← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الفرض (٩٣) (ولا) يصح ائتمام (من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما) (٩٤) قطع النافلة والصلاة قاعدًا بلا عذر، فلو قطع الإمام النافلة التي يصليها فهل يقطع الذي يصلي الفرض خلفه صلاته، أم ينوي الانفراد بعدما نوى الائمتام أم ماذا يصنع؟ فالأصلح والأحوط دينًا: هو الذي قلناه؛ ليسلم من هذا الحرج، فإن قلتَ: تصح صلاة المفترض خلف المتنفل وهو قول كثير من العلماء منهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل صحة ذلك، ولا يوجد دليل يُغيِّر ذلك، أما حديث: "فلا تختلفوا عليه" فهو خاص بالأفعال فقط، ولا يشمل النيات، قلتُ: إن الحديث السابق عام فيشمل الأفعال والنيات، وهو الدليل الذي غيَّر الأصل؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: هل الحديث السابق عام للأفعال والنيات أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا. (٩٣) مسألة: تصح صلاة المتنفِّل خلف المفترض كأن يصلي شخص نافلة خلف من يصلي الظهر مثلًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لرجلين: "إذا صليتما في رحالكما ووجدتما جماعة يصلون فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" فإن قلتَ: لمَ صحَّت مع اختلاف النيتين بين الإمام والمأموم؟ قلتُ: إن صلاة المتنفِّل خلف المفترض مخصَّصة من عموم حديث: "فلا تختلفوا عليه" والمخصص: السنة القولية السابقة وهي: "فإنها لكما نافلة"، ثم إن نية الإمام الفرض شاملة لنية المأموم وزيادة - وهو التقرب والطاعة - وزيادة اللُّزوم والوجوب؛ إذ لا يمكن للإمام أن يقطع صلاته؛ لكونه يُصلِّي فرضًا. (٩٤) مسألة: لا تصح صلاة المأموم الذي يصلي الظهر خلف من يصلي العصر - مثلًا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فلا تختلفوا عليه" حيث إن النهي هنا مطلق فيقتضي الفساد، وبناء عليه: إذا اختلفت الصلاة بين المأموم والإمام: لزم اختلاف نيتهما، ويبطل الائتمام عند الاختلاف في النية.

стр. 632

ولو جمعة في غير المسبوق إذا أدرك دون ركعة، (٩٥) قال في "المبدع": "فإن كانت إحداهما تخالف الأخرى كصلاة كسوف، واستسقاء وجنازة وعيد: منع فرضًا، وقيل: ونفلًا؛ لأنه يؤدِّي إلى المخالفة في الأفعال" انتهى، ويؤخذ منه: صحة نفل خلف نقل آخر لا يُخالفه في أفعاله كشفع وتر خلف تراويح حتى على القول الثاني (٩٦) فصل: في موقف الإمام والمأمومين: السنة أن (يقف المأمومون) رجالًا (٩٥) مسألة: لا تصح صلاة الظهر خلف من يصلي الجمعة إلا في حالة واحدة وهي: أن يدخل رجلٌ الجامعَ ولم يُدرك الركعة الثانية مع الإمام في صلاة الجمعة بل أدرك ما هو أقل منها: فإنه ينوي الظهر، ويدخل معه؛ فإذا سلَّم الإمام فإنه يصلي أربع ركعات ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف نية المصلي ظهرًا ونية المصلي جمعة: عدم صحة الصلاة، ويلزم من نيته الدخول مع الإمام لتحصيل ثواب الجماعة، ونيته الظهر: صحة الصلاة؛ لكونه معذورًا في عدم إدراك الجمعة. (٩٦) مسألة: إذا صلى زيد فرضًا كصلاة الفجر، أو صلاة نفل، وصلى خلفه بكر صلاة استسقاء أو كسوف أو عيد أو جنازة، أو نحوها مما يُخالف صلاة الفجر في الأفعال، أو بالعكس بأن صلى زيد صلاة استسقاء أو كسوف أو عيد أو جنازة، وصلى خلفه بكر صلاة الفجر مثلًا، أو صلاة نفل يُخالف صلاة زيد: فإن صلاة بكر - المأموم - باطلة في الحالتين، أما إن لم توجد مخالفة كأن يصلي زيد نافلة معينة كركعتين من التراويح، وصلى خلفه بكر نافلة أخرى تماثل صلاة زيد في الأفعال كأن ينوي بكر بأنه يصلي خلف زيد شفع وتره: فإن صلاة بكر - المأموم - تصح؛ للسنة القولية؛ حيث قال: "فلا تختلفوا عليه" حيث إن النهي هنا مطلق، فيقتضي الفساد، فيلزم من وجود الاختلاف بين صلاة الاستسقاء والكسوف والعيد والجنازة وبين صلاة =

стр. 633

كانوا أو نساء إن كانوا اثنين فأكثر (خلف الإمام)؛ لفعله ﷺ : "كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه" (٩٧) ويستثنى منه إمام العراة يقف وسطهم وجوبًا، والمرأة إذا أمَّت النساء تقف وسطهن استحبابًا ويأتي (٩٨) (ويصح) وقوفهم (معه) أي: مع الإمام (عن يمينه أو عن جانبيه)؛ لأن ابن مسعود ﵁ صلى بين علقمة والأسود، وقال: "هكذا رأيت رسوله ﷺ فعل" رواه أحمد وقال ابن عبد البر: لا يصح رفعه، والصحيح: أنه من قول ابن مسعود (٩٩) (لا قدَّامه) أي: لا قدَّام الإمام، فلا تصح للمأموم ولو بإحرام؛ لأنه ليس موقفًا بحال، (١٠٠) والاعتبار بمؤخر الفرض والنفل في الصورة والهيئة: وجود الاختلاف في الأفعال: فيبطل الائتمام؛ ودل مفهوم الصفة من الحديث على صحة الصلاة إذا لم يوجد اختلاف في الأفعال والهيئات. (٩٧) مسألة: يُستحب أن يقف المأمومون خلف الإمام، سواء كانوا رجالًا أو نساء، في الفرض والنفل؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن الصحابة كانوا يقفون خلف النبي ﷺ ، ولا يُنكر عليهم ذلك؛ فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق متابعة الإمام في الركوع والسجود بدقة. (٩٨) مسألة: يجب أن يقف إمام العراة وسطهم؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للمأمومين من أن يروا عورته، لأن كشف العورة حرام، وما يُترك به الحرام واجب، تنبيه: قوله: "والمرأة إذا أمَّت .. " سيأتي بيانه في مسألة (١١٢). (٩٩) مسألة: يصح أن يقف المأمومون عن يمين الإمام أو عن يساره؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن مسعود ﵁ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين. (١٠٠) مسألة: لا تصح صلاة مأموم وقف قُدَّام إمامه ولو بتكبيرة الإحرام؛ للتلازم، حيث إن المأموم يتبع الإمام في أفعاله ويأتمَّ به؛ لقوله ﷺ : "إنما جعل =

стр. 634

القدم وإلا: لم يضر، وإن صلى قاعدًا فالاعتبار بالإلية، حتى لو مدَّ رجليه، وقدَّمهما على الإمام: لم يضر، وإن كان مضطجعًا: فبالجنب (١٠١) وتصح داخل الإمام ليؤتمَّ به" فموقفه خلف أو بجانب الإمام، لتتحقق المتابعة ويلزم منه: أن لا يكون قدامه؛ لكونه لا يمكنه متابعته إذا كان قدامه إلا بالالتفات، وهذا يُبطل الصلاة، فإن قلتَ: لمَ تبطل صلاة المأموم هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنظيم الصلاة، وعدم الجرأة على التقدم على إمام الصلاة، ولتحقق المتابعة والاقتداء، وهذا يجمع شمل المسلمين، فإن قلتَ: تصح صلاة المأموم إذا وقف قدام الإمام؛ إذا أمكنه متابعته؛ قياسًا على من وقف خلف الإمام بجامع: إمكان المتابعة، وهو قول للإمام مالك قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الواقف خلف أو بجانب الإمام يمكنه بيسر متابعة الإمام، بخلاف من وقف قدامه فلا يُمكنه ذلك إلا بالالتفات، ومع هذا الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: تصح صلاة المأموم قدام الإمام عند الضرورة كوجود زحام ونحوه، وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للمصلحة الضرورية قلتُ: لا نُسلِّم وجود ضرورة هنا مع صحة صلاة المأموم خلف الإمام وإن بَعُد مكانه، وصحة صلاته منفردًا؛ لأن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة - كما سبق في مسألة (٢)، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في الشيء الذي يحقق المتابعة للإمام" فعندنا: لا يحققها إلا الوقوف خلفه أو عن جانبه، وعندهم: تتحقق بدون ذلك. (١٠١) مسألة: إذا صلى المأموم عن يمين أو يسار إمامه وهما واقفان: فإنهما يتساويان بمؤخر القدم، وهو العقب، وإن كانا قاعدين: فيتساويان بالإلية، وإن كانا مضطجعين: فيتساويان بالجنب، وإن كان المأموم قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا بخلاف الإمام فيتساويان بما ذكرنا بالتقدير، ولا يضر تقدُّم قليلًا عن إمامه برجليه أو رأسه عند السجود؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم بهذه الطريقة =

стр. 635

الكعبة إذا جعل وجهه إلى وجه إمامه، أو ظهره إلى ظهره، لا إن جعل ظهره إلى وجه إمامه؛ لأنه متقدِّم عليه، (١٠٢) وإن وقفوا حول الكعبة مستديرين: صحَّت، فإن كان المأموم في جهته أقرب من الإمام في جهته: جاز إن لم يكونا في جهة واحدة: فتبطل صلاة المأموم، (١٠٣) ويُغتفر التقدُّم يمكنه متابعة إمامه بيسر وسهولة، بدون التفات فلزمت، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد ذلك بما ذكر؟ قلتُ: لأن مؤخر القدم هو محل الوقوف، والإلية هي محل القعود، والجنب هو محل الاضطجاع، فيُقدَّر بها. (١٠٢) مسألة: تصح صلاة مأموم نافلة خلف إمامه وهما داخل الكعبة بشرط: أن يجعل المأموم وجهه متجهًا إلى وجه إمامه، أو أن يجعل المأموم ظهره متجهًا إلى ظهر إمامه، أما إن جعل المأموم ظهره إلى وجه إمامه: فلا تصح صلاته؛ للتلازم؛ حيث إنه في الحالة الأولى لم يتقدَّم إمامه: فلزم صحة صلاته، أما في الحالة الثانية - وهي: كون ظهره متجهًا إلى وجه إمامه - فإنه يتقدم عليه فلزم: عدم صحة صلاته؛ لعدم قدرته متابعة إمامه، وهذا هو المقصد من المسألة. (١٠٣) مسألة: إذا صلى الناس مستديرين حول الكعبة: فتصح صلاتهم: سواء تقدم المأموم إلى الكعبة وصار أقرب إليها من الإمام أو لا بشرط: أن لا يتقدَّم المأموم إمامه في الجهة التي فيها الإمام، فإن تقدمه في هذه الجهة: بطلت صلاته؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم إذا تقدم إلى الكعبة أكثر من إمامه في غير الجهة التي هو فيها فلا يكون متقدمًا لإمامه، فيلزم: صحة صلاته أما إن تقدم إمامه في الجهة التي هو فيها: فيكون متقدمًا لإمامه: فيلزم منه بطلان صلاته؛ لتقدُّمه - كالمسجد العادي - فإن قلتَ: لمَ صحت الصلاة في الحالة الأولى دون الحالة الثانية؟ قلتُ: لكونه في الحالة الأولى يمكنه أن يُتابع إمامه بيسر وسهولة، بخلاف الحالة الثانية: فلا يمكنه ذلك كما سبق بيانه.

стр. 636

في شدة خوف إذا أمكن المتابعة (١٠٤) (ولا) يصح للمأموم إن وقف (عن يساره فقط) أي: مع خلو يمينه إذا صلى ركعة فأكثر؛ لأنه ﷺ أدار ابن عباس وجابرًا ﵃ عن يساره إلى يمينه، وإذا كبَّر عن يساره: أداره من ورائه إلى يمينه، فإن كبَّر معه آخر: وقفا خلفه، فإن كبَّر الآخر عن يساره: أدارهما بيده وراءه، فإن شقَّ ذلك أو تعذر: تقدم الإمام فصلى بينهما أو عن يسارهما، (١٠٥) ولو تأخَّر الأيمن قبل إحرام (١٠٤) مسألة: صلاة المأموم قدام إمامه لا تصح مطلقًا: سواء كان ذلك في شدَّة خوف أو لا؛ للتلازم، وقد بيناه في مسألة (١٠٠)، فإن قلتَ: إن أمكنه متابعة إمامه وهو في حالة خوف فتصح - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لا داعي لافتراض أمرٍ لا يُمكن حصوله - وهو إمكان متابعة المأموم المتقدم على إمامه لما يفعله الإمام - بل قد يصل ذلك إلى الاستحالة، ثم إنه لا ضرورة لذلك كما سبق قوله في مسألة (١٠٠). (١٠٥) مسألة: تصح صلاة المأموم إذا وقف عن يسار الإمام وإن كان اليمين خاليًا، ويُديره الإمام من خلفه ويجعله عن يمينه، وإن جاء مأموم آخر: فإنه يُديرهما إلى يساره إن تيسر، فإن شقَّ ذلك: تقدَّم الإمام وجعلهما خلفه، أو انتقل هو وجعل نفسه عن يسارهما؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن ابن عباس ﵃ قد وقف عن يسار النبي ﷺ فأداره من خلفه وجعله عن يمينه، ولم يأمره بإعادة تلك الصلاة التي أحرم بها عن يساره، وهذا يلزم منه صحتها، وكان ﷺ قد واظب على تقدُّمه على المصلين، فإن قلتَ: إن صلاة المأموم الواقف عن يسار الإمام لا تصح إذا كان اليمين خاليًا؛ للسنة الفعلية، "حيث أدار ﷺ ابن عباس من يساره إلى يمينه" فلو كانت صحيحة لأقره على اليسار، قلتُ: هذا يدل على أن الوقوف في اليمين أفضل من اليسار فقط، ولو لم تكن صحيحة: لبيَّن له عدم صحتها، ولكنه لم يفعل، ولا يجوز تأخير البيان عن =

стр. 637

الداخل؛ ليُصلِّيا خلفه: جاز، (١٠٦) ولو أدركهما الداخل جالسين: كبَّر وجلس عن يمين صاحبه، أو يسار الإمام ولا تأخر إذن؛ للمشقة، والزَّمنى لا يتقدمون ولا يتأخرون (١٠٧) (ولا) تصح صلاة (الفذ) أي: الفرد (خلفه) أي: خلف الإمام (أو خلف الصف) إن صلى ركعة، فأكثر عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا؛ لقوله ﷺ : "لا صلاة لفرد خلف الصف" رواه أحمد وابن ماجة، "ورأى ﷺ رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة" رواه أحمد والترمذي وحسنَّه، وابن ماجه، وقت الحاجة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "هل عدم أمره ﷺ لابن عباس بإعادة الصلاة التي صلاها عن يسار النبي يلزم منه: صحتها أو لا؟ " فعندنا: نعم يلزم صحتها، وعندهم: لا. (١٠٦) مسألة: إذا صلى مأموم واقفًا عن يمين إمامه، ودخل شخص ثالث ووجدهما واقفين وتأخر ذلك المأموم قبل أن يُكبِّر الداخل تكبيرة الإحرام معه فصفَّا معًا خلف ذلك الإمام: صح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن تأخر هذا المأموم بنية وصول الداخل إليه: يلزم منه صحة صلاتهما خلف ذلك الإمام، وهو الموقف المستحب للمأموم إذا كان معه آخر. (١٠٧) مسألة: إذا دخل شخص ووجد مأمومًا جالسًا عن يمين إمامه: فإنه يُكبِّر، ويجلس عن يمين هذا المأموم، أو يجلس عن يسار الإمام، ولا يتأخر المأموم معه ليُصلِّيا خلف الإمام؛ نظرًا لجلوس المأموم؛ للقياس، بيانه: كما أن الشخص الذي مرضه مزمن - وهو: المقعد - لا يتأخر لمأموم قد دخل، ولا يتقدَّم، فكذلك الحال هنا بجامع: وجود المشقَّة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي دفع المشقة عنه عن المعذور.

стр. 638

وإسناده ثقات، (١٠٨) (إلا أن يكون) الفذ خلف الإمام أو الصف (امرأة) خلف (١٠٨) مسألة: لا تصحُّ صلاة منفرد خلف الإمام؛ أو خلف الصف إذا صلى ركعة فأكثر مع تمكُّنه من الوقوف في الصف، أو عن يمين أو يسار الإمام، إذا كان عالمًا بأن صلاته تبطل، وكان ذاكرًا لذلك، أما إن انضمَّ إليه آخر قبل أن يصلي ركعة، أو لم يجد مكانًا إلا خلف الصف أو كان جاهلًا للحكم، أو كان عالمًا به ولكنه نسيه: فإن صلاته تصح؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "لا صلاة لفرد خلف الصف" حيث إن المنفي هنا الصحَّة، والتقدير "لا صلاة صحيحة ..... ؛ لأنه يمكن حمله على ذلك، ولا يحمل على نفي الكمال؛ لإمكاننا حمله على نفي الصحة من باب: "دلالة الاقتضاء"، ثانيها: أنه ﷺ قد أمر رجلًا صلى خلف الصف وحده بإعادة صلاته، فلو كانت صحيحة: لما أمره بإعادتها، ثالثها: قوله ﷺ : "عُفي لأمَّتي عن الخطأ والنسيان .. " فالمخطي والناسي والجاهل معفو عنه؛ للعذر، فتكون صلاته منفردًا جاهلًا أو ناسيًا صحيحة، ومن صلى خلف إمامه كمن صلى خلف الصف منفردًا؛ لعدم الفارق بجامع: الانفراد في كل من باب: "مفهوم الموافقة"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الذي لم يجد مكانًا إلا خلف الصف إما أن يصبر إلي أن يحضر شخص آخر يصلي معه، وهذا يُفوّت عليه الركعة أو الجماعة، وإما أن يجذب معه شخصًا من الصف المكتمل، وهذا يتسبَّب في إشغال المجذوب وإشغال من حوله، ونقله من الفاضل إلى المفضول، وفتح فرجة في الصف، فدفعًا لتلك المفاسد: شُرع أن يقف منفردًا خلف الصف؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، الثالثة: التلازم؛ حيث إن الداخل في الصف، أو الآتي معه شخص وصف معه قبل فوات الركعة حقَّق الاصطفاف: فلزم صحة صلاته، تنبيه: قوله: "عامدًا أو ناسيًا أو عالمًا أو جاهلًا" قلتُ: هذا لا يُسلَّم على إطلاقه وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: تصح صلاة الفرد خلف الصف =

стр. 639

رجل فتصح صلاتها؛ لحديث أنس، (١٠٩) وإن وقفت بجانب الإمام فكرجل، (١١٠) وبصف رجال لم تبطل صلاة من يليها أو خلفها فصف تام من نساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من رجال (١١١) (وإمامة النساء تقف في صفهن) ندبًا، روي عن عائشة مطلقًا؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أبا بكرة قد صلى منفردًا خلف الصف ولم يأمرْ ﷺ بالإعادة، وهذا يلزم منه: صحة صلاته مطلقًا، قلتُ: إن أبا بكرة مشى وهو راكع حتى دخل في الصف، وهذا يخالف ما نحن فيه، وسيأتي بيانه في مسألة (١١٦). (١٠٩) مسألة: تصح صلاة امرأة منفردة خلف رجل أو خلف صف من الرجال؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس ﵁: "صلَّى رسول الله بأم أنس أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا"؛ فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكثر سترًا للمرأة، وأمنع من الفتنة. (١١٠) مسألة: تصح صلاة امرأة وقفت عن يمين أو يسار رجل غير أجنبي عنها، للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح ذلك من الرجل: فكذا يصح من المرأة، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر موقفًا للمأموم وهذا من تيسير الشارع على الناس، وهو المقصد منه. (١١١) مسألة: إذا وقفت عدة نساء صفًا واحدًا خلف رجل، أو خلف صف من الرجال، ثم صف وراء هذا الصف من النساء عدة رجال، وهم مقتدون بذلك الإمام: فإن صلاة الجميع تصح؛ للتلازم؛ حيث إن هذا يُعتبر موقفًا للمأمومين من الرجال والنساء، ولا يقطعن النساء صلاة الرجال - كما سبق - فلزم صحة صلاة الجميع، وهذا من تيسير الشارع على الناس، وهو المقصد منه.

стр. 640

وأم سلمة، فإن أمَّت واحدة: وقفت عن يمينها، ولا يصح خلفها (١١٢) (ويليه) أي: يلي الإمام من المأمومين (الرجال) الأحرار، ثم العبيد الأفضل فالأفضل؛ لقوله ﷺ : "ليليني منكم أولو الأحلام والنّهى" رواه مسلم (ثم الصبيان) الأحرار ثم العبيد (ثم النساء): لقوله ﷺ : "أخِّروهن من حيث أخَّرهن الله" ويُقدم منهن البالغات الأحرار، ثم الأرقاء، ثم من لم تبلغ من الأحرار فالأرقاء الفضلى فالفضلي، وإن وقف الخناثى صفًا: لم تصح صلاتهم (كـ) الترتيب في (جنائزهم) إذا اجتمعت، فيُقدَّمون إلى الإمام وإلى القبلة في القبر على ما تقدَّم في صفوفهم (١١٣) (١١٢) مسألة: إمامة النساء يُستحب أن تقف في وسطهن، فإن وقفت عن يسارهن أو يمينهن، أو أمامهن: فلا بأس، وإن كانت المأمومة واحدة: فإنها تقف عن يمينها أي: يمين الإمامة، ولا تصح صلاة امرأة منفردة وقفت خلف إمامتها، أو خلف صف النساء إن كانت واجدة لمكان لها في الصف أو عن يمين الإمامة أو يسارها؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن عائشة وأمَّ سلمة ﵄ قد وقفتا في وسط النساء حين أمَّتاهن، الثانية: القياس، بيانه: كما تصح صلاة الرجل عن يمين أو يسار الإمام، ولا تصح صلاته إذا وقف منفردًا خلف إمامه أو خلف الصف إن كان واجدًا مكانًا له - كما سبق في مسألتي (١٠٥ و ١٠٨) - فكذلك المرأة مثله في هذين الحكمين. (١١٣) مسألة: إذا أراد جماعة من الرجال والنساء والصبيان أن يصلوا جماعة: فإن المستحب أن يقف خلف الإمام مباشرة الرجال البالغون من الأحرار، ثم يليهم الرجال البالغون من العبيد، ويُقدَّم منهم الفاضل ثم المفضول في العلم، ثم يليهم الصبيان من الأحرار، ثم يليهم الصبيان من العبيد، ثم يلي هؤلاء النساء البالغات الحرائر، ثم تليهن النساء البالغات من الإماء، ثم يليهن الصبيات الحرائر، ثم يليهن الصبيات الإماء؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال =

стр. 641

(ومن لم يقف معه) في الصف (إلا كافر أو امرأة) أو خنثى، وهو رجل، (أو من علمَ حدثه) أو نجاسته (أحدهما) أي: المصلي أو المصافف له (أو) لم يقف معه إلا (صبي في فرض: ففذ) أي: فرد، فلا تصح صلاته ركعة فأكثر، وعُلِم منه: صحة مصافَّة الصبي في النفل، أو من جهل حدثه أو نجسه حتى فرغ (١١٤) (ومن وجد - ﷺ "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى" أي: ذوي العقول والعلم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صف الرجال، ثم الغلمان، ثم النساء - كما رواه أبو مالك الأشعري - الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه لو مات رجل وصبي وامرأة: فإنه يُستحب أن توضع المرأة أقربهم إلى القبلة وأبعدهم عن الإمام، ثم يليها الصبي - من جهة الإمام، ثم يليه الرجل ويكون ألصق الثلاثة بالإمام عند الصلاة عليهم، فكذلك يُفعل بهم في الصلاة والجامع: تقديم الرجال وتأخير النساء، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إبعاد عن الفتنة وتقريب من يُمكنه تنبيه الإمام إن غلط أو سها. [فرع]: لا تصح صلاة مجموعة من الخناثى صفًا واحدًا؛ للمصلحة؛ حيث إن كل واحد منهم يُحتمل أن يكون رجلًا، والباقي نساء؛ لمنع احتمال الفتنة. (١١٤) مسألة: إذا وقف زيد خلف الصف بمفرده بلا عذر، أو وقف معه كافر، أو وقفت معه امرأة، أو خنثى، أو رجل به حدث أو نجس يعلم زيد هذا الحدث والنجس، أو وقف معه صبي في فرض، فإن زيدًا يكون قد صلى منفردًا، فلا تصح صلاته إن صلى ركعة فأكثر، أما إن صف معه صبي في نفل، أو صفَّ معه شخص لا يعلم هل هو كافر أو لا؟ أو لا يعلم هل هو على طهارة أو لا؟: فإن صلاة زيد صحيحة؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وقوف الكافر، والمرأة والخنثى والمحدث والمتنجس معه: أنه مفرد؛ لأن وجودهم كعدمهم، فلزم عدم صحة صلاته - كما سبق في مسألة (١٠٨)، الثانية: السنة =

стр. 642

فُرجة) بضم الفاء، وهي: الخلل في الصف ولو بعيدة: (دخلها) وكذا: إن وجد الصف غير مرصوص: وقف فيه؛ لقوله ﷺ : "إن الله وملائكته يُصلُّون على الذين يصلون الصفوف" (وإلا) يجد فُرجة: وقف (عن يمين الإمام)؛ لأنه موقف الواحد (فإن لم يُمكنه: فله أن يُنبِّه من يقوم معه) بنحنحة، أو كلام، أو إشارة، وكره بجذبه، ويتبعه من نبهه وجوبًا (فإن صلى فذًا ركعة: لم تصح) صلاته؛ لما تقدَّم، وكرره لأجل ما أعقبه به (١١٥) (وإن ركع فذًا) أي: فردًا؛ لعذر: بأن خشي فوات الركعة التقريرية؛ حيث إن أنسًا صفَّ خلف النبي ﷺ ومعه يتيم في نفل، ولم ينكر النبي ذلك، الثالثة: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن كل من يدخل المسجد مسلم طاهر، فيُستصحب ذلك ويُعمل به فصحَّت مصافَّته، فصحَّت صلاة زيد بذلك، ولا يُلتفت إلى شيء بعد الفراغ من الصلاة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشكَّ لا تُبنى عليه أحكام؛ للتيسير، والنفل قد تساوي به مع الصبي؛ لجواز قطعه بلا عذر بدون تفريق. (١١٥) مسألة: إذا وجد الداخل فرجة تسعه في الصف: فيجب عليه أن يقف فيها، ويصل الصف بذلك ولا يصف وحده، فإن لم يجد فرجة: فإنه يقف عن يمين أو يسار الإمام إن لم يشق ذلك عليه ولا على المأمومين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "تراصُّوا وسدُّوا الخلل" حيث أوجب الشارع أن يسدَّ كل شخص كل خللٍ يجده في الصف؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وهو وجوب كفائي - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين - الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون يمين أو يسار الإمام موقفًا للمأموم: أن يصح أن يقف المأموم فيه بشرط: عدم المشقة على الآخرين، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على الأجر العظيم؛ حيث قال ﷺ في ذلك: "إن الله وملائكته يصلون على الذين =

стр. 643

(ثم دخل في الصف) قبل سجود الإمام (أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام: صحَّت) صلاته؛ لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حرصًا ولا تعد" رواه البخاري، وإن فعله ولم يخش فوات الركعة: لم تصح إن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل الصف أو يقف معه آخر (١١٦) فصل: في أحكام الاقتداء (يصح اقتداء المأموم بالإمام) إذا كانا يصلون الصفوف، من سدَّ فرجة رفعه الله بها درجة" تنبيه: قوله: "فله أن ينبه" إلى قوله: "وجوبًا" قلتُ: هذا لا يُسلَّم، بل إن لم يجد فرجة، ولم يستطع الوقوف بجانب الإمام: فإنه يصلي وحده وتصح صلاته، وعليه: فلا يجب على المأموم في الصف أن يرجع لهذا المتأخر، وهذا كله قد سبق بيانه في مسألة (١٠٨)، تنبيه آخر: قوله: "فإن صلى فذًا ركعة لم تصح صلاته" يُشير به إلى قوله سابقًا: "ولا تصح صلاة الفذ". وقد سبق بيانه في مسألة (١٠٨)، وكرَّره؛ لكونه سيُرتب عليه ما سيأتي من الأحكام. (١١٦) مسألة: إذا دخل شخص المسجد فركع قبل أن يصل إلى الصف؛ لعذر كأن يخشى فوات الركعة، ثم مشى حتى دخل الصف وهو راكع قبل أن يسجد الإمام، أو وقف معه شخص آخر قبل سجود ذلك الإمام: فصلاته صحيحة، أما إن ركع قبل أن يصل الصف بلا عذر: فلا تصح صلاته إن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل الصف أو يقف معه شخص آخر معه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن أبا بكرة قد ركع قبل الصف ثم مشى حتى دخل فيه قبل سجود الإمام، فلما علم النبي ﷺ بذلك: لم يأمره بإعادتها فلزم من ذلك صحتها، ويلزم مما يُخالف ذلك: بطلانها، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وقوف شخص آخر معه: صحة صلاته؛ لكونهما يُعتبران صفًا، لا فردًا.

стр. 644

(في المسجد وإن لم يره، ولا من ورائه إذا سمع التكبير)؛ لأنه في موضع الجماعة، ويُمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير أشبه المشاهدة (١١٧) (وكذا) يصح الاقتداء إذا كانا أحدهما (خارجه) أي: خارج المسجد (إن رأى) المأموم (الإمام أو) بعض (المأمومين) الذين وراء الإمام، ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة أو من شِبَّاك ونحوه، وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف، حيث صحَّت فيه، أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى في غير شدَّة خوف: لم يصح الاقتداء (١١٨) (وتصح) صلاة المأمومين (خلف إمام عال عنهم)؛ (١١٧) مسألة: يصح اقتداء المأموم بالإمام إذا سمع تكبيرات الإمام، وهو داخل المسجد سواء كان يرى الإمام أو لا يراه، وسواء كان يرى بعض المأمومين أو لا، وسواء اتصلت الصفوف أو لا؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة المأموم إذا رأى إمامه وشاهده، فكذلك تصح صلاته إذا سمع التكبيرات وهو في المسجد والجامع: أن كلًا منهما في موضع الجماعة - وهو: المسجد - ويُمكنه متابعة الإمام والاقتداء به، وهذا من باب التوسعة على الناس، وهو المقصد منه. (١١٨) مسألة: يصح اقتداء المأموم بالإمام إذا كان خارج المسجد بشرطين: أولهما: أن يسمع تكبيرات الإمام، ثانيهما: أن يرى المأموم الإمام، أو بعض المأمومين الذين يصلون وراء ذلك الإمام وهذا مطلق، أي: سواء رأى ذلك في جميع الصلاة، أو في جزء منها، وسواء كانت الرؤية مباشرة، أو من وراء زجاج أو شباك أو نحو ذلك، وسواء كانت الصفوف متصلة أو لا، وسواء وُجد فاصل بين الإمام والمأموم كنهر أو بئر أو نار، أو طريق يمشي فيه بعض الناس أو لا، وسواء كان الإمام في سفينة والمأموم في سفينة أخرى؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" ويمكن تحقيق الائتمام والمتابعة بهذين الشرطين لذا صح الاقتداء هنا، وهذا عام لكل الحالات المذكورة، فإن قلتَ: لمَ شرع =

стр. 645

"لفعل حذيفة وعمار ﵃" رواه أبو داود، (ويُكره) علو الإمام عن المأموم (إذا كان العلو ذراعًا فأكثر)؛ لقوله ﷺ : "إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقومنَّ في مكان أرفع من مكانهم" فإن كان العلو يسيرًا دون ذراع: لم يكره؛ لصلاته ﷺ على المنبر في أول يوم وضع، فالظاهر: أنه على الدرجة السفلى؛ جمعًا بين الأخبار، ولا بأس بعلو المأموم (١١٩) (كـ) ما تكره (إمامته في الطاق) أي: طاق القبلة، وهو المحراب؛ روي هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس، فإن قلتَ: إذا وُجد بين الإمام والمأموم فاصل من بئر أو نهر أو طريق، أو كان الإمام في سفينة والمأموم في أخرى: فلا يصح الاقتداء إلا لشدة خوف قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، [فرع]: الأعمى يكفيه أن يسمع تكبيرات الإمام، وأن يُصلِّي بجانب بصير، والأصم يكفيه أن يرى الإمام أو بعض المأمومين؛ لما سبق من السنة القولية. (١١٩) مسألة: تصح الصلاة إذا كان الإمام أعلى من المأموم، أو المأموم أعلى من الإمام في المكان، ولكن يُكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم بذراع فأكثر بغير عذر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم" والذي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ صلى على المنبر، والذي خصَّص الكراهة بالذراع فأكثر: قول الصحابي؛ حيث قال عمار لحذيفة: "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ " قال: "بلى، ومحل النهي إذا كان ذراعًا فأكثر"، فإن قلتَ: لمَ صحَّت الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التوسعة والتيسير على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتمال ترفع الإمام عن المأمومين، تنبيه: قوله: "فالظاهر: أنه كان على الدرجة .... " قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك الجمع.

стр. 646

عن ابن مسعود ﵁ وغيره؛ لأنه يستتر عن بعض المأمومين، فإن لم يمنع رؤيته: لم يكره (١٢٠) (و) يكره (تطوعه موضع المكتوبة) بعدها؛ لقوله ﷺ : "لا يصلِّين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحَّى عنه" رواه أبو داود، عن المغيرة بن شعبة ﵁ (إلا من حاجة) فيهما: بأن لا يجد موضعًا خاليًا غير ذلك (١٢١) (و) يكره للإمام (إطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة)؛ لقول عائشة: "كان النبي ﷺ إذا سلَّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" رواه مسلم، فيُستحب له أن يقوم أو ينحرف عن قبلته إلى مأموم (١٢٠) مسألة: يكره أن يصلي الإمام داخل محراب المسجد - وهو المسمى بالطاق - بلا حاجة، فإن وجدت حاجة كزحام: فلا كراهة؛ لقول الصحابي؛ حيث كره ابن مسعود ﵁ ذلك، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صلاته داخله يتسبَّب في عدم رؤية بعض المأمومين للإمام، وهو شرط الاقتداء به - كما سبق -. (١٢١) مسألة: يُكره أن يصلي الإمام النافلة في موضع صلاته المفروضة بلا حاجة، فإن وجدت حاجة كضيق مكان ونحوه: فلا كراهة، أما المأموم فيصلي النافلة في موضع صلاته المفروضة بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث نهى ﷺ أن يصلي الإمام النافلة في موضعه، والذي صرف هذا من التحريم إلى الكراهة المصلحة؛ حيث إن النهي هنا لمنع أن يظن الداخل للمسجد أن الإمام لا زال في صلاة المفروضة فيلتبس عليه الأمر، وهو المقصد من هذا النهي، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ كان يصلي في موضعه الذي صلى فيه الفريضة إذا كان مأمومًا، تنبيه: قوله: "إلا من حاجة فيهما" يقصد في المسألتين السابقتين (١٢٠ و ١٢١).

стр. 647

جهة قصده، وإلا: فعن يمينه (١٢٢) (فإن كان ثمَّ) أي: هناك (نساء: لبث) في مكانه (قليلًا؛ لينصرفنَّ)؛ لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يفعلون ذلك، (١٢٣) ويُستحب: أن لا ينصرف المأموم قبل إمامه؛ لقوله ﷺ : "لا تسبقوني بالانصراف" رواه مسلم، قال في "المغني" و "الشرح": إلا أن يخالف الإمام السنة في إطالة الجلوس أو لم ينحرف: فلا بأس بذلك (١٢٤) (ويُكره وقوفهم) أي؛ المأمومين (بين السواري إذا قطعن) (١٢٢) مسألة: يُكره أن يُطيل الإمام قعوده وهو مستقبل القبلة بعد سلامه، بل يُستحب أن يقوم مباشرة، أو ينحرف إلى جهة المأمومين عن اليمين أو اليسار؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يقعد بعد سلامه إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، وكان يُقبل على أصحابه بوجهه - كما روته عائشة وجابر بن سمرة ﵃، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إنه إذا قعد وهو مستقبل القبلة بعد سلامه فقد يتوهَّم أحد أنه لا زال في الصلاة، فدفعًا لذلك: شرع هذا. (١٢٣) مسألة: يُستحب للإمام أن يجلس قليلًا وهو مستقبل القبلة بعد سلامه إذا وجدت نساء يُصليِّن معه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين النساء من أن يخرجن قبل الرجال؛ لئلا يحصل اختلاط الرجال والنساء عند باب الانصراف. (١٢٤) مسألة: يُكره أن ينصرف المأموم ويخرج من المسجد قبل أن ينصرف إمامه عن القبلة وينحرف عنها إذا كان الإمام لا يطيل قعوده باتجاه القبلة عادة، أما إن كان يُطيل القعود وهو مستقبل القبلة بعد سلامه - خلافًا للمستحب والسنة - فلا كراهة على المأموم أن ينصرف ويخرج من المسجد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تسبقوني بالانصراف" والذي صرف هذا إلى الكراهة: المصلحة؛ حيث إن النهي هنا لمصلحة المأموم؛ حيث إن الإمام قد يتذكّر شيئًا نسيه أو زاده أو =

стр. 648

الصفوف عرفًا بلا حاجة؛ لقول أنس ﵁ "كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ " رواه أحمد وأبوداود، وإسناده ثقات، فإن كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين: فلا بأس، (١٢٥) وحرم بناء مسجد يُراد به الضِّرار لمسجد بقربه فُيهدم مسجد الضرار، (١٢٦) ويُباح اتخاذ نقصه فيسجد للسهو، فلا يتمكَّن المأموم المسرع في الخروج من فعل ذلك معه فيفوته، فنظرًا لهذا الاحتمال: شُرِعت هذه الكراهة، لذلك قال بعض العلماء: لو كانت عادة الإمام إطالة القعود: فلا يُكره للمأموم أن يسبقه بالخروج والانصراف؛ لزوال ذلك الاحتمال. (١٢٥) مسألة: يُكره أن يقف المأمومون بين السواري والأعمدة بلا حاجة، أما إن وُجدت حاجة كضيق مسجد، أو كان ما بين العمودين قدر صف كامل بحيث لا ينقطع: فلا كراهة؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان الصحابة يتجنَّبون ما بين السواري والأعمدة في عهده ﷺ ، وكان ﷺ لا يُنكره، مما يلزم منه: كراهة الوقوف بينها، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك لغير حاجة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الوقوف بينها يؤدي إلى قطع الصفوف، وعدم التصاق المأمومين مع بعض، وعند الحاجة إلى ذلك لا يُكره؛ للتوسعة على المسلمين. (١٢٦) مسألة: يحرم أن يُبنى مسجد بقرب مسجد آخر أقدم منه لقصد الضرار وجلب الجماعة عن المسجد القديم، ويجب هدم مسجد الضرار وهو الجديد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهو عام؛ لأنه نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، والنفي هنا هو بمنزلة النهي، والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، فيُهدم هذا المسجد الجديد، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للبغضاء والتقاطع بين المسلمين.

стр. 649

المحراب، (١٢٧) وكره حضور مسجدُ وجماعة لمن أكل بصلًا ونحوه حتى يذهب ريحه (١٢٨) فصل: في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة (ويُعذر بترك جمعة وجماعة مريض) لأنه ﷺ لما مرض تخلَّف عن المسجد، وقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" متفق عليه، وكذا خائف حدوث مرض، (١٢٩) وتلزم الجمعة، دون الجماعة من لم يتضرَّر بإتيانها راكبًا أو محمولًا (١٣٠) (و) يُعذر بتركهما (مُدافع أحد الأخبثين) البول (١٢٧) مسألة: يُستحب وضع المحراب في المسجد، وهو الذي يقف الإمام اتجاهه، أو داخله عند الحاجة؛ للمصلحة؛ حيث يستدل به الجاهل لجهة القبلة فيصلي - كما سبق - تنبيه: قوله: "يُباح اتخاذ المحراب" قلتُ: لم أجد دليلًا على الإباحة فقط، حيث إن المصلحة تقتضي الاستحباب. (١٢٨) مسألة: يُكره للشخص أن يصلي مع جماعة وفيه رائحة كريهة كآكل بصل أو ثوم أو كراث أو شارب دخَّان ونحو ذلك، أو يشتغل بالجزارة ونحوها؛ وعليه: ترك ذلك حتى تذهب تلك الرائحة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيذاء للمأمومين الآخرين من ذلك، وتنفيرهم، ومُضايقتهم. (١٢٩) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن المريض في بدنه أو نفسيته، أو من خاف المرض بشيء؛ للسنة الفعلية؛ حيث "ترك النبي ﷺ الجماعة لما مرض" والجمعة، والخوف من المرض مثل الجماعة، والمرض؛ لعدم الفارق، وذلك لدفع المشقة والحرج عن المسلمين من باب مفهوم الموافقة. (١٣٠) مسألة: تجب الجمعة على المريض الذي يقدر على الوصول إلى الجامع بأي وسيلة دون أذى؛ للمصلحة؛ حيث إن الجمعة فرض عين، وهي لا تتكرر كالصلوات الخمس، فلا يضره إتيانها في الغالب، بخلاف الصلوات الخمس فيضرُّه إتيانها غالبًا؛ نظرًا لتكرارها في خمس مرات في اليوم والليلة.

стр. 650

والغائط (ومن بحضرة طعام) هو (محتاج إليه) ويأكل حتى يشبع: لخبر أنس في "الصحيحين" (١٣١) (و) يُعذر بتركهما (خائف من ضياع ماله أو فواته، أو ضرر فيه) كمن يخاف على ماله من لص ونحوه، أو له خبز في تنُّور يخاف عليه فسادًا، أو له ضالَّة، أو آبق يرجو وجوده إذًا، أو يخاف فوته إن تركه، ولو مستأجرًا لحفظ بستان، أو مال، أو ينضر في معيشة يحتاجها (أو) كان يخاف بحضوره الجمعة أو الجماعة (موت قريبه) أو رفيقه، أو لم يكن من يمرضهما غيره، أو يخاف على أهله أو ولده، (أو) كان يخاف (على نفسه من ضرر) كسبع (أو) من (سلطان) يأخذه (أو) من (ملازمة غريم ولا شيء معه) يدفعه به؛ لأن حبس المعسر ظلم، وكذا: إن خاف مطالبته بالمؤجل قبل أجله، فإن كان حالًّا وقدر على وفائه: لم يُعذر (أو) كان يخاف بحضورهما (من فوات رفقته) بسفر مباح سواء أنشأه أو استدامه (أو) حصل له (غلبة نعاس) يخاف به فوات الصلاة في الوقت أو مع الإمام، (١٣٢) (أو) حصل (١٣١) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن من حصره بول أو غائط أو ريح، أو حضره طعام يشتهيه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين" والمنفي هنا: "الكمال" والتقدير: "لا صلاة كاملة … " فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن هذه الأمور تشغل المسلم عن التركيز فيما يقول ويفعل في صلاته. (١٣٢) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن الخائف مطلقًا: أي: سواء خاف على نفسه، أو ماله أو أهله، أو أولاده، أو عبيده، أو كان الوقت المناسب لإيجاد ماله الضائع هو وقت الصلاة، أو كان خائفًا من غريمه، أو خاف على مريض عنده أن يتضرَّر أو يموت، أو خاف أن يغلبه النعاس في الطريق، أو خاف من السلطان أن يؤذيه أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عنه، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

стр. 651

له (أذى بمطر وَوَحْل) بفتح الحاء وتسكينها لغة رديئة، وكذا: ثلج وبرد (و بريح باردة شديدة في ليلة مظلمة)؛ لقول ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة "صلوا في رحالكم" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (١٣٣) وكذا: تطويل إمام، (١٣٤) ومن عليه قَوَد يرجو العفو عنه، لا من عليه حدُّ، (١٣٥) ولا إن كان في طريقه أو المسجد منكر، ويُنكر (١٣٣) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن شخص يوجد مطر أو وَحْل - وهو الطين الرطب - أو برد أو حر شديدين، أو ريح أو نحو ذلك مما يؤذي في طريقه بين المسجد وبيته؛ للسنة القولية؛ حيث كان ﷺ يُرسل مناديه في الليلة الباردة والمطيرة لينادي قائلًا: "صلوا في رحالكم" وما ذكرنا مثل البرد والمطر؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، وكل ذلك لرفع الضَّرر عن المسلمين. (١٣٤) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن شخصٍ يُطيل إمامه الصلاة إطالة لا يُمكنه مواصلة الصلاة معه، ولا يمكنه الذهاب إلى مسجد آخر، وكذا: إن كان إمامه يختصر الصلاة ويُسرع بها سرعة لا يُمكنه معها اللَّحاق به، أو إكمال أركانها وواجباتها أو بعض مسنوناتها؛ للسنة التقريرية، حيث إن رجلًا قد ترك الصلاة مع معاذ، فلما سأله النبي ﷺ عن ذلك: قال: إن معاذًا يُطيل الصلاة، فأنكر النبي ﷺ على معاذ ذلك، ولم يُنكر على ذلك الرَّجل تركه له، مما يدل على جواز ترك الإمام المطيل للصلاة، والمسرع في صلاته كالمطيل؛ لعدم الفارق بجامع: دفع المشقة، وهو المقصد من هذا الحكم، وهذا من باب: "مفهوم الموافقة". (١٣٥) مسألة: تسقط الجمعة والجماعة عن شخص يرجو العفو عنه بسبب حق من حقوق الآدميين كأن يكون عليه قصاص وقود أو عليه دية، أو عليه حد القذف، بخلاف من عليه حد من حدود الله كحد الخمر أو الزنا ونحوهما: فلا =

стр. 652

بحسبه، (١٣٦) وإذا طرأ بعض الأعذار في الصلاة: أتمها خفيفة إن أمكن وإلا: خرج منها، قاله في "المبدع" قال: "والمأموم يُفارق إمامه أو يخرج منها" (١٣٧). تسقط عنه الجمعة من أجل ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن حقوق الآدميين تدخله المصالحة والمفاوضة، ويمكن إسقاطه بسبب ذلك، فتكون هناك مصلحة في غياب هذا الشخص المطالب بذلك، بخلاف حقوق الله فلا تدخلها المفاوضة والمصالحة، فهي واجبة عليه سواء صلى مع الجماعة أو لا. (١٣٦) مسألة: لا تسقط الجمعة والجماعة عن شخص توجد في طريقه منكرات كشرب خمور، أو المتاجر بها، أو بالمخدرات، أو طرب، أو غناء، بل يذهب إلى المسجد وإذا رأى شيئًا من ذلك: فإنه يُنكره على حسب قدرته؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فلغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" وهو واضح الدلالة، وفيه مصلحة نشر السنة، وقمع البدعة والضلالة. (١٣٧) مسألة: إذا دخل في صلاة الجمعة أو الجماعة ثم طرأ عليه عذر الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة مما سبق ذكره كمرض، أو حصر بول أو غائط أو جوع، أو خوف أو برد أو حر أو نحو ذلك مما سبق في مسائل (١٢٩ إلى ١٣٥): فإنه يُتمها خفيفة إن قدر، أو يقطعها، ويصليها منفردًا لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن الرجل الذي قطع صلاته معاذ، وصلى لوحده: لم يُنكر عليه ﷺ ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عنه، ودفع المفاسدُ مقدَّم على جلب المصالح. هذه آخر مسائل باب "صلاة الجماعة وأحكام الإمام والمأموم والاقتداء والأعذار … " ويليه باب "صلاة أهل الأعذار وقصر الصلاة وجمعها، وصلاة الخوف"

стр. 653

باب صلاة أهل الأعذار وهم المريض والمسافر والخائف (تلزم المريض الصلاة) المكتوبة (قائمًا) ولو كراكع، أو معتمدًا، أو مستندًا إلى شيء (فإن لم يستطع) بأن عجز عن القيام، أو شقَّ عليه؛ لضرر أو زيادة مرض (فقاعدًا) متربِّعًا ندبًا، ويُثني رجليه في ركوع وسجود (فإن عجز) أو شق عليه القعود كما تقدَّم: (فعلى جنبه) والأيمن أفضل (١) (فإن صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة: صح) وكره مع القدرة على جنبه، وإلا تعيَّن (٢) باب صلاة أهل الأعذار، وقصر الصلاة وجمعها، وصلاة الخوف وفيه ثنتان وستون مسألة: (١) مسألة: يصلي المريض قائمًا على حسب قدرته ولو كان مُنحنيًا، أو معتمدًا على شيء من جدار، أو عصى ونحوهما، فإن لم يستطع أو قدر ولكن يشق عليه، أو خاف زيادة المرض: فإنه يصلي قاعدًا، ويُستحب أن يقعد متربِّعًا ويثني رجليه عند الركوع والسجود - وقد سبق - فإن لم يستطع، أو خاف زيادة المرض فإنه يصلي على أحد جنبيه ووجهه إلى القبلة، وكونه يصلي على جنبه الأيمن أفضل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال المسلم، وفي قعوده مُتربِّعًا راحة له واطمئنان، وفي الأيمن من جنبيه: بركة التيامن - كما سبق بيانه -. (٢) مسألة: إذا لم يقدر المريض على الصلاة على جنبه: فإنه يصلي مُستلقيًا على ظهره ورجلاه إلى القبلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهو عام - كما سبق - فيشمل ما نحن فيه، تنبيه: قوله: "ويكره" إلى آخره، يشير به إلى كراهية صلاتهُ مستلقيًا وهو قادر على الصلاة على جنبه قلتُ: =

стр. 654

(ويومئ راكعًا وساجدًا) ما أمكنه (ويخفضه) أي: السجود (عن الركوع)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: "يصلي المريض قائمًا فإن لم يستطع: صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا: صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع: صلى مستلقيًا رجلاه مما يلي القبلية" رواه الدارقطني (٣) (فإن عجز) عن الإيماء: (أومأ بعينيه)؛ لقوله ﷺ : "فإن لم يستطع أومأ بطرفه" رواه زكريا الساجي بسنده عن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وينوي الفعل عند إيمائه له، والقول كالفعل يستحضره بقلبه إن عجز عنه بلفظه، (٤) وكذا: هذا غير صحيح؛ إذ القادر على الصلاة على جنبه لا تصح صلاته وهو مستلقي للتلازم؛ حيث يلزم ذلك من الترتيب الوارد في الحديث السابق في مسألة (١) ذلك. (٣) مسألة: إذا عجز المريض عن الركوع والسجود: فإنه يُومئ برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وينوي أن هذا الخفض عن الركوع، والآخر عن السجود؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وهو عام فيشمل ما نحن فيه، وهو لا يستطيع الركوع والسجود فوجب ما يستطيعه وهو هنا الإيماء، وهو تيسير من الشارع وهو، المقصد الشرعي من هذا الحكم، تنبيه: حديث علي ﵁ الذي ذكره المصنف لا يصلح للاستدلال به هنا؛ لأنه ضعيف كما ذكر ذلك كثير من أئمة الحديث. (٤) مسألة: إذا عجز المريض عن الإيماء برأسه عن الركوع والسجود: فإنه يومئ بعينه وطرفه وحاجبه لهما، وينوي أن هذا الإيماء هو عن فعل الركوع أو السجود، وكذا: إن عجز عن التلفظ بالقول كالقراءة والتسبيح والتكبير والتسليم: فيجب أن يستحضره بقلبه؛ للسنة القولية؛ وقد ذكرناها في مسألتي (٢ و ٣) تنبيه: الحديث الذي رواه زكريا كما ذكر المصنف لا يصلح للاستدلال به؛ لأنه ضعيف كما ذكر ذلك كثير من أئمة الحديث.

стр. 655

أسير خائف، (٥) ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا، (٦) ولا ينقص أجر المريض إذا صلى ولو بالإيماء عن أجر الصحيح المصلي قائمًا، (٧) ولا بأس بالسجود على وسادة ونحوها، (٨) وإن رُفع له شيء عن الأرض فسجد عليه ما (٥) مسألة: إذا وقع مسلم في الأسر عند الأعداء، وخاف إن هو صلى بركوع وسجود وقيام: أن يؤذيه العدو بأي أذى: فإن هذا يسقط عنه القيام والركوع والسجود، ويومئ برأسه، إن قدر، وإلا: فيومئ بعينيه وحاجبه؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا خاف الضرر إن هو صلى صلاة عادية، فيدخل في عموم هذا النص؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، ويسقط عنه القيام والركوع والسجود، ويصلي على حسب قدرته؛ دفعًا للضرر. (٦) مسألة: لا تسقط جميع التكاليف - ومنها الصلاة - عن العاقل - وهو: المميز بين الخير والشر -، وإن كان هذا العاقل عاجزًا عنه فيفعله على حسب قدرته البدنية وإن قلَّت كأن يومئ ويُشير بحاجبه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق" حيث دل مفهوم الغاية على أن العاقل مكلَّف بجميع التكاليف الشرعية ومنها: الصلاة، وقد سبق بيان سبب تكليف العاقل. (٧) مسألة: إذا صلى المريض قاعدًا، أو على جنبه، أو مستلقيًا، أو بالإيماء: فإن أجر صلاته لا ينقص عن أجر صلاة الصحيح الذي يصلي قائمًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر: كُتِب له ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا" فصلاة المريض بالإيماء كصلاته لما كان صحيحًا قائمًا في تمام الأجر، وصلاة المسافر ركعتين قصرًا كصلاته أربع ركعات لما كان مقيمًا في تمام الأجر، وهذا من لطف الله تعالى. (٨) مسألة: يُباح أن يسجد المصلي على مخدَّة ووسادة فيضع عليها أنفه وجبهته من غير أن تُرفع عن الأرض؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عباس ﵃ يفعل =

стр. 656

أمكنه: صحَّ وكُرِه (٩) (فإن قدر) المريض في أثناء الصلاة على قيام (أو عجز) عنه (في أثنائها: انتقل إلى الآخر) فينتقل إلى القيام من قدر عليه، وإلى الجلوس من عجز عن القيام، ويركع بلا قراءة من كان قرأ، وإلا: قرأ، وتُجزئ الفاتحة من عجز فأتَّمها في انحطاطه، لا من صحَّ فأتمها في ارتفاعه (١٠) (وإن قدر على قيام وقعود، دون ركوع وسجود: أومأ بركوع قائمًا)؛ لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه (و) أومأ (بسجود قاعدًا)؛ لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه، (١١) ومن قدر على أن ذلك، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للتوسعة على المسلمين؛ إذ إن هذا لا يُنافي كمال الصلاة. (٩) مسألة: يُكره أن يسجد على شيء مرتفع عن الأرضُ منفصل عنها، وصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كمال شروط وأركان وواجبات الصلاة: صحتها، ويلزم من قلة الخفض في السجود: كراهة ذلك. (١٠) مسألة: إذا بدأ المريض صلاته قاعدًا - بسبب مرضه - ثم قدر على القيام في أثنائها: فيجب عليه أن يقوم، ويتوقف عن القراءة حين شعوره بقدرته على القيام، ويُتم قراءته للفاتحة إذا قام - إن كان قد بدأ بها - وكذا: العكس كأن يبدأ صلاته قائمًا، ثم عجز عن مواصلة القيام: فإنه يقعد، فإن كان قد قرأ الفاتحة: فإنه يركع ويسجد - بالإيماء كما سبق - وإن لم يقرأها: قرأها وهو قاعد، وإن كان قد بدأ بها وهو قائم: فإنه يُتمها وهو قاعد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، وهذا آخر ما يستطيعه هذا المريض فوجب، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهو مراعاة أحوال الناس. (١١) مسألة: إذا لم يقدر المريض على ركوع ولا على سجود فقط، ولكنه قادر على قيام وقعود: فإنه يومئ للركوع وهو قائم، ويومئ للسجود وهو قاعد - برأسه أو =

стр. 657

يحني رقبته دون ظهره: حناها، وإذا سجد قرَّب وجهه من الأرض ما أمكنه، (١٢) ومن قدر أن يقوم منفردًا، ويجلس في جماعة: خُيِّر (١٣) (ولمريض الصلاة مستلقيًا مع حاجبه - كما سبق -؛ للتلازم؛ حيث إن الركوع أقرب إلى القيام في نصب الرجلين، والسجود أقرب إلى القعود في جمع الرجلين: فلزم الإيماء إلى الركوع وهو قائم، والإيماء إلى السجود وهو قاعد: لكون ذلك أقرب إلى صفاتهما. (١٢) مسألة: إذا أراد المريض أن يصلي بإيماء رأسه: فإنه يحني رقبته بدون ظهره إن قدر على ذلك، ويبذل جهده في الاقتراب من الأرض إذا أومأ للسجود؛ للسنة القولية، وقد بيناها في مسألة (١٠)، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبرأ للدين وأحوط. (١٣) مسألة: إذا كان الشخص يستطيع أن يصلي قائمًا وهو منفرد، ولا يستطيع أن يقوم إذا صلى مع الجماعة: فيجب عليه أن يصلي قائمًا وإن كان منفردًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا" فأوجب الشارع القيام عند القدرة عليه؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولا يعدل عن القيام إلى القعود إلا إذا عجز عنه، وهذا مطلق: إذ لم يُقيَّد بجماعة أو غير جماعة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون القيام ركنًا في الصلاة كما سبق، وصلاة الجماعة واجبة عند بعضهم، وسنة عند الجمهور: أن لا تصح الصلاة إلا بالقيام، أما الجماعة فتصح الصلاة بدونها، فإن قلتَ: يُخيَّر بين الصلاة منفردًا وبين صلاته مع الجماعة في هذه الحالة، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: هذا بعيد جدًا؛ لما ذكرناه من السنة القولية والتلازم، وظاهر هذا القول: أنه مبني على مذهب من يقول: "إن صلاة الجماعة فرض عين وهي شرط في صحة الصلاة" وهو باطل كما سبق في مسألتي (١ و ٢) من "باب صلاة الجماعة".

стр. 658

القدرة على القيام؛ لمداواة بقول طبيب مسلم) ثقة، وله الفطر بقوله: "إن الصوم مما يُمكِّن العلَّة" (١٤) (ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام (١٥) ويصح الفرض على الراحلة) واقفة أو سائرة؛ (خشية التأذِّي بوحلٍ) أو مطر ونحوه؛ لقول يعلى بن مرة: "انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلَّة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام، ثم تقدم ﷺ فصلى بهم، يعني إيماء: يجعل السجود أخفض من الركوع" رواه أحمد والترمذي، وقال: "العمل عليه عند أهل العلم"، وكذا: إن خاف انقطاعًا عن رفقته بنزوله، أو على نفسه، أو عجز عن ركوب إن نزل، وعليه الاستقبال وما يقدر عليه (١٦) و (لا) تصح الصلاة على الراحلة (لمرض) وحده، (١٤) مسألة: إذا قال طبيب مسلم ثقة لمريض يُمكن أن أعالجك وأُداويك إن صلَّيت مستلقيًا: فإنه يُباح لهذا المريض أن يُصلِّي مُستلقيًا وإن كان قادرًا على القيام، للقياس، بيانه: كما يجوز للمسلم أن يفطر في رمضان إذا قال له طبيب: "إن الصوم مضرٌّ بك ويمكن معالجتك إذا أفطرت" فكذلك الحال هنا والجامع: دفع المضرة في كل، وهو المقصد الشرعي. (١٥) مسألة: إذا كان الشخص في سفينة سائرة أو واقفة فإنه يصلي قائمًا إن كان قادرًا على ذلك، فإن عجز عنه: فإنه يصلي قاعدًا فيها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا" فبيَّن: عدم جواز القعود إلا إذا عجز عن القيام مُطلقًا: سواء كان في سفينة أو لا، وهو من باب ترتيب فعل الأوامر على حسب القدرة. (١٦) مسألة: إذا كان الشخص راكبًا دابة أو سيارة، والأرض مملوءة بالمطر أو الطين الرطب، أو الثلج، أو الأقذار، وخاف إن نزل أن يتلطخ ثوبه أو بدنه، أو خاف إن نزل أن ينقطع عن رفقته وهو في سفر، أو خاف إن نزل على نفسه أو =

стр. 659

دون عذر مما تقدَّم، (١٧) ومن بسفينة وعجز عن القيام فيها والخروج منها: صلى جالسًا مستقبلًا، ويدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة، بخلاف النفل، (١٨) فصل: في أهله أو ولده من عدو، أو سبع أو حريق أو غرق، أو خاف إن نزل منها: أن يعجز عن الركوب، أو تأخر الشفاء، أو زيادة المرض؛ فإنه يجوز أن يصلي وهو على دابته أو سيارته ويفعل أقصى ما يقدر عليه من استقبال القبلة وركوع وسجود، وإيماء إليهما، وإيجاد شروط وأركان وواجبات الصلاة على حسب القدرة؛ لقاعدتين الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث أسقط الشارع كل شيء من الشرائع فيه ضرر على القائم به، وهو عام؛ لأن "ضرر" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، فيصلي كل مسلم على حسب قدرته؛ دفعًا للضرر، الثانية: قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهو عام أيضًا لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، وهذا أخر ما يستطيعه المسلم فيجب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى على دابته إيماء كما رواه يعلى بن مرة. (١٧) مسألة: إذا قدر المريض على النزول من الدابة أو السيارة بدون مشقة: فيجب عليه ذلك، ولا تصح صلاته على دابته وهو قادر على الصلاة على الأرض بدون وجود وحل أو خوف؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ كان يُنزل مرضاه القادرين على النزول؛ ليصلوا على الأرض؛ ولأن الصلاة عليها هو الأصل، فلا يُترك إلا لعذر، وهذا هو المقصد الشرعي. (١٨) مسألة: إذا كان الشخص في سفينة، وهو عاجز عن الصلاة قائمًا، وعن الخروج منها: فإنه يصلي جالسًا بشرط: أن يستقبل القبلة، وينحرف إلى القبلة إذا انحرفت السفينة إلى غيرها إن لم توجد مشقة، أما إن وجدت مشقة في ذلك: =

стр. 660

قصر المسافر الصلاة، وسنده قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ الآية (من سافر) أي: نوى (سفرًا مباحًا) أي: غير مكروه، ولا حرام، فيدخل فيه: الواجب، والمندوب، والمباح المطلق، ولو نزهة وفرجة، يبلغ (أربعة بُرُد) وهو: ستة عشر فرسخًا: بَرًّا وبحرًا، وهما: يومان قاصدان (سُنَّ له قصر الرباعية ركعتين): لأنه ﷺ داوم عليه: بخلاف المغرب والصبح فلا يقصران إجماعًا قاله ابن المنذر (١٩) (إذا فارق عامر قريته) سواء كانت البيوت داخل فيجب أن يصلي إلى الاتجاه الذي تتوجَّه إليه السفينة، بخلاف صلاة النافلة: فلا يُشترط ذلك: فلا يلزمه الانحراف إلى القبلة كلما انحرفت السفينة عنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط القبلة: أن يتوجه إليها وإن انحرفت السفينة إلى غيرها، ويلزم من مشقة ذلك: أن يسقط عنه ذلك؛ لأن الشرط يسقط بالعجز عنه، ويلزم من تساهل الشارع بالنوافل: عدم لزوم انحراف المتنفِّل إلى القبلة عند انحراف السفينة عنها. (١٩) مسألة: يُستحب قصر الصلاة الرباعية - وهي: الظهر والعصر والعشاء - إلى ركعتين بشرط أن يكون مسافرًا سفرًا مباحًا، أربعة بُرُد - وهو (١٦) فرسخًا، وهو ما يُعادل (٨٢) كم - فإن سافر سفرًا غير مباح كالسفر للمعاصي، أو سافر مسافة أقل من (٨٢) كم: فلا يجوز القصر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ والمراد بالضرب هنا: السفر، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ يعني قصر الصلاة -: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى استحباب القصر هو: لفظ "صدقة" حيث يلزم منها: أنها نافلة، وفعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يُتمَّون، الثالثة: =

стр. 661

السور أو خارجة (أو) فارق (خيام قومه) أو ما نسبت إليه عرفًا سكان قصور وبساتين ونحوهم؛ لأنه ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل، (٢٠)، ولا يُعيد من قصر بشرطه السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على قصر الرباعية في أسفاره وهو: لا يسافر المعصية فلزم أن يكون السفر مباحًا، الرابعة: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس وابن عمر ﵃: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرُد: ما بين عسفان إلى مكة"، وهذا أصح الروايتين عن ابن عمر كما قال الخطابي، فلزم أن تكون المسافة في السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، الخامسة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن المغرب والفجر لا يقصران، ومستند الإجماع: السنة الفعلية، وفعل الصحابة؛ حيث كان ﷺ وأصحابه لا يقصرون صلاتي المغرب والفجر فإن قلتَ: لمَ استحب القصر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة للمسلم المسافر على سفره وقضاء حاجته، والوصول إلى مراده بأسرع وقت مع تمكينه من أداء الواجبات، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط وجود الخوف لإباحة القصر مع أن الآية أوردته؟ قلتُ: إن هذا الشرط لا مفهوم له؛ لأنه خرج مخرج الغالب؛ إذ الغاب في الأسفار الخوف، ومن شروط مفهوم المخالفة: أن لا يكون الشرط قد خرج مخرج الغالب، كما فصَّلتُ ذلك في كتابي "المهذَّب" وقد أيَّد ذلك: قول عمر ﵁ للنبي ﷺ : "لم نقصر وقد أمنا؟ فقال ﷺ : "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وهذا يُعتبر نسخًا لشرط الخوف الوارد في الآية، وقد فصَّل ذلك القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٥٣) فائدة: "البُرد" جمع بريد، وهو: الذي يحمل الرسائل من بلد إلى بلد، يسير المعتدل من البريد في نصف اليوم: أربعة فراسخ عادة، فيمشي الأربعة بُرُد في يومين، فيمشي في هذين اليومين ستة عشر فرسخًا، وهو بالتقارير الحديثة (٨٢) كم. (٢٠) مسألة: يبدأ المسافر قصر صلاته بعد أن يُفارق البيوت العامرة بالسكان من بلدته أو بعد مفارقته لخيام قومه، أو بعد مفارقته لبساتين بلدته ولو مفارقة =

стр. 662

ثم رجع قبل استكماله المسافة، (٢١) ويقصر من أسلم، أو بلغ، أو طهرت بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة (٢٢) لا من تاب إذًا، (٢٣) ولا يقصر من شكَّ في قدر المسافة، (٢٤) ولا من لم يقصد جهة قليلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقصر إذا ارتحل من المدينة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه إذا فارق ذلك أطلق عليه وصف السفر، وهذا من باب التيسير على المسلمين. (٢١) مسألة: إذا سافر المسلم سفرًا مباحًا إلى بلد آخر تبعد عن بلدته (٨٢) كم، ثم بدأ يقصر الصلاة في بداية تلك المسافة، ثم لم يستكمل سفره بل عاد ورجع إلى بلدته: فإنه لا يُعيد الصلاة التي قصرها؛ للتلازم؛ حيث إنه فعل ماله فعله: فيلزم صحة صلاته، فلا يُعيدها، وهذا من باب التيسير. (٢٢) مسألة: إذا كان الكافر، أو المجنون، أو الصبي، أو الحائض أو النفساء مسافر سفرًا يبيح القصر - وهو السفر المباح الذي مسافته (٨٢) كم - ثم أسلم الكافر، أو عقل المجنون، أو بلغ الصبي أو طهرت الحائض أو النفساء أثناء السفر: فإنه يقصر الصلاة، وإن كان الباقي من المسافة أقل من مسافة القصر - أي: أقل من (٨٢) كم -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الشرطين - وهما: وجود السفر المباح -: وجود الحكم، وهو صحة القصر، بقطع النظر عن كونه مُكلَّفًا قبل ذلك أو لا. (٢٣) مسألة: إذا سافر سفر معصية مسافة قصر - وهو: (٨٢) كم - ثم تاب في أثناء سفره وكان المتبقي أقل من مسافة القصر - أي: أقل من (٨٢) كم -: فإن هذا لا يقصر؛ للتلازم؛ حيث إن انعدام أحد شرطي السفر في ابتدائه وهو - كونه مباحًا - وكون المتبقي بعد توبته لم يبلغ مسافة القصر - وهي (٨٢) كم -: يلزم منهما: عدم صحة القصر. (٢٤) مسألة: إذا شكَّ وتردَّد شخص في المسافة التي بين بلدته والبلدة التي يُريد أن يسافر إليها هل تبلغ مسافة القصر - وهي (٨٢) كم - أو لا؟: فلا يجوز له أن =

стр. 663

معينة كالتائه، (٢٥) ولا من سافر ليترخَّص، (٢٦) ويقصر المكره كالأسير، وامرأة وعبد تبعًا لزوج وسيد (٢٧) (وإن أحرم) في الـ (حضر، ثم سافر أو) أحرم (سفرًا ثم أقام): يقصر الصلاة؛ للاستصحاب، حيث إن الأصل الإتمام، فلا يعدل عنه إلا عندما يتيقن أو يغلب على ظنه أن شرطي السفر - وهما: بلوغ المسافة (٨٢) كم، والإباحة: - قد توفرا؛ دون الشك بذلك؛ لكون الشك لا تبنى عليه أحكام؛ فيُعمل بالأصل. (٢٥) مسألة: إذا سافر من بلده إلى جهة غير معينة كمن يتيه في الأرض، أو الضال أو نحوهما: فإن هذا لا يجوز له القصر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تأكده من المسافة التي تبيح القصر: عدم صحة القصر؛ لأن عدم الشرط: يلزم منه عدم المشروط. (٢٦) مسألة: إذا سافر لأجل أن يترخَّص بقصر الصلاة: فله أن يقصر الصلاة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الله يُحب أن تؤتى رخصه كما يُحب أن تؤتى عزائمه" وهو عام للمسافر للترخَّص بالقصر، ولغيره؛ لكون قصر الصلاة من الرخص المندوب إليها؛ لأن "رخصة" مُنكَّر أضيف إلى معرفة وهو الضمير وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من توفُّر شرطي القصر، وهو: السفر المباح، والمسافة - وهي (٨٢) كم - إباحة القصر، فإن قلتَ: لا يجوز القصر في هذه الحالة - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن القصر شُرع للتخفيف من مشقة المسافر فيلزم عدم جوازه لمن أراد بسفره الترخص فقط قلتُ: إن التلازم الذي ذكرناه أقوى مما ذكرتموه؛ حيث إن الترخص ليس بمعصية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فعندنا: الأول أقوى، وعندهم: الثاني أقوى. (٢٧) مسألة: المكره على السفر بأي سبب، والأسير عند العدو، والمرأة التابعة لزوجها في السفر، والعبد التابع لسيده في السفر، والجنود الذين يتبعون أميرهم =

стр. 664

أتم؛ لأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغُلِّب حكم الحضر، (٢٨) وكذا: لو سافر بعد دخول الوقت: أتمها وجوبًا؛ لأنها وجبت تامة (٢٩) (أو ذكر صلاة حضر يقصرون جميعًا؛ للتلازم؛ حيث إنه اجتمع في سفرهم شرطا السفر، وهما: السفر المباح، وكون المسافة مسافة قصر - وهو (٨٢) كم - فتلزم صحة القصر؛ لأنهم فعلوا ما لهم فعله شرعًا. (٢٨) مسألة: إذا كبَّر تكبيرة الإحرام وهو في الحضر، ثم سافر بأن كان في سفينة فمشت به تلك السفينة أثناء صلاته، أو كبَّر تكبيرة الإحرام وهو في السفر ثم وصل الحضر - وهي: بلدته - بأن كان في سفينة مسافرة، وكانت تسير وهو يصلي بناء على أنه في سفر ثم وصلت تلك السفينة ميناء بلدته: وهو لا يزال يصلي: فإنه في الحالتين يُتمُّ صلاته ولا يقصرها؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا لبس الخف في الحضر ثم سافر، أو لبسه في السفر ثم أقام ووصل بلدته: فإنه يمسح مسح مقيم - وهو: يوم وليلة فقط - فكذلك القصر مثله والجامع: أن كلًا من المسح والقصر عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر: غُلِّب حكم الحضر؛ تغليبًا للحظر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، وإبراء للذمَّة. (٢٩) مسألة: إذا سافر بعد دخول وقت صلاة: فإنه يقصرها؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو سافر قبل دخول وقتها يقصرها، فكذلك إذا سافر بعده والجامع: أن كلًا منهما مؤدَّاة في وقت، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لاجتماع شرطي القصر، وللتيسير على العباد، فإن قلتَ: إنه يجب عليه أن يتمها في هذه الحالة - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دخول وقتها: وجوبها تامة: سواء سافر أو لا قلتُ: هذا لا يلزم؛ حيث إن الأدلة المثبتة للقصر - وهي: الكتاب، والسنة القولية والفعلية، وقول الصحابي - وردت مطلقة في الزمان: فلم تفرق =

стр. 665

في سفر): أتمها؛ لأن القضاء معتبر بالأداء وهو أربع (٣٠) (أو عكسها) بأن ذكر صلاة سفر في حضر: أتم؛ لأن القصر من رخص السفر فبطل بزواله (٣١) (أو ائتم) مسافر في إباحة القصر بين من سافر بعد دخول وقت الصلاة أو بعده، فيبطل التلازم الذي ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يقوى التلازم الذي ذكروه على تقييد المطلق الوارد في النصوص المثبتة للقصر أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم. (٣٠) مسألة: إذا نسي صلاة في الحضر، فلما سافر تذكَّر تلك الصلاة المنسية، أو تذكَّر أنه صلى في الحضر بلا طهارة وهو في السفر: فإنه يقضيها تامة أربع ركعات، بدون قصر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأوجب الشارع أن تصلى الصلاة المتروكة، كما وجبت تامة دون أن تتأثَّر بالحال الذي هو عليه؛ لكون قضاء الشيء يكون كما وجب أداء، وهي في الحضر أربع وخرج الوقت وهو في الحضر، فتقضى هكذا دون تغيير؛ إبراء الذمته. (٣١) مسألة: إذا نسي صلاة في السفر، فلما حضر ووصل إلى بلده تذكر تلك الصلاة، أو تذكَّر أنه صلى في سفره بلا طهارة: فإنه يقضيها تامة، بدون قصر؛ للتلازم؛ حيث إن القصر قد شرع رخصة بشرط: السفر - كما سبق - فيلزم من زوال السفر: زوال الرخصة وهي: القصر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لعدم وجود مشقةً في الإتمام؛ لكونه في بلده، فإن قلتَ: إنه يقضيها مقصورة وهو: قول أبي حنيفة ومالك وبعض الحنابلة كابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الصلاة قد وجبت في السفر فيلزم أن يقضيها مقصورة؛ لكون قضاء الشيء يكون كما وجب أداء، وهي في السفر ركعتان، وخرج وقتها وهي كذلك، فتقضى هكذا قلتُ: الصلاة وجبت على المسافر تامة وليست مقصورة، ولكن =

стр. 666

(بمقيم): أتم، قال ابن عباس ﵃: "تلك السنة" رواه أحمد، (٣٢) ومنه: لو ائتمَّ مسافر بمسافر فاستخلف مُقيمًا؛ لعذر: فيلزمه الإتمام (٣٣) (أو) ائتم مسافر (بمن يشك فيه) أي: في إقامته وسفره: لزمه أن يُتم وإن بان أن الإمام مسافر؛ لعدم نيته، (٣٤) لكن الشارع قد خفَّف ذلك وجعلها ركعتين بشرط السفر المشتمل غالبًا على المشقة، فلما حضر ونوى الإقامة: لم يكن موصوفًا بالسفر فزالت عنه العلة التي من أجلها شرع القصر وهي: المشقة، فعادت الصلاة كما هي في الأصل وهي: كونها تامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين". (٣٢) مسألة: إذا صلى مسافر خلف مقيم: فيجب على المسافر أن يُتمَّ صلاته كالمقيم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه" وهذا عام؛ لأن "واو الجماعة" من صيغ العموم، فيشمل المأموم المقيم والمسافر، ولذا: يحرم أن يقصر المسافر مع إتمام الإمام المقيم؛ لأن النهى هنا مطلق، فيقتضي التحريم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس وابن عمر ﵃ ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق المتابعة للإمام، وفي ذلك اجتماع المسلمين. (٣٣) مسألة: إذا صلى زيد المسافر خلف محمد المسافر - أيضًا - وكان معهما بكر المقيم، ثم أحدث محمد الإمام - مثلًا - فقطع إمامته، واستخلف بكرًا - المقيم - عنه: فيجب على زيد أن يتم صلاته ولو كان قد بدأها خلف محمد - المسافر -؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو ابتدأ صلاته خلف مقيم: فإنه يتم، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما يوصف بأنه مقيم - كما سبق في مسألة (٣٢). (٣٤) مسألة: إذا شكَّ زيد المسافر في إمامه هل هو مقيم أو مسافر؟: فيجب أن ينوي الإتمام ويتم سواء اتضح من هذا الإمام أنه مسافر في أثناء صلاته أو لم يتضح؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإتمام، وزيد قد نواه، فيُعمل على ذلك الأصل، =

стр. 667

إذا علم، أو غلب على ظنه أن الإمام مسافر بأمارة كهيئة لباس، وأن إمامه نوى القصر: فله القصر؛ عملًا بالظاهرة، (٣٥) وإن قال: "إن أتمَّ: أتممتُ، وإن قصر: قصرتُ": لم يضر (٣٦) (أو أحرم بصلاة: يلزمه إتمامها)؛ لكونه اقتدى بمقيم، أو لم ينو قصرها - مثلًا - (ففسدت) بحدثٍ أو نحوه، وأعادها: أتمها؛ لأنها وجبت عليه تامَّة بتلبُّسه بها (٣٧) (أو لم ينو القصر عند إحرامها): لزمه أن يُتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق وعلى تلك النية وإن بان خلاف ذلك أثناء الصلاة؛ فإن قلتَ: لمَ شرع؟ قلتُ: لأن الشك لا تُبنى عليه أحكام، ولا يجوز تغيير النية بعد تكبيرة الإحرام. (٣٥) مسألة: إذا غلب على ظن زيد المسافر أن إمامه مسافر بسبب ظهور إمارات وعلامات السفر كرثة في ثيابه، أو وجود دابة أو متاع بجانبه أو نحو ذلك، وغلب على ظنه أيضًا: أن هذا الإمام قد نوى القصر: فإن زيدًا ينوي القصر، ويصلي معه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ظاهر هذا الإمام أنه مسافر وأنه نوى القصر: أن ينوي زيد القصر ويصلي خلفه؛ لأن العمل بالظاهر واجب. (٣٦) مسألة: إذا أراد المسافر أن يصلي خلف إمام لا يعلم عنه أنه مسافر أو مقيم ونواهما فقال: "إن أتم هذا الإمام الصلاة: أتممتُها، وإن قصرها: قصرُتها": صحَّ ذلك، ويصلي على حسب إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا عام، فيشمل الأمرين إذا نواهما وقيَّد ذلك بفعل إمامه، فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخليص بعض المسافرين من الحيرة التي يجدونها في هذه الحالة. (٣٧) مسألة: إذا كبَّر المسافر تكبيرة الإحرام لصلاة يلزمه إتمامها كأن يكون قد اقتدى بها بإمام مقيم، أو لم ينو قصرها أصلًا، فصلاها تامة، فلما فرغ منها، بأن أنها فاسدة - بأن كان قد صلَّاها بلا طهارة -: فيجب أن يُعيدها تامة غير مقصورة؛ للتلازم؛ حيث إنه قد تلبَّس ودخل فيها تامَّة، فيجب أن يُعيدها كما تلبَّس بها قبل بيان فسادها، فيُصليها تامة.

стр. 668

النية ينصرف إليه (٣٨) (أو شكَّ في نيته) أي: نية القصر: أتم؛ لأن الأصل: أنه لم ينوه (٣٩) (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام): أتم، وإن أقام أربعة أيام فقط: قصر؛ لما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباس: أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها (٤٠) (أو) كان المسافر (ملَّاحًا) أي: صاحب سفينة (معه أهله، لا ينوي الإقامة ببلد: لزمه أن يُتمَّ)؛ لأن سفره غير منقطع مع أنه غير ظاعن عن وطنه (٣٨) مسألة: إذا لم ينو المسافر قصر الصلاة عند تكبيرة الإحرام: فيجب عليه أن يُصلِّيها تامة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإتمام، والواجب أن ينويه، فإذا أطلق: فإن النية تنصرف إلى هذا الأصل وهو: الإتمام، فيُستصحب ويُعمل به، ولا يُترك ذلك إلا بتعيين نيته؛ لأنها سر العبادة. (٣٩) مسألة: إذا شك المسافر هل نوى القصر أو الإتمام عند تكبيرة الإحرام؟ فيجب عليه أن يصليها تامة؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل: أنه لم ينو القصر، وإذا كان الأمر كذلك: فليس له إلا الإتمام، فيستصحبه ويعمل به؛ لكون الشك لا تُبنى عليه أحكام. (٤٠) مسألة: إذا سافر شخص، ثم نوى الإقامة في أي مكان أربعة أيام: فيباح له قصر الصلاة وإن أقام أكثر من ذلك فيجب عليه أن يُتم الصلاة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما أقام أربعة أيام في مكة قصر الصلاة، ويلزم من ذلك: وجوب الإتمام عندما يُقيم أكثر من ذلك، وهو: رجوع إلى الأصل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إقامته تلك الأيام الأربعة يُعدُّ نفسه للسفر مرة أخرى، فلو أتم فقد تلحقه مشقة في ذلك، فدفعًا لذلك شرع.

стр. 669

وأهله، ومثله: مكار، وراع، ورسول سلطان ونحوهم، (٤١) ويتم المسافر إذا مرَّ بوطنه، أو ببلد له به امرأة، أو كان قد تزوج فيه، (٤٢) أو نوى الإتمام ولو في أثنائها بعد نية القصر (٤٣) (وإن كان له طريقان) بعيد وقريب (فسلك أبعدهما): قصر؛ لأنه سافر سفرًا بعيدًا (٤٤) (أو ذكر صلاة سفر في) سفر (آخر: قصر)؛ لأن وجوبها (٤١) مسألة: إذا كان المسافر ملاحًا - وهو قائد السفينة -، أو كان يُكري دابته، أو سيارته لحمل الناس والبضائع من بلد إلى بلد آخر، أو كان راع لماشية، أو كان رسول سلطان - وهو: البريد -: فيجب أن يُتم صلاته إذا كان أهله معه كزوجته، فإن لم يكن معه أهله، فله القصر؛ للقياس، بيانه: كما أن المقيم ببلد لا يقصر، فكذلك هذا والجامع: أن كلًا معه مصالحه من تنوُّر، وأهل، وقلة مشقة؛ لكونه معتادًا على ذلك فلم توجد العلَّة التي من أجلُها شرع قصر الصلاة وهي: المشقة. (٤٢) مسألة: إذا سافر شخص فمرَّ ببلده أو مرَّ ببلد له فيه زوجة، أو مرَّ ببلد غريب فتزوج فيه: فيجب عليه أن يُصلي صلاة تامة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك الحالات: انقطاع السفر الذي هو مظنة المشقة، ويلزم من ذلك: الإتمام؛ حيث لم يتوفر شرط القصر. (٤٣) مسألة: إذا نوى المسافر القصر قبل تكبيرة الإحرام، فلما دخل في الصلاة قلب نيته من القصر إلى الإتمام: فيجب عليه الإتمام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رجوعه إلى الأصل - وهو الإتمام - بتلك النية: أن يعمل على ذلك في باقي الصلاة؛ لكون نية الإتمام: نية للقصر وزيادة. (٤٤) مسألة: إذا كان للبلد الذي يريد أن يسافر إليه الشخص طريقان: طريق قريب لا يبلغ مسافة قصر - وهي: (٨٢) كم -، وطريق بعيد يبلغ ذلك فسافر مع الطريق الأخير: فإنه يقصر الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود شرطي =

стр. 670

وفِعلها وجدا في السفر كما لو قضاها فيه نفسه قال ابن تميم وغيره: وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها، واقتصر عليه في "المبدع"، وفيه شيء (٤٥) (وإن حُبس) ظلمًا، أو بمرض أو مطر ونحوه (ولم ينو إقامة): قصر أبدًا؛ لأن ابن عمر ﵁ أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول" رواه الأثرم، والأسير يقصر ما أقام عند العدو (أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة) لا يدري متى تنقضي؟: (قصر أبدًا) غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته؛ لأنه ﷺ : "أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" رواه أحمد وغيره وإسناده ثقات، (٤٦) وإن ظنَّ أن القصر - وهما: السفر المباح الذي يبلغ (٨٢) كم فأكثر - وجود القصر؛ وذلك لدفع المشقة التي توجد غالبًا عند المسافر. (٤٥) مسألة: إذا نسي شخص صلاة وهو مسافر، ثم عاد وأقام في بلده مدة، ثم سافر مرة أخرى، ثم تذكَّر تلك الصلاة المنسية أثناء سفره الأخير: فإنه يقضي تلك الصلاة قصرًا؛ للقياس، بيانه: كما أن من نسي صلاة في سفر ثم تذكَّرها في نفس هذا السفر: فإنه يقضيها قصرًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد وجبت أداء وقضاء في سفر، فلها حكم السفر، تنبيه: قوله: "قال ابن تميم: "وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها": يُشير به إلى أن الشخص إذا دخل في تلك الصلاة المقضية وهو مسافر وهو قائم في سفينة مثلًا، ثم وصلت تلك السفينة إلى ذلك البلد أثناء صلاته: فإنه يقصر قلتُ: هذا غير صحيح بل يُتم وقد بيّنت ذلك في مسألة (٢٨) لذلك قال المصنف: "وفيه شيء". (٤٦) مسألة: إذا حبس المسافر حابس من مرض أو ثلج، أو مطر أو سلطان، أو خوف على نفسه، أو برد، أو حر، أو كان أسيرًا عند قوم، أو كان ينتظر حاجة يريد أن يقضيها، وأقام مكرهًا، ولم ينو إقامة، ولا يدري متى يزول ذلك العذر؟ أو متى تنقضي الحاجة؟: فإنه يقصر ولو طالت المدَّة؛ لقاعدتين: =
следующие страницы →