Полный текст (3 194 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ولا يقومه كله إلا ليلة عيد، ويتوجَّه وليلة النصف من شعبان (٣٨) (وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى)؛ لقوله ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي، و"مثنى مثنى" معدول عن اثنين اثنين، ومعناه: معنى المكرَّر،
(٣٨) مسألة: وقت صلاة الليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، فلو صلى بعد المغرب ناويًا أنها صلاة ليل: صحَّ منه ذلك، لكن الأفضل: هو الثلث الأوسط من النصف الثاني من الليل - كما سبق في مسألة (٣٥) -، ويُكره قيام الليل كله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ قام ليلة حتى الصباح" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تسمية ذلك صلاة ليل: أن يصلي في أي وقت من دخول الليل وهو: من غروب الشمس حتى طلوع الفجر؛ لصدق اسم الليل عليه، فإن قلتَ: لمَ كان وقت الليل كله يصح أن تصلى فيه صلاة الليل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، ومراعاة أحوالهم، فإن قلتَ: لمَ كره قيامه كله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن نوم الليل لا يُعوض عنه أيُّ نوم آخر، فلو سهر الليل كله لتضررت صحته، وتعطَّلت مصالحه، وأصبح عالة على المجتمع، فإن قلتَ: لا يكره قيام ليلة العيد كلها، وليلة النصف من شعبان - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عمر ﵃ يُحيي ليلة العيد، وتقاس ليلة النصف من شعبان عليها قلتُ: لا حجة في فعل ابن عمر؛ لأنَّه معارض للسنة الفعلية التي ذكرتها عائشة، وإذا بطل: بطل ما قيس عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض فعل الصحابي مع السنة الفعلية" فعندنا: يعمل بالسنة الفعلية، وهي هنا: من باب التروك، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي؛ لكون الترك ليس بفعل عندهم.
стр. 562
وتكريره لتوكيد اللفظ لا للمعنى، (٣٩) وكثرة ركوع وسجود أفضل من طول قيام فيما لم يرد تطويله (٤٠) (وإن تطوع في النهار بأربع) بتشهدين (كالظهر: فلا بأس) لما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي أيوب: "أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم" وإن لم يجلس إلا في آخرهن: فقد ترك الأولى، ويقرأ في كل ركعة مع الفاتحة سورة، وإن زاد على اثنتين ليلًا، أو أربع نهارًا، ولو جاوز ثمانيًا نهارًا بسلام واحد: صحَّ، وكُرِه في غير الوتر، ويصح التطوع بركعة ونحوها (٤١)
(٣٩) مسألة: يُستحب عند صلاة التطوع في ليل أو نهار: أن يصليها مثنى مثنى بأن يصلي ركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يُصلِّي ركعتين ثم يُسلِّم، وهكذا للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" وصلاة النهار مثل صلاة الليل؛ لعدم الفارق، بجامع: أنه في كل منهما صلاة تطوع، ويراد منها التخفيف من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ قال "مثنى مثنى" ولم يقل: اثنتين اثنتين؟ قلتُ: للتخفيف وتيسير النطق بذلك، فإن قلتَ: لمَ كرَّر ذكر "مثنى"؟ قلتُ: لتأكيد اللفظ والمعنى معروف، تنبيه: الحديث ذكره المصنف بزيادة لفظ "والنهار" وهذه الزيادة لم ترد عند أئمة الحديث.
(٤٠) مسألة: كثرة الركوع والسجود في صلاة التطوع أفضل من طول القيام أو الركوع أو السجود - إذا لم يرد من الشارع مشروعية تطويله -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من عبدٍ يسجد سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة"، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك أفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير الحسنات، وتقليل السيئات، ورفع الدرجات كما ورد.
(٤١) مسألة: يُباح التطوع بركعة واحدة فقط، ويُباح التطوع بأربع ركعات: سواء بتشهدين كالظهر أو بتشهد واحد، ويُباح الزيادة على ذلك في ليل أو نهار، بسلام واحد أو بسلامين، ويقرأ في كل ركعة بالفاتحة وما تيسَّر من القرآن بعدها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" وهذا لا يدل على كراهية الزيادة، وإنما هو يُبين الأفضل، وصلاة النهار=
стр. 563
(وأجر صلاة قاعد) بلا عذر (على نصف صلاة قائم)؛ لقوله ﷺ : "من صلى قائمًا فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر صلاة القائم" متفق عليه، (٤٢) ويُسنُّ تربُّعه بمحل قيام، وثني رجليه بركوعُ وسجود (٤٣) (وتُسنُّ صلاة الضحى)؛ لقول
كصلاة الليل؛ لعدم الفارق في هذا من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصلي قبل الظهر أربعًا بسلام واحد، وكان يصلي خمسًا وسبعًا وتسعًا بسلام واحد، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵁ قد صلى ركعة وقال: "هو تطوع" فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه توسعة على الناس، ومراعاة أحوالهم، تنبيه: قوله: "وكُره في غير الوتر" قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهية.
(٤٢) مسألة: يصح أن يصلي المسلم صلاة التطوع وهو قاعد مع قدرته على القيام ويكون أجره على النصف من أجر القائم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر صلاة القائم" ويلزم من لفظ "أفضل" أن تحمل الصلاة في الحديث على صلاة التطوع؛ لأن "القيام" ركن في صلاة الفرض للقادر عليه لا تصح صلاته إلا به - كما سبق - فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك قدرته على القيام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على فعل الخيرات بأدنى مشقة، وهذا فيه إرشاد المسلم بأن يُشغل نفسه بفعل الطاعات لئلا تشغله بفعل المعاصي. [فرع]: إذا كانت عادته أن يصلي قائمًا، فعرض عليه عارض جعله يصلي قاعدًا: فإن له أجر المصلي قائمًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حثٌّ على المداومة على فعل الطاعات.
(٤٣) مسألة: طريقة المصلي قاعدًا المستحبَّة هي: أن يكون في حال القيام مُتربِّعًا - بأن يجعل باطن قدمه الأيمن تحت فخذه الأيسر، وباطن قدمه الأيسر تحت =
стр. 564
أبي هريرة ﵁: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ : بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" رواه أحمد ومسلم، وتُصلَّى في بعض الأيام دون بعض؛ لأنَّه ﷺ لم يكن يداوم عليها (٤٤) (وأقلَّها ركعتان): لحديث أبي هريرة ﵁ (وأكثرها: ثمان) لما روت أمُّ هانئ: "أن النبي ﷺ عام الفتح صلى ثمان ركعات، سبحة الضحى" رواه الجماعة (٤٥) (ووقتها: من خروج وقت النهي) أي:
فخذه الأيمن ويسترخي - ويجعل كفَّيه على ركبتيه، وأن يُفرِّق بين أصابع كل يد كهيئته وهو راكع، ويُثني رجليه في حال الركوع والسجود، وهو ردّ الركب إلى القبلة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر وابن عباس ﵃ قد فعلا ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرِعت هذه الطريقة؟ قلتُ: ليكون أقرب إلى هيئة القيام والركوع والسجود. [فرع]: يصح أن يصلي المسلم صلاة التطوع وهو مضطجع، وإن كان قادرًا على القيام والقعود، ويكون أجره على النصف من أجر المصلي وهو قاعد؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة التطوع من القاعد وهو قادر على القيام، وله نصف أجره فكذلك تصح صلاة التطوع من المضطجع وهو قادر على القعود، والجامع: الحث على فعل الطاعات، والإكثار من العبادات في كل، وهو المقصد الشرعي منه.
(٤٤) مسألة: يُستحب أن يُصلي صلاة الضحى في بعض الأيام دون بعض؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أوصى بها أبا هريرة ﵁، والثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان لا يُداوم عليها، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إنها سبب في غفران الذنوب، قال ﷺ : "من حافظ على شفعة الضحى: غفرت له ذنوبه" وقد أطال القرطبي في ذكر ما ورد في ذلك في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٧) و (١٢/ ١٩٢)، وشرع عدم المداومة عليها: لئلا تشبه الفرائض.
(٤٥) مسألة: أقل صلاة الضحى: ركعتان، وأكثرها: ثمان ركعات؛ لقاعدتين: الأولى السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أوصى أبا هريرة بأن يصلي ركعتين في:=
стр. 565
من ارتفاع الشمس قدر رمح (إلى قبيل الزوال) أي: إلى دخول وقت النهي بقيام الشمس، (٤٦) وأفضله: إذا اشتد الحر (٤٧) (وسجود التلاوة) والشكر: (صلاة)؛ لأنَّه
الضحى، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى ثمان ركعات عام الفتح في مكة - كما روته أم هانئ - فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من صلى ركعتين في الضحى جعله الله من الأوابين - وهم التائبون المغفور لهم - مع ما فيهما من قلة المشقة، وكذلك يكفيان عن الصدقة عن جميع عظام البدن - وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا - وشرع أكثره ثمان: ليكمل الأجر والغفران، وقد بسط النووي الكلام في هذا في "المجموع" (٤/ ٣٥)، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بسبحة الضحى؟ قلتُ: لكثرة تسبيحه فيها من باب تسمية الكل بالجزء.
(٤٦) مسألة: وقت صلاة الضحى يبدأ من بعد خروج الشمس بربع ساعة تقريبًا - وهو: وقت ارتفاع الشمس مقدار رمح - وينتهي قبل دخول وقت صلاة الظهر بربع ساعة تقريبًا - أي: قبل زوال الشمس -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعمرو بن عَبَسَة: "صلِّ صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة؛ حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة؛ فإنه حينئذٍ تُسجر جهنَّم، فإذا أقبل الفيء: فصلِّ" حيث حدَّد هنا بداية ونهاية صلاة الضحى من قوله: "حتى ترتفع" إلى قوله: "ثم صلِّ؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة" فإن قلتَ: لمَ كان هذا وقت الضحى؟ قلتُ: لمناسبته لهذه الصلاة؛ لوقوعه بين وقتين منهي عن الصلاة فيهما وهما: "وقت طلوع الشمس" و "وقت زوالها".
(٤٧) مسألة: أفضل وقت لصلاة الضحى هو: وقت اشتداد حر الشمس في الصيف؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الأوابين: حين ترمض الفِصَال" أي: حين لا تقوى الفصال على المشي على خفافها من شدة حرارة الأرض - =
стр. 566
سجود يُقصد به التقرب إلى الله تعالى: له تحريم وتحليل فكان كسجود الصلاة، فيُشترط له ما يُشترط لصلاة النافلة: من ستر العورة واستقبال القبلة والنية وغير ذلك (٤٨) (ويُسنُّ) سجود التلاوة (للقارئ والمستمع): لقول ابن عمر ﵃ "كان النبي يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه،
والفصال: هي: صغار الإبل - فإن قلتَ: لمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: لكثرة المشقة، وكلَّما زادت المشقة والعبادة كُلَّما زاد الأجر.
(٤٨) مسألة: سجود التلاوة، وسجود الشكر: يعتبران صلاة تطوع، وبناء عليه: يُشترط لهما ما يُشترط لكل صلاة: من طهارة، وستر عورة، واستقبال القبلة والنية؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن السجود في الصلاة يُعتبر صلاة، فكذلك سجود التلاوة والشكر مثله، والجامع: وجود التكبير والتسبيح والذكر والدعاء، والتحريم والتسليم، والقصد به وجه الله في كل، ثانيهما: كما أن سجود السهو الذي بعد السلام يُعتبر صلاة يُشترط له ما يُشترط للصلاة، فكذلك سجود التلاوة والشكر مثله، والجامع: أن كلًّا منهما سجود منفرد يقصد منه التقرُّب إلى الله وله تحريم وتحليل وتكبير، فإن قلتَ: إن سجود التلاوة والشكر لا يُعتبر صلاة؛ وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود التكبير والتسليم فيهما: عدم اعتبارهما صلاة؛ لأن التكبير والتسليم من علامات الصلاة، قلتُ: بل يوجد في سجود التلاوة والشكر تكبير وتسليم، وقد سبق بيان الدليل على ذلك من القياس. وأصله: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا أراد أن يسجد سجدة تلاوة كبَّر وسجد - كما رواه ابن عمر ﵁ فبطل التلازم الذي ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في سجود التلاوة والشكر هل لهما تكبير وتسليم أو لا؟ " فعندنا: لهما ذلك وبناء عليه: كانا صلاة، وعندهم: لا يُشرع لهما ذلك وبناء عليه: لا يعتبران صلاة.
стр. 567
حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته" متفق عليه، وقال عمر ﵁: "إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء" رواه البخاري، (٤٩) ويسجد في طواف مع قصر فصلٍ، (٥٠) ويتيمَّم محدث بشرطه، ويسجد مع
(٤٩) مسألة: سجود التلاوة مستحب لقارئ آية السجدة، ولمستمعها: لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث كان ﷺ إذا قرأ آية السجدة: سجد، وسجد من استمع لها، ولم يُنكر على من سجد تبعًا لسجوده، وهذا يدل على استحبابه؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن عمر ﵁ قرأ في خطبة الجمعة سورة النحل حتى وصل إلى آية السجدة وقال: "أيها الناس إنما نمُّر بالسجود: فمن سجد: فقد أصاب؛ ومن لم يسجد: فلا إثم عليه" ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة المستمعين لذلك فكان إجماعًا منهم على ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك للقارئ والمستمع؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن هذا السجود فيه كمال العبودية لله تعالى، وهذا يشترك فيه القارئ والمستمع؛ حيث إن فيه تذلَّل وخضوع لعظمته سبحانه وقد أطال ابن القيم في ذلك في "أعلام الموقعين" (٢/ ٤٤٤)، فإن قلتَ: إن سجود التلاوة واجب على القارئ والمستمع، وهو قول أكثر الحنفية كما ذكر الكاساني في "البدائع" (١/ ١٨٠)؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ وهو ذمٌ لهم، ولا يُذم إلا على ترك واجب قلتُ: إنما دَّمهم لترك السجود؛ لكونهم غير معتقدين مشروعيته كما قال النووي في "المجموع" (٢/ ٦٢) فلا يصح ما قالوه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في سبب الذم في الآية": فعندهم الذم لتركهم سجود التلاوة، وعندنا: الذم لتركهم العقيدة.
(٥٠) مسألة: إذا كان يقرأ آية سجدة وهو يطوف بالكعبة فيُستحب أن يسجد للتلاوة بشرط: عدم إطالة فصل زمني بين القراءة والسجود، أما إذا أطال الفصل: فلا=
стр. 568
قصره، (٥١) وإذا نسي سجدة: لم يُعِد الآية؛ لأجله، ولا يسجد لهذا السهو، (٥٢) ويُكرّر السجود بتكرار التلاوة كركعتي الطواف، قال في "الفروع": وكذا: "يتوجَّه في تحية المسجد إن تكرر دخوله" أ. هـ، ومراده: غير قيِّم المسجد (٥٣) (دون السامع)
يُشرع السجود؛ للتلازم؛ حيث إن محلَّ سجود التلاوة بعد تلاوة آية السجدة مباشرة: فيُستحب السجود لها ولو كان مشتغلًا بشيء لا يمنع السجود كالطواف، ويلزم من طول الفصل: عدم السجود؛ لفوات محلِّه فإن قلتَ: لمَ استُحبَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين أجر الطواف وأجر السجدة.
(٥١) مسألة: إذا قرأ آية سجدة وهو محدث حدثًا أصغر ولم يستطع التطهر بالماء - لعدم أو بُعد، أو ضرر -: فإنه يُستحب أن يتيمَّم ويسجد للتلاوة بشرط عدم إطالته فصل زمني بين القراءة والسجود؛ للتلازم، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٠).
(٥٢) مسألة: إذا نسي سجود التلاوة - لما مرَّ بآية سجدة -: فلا يُشرع إعادة قراءتها لأجل أن يسجد للتلاوة، وإذا تذكَّر فيما بعد: فلا يسجد للسهو لأجل ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن محلَّ سجود التلاوة يكون بعد قراءتها مباشرة فيلزم من نسيانه لها: أن لا يُعيد قراءتها لأجل السجود؛ لفوات محلَّها، ويلزم من سقوطها هنا: عدم سجود السهو لأجلها؛ لأن الفرع - وهو سجود السهو - يسقط بسقوط الأصل وهو سجود التلاوة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه توسعة على المسلمين.
(٥٣) مسألة: إذا كرَّر قراءة آية فيها سجدة بدون حاجة، أو كرَّر دخول مسجد بدون حاجة: فإنه يُستحب أن يُكرر سجود التلاوة، ويُكرر تحية المسجد، أما إن كرَّر قراءة آية سجدة الحاجة كأن يُريد تدبُّرها، أو حفظها، أو تعليمها لغيره فلا يُشرع سجود التلاوة، أو كرَّر دخول المسجد الحاجة كالقائم بكنسه وتنظيفه، وإنارة المصابيح: فأنه لا يشرع إعادة تحية المسجد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن سنة الطواف يُكررها إذا كرَّر الطواف، فكذلك الحال في تكرار=
стр. 569
الذي لم يقصد الاستماع؛ لما روي أن عثمان ﵁ مرَّ بقارئ يقرأ سجدة ليسجد معه عثمان فلم يسجد وقال: "إنما السجدة على من استمع" ولأنه لا يُشارك القارئ في الأجر فلم يُشاركه في السجود (٥٤) (وإن لم يسجد القارئ) أو كان لا يصلح إمامًا للمستمع: (لم يسجد)؛ لأنَّه ﷺ أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنك كنتَ إمامنا لو سجدتَ: سجدنا" رواه الشافعي في "مسنده" مرسلًا، (٥٥) ولا يسجد
قراءة آية السجدة، وتكرار دخول المسجد لغير حاجة، والجامع: أن كلًّا منها أسباب المسببات، فإذا وجد السبب وُجِد المسبَّب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تكرار السجود عند تكرار قراءة الآية، أو تكرار تحية المسجد عند تكرار دخول المسجد للحاجة فيه مضرة على المكرِّر لحاجته، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(٥٤) مسألة: إذا سمع شخص آية سجدة من شخص آخر صدفة ولم يقصد سماعها: فلا يُستحب لهذا السامع أن يسجد؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عثمان: "إنما السجدة على من استمع"، وثبت هذا عن ابن مسعود وابن عباس ﵁ فإن قلتَ: لمَ تُستحب السجدة للمستمع، دون السامع؟ قلتُ: لأن المستمع قصد الاستماع للقراءة وأنصت لها إنصات المهتم المستفيد، التارك لكل شيء لأجل الاستماع، أما السامع: فلم يقصد الاستماع، بل سمع ذلك صدفة، فلذلك لا يُشارك القارئ في الأجر والفضل، لذلك منع من مشاركته في السجود؛ لعدم حصول المقصود منها.
(٥٥) مسألة: إذا مرَّ القارئ بآية سجدة، ولم يسجد لها، أو كان القارئ لا يصلح أن يكون إمامًا للمستمع -كأن تكون القارئة أنثى أو خنثى-: فإن المستمع لا يسجد؛ للسنة التقريرية؛ حيث قال زيد بن ثابت: "قرأت على النبي ﷺ سورة النجم فلم يسجد منا أحد" ولم يُنكر النبي ﷺ ، الثانية: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن عمر لما لم يسجد للتلاوة: لم يسجد بقية الصحابة، ولم يُنكر=
стр. 570
المستمع قدَّام القارئ ولا عن يساره مع خلو يمينه (٥٦)، ولا رجل لتلاوة امرأة، (٥٧) ويسجد لتلاوة أُمّي وصبي (٥٨) (وهو) أي: سجود التلاوة (أربع عشرة سجدة) في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، و (في الحج منها: اثنتان) والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وحمِّ السجدة، والنجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك، وسجدة "ص" سجدة شكر، (٥٩) ولا يُجزئ ركوع ولا سجود الصلاة
أحد منهم ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن المستمع تابع للقارئ، فلا يسجد المستمع بدون سجود القارئ كما لو كانا في صلاة - ذكره ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٣٦٨)، تنبيه: استدلال المصنف بما رواه عن الشافعي مرسلًا: لا يصح؛ لأن هذا لم يثبت عنه ﷺ كما قال أكثر أئمة الحديث.
(٥٦) مسألة: يسجد المستمع لتلاوة آية سجدة خلف القارئ، أو عن يمينه، ولا يُشرع ولا يُستحب له أن يسجد أمامه أو عن يساره إذا كان الخلف أو اليمين خاليين؛ للقياس، بيانه: كما أن المأموم يقف خلف الإمام أو عن يمينه، ولا يقف أمامه ولا عن يساره فكذلك الحال هنا، والجامع، أن كلًّا منهما صلاة.
(٥٧) مسألة: لا يسجد الرَّجل المستمع لتلاوة المرأة أو الخنثى لآية سجدة؛ للقياس بيانه: كما لا يجوز أن يصلي الرجل خلف امرأة أو خنثى فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما صلاة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في مسألة (٥٥).
(٥٨) مسألة: يسجد الرجل المستمع لتلاوة أُمِّي وصبي لآية سجدة؛ للقياس، بيانه: كما تجوز صلاته خلف الأمي والصبي، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما صلاة.
(٥٩) مسألة: عدد سجدات التلاوة في القرآن: أربع عشرة سجدة وهي: الآية الأخيرة من الأعراف، والآية "١٥" من الرعد، والآية "٥٠" من النحل، والآية "١٠٩" من الإسراء، والآية "٥٨" من مريم، والآية "١٨" من الحج، وكذا الآية "٧٧" منها، والآية "٦٠" من الفرقان، والآية "٢٦" من النمل، والآية=
стр. 571
عن سجدة التلاوة (٦٠) (و) إذا أراد السجود: فإنه (يكبِّر) تكبيرتين: تكبيرة (إذا سجد و) تكبيرة (إذا رفع) سواء كان في الصلاة أو خارجها (ويجلس) إن لم يكن في الصلاة (ويُسلِّم) وجوبًا، وتجزئ واحدة (ولا يتشهَّد) كصلاة الجنازة، ويرفع يديه إذا سجد ندبًا ولو في صلاة، (٦١)
"١٥" من السجدة، والآية "٣٨" من فُصِّلت، والآية الأخيرة من النجم، والآية "٢١" من الانشقاق، والآية الأخيرة من العَلقَ؛ للسنة القولية والفعلية الثابتة في حديث عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر ﵃ وهما مشهوران، فإن قلتَ: إن الآية "٣٨" من "ص" من السجدات؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد سجد فيها، وهو قول كثير من الصحابة والعلماء قلتُ: إن هذه سجدة شكر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في سجدة "ص": "سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا"، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس ﵁: ليست "ص" من عزائم السجود، فإن قلتَ: لمَ كانت أربع عشرة؟ قلتُ: لوجود ما يُسبِّب ذلك في تلك الآيات الأربعة عشرة من تخويف، ورعب، وشكر الله ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية وقول الصحابي مع الفعلية" فعندنا: يُعمل بالقولية مؤيدة بقول الصحابي، وعندهم: يعمل بالفعلية؛ لأنها أتت بشيء زائد، ولا تخالف ما سبق.
(٦٠) مسألة: لا يُجزئ عن سجود التلاوة ركوع، ولا سجود الصلاة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يسجد سجودًا منفردًا عن غيره، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن كل شيء شرعه الله له سببه الخاص به، فلا يُجزيء شيء عن شيء آخر في العبادات.
(٦١) مسألة: طريقة سجود التلاوة هي: أنه إذا أكمل آية السجدة: فإنه يُكبِّر فيسجد كسجوده للصلاة في القول والفعل، وإذا رفع من سجوده: كبَّر، ثم يجلس قليلًا، ثم يسلِّم عن يمينه تسليمة واحدة إن كان خارج الصلاة، أما إن كان داخلها: فإنه - بعد إكمال سجود التلاوة - يُكمّل قراءته وصلاته؛=
стр. 572
وسجود عن قيام أفضل (٦٢) (ويُكره للإمام قراءة) آية (سجدة في صلاة سرِّ و) كره (سجوده) أي: سجود الإمام للتلاوة (فيها) أي: في صلاة سرية كالظهر؛ لأنَّه إذا قرأها إما أن يسجد لها أو لا، فإن لم يسجد لها: كان تاركًا للسنة، وإن سجد لها: أوجب الإبهام والتخليط على المأموم (٦٣) (ويلزم المأموم متابعته في غيرها) أي: غير
للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، تنبيه: قوله: "كصلاة الجنازة" يقصد: أن سجود التلاوة كصلاة الجنازة في عدم التشهد، وإجزاء تسليمة واحدة. [فرع]: لا يرفع الساجد للتلاوة يديه عند سجوده ولا عند رفعه؛ للقياس بيانه: كما أن الساجد للسهو لا يرفع يديه فكذلك هذا مثله والجامع: أن كلًّا منهما سجود منفرد والسجود لا ترفع له الأيدي، فإن قلتَ: يُستحب أن يرفع يديه هنا - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
(٦٢) مسألة: إذا قرأ آية سجدة: فالأفضل أن يقوم ثم يسجد للتلاوة، وكذا: سجود شكر؛ للقياس، بيانه: كما أن صلاة النافلة من القائم أفضل من صلاته قاعدًا، فكذلك سجود القائم أفضل من سجود القاعد والجامع: كثرة العمل والتذلُّل والشكر من القائم في كل.
(٦٣) مسألة: يُكره للإمام أن يقرأ آيات فيها سجدة في الصلاة السرية - وهي: الظهر والعصر -، وإن قرأ بها في هاتين الصلاتين: فإنه يُكره أن يسجد؛ للمصلحة؛ حيث إنه إن قرأها ولم يسجد لها: فإنه حرم نفسه من ثواب السجود لها، وإن سجد لها فإنه يلتبس على المأموم الأمر، فلا يعلم المأموم سبب سجوده: فقد يعتقد أنه سجد لكونه نسي سجود أو ركوع، أو أنه سجد للتلاوة، وكل هذا مشغل له مما يتسبَّب في اضطراب نيته وصلاته، فكره هذا لمنع ذلك الضرَّر.
стр. 573
الصلاة السِّرِّية، ولو مع ما يمنع السماع كبُعد وطرش، ويُخيَّر في السرية (٦٤) (ويُستحب) في غير الصلاة (سجود الشكر عند تجدُّد النعم واندفاع النقم) مطلقًا؛ لما روى أبو بكر ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمرٌ يُسرُّ به: خرَّ ساجدًا" رواه أبو داود وغيره وصحَّحه الحاكم (٦٥) وتبطل به) أي:
(٦٤) مسألة: يجب على المأموم أن يُتابع إمامه في سجوده للتلاوة فيسجد معه إذا سجد: سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، وسواء كان يسمع القراءة أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : " … فإذا سجد فاسجدوا" فأوجب على المأمومين السجود عند سجود الإمام؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا عام فيشمل سجود الفرض وسجود السهو، والتلاوة، ويشمل الصلاة الجهرية والسرية، ويشمل من سمع القراءة ومن لم يسمعها، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق متابعة الإمام، وعدم الاختلاف عليه المنهي عنه بقوله ﷺ : "فلا تختلفوا عليه" وفي هذا توحيد المسلمين، تنبيه: قوله: "ويُخيَّر في السرية" هذا غير صحيح؛ لمخالفته لظاهر الحديث السابق والمصلحة.
(٦٥) مسألة: يُستحب أن يُسجد لله سجود شكر له - في غير صلاة - عند حدوث نعمة، أو اندفاع نقمة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ غير ساجدًا؛ شكرًا لله تعالى عندما يسمع بشيء يفرح له، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يزيد النعم حيث قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وهذا السجود وما فيه من تذلُّل يقمع النفس من فرحها الذي قد يؤدِّي إلى البطر والتكبُّر على الآخرين، فإن قلتَ: إن سجود الشكر مكروه، وهو رواية عن الإمام مالك كما نقله القرافي في الذخيرة (٢/ ٤١٦)؛ للاستقراء؛ حيث إنه ﷺ قد فُتحت له الفتوح، وأتي بالأولاد ولم يكن يسجد للشكر؟ قلتُ: إن عدم=
стр. 574
بسجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس)؛ لأنَّه لا تعلُّق له بالصلاة، بخلاف سجود التلاوة، (٦٦) وصفة سجود الشكر وأحكامه كسجود التلاوة (٦٧)
سجوده في بعض الأحيان لا يدل على عدم استحباب سجود الشكر، فقد سجد لأجل ذلك كثيرًا قاله ابن القيم في أعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨) وعدة الصابرين (١٧٢) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل عدم سجوده ﷺ في بعض الأحيان للشكر يفيد كراهة السجود؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(٦٦) مسألة: إذا سمع بشيء يُفرحه وهو يصلي فرضًا أو نفلًا، وسجد للشكر في أثنائها: فإن تلك الصلاة تبطل إن كان عالمًا بتحريم ذلك، ذاكرًا لذلك، أما إن كان جاهلًا بالحكم، أو عالمًا به ولكنه نسي ذلك: فصلاته صحيحة؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو زاد في صلاته سجودًا مُتعمِّدًا ذاكرًا عالمًا: فصلاته باطلة، وإذا زاد ذلك ناسيًا أو جاهلًا فصلاته صحيحة، فكذلك الذي يسجد للشكر في أثناء صلاته مثله، والجامع: أنه في كل منها زاد سجودًا لم يكن من الصلاة المأمور بها، فالمتعمد والعالم غير معذور فبطلت صلاته، والناسي أو الجاهل معذور، فلم تبطل صلاته؛ لعذره، فإن قلتَ: لمَ بطلت صلاته بتعمُّده وذكره إذا سجد للشكر، بخلاف سجود التلاوة فلا تبطل مطلقًا؟ قلتُ: لأن سبب سجود الشكر ليس منها فبطلت، أما سجود التلاوة فسببه منها؛ حيث إنه متعلِّق بها.
(٦٧) مسألة: طريقة وصفة سجود الشكر كطريقة وصفة سجود التلاوة من الأفعال والأقوال، وجميع الأحكام: من تكبير، وتسليم، وعدم تشهُّد، وعدم رفع يدين - كما سبق في مسائل (٦٠ و ٦١ و ٦٢)، ولكن يُكثر في سجود الشكر من شكر الله وحمده، والتذلُّل والخضوع، وتعفير الوجه في التراب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقمع نفسه من التكبُّر على الآخرين لما تجدَّد له نِعم، ودُفِعت عنه نقم وقد سبق في مسألة: (٦٥). [فرع]: تستحب صلاة الاستخارة، وصلاة التوبة، وصلاة الحاجة، وصلاة بعد كل تطهر: فأولها: صلاة الاستخارة وهي: أنه=
стр. 575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا أراد أن يقوم بأمر من الأمور: فإنه يصلي ركعتين، وقبل سلامه أو بعده يدعو بدعاء الاستخارة وهو: قوله: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويُسمِّي حاجته - خير لي في ديني ودنياي، ومعاشي وعاقبة أمري: فيسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني أو دنياي ومعاشي وعاقبة أمري: فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به" فإن لم يجد نفسه متوجهة إليه، يُعيد هذا الفعل في وقت آخر، فإن لم يجد نفسه متوجهة: فليتركه؛ للسنة القولية؛ حيث قال جابر: كان ﷺ يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كما يُعلِّمنا السورة من القرآن، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحثُّ على استشارة الله تعالى في الأمور كلها، وفيه الحثُّ على التريِّث والتأني في اتخاذ القرارات، وثانيها: صلاة التوبة، وهي مشروعية عندما يعصي المرء ربَّه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من رجلُ يذنب ذنبًا، فيتوضأ ويُحسن وضوءه، فيُصلي ركعتين، فيستغفر الله إلا غفر الله له"، وثالثها: صلاة، الحاجة، وهي صلاة يفعلها المسلم عندما يستعصي عليه قضاء حاجة؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ : "من كانت له حاجة إلى الله، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليُحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين؛ ثم يُثني على الله، وليُصلِّ على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرَّجته، ولا حاجة هي لك رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين"، ورابعها: الصلاة بعد كل تطهر، للسنة التقريرية؛ حيث قال النبي ﷺ : "يا بلال حدَّثني بأرجى عمل عملته في=
стр. 576
وأوقات النهي خمسة: الأول (من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس)؛ لقوله ﷺ : "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر" احتج به أحمد (و) الثاني (من طلوعها حتى ترتفع قِيد) بكسر القاف أي: قدر (رمح) في رأي العين (و) الثالث (عند قيامها حتى تزول)؛ لقول عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلِّي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تتضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب" رواه مسلم و"تتضيَّف" بفتح المثنَّاة فوق أي: تميل (و) الرابع (من صلاة العصر إلى غروبها)؛ لقوله ﷺ : "لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس" متفق عليه عن أبي سعيد، والاعتبار بالفراغ منها، لا
الإسلام؛ فإني سمعت دُفَّ نعليك بين يدي في الجنة" فقال له: "ما عملتُ عملًا أرجى عندي إلا أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صلَّيت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلِّيه" فلم يُنكر النبي ﷺ ذلك. [فرع آخر]: لا تُشرع صلاة الرغائب - وهي الصلاة في ليلة أول جمعة من رجب -، ولا صلاة الألفية، ولا صلاة ليلة السابع والعشرين من رجب، ولا صلاة ليلة النصف من شعبان، ولا صلاة التسبيح، وهي بدع منكرة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في العبادات ثبوتها من الشارع ثبوتًا قطعيًا أو يغلب على الظن، ولم تثبت تلك الصلوات السابقة لذكر من الشارع؛ فتبقى على النفي الأصلي، فلا يُتعبَّد الله بها حيث إنها إحداث في الدين فيكون مردودًا؛ لعموم قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فإن قلتَ: إنها قد ثبتت بأحاديث نبوية؟ قلتُ: إن كل ما جاء فيها من الأحاديث: إما أن تكون موضوعة، أو ضعيفة كما ذكر ذلك كثير من محققي العلماء كالنووي، وابن تيمية، وابن الجوزي، وابن رجب، وابن القيم.
стр. 577
بالشروع فيها، ولو فُعِلَت في وقت الظهر جمعًا، لكن تفعل سنة ظهر بعدها (و) الخامس (إذا شرعت) الشمس (فيه) أي في الغروب (حتى يتم)؛ لما تقدم (٦٨)
(٦٨) مسألة: الأوقات المنهي عن صلاة التطوع فيها ثلاثة: أولها: من بعد صلاة الفجر إلى بعد طلوع الشمس بربع ساعة تقريبًا، ثانيها: من وقوف الشمس في وسط السماء إلى ميلانها إلى الغروب - وهو زوالها -، أي: قبل أذان الظهر بربع ساعة تقريبًا إلى أذان الظهر، ثالثها: من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس تمامًا ويؤذن لصلاة المغرب؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد بيَّن تحريم صلاة التطوع فيها بأحاديث كثيرة ثابتة رواها عمرو بن عَبَسَة، وابن عمر، وعقبة بن عامر، فإن قلتَ: لمَ نهي عن صلاة التطوع في تلك الأوقات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الملائكة لا تشهد النوافل التي تُقام بتلك الأوقات؛ لأنها إما أن تكون أوقات عبادة الكفار للشمس كطرفي النهار، أو أوقات تُسعَّر النار فيها - كوقت كون الشمس في وسط السماء -؛ فمن صلى فيها نافلة وهو يعلم تحريم ذلك: فهو آثم وصلاته فاسدة؛ لأن النهي عن الصلاة فيها مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد. تنبيه: الأوقات الخمسة التي ذكرها المصنف ترجع إلى تلك الأوقات الثلاثة التي ذكرناها؛ جمعًا بين الأحاديث ولتيسير تصورها. [فرع]: الأوقات المنهي عن صلاة التطوع فيها التي بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر تُعتبر بحسب فراغ كل فرد منها، ولا يُلتفت إلى فعل غيره فمثلًا: مَنْ لم يصل فرض العصر يُباح له التنفل قبل أن يصليها - وإن كان غيره قد صلاها -، وكذلك يُباح لمن لم يصل الفجر حتى طلعت الشمس أن يتنفل قبلها، وكذلك لو جمع الظهر والعصر في وقت الظهر، فإنه لا يصلي نافلة بعد ذلك إلا إذا نوى بهذه النافلة أنها راتبة الظهر البعدية فيُباح ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب=
стр. 578
(ويجوز قضاء الفرائض فيها) أي: في أوقات النهي كلها؛ لعموم قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليُصلِّها إذا ذكرها" متفق عليه، ويجوز أيضًا: فعل المنذورة فيها؛ لأنها صلاة واجبة (و) يجوز حتى (في الأوقات الثلاثة) القصيرة (فعل ركعتي الطواف)؛ لقوله ﷺ : "لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار" رواه الترمذي وصحَّحه (و) تجوز فيها (إعادة جماعة) أُقيمت وهو بالمسجد؛ لما روى يزيد بن الأسود قال: "صليتُ مع النبي ﷺ صلاة الفجر، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يُصلَّيا معه فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا قال: "لا تفعلا إذا صلَّيتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" رواه الترمذي، وصحَّحه، فإن وجدهم يُصلُّون: لِمَ يُستحب الدخول، وتجوز الصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر، دون بقية الأوقات ما لم يُخف عليها، (٦٩)
الشمس" وهذا يخص كل فرد بحسبه، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ صلى ركعتين بعد العصر، وذكر لأم سلمة أنهما راتبة الظهر، فإن قلتَ: لمَ اعتبر فراغ كل شخص من صلاته بنفسه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الناس، واختلاف الأوقات من بلد إلى بلد.
(٦٩) مسألة: الصلوات التي تجوز أن تصلي في الأوقات المنهي عن صلاة التطوع فيها خمس صلوات: أولها: الصلاة المقضية: فيجوز للمسلم أن يقضي صلاة فرض فائتة عليه في تلك الأوقات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" حيث إن هذا خاص بصلاة الفرض؛ لأنَّه أمر بقضائها، وهو مطلق، فيقتضي الوجوب، ولا يجب إلا قضاء الفرض، وهو عام من جهة الزمن؛ حيث إنه أمر بقضاء الفرض في جميع الأوقات، فيشمل وقت النهي وغيره؛ لأن "إذا" زمانية وهي من صيغ العموم، ثانيها: الصلاة=
стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المنذورة، فلو نذر أن يصلي ركعتين بعد العصر: فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك وإن كان الوقتُ وقت نهي؛ للقياس على قضاء الفرض في ذلك الوقت، والجامع: وجوب إبراء الذمة من ذلك الواجب في كل، ثالثها: سنة الطواف، فلو طاف على الكعبة - فرضًا أو نفلًا - فيجوز أن يصلي ركعتي الطواف في وقت النهي؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ أن يُمنع شخص أراد الطواف وسنَّته في ليل أو نهار، وهذا يشمل أوقات النهي حتى في الأوقات الثلاثة - وهي حين تطلع الشمس، وعند قيامها، وعند غروبها - الواردة في حديث عقبة ابن عامر خلافًا لبعض العلماء -، رابعها: الصلاة المعادة، فلو صلى شخص في بيته، ثم دخل مسجدًا فوجد جماعة يصلون: فإنه يصلي معهم، وتكون الأخيرة نافلة، ويفعل ذلك وإن كان الوقت وقت نهي؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال: "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" وهذا عام في الأزمان؛ لأن "إذا" من صيغ العموم، فيشمل هذا وقت النهي تنبيه: قوله: "فإن وجدهم يصلون .. " قلتُ: هذا مرجوح، والراجح أنه يدخل معهم؛ لعموم الحديث السابق، خامسها: صلاة الجنازة، فتجوز في أي وقت، ولو كان وقت نهي إذا خيف انفجارها، أو ظهور رائحة كريهة منها، أما إذا لم يُخف منها ذلك: فإنه يُصلَّى عليها بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر فقط، أما في وقت وقوف الشمس في كبد السماء فلا يجوز؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ نهى أن يُدفن الموتى في تلك الأوقات المنهي عنها - كما رواه عقبة بن عامر - والمراد بالدفن هو: الصلاة على الجنازة؛ لكونها لا تدفن قبل الصلاة عليها؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن ما بعد الفجر وما بعد العصر: وقت طويل يغلب على الظن ظهور رائحة كريهة من الميت: فأبيحت الصلاة عليه فيهما، وكذا إذا خيف عليه من الانفجار وظهور رائحة منه: فإنه=
стр. 580
(ويحرم تطوع بغيرها) أي: غير المتقدِّمات: من إعادة جماعة، وركعتي طواف، وركعتي فجر قبلها (في شيء من الأوقات الخمسة حتى ماله سبب) كتحية المسجد، وسنة وضوء، وسجدة تلاوة، وصلاة على قبر، أو غائب، وصلاة كسوف، وقضاء راتبة سوى سنة ظهر بعد العصر المجموعة إليها، (٧٠) ولا ينعقد النفل إن ابتدأه في هذه الأوقات، ولو
يدفن في أي وقت؛ دفعًا للمفسدة؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن قلتَ: لمَ أُبيحت تلك الصلوات في الأوقات المنهي عنها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الصلوات إما أن تكون واجبة اشتغلت الذمة بها، فلا تبرأ إلا بفعلها، فيتضرَّر إن لم يفعلها كقضاء الفوائت، أو المنذورة، أو أن الصلاة فيها أكثر دفعًا للمفاسد من تركها كالباقي، وإذا تعارضت مفسدتان: قُدِّمت أخفهما وعمل بها.
(٧٠) مسألة: تحرم صلاة التطوع في الأوقات المنهي عنها - كما سبق بيانها في مسألة (٦٨) - غير ما ذكر من صلوات في مسألة (٦٩) -: وهذا التحريم عام شامل للصلوات التي لها سبب كتحية المسجد، أو سنة الوضوء، أو سجدة تلاوة، أو سجدة شكر، أو صلاة كسوف، أو صلاة استسقاء، أو سنة راتبة، أو الصلوات التي لا سبب لها كصلوات التطوع المطلقة، وكذا تحرم الصلاة على الجنازة بعد دفنها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن صلاة التطوع في تلك الأوقات - كما رواه ابن عمر، وعقبة بن عامر، وعمرو بن عَبَسَة - والنهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: إن الصلاة التي لها سبب كتحية المسجد يجوز فعلها ولو كان الوقت وقت نهي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" فأمر الشارع هنا بتحية المسجد، وهو عام في الأزمان؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل وقت النهي وغيره قلتُ: إن أحاديث النهي عن الصلاة في تلك=
стр. 581
جاهلًا إلا تحية مسجد إذا دخل حال الخطبة فتجوز مطلقًا، (٧١) ومكة
الأوقات مقدمة على حديث تحية المسجد؛ لأمور: أولها: أن أحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات خاصة، وحديث تحية المسجد عام، والخاص يُقدم على العام في العمل، ثانيها: أن الأمر بتحية المسجد للندب، والنهي عن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم، وترك الحرام واجب، والعمل بالواجب مقدم على العمل بالمندوب، ثالثها: على فرض أن تحية المسجد واجبة؛ للأمر الوارد في الحديث السابق، فإن أحاديث النهي عن صلاتها في الأوقات المنهي عنها تقدم ويعمل بها؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الخاص من حديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، مع العام من حديث تحية المسجد" فعندنا: يعمل بالخاص، وعندهم: يعمل بالعام تنبيه: قوله: "سوى سنة ظهر بعد العصر" يُشير به إلى أنه إذا جمع العصر مع الظهر جمع تقديم: فإنه يجوز أن تصلى راتبة الظهر بعد صلاة العصر إذا نواها، وقد سبق بيانه في الفرع التابع لمسألة (٦٨).
(٧١) مسألة: إذا صلى تطوعًا في تلك الأوقات المنهي عنها - غير الصلوات الخمس المتقدم ذكرها في مسألة (٦٩) - فصلاته لا تنعقد، أي: أنها فاسدة: سواء كان عالمًا، أو جاهلًا، ذاكرًا أو ناسيًا، وعلى ذلك: فإنه يقطعها إن علم بالتحريم في أثنائها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن صلاة التطوع في تلك الأوقات كما ورد في حديث عمرو بن عَبَسَة، وابن عمر، وعقبة بن عامر - والنهي مطلق، فيقتضي الفساد، وهي شاملة وعامة لكل من ذكرنا من العالم والجاهل وغيرهما، فإن قلتَ: لمَ يقطعها إذا دخل فيها ثم علم أنه في وقت نهي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث تعارضت مصلحة صلاته النافلة، ومفسدة وقوعها في الوقت المنهي عنه؛ فُيقدَّم دفع المفسدة على جلب المصلحة هنا. تنبيه: قوله:=
стр. 582
وغيرها في ذلك سواء. (٧٢)
" إلا تحية مسجد" إلى آخره يُشير به إلى أنه إذا دخل المسجد والإمام يخطب في يوم الجمعة: فإنه يصلي تحية المسجد، ولو كان الوقت وقت نهي قلتُ: هذا فيه نظر؛ لأن أحاديث النهي عن صلاة التطوع في تلك الأوقات عامة ليوم الجمعة وغيره، وسيأتي بيانه في باب "صلاة الجمعة".
(٧٢) مسألة: النهي عن صلاة التطوع في تلك الأوقات عام وشامل لجميع الأمكنة: مكة والمدينة، والقدس، وغيرها من البلدان؛ للسنة القولية، وهي أحاديث النهي عن الصلاة فيها - كما رواها عمرو بن عَبَسَة، وابن عمر، وعقبة بن عامر - وهذا عام لجميع الأمكنة، فإن قلتَ: لمَ خصَّ الفقهاء ذكر مكة هنا؟ قلتُ: لأنَّه نُقل عن الشافعي، وهو رواية عن أحمد: أنهما قالا: لا نهي في مكة، فأورد كثير من الفقهاء ذلك للرَّد عليهم؛ لأن الحديث عام في الأماكن.
هذه آخر مسائل باب "صلاة التطوع والأوقات المنهي عن صلاتها فيها" ويليه باب "صلاة الجماعة وأحكام الإمام والائتمام والاقتداء والأعذار"
стр. 583
باب صلاة الجماعة
شُرِعت لأجل التواصل والتوادد، وعدم التقاطع (تلزم الرجال) الأحرار القادرين، ولو سفرًا في شدة خوف (للصلوات الخمس) المؤدَّاة، وجوب عين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية، فأمر بالجماعة حال الخوف، ففي غيره أولى، ولحديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (١) (لا شرط) أي: ليست الجماعة شرطًا لصحة الصلاة، فتصح
باب صلاة الجماعة وأحكام الإمام والمأموم، والاقتداء والأعذار
وفيه مائة وسبع وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: صلاة الجماعة واجبة في الصلوات الخمس المؤدَّاة في أوقاتها على الرجال الأحرار القادرين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من ثلاثة في قوم، أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلى قد استحوذ عليهم الشيطان، عليك بالجماعة، فإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم" فأوجب صلاة الجماعة؛ لأن ذلك هو اللازم من استحواذ الشيطان؛ حيث إنه عقاب، ولا عقاب إلا على ترك واجب، فإن قلتَ: لِمَ وجبت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة مع الجماعة فيه مصالح منها: التواصل والتعارف بين الناس والتوادد بينهم، والاجتماع على الحق، وقضاء الحاجات، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وفي ذلك تعليم الجاهل أحكام الشريعة، وتنشيط الكسلان على العبادة، فإن قلتَ: لِمَ وجبت على الرجال الأحرار القادرين؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن خروج النساء فيه تعرض للفتنة، وكذا الخنثى؛ لاحتمال أن يكون أنثى،=
стр. 584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصبي والمجنون لا تجب عليهما الصلاة أصلًا، والعبيد قد اشتراهم السيد لخدمته فلو وجبت عليهم الجماعة: لتضرَّر السيَّد، وغير القادرين قد سقطت عنهم؛ لعجزهم؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، تنبيه: استلال المصنف بالآية لا يصح؛ لأن الآية سيقت لتعليم صلاة الخوف عند ملاقاة العدو؛ لأن ذلك أبلغ في حراستهم؛ لأنَّه لو صلى كل واحد منفردًا لانشغل كل واحد بنفسه، ولو صلوا جماعة: فكذلك وفي الحالين: يغلبهم العدو، فأمر الشارع أن ينقسموا إلى فريقين فلم يكن في الآية دليل على وجوب الجماعة كما قال الماوردي في الحاوي (٢/ ٣٠١)، أو سيقت لبيان أن الصلاة نفسها لا تسقط بالسفر أو الخوف كما قال القرطبي في تفسيره (٣/ ٢٢٣) و (٥/ ٣١٤)، تنبيه آخر: استدلال المصنف بحديث أبي هريرة ﵁ وهو: "الهمُّ بالتحريق"، أو حديث ابن مسعود ﵁: "رأيتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق" لا يصح من وجهين: أولهما: أنهُ يقصد في الحديثين: الذين يتخلَّفون عنها ولا يُصلُّونها مع الجماعة ولا فرادى وهذا قول الشافعي، يؤيده وصفهم بالنفاق، والمنافق هو من حبط عمله، والمصلي في بيته تصح صلاته - كما سيأتي - ويؤيده أيضًا: سياق هذا الحديث، ثانيهما: أنه همَّ بالإحراق ولم يفعل، ولو كان تاركو الجماعة منافقين فعلًا: لفعل وأحرقهم، فإن قلتَ: لو لم يجز تحريقهم لما همَّ به؟ قلتُ: يُحتمل أنه قد ذكره ذلك بيانًا لفضل صلاة الجماعة، ويُحتمل: أنه اجتهد بهذا وهمَّ بالتحريق، ولكن الله منعه منه، أو أنه تغيَّر هذا الاجتهاد منه، وهذا بناء على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ ، ذكره النووي في "المجموع" (٤/ ١٩٢)، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، تنبيه ثالث: قوله: "ولو سفرًا في شدة خوف" قلتُ: هذا لا يُسلِّم؛ لأن السفر والخوف من الأعذار المسقطة لصلاة الجماعة والجمعة كما سيأتي.
стр. 585
صلاة المنفرد بلا عذر، وفي صلاته فضل، وصلاة الجماعة أفضل بسبع وعشرين درجة؛ لحديث ابن عمر ﵁ المتفق عليه، (٢) وتنعقد
(٢) مسألة: صلاة الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة، فتصح صلاة المنفرد بلا عذر، والمراد: إن صلاته مع الجماعة تفضل عن صلاته منفردًا بسبع وعشرين درجة، أو بخمس وعشرين درجة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بسبع وعشرين درجة" وفي رواية: "بخمس وعشرين"، ويلزم من لفظ "تفضل" أن كلًا من صلاة الشخص وحده وصلاته مع الجماعة صحيحتان فاضلتان إلا أن صلاته مع الجماعة أفضل بذلك المقدار من الدرجات، وقال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده" والمراد: أفضل، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد رأى رجلين لم يصليا معه، فقال لهما: لِمَ لم تصليا معنا؟ فقالا: صلَّينا في رحالنا - أي منازلنا - فقال: "إن أحدكم إذا صلى في رحله ثم أتى جماعة فليصل معهم فإنها له نافلة"، فلم يُنكر عليهما صلاة كل واحد منهما في رحله ومنزله، فلو كانت صلاة كل واحد منهما في منزله غير صحيحة أو فيها إثم لأنكر عليهما، ولبيَّن ذلك؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونظرًا لهذين الحديثين ذهب الجمهور - وهم الحنفية والمالكية وكثير من الشافعية - إلى أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة وليست واجبة، فإن قلتَ: إن الجماعة شرط في صحة الصلاة، فلا تصح صلاة المنفرد بدون عذر وهو قول أكثر الظاهرية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فنفى صحة الصلاة إلا الجماعة، والتقدير: "لا صلاة صحيحة .. " قلتُ: إن هذا ضعيف فيه محمد بن سكين، وحديثه منكر، وهو مجهول كما نقله النووي في المجموع (٤/ ١٩٢) عن ابن أبي حاتم، وقد أخرجه البيهقي موقوفًا على علي ﵁، وعلى فرض قوته: فإن المراد به: نفي الكمال، لا نفي الصحة، ومما يؤيد هذا التأويل: السنة القولية والتقريرية التي ذكرناهما، وكذا: الإجماع؛ حيث=
стр. 586
باثنين ولو بأنثى وعبد (٣) في غير جمعة وعيد، (٤) لا بصبي في فرض (٥) (وله فعلها) أي: الجماعة (في بيته)؛ لعموم حديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٦) وفعلها في المسجد هو:
قال بعض العلماء: لا أعلم أحدًا قال بوجوب الإعادة على من صلى وحده، فيلزم منه: صحتها، فلو لم تصح صلاة المنفرد: لوجبت إعادتها.
(٣) مسألة: صلاة الجماعة تنعقد باثنين: سواء كانا رجلين، أو رجلًا وامرأة، أو حرًا وعبدًا، أو كانت فرضًا أو نفلًا، ويحصلان على أجر الجماعة - وهو سبع وعشرون أو خمس وعشرون درجة -؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة" أي: في تحصيل ثواب الجماعة، وهو عام لما ذكرنا؛ لأن "الاثنان" مثنى معرّف بأل وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله ﷺ : "هذان جماعة" لما رأى رجلين يصليان معًا، ويقصد: أنهما يُحصِّلان أجر الجماعة؛ فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه التمكين من الحصول على فضل الجماعة مع التيسير، وعدم المشقة على المسلمين.
(٤) مسألة: لا تنعقد صلاة الجمعة والعيد باجتماع حر وعبد، أو باجتماع حر وزوجته؛ للتلازم؛ حيث إنه يُشترط في صلاة الجمعة والعيد حضور أربعين رجلًا، فيلزم من اشتراط ذلك: عدم انعقاد هاتين الصلاتين بما ذكر هنا.
(٥) مسألة: لا تنعقد صلاة الجماعة في فرض باجتماع بالغ وصبي أو مجنون؛ للتلازم؛ حيث إن الصبي والمجنون ليسا أهلاً لوجوب الصلاة أصلًا ولا يصلحان إمامين فيها، فيلزم عدم انعقاد الصلاة بهما، فوجودهما كعدمهما فيكون البالغ منفردًا.
(٦) مسألة: إذا صلى بالغ مع بالغ آخر من أهله في بيته: فإنه يتحصَّل على فضل صلاة الجماعة؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة" وهذا مطلق في الأمكنة، فيلزم منه: أن من صلى في أيِّ =
стр. 587
السنة (٧) وتُسنُّ لنساء منفردات عن رجال، (٨) ويُكره الحسناء حضورها مع رجال، ويُباح لغيرها، ومجالس الوعظ كذلك وأولى (٩) (وتستحب صلاة أهل الثغر) أي:
مكان مع آخر: فإنه يتحَّصل على ثواب صلاة الجماعة، ثانيهما: قوله ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، وهذا عام لأرض المسجد وأرض البيت؛ لأن "الأرض" اسم جنس محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير مع الحصول على أجر الجماعة.
(٧) مسألة: صلاة المسلم مع جماعة في المسجد، أفضل من صلاته مع جماعة في بيته؛ للمصلحة؛ حيث إن الصلاة في المسجد مظهر من مظاهر الإسلام، ويحصل فيه اجتماع المسلمين، وتآلفهم.
(٨) مسألة: يُستحب أن تصلي النساء جماعة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" وهذا عام، فيشمل النساء والرجال؛ لأن لفظ "الجماعة" من صيغ العموم، الثانية: فعل الصحابي: حيث إن عائشة وأم سلمة ﵃ كانتا تؤمان بعض النسوة، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد ذكرناها في مسألة (١).
(٩) مسألة: يُباح للمرأة حضور صلاة الجماعة، ومجالس الوعظ والإرشاد مع الرجال بشروط: أولها: أن لا تكون حسناء وجميلة، ثانيها: أن لا تكون شابة، ثالثها: أن لا تتزين بشيء من لباس أو طيب، رابعها: أن تكون في آخر الصفوف، فإذا حضرت فلها أجر كما للرجال؛ حيث قال ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهنَّ تَفِلَات" حيث إن الأصل أن يُمنعن من الخروج، فجاء هذا الأمر بعده فيفيد الإباحة، وخصص إباحته بالخروج إلى المساجد، فكأنه شرع: عدم الخروج إلا إذا أردن الخروج للصلاة في المساجد=
стр. 588
موضع المخافة (في مسجد واحد): لأنَّه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة (والأفضل لغيرهم) أي: غير أهل الثغر الصلاة (في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره)؛ لأنَّه يحصل بذلك ثواب عمارة المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه (ثم ما كان أكثر جماعة) ذكره في "الكافي" و "المقنع" وغيرهما، وفي "الشرح": أنه الأولى؛ لحديث أُبَي بن كعب ﵁: "وما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله تعالى" رواه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حيان (ثم المسجد العتيق)؛ لأن الطاعة فيه أسبق، قال في "المبدع": والمذهب: "أنه مقدَّم على الأكثر جماعة" قال في "الإنصاف": "الصحيح من المذهب: أن المسجد العتيق أفضل من الأكثر جماعة" وجزم به في "الإقناع"، و "المنتهى" (وأبعد) المسجدين (أولى من أقرب) هما إذا كانا حديثين أو قديمين: اختلفا في كثرة الجمع أو قلَّته، أو استويا؛ لقوله ﷺ : "أعظم الناس أجرًا في الصلاة: أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه الشيخان (١٠)
فيُباح لهن ذلك استثناء من القاعدة، ولفظ "تفلات" استلزم جميع الشروط الأربعة السابقة؛ حيث إن المراد به: ترك كل زينة من ثياب وطيب، وأيِّ مُلفت للنظر والمقصود منه: منع الفتنة، وحضور مجالس الوعظ كحضور صلاة الجماعة؛ لعدم الفارق، بل إن حضورها للوعظ أولى، لما فيه من حصولها على العلم بأحكام الشريعة، بحيث ترفع الجهل عن نفسها والجهل عن غيرها، وهو من باب "مفهوم الموافقة الأولى".
(١٠) مسألة: مراتب المساجد التي يُصلي فيها على حسب الأفضلية كما يلي: المرتبة الأولى: أن يجتمع رجال الثغور - وهم الذين على الحدود بين المسلمين والكفار - في مسجد واحد - إذا أمنوا مكر العدو -: سواء كان هذا المسجد قديمًا أو لا، بعيدًا أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن اجتماعهم فيه إظهار للإسلام، وإعلاء لكلمة الله، وأوقع هيبة للإسلام في نفوس الكفار، وفيه نشر الأخبار=
стр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العدو، المرتبة الثانية: أن يصلي زيد في مسجد تُقام فيه الجماعة إذا حضر، وإذا لم يحضر لا تُصلى فيه جماعة: أي: أن هذا المسجد هو الأفضل لزيد أن يصلي فيه الجماعة ويُقدِّمه على غيره؛ للمصلحة؛ حيث إن حضور زيد يتسبَّب في إقامة الجماعة في ذلك المسجد وعمارته بالصلاة فيه: سواء كان هذا المسجد قديمًا أو لا، وسواء كان بعيدًا أو لا، وسواء كان يصلي فيه كثيرون أو لا، المرتبة الثالثة: أن يصلي في المسجد الأكثر جماعة ويقدمه على غيره: سواء كان قديمًا أو لا، بعيدًا أو لا؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ : "وما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله تعالى" وهو مطلق، فيستوي فيه القديم والجديد، والبعيد والقريب، المرتبة الرابعة: أن يصلي في المسجد القديم - إذا تساوى مسجدان في عدد الجماعة -: سواء كان بعيدًا أو قريبًا؛ للتلازم؛ حيث إن الطاعة فيه أسبق، والعبادة فيه أكثر، وبناءه من مال حلال أغلب على الظن؛ لكون الذين بنوه خيرًا ممن جاء بعدهم غالبًا، فيلزم تقديمه؛ لعموم قوله ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم"، فإن قلتَ: إن الأقدم مقدَّم على الأكثر جماعة؛ للتلازم؛ وقد ذكرناه، وهو قول أكثر الحنابلة قلتُ: بل الأكثر جماعة مقدَّم على الأقدم - كما سبق -، لثبوت ذلك بالنص، ولأنه موافق للمقصد الشرعي من مشروعية صلاة الجماعة وهو: إظهار الإسلام بكثرة المجتمعين، بخلاف الصلاة في المسجد القديم فقد ثبت بالاجتهاد، وما ثبت بالنص مقدم على ما ثبت بالاجتهاد، ولا يحصل المقصود كثيرًا من مشروعية صلاة الجماعة في المسجد القديم، المرتبة الخامسة: أن يصلي في المسجد الأبعد عن سكنه - إذا تساوى المسجدان في القدم أو الحداثة أو الكثرة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء فأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رُفع له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد" وهو واضح الدلالة والمقصد.
стр. 590
وتُقدم الجماعة مطلقًا على أول الوقت (١١) (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره)؛ لأن الراتب كصاحب البيت، وهو أحق بها: لقوله ﷺ : "لا يؤمَّن الرجل في بيته إلا بإذنه" ولأنه يؤدِّي إلى التنفير عنه، ومع الإذن هو نائب عنه، قال في "التنقيح": "وظاهر كلامهم لا تصح" وجزم به في "المنتهى"، وقدم في "الرعاية": تصح، وجزم به ابن عبد القوي في "الجنائز"، وأما مع عذره: فإن تأخر وضاق الوقت: صلوا؛ لفعل الصديق وعبد الرحمن بن عوف ﵃ حين غاب النبي ﷺ فقال: "أحسنتم"، (١٢) ويُراسَل إن غاب عن وقته المعتاد مع
(١١) مسألة: إذا دخل وقت الصلاة وغلب على ظن الشخص أنه سيجد جماعة قبل خروج وقتها: فالأفضل أن ينتظر الجماعة حتى يصلي معهم، ولا يصلي في أول الوقت، أما إن لم يغلب على ظنه ذلك: فإنه يصلي أول الوقت منفردًا؛ للمصلحة؛ حيث إن أجر الصلاة مع الجماعة في الوقت، أكثر من أجر الصلاة منفردًا في أول الوقت، ولأن صلاة الجماعة مظهر من مظاهر الإسلام فيحرص على المشاركة في ذلك.
(١٢) مسألة: إذا كان إمام مسجد قد عُيِّن من قبل السلطان، أو من قبل جماعة المسجد - وهو الإمام الراتب -: فيحرم على غيره أن يؤم جماعته في مسجده إلا إذا أذن الإمام في ذلك، أو كان معذورًا بالتأخر بسبب سفر، أو مرض، أو شغل، وضاق الوقت: فيجوز أن يؤمهم غيره، أما إن أمَّهم بدون ذلك فإنه يأثم، وتصح الصلاة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد صلى بالناس لما تأخر النبي ﷺ بسبب ذهابه إلى بني بكر بن عوف للإصلاح بينهم، وعبد الرحمن بن عوف ﵁ قد صلي بالناس لما تأخر النبي ﷺ بسبب غزوة تبوك، فوافقهما على ذلك، ولم يُنكر عليهما، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لا يجوز أن يؤم الرجلُ الرجل في بيته إلا بإذنه أو عذره - كما ورد عنه=
стр. 591
قُرب محلِّه وعدم مشقة، وإن بَعُد محلُّه، أو لم يُظن حضوره، أو ظُنَّ، ولا يكره ذلك: صَلُّوا (١٣) (ومن صلى) ولو في جماعة (ثم أقيم) أي: أقام المؤذَّن لـ (فرض: سُنَّ) له (أن يُعيدها) إذا كان في المسجد، أو جاء غير وقت نهي، ولم يقصد الإعادة، ولا فرق بين إعادتها مع إمام الحي أو غيره؛ لحديث أبي ذر: "صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أُقيمت وأنت في المسجد: فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي" رواه أحمد ومسلم (إلا المغرب) فلا تسنُّ إعادتها، ولو كان صلَّاها وحده؛ لأن المعادة تطوع، والتطوع لا يكون بوتر، (١٤) ولا تكره إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب
- ﷺ فكذلك هذا الإمام الراتب: مثله والجامع: أن كلًا منهما له الحق في الإمامة بسبب تسلُّطه وكون ذلك تحت تصرفه، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضرار بالإمام الراتب: كتنفير الجماعة وتفريقهم وإعراضهم عنه، فدفعًا لذلك: حرم هذا، فإن قلتَ: لمَ صحَّت الصلاة إذا فعل غير الإمام الراتب ذلك؟ قلتُ: لأنها كاملة الأركان والشروط والواجبات فلزم صحتها؛ ولم أجد دليلًا يدل على عدم صحتها كما قال بعض الحنابلة.
(١٣) مسألة: إذا تأخر الإمام الراتب عن وقت حضوره المعتاد للصلاة بالناس: فإنه يرُسَل إليه رسول ليستعجله إذا كان محلَّه قريبًا، ويُمكن الوصول إليه بلا مشقة، ويغلب على الظن حضوره إذا وصله الرسول، وهو يكره أن يؤم الناس غيره، أما إن كان محله بعيدًا، أو قريبًا ولكن يشق الوصول إليه، أو يغلب على الظن عدم حضوره، أو معروفًا عنه أنه لا يكره أن يؤم الناس غيره: فلا يرسل إليه، بل يتقدم أحد المأمومين فيصلي بالناس؛ للمصلحة؛ حيث إن الإرسال إليه فيه دفع مضرة عنه، أما إن شقَّ ذلك، فلا يُشرع الإرسال إليه؛ حيث إن تأخره والمشقة يسقطان عنه حقه في الإمامة.
(١٤) مسألة: إذا صلى الفرض مع جماعة أو منفردًا، ثم دخل مسجدًا في غير وقت منهي عن الصلاة فيه - كما سبق - ووجد جماعة يُصلُّون: فيُستحب أن يعيدها=
стр. 592
كغيره، (١٥) وكره قصد مسجد للإعادة (ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة) ولا فيهما؛ لعذر، وتكره فيهما لغير عذر؛ لئلا يتوانى الناس في حضور
معهم ويصليها وينويها نافلة؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر أبا ذر بذلك، ثانيهما: أنه قال لرجلين: "إذا صلى أحدكما في رحله ثم وجد جماعة فليُصلِّ معهم فإنها له نافلة" وهذا هو الذي صرف الأمر الوارد في حديث أبي ذر من الوجوب إلى الندب، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير للجماعة، وإظهار للإسلام، فإن قلتَ: إن صلاة المغرب لا يُستحب إعادتها؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن المعادة تكون نافلة، ولا توجد نافلة عدد ركعاتها ثلاث، فيلزم عدم استحباب إعادتها قلتُ: إنه يُستحب إعادتها كغيرها؛ لعموم السنة القولية السابقة الذكر، وينوي أنها نافلة ويزيدها ركعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التلازم هنا خصص عموم السنة القولية التي ذكرناها أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم نعم ..
(١٥) مسألة: لا تكره إعادة صلاة الجماعة في مسجد له إمام راتب قد صلى بهم: سواء كان في المسجد الحرام بمكة أو بالمدينة أو غيرهما؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : لما رأى رجلًا واقفًا يُريد الصلاة قال: "من يتصدَّق على هذا؟ " فقام رجل فصفَّ معه فقال ﷺ : "هذان جماعة" وهذا يلزم منه: إباحة إنشاء جماعة ثانية في مسجد غير الأولى التي صلى بهم الإمام الراتب، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه؛ للمصلحة؛ حيث إنه يؤدِّي إلى اختلاف القلوب، والتهاون بالصلاة مع الإمام الراتب وهو قول بعض العلماء قلتُ: إن مصلحة إنشاء جماعة مقدمة على المصلحة التي ذكرتموها؛ لأن إنشاء جماعة فيه الأجر وهذا مؤكد، أما اختلاف القلوب والتهاون فهو غير مؤكد، والمؤكد مقدم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحتين".
стр. 593
الجماعة مع الإمام الراتب، (١٦) (وإذا أقيمت الصلاة: فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وكان عمر ﵁ يضرب على الصلاة بعد الإقامة، فلا تنعقد النافلة بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له، (١٧) ويصح قضاء الفائتة، بل يجب مع سعة الوقت، ولا يسقط الترتيب بخشية فوات الجماعة (١٨) (فإن) أقيمت و (كان) يُصلي (في نافلة: أتمها)
(١٦) مسألة: يُكره أن يذهب ويقصد مسجدًا معينًا لإعادة الصلاة - التي ينويها نافلة - فيه، للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤدِّي به إلى الاعتقاد بأن هذا المسجد فيه كثير أجر وقد يُقلِّده غيره في هذا، فيؤدي إلى تقديس هذا المسجد، تنبيه: قوله: "ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة .... " قلتُ: قد سبق بيانه: في مسألة (١٥).
(١٧) مسألة: إذا كان شخص في المسجد وأقيمت صلاة الفريضة التي يُريد أن يُصليها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له: فإنه يحرم على هذا الشخص أن يشرع في صلاة نافلة، ولا تنعقد لو شرع بها، بل يجب عليه أن ينضمَّ إلى الإمام ليصلي مع الجماعة صلاة الفرض؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، حيث حرم الشارع البدء في نافلة بعد إقامة الصلاة المفروضة ولو دخل بها: فإنها فاسدة، فلا تنعقد؛ لأن النفي في قوله: "فلا صلاة": نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لمَ حرِّم ذلك قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا بدأ بنافلة بعد إقامة الفريضة، فإنه سيفوِّت على نفسه تكبيرة الإحرام مع الإمام وهو يستطيع إدراكها، ويؤدِّي إلى الاختلاف على الإمام، وإلى التفرقة، وهو منهي عنه.
(١٨) مسألة: يجب قضاء الصلاة المفروضة الفائتة، ولو فأتت عليه الجماعة في صلاة حاضرة ولو كان الوقت واسعًا، فلو كان على شخص صلاة الظهر=
стр. 594
خفيفة (إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها): لأن الفرض أهم (١٩) (ومن كبرَّ) مأمومًا (قبل سلام إمامه) الأولى: (لحق الجماعة): لأنَّه أدرك جزءًا من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة، (٢٠) (وإن لحقه) المسبوق (راكعًا: دخل معه في
مثلًا، ودخل المسجد والناس يصلون العصر: يجب عليه أن يصلي الظهر، وإن فاتته العصر مع الجماعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ترتيب الصلوات المفروضة واجب بالاتفاق، وصلاة الجماعة واجبة عند بعض العلماء، وسنة عند الجمهور - الحنفية والمالكية، وكثير من الشافعية - فيلزم تقديم ما هو متفق عليه - وهو الترتيب - على المختلف فيه - وهو: صلاة الجماعة -؛ وذلك لتقديم الأهم على المهم، والأكثر أجرًا على غيره.
(١٩) مسألة: إذا أقيمت صلاة الفرض الذي يريد أن يُصلِّيها مع الإمام، وهو داخل في نافلة: فيجب أن يقطعها إن خشي فوات الجماعة، أما إن لم يخش ذلك: فيُستحب إتمامها خفيفة؛ للمصلحة؛ حيث إن صلاة الجماعة اختلف في كونها واجبة أو مستحبة، أما النافلة فاتفق على استحبابها، فيلزم من ذلك تقديم الجماعة؛ لأنها - بذلك - أهم من النافلة وأكثر أجرًا، تقديمًا للأهم على المهم.
(٢٠) مسألة: يُدرك الشخص الجماعة وفضلها: إذا كبَّر تكبيرة الإحرام قبل أن يُسلِّم الإمام التسليمة الأولى؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا أدرك ركعة مع الإمام: فإنه يدرك الصلاة مع الجماعة؛ لقوله ﵇: "من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة" فكذلك من أدرك تكبيرة الإحرام قبل تسليم الإمام يُدركها والجامع: أن كلًا منهما قد أدرك جزءًا من صلاة الإمام، فإن قلتَ: لمَ يُدرك فضل الجماعة بهذا؟ قلتُ: لأن هذا نوى كونه مأمومًا، فأحرم مع إمامه، ونوى الصفة التي هو فيها، فيلزم أن يكون مدركًا لأجر الجماعة، فإن قلتَ: لا يدرك=
стр. 595
الركعة)؛ لقوله ﷺ : "من أدرك الركوع: فقد أدرك الركعة" رواه أبو داود، فيدرك الركعة إذا اجتمع مع الإمام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء قبل أن يزول الإمام عنه، ويأتي بالتكبيرة كلها قائمًا كما تقدَّم، ولو لم يطمئن، ثم يطمئن، ويُتابع (وأجزأته التحريمة) عن تكبيرة الركوع، والأفضل أن يأتي بتكبيرتين، فإن نواهما بتكبيرة، أو نوى به الركوع: لم يجزئه؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن ولم يأتِ بها، (٢١)
فضل الجماعة إلا إذا أدرك ركعة كاملة، وهو قول أكثر المالكية وبعض الحنابلة كابن تيمية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أدرك ركعة، فقد أدرك الصلاة" حيث دلَّ مفهوم الشرط والعدد على أن من أدرك أقل من ركعة: لا يُدرك الجماعة قلتُ: إذا أدرك ركعة كاملة فهو مدرك لأمرين: "إدراك الركعة فلا يقضيها"، و"إدراك الجماعة" ونحن قسنا إدراك الشخص الإمام قبل التسليمة الأولى على إدراك الركعة في تحصيل فضل الجماعة فقط، ولم نقل: إنه يدرك الركعة، بل يقضيها، فيكون قياسنا على الأمر الثاني وهو: "إدراك الجماعة"؛ لكونه انضم إلى الإمام ناويًا الائتمام به، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض لفظ السنة مع مقصودها" فعندنا: يقدم مقصودها، وهو إدارك جزء منها، فصح القياس، وعندهم: العمل على لفظ الحديث ومفهومه.
(٢١) مسألة: إذا دخل شخص المسجد والإمام راكع: فإنه يُكبِر تكبيرة الإحرام وهو قائم، ثم يكبِّر تكبيرة الركوع، ثم يركع مع الإمام إن استطاع ذلك، فإن لم يستطع ذلك: فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام فقط وينوي دخول تكبيرة الركوع معها، ويركع، ويكون مدركًا للركعة إذا أمكنه أن يقول: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة وهو مجتمع مع الإمام في الركوع قبل أن يرفع الإمام رأسه، ولو بدون اطمئنان، ثم يطمئن بعد ذلك ويُتابع الإمام؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة" وقد سبق تقريره في مسألة: (٢٠)، فإن =
стр. 596
ويُستحب دخوله معه حيث أدركه، وينحط معه في غير ركوع بلا تكبير، ويقوم مسبوق به، (٢٢) وإن قام قبل سلام إمامه الثانية ولم يرجع:
قلتُ: لمَ تكفِ تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع؟ قلتُ: لأن تكبيرة الإحرام ركن لا تصح الصلاة إلا بها؛ بخلاف تكبيرة الركوع فهي واجب فلزم تقديم الركن، ويدخل الواجب ضمنه عند عدم القدرة بالإتيان بهما معًا، ولهذا لا ينوي بذلك التكبير تكبيرة الركوع، فإن قلتَ: إذا نواهما معًا لا يُجزئه ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه شرَّك بين الواجب والركن في النية فيلزم عدم الإجزاء قلتُ: بل يُجزئ ذلك كما قلنا؛ للتلازم؛ حيث إن نية الركوع ونية التحريمة غير متنافيتين؛ لأنهما عبادة إجماعًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل نية تكبيرة الإحرام تختلف عن نية تكبيرة الركوع أو لا؟ " فعندنا: لا وعندهم: تختلف.
(٢٢) مسألة: يُستحب أن يدخل الشخص مع الجماعة الذين يُصلُّون وراء إمام في أية حالة كانوا عليها، فإن كان الإمام جالسًا أو ساجدًا: فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام وهو قائم ثم يجلس أو يسجد معه، وكذا: إذا سلَّم الإمام: فإن المسبوق يقوم ليأتي بما فاته مُكبِّرًا؛ للقياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن من أدرك الإمام راكعًا يُكبِّر تكبيرة الإحرام ويركع، فكذلك من أدركه جالسًا أو ساجدًا يُكبِّر الإحرام ويجلس أو يسجد والجامع: أن كلًا منهما يُريد الدخول في الصلاة، ولا دخول إلا بتكبيرة الإحرام، ثانيهما: كما أن القائم من التشهد الأول يُكبِّر حين قيامه، فكذلك من قام يُريد أن يأتي بما فاته بعد سلام إمامه يُكبِّر لأجل هذا القيام، والجامع: أن كلًا منهما انتقال من حال إلى حال، فلا بدَّ من التكبير له، تنبيه: قوله: "وينحطّ معه في غير ركوع بلا تكبير" قلتُ: هذا لم أجد دليلًا قويًا عليه، فإن قلتَ: لمَ استحب له أن يدخل مع الإمام؟ قلتُ: للسنة القولية: حيث قال: "إذا جئتم الصلاة ونحن سجود=
стр. 597
انقلبت نفلًا (٢٣) (ولا قراءة على مأموم) أي: يتحمَّل الإمام عنه قراءة الفاتحة؛ لقوله ﷺ "من كان له إمام فقراءته له قراءة" رواه أحمد (ويُستحب) للمأموم أن يقرأ (في إسرار إمامه) أي: فيما لا يجهر فيه الإمام (و) في (سكوته) أي: سكتات الإمام، وهي: قبل الفاتحة، وبعدها بقدرها بعد فراغه من القراءة، وكذا: لو سكت لتنفس (و) فيما إذا (لم يسمعه لبُعد) عنه (لا) إذا لم يسمعه (الطرش) فلا يقرأ إن أشغل غيره عن الاستماع، وإن لم يشغل أحدًا قرأ (٢٤) (ويستفتح) المأموم (ويستعيذ فيما
فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا"، وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب قرينة اللفظ، وهو قوله "ولا تعدُّوها شيئًا".
(٢٣) مسألة: يجب على المسبوق أن يقوم ليأتي بما فاته بعد سلام الإمام التسليمة الثانية، فإن قام قبل تمام التسليمة الثانية، وهو عالم بتحريم ذلك وأنَّه مفسد لصلاته ومتذكَّر له: فإن صلاة الفرض تبطل، وتكون نفلًا، ويجب أن يُعيد الفرض، أما إن قام ثم رجع، ثم لما فرغ الإمام من سلامه: قام وأتى بما عليه: فإن صلاته صحيحة يُتمها، ويسجد للسهو قبل سلامه، أما إن لم يرجع وهو جاهل بالحكم أو ناسي: فصلاته صحيحة، ولا يسجد للسهو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نية الائتمام: وجوب الاستمرار مع إمامه إلى فراغ الصلاة بالتسليمة الثانية ويلزم من رجوعه: صحتها، ويلزم من قيامه قبل ذلك وهو عالم ذاكر: بطلانها، وانقلابها إلى نافلة؛ لأن التسليمة الثانية ليست فرضًا، ويلزم من عدم رجوعه جهلًا أو نسيانًا: صحتها: لوجود العذر، وقد بان المقصد منه.
(٢٤) مسألة: قراءة الفاتحة في جميع ركعات الصلاة ركن لا تصح الصلاة إلا بها - كما سبق في صفة الصلاة -، سواء كان المصلي مأمومًا، أو إمامًا، أو منفردًا، بعيدًا أو قريبًا أطرشًا أو لا، وسواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويقرأها المأموم في الجهرية عند سكتات الإمام بعد الفاتحة أو سكوته للتنفس؛ للسنة=
стр. 598
يجهر فيه إمامه) كالسرية، قال في "الشرح" وغيره: ما لم يسمع قراءة إمامه، (٢٥) وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها يستفتح له، ويتعوَّذ،
القولية حيث قال ﷺ لما انصرف من صلاة الفجر -: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم، لا تفعلوا إلا بأمَّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" وهي الفاتحة، وهذا عام لجميع المصلين ولجميع الصلوات لأن "من" الموصولة في قوله: "لمن" وكذا: النكرة في سياق النفي وهي: "لا صلاة" من صيغ العموم ونفى صحة الصلاة مطلقًا إذا لم يقرأ المصلي بالفاتحة، ويدل على أن المراد: نفي الصحة: إثبات قراءتها بعد نفيه للقراءة كلها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من كان له إمام، فقراءته له قراءة" فخصَّص هذا الحديث الذي ذكرناه عندهم، قلتُ: إن هذا الحديث ضعيف، وروي موقوفًا على راويه - كما قال الدارقطني في سننه (١/ ٣١٤) وابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٨٠)، وعلى فرض صحته: فإن حديثنا يُقدَّم عليه؛ لقوته، ويؤيد ما قلناه: أن قراءة المأموم للفاتحة - في سكتات الإمام - فيه استحضار لما يقرأ والتفكير فيه أكثر مما يسمعه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض هذين الحديثين" فعندنا: أن حديثهم لا يصح، وعندهم: يصح، لذا خصَّص عندهم حديثنا، وجعلوه خاصًا بالإمام والمنفرد [فرع]: يُشترط لصحة قراءة المأموم للفاتحة: أن لا يُشغل غيره ممن بجانبه؛ للمصلحة: حيث إنَّ ذلك فيه إلحاق الضرر على جيرانه من المأمومين من حيث منعهم من التفكَّر فيما يقرأون، والضرر يُزال فلذلك اشترط هذا الشرط دفعًا لهذا الضرر.
(٢٥) مسألة: يُستحب للمأموم أن يستفتح، ويستعيذ في الصلاة الجهرية؛ قياسًا على الصلاة السرية بجامع: الحصول على خير ذلك وثوابه.
стр. 599
ويقرأ سورة، (٢٦) لكن لو أدرك ركعة من رباعية أو مغرب: تشهَّد عقب أخرى، ويتورَّك معه (٢٧) (ومن ركع أو سجد) أو رفع منهما (قبل إمامه: فعليه أن يرفع)
(٢٦) مسألة: ما أدرك المسبوق من الصلاة مع الإمام هو أولها، وما يقضيه ويأتي به بعد سلام إمامه هو: آخرها: وبناء عليه: فإن المسبوق إذا قام ليقضي ما فاته فلا يستفتح ولا يتعوذ، ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما فاتكم فأتموا" فأوجب إتمام الصلاة، ويلزم من هذا: أن ما بقي من الصلاة يوصف بأنه متمِّم لأولها الذي فعله هذا المسبوق مع إمامه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عليه ﵁: "ما أدركت فهو أول صلاتك" فإن قلتَ: إن ما أدرك المسبوق من الصلاة مع الإمام هو: آخر صلاته، وما يقضيه ويأتي به بعد سلام الإمام هو أولها، ولذا: إذا قام المسبوق إلى إكمال صلاته، فإنه يستفتح ويتعوذ ويقرأ سورة بعد الفاتحة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وما فاتكم فاقضوا" والقضاء يكون لشيء قد فات محلُّه، ويُجعل في القضاء كما يجعل في الأداء، فكما أنه في أول الصلاة يستفتح ويتعوذ فكذلك في قضائه، قلتُ: المراد بالقضاء هنا: هو الفعل، يؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي فعلت الصلاة، وفعلتم مناسك الحج، وعلى هذا فلا تنافي بين "فأتموا" و "اقضوا" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في المراد بالقضاء الوارد في الحديث، فعندنا: الفعل، ولا تنافي بينها وبين الإتمام، وعندهم: يوجد تنافي.
(٢٧) مسألة: إذا أدرك المسبوق ركعة من الرباعية، أو المغرب: فإنه إذا أتى بركعة - بعد سلام إمامه -: يجلس للتشهد الأول، ويتورَّك، ولا يُحسب له التشهد الأخير الذي أدركه مع إمامه لا من أول صلاته، ولا من آخرها؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمحافظة على هيئة الصلاة، فتجب.
стр. 600
أي: يرجع (ليأتي به) أي: بما سبق به الإمام (بعده) لتحصل المتابعة الواجبة، (٢٨) ويحرم سبق الإمام عمدًا؛ لقوله ﷺ : "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار" متفق عليه، والأولى: أن يشرع في أفعال الصلاة بعد الإمام، (٢٩) وإن كبَّر معه لإحرام لم تنعقد، (٣٠) وإن
(٢٨) مسألة: إذا ركع المأموم أو سجد قبل ركوع وسجود الإمام عمدًا: فهذا حرام ولا يُعتبر هذا الركوع أو السجود وعليه: أن يرجع ليأتي بالركوع أو السجود بعدما يفعلهما إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لَم شرع هذا؟ قلتُ: لتحقيق المتابعة للإمام التي أمر بها الشارع؛ حيث قال ﷺ : "فلا تختلفوا عليه"، وللبعد عن تشبيهه بالحمار الذي لا يعقل شيئًا.
(٢٩) مسألة: يُستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعدما يشرع به الإمام، ويُكره اتفاقه معه في نفس الشروع، فمثلًا: إذا ركع الإمام: يركع المأموم بعده، ولا يركع معه، فإن ركع معه: صحَّت الصلاة وكره؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فلا تركعوا حتى يركع" أي: اركعوا بعد ركوع الإمام لا معه، وهو الذي أفاده مفهوم الغاية هنا، فإن قلتَ: لَم صحَّت إذا استويا في شروعهما بالركوع؟ قلتُ: لكون المأموم لم يسبق الإمام في ذلك فلم يرتكب منهيًا عنه، فإن قلتَ: لَم استحب أن يشرع المأموم بعد شروع الإمام؟ قلتُ: لتحقيق المتابعة للإمام المأمور بها أو تأكيدها، تنبيه: قوله: "ويحرم سبق الإمام عمدًا" قلتُ: قد سبق بيانه في مسألة (٢٨).
(٣٠) مسألة: إذا كبَّر المأموم تكبيرة الإحرام في نفس الوقت الذي كبَّر فيه الإمام تكبيرة الإحرام: فإن صلاة المأموم لا تنعقد، وتفوته فضيلة صلاة الجماعة: سواء كانت عمدًا أو سهوًا؛ للتلازم؛ حيث إن شرط اقتداء المأموم بالإمام هو: =
следующие страницы →