطلق فيقتضي الوجوب، وهو عام للإمام والمنفرد؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم. فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، ولأنه تردَّد في النية واضطرب فيها فيجبر ذلك بسجود السهو.
(٣٧) مسألة: إذا كان زيد إمامًا لعمرو في صلاة الظهر مثلًا، وشكَّ عمرو: أن زيدًا صلى ثلاث ركعات: فإنه يجب على عمرو أن يأتي بركعة بعد سلام إمامه، ثم يسجد سجدتين ثم يُسلِّم؛ للقياس، بيانه: كما أن المنفرد إذا شك في عدد ركعات صلاته: فإنه يبنِ على الأقل، ويأتي بما بقي - كما قلنا في مسألة (٣٦) - فكذلك المأموم مثله، والجامع: الشك في عدد الركعات في كل فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لما ذكر في مسألة (٣٦).
(٣٨) مسألة: إذا شكَّ مسبوق: هل دخل مع الإمام في الركعة الأولى أو الثانية: فيجب أن يجعل نفسه داخلًا معه في الثانية، أو شكَّ من أدرك الإمام راكعًا: هل دخل معه قبل أن يرفع من ركوعه، أو بعد رفعه: فيجب على ذلك المسبوق أن لا يحسب تلك الركعة، وبعد ذلك يُكمل الركعة الأولى، والركعة التي لم يحسبها، ثم يسجد للسهو قبل سلامه؛ للاستصحاب؛ حيث إن هذا المسبوق متيقن أنه أدرك الثانية، وشاك في الأولى، وهل دخل معه قبل أن يرفع=
стр. 529
أي: فكما لو تركه: يأتي به وبما بعده إن لم يكن شرع في قراءة التي بعدها، فإن شرع في قراءتها: صارت بدلًا عنها (٣٩) (ولا يسجد) للسهو (لشكِّه في ترك واجب) كتسبيح ركوع ونحوه (أو) لشكِّه في (زيادة) (٤٠) إلا إذا شكَّ في الزيادة وقت فعلها؛ لأنَّه شكَّ في سبب وجوب السجود، والأصل عدمه، فإن شك في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة؟: سجد؛ لأنَّه أدَّى جزءًا من صلاته مُتردِّدًا في كونه
من ركوعه أو بعده، فيجب أن يستصحب ما تيقَّن منه، ويعمل به، دون المشكوك فيه؛ لعدم العمل بالمشكوك فيه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لما ذكر في مسألة (٣٦).
(٣٩) مسألة: إذا شك المصلي - أثناء صلاته - بأنه ترك ركنًا كأن يشك هل سجد أو لا؟ فيجب عليه أن يجعل نفسه كأنه قد ترك ذلك فعلًا فيأتي به وبما بعده من أعمال الصلاة إن لم يشرع بقراءة الفاتحة من الركعة التي بعدها، أما إن شرع بقراءتها: فلا يعود إليها، وتكون تلك التي شرع بقراءتها بدلًا عن الركعة التي ترك منها ذلك الركن؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو جزم بترك ركن يفعل ذلك - كما سبق في مسألة (٣٢) - فكذلك يفعل إذا شك في ذلك والجامع: أنه في كل منهما لم يتيقن أو يغلب على ظنه أنه أتى بالركن، وهذا كله للاحتياط في الدِّين كما سبق بيانه.
(٤٠) مسألة: إذا شك المصلي في ترك واجب بعد فعله: كأن يشكُّ هل قال: "سبحان ربي العظيم" بعد الرفع من الركوع؟ أو شكَّ هل زاد ركوعًا أو سجودًا في صلاته؟: فلا يجب عليه سجود سهو في الحالتين؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل: عدم ترك الواجب، وعدم زيادة شيء، فنستصحب هذا، ونعمل به؛ لكونه هو المتيقن أو الغالب على الظن، ولا يُعمل بالشك؛ لوقوعه بعد الفراغ من الفعل.
стр. 530
منها، وذلك يُضعف النية، (٤١) ومن شك في عدد الركعات، وبنى على اليقين، ثم زال شكُّه، وعلم أنه مصيب فيما فعله: لم يسجد (٤٢) (ولا سجود على مأموم) دخل مع الإمام من أول الصلاة (إلا تبعًا لإمامه) إن سهي على الإمام فيُتابعه وإن لم يتم ما عليه من تشهُّد ثم يُتمه، (٤٣) فإن قام بعد سلام إمامه: رجع فسجد معه ما لم
(٤١) مسألة: إذا شكَّ المصلي في زيادة شيء أثناء فعله: كأن يشكُّ في نفس ركوعه هل هذا زائدًا أم لا؟ أو شك في الركعة الأخيرة هل هي رابعة أم خامسة؟ فيجب عليه أن يسجد للسهو؛ للتلازم؛ حيث إنه تردَّد في نية الركوع، أو الركعة، والتردُّد فيها: يضعفها، ويلزم من ذلك الضَّعف في النية: سجود السهو لجبر ذلك الضَّعف وتقويته وهذا هو المقصد منه.
(٤٢) مسألة: إذا شكَّ في عدد الركعات: فلا يدري هل صلَّى - في الظهر مثلًا - أربعًا أم ثلاثًا؟ فإنه يبني على اليقين ويجعلها ثلاثًا، ويأتي برابعة ثم يسجد للسهو ولو زال شكه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا شك أحكم في صلاته .. " وقد سبق بيانه في مسألة (٣٦) فإن قلتَ: إن جعلها ثلاثًا وزال شكُّه وتيقَّن أنه مصيب: فلا يسجد للسهو، وهو ما ذكره المصنِّف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من زوال شكِّه وتيقُّن إصابته: عدم وجود سبب للسجود قلتُ: بل وجد سبب لسجود السهو، وهو: اضطرابه في أول الأمر وتردُّده، وهذا يؤثر في نيته في أثناء الفعل، فلا بدَّ من جبر ذلك بالسجود، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل زوال الشك الأول باليقين يُسقط وجوب سجود السهو أو لا؟ " فعندنا: لا يُسقطه؛ للتردُّد في النية، وعندهم: يُسقطه.
(٤٣) مسألة: يجب على المأموم أن يسجد مع إمامه ويُتابعه في ذلك: سواء وافقه على هذا السهو أو لا، وسواء أتمَّ المأموم التشهد أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه فعليه وعلى من =
следующие страницы →