Полный текст (3 194 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ويُستحب دخوله معه حيث أدركه، وينحط معه في غير ركوع بلا تكبير، ويقوم مسبوق به، (٢٢) وإن قام قبل سلام إمامه الثانية ولم يرجع:
قلتُ: لمَ تكفِ تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع؟ قلتُ: لأن تكبيرة الإحرام ركن لا تصح الصلاة إلا بها؛ بخلاف تكبيرة الركوع فهي واجب فلزم تقديم الركن، ويدخل الواجب ضمنه عند عدم القدرة بالإتيان بهما معًا، ولهذا لا ينوي بذلك التكبير تكبيرة الركوع، فإن قلتَ: إذا نواهما معًا لا يُجزئه ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه شرَّك بين الواجب والركن في النية فيلزم عدم الإجزاء قلتُ: بل يُجزئ ذلك كما قلنا؛ للتلازم؛ حيث إن نية الركوع ونية التحريمة غير متنافيتين؛ لأنهما عبادة إجماعًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل نية تكبيرة الإحرام تختلف عن نية تكبيرة الركوع أو لا؟ " فعندنا: لا وعندهم: تختلف.
(٢٢) مسألة: يُستحب أن يدخل الشخص مع الجماعة الذين يُصلُّون وراء إمام في أية حالة كانوا عليها، فإن كان الإمام جالسًا أو ساجدًا: فإنه يُكبِّر تكبيرة الإحرام وهو قائم ثم يجلس أو يسجد معه، وكذا: إذا سلَّم الإمام: فإن المسبوق يقوم ليأتي بما فاته مُكبِّرًا؛ للقياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن من أدرك الإمام راكعًا يُكبِّر تكبيرة الإحرام ويركع، فكذلك من أدركه جالسًا أو ساجدًا يُكبِّر الإحرام ويجلس أو يسجد والجامع: أن كلًا منهما يُريد الدخول في الصلاة، ولا دخول إلا بتكبيرة الإحرام، ثانيهما: كما أن القائم من التشهد الأول يُكبِّر حين قيامه، فكذلك من قام يُريد أن يأتي بما فاته بعد سلام إمامه يُكبِّر لأجل هذا القيام، والجامع: أن كلًا منهما انتقال من حال إلى حال، فلا بدَّ من التكبير له، تنبيه: قوله: "وينحطّ معه في غير ركوع بلا تكبير" قلتُ: هذا لم أجد دليلًا قويًا عليه، فإن قلتَ: لمَ استحب له أن يدخل مع الإمام؟ قلتُ: للسنة القولية: حيث قال: "إذا جئتم الصلاة ونحن سجود=
стр. 597
انقلبت نفلًا (٢٣) (ولا قراءة على مأموم) أي: يتحمَّل الإمام عنه قراءة الفاتحة؛ لقوله ﷺ "من كان له إمام فقراءته له قراءة" رواه أحمد (ويُستحب) للمأموم أن يقرأ (في إسرار إمامه) أي: فيما لا يجهر فيه الإمام (و) في (سكوته) أي: سكتات الإمام، وهي: قبل الفاتحة، وبعدها بقدرها بعد فراغه من القراءة، وكذا: لو سكت لتنفس (و) فيما إذا (لم يسمعه لبُعد) عنه (لا) إذا لم يسمعه (الطرش) فلا يقرأ إن أشغل غيره عن الاستماع، وإن لم يشغل أحدًا قرأ (٢٤) (ويستفتح) المأموم (ويستعيذ فيما
فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا"، وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب قرينة اللفظ، وهو قوله "ولا تعدُّوها شيئًا".
(٢٣) مسألة: يجب على المسبوق أن يقوم ليأتي بما فاته بعد سلام الإمام التسليمة الثانية، فإن قام قبل تمام التسليمة الثانية، وهو عالم بتحريم ذلك وأنَّه مفسد لصلاته ومتذكَّر له: فإن صلاة الفرض تبطل، وتكون نفلًا، ويجب أن يُعيد الفرض، أما إن قام ثم رجع، ثم لما فرغ الإمام من سلامه: قام وأتى بما عليه: فإن صلاته صحيحة يُتمها، ويسجد للسهو قبل سلامه، أما إن لم يرجع وهو جاهل بالحكم أو ناسي: فصلاته صحيحة، ولا يسجد للسهو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نية الائتمام: وجوب الاستمرار مع إمامه إلى فراغ الصلاة بالتسليمة الثانية ويلزم من رجوعه: صحتها، ويلزم من قيامه قبل ذلك وهو عالم ذاكر: بطلانها، وانقلابها إلى نافلة؛ لأن التسليمة الثانية ليست فرضًا، ويلزم من عدم رجوعه جهلًا أو نسيانًا: صحتها: لوجود العذر، وقد بان المقصد منه.
(٢٤) مسألة: قراءة الفاتحة في جميع ركعات الصلاة ركن لا تصح الصلاة إلا بها - كما سبق في صفة الصلاة -، سواء كان المصلي مأمومًا، أو إمامًا، أو منفردًا، بعيدًا أو قريبًا أطرشًا أو لا، وسواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويقرأها المأموم في الجهرية عند سكتات الإمام بعد الفاتحة أو سكوته للتنفس؛ للسنة=
стр. 598
يجهر فيه إمامه) كالسرية، قال في "الشرح" وغيره: ما لم يسمع قراءة إمامه، (٢٥) وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها يستفتح له، ويتعوَّذ،
القولية حيث قال ﷺ لما انصرف من صلاة الفجر -: "لعلكم تقرأون خلف إمامكم، لا تفعلوا إلا بأمَّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" وهي الفاتحة، وهذا عام لجميع المصلين ولجميع الصلوات لأن "من" الموصولة في قوله: "لمن" وكذا: النكرة في سياق النفي وهي: "لا صلاة" من صيغ العموم ونفى صحة الصلاة مطلقًا إذا لم يقرأ المصلي بالفاتحة، ويدل على أن المراد: نفي الصحة: إثبات قراءتها بعد نفيه للقراءة كلها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من كان له إمام، فقراءته له قراءة" فخصَّص هذا الحديث الذي ذكرناه عندهم، قلتُ: إن هذا الحديث ضعيف، وروي موقوفًا على راويه - كما قال الدارقطني في سننه (١/ ٣١٤) وابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٨٠)، وعلى فرض صحته: فإن حديثنا يُقدَّم عليه؛ لقوته، ويؤيد ما قلناه: أن قراءة المأموم للفاتحة - في سكتات الإمام - فيه استحضار لما يقرأ والتفكير فيه أكثر مما يسمعه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض هذين الحديثين" فعندنا: أن حديثهم لا يصح، وعندهم: يصح، لذا خصَّص عندهم حديثنا، وجعلوه خاصًا بالإمام والمنفرد [فرع]: يُشترط لصحة قراءة المأموم للفاتحة: أن لا يُشغل غيره ممن بجانبه؛ للمصلحة: حيث إنَّ ذلك فيه إلحاق الضرر على جيرانه من المأمومين من حيث منعهم من التفكَّر فيما يقرأون، والضرر يُزال فلذلك اشترط هذا الشرط دفعًا لهذا الضرر.
(٢٥) مسألة: يُستحب للمأموم أن يستفتح، ويستعيذ في الصلاة الجهرية؛ قياسًا على الصلاة السرية بجامع: الحصول على خير ذلك وثوابه.
стр. 599
ويقرأ سورة، (٢٦) لكن لو أدرك ركعة من رباعية أو مغرب: تشهَّد عقب أخرى، ويتورَّك معه (٢٧) (ومن ركع أو سجد) أو رفع منهما (قبل إمامه: فعليه أن يرفع)
(٢٦) مسألة: ما أدرك المسبوق من الصلاة مع الإمام هو أولها، وما يقضيه ويأتي به بعد سلام إمامه هو: آخرها: وبناء عليه: فإن المسبوق إذا قام ليقضي ما فاته فلا يستفتح ولا يتعوذ، ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما فاتكم فأتموا" فأوجب إتمام الصلاة، ويلزم من هذا: أن ما بقي من الصلاة يوصف بأنه متمِّم لأولها الذي فعله هذا المسبوق مع إمامه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عليه ﵁: "ما أدركت فهو أول صلاتك" فإن قلتَ: إن ما أدرك المسبوق من الصلاة مع الإمام هو: آخر صلاته، وما يقضيه ويأتي به بعد سلام الإمام هو أولها، ولذا: إذا قام المسبوق إلى إكمال صلاته، فإنه يستفتح ويتعوذ ويقرأ سورة بعد الفاتحة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وما فاتكم فاقضوا" والقضاء يكون لشيء قد فات محلُّه، ويُجعل في القضاء كما يجعل في الأداء، فكما أنه في أول الصلاة يستفتح ويتعوذ فكذلك في قضائه، قلتُ: المراد بالقضاء هنا: هو الفعل، يؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي فعلت الصلاة، وفعلتم مناسك الحج، وعلى هذا فلا تنافي بين "فأتموا" و "اقضوا" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في المراد بالقضاء الوارد في الحديث، فعندنا: الفعل، ولا تنافي بينها وبين الإتمام، وعندهم: يوجد تنافي.
(٢٧) مسألة: إذا أدرك المسبوق ركعة من الرباعية، أو المغرب: فإنه إذا أتى بركعة - بعد سلام إمامه -: يجلس للتشهد الأول، ويتورَّك، ولا يُحسب له التشهد الأخير الذي أدركه مع إمامه لا من أول صلاته، ولا من آخرها؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمحافظة على هيئة الصلاة، فتجب.
стр. 600
أي: يرجع (ليأتي به) أي: بما سبق به الإمام (بعده) لتحصل المتابعة الواجبة، (٢٨) ويحرم سبق الإمام عمدًا؛ لقوله ﷺ : "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار" متفق عليه، والأولى: أن يشرع في أفعال الصلاة بعد الإمام، (٢٩) وإن كبَّر معه لإحرام لم تنعقد، (٣٠) وإن
(٢٨) مسألة: إذا ركع المأموم أو سجد قبل ركوع وسجود الإمام عمدًا: فهذا حرام ولا يُعتبر هذا الركوع أو السجود وعليه: أن يرجع ليأتي بالركوع أو السجود بعدما يفعلهما إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لَم شرع هذا؟ قلتُ: لتحقيق المتابعة للإمام التي أمر بها الشارع؛ حيث قال ﷺ : "فلا تختلفوا عليه"، وللبعد عن تشبيهه بالحمار الذي لا يعقل شيئًا.
(٢٩) مسألة: يُستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعدما يشرع به الإمام، ويُكره اتفاقه معه في نفس الشروع، فمثلًا: إذا ركع الإمام: يركع المأموم بعده، ولا يركع معه، فإن ركع معه: صحَّت الصلاة وكره؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فلا تركعوا حتى يركع" أي: اركعوا بعد ركوع الإمام لا معه، وهو الذي أفاده مفهوم الغاية هنا، فإن قلتَ: لَم صحَّت إذا استويا في شروعهما بالركوع؟ قلتُ: لكون المأموم لم يسبق الإمام في ذلك فلم يرتكب منهيًا عنه، فإن قلتَ: لَم استحب أن يشرع المأموم بعد شروع الإمام؟ قلتُ: لتحقيق المتابعة للإمام المأمور بها أو تأكيدها، تنبيه: قوله: "ويحرم سبق الإمام عمدًا" قلتُ: قد سبق بيانه في مسألة (٢٨).
(٣٠) مسألة: إذا كبَّر المأموم تكبيرة الإحرام في نفس الوقت الذي كبَّر فيه الإمام تكبيرة الإحرام: فإن صلاة المأموم لا تنعقد، وتفوته فضيلة صلاة الجماعة: سواء كانت عمدًا أو سهوًا؛ للتلازم؛ حيث إن شرط اقتداء المأموم بالإمام هو: =
стр. 601
سلَّم معه: كُره وصح، (٣١) وقبله عمدًا بلا عذر: بطلت، وسهوًا: يُعيده بعده، وإلَّا: بطلت (٣٢) (فإن لم يفعل) أي: لم يُعد (عمدًا) حتى لحقه الإمام فيه: (بطلت) صلاته؛ لأنه ترك الواجب عمدًا، وإن كان سهوًا أو جهلًا: فصلاته صحيحة، ويعتدُّ به (٣٣) (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالمًا عمدًا: بطلت) صلاته؛ لأنه سبقه
أن يُكبر المأموم التحريمة بعد الإمام، لا قبله ولا معه: فلزم من مخالفة المأموم لهذا الشرط - وهو أنه كبر معه -: عدم انعقاد صلاة المأموم مع إمامه؛ لأنه بتكبيرة الإحرام بعد إمامه تبدأ متابعته له، بخلاف التكبيرات الأخرى فهي داخل الصلاة فلا يضر أن يُكبِّر تكبيرة الركوع مع تكبير الإمام.
(٣١) مسألة: إذا سلَّم المأموم في نفس الوقت الذي سلَّم فيه إمامه: فإن صلاته تصح، ويُكره فعله ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسليمه مع الإمام: صحة صلاته؛ لأنه لم يُسلِّم قبله، ويلزم موافقته بالتسليم لإمامه: كراهة ذلك؛ لأنه لم يُسلِّم بعده، لتحقيق المتابعة.
(٣٢) مسألة: إذا سلَّم المأموم عمدًا قبل سلام إمامه: فصلاته باطلة، وإن سلَّم سهوًا أو جهلًا قبل سلام إمامه: فإنه يُعيد السلام بعد سلام إمامه، وإن لم يُعد عمدًا: بطلت صلاته؛ للتلازم؛ حيث إن السلام ركن - كما سبق في صفة الصلاة - ويكون للمأموم بعد سلام إمامه فيلزم من سلامه قبل سلام إمامه عمدًا: بطلان صلاته لتركه المتابعة؛ ويلزم وقوع ذلك سهوًا أو جهلًا: إعادته بعد سلام إمامه فتصح صلاته؛ لوجود العذر، ويلزم من عدم إعادته عمدًا: بطلان صلاته؛ لأنه ترك ركنًا، وهذا يُبطل العمل، وهذا المقصد منه.
(٣٣) مسألة: إذا ركع المأموم أو سجد قبل ركوع الإمام أو سجوده، ولم يرجع عمدًا ليركع ويسجد بعد إمامه، ثم لحقه الإمام فيما سبقه فيه: فإن صلاته باطلة، أما إن لم يرجع سهوًا أو جهلًا: فيعتدُّ بتلك الركعة التي وقع فيها السبق، =
стр. 602
بمعظم الركعة (وإن كان جاهلًا أو ناسيًا) وجوب المتابعة (بطلت الركعة) التي وقع السبق فيها (فقط) فيُعيدها، وتصح صلاته؛ للعذر (وإن) سبقه مأموم بركنين بأن (ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه) أي: رفع إمامه من الركوع: (بطلت) صلاته؛ لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر الركعة (إلا الجاهل والناسي) فتصح صلاتهما؛ للعذر (ويُصلِّي) الجاهل والناسي (تلك الركعة قضاء)؛ لبطلانها؛ لأنه لم يقتد بإمامه فيها، ومحلُّه: إذا لم يأت بذلك مع إمامه، (٣٤) ولا تبطل بسبق بركن واحد غير ركوع، (٣٥) والتخلُّف عنه كسبقه على ما
وتصح صلاته؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من تركه الواجب عمدًا - وهو متابعة إمامه - بطلان المتابعة والجماعة فتبطل صلاته؛ لكونه لا يُسمَى مصليًا وحده، ولا مصليًا مع الجماعة، فلم يؤدِّي الصلاة، ويلزم من وقوع ذلك جهلًا أو سهوًا: صحَّة صلاته؛ للعذر.
(٣٤) مسألة: إذا ركع المأموم، ثم رفع من ركوعه قبل ركوع إمامه، أو ركع المأموم ورفع قبل ركوع إمامه، ثم سجد قبل رفع إمامه من ركوعه، وفعل المأموم ذلك عمدًا: بطلت صلاته في الحالتين، وإن فعل ذلك جهلًا أو نسيانًا: فإن تلك الركعة التي وقع فيها السبق هي التي تبطل، وتصح صلاته، ويقضي تلك الركعة فقط بعد سلامه؛ للتلازم؛ حيث إنه ترك المتابعة الواجبة عمدًا فيلزم: بطلان صلاته هذا الإمام، ويلزم من ترك المتابعة جهلًا أو نسيانًا: صحَّة صلاته؛ لوجود عذره، ويقضي تلك الركعة، التي وقع فيها السبق؛ لفسادها؛ لعدم متابعة إمامه فيها، ولفواتها عن محلِّها.
(٣٥) مسألة: إذا سبق مأموم إمامه بركن واحد - غير التحريمة والركوع -: فإن صلاته - أي: المأموم - تصح، وتصح متابعته؛ للتلازم؛ حيث إن هذا سبق يسير لا يؤثر فتلزم صحتها.
стр. 603
تقدَّم (٣٦) (ويُسنُّ للإمام التخفيف مع الإتمام)؛ لقوله ﷺ : "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفِّف" قال في "المبدع": ومعناه: أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة إلا أن يؤثر المأموم التطويل، وعددهم ينحصر، وهو عام في كل الصلوات، مع أنه سبق أنه يُستحب أن يقرأ في الفجر بطوال المفصَّل، وتكره سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسنُّ، (٣٧) (و) يُسنُّ (تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية)؛
(٣٦) مسألة: إذا تخلَّف مأموم عن إمامه بركن أو ركنين من ركعة واحدة: كأن يركع الإمام، ثم يرفع من الركوع والمأموم لم يركع، فلا تبطل صلاة ذلك المأموم إذا كان ذلك التخلُّف وقع بسبب نعاس أو غفلة، أو زحام، أو عجلة إمام، والواجب عليه: أن يفعل ما سبقه إليه إمامه ويلحق بالإمام إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر: فإنه يترك تلك الركعة التي تخلَّف عن ركن أو ركنين منها، ويُتابع إمامه فيما هو عليه، فإذا سلَّم إمامه يقضي المأموم تلك الركعة التي ترك منها ركنًا أو ركنين، أما إن كان ذلك وقع عمدًا: فتبطل صلاته؛ للقياس، بيانه: كما أن المأموم إذا سبق إمامه بركن أو ركنين يفعل ذلك كما سبق في مسألة (٣٤) - فكذلك إذا تخلَّف عن إمامه يفعل ذلك والجامع: عدم متابعة الإمام، وقد سبق تفصيله.
(٣٧) مسألة: يُستحب أن يُخفِّف الإمام الصلاة تخفيفًا غير مُخلِّ بأركان وواجبات الصلاة بأن يقتصر على أدنى الكمال في الأقوال والأفعال فيها، وتكره سرعته إلى حد لا يستطيع معها المأموم أن يفعل ويقول بعض المسنونات في الصلاة، أما إن كان المأمومون محصورين وهم موافقون على التطويل: فُيستحب التطويل فيها، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا صلى أحدكم بالناس فليُخفِّف؛ فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة" وصرفت السنة الفعلية هذا الأمر في قوله: "فليخفف" من الوجوب إلى الاستحباب؛ =
стр. 604
لقول أبي قتادة ﵁: "كان النبي ﷺ يطوِّل في الركعة الأولى" متفق عليه إلا في صلاة خوف في الوجه الثاني، وبيسير كـ "سبَّح" و "الغاشية" (٣٨) (ويُستحب) للإمام
حيث كان ﷺ يطيل الصلاة بالصحابة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تخفيف الصلاة فيه مراعاة أحوال وظروف المأمومين؛ لكونهم غير متساويين في القوة والنشاط والفراغ، وفي تمكين المأموم من فعل بعض المسنونات في الصلاة فيه تمكينه من الحصول على الأجر، فيكره حرمانه منه، وفي التطويل على مأمومين قد وافقوا ذلك فيه الحصول على أجر استماع الذكر، فاستُحب لأجل ذلك.
(٣٨) مسألة: يُستحب أن يُطوِّل الإمام الركعة الأولى ويجعلها أطول من الثانية بيسير: كأن يقرأ في الأولى بـ "سبِّح" والثانية بـ "الغاشية" إلا في صلاة الخوف: فإنه يُستحب أن يجعل الثانية أطول من الأولى إذا كان العدو في غير جهة القبلة؛ للسنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ كان يطول في الأولى كما رواه أبوقتادة فيقرأ فيها بـ "سبِّح"، ويقرأ في الثانية بـ "الغاشية"، والفرق بينهما يسير، ثانيهما: أنه ﷺ قد طوَّل في الثانية دون الأولى في صلاة الخوف، فإن قلتَ: لمَ استحبَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تطويل الأولى فيه تمكين المتأخر من المأمومين من إدراكها، وهذا فيه فضل عظيم، وفيه مراعاة نشاط المصلي، حيث إنه أنشط في الأولى، وتطوَّل الثانية في صلاة الخوف لأجل أن يُتم من صلى معه الركعة الأولى صلاته، ويُسلِّمون ثم يذهبون ثم يأتي من لم يصل معه الأولى، فيصلي معه الركعة الثانية وهذه صفة صلاة الخوف كما سيأتي بيانها، وهذا فيه تمكين جميع الصحابة من الصلاة معه؛ لأنهم كانوا يريدون ذلك، فإن قلتَ: إن الركعتين الأوليين يُستحب أن تتساويا - في غير صلاة الخوف - وهو قول الشافعي؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: "حزرنا قيام النبي ﷺ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية" وهذا يلزم تساويهما قلتُ: إن حديث أبي قتادة قد تضمَّن زيادة على ما جاء في =
стр. 605
(انتظار داخل إن لم يشق على مأموم)؛ لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه (٣٩) (وإذا استأذنت المرأة) الحرة أو الأمة (إلى المسجد: كره منعها)، لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات" رواه أحمد وأبو داود، وتخرج غير متطيبة، ولا لابسة ثياب زينة (وبيتها خير لها)؛ لما تقدَّم، ولأب ثم أخ ونحوه منع موليته من الخروج إن خشي فتنة أو ضررًا، ومن
حديث أبي سعيد، وهي: التفريق بين الركعتين، وهي زيادة ثقة فتُقبل، ويُرجَّح بهذا حديثُ أبي قتادة، ويؤيد ذلك: المصلحة التي ذكرناها، فإن قلتَ: ماسبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في زيادة الثقة هل هي حجة هنا؟ " فعندنا: حجة، ويعمل بها، وعندهم: ليست بحجة هنا.
(٣٩) مسألة: يُستحب أن ينتظر الإمام الداخل إلى المسجد، ويُمكنِّه من إدراك الركعة الأولى، والجماعة بشرط: أن لا يشق على مأموم معه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين المتأخر من إدراك فضل الركعة الأولى مع الإمام، وإدراك الجماعة، وفي اشتراط: عدم وجود مشقة على مأموم معه: تقديم مراعاة حال المأموم الذي معه على مراعاة شخص قد يأتي، وقد لا يأتي، فإن قلتَ: لا يُستحب ذلك؛ وهو قول بعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث إن الصلاة لها هيئة معلومة وصفة مشروعة فيلزم: عدم تغيُّر ذلك بسبب انتظار أحد قلتُ: إن الشريعة مبنية على مراعاة جلب المصالح، ودفع المفاسد عن الخلق، وقد سبق كثير من ذلك، وهذا منه، يؤيده: مراعاته ﷺ أم الصبي الباكي؛ حيث يُعجِّل الصلاة رحمة بالصبي وأمه، ومراعاته الكبير والضعيف، والمريض، وذا الحاجة - كما سبق - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل تراعى المصلحة في الصلاة أو لا؟ " فعندنا: نعم؛ وعندهم: لا.
стр. 606
الانفراد (٤٠) فصل: في أحكام (الأولى بالإمامة: الأقرأ) جودة (العالم فقه
(٤٠) مسألة: صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، ويُكره منع المرأة من الخروج إلى المسجد إذا كانت غيرُ متزينة بثياب أو طيب، وإذا كانت مع مجموعة من النساء ولم يُخش من الفتنة، أما إن كانت متزينة، أو خرجت منفردة، أو خشي الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن أن خروجها فيه فتنة أو شُكَّ فيها أو نحو ذلك: فيُحرَّم عليها الخروج، ويجب على وليها - ممن سبق - أن يمنعها ولو بالقوة ولو كانت مُظهرة للديانة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن وهن تفلات" وصرف النهي في قوله: "لا تمنعوا" من التحريم إلى الكراهة قوله: "بيوتهن خير لهن" ليتمكن من إدراك تلك الخيرية، والأفضلية التي في الحديث الآتي، ويلزم من لفظ "خير لهن" أن صلاتها في بيتها الفرض والنافلة خير لها مطلقًا، ويلزم من لفظ "تفلات": أن لا يخرجن وهن متزينات بأي شيء ثانيهما: قوله: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" وهو واضح، الثانية: المصلحة: حيث إن الولي إذا غلب على ظنه وقوع فتنة على موليته أو شك في ذلك: فإنه يمنع موليته من الخروج ولو بالقوة، ولو كان ظاهرها الديانة؛ لمنع المفاسد المتوقعة بسبب هذا الخروج خاصة وأن صلاتها في بيتها خير لها كما صرَّح به النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لِمَ لا يُكره منعها بالشروط السابقة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين لها من الحصول على فضل صلاة الجماعة، فإن قلتَ: يحرم منع المرأة غير الملفتة للنظر من الخروج إلى المسجد، وهو قول بعض العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تمنعوا … " والنهي مطلق فيقتضي التحريم، قلتُ: إن هذا النهي قد صرف من التحريم إلى الكراهة بالسنة القولية التي سبق ذكرها من وجهين، ثم إن منعها لمصلحتها التي يدركها الولي وقد لا =
стр. 607
صلاته)؛ لقوله ﷺ : "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا" رواه مسلم (ثم) إن استووا في القراءة (الأفقه)؛ لما تقدم، فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدهما أفقه أو أقرأ: قُدِّم، فإن كانا قارئين: قُدِّم أجودهما قراءة، ثم أكثرهما قرآنًا، ويقدم قارئ لا يعرف أحكام صلاته على فقيه أمِّي، وإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة: قُدِّم؛ لأن علمه يؤثِّر في تكميل الصلاة (ثم) إن استووا في القراءة والفقه: (الأسن): لقوله ﷺ : "وليؤمكم أكبركم" متفق عليه (ثم) مع الاستواء في السن (الأشرف) وهو: القرشي، وتُقدَّم بنو هاشم على سائر قريش، إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى؛ لقوله ﷺ : "قدِّموا قريشًا ولا تقدموها"، (ثم الأقدم هجرة) أو إسلامًا (ثم) مع الاستواء فيما تقدَّم (الأتقى)؛ لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (ثم) إن استووا في الكل: يقدم (من قرع) إن تشاحُّوا؛ لأنهم تساووا في الاستحقاق، وتعذَّر الجمع فأقرع بينهم كسائر الحقوق (٤١)
تدركها هي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل النهي في الحديث السابق على إطلاقه، أو هو مصروف إلى الكراهة؟ " فعندنا: مصروف بما ذكرناه، وعندهم على إطلاقه فيقتضي التحريم.
(٤١) مسألة: إذا اجتمع اثنان يريدان إمامة الصلاة في مسجد: فإنه يُقدم الأفضل منهما وهو كما يلي: أولًا: إذا كانا قارئين للقرآن عالمين بفقه الصلاة: فإنه يقدم الأجود قراءةً والأعلم بفقهها، ثانيًا: إذا كانا سواء في القراءة، ولكن أحدهما أفقه بأحكام الصلاة فإنه يُقدَّم الأفقه، ثالثًا: إذا كانا قارئين فقيهين، ولكن أحدهما أقرأ، والآخر أفقه بأحكام الصلاة: فإنه يُقدَّم الأقرأ، رابعًا: إذا كانا قارئين، ولكن أحدهما أجود قراءة وأقل لحنًا وأقل حفظًا لكتاب الله، والثاني =
стр. 608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكثر حفظًا، وأكثر لحنًا: فإنهُ يقدم الأول، خامسًا: إذا كانا متساويين في جودة القراءة، لكن أحدهما أكثر قرآنًا: فإنه يُقدَّم، سادسًا: إذا كان أحدهما قارئ للقرآن ومحسن للفاتحة، ولكنه لا يعرف فقه أحكام الصلاة، والثاني يعرف فقه أحكام الصلاة، ولكنه أُمي لا يُحسن الفاتحة: فإنه يُقدَّم الأول، سابعًا: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه، ولكن الأول منهما أفقه في أحكام الصلاة والثاني أفقه في أحكام الزكاة والصيام وغيرهما: فإنه يُقدم الأول، ثامنًا: إذا كانا قارئين فقيهين، ولكن الأول هاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام قبل الثاني: فإنه يُقدَّم الأول، تاسعًا: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه وسنة الهجرة ولكن الأول أسلم قبل الثاني: فإنه يقدم الأول، عاشرًا: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه وسنة الهجرة والإسلام، ولكن الأول أكبر سنًا من الثاني: قدم الأول، حادي عشر: إذا كانا متساويين في القراءة والفقه وسنة الهجرة والإسلام والسن، ولكن الأول أتقى وأورع من الثاني: قُدِّم الأول - وهو: الذي يترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس -، ثاني عشر: إذا كانا متساويين فبالقراءة والفقه والهجرة والإسلام والتقوى: فإنه يُقرع بينهما، فأيهما أصابته القرعة يكون هو الإمام؛ لقواعد الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا" فلزم تقديم الأقرأ لكتاب الله مطلقًا، والمراد بالسنة: التفقه بدين الله خاصة أحكام الصلاة، وهذا الحديث يلزم منه استنباط تسعة مراتب، ثانيهما: أنه ﷺ قال لمالك بن الحويرث ولرجل معه: "وليؤمّكما أكبركما" وهذا يلزم منه العاشر، الثانية: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فيلزم من تكريمه: تقديمه، وهذا لزم منه الحادي عشر، الثالثة: القياس، بيانه، =
стр. 609
(وساكن البيت وإمام المسجد أحق) إذا كان أهلًا للإمامة ممن حضرهم، ولو كان في الحاضرين من هو أقرأ أو أفقه؛ لقوله ﷺ : "لا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في بيته ولا في سلطانه" رواه أبو داود عن ابن مسعود (٤٢) (إلا من ذي سلطان) فيقدَّم عليهما؛
كما أنه ﷺ يُقرع بين نسائه فأيتها خرجت القرعة لها تخرج معه إذا أراد السفر، فكذلك تُستعمل القرعة هنا والجامع: أن كلًا منهما حق من الحقوق ليس أحدهما بأولى من الآخر، وهذا يلزم منه: الثاني عشر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا الترتيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة فيُقدَّم من يُتقنها، ويُقدم من يُتقن قراءة القرآن كله على غيره، ثم يُقدَّم من يعلم فقه الصلاة، ليعرف كيف يتصرَّف إن طرأ له طارئ، ثم يُقدَّم الأسبق في الهجرة؛ وفي الإسلام، والأكبر؛ لكثرة معرفته بأحكام الصلاة عادة، ولسبقه للطاعة، ولتمكن الإيمان فيه أكثر من غيره، فإن قلتَ: إذا كانا سواء في القراءة والفقه، والهجرة، والإسلام والسن، ولكن الأول أشرف من الثاني نَسَبًا كأن يكون الأول من قريش، دون الثاني: فإنه يُقدَّم الأشرف نسبًا - وهو ما ذكره المصنف هنا - للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "قدِّموا قريشًا ولا تقدَّموها" وهذا عام في الإمامة الكبرى والصغرى قلتُ: هذا الحديث ليس بالقوي كما قال البيهقي في سننه (٣/ ١٢١)، فلا يُعمل به مع مخالفته للحديث الذي ذكرناه: "يؤم القوم أقرأهم … "، ويبطل ما بُني عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الاختلاف في قوة حديث: "قدِّموا قريشًا .. "، فعندنا: ضعيف، وعندهم: قوي. (٤٢) مسألة: إذا كان زيد هو الساكن للبيت وهو صالح للإمامة أو هو الإمام الراتب للمسجد: فإن زيدًا هو الأحق بالإمامة وإن كان معه من هو أقرأ منه أو أفقه أو أكبر، أو أقدم هجرة أو إسلامًا، ويحرم أن يتقدَّم غيره للإمامة بغير إذنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يؤمَّن الرجلُ الرجلَ في بيته ولا في سلطانه" =
стр. 610
لعموم ولايته، ولما تقدَّم من الحديث، (٤٣) والسَّيد أولى بالإمامة في بيت عبده؛ لأنه صاحب البيت (٤٤) (وحر) بالرفع على الابتداء (٤٥) (وحاضر) أي: حضري وهو: الناشئ
حيث حرم أن يتَقَدَّم غير صاحب البيت وغير إمام المسجد للإمامة؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقديم غير صاحب البيت وغير الإمام الراتب للإمامة يتسبَّب في إساءة الظن فيهما، مما يؤدِّي إلى التنفير عنهما، وكذا فيه كسر قلبيهما، فدفعًا لذلك: حرم، فائدة: المراد من لفظ "ولا في سلطانه": المسلط عليه من قبل الإمام الأعظم أو نائبه كالمسجد فقد سلَّط السلطان إمامه الراتب عليه.
(٤٣) مسألة: إذا حضر السلطان الأعظم أو نائبه - كأمير البلد أو القاضي - في بيت زيد، أو كان حضر في مسجد له إمام راتب: فإنه يقدم السلطان، أو من يُنيبه في البيت والمسجد؛ للسنة الفعلية؛ حيث "أمَّ النبي ﷺ عتبان بن مالك وأخاه أنسًا في بيتهما" والمسجد مثله؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار هيبة السلطان أمام الآخرين، ويتضمَّن إظهار هيبة الإسلام ولكون ولايته عامَّة لصاحب المنزل، وللإمام الراتب.
(٤٤) مسألة: إذا اجتمع سيد مع عبده في بيت العبد: فالأحق بالإمامة السيد، وإن كان أقل من العبد في القراءة والفقه؛ للقياس، بيانه: كما أن السلطان أحق بالإمامة إذا حضر مع صاحب منزل أو إمام راتب فكذلك السيد هنا، والجامع: الولاية في كل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (٤٣).
(٤٥) مسألة: إذا اجتمع حر وعبد، أو حر ومبعَّض: فيقدَّم الحر للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث يلزم من كمال دين الحر: تقديمه على العبد؛ حيث إن العبد يسقط عنه الحج والجمعة والجهاد، والكامل في الشيء يكون عادة أحرص على الدِّين والتقوى من الناقص
стр. 611
في المدن والقرى (٤٦) (ومقيم، (٤٧) وبصير، (٤٨) ومختون) أي مقطوع القُلْفة (٤٩) (ومن له ثياب) أي: ثوبان (٥٠) وما يستر به
(٤٦) مسألة: إذا اجتمع الحضري مع البدوي فيُقدَّم الحضري للإمامة؛ للمصلحة حيث إن الحضري يكون عادةً أكمل دينًا ومعرفةً بسبب سماعه للعلماء الذين يتواجدون بالمدن والقرى عادة فيكون أفضل من حيث الأحكام الشرعية، بخلاف البدوي الذي يعيش في البوادي فهو مشتغل عادة بحلّه وترحاله وبعيد عن العلماء عادة.
(٤٧) مسألة: إذا اجتمع مقيم ومسافر: فيُقدَّم المقيم للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث إن المقيم لا يقصر الصلاة، فلا يُفوِّت شيئًا من الصلاة على المأمومين، وهو أقل شغلًا من المسافر عادةً بسبب انشغال المسافر في حلِّه وترحاله وحرصه على متاعه. وانشغاله بمصير أهله وأولاده، مما يؤدِّي إلى كثرة غلطه في الصلاة وسهوه، فيُفضي ذلك إلى اضطراب المأمومين.
(٤٨) مسألة: إذا اجتمع بصير وأعمى: فيُقدَّم البصير للإمامة؛ للمصلحة، حيث إن البصير يتحقق من إزالة النجاسة وإسباغ الوضوء، واستقبال القبلة بنفسه، بخلاف الأعمى: فلا تحصل تلك الأمور إلا بالاستعانة بغيره، ومن تحقق من الشيء بنفسه أولى ممن اعتمد على غيره.
(٤٩) مسألة: إذا اجتمع مختون - وهو: مقطوع القُلفة - وغير مختون: فيُقدَّم المختون للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث إن المختون أكمل طهارة، وأكثر تنزيهًا للبول من غير المختون - كما سبق بيانه -، والأكمل يقدم على من هو أقل منه.
(٥٠) مسألة: إذا اجتمع الأكثر ثيابًا مع الأقل ثيابًا: فُدِّم في الإمامة الأكثر ثيابًا؛ للمصلحة؛ حيث إنه أكمل في ستر عورته، وأبعد عن كشفها أو بعضها أثناء الصلاة وخارجها، بخلاف الأقل منه، والأكمل يقدم على من هو أقل منه.
стр. 612
رأسه (٥١) (أولى من ضدهم) خبر عن "حر" وما عُطف عليه: فالحر أولى من العبد، والمبعَّض، والحضري أولى من البدوي الناشئ في البادية، والمقيم أولى من المسافر؛ لأنه ربما يقصر فيُفوِّت المأمومين بعض الصلاة في جماعة، وبصير أولى من أعمى، ومختون أولى من أقلف، ومن له من الثياب ما ذكر أولى من مستور العورة مع أحد العاتقين فقط، (٥٢) وكذا: المبعَّض أولى من العبد، (٥٣) والمتوضئ أولى من المتيمِّم، (٥٤) والمستأجر في البيت أولى من المؤجِّر، (٥٥) والمعير أولى من المستعير،
(٥١) مسألة: إذا اجتمع من ستر رأسه مع من لا يستره: فيُقدَّم من يستره؛ للمصلحة؛ حيث إنه أكمل في تعظيم الله تعالى، وإكرامه، بخلاف الثاني، فيقدم الأكمل.
(٥٢) مسألة: صلاة العبد أو المبعَّض بالحر، وصلاة العبد بسيده، وصلاة المسافر بالمقيم، وصلاة البدوي بالحضري، وصلاة الأعمى بالبصير، وصلاة غير المختون بالمختون، وصلاة الأقل ثيابًا بالأكثر منها، وصلاة من لم يستر رأسه بمن ستر رأسه: صحيحة إذا كان كل واحد منهما صالحًا للإمامة؛ للتلازم؛ حيث إن شروط وأركان وواجبات الصلاة قد وجدت فيلزم صحتها، ولكن الأفضل والأولى في التقديم ما ذكرناه في مسائل (٤٥ - ٥١)؛ للمصلحة، وقد بيناها.
(٥٣) مسألة: إذا اجتمع مبعَّض - وهو من أُعتق بعضه - مع عبد كله: فيُقدَّم في الإمامة المبعَّض؛ للمصلحة؛ حيث إن المبعَّض اكمل من الذي هو رقيق كله؛ لقرب المبعَّض من الحر، فيكون أكمل بذلك، والأكمل يقدم على من هو أقل منه.
(٥٤) مسألة: إذا اجتمع متوضئ بماء مع متيمم لأي سبب: فيُقدَّم المتوضئ للإمامة؛ للمصلحة؛ حيث إن الوضوء رافع للحدث، والتيمم مبيح للصلاة فقط: فلو رأى المتيمم ماء في أثناء صلاته: لبطلت صلاته، فلذا يقدم المتوضيء، وقد سبق.
(٥٥) مسألة: إذا اجتمع مستأجر لبيت مع مالك هذا البيت: فيُقدَّم المستأجر في الإمامة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يؤمَّن الرجلُ الرجلَ في بيته" =
стр. 613
وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه؛ لحديث: "إذا أمَّ الرجلُ القوم وفيهم من هو خير منه: لم يزالوا في سفال" ذكره أحمد في "رسالته"، إلا إمام المسجد، وصاحب البيت فتحرم (٥٦) (ولا تصح) الصلاة (خلف فاسق) سواء كان فسقه من جهة الأفعال أو الاعتقاد إلا في جمعة وعيد تعذَّرا خلف غيره؛ لقوله ﷺ : "لا تؤمَّن امرأة رجلًا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه" رواه ابن ماجة عن جابر (ككافر) أي: كما لا تصح خلف كافر سواء علم بكفره في الصلاة، أو بعد الفراغ منها، (٥٧)
ومن استأجر بيتًا فقد ملك منفعته، وهو قادر على منع المؤجِّر من دخول هذا البيت ما دام يدفع الأجرة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (٤٢).
(٥٦) مسألة: إذا أعار زيدا عمرًا دارًا لاستعمالها: وحضرت صلاة فإنه يُقدَّم للإمامة زيد وهو المعير؛ قياسًا على صاحب البيت -كما سبق في مسألة (٤٢) - بجامع: الملكية في كل، والقدرة على المنع، وهذا هو المقصد منه، تنبيه: قوله: "وتكره إمامة غير الأولى … " قلتُ: لم أجد دليلًا يدل على ذلك، والصواب: أن الصلاة صحيحة من غير كراهة، ولكن الأفضل: تقديم الأولى بالإمامة - وقد سبق بيانه في مسألة (٥٢) وأما حديث: "إذا أمَّ الرجل القوم … " فلا يدل على الكراهة، تنبيه آخر: قوله: "إلا إمام المسجد وصاحب البيت فتحرم" يشير به إلى أنه يحرم أن يتقدَّم شخص ويكون إمامًا لشخص آخر في بيته أو مسجده الذي هو إمام راتب فيه، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٤٢).
(٥٧) مسألة: لا تصح الصلاة خلف الفاسق، فلو صلى شخص وراء فاسق: فإن صلاته لا تصح: سواء كان فاسقًا في الأفعال كشرب خمر وزنا وغيبة ونميمة، أو فاسقًا في الاعتقاد - هو من فسَّقه العلماء في قول له في الأسماء أو الصفات - =
стр. 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسواء عُلم فسقه قبل الصلاة أو بعدها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يؤمَّن فاجر مؤمنًا" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد وعليه: فتفسد صلاة المؤمن خلف الفاجر، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه، فكذلك الفاسق مثله والجامع: أن كلًا منهما قد نُزِعت الثقة منه: فلا يؤمن أن يزيد أو ينقص من شروط أو أركان أو واجبات الصلاة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن منزلة الفاسق الإذلال والإهانة والاحتقار؛ ردعًا وزجرًا له، فلو صحَّت الصلاة خلفه: لكان في ذلك تكريم وتشريف له، وهذا مخالف لمرتبته الرذيلة، فإن قلتَ: إن الصلاة خلف الفاسق تصح، وهو قول بعض الشافعية وتبعهم ابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" وهذا عام؛ لأن "من" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل الفاسق؛ لأنه يقول ذلك، الثانية: فعل الصحابي: حيث صلى عمر ﵁ خلف الحجاج، وصلى الحسن والحسين ﵃ خلف مروان بن الحكم، وصلى بعض الصحابة خلف الوليد بن عقبة وهو يشرب الخمر قلتُ: أما الحديث: فمقصوده: أن "لا إله إلا الله" لا تصح إلا من شخص قد عمل بما تقتضيه من العمل بالأوامر والترك لما نُهي عنه، فلا يشمل الفاسق؛ لكونه لم يعمل ببعض ذلك، ثم على فرض دخول الفاسق هنا: فإنه مخصَّص بالصلاة خلف الولاة الفسَّاق صلوات الجمع والأعياد؛ حيث تصح الصلاة خلفهم إذا تعذَّرت هاتان الصلاتان خلف غيرهم؛ لجمع كلمة المسلمين أمام أعدائهم، أما فعل الصحابي: فلا يُسلَّم أن الحجاج ومروان من الفسقة، وإنما وصفهم الحقدة والحسدة ومرضى القلوب؛ لينشروا عنهم ذلك؛ ليُقلِّلوا من قيمتهم وكرامتهم كما يحدث في زماننا الآن؛ حيث إن بعض المنافقين إذا رأوا شخصًا مخلصًا لا يُنافق أحدًا: بدأوا في تقليل =
стр. 615
وتصح خلف المخالف في الفروع، (٥٨) وإذا ترك الإمام ما يعتقده واجبًا وحده عمدًا: بطلت صلاتهما، (٥٩) وإن كان عند مأموم وحده: لم يُعد، (٦٠) ومن ترك ركنًا أو شرطًا أو
قيمته بأي طريقة؛ حتى يُنفِّروا الخلق عنه، ليظهروا هم بالساحة ثم إنه على فرض أنهم فُساق: فإن هؤلاء الصحابة قد صلوا وراءهم؛ جمعًا لكلمة المسلمين، وحرصًا على عدم التفريق بينهم، ودفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المقصود من الحديث" فعندنا: مقصوده ما ذكرناه و"الخلاف فيمن قيل عنه بأنه فاسق هل يُقبل أو لا بدون أدلة؟ " فعندنا: لا يُقبل شيء إلا بدليل قوي؛ لأن الأصل في المسلم: العدالة والصلاح فيستصحب حتى يرد دليل قوي يغير الحالة.
(٥٨) مسألة: تصح صلاة شخص خلف من يخالفه في بعض الفروع الفقهية: فتصح صلاة من يقول برفع اليدين في الصلاة خلف من لا يقول بذلك؛ للإجماع، ومستنده المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اجتماع لكلمة المسلمين؛ ونبذ التنازع، وترك التعصُّب المذهبي، ولا يوجد في ذلك ترك شيء من أركان أو واجبات الصلاة.
(٥٩) مسألة: إذا ترك الإمام واجبًا عنده فقط عمدًا: فإن صلاة هذا الإمام والمأموم باطلة، ويجب أن تُعاد؛ للتلازم؛ حيث إن الإمام قد ترك واجبًا عمدًا فبطلت صلاته، ويلزم من بطلان صلاة الإمام: بطلان صلاة المأموم؛ لكونه تابعًا له فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لقرب هذه الصلاة من العبث واللَّعب.
(٦٠) مسألة: إذا ترك الإمام واجبًا عند مأموم، ولكنه ليس بواجب عند هذا الإمام: فصلاة الإمام والمأموم صحيحة، ولا تُعاد؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على صحة صلاة الحنفي خلف الشافعي أو العكس، فيلزم منه صحة صلاتهما؛ وهذا كله لنبذ الاختلاف والتفرق بين المسلمين.
стр. 616
واجبًا مختلفًا فيه بلا تأويل ولا تقليد: أعاد (٦١) (ولا) تصح صلاة رجل وخنثى خلف (امرأة) لحديث جابر السابق (و) لا خلف (خنثى للرجال) والخناثى؛ لاحتمال أن يكون امرأة، (٦٢) (ولا) إمامة (صبي لبالغ) في فرض؛ لقوله ﷺ : "لا
(٦١) مسألة: إذا ترك المصلي شيئًا مختلفًا فيه هل هو ركن أو لا، شرط أو لا، واجب أو لا؟ ولم يكن من أهل الاجتهاد، ولم يُقلِّد أحدًا مُعتبرًا في هذا الترك: فصلاته باطلة، ويجب عليه أن يعيدها؛ قياسًا على من ترك ركنًا أو شرط أو واجب عمدًا والجامع: ترك ركن أو واجب أو شرط بلا عذر ولا تقليد ولا اجتهاد، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل: كون هذا ركنًا أو شرطًا أو واجبًا، فلا يُترك إلا بيقين [فرع]: تصح الصلاة خلف مجهول الحال - وهو الذي لم تظهر عليه علامات الفسق -؛ للاستصحاب حيث إن الأصل هو العدالة والصلاح في المسلمين، فيُستصحب ذلك ويُعمل به، حتى يرد ما يُغيِّر ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
(٦٢) مسألة: لا تصح صلاة رجل خلف امرأة، ولا خلف خنثى، ولا صلاة خنثى خلف خنثى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تؤمَّن امرأة رجلًا" والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: القياس، بيانه: كما لا تصح صلاة رجل خلف امرأة فكذلك لا تصح صلاة خنثى خلف امرأة، وصلاة رجل خلف خنثى، وصلاة خنثى خلف خنثى، والجامع: إبعاد احتمال إثارة الفتنة؛ لأن الخنثى يُحتمل أن يكون رجلًا وأن يكون أنثى احتمالًا متساويًا، وهذا من باب الاحتياط وهو المقصد الشرعي. فإن قلتَ: تصح إمامة المرأة للرجل، وهو قول بعض العلماء؛ للسنة القولية؛ حيث "أذن ﷺ لأم ورقة بنت الحارث أن تؤمَّ أهل دارها" وهذا عام للرجال والنساء؛ لأن "أهل دارها" جمع منكر مضاف إلى معرفة وهو من صيغ العموم قلتُ: إن الدارقطني =
стр. 617
تقدِّموا صبيانكم" قاله في "المبدع"، (٦٣) وتصح في نفل، وإمامة
ذكر الحديث بلفظ: "تؤم نساء أهل دارها" فلفظ "نساء" زيادة ثقة وهي مقبولة؛ فلا يدخل الرجال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "هل الزيادة هنا يؤخذ بها وثابتة أو لا" فعندنا: يؤخذ بها، وعندهم لا.
(٦٣) مسألة: لا تصح صلاة البالغ خلف الصبي في صلاة الفرض؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما لا تصح صلاة الرجل خلف المرأة، فكذلك لا تصح صلاة البالغ خلف الصبي، والجامع أن كلًا من المرأة والصبي ناقص العقل والدين، الثانية: قول الصحابي: حيث ثبت ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ﵃، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصبي لا يُؤمَّن أن يُخلُّ بشيء من شرائط أو أركان أو واجبات الصلاة، وكذا: ليس من أهل الضمان ولا من أهل التحمُّل، ويجوز له قطع صلاته بلا عذر، فإن قلتَ: تصح صلاة البالغ خلف الصبي وهو قول كثير من العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله" وهو عام للصبي وغيره: لأن لفظ "أقرأوهم" نكرة مضاف إلى معرفة وهو من صيغ العموم، قلتُ: قد خصَّصته المصلحة؛ حيث إن المقصود به هو: البالغ المدرك لمعاني ومقاصد وإرادات ما يقرأ، والضامنين المتحمِّلين عن المأمومين ما نقص من الصلاة، لتكمل صلاتهم، والصبي عقله ضعيف لا يُدرك تلك الأمور، وليس أهلًا للتحمل؛ لذا حُجر عليه، فأخرج من هذا العموم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا قلتُ: سببه هل حديث: "أقرأوهم" يعم الصبي أو لا؟ فعندنا: لا؛ حيث خصَّص بالمصلحة وعندهم: يعمه ولا تقوى المصلحة على تخصيصه، تنبيه: استدلال المصنف بحديث: "لا تقدِّموا صبيانكم" لا يصح؛ لأنه ضعيف؛ حيث إنه لا يعرف له إسناد صحيح كما قاله بعض العلماء.
стр. 618
صبي بمثله (٦٤) (و) لا إمامة (أخرس) ولو بمثله؛ لأنه أخلَّ بفرض الصلاة لغير بدل (٦٥) (ولا) إمامة (عاجز عن ركوع أو سجود أو
(٦٤) مسألة: تصح صلاة البالغ خلف الصبي في صلاة النافلة كصلاة التراويح، والاستسقاء والكسوف ونحوها، وتصح صلاة صبي خلف آخر فرضًا ونفلًا؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على صحة ذلك، ومستنده التلازم؛ حيث إن صلاة الصبي تكون نفلًا، والبالغ يصلي نفلًا فيلزم من تساويهما في ذلك: صحة صلاته خلف الصبي، لكون متنفِّلًا قد أم متنفِّلًا، فلا يتضرر البالغ فيما لو قطع الصبي صلاته وكذا: الصبي الذي صلى خلفه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(٦٥) مسألة: لا تصح صلاة الناطق خلف الأخرس - وهو: العاجز عن النطق - ولا تصح صلاة الأخرس خلف أخرس مثله؛ للتلازم؛ حيث إن النطق بالتحريمة وقراءة الفاتحة لا تصح الصلاة إلا بهما - لكونهما ركنين - فيلزم من عدمهما - بدون بدل من إشارة أو إيماء عنهما -: بطلان إمامته واقتداء غيره به؛ لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب المأموم وهو المقصد منه؛ فإن قلتَ: تصح الصلاة هنا، وهو قول بعض العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة الأخرس منفردًا ومأمومًا، فكذلك تصح صلاته إمامًا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة المنفرد والمأموم إنما صحَّت؛ لعذره، ولا يعتمد عليه فيها غيره، بخلاف صلاته إمامًا مع وجود الناطق: ففيه اعتماد الناطق عليه، وهذا الأخرس غير متمكِّن من إبلاغه ما يريد قوله من تكبير وقراءة ونحو ذلك، ومع الافتراق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "هل يمكن لمن خلف الأخرس متابعته أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
стр. 619
قعود) (٦٦) إلَّا بمثله (٦٧) (أو قيام) أي: لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه (إلا إمام الحي) أي: الراتب بمسجد (المرجو زوال علَّته)؛ لئلا يفضي إلى ترك القيام على الدوام (٦٨) (ويُصلُّون وراءه جلوسًا ندبًا) ولو كانوا قادرين على القيام؛ لقول
(٦٦) مسألة: لا تصح صلاة القادر على الركوع أو السجود أو القعود خلف العاجز عنها؛ للقياس، بيانه: كما لا تصح صلاة القارئ خلف الأمي، فكذلك لا تصح صلاة القادر على تلك الأمور خلف العاجز عنها، والجامع: أن كلًا منهما عاجز عن إيجاد ركن في الصلاة، فلم يصح الائتمام به، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن القدرة كمال، فلا يُقدَّم الناقص على الكامل في الدين.
(٦٧) مسألة: تصح إمامة العاجز عن الركوع أو القعود أو السجود لشخص مثله في هذا العجز؛ للقياس، بيانه: كما أن الأمي يصح أن يكون إمامًا لأمي مثله فكذلك هذا مثله، والجامع: العجز في كل، فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين ولاستوائهما في الرتبة، فليس أحدهما أولى من الآخر في ذلك.
(٦٨) مسألة: يصح أن يكون العاجز عن القيام إمامًا للقادر عليه إن كان إمامًا راتبًا لمسجد الحي، وكان عجزه بسبب مرض طارئ يُرجى برؤه عن قريب، فإن لم يكن هو الإمام الراتب، أو كان مرضه لا يرجى برؤه: فلا تصح صلاة القائم خلفه، للسنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد صلي بالناس وهو شاكٍ وهو جالس وقال: "وإذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون" وكان النبي هو الإمام، وكان مرضه يُرجى برؤه: فلزم الشرطان السابقان، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة حال الإمام الراتب تكريمًا له، واشترط: كون المرض يُرجى برؤه؛ سدًا للذرائع؛ حيث إنه لو كان لا يُرجى برؤه لأدَّى إلى ترك المأمومين للقيام على الدوام، وهذا فيه ترك ركن للصلاة عن عمد وهو مبطل لها.
стр. 620
عائشة: "صلى النبي ﷺ في بيته وهو شاكٍ فصلى جالسًا، وصلى ورائه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلى قوله: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" قال ابن عبد البر: "روي هذا مرفوعًا من طرق متواترة" (٦٩) (فإن ابتدأ بهم) الإمام الصلاة (قائمًا ثم اعتلَّ) أي: حصلت له علَّة عجز معها عن القيام (أتموا خلفه قيامًا وجوبًا): لأنه " ﷺ صلى في مرض موته قاعدًا، وصلى أبو بكر ﵁ والناس خلفه قيامًا" متفق عليه عن عائشة، وكان أبو بكر ﵁ قد ابتدأ بهم قائمًا كما أجاب به الإمام (٧٠) (وتصح خلف من به سلس
(٦٩) مسألة: يُستحب للمأمومين القادرين على القيام أن يصلوا جلوسًا وراء إمامهم الذي يصلي جالسًا - بسبب مرض يُرجى برؤه -؛ للسنة الفعلية والقولية، وهي السابقة الذكر في مسألة (٦٨) حيث أمرهم ﷺ بالجلوس، وصرفت السنة التقريرية هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إنه ﷺ لم يأمر الذين صلوا خلفه قيامًا في أول الصلاة بإعادة صلاتهم، وهذا يلزم منه: صحة صلاتهم خلفه وهم قيام، ولكن المستحب أن يجلسوا معه؛ ليوافقوه في هيئته التي هو عليها؛ لتحقيق الاتفاق، ونبذ الاختلاف، مما يتسبَّب في إظهار الإسلام، وهذا هو المقصد المقصد من ذلك.
(٧٠) مسألة: إذا شرع الإمام في الصلاة قائمًا، ثم جلس لمرض أصابه، واستمر في الجلوس حتى فرغ من صلاته فيجب على من خلفه أن يتموا صلاتهم قيامًا؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس حينما مرض ﷺ ، وبدأ أبو بكر ﵁ بالصلاة وهو قائم، ثم جلس النبي ﷺ عن يسار أبي بكر ﵁، فأتم النبي ﷺ الصلاة جالسًا، وأتموا قيامًا، ولم يأمرهم بالجلوس، بل أقرَّهم على ما هم عليه، وهذا يلزم منه: وجوب استمرارهم بالصلاة قيامًا كما بدأوها =
стр. 621
البول بمثله) كالأمي بمثله (٧١) (ولا تصح خلف محدث) حدثًا أصغر أو أكبر (ولا)
كذلك، ولم يُبيِّين ﷺ غير ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل في الصلاة القيام، فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا كان قادرًا عليه، فإن قلتَ: لا يجب ذلك، بل إذا صلَّى جالسًا فإنه يُستحب للمأمومين أن يصلون جلوسًا مثله؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ : "إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" وهذا عام؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل من بدأ صلاته قائمًا أو من بدأها جالسًا قلتُ: إن السنة التقريرية التي ذكرناها هنا قد خصَّصت السنة القولية، فيكون حكم من ابتدأ صلاته قائمًا ثم جلس، يختلف عن حكم من ابتدأ صلاته جالسًا، فالأول: واجب، والثاني مستحب، وهذا ما يُفهم من جواب الإمام أحمد على من زعم نسخ أحدهما بالآخر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "التعارض بين السنة القولية والتقريرية" فعندنا: التقريرية قد خصَّصت القولية، وعندهم: لا.
(٧١) مسألة: تصح صلاة من به حدث دائم: كمن به سلس بول، أو خروج ريح دائم، أو رعاف، أو قروح سيَّالة أو نحو ذلك خلف من هو مثله في هذا؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة الأمي خلف الأمي فكذلك الحال هنا والجامع: التساوي بين الإمام والمأموم في نفس النقص، وهذا من باب التيسير على الخلق، ولكون أحدهما ليس بأولى من الآخر. [فرع]: لا تصح صلاة شخص ليس به حدث دائم خلف من به حدث دائم كسلس بول ونحوه؛ للقياس، بيانه: كما لا تصح صلاة المتطهر خلف المحدث، فكذلك الحال هنا؛ والجامع: أن كلًا منهما فيه خلل غير مجبور ببدل؛ حيث إن كلًا منهما يصلي إمامًا مع علمه بحدثه المنافي للطهارة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن =
стр. 622
خلف (متنجِّس) نجاسة غير معفو عنها إذا كان (يعلم ذلك)؛ لأنه لا صلاة له في نفسه (٧٢) (فإن جهل هو) أي: الإمام (و) جهل (المأموم حتى انقضت صحَّت) الصلاة (لمأموم وحده)؛ لقوله ﷺ : "إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته، وتمَّت
الصحيح أكمل حالًا من حيث الطهارة ممن به حدث دائم، والأكمل هو المقدَّم في الإمامة فلا تصح الصلاة هنا مع وجوده، فإن قلتَ: إن الصلاة تصح هنا، وهو قول بعض العلماء، ومنهم ابن عثيمين: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله" وهذا عام؛ لأن لفظ "أقرأوهم" نكرة مضاف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل من به حدث دائم وغيره، فيلزم أن إمامته صحيحة قلتُ: المراد من هذا الحديث: أنه يؤمُّهم بعد كمال الطهارة، ومن به حدث دائم لم تكتمل طهارته، لا يدخل تحت عموم هذا اللفظ، والذي خصصه: القياس الذي ذكرناه، والمصلحة؛ حيث إنه ليس من المناسب شرعًا أن يتقدَّم غير كامل الطهارة على من هو قد كمل، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه هل عموم قوله: يؤم القوم "أقرأوهم" باقي على عمومه أو مخصَّص؟: فعندنا مخصَّص بالقياس، وعندهم: قد بقي على عمومه، فلم يقو القياس على تخصيصه.
(٧٢) مسألة: لا تصح صلاة الإمام والمأموم إذا كان الإمام فيه حدث، أو كان متنجس الثياب أو المكان أو البدن إذا علما ذلك قبل الشروع فيها أو في أثنائها، وعليه: فيجب أن يعيداها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم طهارة الإمام: بطلان صلاته، ويلزم من بطلانها: بطلان صلاة المأموم العالم لذلك: لبطلان الاقتداء. [فرع]: تصح صلاة الإمام والمأموم إذا وُجدت نجاسة معفو عنها كالذي يبقى بمحل الدُّبُر بعد الاستنجاء والاستجمار من الغائط، ونحو ذلك: سواء علما ذلك أو لم يعلما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مشقة إزالتها: أن يكون معفو عنها، فتلزم صحة صلاة الإمام والمأموم مع وجوده.
стр. 623
للقوم صلاتهم" رواه محمد بن الحسين الحرَّاني عن البراء بن عازب، وإن علم هو أو المأموم فيها استأنفوا، (٧٣) وإن علم معه واحد: أعاد الكل، (٧٤) وإن علم أنه ترك واجبًا عليه فيها سهوًا، أو شكَّ في إخلال إمامه بركن أو شرط: صحَّت صلاته
(٧٣) مسألة: لا تصح صلاة الإمام إذا صلى وهو محدث ولم يعلم به إلا بعد الفراغ من صلاته، وتصح صلاة المأموم، فيجب على الإمام إعادتها لوحده؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد صلى بالناس الفجر فلما فرغ علم أنه لم يتطهر من جنب أصابه، فأعاد الصلاة هو، ولم يأمر الناس بإعادتها، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإمام قد صلى بلا طهارة، ولا مشقة عليه في إعادتها، والمأموم معذور بجهله بحدث إمامه في أول وأثناء الصلاة، فوجوب إعادتها عليه فيه مشقة مع أنه فعل ماله فعله، تنبيه: ما ذكره المصنف من حديث: "إذا صلى الجنب بالقوم … " لم أجده، تنبيه آخر: قوله: "وإن علم هو أو المأموم فيها استأنفوا" قد سبق بيانه في مسألة (٧٢).
(٧٤) مسألة: إذا علم واحد من المأمومين أن إمامه محدث أو متنجِّس قبل أو أثناء الصلاة: فإن صلاة هذا المأموم تبطل، دون غيره من المأمومين الذين لم يعلموا ذلك وهو قول كثير من العلماء كأبي يعلى وغيره؛ للتلازم؛ حيث إن إمامه قد فقد الطهارة في اعتقاده فبطلت صلاة إمامه ويلزم من بطلان صلاة إمامه: بطلان صلاته، ويلزم من جهل غيره من المأمومين: صحة صلاتهم؛ لوجود العذر وهو: الجهل، حيث إنهم يعتقدون طهارته فصح الاقتداء، فإن قلتَ: إن صلاة المأمومين الآخرين أيضًا تبطل مثله - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
стр. 624
معه، بخلاف ما لو ترك السترة أو الاستقبال؛ لأنه لا يخفى غالبًا، (٧٥) وإن كان أربعون فقط في جمعة، وفيهم واحد محدث أو نجس: أعاد الكل سواء كان إمامًا أو مأمومًا (٧٦) (ولا) تصح (إمامة أمي) منسوب إلى الأم كأنه على الحالة التي ولدته عليها (وهو) أي: الأمي (من لا يحسن) أي: يحفظ (الفاتحة) (٧٧) أو يُدغم مالا يُدغم: بأن يُدغم حرفًا فيما لا يُماثله أو يقاربه وهو "الأرت" (أو يُبدل حرفًا)
(٧٥) مسألة: إذا علم المأموم أن إمامه قد ترك واجبًا سهوًا، أو شك بأنه أخلَّ بركن أو شرط مما يخفى غالبًا كطهارة: فإن صلاة هذا المأموم صحيحة، أما إذا علم أنه ترك شيئًا منها لا يخفى غالبًا كاستقبال القبلة أو سترة العورة: فصلاة هذا المأموم باطلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود السهو من الإمام أو الشك من المأموم: صحة الصلاة؛ لأن السهو يُعذر به، والشك لا تبنى عليه أحكام، ويلزم من ترك شرط أو ركن ظاهر: بطلان الصلاة؛ لأنه اقتدى بمن لا تصح صلاته، ولا يُعذر المأموم بذلك؛ لظهوره.
(٧٦) مسألة: إذا اجتمع أربعون رجلًا لصلاة الجمعة - وهو: العدد المشترط لها كما سيأتي - ثم أحدث واحد منهم، أو تنجَّس قبل أو أثناء تلك الصلاة فلا تكون جمعة، بل يُعيدوها ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم توفر شرط الجمعة - وهو كمال العدد -: عدم صحتها، لفقدان شرطها؛ لأن وجود هذا المحدث أو المتنجِّس كعدمه.
(٧٧) مسألة: لا تصح صلاة المحسن لقراءة الفاتحة خلف من لا يُحسنها ولا يحفظها - وهو الأمي -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ترك ركن من أركان الصلاة - وهي الفاتحة - بطلان صلاة من خلفه ممن ليس بأمي؛ نظرًا لترك إمامه هذا الركن مع قدرته على إيجاده.
стр. 625
بغيره وهو الألثغ كمن يُبدل الراء غينًا، (٧٨) إلا ضاد: "المغضوب عليهم" و"الضالّين" بظاء (٧٩) (أو يلحن فيها لحنًا يُحيل المعنى) ككسر كاف: "إياكَ" وضم تاء، "أنعمتَ" وفتح همزة "اهدنا"، فإن لم يحل المعنى كفتح دال "نعبد" ونون "نستعين": لم يكن أميًا (٨٠) (إلا بمثله) فتصح؛ لمساواته له، (٨١) ولا يصح اقتداء عاجز عن نصف الفاتحة الأول بعاجز عن نصفها الأخير،
(٧٨) مسألة: لا تصح صلاة المحسن لقراءة الفاتحة خلف الأرت، أو الألثغ وهما: اللذان يُدخلان بعض الحروف في بعض دون تفريق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إسقاط أحرف من حروف الفاتحة: بطلانها، ويلزم من بطلان الفاتحة: بطلان صلاة من يُحسن ذلك خلفه: لقدرته على الإتيان بما تركه ذلك الإمام.
(٧٩) مسألة: الإمام الذي يُبدل الضاد بالظاء في قوله: "المغضوب" و "الضالين"، أو يُبدل الصاد بالسين في قوله: "الصراط" تصح الصلاة خلفه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يشق التحرز منه؛ نظرًا لقرب مخرجهما، وأيضًا: إبدال الصاد بالسين من القراءات السبع التي تجوز القراءة بها.
(٨٠) مسألة: الإمام الذي يلحن بقراءة الفاتحة لحنًا يحيل المعنى من المراد إلى غير المراد - كما مثَّل المصنف -؛ لا تصح الصلاة خلفه، أما إن كان ذلك لا يحيل المعنى: فتصح الصلاة خلفه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إحالة المعنى من المراد إلى غيره: أنه عاجز عن قراءة الفاتحة فيلزم عدم صحة إمامته للقادر على ذلك، ويلزم من عدم الإحالة: صحة الصلاة؛ للقدرة على قراءتها وإفهام المعنى المراد.
(٨١) مسألة: تصح صلاة الأمي خلف الأمي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مساواتهما في ذلك: صحة ذلك؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
стр. 626
ولا عكسه، ولا اقتداء قادر على الأقوال الواجبة بعاجز عنها (٨٢) (وإن قدر) الأمي (على إصلاحه: لم تصح صلاته) ولا صلاة من ائتمَّ به؛ لأنه ترك ركنًا مع القدرة عليه (٨٣) (وتكره إمامة اللّحان) أي: كثير اللحن الذي لا يُحيل المعنى، (٨٤) فإن أحاله في غير الفاتحة: لم يمنع صحة إمامته، إلا: أن يتعمَّده، ذكره في "الشرح"، وإن أحاله في غيرها سهوًا، أو جهلًا، أو لآفة: صحَّت صلاته (٨٥) (و) تكره إمامة
(٨٢) مسألة: إذا اختلف العجز في قراءة الفاتحة، أو في الأقوال الواجبة بين اثنين: فلا يصح أن يكون أحدهما إمامًا للآخر فمن قدر على أولها دون آخرها: لا يكون إمامًا لمن قدر على آخرها دون أولها، وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مساواتهما في العجز: عدم صحة اقتداء أحدهما بالآخر؛ لكون أحدهما يُحسن مالا يُحسنه الآخر؛ إذ لا يصح أن يُكمِّل أحدهما الآخر في ذلك.
(٨٣) مسألة: إذا قدر الأمي على تعلَّم قراءة الفاتحة بدون لحن ونحوه: ولم يفعل ذلك عمدًا: فلا تصح صلاته، ولا صلاة من صلى خلفه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" حيث إن صلاة الإمام المتعمد عدم تعلم الفاتحة قد فعل شيئًا ليس مشروعًا فيكون فاسدًا مردودًا على صاحبه لكونه ترك ركنًا عمدًا، ويلزم من بطلان صلاة الإمام: بطلان صلاة المأموم؛ لفساد الاقتداء؛ لأنه يُشبه من ائتم بالمتلاعب.
(٨٤) مسألة: تكره إمامة كثير اللَّحن في قراءة الفاتحة الذي لا يُحيل المعنى، ولا يصرفه عن مراده؛ للمصلحة؛ حيث إن الذي لا يلحن أو لا يُكثر اللَّحن أفضل ممن يُكثر اللحن، فكره ذلك؛ لأن فيه تقديم المفضول على الفاضل، وهذا فيه كسر لقلب الفاضل.
(٨٥) مسألة: تصح إمامة من يُكثر اللّحن في غير قراءة الفاتحة إذا كان بسبب سهو أو جهل أو مرض بلسانه؛ أما إن كان هذا اللَّحن وقع عمدًا: فلا تصح =
стр. 627
(الفأفاء والتمتام) ونحوهما، و "الفأفاء" الذي يُكرر الفاء، و "التمتام" الذي يكرر التاء (و) تكره إمامة (من لا يفصح ببعض الحروف) كالقاف والضاد، وتصح إمامته: أعجميًا كان أو عربيًا، وكذا: أعمى، وأصم، وأقلف، وأقطع يدين أو رجلين أو إحداهما إذا قدر على القيام، ومن يُصرع، فتصح إمامتهم مع الكراهة؛ لما فيه من النقص (٨٦) (و) يُكره (أن يؤمَّ) امرأة (أجنبية فأكثر، لا رجل معهنَّ)؛ لنهيه ﷺ أن يخلو الرجل بالأجنبية (٨٧) فإن أمَّ محارمه، أو أجنبيات معهن رجل: فلا
صلاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع اللحن في غير ركن ولا واجب سهوًا أو جهلًا أو مرضًا: صحة صلاته؛ لأنه معذور بذلك، ويلزم من وقوع ذلك عمدًا: عدم صحة صلاته؛ لكونه قد تعمَّد مخالفة الشارع، أصله؛ قوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" والجهل والمرض مثل ذلك؛ لعدم الفارق، فمنطوقه دل على أنه معذور بذلك، ومفهومه الشرط منه دل على أن المتعمِّد لا يعذر.
(٨٦) مسألة: تصح إمامة كل شخص فيه نقص غير مُخل بشيء من شروط أو أركان أو واجبات الصلاة: كأن يُكرر الفاء، أو الواو، أو التاء، أو نحوها، أو بعض الحروف الأخرى أو لا يُفصح عن بعض الحروف كالصاد والقاف، أو لا يراعي قواعد التجويد، أو كان أعمى، أو أصمًا أو أقطع اليدين أو الرجلين إذا قدر على القيام، أو كان مصابًا بالصرع، أو غرابة الشكل ونحو ذلك، ولكن تكره إمامته بمن هو أحسن حالًا منه؛ للمصلحة؛ حيث إن صحة إمامة هؤلاء فيه توسعة على المسلمين، وتقديمهم على من هم أحسن حالًا منهم فيه كسر لقلب الأحسن، فلذا: كُره.
(٨٧) مسألة: يحرم أن تصلِّي امرأة أجنبية بمفردها خلف رجل أجنبي عنها، وصلاتها صحيحة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا يخلون أحدكم بامرأة إلا =
стр. 628
كراهة؛ لأن النساء كنَّ يشهدن مع النبي ﷺ الصلاة (٨٨) (أو) أن يؤم (قومًا أكثرهم
مع ذي محرم"، وهذا النهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهو عام؛ لأن لفظ "أحدكم" منكَّر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم؛ فيشمل حالة الصلاة وغيرها؛ لكون صلاته بها منفردة تعتبر خلوة وإن كان يظهر الصلاح، فإن قلتَ: لمَ حرم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة الفتنة، وهذا يفضي إلى الوقوع بأعظم جرم وهو: الزنا غالبًا؛ لأن الشيطان يُحسِّنها في نظره، ويُحسِّنه في نظرها فتقع الكارثة؛ مصداقًا لقوله ﷺ : "ما خلى رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان"، والنساء ناقصات عقل ودين - كما أخبر النبي ﷺ يؤثِّر عليهن أيُّ كلام معسول يقوله مرضى القلوب - وما أكثرهم - فمن ترك نسائه أو بناته أو أخواته بدون مراقبة شديدة فقد أهمل أعظم مهمة له في الدين، فإن قلتَ: إنه يكره ذلك ولا يُحرَّم - وهو الذي ذكره المصنف هنا - قلتُ: لا توجد قرينة قويت على صرف النهي في الحديث من التحريم إلى الكراهة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل النهي على إطلاقه أو لا؟ " فعندنا: على إطلاقه، وعندهم: ليس على إطلاقه بل هو مصروف إلى الكراهة. [فرع]: تكره صلاة مجموعة من النساء خلف رجل واحد أجنبي عنهن؛ للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل احتمالًا بعيدًا وجود فتنة، فدفعًا لذلك كُره، فإن قلتَ: لمَ لم يحرم ذلك؟ قلتُ: لأن المرأة لا تفسد غالبًا بحضور نسوة معها.
(٨٨) مسألة: إذا أمَّ رجلٌ نساءً محرمات عليه - بنسب أو مصاهرة -: سواء معهن أجنبيات عنه أو لا، أو أمَّ أجنبيات عنه ومعهن رجل: فيصح ذلك بلا كراهة؛ للسنة التقريرية؛ حيث كانت النساء يشهدن الصلاة مع النبي ﷺ مع رجل أو رجال، فلم يُنكر ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا يُكره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل الأجر الجماعة، وبُعْدُهُ عن مفسدة الفتنة.
стр. 629
يكرهه بحق) كخلل في دينه، أو فضله؛ لقوله ﷺ : "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون" رواه الترمذي، وقال في "المبدع": "حسن غريب وفيه لين"، فإن كان ذا دين وسُنَّة وكرهوه لذلك: فلا كراهة في حقه (٨٩) (وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما) وكذا: اللقيط، والأعرابي، حيث صلحوا لها؛ لعموم قوله ﷺ : "يؤم القوم أقرأوهم" (٩٠) (و) تصح إمامة (من يؤدِّي الصلاة بمن يقضيها
(٨٩) مسألة: يُكره أن يؤم شخص لأناس أكثرهم يكرهونه لخلل في دينه أو فضله: كأن يكون خائنًا، أو كذابًا، أو حريصًا على جمع الأموال المشبوهة، أو حريصًا على تولي المناصب: فيدعو السلطان أو من حوله أو منافقيهم للاجتماع لتناول طعام ونحوه، أما إن كرهوه بغير وجه حق كأن يكرهوا شكله أو قبيلته، أو نحو ذلك: فلا كراهة في هذا؛ للمصلحة؛ حيث إن المكروه لدينه يتسبَّب في تنفير الناس عن الصلاة في المسجد الذي هو إمام له، وهذا يشق عليهم، فدفعًا لذلك كُره وحسُن استبعاده عن الإمامة، تنبيه: استدلال المصنف بحديث: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم .. " لا يصح: لأنه ضعيف عند أكثر أئمة الحديث.
(٩٠) مسألة: تصح إمامة ولد الزنا، واللقيط، والجندي، والأعرابي وغيرهم ممن توفَّرت فيهم صفات الإمامة: من القراءة، والفقه والتقوى والديانة بلا كراهة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله" حيث إن هذا عام؛ لأن "أقرأوهم" مُنكَّر أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما ذكرناهم، فإن قلتَ: لمَ صحَّت إمامة هؤلاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين فإن قلتَ: تكره إمامة ولد الزنا واللَّقيط وهو قول الشافعي ومالك؛ للقياس، بيانه: كما تكره إمامة العبد للحر، فكذلك تكره إمامة ولد الزنا واللقيط لغيرهما والجامع: وجود النقص فيهم، قلتُ: إن هذا =
стр. 630
وعكسه) من يقضي الصلاة بمن يؤدِّيها؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت، وكذا: لو قضى ظهر يوم خلف ظهر يوم آخر، (٩١) (لا) ائتمام (مفترض بمتنفِّل)؛ لقوله ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه" (٩٢) ويصح النفل خلف
قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن العبد فيه نقيصة الرق، وسقوط الجمعة والحج والزكاة عنه بخلاف ولد الزنا واللقيط فلا نقيصة فيهما، فإن قلتَ: تكره إمامة الجندي؛ وهو قول بعض العلماء؛ للمصلحة؛ حيث إنه يغلب على الجندي الجفاء، وهذا يُنفِّر الناس عن المسجد، قلتُ: لا يُسلَّم ذلك على إطلاقه، بل هم كغيرهم من غير الجنود، يوجد فيهم من يتصف بذلك، وفيهم من لا يتصف به، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "معارضة القياس والمصلحة للسنة القولية" فعندنا: السنة مقدمة بعمومها، وعندهم: إن السنة مخصَّصة بالقياس والمصلحة.
(٩١) مسألة: إذا كان زيد يصلي ظهر الخميس أداء فاقتدي به بكر وصلى خلفه ظهر الأربعاء قضاء، أو كان زيد يصلي ظهر الأربعاء قضاء، فاقتدى به بكر وصلى خلفه ظهر الخميس أداء: فإن صلاة زيد وبكر هنا صحيحة في الحالتين؛ للتلازم؛ حيث إن الصلاة واحدة، والنية واحدة فيلزم صحتها، والاختلاف في الوقت لا يضر، وهذا من التيسير على العباد، وهو المقصد منه.
(٩٢) مسألة: لا يصح صلاة المفترض خلف المتنفل كأن يصلي صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" حيث حرم الشارع الاختلاف بين الإمام والمأموم في الأفعال والنيات؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وعليه: فتفسد صلاة من نوى الفرض خلف من نوى النَّفل، فإن قلتَ: لمَ شرُع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشارع يتسامح عادةً عن النوافل، دون الفرائض، فيجوز =
стр. 631
الفرض (٩٣) (ولا) يصح ائتمام (من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما) (٩٤)
قطع النافلة والصلاة قاعدًا بلا عذر، فلو قطع الإمام النافلة التي يصليها فهل يقطع الذي يصلي الفرض خلفه صلاته، أم ينوي الانفراد بعدما نوى الائمتام أم ماذا يصنع؟ فالأصلح والأحوط دينًا: هو الذي قلناه؛ ليسلم من هذا الحرج، فإن قلتَ: تصح صلاة المفترض خلف المتنفل وهو قول كثير من العلماء منهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل صحة ذلك، ولا يوجد دليل يُغيِّر ذلك، أما حديث: "فلا تختلفوا عليه" فهو خاص بالأفعال فقط، ولا يشمل النيات، قلتُ: إن الحديث السابق عام فيشمل الأفعال والنيات، وهو الدليل الذي غيَّر الأصل؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: هل الحديث السابق عام للأفعال والنيات أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(٩٣) مسألة: تصح صلاة المتنفِّل خلف المفترض كأن يصلي شخص نافلة خلف من يصلي الظهر مثلًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لرجلين: "إذا صليتما في رحالكما ووجدتما جماعة يصلون فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" فإن قلتَ: لمَ صحَّت مع اختلاف النيتين بين الإمام والمأموم؟ قلتُ: إن صلاة المتنفِّل خلف المفترض مخصَّصة من عموم حديث: "فلا تختلفوا عليه" والمخصص: السنة القولية السابقة وهي: "فإنها لكما نافلة"، ثم إن نية الإمام الفرض شاملة لنية المأموم وزيادة - وهو التقرب والطاعة - وزيادة اللُّزوم والوجوب؛ إذ لا يمكن للإمام أن يقطع صلاته؛ لكونه يُصلِّي فرضًا.
(٩٤) مسألة: لا تصح صلاة المأموم الذي يصلي الظهر خلف من يصلي العصر - مثلًا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فلا تختلفوا عليه" حيث إن النهي هنا مطلق فيقتضي الفساد، وبناء عليه: إذا اختلفت الصلاة بين المأموم والإمام: لزم اختلاف نيتهما، ويبطل الائتمام عند الاختلاف في النية.
стр. 632
ولو جمعة في غير المسبوق إذا أدرك دون ركعة، (٩٥) قال في "المبدع": "فإن كانت إحداهما تخالف الأخرى كصلاة كسوف، واستسقاء وجنازة وعيد: منع فرضًا، وقيل: ونفلًا؛ لأنه يؤدِّي إلى المخالفة في الأفعال" انتهى، ويؤخذ منه: صحة نفل خلف نقل آخر لا يُخالفه في أفعاله كشفع وتر خلف تراويح حتى على القول الثاني (٩٦) فصل: في موقف الإمام والمأمومين: السنة أن (يقف المأمومون) رجالًا
(٩٥) مسألة: لا تصح صلاة الظهر خلف من يصلي الجمعة إلا في حالة واحدة وهي: أن يدخل رجلٌ الجامعَ ولم يُدرك الركعة الثانية مع الإمام في صلاة الجمعة بل أدرك ما هو أقل منها: فإنه ينوي الظهر، ويدخل معه؛ فإذا سلَّم الإمام فإنه يصلي أربع ركعات ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف نية المصلي ظهرًا ونية المصلي جمعة: عدم صحة الصلاة، ويلزم من نيته الدخول مع الإمام لتحصيل ثواب الجماعة، ونيته الظهر: صحة الصلاة؛ لكونه معذورًا في عدم إدراك الجمعة.
(٩٦) مسألة: إذا صلى زيد فرضًا كصلاة الفجر، أو صلاة نفل، وصلى خلفه بكر صلاة استسقاء أو كسوف أو عيد أو جنازة، أو نحوها مما يُخالف صلاة الفجر في الأفعال، أو بالعكس بأن صلى زيد صلاة استسقاء أو كسوف أو عيد أو جنازة، وصلى خلفه بكر صلاة الفجر مثلًا، أو صلاة نفل يُخالف صلاة زيد: فإن صلاة بكر - المأموم - باطلة في الحالتين، أما إن لم توجد مخالفة كأن يصلي زيد نافلة معينة كركعتين من التراويح، وصلى خلفه بكر نافلة أخرى تماثل صلاة زيد في الأفعال كأن ينوي بكر بأنه يصلي خلف زيد شفع وتره: فإن صلاة بكر - المأموم - تصح؛ للسنة القولية؛ حيث قال: "فلا تختلفوا عليه" حيث إن النهي هنا مطلق، فيقتضي الفساد، فيلزم من وجود الاختلاف بين صلاة الاستسقاء والكسوف والعيد والجنازة وبين صلاة =
стр. 633
كانوا أو نساء إن كانوا اثنين فأكثر (خلف الإمام)؛ لفعله ﷺ : "كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه" (٩٧) ويستثنى منه إمام العراة يقف وسطهم وجوبًا، والمرأة إذا أمَّت النساء تقف وسطهن استحبابًا ويأتي (٩٨) (ويصح) وقوفهم (معه) أي: مع الإمام (عن يمينه أو عن جانبيه)؛ لأن ابن مسعود ﵁ صلى بين علقمة والأسود، وقال: "هكذا رأيت رسوله ﷺ فعل" رواه أحمد وقال ابن عبد البر: لا يصح رفعه، والصحيح: أنه من قول ابن مسعود (٩٩) (لا قدَّامه) أي: لا قدَّام الإمام، فلا تصح للمأموم ولو بإحرام؛ لأنه ليس موقفًا بحال، (١٠٠) والاعتبار بمؤخر
الفرض والنفل في الصورة والهيئة: وجود الاختلاف في الأفعال: فيبطل الائتمام؛ ودل مفهوم الصفة من الحديث على صحة الصلاة إذا لم يوجد اختلاف في الأفعال والهيئات.
(٩٧) مسألة: يُستحب أن يقف المأمومون خلف الإمام، سواء كانوا رجالًا أو نساء، في الفرض والنفل؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن الصحابة كانوا يقفون خلف النبي ﷺ ، ولا يُنكر عليهم ذلك؛ فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق متابعة الإمام في الركوع والسجود بدقة.
(٩٨) مسألة: يجب أن يقف إمام العراة وسطهم؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للمأمومين من أن يروا عورته، لأن كشف العورة حرام، وما يُترك به الحرام واجب، تنبيه: قوله: "والمرأة إذا أمَّت .. " سيأتي بيانه في مسألة (١١٢).
(٩٩) مسألة: يصح أن يقف المأمومون عن يمين الإمام أو عن يساره؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن مسعود ﵁ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
(١٠٠) مسألة: لا تصح صلاة مأموم وقف قُدَّام إمامه ولو بتكبيرة الإحرام؛ للتلازم، حيث إن المأموم يتبع الإمام في أفعاله ويأتمَّ به؛ لقوله ﷺ : "إنما جعل =
стр. 634
القدم وإلا: لم يضر، وإن صلى قاعدًا فالاعتبار بالإلية، حتى لو مدَّ رجليه، وقدَّمهما على الإمام: لم يضر، وإن كان مضطجعًا: فبالجنب (١٠١) وتصح داخل
الإمام ليؤتمَّ به" فموقفه خلف أو بجانب الإمام، لتتحقق المتابعة ويلزم منه: أن لا يكون قدامه؛ لكونه لا يمكنه متابعته إذا كان قدامه إلا بالالتفات، وهذا يُبطل الصلاة، فإن قلتَ: لمَ تبطل صلاة المأموم هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنظيم الصلاة، وعدم الجرأة على التقدم على إمام الصلاة، ولتحقق المتابعة والاقتداء، وهذا يجمع شمل المسلمين، فإن قلتَ: تصح صلاة المأموم إذا وقف قدام الإمام؛ إذا أمكنه متابعته؛ قياسًا على من وقف خلف الإمام بجامع: إمكان المتابعة، وهو قول للإمام مالك قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الواقف خلف أو بجانب الإمام يمكنه بيسر متابعة الإمام، بخلاف من وقف قدامه فلا يُمكنه ذلك إلا بالالتفات، ومع هذا الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: تصح صلاة المأموم قدام الإمام عند الضرورة كوجود زحام ونحوه، وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للمصلحة الضرورية قلتُ: لا نُسلِّم وجود ضرورة هنا مع صحة صلاة المأموم خلف الإمام وإن بَعُد مكانه، وصحة صلاته منفردًا؛ لأن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة - كما سبق في مسألة (٢)، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في الشيء الذي يحقق المتابعة للإمام" فعندنا: لا يحققها إلا الوقوف خلفه أو عن جانبه، وعندهم: تتحقق بدون ذلك.
(١٠١) مسألة: إذا صلى المأموم عن يمين أو يسار إمامه وهما واقفان: فإنهما يتساويان بمؤخر القدم، وهو العقب، وإن كانا قاعدين: فيتساويان بالإلية، وإن كانا مضطجعين: فيتساويان بالجنب، وإن كان المأموم قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا بخلاف الإمام فيتساويان بما ذكرنا بالتقدير، ولا يضر تقدُّم قليلًا عن إمامه برجليه أو رأسه عند السجود؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم بهذه الطريقة =
стр. 635
الكعبة إذا جعل وجهه إلى وجه إمامه، أو ظهره إلى ظهره، لا إن جعل ظهره إلى وجه إمامه؛ لأنه متقدِّم عليه، (١٠٢) وإن وقفوا حول الكعبة مستديرين: صحَّت، فإن كان المأموم في جهته أقرب من الإمام في جهته: جاز إن لم يكونا في جهة واحدة: فتبطل صلاة المأموم، (١٠٣) ويُغتفر التقدُّم
يمكنه متابعة إمامه بيسر وسهولة، بدون التفات فلزمت، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد ذلك بما ذكر؟ قلتُ: لأن مؤخر القدم هو محل الوقوف، والإلية هي محل القعود، والجنب هو محل الاضطجاع، فيُقدَّر بها.
(١٠٢) مسألة: تصح صلاة مأموم نافلة خلف إمامه وهما داخل الكعبة بشرط: أن يجعل المأموم وجهه متجهًا إلى وجه إمامه، أو أن يجعل المأموم ظهره متجهًا إلى ظهر إمامه، أما إن جعل المأموم ظهره إلى وجه إمامه: فلا تصح صلاته؛ للتلازم؛ حيث إنه في الحالة الأولى لم يتقدَّم إمامه: فلزم صحة صلاته، أما في الحالة الثانية - وهي: كون ظهره متجهًا إلى وجه إمامه - فإنه يتقدم عليه فلزم: عدم صحة صلاته؛ لعدم قدرته متابعة إمامه، وهذا هو المقصد من المسألة.
(١٠٣) مسألة: إذا صلى الناس مستديرين حول الكعبة: فتصح صلاتهم: سواء تقدم المأموم إلى الكعبة وصار أقرب إليها من الإمام أو لا بشرط: أن لا يتقدَّم المأموم إمامه في الجهة التي فيها الإمام، فإن تقدمه في هذه الجهة: بطلت صلاته؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم إذا تقدم إلى الكعبة أكثر من إمامه في غير الجهة التي هو فيها فلا يكون متقدمًا لإمامه، فيلزم: صحة صلاته أما إن تقدم إمامه في الجهة التي هو فيها: فيكون متقدمًا لإمامه: فيلزم منه بطلان صلاته؛ لتقدُّمه - كالمسجد العادي - فإن قلتَ: لمَ صحت الصلاة في الحالة الأولى دون الحالة الثانية؟ قلتُ: لكونه في الحالة الأولى يمكنه أن يُتابع إمامه بيسر وسهولة، بخلاف الحالة الثانية: فلا يمكنه ذلك كما سبق بيانه.
следующие страницы →