Полный текст (3 194 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
محلَّه: عمل بالأحوط (٣٤) (وإن نسي التشهد الأول) وحده أو مع الجلوس له (ونهض) للقيام: (لزمه الرجوع) إليه (ما لم ينتصب قائمًا، فإن استتمَّ قائمًا: كره رجوعه)؛ لقوله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإن استتم قائمًا فلا يجلس وليسجد سجدتين" رواه أبو داود وابن ماجه من حديث المغيرة بن شعبة (وإن شرع في القراءة: حرم) عليه (الرجوع)؛ لأن القراءة ركن مقصود في نفسه بخلاف القيام، فإن رجع عالمًا عمدًا: بطلت صلاته، لا ناسيًا أو جاهلًا، ويلزم المأموم متابعته، وكذا: كل واجب فيرجع إلى تسبيح ركوع وسجود قبل اعتدال لا بعده (وعليه سجود) أي: سجود السهو (للكل) أي: كل ما تقدم (٣٥) (ومن شك في عدد الركعات) بأن تردَّد: أصلى اثنتين أم ثلاثًا؟ مثلًا؟:
(٣٤) مسألة: إذا فرغ من صلاته، فتذكَّر أنه ترك ركنًا من ركعة من ركعات الصلاة، ولكنه لا يعلم أيَّ ركن، أو لا يعلم في أي ركعة: فيجب عليه أن يفرض: أنه ترك قراءة الفاتحة من الركعة الأولى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جعله المتروك قراءة الفاتحة أن يأتي بها وبما بعدها من الأركان من ركوع وسجود، ويلزم من جعل المتروك في الركعة الأولى: أن يُلغيها ويجعل الثانية هي الأولى ويأتي بركعة أخرى، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للاحتياط؛ حيث إن ذلك يجعله متيقنًا من صحة صلاته.
(٣٥) مسألة: إذا نسي التشهد الأول، أو جلسته، وقام: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن تذكَّر ذلك قبل اعتداله قائمًا: فيجب عليه الرجوع فيجلس ويتشهَّد، ثم يقوم فُيكمل صلاته، ثم يسجد للسهو قبل سلامه، ثانيًا: إن تذكَّر ذلك بعد اعتداله قائمًا، وقبل قراءة الفاتحة، فُيكره رجوعه، وأن رجع فصلاته صحيحة، ويسجد للسهو قبل السلام: سواء رجع أو لا، ثالثًا: إن تذكَّر ذلك بعد اعتداله قائمًا وبعد ابتدائه بقراءة الفاتحة: فيحرَّم عليه الرجوع، بل يستمر=
стр. 527
(أخذ بالأقل): لأنَّه المتيقن، ولا فرق بين الإمام والمنفرد، (٣٦) ولا يرجع مأموم
في قراءته وصلاته، ويسجد للسهو قبل سلامه، فإن رجع وهو عالم بتحريم ذلك عمدًا: فإن صلاته تبطل، أما إن رجع جهلًا أو نسيانًا: فصلاته صحيحة، ويجب على المأموم متابعة الإمام في كل ما يفعل، وكذا يفعل المصلي إذا نسي أيَّ واجب من واجبات الصلاة كنسيانه تسبيحة الركوع أو السجود: فلو نسي المصلي تسبيحة السجود مثلًا ورفع، فإن تذكر قبل اعتداله من السجود: رجع إلى آخر ما ذكر من التفصيل؛ للسنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإن استتم قائمًا: فلا يجلس وليسجد سجدتين"، فأوجب الجلوس عند عدم اعتداله؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، وحرم الجلوس إذا استتم قائمًا، وبدأ القراءة؛ لأن النهي في قوله: "فلا يجلس" مطلق، فيقتضي التحريم، ولأنه شرع في المقصود الأساسي من القيام وهو قراءة الفاتحة، فلا يقطع ذلك الركن لأجل العود لإتمام واجب؛ لهذين الأمرين حُرِّم الرجوع، ولكن إن لم يبدأ بالقراءة: فيُكره رجوعه فقط؛ لعدم دخوله في ركن القراءة، وأوجب الشارع سجود السهو؛ لأن الأمر في قوله: "وليسجد" مطلق فيقتضي الوجوب، ثانيها: قوله ﷺ : "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" فكل من فعل شيئًا نسيانًا فلا إثم عليه، وعمله صحيح، ومثله الجهل، ثالثها: قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" حيث أوجب الشارع أن يتبع المأموم إمامه في كل ما يفعله؛ لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب.
(٣٦) مسألة: إذا شك المصلي فلم يدرِ هل صلى ركعتين أم ثلاثًا: فإنه يجب أن يحمل ذلك على أقلهما وهو: أنه صلى اثنتين ويُكمل صلاته، ثم يسجد للسهو قبل سلامه سواء كان إمامًا أو منفردًا للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا شك=
стр. 528
واحد إلى فعل إمامه، فإذا سلَّم إمامه: أتى بما شك فيه وسجد وسلَّم، (٣٧) وإن شكَّ هل دخل معه في الأولى أو الثانية؟: جعله في الثانية؛ لأنَّه المتيقن، وإن شك من أدرك الإمام راكعًا أرفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعًا أم لا؟: لم يعتدَّ بتلك الركعة؛ لأنَّه شاك في إدراكها ويسجد للسهو (٣٨) (وإن شكَّ) المصلي (في ترك ركن فكتركه)
أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل السلام" حيث أوجب الشارع البناء على الأقل؛ لأنَّه المتيقن؛ لأن الأمر في قوله: "فليطرح" و "ليبن" مطلق فيقتضي الوجوب، وهو عام للإمام والمنفرد؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم. فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، ولأنه تردَّد في النية واضطرب فيها فيجبر ذلك بسجود السهو.
(٣٧) مسألة: إذا كان زيد إمامًا لعمرو في صلاة الظهر مثلًا، وشكَّ عمرو: أن زيدًا صلى ثلاث ركعات: فإنه يجب على عمرو أن يأتي بركعة بعد سلام إمامه، ثم يسجد سجدتين ثم يُسلِّم؛ للقياس، بيانه: كما أن المنفرد إذا شك في عدد ركعات صلاته: فإنه يبنِ على الأقل، ويأتي بما بقي - كما قلنا في مسألة (٣٦) - فكذلك المأموم مثله، والجامع: الشك في عدد الركعات في كل فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لما ذكر في مسألة (٣٦).
(٣٨) مسألة: إذا شكَّ مسبوق: هل دخل مع الإمام في الركعة الأولى أو الثانية: فيجب أن يجعل نفسه داخلًا معه في الثانية، أو شكَّ من أدرك الإمام راكعًا: هل دخل معه قبل أن يرفع من ركوعه، أو بعد رفعه: فيجب على ذلك المسبوق أن لا يحسب تلك الركعة، وبعد ذلك يُكمل الركعة الأولى، والركعة التي لم يحسبها، ثم يسجد للسهو قبل سلامه؛ للاستصحاب؛ حيث إن هذا المسبوق متيقن أنه أدرك الثانية، وشاك في الأولى، وهل دخل معه قبل أن يرفع=
стр. 529
أي: فكما لو تركه: يأتي به وبما بعده إن لم يكن شرع في قراءة التي بعدها، فإن شرع في قراءتها: صارت بدلًا عنها (٣٩) (ولا يسجد) للسهو (لشكِّه في ترك واجب) كتسبيح ركوع ونحوه (أو) لشكِّه في (زيادة) (٤٠) إلا إذا شكَّ في الزيادة وقت فعلها؛ لأنَّه شكَّ في سبب وجوب السجود، والأصل عدمه، فإن شك في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة؟: سجد؛ لأنَّه أدَّى جزءًا من صلاته مُتردِّدًا في كونه
من ركوعه أو بعده، فيجب أن يستصحب ما تيقَّن منه، ويعمل به، دون المشكوك فيه؛ لعدم العمل بالمشكوك فيه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لما ذكر في مسألة (٣٦).
(٣٩) مسألة: إذا شك المصلي - أثناء صلاته - بأنه ترك ركنًا كأن يشك هل سجد أو لا؟ فيجب عليه أن يجعل نفسه كأنه قد ترك ذلك فعلًا فيأتي به وبما بعده من أعمال الصلاة إن لم يشرع بقراءة الفاتحة من الركعة التي بعدها، أما إن شرع بقراءتها: فلا يعود إليها، وتكون تلك التي شرع بقراءتها بدلًا عن الركعة التي ترك منها ذلك الركن؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو جزم بترك ركن يفعل ذلك - كما سبق في مسألة (٣٢) - فكذلك يفعل إذا شك في ذلك والجامع: أنه في كل منهما لم يتيقن أو يغلب على ظنه أنه أتى بالركن، وهذا كله للاحتياط في الدِّين كما سبق بيانه.
(٤٠) مسألة: إذا شك المصلي في ترك واجب بعد فعله: كأن يشكُّ هل قال: "سبحان ربي العظيم" بعد الرفع من الركوع؟ أو شكَّ هل زاد ركوعًا أو سجودًا في صلاته؟: فلا يجب عليه سجود سهو في الحالتين؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل: عدم ترك الواجب، وعدم زيادة شيء، فنستصحب هذا، ونعمل به؛ لكونه هو المتيقن أو الغالب على الظن، ولا يُعمل بالشك؛ لوقوعه بعد الفراغ من الفعل.
стр. 530
منها، وذلك يُضعف النية، (٤١) ومن شك في عدد الركعات، وبنى على اليقين، ثم زال شكُّه، وعلم أنه مصيب فيما فعله: لم يسجد (٤٢) (ولا سجود على مأموم) دخل مع الإمام من أول الصلاة (إلا تبعًا لإمامه) إن سهي على الإمام فيُتابعه وإن لم يتم ما عليه من تشهُّد ثم يُتمه، (٤٣) فإن قام بعد سلام إمامه: رجع فسجد معه ما لم
(٤١) مسألة: إذا شكَّ المصلي في زيادة شيء أثناء فعله: كأن يشكُّ في نفس ركوعه هل هذا زائدًا أم لا؟ أو شك في الركعة الأخيرة هل هي رابعة أم خامسة؟ فيجب عليه أن يسجد للسهو؛ للتلازم؛ حيث إنه تردَّد في نية الركوع، أو الركعة، والتردُّد فيها: يضعفها، ويلزم من ذلك الضَّعف في النية: سجود السهو لجبر ذلك الضَّعف وتقويته وهذا هو المقصد منه.
(٤٢) مسألة: إذا شكَّ في عدد الركعات: فلا يدري هل صلَّى - في الظهر مثلًا - أربعًا أم ثلاثًا؟ فإنه يبني على اليقين ويجعلها ثلاثًا، ويأتي برابعة ثم يسجد للسهو ولو زال شكه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا شك أحكم في صلاته .. " وقد سبق بيانه في مسألة (٣٦) فإن قلتَ: إن جعلها ثلاثًا وزال شكُّه وتيقَّن أنه مصيب: فلا يسجد للسهو، وهو ما ذكره المصنِّف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من زوال شكِّه وتيقُّن إصابته: عدم وجود سبب للسجود قلتُ: بل وجد سبب لسجود السهو، وهو: اضطرابه في أول الأمر وتردُّده، وهذا يؤثر في نيته في أثناء الفعل، فلا بدَّ من جبر ذلك بالسجود، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل زوال الشك الأول باليقين يُسقط وجوب سجود السهو أو لا؟ " فعندنا: لا يُسقطه؛ للتردُّد في النية، وعندهم: يُسقطه.
(٤٣) مسألة: يجب على المأموم أن يسجد مع إمامه ويُتابعه في ذلك: سواء وافقه على هذا السهو أو لا، وسواء أتمَّ المأموم التشهد أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه فعليه وعلى من =
стр. 531
يستتم قائمًا فيُكره له الرجوع؛ أو يشرع في القراءة: فيحرم (٤٤) ويسجد مسبوق سلَّم معه سهوًا، ولسهوه مع إمامه، أو فيما انفرد به، (٤٥) وإن لم يسجد الإمام للسهو: سجد مسبوق إذا فرغ وغيره بعد إياسه من سجوده (٤٦) (وسجود السهو لما) أي
خلفه" ولفظ "عليه" من صيغ الوجوب، فإن قلتَ: لمَ وجب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه: تحقيق المتابعة، ونبذ الاختلاف المنهي عنه في قوله ﷺ : "فلا تختلفوا عليه".
(٤٤) مسألة: إذا قام مأموم مسبوق ليقضي ما فاته، وسجد إمامه للسهو بعد السلام، وبعد أن قام المسبوق ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن لم يستتم المسبوق قائمًا: فيجب عليه أن يرجع ويسجد للسهو مع إمامه، ثانيًا: إن استتم قائمًا ولم يبدأ بقراءة الفاتحة: فيُكره له الرجوع، وإن رجع فلا شيء عليه، ثالثًا: إن استتم قائمًا وبدأ بقراءة الفاتحة: فيحرم عليه الرجوع؛ للقياس بيانه: كما أن المنفرد التارك لواجب كالتشهد يفعل ذلك - كما سبق في مسألة (٣٥) - فكذلك المسبوق يفعل ذلك والجامع: ترك واجب في كل.
(٤٥) مسألة: إذا دخل مسبوق مع الإمام، ثم لما سلَّم الإمام سلَّم ذلك المسبوق معه قبل أن يقضي ما عليه، ثم قام ليقضي ما فاته: أو سهى هذا المأموم وهو تابع للإمام أو زاد أو نقص شيئًا أو شكَّ في شيء وهو يقضي ما فاته: فإنه يسجد لذلك سجود السهو في تلك الحالات؛ للتلازم؛ حيث إن هذا المأموم والمسبوق قد وُجد عنده سبب من أسباب سجود السهو: فيلزم وجود الحكم، وهو: وجوبه فيسجد له.
(٤٦) مسألة: إذا فعل الإمام شيئًا لم يسجد له سجود السهو؛ لكونه لا يرى السجود له، وكان المأموم يرى سجود السهو له: فيجب على هذا المأموم أن يسجد له: سواء كان مسبوقًا أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم قد ثبت عنده=
стр. 532
لفعل شيء أو تركه (يبطل) الصلاة (عمده) أي: تعمَّده، ومنه: اللَّحن المحيل للمعنى سهوًا أو جهلًا (واجب)؛ لفعله ﷺ وأمره به في غير حديث، والأمر للوجوب، (٤٧) وما لا يُبطل عمده كترك السنن، وزيادة قول مشروع غير السلام في غير موضعه لا يجب له السجود، بل يُسنُّ في الثاني (٤٨) (وتبطل) الصلاة (بـ) تعمُّد
سبب من أسباب سجود السهو فيلزم ثبوت حكمه: وهو سجود السهو، ويلزم من عدم سجوده لذلك: بطلان صلاته؛ لأنَّه ترك واجباً عمدًا.
(٤٧) مسألة: كل شيء في الصلاة إذا تركه المصلي أو زاده عمدًا يُبطل الصلاة: فإنه إذا تركه سهوًا يجب عليه سجود السهو كأن يترك تسبيح، أو يزيد ركعة أو سجود، أو نحو ذلك، أو قرأ قراءة تنقل المعنى إلى غير المراد سهوًا أو جهلًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ أمر بذلك بقوله: "فليسجد سجدتين" والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لوجود سبب من أسباب سجود السهو وهو: الزيادة أو النقصان أو اضطراب النية.
(٤٨) مسألة: كل شيء في الصلاة إذا تركه المصلي أو زاده عمدًا لا يُبطل الصلاة: كالسنن والمستحبات: فإنه إذا تركه سهوًا لا يسجد له سجود السهو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم بطلانه للصلاة فيما لو تركه عمدًا: أن لا يسجد له للسهو؛ لعدم حاجته إلى جبر، لعدم وجوبه أصلًا. [فرع]: إذا قال المصلي شيئًا مشروعًا في غير محلِّه كان يقرأ في ركوع أو في سجود أو تشهَّد في قيام: فلا يُبطل الصلاة ولا يجب لذلك سجود سهو، بل يُستحب السجود ولو تركه: صحت صلاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود سبب سجود السهو من زيادة أو نقصان أو شكُّ في ركن أو واجب: عدم وجود الحكم وهو: وجوب السجود. [فرع آخر]: إذا سلَّم المصلي في غير موضع السلام؛ فإنه يعود=
стр. 533
(ترك سجود) سهو واجب (أفضليته قبل السلام فقط) فلا تبطل بتعمُّد ترك سجود مسنون، (٤٩) ولا واجب محل أفضليته بعد السلام، وهو: ما إذا سلَّم قبل إتمامها؛ لأنَّه خارج عنها فلم يؤثِّر في إبطالها، (٥٠) وعُلِم من قوله: "أفضليته": أن كونه قبل السلام أو بعده: ندب؛ لورود الأحاديث بكل من الأمرين، (٥١) (وإن نسيه) أي: نسي سجود السَّهو الذي محلَّه قبل السلام وسلَّم، ثم ذكر: (سجد) وجوبًا (إن
ويُكمل صلاته ثم يسجد للسهو بعد التشهد الأخير، ثم يُسلِّم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود سبب السجود وهي زيادة: - السلام في غير موضعه - وجوب سجود السهو.
(٤٩) مسألة: إذا وجب عليه سجود سهو محلُّه قبل السلام وترك ذلك السجود عمدًا: فتبطل صلاته؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو ترك التشهد الأول عمدًا فإن صلاته تبطل فكذلك إذا ترك سجودًا للسهو محلُّه قبل السلام يُبطلها والجامع: تركه لواجب محلُّه قبل السلام في كل، تنبيه: قوله: "فلا تبطل بتعمُّد ترك سجود مسنون" قد سبق بيانه في مسألة (٤٨).
(٥٠) مسألة: إذا زاد المصلي شيئًا في صلاته: كأن يُسلِّم بعد ركعة من صلاته ثم يعود ليُكملها، وهذا الأفضل أن يكون محل سجود السهو له بعد السلام، فإذا ترك المصلي هذا السجود عمدًا: لا تبطل صلاته؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك السجود يُشرع أن يكون خارج الصلاة فيلزم من ذلك: أن تركه عمدًا لا يُبطلها؛ لكونه غير مؤثِّر فيها.
(٥١) مسألة: الأفضل في موضع سجود السهو أن يكون قبل السلام إذا نقَّص شيئًا من الصلاة وتركه، أما إذا زاد شيئًا في صلاته: فالأفضل: أن يكون موضعه بعد السلام، ويستوي ذلك في الشك؛ للسنة القولية والفعلية: حيث إن ذلك قد ورد عنه ﷺ وكله صحيح كما قال البيهقي. فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس وهو معلوم.
стр. 534
قرب زمنه) وإن شرع في صلاة أخرى فإذا سلَّم، وإن طال الفصل عرفًا، أو أحدث، أو خرج من المسجد: لم يسجد، وصحَّت صلاته (٥٢) (ومن سها) في صلاة (مرارًا: كفاه) الجميع سهوه (سجدتان) ولو اختلف محل السجود، ويُغلِّب ما قبل
(٥٢) مسألة: إذا وجب عليه سجود سهو، ولكنه نسيه، فسلَّم ولم يسجد، ثم تذكَّر بعد زمن قصير كثلاث دقائق مثلًا كما سبق: فيجب عليه سجود السهو: سواء انحرف عن القبلة أو لا، وسواء تكلَّم في مصلحة الصلاة أو لا، وكذا يجب عليه هذا السجود ولو دخل في صلاة ثانية فإذا سلَّم منها: سجد للسهو الواجب عليه في صلاته الأولى، أما إن طال الفصل بأن كان أكثر من ثلاث دقائق، أو أحدث بأن انتقض وضوؤه، أو خرج من المسجد: فإن سجود السهو هذا يسقط عنه، وتصح صلاته بدون ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد سجد للسهو - في حديث ذي اليدين السابق - بعد الكلام القصير الذي لا يستغرق عادةً ثلاث دقائق تقريبًا؛ لكونه قد تكلَّم مع أبي بكر وعمر وذي اليدين بكلام يستغرق ذلك الزمن تقريبًا، وهو لم يُحدث، ولم يخرج من المسجد، ولزم من ذلك الفعل: أنه إذا طال الفصل أكثر من مدة الكلام الذي استغرقه كلام النبي ﷺ مع أصحابه وهو ثلاث دقائق، أو أحدث، أو خرج من المسجد: أنه لا يسجد للسهو، ويسقط عنه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنَّه إذا لم يطل الفصل، ولم يُحدث، ولم يخرج من المسجد فإنه يُشبه المتصل بالصلاة، ببقائه في مكانه، ولتعلُّق ذلك بذمَّته، بخلاف ما إذا طال الفصل، أو أحدث أو خرج من المسجد: فإنه يُشبه المنفصل عن الصلاة، فسقط عنه؛ لوجود المشقة في عوده إلى سجود السهَّو، وهذا يُعتبر من باب الرُّخص.
стр. 535
السلام؛ لسَبْقه، (٥٣) وسجود السهو وما يُقال فيه وفي الرفع منه كسجود صلب الصلاة، (٥٤) فإن سجد قبل السلام: أتى به بعد فراغه من التشهُّد وسلَّم عَقِبَه، وإن أتي به بعد السلام: جلس بعده مفترشًا في ثنائية، ومتورِّكًا في غيرها، وتشهَّد وجوبًا التشهد الأخير، ثم سلَّم؛ لأنَّه في حكم المستقلِّ في نفسه. (٥٥)
(٥٣) مسألة: إذا اجتمع مسبِّيان فأكثر لسجود السهو من زيادة أو نقصان: فإنه يكفيه أن يسجد سجدتين فقط ويُستحب أن يكون هذا السجود قبل السلام؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية: حيث إنه ﷺ قد سها وتكلَّم - في حديث ذي اليدين - ومع ذلك سجد سجدتين فقط، الثانية: المصلحة؛ حيث إن سجود السهو الذي قبل السلام سابق على السجود الذي بعده، فيُستحب أن يُغلَّب ويُعمل به؛ لكونه أسرع في إبراء الذمة، وألصق بالصلاة، ولأن سجودًا واحدًا أخف مشقة من تكرار السجود.
(٥٤) مسألة: سجدتا السهو قبل السلام أو بعده يُقال ويُعمل فيهما كما يُقال ويُعمل في سجود صلب الصلاة، فيُكبِّر، ثم يسجد على الأعضاء السبعة ويقول: "سبحان ربي الأعلى" ثم يرفع من السجدة الأولى مكبِّرًا، ويجلس بين السجدتين ويقول: "ربي اغفر لي" ثم يُكبِّر ويسجد السجدة الثانية كما قال وفعل في الأولى، ثم يرفع رأسه مُكبِّرًا فيجلس قليلًا ثم يُسلِّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، ولو كان يقال ويُفعل في سجود السهو غير ما يُقال ويُفعل في سجود صلب الصلاة لبيَّنه ﷺ ؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتُ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكونهما تُكمِّلان الصلاة، فتكونان من جنسها.
(٥٥) مسألة: طريقة سجود السهو الذي قبل السلام هي: أنه إذا جلس جلسة التشهد الأخير الذي بعده السلام، وبعدما يفرغ من هذا التشهُّد - والدعاء الذي بعده إن شاء -: فإنه يسجد للسهو فإذا فرغ منه جلس قليلًا جدًا ثم=
стр. 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُسلِّم، ولا يتشهد بعد سجوده للسهو هنا، أما طريقة سجود السهو الذي بعد السلام فهي: أنه إذا سلَّم من صلاته يجلس فيسجد للسهو، ثم بعد ذلك يجلس مُفترشًا في الصلاة الثنائية كفجر وجمعة، ومتورِّكًا في الصلاة الثلاثية والرباعية - كما سبق وصف ذلك - يتشهَّد إلى أن يفرغ منه ثم يُسلِّم؛ لقواعد: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على طريقة سجود السهو الذي قبل السلام، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "سها فسجد سجدتين ثم تشهَّد، ثم سلَّم" - كما رواه عمران بن حصين - وحُمل هذا على سجود السهو الذي بعد السلام؛ لئلا يجتمع تشهُّدان في جلسة واحدة، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن السجود الذي قبل السلام فيه تشهُّد وسلام، فكذلك السجود الذي بعد السلام لا بد أن يكون فيه تشهد وسلام والجامع: استقلال كل سجود بتشهد وسلام.
هذه آخر مسائل باب "سجود السهو" ويليه باب "صلاة التطوع والأوقات المنهي عن صلاتها فيها"
стр. 537
باب صلاة التطوع وأوقات النهي
والتطوع لغة: فعل الطاعة، وشرعًا: طاعة غير واجبة، (١) وأفضل ما يُتطوَّع به: الجهاد، ثم النفقة فيه، ثم تعلُّم العلم وتعليمه: من حديث وفقه وتفسير، ثم الصلاة (٢)
باب صلاة التطوع، والأوقات المنهي عن صلاتها فيها
وفيه ثنتان وسبعون مسألة:
(١) مسألة: التطوع لغة: الانقياد واللِّين، مأخوذ من: "طاع يطوع": إذا انقاد ولان، وهو في الاصطلاح: الانقياد والطاعة الله تعالى في فعل أو قول غير ما أوجبه الله، وحكمه: يُثاب على فعله، ولا يُعاقب على تركه، وهو المسمَّى بـ "النافلة" و "السُّنَّة" و "المستحب" و "الفضيلة" و "المندوب" و "المستحسن" و "المرغَّب فيه" وقد سبق بيان ذلك في سنن الوضوء وسنن الصلاة؛ فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بالتطوع؟ قلتُ: لأن فاعله يقوم به تطوعًا وتبرُّعًا من عنده من غير إلزام من الشارع، مؤمِّلًا وطامعًا أن تزيد حسناته، وتُكفَّر سيئاته، وهذا هو المقصد من مشروعية صلاة التطوع وغيرها من أعمال التطوع.
(٢) مسألة: مراتب التطوع في الأفضلية هي: المرتبة الأولى: الجهاد في سبيل الله، وهو: أن يُقاتل المسلم الكفَّار؛ لتكون كلمة الله هي العليا، المرتبة الثانية: النفقة في الجهاد بأن يقوم المسلم ببذل ما عنده من مال لمساعدة المجاهدين في شراء أكلهم وشربهم، وما يركبون عليه، وسلاحهم، والقيام على أولادهم، المرتبة الثالثة: تعلُّم العلم الشرعي، وتعليمه التلاميذ، والتصنيف فيه، والحرص على نشره بين الناس بنية رفع الجهل عن الناس؛ ليُعبد الله على بصيرة، المرتبة الرابعة: صلاة التطوع، وهي النوافل - كما سيأتي بيانها -؛ =
стр. 538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقواعد: الأولى: الكتاب وهو من وجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ حيث وصف الأجر الذي يناله المجاهد بهذا الوصف، ولم يصف غيره من النوافل بمثل هذا الوصف فيلزم: أنه أعظم النوافل، ثانيها: قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ .. هذا يدل على عظم أجر النفقة في سبيل الله، ثالثها: قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وهذا مدح عظيم للعلم وطلابه لا يعادله شيء، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد وصف الجهاد بأنه "ذروة سنام الإسلام" يقصد أعلاه وأرفعه، فلا يساويه شيء من النوافل الأخرى؛ ثانيهما: قوله: ﴿من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ حيث يدل على أن غير المتفقِّه لا خير فيه للأمة الإسلامية، الثالثة: السنة الفعلية: حيث كان ﷺ يصلي النوافل النهار والليل حتى تتفطَّر قدماه، فإن قلتَ: لمَ كان هذا الترتيب في الأفضلية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قدِّم الأعم نفعًا للإسلام والمسلمين والأشد في المشقة: فالجهاد فيه بذل النفس - وهي أعلى ما عند المسلم - لأجل نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، وكسر شوكة الكفار، قال أحمد: "لا أعلم شيئًا من الفرائض أفضل من الجهاد" ويليه في تعميم النفع: النفقة في سبيل الله وهو بذل المال للمجاهدين، وهو خير عون لهم؛ إذ لا جهاد بلا سلاح وطعام وشراب ونحوها، ولا تكون هذه إلا بالنفقة، ويليه في تعميم النفع: تعلُّم العلم الشرعي وتعليمه؛ حيث إنه شرح وبيان وتوضيح الحلال من الحرام في الشريعة؛ لأجل أن يعبد الإنسان ربه على بصيرة، وهذا يستفيد منه الموجودون في حياة هذا العالم، والذين سيوجدون بعد آلاف السنين إلى قيام الساعة؛ ألا ترى: كتب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد، وغيرهم من=
стр. 539
(وآكدها: كسوف، ثم استسقاء)؛ لأنَّه ﷺ لم يُنقل عنه أنه ترك صلاة الكسوف عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنه كان يستسقي تارة ويترك أخرى (ثم تراويح)؛ لأنها تسنُّ لها الجماعة (ثم وتر)؛ لأنَّه تسن له الجماعة بعد التراويح، وهو سنة مؤكدة، روي عن الإمام: "من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء لا ينبغي أن تُقبل له شهادة" وليس بواجب (٣)
فقهاء المسلمين نستفيد منها وهي لها أكثر من ألف سنة ولم يكن لأي واحد منهم جاه ولا سلطان ولا مراكز ولا أموال، بل إن بعضهم لم يحج من فقره؛ لكونهم اشتغلوا بميراث الأنبياء وهو: العلم وتعليمه، لذلك قال أكثر السلف: إن الاشتغال بالعلم بإخلاص - طلبًا، وتعلُّمًا، وتعليمًا وتصنيفًا - أفضل من الاشتغال بسائر التطوع - سوى الجهاد ونفقته - ثم تأتي المرتبة الرابعة والأخيرة وهي صلاة التطوع؛ لأن الصلاة جامعة الجميع أنواع العبادة: من ذكر ودعاء وقراءة، وخضوع، وخشوع، وتذلُّل لله سبحانه، ولكن نفع ذلك قاصر على المصلي فقط لذلك جعلت في آخر المراتب. تنبيه: الآيات والأحاديث وآثار الصحابة وأقول السلف في الجهاد ونفقته، وتعلُّم العلم وتعليمه كثيرة جدًا، وقد أُلِّف فيها المؤلفات الكثيرة التي لا تخفى على أحد.
(٣) مسألة: مراتب صلوات التطوع في الأفضلية هي: المرتبة الأولى: صلاة الكسوف وهي: صلاة تُشرع عند ذهاب ضوء الشمس أو القمر - وسيأتي بيانها -، المرتبة الثانية: صلاة الاستسقاء - وهي: صلاة شُرِعت لطلب السقي والمطر عند الجدب والقحط - وسيأتي بيانها -، المرتبة الثالثة: صلاة التراويح - وهي: قيام الليل في رمضان - وسيأتي بيانها -، المرتبة الرابعة: صلاة الوتر - وهي: صلاة ركعة واحدة بعد صلاة العشاء مباشرة، أو بعد عدد من صلوات النوافل بعدها - وسيأتي بيانها - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن=
стр. 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إعرابيًا سأل النبي ﷺ عن فروض الصلاة فقال: "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا: إلا أن تطوع" والجمعة عن صلاة الظهر، فنفى الشارع وجوب شيء من الصلوات - غير الخمس والجمعة - وأثبت: أن غير الصلوات الخمس تطوع ونوافل؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وكذا دلَّ مفهوم العدد على أن غير الخمس ليست بواجبة، فتكون صلاة الكسوف، والاستسقاء والتراويح، والوتر، والعيدين تطوعًا ونوافل، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى تلك الصلوات وواظب عليها - أقصد الكسوف والاستسقاء والتراويح والوتر - ولم يأمر أحدًا أمر إيجاب بها، فإن قلتَ: لمَ كان هذا الترتيب في أفضلية صلوات التطوع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث قُدّمت صلاة الكسوف؛ لكونه ﷺ لم يتركها عند حدوث سببها - وهو: غياب ضوء الشمس أو القمر - ولمشروعية الجماعة لها، بخلاف صلاة الاستسقاء فقد كان النبي ﷺ يتركها أحيانًا؛ وقُدِّمت صلاة الاستسقاء على التراويح؛ لأن الاستسقاء تشرع لها الجماعة في عهده ﷺ وبعده، أما التراويح فلم تُشرع الجماعة لها إلا بعد عهده ﷺ ، وما شُرِعت لها الجماعة في عهده أكد مما شُرِعت لها الجماعة بعد عهده، وقُدِّمت صلاة التراويح على الوتر؛ لكون الوتر شُرِع في دُبُر صلاة التراويح: سواء بجماعة أو انفراد. [فرع]: صلاة الوتر سنة مؤكدة وليست بواجبة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهو حديث الأعرابي السابق الذكر في مسألة (٣)، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال علي ﷺ : "الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنه رسول الله ﷺ "، فإن قلتَ: لمَ كان سنة مؤكدة؟ قلتُ: المواظبة النبي ﷺ على فعله حضرًا وسفرًا، فإن قلتَ: لمَ استُحب الوتر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث "إن الله وتر يُحبُّ الوتر" - كما ورد في الحديث - فلذا يختم المسلم يومه وليلته بهذا الذي يُحبُّه الله تعالى:=
стр. 541
(يُفعل بين) صلاة (العشاء و) طلوع (الفجر) فوقته: من صلاة العشاء ولو مجموعة مع المغرب تقديمًا إلى طلوع الفجر (٤) وآخر الليل لمن يثق بنفسه أفضل (٥) (وأقلُّه
لتحصيل الثواب العظيم بأدنى مشقة، فإن قلتَ: إن الوتر واجب وهو قول كثير من الحنفية، وبعض المالكية كسحنون؛ للسنة القولية؛ حيث روي عنه ﷺ أنه قال: "إن الله زادكم صلاة إلى صلواتكم الخمس ألا وهي: الوتر" وهو واضح الدلالة قلتُ: لم يثبت هذا عنه ﷺ كما قال أكثر أئمة الحديث، نقل هذا عنهم النووي في "المجموع" والقرافي في "الذخيرة" فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في ثبوت الحديث السابق" فعندنا: لم يثبت، وعندهم: ثابت، تنبيه: قول أحمد: "من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة" وقال ابن تيمية: نحوه قلتُ: إن أرادا "أن من أنكر كون الوتر سنة": فكلامهما صحيح؛ حيث أجمع العلماء على مشروعيته، وإن أرادا بقولهما: "أن الذي لا يُوتر - مع قوله بسُنِّيته -: فإنه رجل سوء أو لا تقبل شهادته": فهذا فيه نظر؛ لأن الوتر سنة ونافلة لا يُذمُّ من تركه، ووصفه بالسوء ذم له، إلا إن أرادا: أن الوتر واجب: فيصح، ولكن خلاف ما نُقل من مذهبهما.
(٤) مسألة: وقت صلاة الوتر يبدأ من صلاة العشاء، - ولو صُلِّيت العشاء مجموعة مع المغرب جمع تقديم، وينتهي بطلوع الفجر الصادق، للسنة الفعلية: حيث قالت عائشة ﵂: "قد أوتر النبي ﷺ من أول الليل وأوسطه، وآخره" فإن قلتَ: لمَ كان هذا وقت الوتر؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إنه مناسب لتلك الصلاة؛ حيث يدعو العبد ربه، ويناجيه؛ لخلوه من الاشغال الجسدي والفكري.
(٥) مسألة: أفضل أوقات صلاة الوتر من الليل هو: آخره، وهو: الثلث الأخير منه لمن يثق بأنه سيقوم في ذلك الوقت؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن أكثر وتر النبي ﷺ في آخر الليل، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه=
стр. 542
ركعة)؛ لقوله ﷺ : "الوتر ركعة من آخر الليل" رواه مسلم، ولا يُكره الوتر بها؛ لثبوته عن عشرة من الصحابة: منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃ (٦) (وأكثره) أي: أكثر الوتر (إحدى عشرة) ركعة (٧) يُصلِّيها (مثنى مثنى) أي: يُسلِّم
يأتي بعد أخذه لقسط من النوم الكافي، فيكون أنشط للدعاء والقراءة والذكر، وهو أقرب الأوقات لاستجابة الدُّعاء؛ نظرًا لنزول الله تعالى في آخر كل ليلة فيقول: هل من داعٍ فأُجيبه؟.
(٦) مسألة: أقل الوتر: ركعة واحدة، يصليها بعد صلاة العشاء، ولو بدون نوافل أخرى قبلها بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الوتر ركعة من آخر الليل" فيلزم من ذلك: أن أقله: ركعة واحدة؛ الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث قال ابن عمر ﵃: "الوتر ركعة" وكان أبو بكر وعمر وعثمان وزيد وعائشة ﵃ يوترون بواحدة، فإن قلتَ: لمَ كان أقلُّه ركعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل أجر الوتر، دون مشقة في تكثيره، وهذا لطف من الله بعباده، تنبيه: قوله: "ولا يُكره الوتر بها" يُشير إلى قول بعض العلماء: إنه يُكره الوتر بركعة واحدة، ولم أجد دليلًا قويًا عليه.
(٧) مسألة: أكثر الوتر: إحدى عشرة ركعة؛ للسنة الفعلية: حيث كان النبي ﷺ يصليها هكذا كما قالت عائشة ﵂، فإن قلتَ: إن أكثره: ثلاث عشرة ركعة؛ للسنة الفعلية، حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك قلتُ: إن رواية عائشة أقرب إلى الصحة؛ لكونها ترى تهجُّده ﷺ في الليل، ثم إنه يُمكن الجمع بين ذلك: بأن من قال: إنها ثلاث عشرة ركعة قد حسب الركعتين الخفيفتين اللَّتين كان ﷺ يفتتح بهما تهجُّده، أو كان قد حسب ركعتي الفجر الراتبة معها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية" فعندنا: يُرجِّح ما روته عائشة؛ لكونها أعلم بأحواله في الليل، وهذه قرينة للترجيح، وعندهم يُرجِّح ما رواه غيرها ولا يُعمل بتلك القرينة.
стр. 543
من كل ثنتين (ويوتر بواحدة)؛ لقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة" وفي لفظ: "يُسلِّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة" هذا هو الأفضل، (٨) وله أن يسرد عشرًا، ثم يجلس فيتشهَّد، ولا يُسلِّم، ثم يأتي بالركعة الأخيرة، ويتشهَّد، ويُسلِّم (وإن أوتر بخمس أو سبع) سردها و (لم يجلس إلا في آخرها)؛ لقول أم سلمة: "كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام" رواه أحمد ومسلم (و) إن أوتر (بتسع) يسرد ثمانيًا ثم (يجلس عقب) الركعة (الثامنة ويتشهَّد) التشهد الأول (ولا يُسلِّم ثم يصلي التاسعة ويتشهَّد ويسلم)؛ لقول عائشة: "ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه وينهض ولا يسلِّم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يُسلِّم تسليمًا يُسمعناه" (٩) (وأدنى الكمال) في
(٨) مسألة: الأفضل - إذا أراد أن يوتر بإحدى عشرة ركعة بدون سرد -: أن يصلي ركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يصلي ركعتين ثم يُسلِّم، وهكذا، حتى يُصلي عشر ركعات بخمس تسليمات، ثم يوتر ويصلي واحدة ثم يُسلِّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كثرة عمل، وقِلَّة مشقة.
(٩) مسألة: إذا أراد أن يوتر بإحدى عشرة ركعة سردًا: فإنه يصلي عشر ركعات بدون جلوس، فإذا كان في آخر الركعة العاشرة: جلس للتشهد الأول، ثم يقوم ويأتي بالركعة الحادية عشرة، ثم يتشهَّد ويُسلِّم، وإذا أراد أن يوتر بخمس ركعات سردًا: فإنه يصلي الخمس ولا يجلس إلا في آخرها، فيتشهَّد ويُسلِّم، وإن أراد أن يوتر بسبع ركعات سردًا: فعليه أن يصلي السبع ولا يجلس إلا في آخرها فيتشهَّد ويُسلِّم، وإن أراد أن يوتر بتسع ركعات سردًا: فإنه يصلي ثمان ركعات سردًا بدون جلوس، ثم يجلس في آخر الركعة الثامنة ويتشهَّد التشهد الأول ثم يقوم ليصلي التاسعة، ثم يجلس ويتشهَّد ويُسلِّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث=
стр. 544
الوتر (ثلاث ركعات بسلامين) فُيصلِّي ركعتين ويُسلِّم، ثم الثالثة؛ لأنَّه أكثر عملًا، ويجوز أن يسردها بسلام واحد (١٠) (يقرأ) من أوتر بثلاث (في) الركعة (الأولى بـ) سورة (سبّح وفي) الركعة (الثانية بـ) سورة: قل يا أيها (الكافرون وفي) الركعة (الثالثة بـ) سورة (الإخلاص) بعد الفاتحة (١١) (ويقنت فيها) أي: في الثالثة (بعد
كان النبي ﷺ يفعل ذلك في التسع، والسبع والخمس - كما روت ذلك عائشة وأم سلمة ﵃ ويفعل من أوتر بإحدى عشرة كما يفعل من أوتر بتسع؛ قياسًا عليه، فإن قلتَ: لمَ يُباح للمكلف أن يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه مراعاة أحوال الناس وقدراتهم.
(١٠) مسألة: أدنى الكمال في صلاة الوتر: ثلاث ركعات تكون في سلامين: فيصلي ركعتين ثم يتشهد ويُسلِّم، ثم يصلي ركعة واحدة فيتشهَّد ويُسلِّم، وإن جعل الثلاث بسلام واحد: فلا بأس، للسنة الفعلية وهي من وجوه: أولها: قول عائشة: "كان ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن"، ثانيهما: قول ابن عمر ﵁: "كان ﷺ يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة" فإن قلتَ: لمَ كان أدنى الكمال: ثلاث بسلامين؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه كثرة عمل، يؤدِّي إلى كثرة الأجر، وفيه تقوية على الركعة الأخيرة لوجود الدعاء فيها غالبًا. فإن قلتَ: لمَ لا يتشهَّد بتشهدين من أراد أن يصلي الثلاث بسلام واحد؟ قلتُ: لئلا تشبه صلاته هذه صلاة المغرب، وقد نهى ﷺ أن تُشبَّه صلاة الوتر بصلاة المغرب.
(١١) مسألة: يُستحب لمن أوتر بثلاث: أن يقرأ في الأولى بسورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بسورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بسورة الإخلاص وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويقرأ تلك السور في الركعات بعد قراءته للفاتحة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك كثيرًا، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك السور قد تضمَّنت تجديد التوحيد الله تعالى، وتجديد الإيمان بذلك وإثبات صفات الكمال لله تعالى، وأنَّه متفرِّد بخلق=
стр. 545
الركوع) ندبًا؛ لأنَّه صحَّ عنه ﷺ من رواية أبي هريرة وأنس وابن عباس، وإن قنت قبل الركوع بعد القراءة: جاز؛ لما روى أبو داود عن أُبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يقنت في الوتر قبل الركوع، (١٢) فيرفع يديه إلى صدره ويبسطهما وبطونهما نحو السماء، ولو كان مأمومًا (١٣) (فيقول) جهرًا: (اللهم اهدني فيمن هديت) أصل
السموات والأرض، وعلى تأييد النبي ﷺ وتثبيته على تلقِّي الوحي، وأن الله قد أعطاه شريعة سمحة، وعلى أن دين الإسلام لا يمكن أن يخالطه شيء من دين الكفار، وإذا قرأ المسلم سورة "الكافرون" فكأنه قرأ ربع القرآن؛ وإذا قرأ سورة الإخلاص فكأنه قرأ ثلث القرآن - كما ورد - وقد أطال ابن القيم الكلام في ذلك في "زاد المعاد" (١/ ٣١٦).
(١٢) مسألة: يُستحب أن يقنت بعد رفعه من ركوع الركعة الثالثة، وإن قنت قبل الركوع: فلا بأس؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يقنت بعد الركوع، وقد روي عنه أنه قنت قبله - كما ورد عن ابن مسعود وأُبي - فإن قلتَ: لمَ كان المستحب أن يكون القنوت بعد الركوع؟ قلتُ: لكونه قد ثبت عنه ﷺ كثيرًا، ولأن قنوته ﷺ قبل الركوع قد ضعَّفه كثير من العلماء كالنووي في "المجموع" (٤/ ٤٥٤) وقال ابن قدامة في "المغني (٢/ ٥٨٢) ": إنه قد تُكلِّم فيه، ثم إن القنوت قبل الركوع يُشارك القراءة في القيام، والقيام مخصَّص للقراءة، فيكون القنوت في غير موضعه فيكون القنوت بعد الركوع أقوى ثبوتًا، وأوفق محلًا وموضعًا فاستُحب.
(١٣) مسألة: يُستحب أن يرفع يديه إلى صدره - إذا أراد القنوت - ويضم إحداهما إلى الأخرى، ويجعل راحتي كفيه مبسوطتين وموجَّهتين إلى السماء: سواء كان مأمومًا أو إمامًا أو منفردًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك عند قنوته، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن هذه الهيئة في اليدين أقرب إلى الاستجابة؛ حيث إنه بذلك يستجدي الله تعالى بيديه؛ حيث إنهما آلة أخذ الخيرات.
стр. 546
الهداية: الدِّلالة، وهي من الله التوفيق والإرشاد (وعافني فيمن عافيت) أي: من الأسقام والبلايا، والمعافاة: أن يعافيك الله من الناس، ويُعافيهم منك (وتولَّني فيمن توليت) الولي: ضد العدو: من تولَّيت الشيء: إذا اعتنيت به، أو من وليته: إذا لم يكن بينك وبينه واسطة (وبارك لي فيما أعطيت) أي: أنعمت (وقني شرَّ ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد والترمذي وحسَّنه من حديث الحسن بن علي قال: "علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر" وليس فيه: "ولا يعز من عاديت" ورواه البيهقي وأثبتها فيه، ورواه النَّسَائِي مختصرًا وفي آخره: "وصلى الله على محمد" (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك) إظهارًا للعجز والانقطاع (لا نحصي) أي: لا نطيق ولا نبلغ ولا ننهي (ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) اعترافًا بالعجز عن الثناء وردًا إلى المحيط علمه بكل شيء جملةً وتفصيلًا، رواه الخمسة عن علي "أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في آخر وتره" ورواته ثقات (اللهم صلِّ على محمد)؛ لحديث الحسن السابق، ولما روى الترمذي عن عمر: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك" وزاد في "التبصرة" (وعلى آل محمد) واقتصر الأكثرون على الصلاة عليه ﷺ (١٤) (ويمسح وجهه بيديه) إذا فرغ من دعائه هنا، وخارج الصلاة؛
(١٤) مسألة: يُستحب أن يقنت ويدعو قائلًا: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولِّني فيمن تولِّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وصلى الله على نبينا محمد"؛ فإن شاء أن يدعو بعده بما أراد فلا بأس بشرط:=
стр. 547
لقول عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطُّهما حتى يمسح بهما وجهه" رواه الترمذي، (١٥) ويقول الإمام: "اللهم اهدنا .. " إلى آخره، ويؤمِّن مأموم
عدم الإطالة فيه إلا برضى المأمومين، فإن لم يرضوا: فلا يجوز؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال الحسن بن علي: "علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهنَّ في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت .... " الخ كما أخرجه الترمذي، وزاد النَّسَائِي: "وصلى الله على نبينا محمد" وهي زيادة ثقة مقبولة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قال علي ﵁: "إن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" الخ؛ الثالثة: قول الصحابي وهو من وجهين: أولهما: قول عمر ﵁: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك" ثانيهما: أن عمر ﵁ كان يزيد في الدعاء قائلًا: "اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وألّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن الكفار الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويُقاتلون أوليائك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين" الخ فإن قلتَ: لمَ يُستحب هذا الدعاء والقنوت في الوتر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء جامع الخيري الدنيا والآخرة، ولمنافع الفرد والمجتمع الإسلامي، وفيه تجديد للتوحيد والإيمان، والإقرار بحكم الله المطلق، وأن العزيز الحقيقي هو من أعزَّه الله في طلب العلم والعمل به وتعليمه، وأدخله الجنة، وأن الذليل الحقيقي هو: من أذلَّه الله تعالى في النار يوم القيامة "فمن أُدخل الجنة فقد فاز".
(١٥) مسألة: لا يُشرع مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من دعاء الوتر ولا غيره؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم مسح الوجه هنا ولا في غيره، فنستصحب ذلك، ويبقى على النفي الأصلي، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع ذلك؟ قلتُ: لأن المسح يُعتبر من الحركات الزائدة التي ليست من جنس الصلاة فإن قلتَ: يُستحب أن=
стр. 548
إن سمعه (١٦) (ويُكره قنوته في غير الوتر) روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الدرداء ﵃، وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: "أشهد أني سمعتُ ابن عباس يقول: "إن القنوت في صلاة الفجر بدعة" (إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة) من شدائد الدهر (غير الطاعون فيقنت الإمام) الأعظم استحبابًا (في الفرائض) غير الجمعة، ويجهر به في الجهرية، ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمَّن، ويقول - بعد وتره -: "سبحان الملك القدوس" ثلاثًا، ويمدُّ بها صوته في الثالثة (١٧) (والتراويح) سنة مؤكَّدة، سُمِّيت بذلك؛ لأنهم يصلون أربع ركعات،
يمسح وجهه هنا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية، حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما قال عمر، قلتُ: هذا ضعَّفه كثير من العلماء كالبيهقي في "سننه" (٢/ ٤١٢)، والنووي في "المجموع" (٣/ ٥٠١) وابن تيمية في مجموع فتاويه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث عمر ضعيف أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(١٦) مسألة: إذا كان من يدعو ويقنت منفردًا: فإنه يُفرد الضمير قائلًا: "اللهم اهدني … " أما إن كان إمامًا: فإنه يجمع الضمير قائلًا: "اللهم اهدنا … " والمأموم يقول - في آخر كل جملة -: "آمين" ويقول عند قوله: "إنك تقضي ولا يقضى عليك … ": "سبحانك"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث قال ابن عباس ﵁: "قنت رسول الله وأمَّن من خلفه" ولم يُنكر عليهم، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الإمام يجمع الضمير؛ لإدخال المأمومين معه في الدُّعاء؛ لإشراكهم في تحصيل الثواب.
(١٧) مسألة: يكره القنوت والدعاء بالصفة السابقة في غير صلاة الوتر لغير حاجة، أما إن وُجدت حاجة مثل النوازل التي تنزل بالمسلمين وتخيفهم كعدو، وقحط، وجراد، وأمراض مستعصية كطاعون، وسرطان، ونحو ذلك: فإنه يُستحب أن يدعو إمام المسلمين أو نائبه بزوال ذلك ورفعه عن المسلمين، وهذا الاستحباب=
стр. 549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون في كل صلاة: في فجر وجمعة وغيرهما يجهر في الجهرية، ويُسرُّ في السِّرِّية، ويؤمِّن المأموم إذا سمع إمامه يقنت في فجر وغيره؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قنت شهرًا كاملًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر على "رُعَل" و "ذكوان" و "عُصَيَّة" ويؤمِّن من خلفه، فلما تابوا: توقف؛ وهذا يُحمل على الحاجة؛ لأنَّه ﷺ توقف بعد توبتهم، ويُدخل صلاة الجمعة فيها؛ لأنها تنزَّل منزلة صلاة الظهر، وهو الذي تولى القنوت، ولم يُنب عنه أحدًا، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يُدعى برفع ضرر العدو والخوف والقحط والجراد فكذلك يُدعى برفع الطاعون وغيره من الأمراض التي عمَّت والجامع: دفع الضرر عن المسلمين في كل، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عدم مشروعية القنوت في غير الوتر عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر وكثير من الصحابة ﵃ إذا لم توجد حاجة، فإن قلتَ: لمَ كره القنوت في غير الوتر لغير حاجة؟ قلتُ: لورود تخصيصه في عبادة خاصة وهي: الوتر، فوجوده في عبادة أخرى يكون مكروهًا؛ لعدم موافقته لموضعه، فإن قلتَ: إنه لا يُقنت لرفع مرض الطاعون - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن المطعون شهيد، فيلزم من الدعاء برفعه: حرمان هذا المطعون من الحصول على أجر الشهادة، وهذا فيه ضرر قلتُ: إن النص - وهو: "أن المطعون شهيد" - لا يلزم منه: أنه لا يُدعى برفع هذا المرض عنه، وإنما يُخبر أن من مات فيه: فله أجر الشهداء فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد بعبارة: "المطعون شهيد" الواردة في الحديث" فعندنا: مراده الإخبار بأن من مات شهيد فقط، وعندهم: لا، فإن قلتَ: لا يُقنت في صلاة الجمعة - هو ما ذكره المصنف هنا -؛ لمفهوم العدد من السنة الفعلية السابقة التي في "رعل" ومن معه؛ حيث لم يذكر راويها صلاة الجمعة قلتُ: إن صلاة الجمعة مُنزَّلة بمنزلة صلاة الظهر في غالب أحكامها ومنها القنوت، ولم تذكر، لندرتها بالنسبة للصلوات الخمس فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الجمعة هل=
стр. 550
ويتروَّحون ساعة، أي: يستريحون (١٨) (عشرون ركعة)؛ لما روى أبو بكر: عبد العزيز في "الشافي" عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة" (١٩) (تُفعل) ركعتين ركعتين (في جماعة مع الوتر) بالمسجد أول الليل (بعد
تحسب من الصلوات الخمس أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم لا، فإن قلتَ: لمَ كان الذي يتولى القنوت في الفرائض هو الإمام فقط أو نائبه؟ قلتُ: لأن هذا القنوت الذي يكون في الفرائض لأمر نزل بالمسلمين عامة، والذي له الولاية العامة هو الإمام الأعظم أو من يُنيبه، وهو الذي يُقدِّر هذا الأمر هل هو يضر بالمسلمين عامة أو لا؟ تنبيه: قوله: "ويقول بعد وتره" إلى آخره قلتُ: هذا مخالف للوارد: بأن يختم قنوته بالصلاة على النبي، ولا يُجهر في شيء في سجوده، وإذا فرغ من صلاة الوتر؛ لا يُقال شيء للفراغ منه فلا محلَّ؛ لقوله: "سبحان الملك القدوس" جهرًا.
(١٨) مسألة: صلاة التراويح سنة مؤكدة؛ للإجماع؛ حيث أجمع الصحابة على أنها سنة مؤكدة ومستند هذا الإجماع هو: السنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ فعلها في ليلتين أو ثلاث بأصحابه ثم صلاها في بيته وقال: "خشيتُ أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها" وقال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا: غفر له ما تقدَّم من ذنبه" فإن قلتَ: لمَ سُمّيت بذلك؟ قلتُ: لأن المصلين لها يستريحون إذا سلَّموا من ركعتين أو أربع، والمقصد من مشروعيتها واضح.
(١٩) مسألة: عدد ركعات صلاة التراويح: عشرون ركعة - غير الوتر -؛ لقاعدتين: الأولى: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث كان الناس في عهد عمر يقومون في شهر رمضان بعشرين ركعة - كما رواه السائب بن يزيد ﵁ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عليًا ﵁ كان يقوم الليل بعشرين ركعة، فإن قلتُ: لم شرع هذا العدد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه كلما زادت الركعات في هذا الوقت من الليل في زمن رمضان زاد الأجر والثواب، تنبيه: حديث ابن=
стр. 551
العشاء) والأفضل: وسنتها (في رمضان)؛ لما في "الصحيحين" من حديث عائشة: "أنه صلَّاها ليالي فصلَّوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر" وقال: "إني خشيتُ أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها" وفي البخاري: "أن عمر ﵁ جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح" (٢٠) وروي أحمد والترمذي وصحَّحه: "من
عباس ﵁ الذي ذكره المصنف هنا في سنده إبراهيم بن عثمان قد اتفق أئمة الحديث على ضعفه، تنبيه آخر: لقد اختلفت الروايات في عدد ركعات صلاة التراويح في عهد عمر ﵁: فروى السائب: "عشرين ركعة" وروى يزيد بن رومان: "ثلاثًا وعشرين" وروى نافع مولى ابن عمر ﵃: "تسعًا وثلاثين" وروى أُبي: "إحدى عشرة ركعة" يوترون منها بثلاث، وكل طائفة من العلماء اختارت ما صحَّ عندها - كما قال الباجي في "المنتقى" (١/ ٢٠٨)، ويمكن الجمع بين تلك الروايات بأن يُقال: إن الظاهر أن عمر ﵁: أمر أولًا أبي بالصلاة إحدى عشرة لما كان الناس يقوون على الوقوف وقراءة آيات طويلة في كل ركعة، وكُلَّما ضعف الناس: أمر بتقصير القراءة وتكثير الركعات، وهكذا حتى وصلت إلى ست وثلاثين - غير الشفع والوتر - هذا ما جمع به العلماء المحققون بين تلك الروايات كالباجي وابن تيمية فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الآثار" فرجَّحنا: أنها عشرين؛ لكونه صح عندنا، وعندهم: رجحوا ما صح عندهم من الآثار.
(٢٠) مسألة: يُستحب أن تُصلَّى التراويح مثنى مثنى في جماعة في المسجد بعد السنة الراتبة التي بعد صلاة العشاء، ويستمر وقتها إلى طلوع الفجر الصادق؛ لإجماع الصحابة السكوتي، حيث كان الصحابة يُصلُّونها هكذا في عهد عمر ﵁، دون أن يُنكر أحد ذلك - كما سبق في مسألة: (١٩) - فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنشيط المسلمين على العبادة وإظهار للإسلام، فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل أن يصلي راتبة العشاء قبل التراويح؟ قلتُ:=
стр. 552
قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة" (٢١) (ويوتر المتهجِّد) أي: الذي له صلاة بعد أن ينام (بعده) أي: بعد تهجُّده؛ لقوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" متفق عليه (فإن تبع إمامه) فأوتر معه، أو أوتر منفردًا، ثم أراد التهجُّد: لم ينقض وتره، وصلى ولم يوتر، وإن (شفعه بركعة) أي: ضمَّ لوتره - الذي تبع إمامه فيه - ركعة: جاز، وتحصل فضيلة متابعة إمامه، وجعل وتره آخر صلاته (٢٢)
لأن السنة الراتبة متأكدة مؤقتة بعد العشاء، ولأن التراويح تختتم بالوتر، ولا صلاة بعده. [فرع]: صلاة المنفرد التراويح في بيته أفضل إذا كان أصلح لعبادته، وأسلم له من الرياء والسمعة، وإذا كان لا يؤدّي تخلُّفه عن المسجد إلى تعطيل الجماعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على أفضل الأعمال وخيرها مع مراعاة أحواله.
(٢١) مسألة: يُستحب للمأموم في صلاة التراويح: أن يوتر مع إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة" ومعلوم: أن الإمام في التراويح لا ينصرف حتى يُوتر، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدعاء مع الجماعة أقرب إلى الاستجابة.
(٢٢) مسألة: إذا كان المأموم معتادًا على أن يتهجَّد ويصلي في آخر الليل: فإن شاء ينصرف بعد فراغ الإمام من التراويح والشفع، ولا يوتر معه، ثم يقوم آخر الليل فُيصلِّي ما شاء ثم يختم ذلك بالوتر، وإن شاء أوتر مع إمامه، وإذا قام آخر الليل يُصلِّي ولا يُوتر، وإن شاء أوتر مع إمامه، فإذا سلَّم إمامه من الوتر: قام هو وأتى بركعة تشفع ذلك الوتر، ثم يُسلِّم - وهذا يُسمَّى نقض الوتر -، فإذا قام يصلي آخر الليل: ختم صلاته بوتر؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" وهو قد حقَّق ذلك بالطريقة الأولى والثالثة هنا الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُصلِّي بعد الوتر بركعتين ليلًا ولم يوتر=
стр. 553
(ويُكره التنفل بينها) أي: بين التراويح، روى الأثرم عن أبي الدرداء: أنه أبصر قومًا يُصلُّون بين التراويح فقال: "ما هذه الصلاة أتصلِّي وإمامك بين يديك؟، ليس منا من رغب عنَّا" (٢٣) و (لا) يُكره (التعقيب) وهو: الصلاة (بعدها) أي: بعد
بعدهما، وهذا مثبت للطريقة الثانية هنا، الثالثة: المصلحة؛ حيث إنه إذا أوتر مع إمامه: - سواء شفعه أو لا -: فإنه يتحصَّل على أجر الوتر، وأجر متابعة الإمام، والانصراف معه، وأجر التهجُّد آخر الليل، وهذا فضل عظيم، فإن قلتَ: إن قيام المأموم المتهجِّد ليأتي بركعة تشفع له الوتر الذي صلَّاه مع إمامه يُعتبر مخالفًا فيه إمامه، وهذا حرام؛ حيث نهى الشارع عن ذلك قائلًا: "فلا تختلفوا عليه" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وخالف أيضًا ما نواه أولًا من أنه سيصلي وترًا فصلى شفعًا قلتُ: هذه ليست بمخالفة للإمام؛ لأن هذا لما دخل مع إمامه لصلاة الوتر نوى قبل الدخول فيها أنه سيُصلِّيها شفعًا، لا وترًا، ففعل ما نواه؛ قياسًا على المقيم إذا صلى وراء مسافر فإنه ينوي هذا المقيم أنه سيتم الصلاة، فإذا سلم المسافر من ركعتين: قام المقيم ليتم صلاته؛ وقد أمر ﵇ بذلك لما كان في مكة ثمان عشرة ليلة - بعد الفتح - يصلي ركعتين، ويقول لأهل مكة: "صلوا أربعًا فإنا سُفُر" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل قيام المأموم ليشفع وتره تُعتبر مخالفة للإمام المنهي عنها أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(٢٣) مسألة: يُكره أن يُصلِّي المأموم في التراويح نافلة بعد كل تسليمة من ركعتين أو أربع؛ لقول الصحابي؛ حيث أنكر أبو الدرداء ذلك، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نوع مفارقة للإمام والرغبة عنه - وقد أشار أبو الدرداء إلى ذلك - وفيه مشقة على من فعل ذلك، مما قد يؤدِّي إلى انقطاعه عن مواصلة صلاة التراويح مع الإمام، فدفعًا لذلك: كره.
стр. 554
التراويح والوتر (في جماعة)؛ لقول أنس ﵁: "لا ترجعون إلا لخير ترجونه"، وكذا: لا يُكره الطواف بين التراويح، (٢٤) ولا يُستحب للإمام الزيادة على ختمة في التراويح إلا أن يؤثروا زيادة على ذلك، ولا يُستحب لهم أن ينقصوا عن ختمة؛ ليحوزوا فضلها (٢٥) (ثم) يلي الوتر في الفضيلة (السنن الراتبة) التي تفعل مع
(٢٤) مسألة: إذا فرغ المصلي من صلاة التراويح مع الوتر: فلا يُكره أن يفعل بعد ذلك خيرات من صلاة تطوع، سواء كان ذلك منفردًا أو مع جماعة، أو طواف على الكعبة؛ لقول الصحابي؛ حيث قال أنس ﵁: "لا ترجعون إلا الخير ترجونه" فأثبت استحباب فعل الخيرات؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهذا شامل للصلاة والطواف وغيرهما، مع الأفراد، أو مع الجماعة، وخيرية هذا غير خاف على أحد، وهذا هو المقصد الشرعي.
(٢٥) مسألة: يُستحب للإمام أو غيره: أن يختم القرآن في التراويح، بأن يرفع يديه - بعد آخر سورة "الناس" وقبل الركوع - ويدعو لنفسه ولوالديه ومشايخه، وكل من له حق عليه، وللسلطان بأن يعمل بالكتاب والسنة، ولجميع المؤمنين، ويجمع أهله وغيرهم عند دعاء ختم القرآن، وإن كان إمامًا فيُسمع المأمومين جميع القرآن في شهر رمضان، ولا يزيد عن ختمة واحدة إلا أن يُريد أغلب المصلِّين، ولا يُستحب أن يُنقص عن ختمة واحدة؛ لقاعدتين: الأولى: فِعل الصحابي؛ حيث إن أنسًا ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده، الثانية: المصلحة؛ حيث إن القرآن قد أنزل في شهر رمضان، وكان جبريل ﵇ يُراجع القرآن مع النبي ﷺ في رمضان، فكان من المناسب قراءته كله في هذا الشهر، وأيضًا من المصلحة أن يُدعى بدعاء ختم القرآن لينال القارئ والمستمع الفضل والأجر في ذلك، لعلَّ الله أن يستجيب لهم الدعاء فينالوا خيري الدنيا والآخرة.
стр. 555
الفرائض وهي: عشر ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر)؛ لقول ابن عمر ﵁: "حفظتُ من رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل المظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها أحد، حدَّثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر: صلى ركعتين" متفق عليه (٢٦) (وهما) أي: ركعتا الفجر (آكدها) أي: أفضل
(٢٦) مسألة: السنن الرواتب أفضل السنن - بعد صلاة الوتر - وهي: عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر؛ ويُستحب أن تكون هذه السنن في البيت وكذا: السنن المطلقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" فإنه أثبت أن المستحب في النوافل أن تكون في البيوت، ونفى ذلك في الفرائض؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وإذا استثنينا المكتوبة: لم يبق إلا السنن والنوافل، وهي عامة للسنن الرواتب المقيدة، والسنن المطلقة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلَّى السنن الرواتب العشر في بيته - كما رواه ابن عمر ﵁ فإن قلتَ: لمَ استُحبَّت تلك الركعات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يحصل فيها سدُّ الخلل والنقص الذي يمكن حصوله في الفرائض، فيكمل أجر العبد، وفيها زيادة شكر الله تعالى على نعم حصلت في أوقات الصلوات - كما سبق بيانه - فإن قلتَ: لمَ لم يكن لصلاة العصر راتبة؟ قلتُ: للنهي عن الصلاة بعد العصر، وللاكتفاء براتبة الظهر البعدية، فإن قلتَ: لمَ يُستحب أن تكون تلك السنن في البيت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كمال خشوع وإخلاص وفيه أيضًا إنزال الرحمة على أهل البيت، وابتعاد عن الرياء والعجب، وإبعاد للبيت عن المقبرة حيث قال ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" أي صلُّوا بها، ولا تجعلوها كالمقابر لا يُصلَّى بها، وفيه أيضًا التسبُّب في خروج الشيطان من البيت، =
стр. 556
الرواتب؛ لقول عائشة ﵂: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" متفق عليه، فيُخيَّر فيما عداهما وعدا الوتر سفرًا، ويُسنّ تخفيفهما، واضطجاع بعدهما على الأيمن، (٢٧) ويقرأ في الأولى - بعد الفاتحة -: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أو يقرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية، (٢٨) ويلي ركعتي الفجر: ركعتا المغرب، ويُسنُّ أن يقرأ فيهما بـ "الكافرون"
والتسبُّب في اقتداء من في البيت بتلك الصلاة، بخلاف الفريضة: ففيها مشاركة الناس فيها، وهي مظهر من مظاهر الإسلام.
(٢٧) مسألة: آكد السنن الرواتب: ركعتا الفجر، وهما يُفعلان في الحضر والسفر، وكذا: الوتر مثلهما، أما السنن الرواتب الأخرى فتُستحب في الحضر فقط، ويخيَّر في فعلها في السفر، ويُستحب تخفيف ركعتي سنة الفجر، والاضطجاع بعد الفراغ منهما على الشقِّ الأيمن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا يُبيِّن تأكيدها على غيرها على الإطلاق، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يترك سنة الفجر والوتر في حضر ولا سفر، وكان يحرص على ركعتي سنة الفجر، وكان: يخففهما ويضطجع بعدهما - كما روت عائشة ذلك - فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن وقت ركعتي الفجر أفضل الأوقات؛ حيث إنه وقت مشهود، ويُخفِّف فيهما؛ ويضطجع بعدهما: للتهيئة وأخذ بعض الراحة قبل البدء بصلاة الفجر التي يُشرع فيها القراءة من طوال المفصَّل وكونه يضطجع على الأيمن؛ لكونه أكثر راحة في التَّنفس من الشق الأيسر؛ لوجود القلب في جهته.
(٢٨) مسألة: يُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من ركعتي سنة الفجر بسورة "الكافرون" ويقرأ في الثانية منها بسورة: "الإخلاص" بعد الفاتحة، وإن شاء يقرأ في الأولى بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ … ﴾ [البقرة: ١٢٦]، ويقرأ في=
стр. 557
و "الإخلاص" (٢٩) (ومن فاته شيء منها) أي: من الرواتب: (سُنَّ له قضاؤه) كالوتر؛ لأنَّه ﷺ قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنهما، وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر، وقيس الباقي، وقال: "من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر" رواه الترمذي، لكن ما فات مع فرضه وكثُر: فالأولى تركه إلا سنة فجر، (٣٠) ووقت كل سنة قبل الصلاة من دخول وقتها إلى فعلها،
الثانية بقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ … [آل عمران:٦٤]؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ بذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجديد للتوحيد والعقيدة، ونبذ الكفر والكفار.
(٢٩) مسألة: أفضل السنن الرواتب - بعد ركعتي سنة الفجر: ركعتا سنة المغرب، ويقرأ في الأولى منهما بسورة "الكافرون" ويقرأ في الثانية: بسورة "الإخلاص" بعد الفاتحة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ فيهما بهاتين السورتين، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن سنة الفجر تفضل على السنن الرواتب فكذلك سنة المغرب فيها فضل والجامع: أن كلًّا منهما تقع في آخر فترة من الزمن، فسنة الفجر في آخر الليل، وسنة المغرب في آخر النهار، وما كان آخر شيء فهو فضيلة وهو المقصد منه.
(٣٠) مسألة: إذا فات شيء من السنن الرواتب - بأن خرج وقت الظهر مثلًا وهو لم يصل سنتها القبلية أو البعدية -: فإنه يُستحب أن يقضيها، إلا إذا كثرت هذه الفوائت من الرواتب: فيُستحب أن لا يقضيها إلا سنة الفجر فيُستحب قضاؤها؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قضى ﷺ راتبة الفجر، وراتبة الظهر لما فاتتا، الثانية: القياس، بيانه: كما يُقضى الوتر حيث أمر النبي ﷺ بقضائه، وراتبة الفجر والظهر، فكذلك السنن الرواتب تقضى والجامع: التطوع في كل، الثالثة: المصلحة؛ حيث إنها إذا كثُرت: فإنه يشق قضاؤها، لذلك سقط القضاء، فإن قلتَ: لمَ استحب القضاء هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث=
стр. 558
وكل سنة بعد الصلاة: من فعلها إلى خروج وقتها: فسنة فجر وظهر الأوَّلة بعدهما قضاء، (٣١) والسنن غير الرواتب: عشرون: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء، غير السنن الرواتب، قال جمع: يُحافظ عليها، (٣٢)
إن ذلك فيه إدراك فعل الخيرات، فإن قلتَ: لمَ تقضى سنة الفجر؟ قلتُ: لتأكُّد سُنِّيتها - كما سبق -.
(٣١) مسألة: وقت السنة الراتبة التي قبل صلاة الفجر والظهر: يبدأ من دخول وقتهما، وينتهي بالفراغ من الصلاتين، فلو فُعِلت تلك السنة بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة الظهر: لكانت قضاء، ويبدأ وقت السنة الراتبة التي بعد صلاة الظهر، والتي بعد المغرب، والتي بعد العشاء: من حين الفراغ من صلاة الفرض، وينتهي بخروج وقت تلك الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ربط تلك السنن الرواتب بالفرائض: تعلُّقها بوقتها دخولًا وخروجًا.
(٣٢) مسألة: السنن غير الرواتب: عشرون ركعة وهي: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها: حرَّمه الله على النار" ثانيها: قوله ﷺ : "رحم الله امرءًا صلى أربعًا قبل العصر" ثالثها: قوله ﷺ : "من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلَّم فيما بينهن بسوء: عُدِلْنَ له بعبادة ثنتي عشرة سنة" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: كان رسول الله يصلي بأربع، أو بست ركعات بعد العشاء؛ فإن قلتَ: ما الفرق بين هذه السنن والسنن الرواتب؟ قلتُ: السنن الرواتب يُحافظ عليها مع الفرائض؛ ليُكمل بها ما نقص منها، بخلاف غير الرواتب فيُستحب المحافظة عليها، لكن بصورة أخف من المحافظة على السنن الرواتب، وكل فيه خيرا الدنيا والآخرة.
стр. 559
وتُباح ركعتان بعد أذان المغرب (٣٣)
فصل: (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار)؛ لقوله ﷺ : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل" رواه مسلم عن أبي هريرة، فالتطوع المطلق أفضله: صلاة الليل؛ لأنَّه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص (٣٤) (وأفضلها) أي: الصلاة (ثلث الليل بعد نصفه مطلقًا)؛ لما في "الصحيح" مرفوعًا: "أفضل الصلاة صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، (٣٥) ويُسنُّ قيام
(٣٣) مسألة: يُباح أن يُصلَّى بعد أذان المغرب وقبل إقامتها ركعتين نفلًا، ويتحصَّل على الأجر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلوا ركعتين قبل المغرب" وكرَّرها، ثم قال في الثالثة: "لمن شاء"، فإن قلتَ: لمَ قال: "لمن شاء" أن مع المصلي يتحصَّل على أجر ذلك؟ قلتُ: خشية أن يتخذها الناس سنة راتبة، وهي ليست كذلك كما قال ذلك ابن القيم، فإن قلتَ: لمَ قال المصنف: "ويباح ركعتان" مع أنه يتحصَّل على أجرهما؟ قلتُ ردًا على من قال: إن السنة بعد أذان المغرب مكروهة.
(٣٤) مسألة: أفضل وقت لصلاة التطوع المطلق هو الليل؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أفضل الصلاة بعد المكتوبة: صلاة الليل" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل في الخشوع والتذلل والخضوع والتفكُّر، وهو أكمل في إسرارها والإخلاص بها الله، وأبعد عن الرياء والسمعة، وهذا لا شكَّ أنه يزيد في الأجر.
(٣٥) مسألة: أفضل وقت من الليل لصلاة التطوع هو: الثلث الأوسط من النصف الثاني من اللَّيل، أي: يُقسِّم الليل إلى نصفين: فينام في النصف الأول منه، ثم يُقسِّم النصف الثاني إلى ثلاثة أقسام: فينام في الثلث الأول منه، ويقوم في الثلث الثاني، وهو الأوسط، وينام في الثلث الأخير إلى صلاة الفجر فمثلًا لو=
стр. 560
الليل، (٣٦) وافتتاحه بركعتين خفيفتين، (٣٧) ووقته من الغروب إلى طلوع الفجر،
كان يؤذن للمغرب الساعة السادسة، وتطلع الشمس في الساعة السادسة: فإن الليل يكون اثنتي عشرة ساعة، فينام ست ساعات نصفها، ثم يقسِّم الست الباقية إلى ثلاثة أجزاء، كل جزء تكون مدته ساعتين، فينام ساعتين، ويصلي ساعتين، ثم ينام ساعتين إلى أذان الفجر، وهذا الأخير يُعتبر سدس الليل؛ للسنة القولية؛ حيث بيَّن ﷺ أن ذلك أفضل الصلاة، وهي صلاة داود ﵇، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يأتي بعد أخذ قسط كبير من الراحة، وفي وقت من أوقات الاستجابة كما قال ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له"، ونومه في السدس الأخير من الليل يُكسبه قوة لصلاة الفجر، ولعمله فيما بعدها.
(٣٦) مسألة: قيام الليل سنة مؤكَّدة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على قيامه، وقد حثَّ الشارع على قيامه بنصوص كثيرة، فإن قلتَ: لمَ شرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد سبقت.
(٣٧) مسألة: يُستحب أن يبدأ قيام الليل بركعتين خفيفتين، وأن يتسوَّك قبلهما، وأن يُكبِّر الله، ويحمده، ويُسبِّحه، ويُهلِّل، ويستغفره، وأن يدعو بالهداية والرزق والعافية ويتعوذ من شياطين الإنس والجن، ومن ضيق يوم القيامة، وأن يقرأ القرآن بجهر، أو سر على حسب الحال؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يبدأ صلاة الليل بركعتين خفيفتين، ويتسوَّك قبلهما، ويُكبر الله ويدعو، ويقرأ القرآن "ورُبَّما أسر ورُبَّما جهر" - كما روت عائشة - فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعرُّض لنفحات الله تعالى، وفيه تهيئة وإعداد لصلاة التهجُّد.
стр. 561
ولا يقومه كله إلا ليلة عيد، ويتوجَّه وليلة النصف من شعبان (٣٨) (وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى)؛ لقوله ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي، و"مثنى مثنى" معدول عن اثنين اثنين، ومعناه: معنى المكرَّر،
(٣٨) مسألة: وقت صلاة الليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، فلو صلى بعد المغرب ناويًا أنها صلاة ليل: صحَّ منه ذلك، لكن الأفضل: هو الثلث الأوسط من النصف الثاني من الليل - كما سبق في مسألة (٣٥) -، ويُكره قيام الليل كله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ قام ليلة حتى الصباح" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تسمية ذلك صلاة ليل: أن يصلي في أي وقت من دخول الليل وهو: من غروب الشمس حتى طلوع الفجر؛ لصدق اسم الليل عليه، فإن قلتَ: لمَ كان وقت الليل كله يصح أن تصلى فيه صلاة الليل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، ومراعاة أحوالهم، فإن قلتَ: لمَ كره قيامه كله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن نوم الليل لا يُعوض عنه أيُّ نوم آخر، فلو سهر الليل كله لتضررت صحته، وتعطَّلت مصالحه، وأصبح عالة على المجتمع، فإن قلتَ: لا يكره قيام ليلة العيد كلها، وليلة النصف من شعبان - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عمر ﵃ يُحيي ليلة العيد، وتقاس ليلة النصف من شعبان عليها قلتُ: لا حجة في فعل ابن عمر؛ لأنَّه معارض للسنة الفعلية التي ذكرتها عائشة، وإذا بطل: بطل ما قيس عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض فعل الصحابي مع السنة الفعلية" فعندنا: يعمل بالسنة الفعلية، وهي هنا: من باب التروك، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي؛ لكون الترك ليس بفعل عندهم.
стр. 562
وتكريره لتوكيد اللفظ لا للمعنى، (٣٩) وكثرة ركوع وسجود أفضل من طول قيام فيما لم يرد تطويله (٤٠) (وإن تطوع في النهار بأربع) بتشهدين (كالظهر: فلا بأس) لما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي أيوب: "أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم" وإن لم يجلس إلا في آخرهن: فقد ترك الأولى، ويقرأ في كل ركعة مع الفاتحة سورة، وإن زاد على اثنتين ليلًا، أو أربع نهارًا، ولو جاوز ثمانيًا نهارًا بسلام واحد: صحَّ، وكُرِه في غير الوتر، ويصح التطوع بركعة ونحوها (٤١)
(٣٩) مسألة: يُستحب عند صلاة التطوع في ليل أو نهار: أن يصليها مثنى مثنى بأن يصلي ركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يُصلِّي ركعتين ثم يُسلِّم، وهكذا للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" وصلاة النهار مثل صلاة الليل؛ لعدم الفارق، بجامع: أنه في كل منهما صلاة تطوع، ويراد منها التخفيف من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ قال "مثنى مثنى" ولم يقل: اثنتين اثنتين؟ قلتُ: للتخفيف وتيسير النطق بذلك، فإن قلتَ: لمَ كرَّر ذكر "مثنى"؟ قلتُ: لتأكيد اللفظ والمعنى معروف، تنبيه: الحديث ذكره المصنف بزيادة لفظ "والنهار" وهذه الزيادة لم ترد عند أئمة الحديث.
(٤٠) مسألة: كثرة الركوع والسجود في صلاة التطوع أفضل من طول القيام أو الركوع أو السجود - إذا لم يرد من الشارع مشروعية تطويله -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من عبدٍ يسجد سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة"، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك أفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير الحسنات، وتقليل السيئات، ورفع الدرجات كما ورد.
(٤١) مسألة: يُباح التطوع بركعة واحدة فقط، ويُباح التطوع بأربع ركعات: سواء بتشهدين كالظهر أو بتشهد واحد، ويُباح الزيادة على ذلك في ليل أو نهار، بسلام واحد أو بسلامين، ويقرأ في كل ركعة بالفاتحة وما تيسَّر من القرآن بعدها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" وهذا لا يدل على كراهية الزيادة، وإنما هو يُبين الأفضل، وصلاة النهار=
стр. 563
(وأجر صلاة قاعد) بلا عذر (على نصف صلاة قائم)؛ لقوله ﷺ : "من صلى قائمًا فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر صلاة القائم" متفق عليه، (٤٢) ويُسنُّ تربُّعه بمحل قيام، وثني رجليه بركوعُ وسجود (٤٣) (وتُسنُّ صلاة الضحى)؛ لقول
كصلاة الليل؛ لعدم الفارق في هذا من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصلي قبل الظهر أربعًا بسلام واحد، وكان يصلي خمسًا وسبعًا وتسعًا بسلام واحد، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵁ قد صلى ركعة وقال: "هو تطوع" فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه توسعة على الناس، ومراعاة أحوالهم، تنبيه: قوله: "وكُره في غير الوتر" قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهية.
(٤٢) مسألة: يصح أن يصلي المسلم صلاة التطوع وهو قاعد مع قدرته على القيام ويكون أجره على النصف من أجر القائم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر صلاة القائم" ويلزم من لفظ "أفضل" أن تحمل الصلاة في الحديث على صلاة التطوع؛ لأن "القيام" ركن في صلاة الفرض للقادر عليه لا تصح صلاته إلا به - كما سبق - فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك قدرته على القيام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على فعل الخيرات بأدنى مشقة، وهذا فيه إرشاد المسلم بأن يُشغل نفسه بفعل الطاعات لئلا تشغله بفعل المعاصي. [فرع]: إذا كانت عادته أن يصلي قائمًا، فعرض عليه عارض جعله يصلي قاعدًا: فإن له أجر المصلي قائمًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حثٌّ على المداومة على فعل الطاعات.
(٤٣) مسألة: طريقة المصلي قاعدًا المستحبَّة هي: أن يكون في حال القيام مُتربِّعًا - بأن يجعل باطن قدمه الأيمن تحت فخذه الأيسر، وباطن قدمه الأيسر تحت =
стр. 564
أبي هريرة ﵁: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ : بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" رواه أحمد ومسلم، وتُصلَّى في بعض الأيام دون بعض؛ لأنَّه ﷺ لم يكن يداوم عليها (٤٤) (وأقلَّها ركعتان): لحديث أبي هريرة ﵁ (وأكثرها: ثمان) لما روت أمُّ هانئ: "أن النبي ﷺ عام الفتح صلى ثمان ركعات، سبحة الضحى" رواه الجماعة (٤٥) (ووقتها: من خروج وقت النهي) أي:
فخذه الأيمن ويسترخي - ويجعل كفَّيه على ركبتيه، وأن يُفرِّق بين أصابع كل يد كهيئته وهو راكع، ويُثني رجليه في حال الركوع والسجود، وهو ردّ الركب إلى القبلة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر وابن عباس ﵃ قد فعلا ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرِعت هذه الطريقة؟ قلتُ: ليكون أقرب إلى هيئة القيام والركوع والسجود. [فرع]: يصح أن يصلي المسلم صلاة التطوع وهو مضطجع، وإن كان قادرًا على القيام والقعود، ويكون أجره على النصف من أجر المصلي وهو قاعد؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة التطوع من القاعد وهو قادر على القيام، وله نصف أجره فكذلك تصح صلاة التطوع من المضطجع وهو قادر على القعود، والجامع: الحث على فعل الطاعات، والإكثار من العبادات في كل، وهو المقصد الشرعي منه.
(٤٤) مسألة: يُستحب أن يُصلي صلاة الضحى في بعض الأيام دون بعض؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أوصى بها أبا هريرة ﵁، والثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان لا يُداوم عليها، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إنها سبب في غفران الذنوب، قال ﷺ : "من حافظ على شفعة الضحى: غفرت له ذنوبه" وقد أطال القرطبي في ذكر ما ورد في ذلك في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٧) و (١٢/ ١٩٢)، وشرع عدم المداومة عليها: لئلا تشبه الفرائض.
(٤٥) مسألة: أقل صلاة الضحى: ركعتان، وأكثرها: ثمان ركعات؛ لقاعدتين: الأولى السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أوصى أبا هريرة بأن يصلي ركعتين في:=
стр. 565
من ارتفاع الشمس قدر رمح (إلى قبيل الزوال) أي: إلى دخول وقت النهي بقيام الشمس، (٤٦) وأفضله: إذا اشتد الحر (٤٧) (وسجود التلاوة) والشكر: (صلاة)؛ لأنَّه
الضحى، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى ثمان ركعات عام الفتح في مكة - كما روته أم هانئ - فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من صلى ركعتين في الضحى جعله الله من الأوابين - وهم التائبون المغفور لهم - مع ما فيهما من قلة المشقة، وكذلك يكفيان عن الصدقة عن جميع عظام البدن - وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا - وشرع أكثره ثمان: ليكمل الأجر والغفران، وقد بسط النووي الكلام في هذا في "المجموع" (٤/ ٣٥)، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بسبحة الضحى؟ قلتُ: لكثرة تسبيحه فيها من باب تسمية الكل بالجزء.
(٤٦) مسألة: وقت صلاة الضحى يبدأ من بعد خروج الشمس بربع ساعة تقريبًا - وهو: وقت ارتفاع الشمس مقدار رمح - وينتهي قبل دخول وقت صلاة الظهر بربع ساعة تقريبًا - أي: قبل زوال الشمس -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعمرو بن عَبَسَة: "صلِّ صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة؛ حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة؛ فإنه حينئذٍ تُسجر جهنَّم، فإذا أقبل الفيء: فصلِّ" حيث حدَّد هنا بداية ونهاية صلاة الضحى من قوله: "حتى ترتفع" إلى قوله: "ثم صلِّ؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة" فإن قلتَ: لمَ كان هذا وقت الضحى؟ قلتُ: لمناسبته لهذه الصلاة؛ لوقوعه بين وقتين منهي عن الصلاة فيهما وهما: "وقت طلوع الشمس" و "وقت زوالها".
(٤٧) مسألة: أفضل وقت لصلاة الضحى هو: وقت اشتداد حر الشمس في الصيف؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الأوابين: حين ترمض الفِصَال" أي: حين لا تقوى الفصال على المشي على خفافها من شدة حرارة الأرض - =
следующие страницы →