Полный текст (3 194 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(بمقيم): أتم، قال ابن عباس ﵃: "تلك السنة" رواه أحمد، (٣٢) ومنه: لو ائتمَّ مسافر بمسافر فاستخلف مُقيمًا؛ لعذر: فيلزمه الإتمام (٣٣) (أو) ائتم مسافر (بمن يشك فيه) أي: في إقامته وسفره: لزمه أن يُتم وإن بان أن الإمام مسافر؛ لعدم نيته، (٣٤) لكن
الشارع قد خفَّف ذلك وجعلها ركعتين بشرط السفر المشتمل غالبًا على المشقة، فلما حضر ونوى الإقامة: لم يكن موصوفًا بالسفر فزالت عنه العلة التي من أجلها شرع القصر وهي: المشقة، فعادت الصلاة كما هي في الأصل وهي: كونها تامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(٣٢) مسألة: إذا صلى مسافر خلف مقيم: فيجب على المسافر أن يُتمَّ صلاته كالمقيم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه" وهذا عام؛ لأن "واو الجماعة" من صيغ العموم، فيشمل المأموم المقيم والمسافر، ولذا: يحرم أن يقصر المسافر مع إتمام الإمام المقيم؛ لأن النهى هنا مطلق، فيقتضي التحريم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عباس وابن عمر ﵃ ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق المتابعة للإمام، وفي ذلك اجتماع المسلمين.
(٣٣) مسألة: إذا صلى زيد المسافر خلف محمد المسافر - أيضًا - وكان معهما بكر المقيم، ثم أحدث محمد الإمام - مثلًا - فقطع إمامته، واستخلف بكرًا - المقيم - عنه: فيجب على زيد أن يتم صلاته ولو كان قد بدأها خلف محمد - المسافر -؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو ابتدأ صلاته خلف مقيم: فإنه يتم، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما يوصف بأنه مقيم - كما سبق في مسألة (٣٢).
(٣٤) مسألة: إذا شكَّ زيد المسافر في إمامه هل هو مقيم أو مسافر؟: فيجب أن ينوي الإتمام ويتم سواء اتضح من هذا الإمام أنه مسافر في أثناء صلاته أو لم يتضح؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإتمام، وزيد قد نواه، فيُعمل على ذلك الأصل، =
стр. 667
إذا علم، أو غلب على ظنه أن الإمام مسافر بأمارة كهيئة لباس، وأن إمامه نوى القصر: فله القصر؛ عملًا بالظاهرة، (٣٥) وإن قال: "إن أتمَّ: أتممتُ، وإن قصر: قصرتُ": لم يضر (٣٦) (أو أحرم بصلاة: يلزمه إتمامها)؛ لكونه اقتدى بمقيم، أو لم ينو قصرها - مثلًا - (ففسدت) بحدثٍ أو نحوه، وأعادها: أتمها؛ لأنها وجبت عليه تامَّة بتلبُّسه بها (٣٧) (أو لم ينو القصر عند إحرامها): لزمه أن يُتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق
وعلى تلك النية وإن بان خلاف ذلك أثناء الصلاة؛ فإن قلتَ: لمَ شرع؟ قلتُ: لأن الشك لا تُبنى عليه أحكام، ولا يجوز تغيير النية بعد تكبيرة الإحرام.
(٣٥) مسألة: إذا غلب على ظن زيد المسافر أن إمامه مسافر بسبب ظهور إمارات وعلامات السفر كرثة في ثيابه، أو وجود دابة أو متاع بجانبه أو نحو ذلك، وغلب على ظنه أيضًا: أن هذا الإمام قد نوى القصر: فإن زيدًا ينوي القصر، ويصلي معه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ظاهر هذا الإمام أنه مسافر وأنه نوى القصر: أن ينوي زيد القصر ويصلي خلفه؛ لأن العمل بالظاهر واجب.
(٣٦) مسألة: إذا أراد المسافر أن يصلي خلف إمام لا يعلم عنه أنه مسافر أو مقيم ونواهما فقال: "إن أتم هذا الإمام الصلاة: أتممتُها، وإن قصرها: قصرُتها": صحَّ ذلك، ويصلي على حسب إمامه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا عام، فيشمل الأمرين إذا نواهما وقيَّد ذلك بفعل إمامه، فإن قلتَ: لمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخليص بعض المسافرين من الحيرة التي يجدونها في هذه الحالة.
(٣٧) مسألة: إذا كبَّر المسافر تكبيرة الإحرام لصلاة يلزمه إتمامها كأن يكون قد اقتدى بها بإمام مقيم، أو لم ينو قصرها أصلًا، فصلاها تامة، فلما فرغ منها، بأن أنها فاسدة - بأن كان قد صلَّاها بلا طهارة -: فيجب أن يُعيدها تامة غير مقصورة؛ للتلازم؛ حيث إنه قد تلبَّس ودخل فيها تامَّة، فيجب أن يُعيدها كما تلبَّس بها قبل بيان فسادها، فيُصليها تامة.
стр. 668
النية ينصرف إليه (٣٨) (أو شكَّ في نيته) أي: نية القصر: أتم؛ لأن الأصل: أنه لم ينوه (٣٩) (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام): أتم، وإن أقام أربعة أيام فقط: قصر؛ لما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباس: أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها (٤٠) (أو) كان المسافر (ملَّاحًا) أي: صاحب سفينة (معه أهله، لا ينوي الإقامة ببلد: لزمه أن يُتمَّ)؛ لأن سفره غير منقطع مع أنه غير ظاعن عن وطنه
(٣٨) مسألة: إذا لم ينو المسافر قصر الصلاة عند تكبيرة الإحرام: فيجب عليه أن يُصلِّيها تامة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإتمام، والواجب أن ينويه، فإذا أطلق: فإن النية تنصرف إلى هذا الأصل وهو: الإتمام، فيُستصحب ويُعمل به، ولا يُترك ذلك إلا بتعيين نيته؛ لأنها سر العبادة.
(٣٩) مسألة: إذا شك المسافر هل نوى القصر أو الإتمام عند تكبيرة الإحرام؟ فيجب عليه أن يصليها تامة؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل: أنه لم ينو القصر، وإذا كان الأمر كذلك: فليس له إلا الإتمام، فيستصحبه ويعمل به؛ لكون الشك لا تُبنى عليه أحكام.
(٤٠) مسألة: إذا سافر شخص، ثم نوى الإقامة في أي مكان أربعة أيام: فيباح له قصر الصلاة وإن أقام أكثر من ذلك فيجب عليه أن يُتم الصلاة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما أقام أربعة أيام في مكة قصر الصلاة، ويلزم من ذلك: وجوب الإتمام عندما يُقيم أكثر من ذلك، وهو: رجوع إلى الأصل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إقامته تلك الأيام الأربعة يُعدُّ نفسه للسفر مرة أخرى، فلو أتم فقد تلحقه مشقة في ذلك، فدفعًا لذلك شرع.
стр. 669
وأهله، ومثله: مكار، وراع، ورسول سلطان ونحوهم، (٤١) ويتم المسافر إذا مرَّ بوطنه، أو ببلد له به امرأة، أو كان قد تزوج فيه، (٤٢) أو نوى الإتمام ولو في أثنائها بعد نية القصر (٤٣) (وإن كان له طريقان) بعيد وقريب (فسلك أبعدهما): قصر؛ لأنه سافر سفرًا بعيدًا (٤٤) (أو ذكر صلاة سفر في) سفر (آخر: قصر)؛ لأن وجوبها
(٤١) مسألة: إذا كان المسافر ملاحًا - وهو قائد السفينة -، أو كان يُكري دابته، أو سيارته لحمل الناس والبضائع من بلد إلى بلد آخر، أو كان راع لماشية، أو كان رسول سلطان - وهو: البريد -: فيجب أن يُتم صلاته إذا كان أهله معه كزوجته، فإن لم يكن معه أهله، فله القصر؛ للقياس، بيانه: كما أن المقيم ببلد لا يقصر، فكذلك هذا والجامع: أن كلًا معه مصالحه من تنوُّر، وأهل، وقلة مشقة؛ لكونه معتادًا على ذلك فلم توجد العلَّة التي من أجلُها شرع قصر الصلاة وهي: المشقة.
(٤٢) مسألة: إذا سافر شخص فمرَّ ببلده أو مرَّ ببلد له فيه زوجة، أو مرَّ ببلد غريب فتزوج فيه: فيجب عليه أن يُصلي صلاة تامة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك الحالات: انقطاع السفر الذي هو مظنة المشقة، ويلزم من ذلك: الإتمام؛ حيث لم يتوفر شرط القصر.
(٤٣) مسألة: إذا نوى المسافر القصر قبل تكبيرة الإحرام، فلما دخل في الصلاة قلب نيته من القصر إلى الإتمام: فيجب عليه الإتمام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رجوعه إلى الأصل - وهو الإتمام - بتلك النية: أن يعمل على ذلك في باقي الصلاة؛ لكون نية الإتمام: نية للقصر وزيادة.
(٤٤) مسألة: إذا كان للبلد الذي يريد أن يسافر إليه الشخص طريقان: طريق قريب لا يبلغ مسافة قصر - وهي: (٨٢) كم -، وطريق بعيد يبلغ ذلك فسافر مع الطريق الأخير: فإنه يقصر الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود شرطي =
стр. 670
وفِعلها وجدا في السفر كما لو قضاها فيه نفسه قال ابن تميم وغيره: وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها، واقتصر عليه في "المبدع"، وفيه شيء (٤٥) (وإن حُبس) ظلمًا، أو بمرض أو مطر ونحوه (ولم ينو إقامة): قصر أبدًا؛ لأن ابن عمر ﵁ أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول" رواه الأثرم، والأسير يقصر ما أقام عند العدو (أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة) لا يدري متى تنقضي؟: (قصر أبدًا) غلب على ظنه كثرة ذلك أو قلته؛ لأنه ﷺ : "أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" رواه أحمد وغيره وإسناده ثقات، (٤٦) وإن ظنَّ أن
القصر - وهما: السفر المباح الذي يبلغ (٨٢) كم فأكثر - وجود القصر؛ وذلك لدفع المشقة التي توجد غالبًا عند المسافر.
(٤٥) مسألة: إذا نسي شخص صلاة وهو مسافر، ثم عاد وأقام في بلده مدة، ثم سافر مرة أخرى، ثم تذكَّر تلك الصلاة المنسية أثناء سفره الأخير: فإنه يقضي تلك الصلاة قصرًا؛ للقياس، بيانه: كما أن من نسي صلاة في سفر ثم تذكَّرها في نفس هذا السفر: فإنه يقضيها قصرًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد وجبت أداء وقضاء في سفر، فلها حكم السفر، تنبيه: قوله: "قال ابن تميم: "وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها": يُشير به إلى أن الشخص إذا دخل في تلك الصلاة المقضية وهو مسافر وهو قائم في سفينة مثلًا، ثم وصلت تلك السفينة إلى ذلك البلد أثناء صلاته: فإنه يقصر قلتُ: هذا غير صحيح بل يُتم وقد بيّنت ذلك في مسألة (٢٨) لذلك قال المصنف: "وفيه شيء".
(٤٦) مسألة: إذا حبس المسافر حابس من مرض أو ثلج، أو مطر أو سلطان، أو خوف على نفسه، أو برد، أو حر، أو كان أسيرًا عند قوم، أو كان ينتظر حاجة يريد أن يقضيها، وأقام مكرهًا، ولم ينو إقامة، ولا يدري متى يزول ذلك العذر؟ أو متى تنقضي الحاجة؟: فإنه يقصر ولو طالت المدَّة؛ لقاعدتين: =
стр. 671
لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام: أتمَّ، (٤٧) وإن نوى مسافر القصر حيث لم يُبح: لم تنعقد صلاته كما لو نواه مقيم (٤٨) فصل: في الجمع (يجوز الجمع بين الظهرين) أي: الظهر والعصر في وقت أحدهما (و) يجوز الجمع (بين العشائين) أي: المغرب
الأولى: السنة الفعلية؛ حيث أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة - كما رواه جابر -، الثانية: فعل الصحابي: حيث إن ابن عمر ﵁ قد أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين حيث حبسه الثلج، وغير الثلج مما ذكر مثله؛ لعدم الفارق بجامع: عدم نية الإقامة من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك الشخص لا يعلم متى يزول ذلك العذر، فيكون مُستعدَّاً للسفر دائمًا، فأبيح له القصر؛ دفعًا لمشقة ذلك.
(٤٧) مسألة: إذا غلب على ظن المسافر الذي حبسه حابس - مما سبق ذكره في مسألة (٤٦) - أنه سيستمر أكثر من أربعة أيام: فإنه يُتم صلاته من أول ما حبسه هذا الحابس؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا علم ذلك يقينًا ونواه يُتم - كما سبق في مسألة (٤٠) - فكذلك إذا غَلَب على ظنَّه ذلك مثله والجامع: نيته الإقامة في كل؛ لعدم وجود مشقة في ذلك غالبًا، وهو المقصد منه.
(٤٨) مسألة: إذا نوى مسافر القصر وهو لا يُباح له القصر: كأن ينويه في سفر معصية، أو كانت مسافة سفره أقل من (٨٢) كم أو نحو ذلك: فلا تصح نيته، ولا تنعقد صلاته فيما لو صلى، ويجب إعادتها تامة؛ للقياس، بيانه: كما أن المقيم لو نوى القصر وصلى صلاة مقصورة: فإنها لا تنعقد، وتجب إعادتها، فكذلك المسافر الذي نوى القصر في سفر لا يُباح له القصر فيه مثله والجامع: عدم توفر شرطي القصر وهما: السفر سفر مباح مسافة تقصر فيه الصلاة وهي - (٨٢) كم - وذلك في كل من المقيم، وهذا المسافر.
стр. 672
والعشاء (في وقت أحدهما (٤٩) في سفر قصر)؛ لما روى معاذ: "أن النبي ﷺ كان في
(٤٩) مسألة: يُباح الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، ويُباح الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء؛ لعذر، سواء كان جمع تقديم: بأن تصلى الظهر والعصر في وقت الظهر وتصلى المغرب والعشاء في وقت المغرب، أو جمع تأخير بأن تُصلَّى الظهر والعصر في وقت العصر، وتصلى المغرب والعشاء في وقت العشاء؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك كما رواه معاذ وأنس ﵃، فإن قلتَ: لمَ أُبيح الجمع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع لمشقة فعل كل صلاة في وقتها، فإن قلتَ: لمَ لا تُجمع العصر مع المغرب؟ قلتُ: نظرًا لاختلاف الصلاتين في الوقت؛ حيث إن العصر في النهار، والمغرب في الليل، فإن قلتَ: لمَ لا تجمع العشاء مع الفجر، ولا الفجر مع الظهر قلتُ: لاحتمال انتفاء المبيح للجمع؛ نظرًا لطول الفاصل بين العشاء والفجر، وبين الفجر والظهر، فإن قلتَ: لمَ لا تُجمع الجمعة مع العصر؟ قلتُ: لأن الجمعة تنفرد عن غيرها بشروطها ووقتها، وهيئتها، ولم يرد عنه ﷺ أنه جمع بينها وبين العصر، فإن قلتَ: لا يُجمع إلا بين الظهر والعصر في يوم عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة فقط؛ وهو قول كثير من الحنفية، ورواية عن مالك؛ للسنة الفعلية المتواترة؛ حيث إنه تواتر عنه ﷺ الجمع في هذين الوقتين، وهذه السنة المتواترة تقوى على تخصيص السنة القولية والفعلية المتواترة والواردة في تحديد مواقيت الصلاة - كما سبق في شروط الصلاة - قلتُ: إن أخبار الآحاد - كخبر معاذ وأنس ﵃ التي ورد فيها الجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة قد قويت على تخصيص الأخبار المتواترة الواردة في مواقيت الصلاة؛ إذ تخصيص المتواتر بخبر الواحد جائز، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا: قلت: سببه: "الخلاف في السنة الأحادية، هل تقوى على تخصيص المتواترة أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
стр. 673
غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء" رواه أبو داود والترمذي، وقال: "حسن غريب"، وعن أنس معناه متفق عليه (و) يُباح الجمع بين ما ذكر (لمرض يلحقه بتركه) أي: ترك الجمع (مشقة)؛ لأن النبي ﷺ "جمع من غير خوف ولا مطر" وفي رواية: "من غير خوف ولا سفر" رواهما مسلم من حديث ابن عباس ﵁، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة وهي نوع مرض، ويجوز أيضًا لمرضع؛ المشقة كثرة نجاسة ونحو مستحاضة، وعاجز عن طهارة أو تيمُّم لكل صلاة، وعن معرفة وقت كأعمى ونحوه، ولعذر أو شغل يُبيح ترك جمعة وجماعة (و) يُباح الجمع (بين العشائين) خاصة (لمطر يبل الثياب) وتوجد معه مشقة، والثلج والبَرَد والجليد مثله (وَوَحْل وريح شديدة باردة)؛ لأنه ﷺ "جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة" رواه النجاد بإسناده وفعله أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ (٥٠) وله الجمع
(٥٠) مسألة: إذا وجد المسلم أيَّ مشقة تلحقه في تكرار الطهارة لكل صلاة في وقتها فيباح له أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بشرط: أن يكون هذا المسلم متوسطًا في عقله ودينه - أي غير متشدَّد في الدين ولا متساهل فيه - كأن يسافر سفر تقصر له الصلاة وهي مسافة (٨٢) كم - كما سبق بيانه في مسألة (١٩) - أو أصابه مرض، أو كان يخرج منه حدث دائم لا يستطيع منعه كسلس بول، أو ريح، أو دم، أو مذي أو رعاف ونحو ذلك، أو امرأة تستحاض، أو كانت مرضعًا يشق عليها الوضوء لكل صلاة، أو كان خائفًا على نفسه أو ماله أو أهله أو أحد من خاصَّته، أو على معيشة يحتاجها كالطباخ أو الخباز أو الحارس، أو كان عاجزًا عن إيجاد الماء أو التراب لكل صلاة بوقتها، أو كان عاجزًا عن معرفة القبلة في أحد الوقتين كالأعمى مثلًا، =
стр. 674
لذلك (ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقة تحت ساباط) ونحوه؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر (٥١) (والأفضل) لمن له الجمع
أو كان قد نزل مطر يبلِّل الثياب، أو وجد في طريقه ثلج أو بَرَد أو جليد، أو وَحْل - وهو الطين الرطب - أو وُجدت ريح شديدة باردة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث أمر ﷺ المستحاضة بالجمع، والاستحاضة: مرض، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد جمع الصلاتين في سفر مسافة قصر، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه يجمع في الاستحاضة والسفر فكذلك يجمع فيما ذكرناه من الحالات إذا شعر المسلم بمشقة تكرار الطهارة لكل صلاة في وقتها والجامع: دفع المشقة في كل عن المسلمين، وهذا هو المقصد الشرعي منه، فإن قلتَ: يُباح جمع الصلاتين من غير عذر؛ للسنة الفعلية؛ حيث جمع ﷺ الظهر مع العصر من غير عذر، وقال ابن عباس ﵃: "إنه فعل ذلك؛ لئلا يُحرج أمتَّه" قلتُ: الظاهر: أن هذا ليس بجمع؛ حيث إنه أخَّر الظهر إلى آخر وقتها وقدم العصر إلى أول وقتها فصلى الظهر، فلما دخل وقت العصر صلاها وهذا لا يُسمَّى جمعًا بل صلى كل صلاة في وقتها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف فيما ظهر من فعله ﵇" تنبيه: قوله: "يُباح الجمع بين العشائين خاصة .. " قلتُ: يُباح الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بسبب المطر، ولا يخص ذلك المغرب والعشاء فقط؛ لعموم الأدلة السابقة.
(٥١) مسألة: يُباح جمع الصلاتين إذا نزل مطر، أو وجد وحل في طرق البلدة، وإن كان الشخص يمشي تحت ساباط - وهو الطريق المسقوف الواصل بين المسجد وبيت هذا الشخص -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد جمع الصلاتين ولا يوجد بين مسجده وحجرته شيء يذكر، الثانية: القياس، بيانه: =
стр. 675
(فعل الأرفق به من) جمع (تأخير) بأن يؤخر الأولى إلى الثانية (و) جمع (تقديم) بأن يُقدِّم الثانية فيُصليها مع الأولى؛ لحديث معاذ السابق، فإن استويا: فالتأخير أفضل، (٥٢) والأفضل بعرفة: التقديم، وبمزدلفة: التأخير مطلقًا، وترك الجمع في سواهما أفضل، (٥٣)
كما أن المسافر الذي قد لا يجد مشقة في سفره يُباح له القصر والفطر والجمع، فكذلك هذا الشخص يُباح له الجمع والجامع: أن كلًا منها رخص عامة شُرعت في حالة يغلب وجود المشقة فيها، وهذا هو المقصد منه.
(٥٢) مسالة إذا أراد أن يجمع صلاتين: فالأفضل أن يفعل الأرفق والأيسر والأسهل عليه، فإن كان الأرفق به: جمع التقديم: فعله، وإن كان الأرفق به جمع التأخير: فعله بدون حرج، وإن استويا عنده: فالأفضل جمع التأخير؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان النبي ﷺ يفعل الأنسب والأرفق به وبالمؤمنين -كما سبق في حديث معاذ وأنس ﵁- الثانية: المصلحة؛ حيث إن جمع التأخير يُحقق المحافظة على المواقيت للصلوات، وهذا أحوط.
(٥٣) مسألة: إذا أراد أن يجمع صلاة الظهر مع العصر في عرفة: فالأفضل أن يصليهما في وقت الظهر، وإذا أراد أن يجمع المغرب مع العشاء في مزدلفة: فالأفضل أن يصليهما في وقت العشاء، أما في غير هذين الموضعين من أعمال الحج فالأفضل ترك الجمع؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك في الحالات الثلاث التي ذُكرت هنا، فإن قلتَ: لِمَ كان الأفضل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في جمع التقديم في عرفة: إيجاد وقت للعبادة في آخر يوم عرفة، وفي جمع التأخير في مزدلفة: إيجاد وقت للسير من عرفة إلى مزدلفة، وفي ترك الجمع في غيرهما من أعمال الحج: الاحتياط للعمل في أحاديث المواقيت.
стр. 676
ويُشترط للجمع ترتيب مطلقًا (٥٤) (فإن جمع في وقت الأولى: اشترط) له ثلاثة شروط: (نية الجمع عند إحرامها) أي: إحرام الأولى دون الثانية، (و) الشرط الثاني: الموالاة بينهما فـ (لا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة) صلاة (ووضوء خفيف) لأن معنى الجمع: المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير، فإنه معفو عنه (ويبطل) الجمع (براتبة) يصليها (بينهما) أي: بين المجموعتين؛ لأنه فرَّق بينهما بصلاة فبطل كما لو قضى فائتة، وإن تكلَّم بكلمة أو كلمتين: جاز (و) الثالث (أن يكون العذر) المبيح (موجودًا عند افتتاحهما وسلام الأولى)؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها، وافتتاح الثانية موضع الجمع، (٥٥) ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع المطر ونحوه، بخلاف
(٥٤) مسألة: يُشترط للجمع: الترتيب: فيُصلي الظهر ثم العصر بعدها، ويصلي المغرب ثم العشاء بعدها: سواء كان ذلك جمع تقديم أو جمع تأخير، فإن قدَّم العصر على الظهر، أو العشاء على المغرب: فلا يصح الجمع؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك ويُواظب عليه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الظهر والمغرب متقدَّمتان في أصل المشروعية على العصر والعشاء، فيُحافظ على هذا الأصل.
(٥٥) مسألة: اشترط لجمع التقديم شروط ثلاثة: أولها: أن ينوي عند تكبيرة الإحرام للصلاة الأولى: أنه سيجمع الثانية مع الأولى، فإن صلى الأولى، ثم نوي أنه سيجمع معها ثانية ثم دخل في الثانية: فلا يصح ذلك، ثانيها: أن يوالي بين الصلاتين المجموعتين، بأن يصلي الأولى، ثم يليها الثانية مباشرة، إلا إن كان الفاصل يسيرًا مثل كلمتين أو وضوء وتيمم سريع، فهذا لا يضر، أما إن صلى بينهما فائتة عليه، أو صلى راتبة الأولى بعدها، ثم صلى الثانية: فلا يصح الجمع، ثالثها: أن يوجد السبب والعذر المبيح للجمع حال افتتاح الأولى، وافتتاح الثانية، وعند الفراغ والسلام من الأولى؛ لقواعد: الأولى: السنة =
стр. 677
غيره، (٥٦) وإن انقطع السفر في الأولى: بطل الجمع والقصر مطلقًا: فيُتمُّها وتصح،
القولية حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه لأن "الأعمال" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم؛ حيث إن الجمع عمل، فلا بد أن ينوى قبل البدء بذلك العمل، ولا تصح نية الجمع إلا إذا وجد السبب والعذر المبيح للجمع وعند السلام منها؛ لأن الجمع بلا عذر: لا يصح، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما جمع الصلاتين والى بينهما وأتبع الثانية الأولى، ولم يُعهد عنه أنه فرق بينهما، فإن قلتَ: لمَ اشترطت تلك الشروط؟ قلتُ: لأن الجمع عبادة، ولا تصح أيُّ عبادة بلا نية، ولأن اتباع الثانية بالأولى هو الذي يُحقق الغرض الذي من أجله شُرع الجمع وهو: التخفيف على العباد، ولأن افتتاح الأولى هو موضع نية الجمع، وافتتاح الثانية هو: موضع الجمع نفسه فيلزم اعتبار العذر في هذين الموضعين، فإن قلتَ: لا تشترط الموالاة وهو قول كثير من العلماء، ومنهم ابن تيمية؛ للتلازم؛ حيث إن المراد بالجمع هو: الجمع في الوقت، وهذا يلزم منه: أن يصح الجمع وإن لم تتصل الثانية مع الأولى، قلتُ: هذا فيه نظر؛ لمخالفته للمقصد الشرعي من مشروعية الجمع، وهو: الرفق والتخفيف على الناس؛ إذ لو فُرِّق بينهما لكانت قريبة من الصلاة المعتادة، وهذا لم يقصده الشارع عند مشروعية الجمع كما سبق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تحقيق المقصود من الجمع" فعندنا: لا يتحقق إلا إذا صُلِّيت الثانية بعد الأولى مباشرة، وعندهم: يتحقق إذا صُلِّيت الثانية في وقت الأولى مطلقًا.
(٥٦) مسألة: إذا جمع بسبب مطر، أو بَرَد أو ثلج: فلا يُشترط دوام ذلك إلى الفراغ من الثانية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من المطر ونحوه: وجود وَحْل وطين رطب بعده =
стр. 678
وفي الثانية يُتمها نفلًا (٥٧) (وإن جمع في وقت الثانية: اشترط) له شرطان (نية الجمع في وقت الأولى): لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية: صارت قضاء، لا جمعًا (إن لم يضق) وقتها (عن فعلها)؛ لأن تأخيرها إلى ما يضيق عن فعلها حرام، وهو يُنافي الرخصة (و) الثاني (استمرار العذر) المبيح (إلى دخول وقت الثانية) فإن زال العذر قبله: لم يجز الجمع؛ لزوال مقتضيه كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع، ولا بأس بالتطوع بينهما، (٥٨) ولو صلى الأولى وحده، ثم الثانية إمامًا أو مأمومًا، أو
فقد يكون أشد ضررًا من المطر نفسه، وهذا يجمع له، بخلاف غيره من سفر ونحوه فلا يوجد ذلك فيه، فيلزم اشتراطه؛ لعدم وجود توابع له.
(٥٧) مسألة: إذا كان يجمع ويقصر الصلوات؛ نظرًا لسفره، ثم انقطع سفره بأن وصل بلده وهو يصلي على سفينة صلاة الظهر: فيجب أن يتم تلك الصلاة، أما إن وصل أثناء صلاته العصر المجموعة مع الظهر: فإنه يُتمها نفلًا؛ للتلازم، وهو من وجوه أولها: أنه يلزم من زوال العذر -وهو السفر- زوال الحكم وهو: الجمعُ والقصر، ثانيها: أنه يلزم من مصادفة صلاة الظهر لوقتها: إتمامها وصحتها، ثالثها: أنه يلزم من عدم دخول وقت العصر: إتمامها نفلًا، لكون الصلاة المفروضة لا تصح قبل دخول وقتها.
(٥٨) مسألة: اشتُرط لجمع التأخير شرطان أولهما: أن ينوي في وقت الصلاة الأولى: أنه سيجمعها مع الثانية، في وقت الثانية، وأن تكون هذه النية في وقت الأولى الموسَّع، فلو أن رجلًا عنده سبب مبيح للجمع، فأخر المغرب حتى لم يبق من وقتها إلا وقت لا يمكنه فعلها فيه؛ نظرًا لضيقه، فنوى في هذه اللحظة جمعها مع العشاء: فهذا لا يصح، ثانيهما: أن يستمر العذر المبيح للجمع إلى حين دخول وقت الثانية، فإن زال ذلك العذر في وقت الأولى كأن يبرأ المريض أو ينقطع المطر، أو يرجع المسافر: فلا يصح الجمع؛ للتلازم، وهو من وجوه: =
стр. 679
صلاهما خلف إمامين، أو من لم يجمع: صح (٥٩) فصل: (وصلاة الخوف صحَّت عن النبي ﷺ بصفات كلها جائزة) قال الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها أو تختار واحدًا منها؟ قال: "أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل: فأنا أختاره" وشرطها: أن يكون العدو مباح القتال: سفرًا كان أو حضرًا مع خوف هجومهم على المسلمين، وحديث سهل الذي أشار إليه هو: صلاته ﷺ بذات الرقاع: "طائفة صفَّت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه
أولها: أن تحديد أوقات الصلوات يلزم منه عدم جواز تأخير أي صلاة عن وقتها بلا عذر أو وجود سبب مبيح لجمع التأخير ولا يكون ذلك إلا بنية وقصد يكون في وقت الأولى؛ إذ لا بدَّ من الفعل أو عزم ونية على الفعل، وإن لم توجد هذه النية: فإن صلاته الأولى في وقت الثانية: يكون قضاء، ثانيها: أن تأخير الصلاة إلى وقت يضيق عن فعلها فيه حرام، وهذا يُنافي الرخصة -وهي الجمع- أي: لا يُباح شيء رخصة عن طريق محرم، فيلزم عدم صحة النية، وإذا بطلت النية بطل الجمع، ثالثها: أن استمرار وجود العذر إلى دخول وقت الثانية يلزم منه: تحقق العذر في الوقتين فيصح جمعهما لعذر واحد، تنبيه: قوله: "ولا بأس بالتطوع بينهما" يشير به إلى جواز الفصل بين الصلاتين المجموعتين قلتُ: هذا لا يصح، وهو مخالف لشرط الموالاة بينهما، وقد سبق بيانه في مسألة (٥٥).
(٥٩) مسألة: لا يُشترط في الجمع اتحاد الصلاتين المجموعتين من حيث كونهما وقعتا من منفرد أو إمام أو مأموم، فلو صلى الجامع الأولى منفردًا، ثم صلى الثانية، وهو إمام، أو مأموم، أو خلف من لم يجمع: لصح ذلك؛ للتلازم: حيث إن شروط الجمع -التي في مسائل (٥٤ و ٥٥ و ٥٨) - إذا وجدت لزم صحة الجمع مطلقًا، بصرف النظر عن وقوعهما من منفرد أو مؤتم أو إمام.
стр. 680
ركعة، ثم ثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم" متفق عليه، (٦٠) وإذا اشتدَّ الخوف: صلوا رجالًا وركبانًا
(٦٠) مسألة: تجوز صلاة الخوف بشرط: كون العدو يُخاف هجومه على المسلمين، ويحل قتاله، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وهو واضح الدلالة، الثانية: السنة الفعلية: حيث ثبت عنه ﷺ أنه صلاها بصفات أشهرها صفتان: الصفة الأولى: تكون إذا كان العدو في غير جهة القبلة وهي التي ذكرها المصنف والتي رواها صالح بن خوات عن بعض الصحابة كسهل بن أبي حثمه الأنصاري في صلاة ذات الرقاع، الصفة الثانية: تكون إذا كان العدو في جهة القبلة، بحيث لا يخفى بعضهم عن المسلمين، قال جابر: "صففنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة فكبَّر رسول الله ﷺ فكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر نحو العدو، فلما قضى النبي السجود وقام الصف الذي يليه: انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعنا جميعًا، ورفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه -الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى- وقام الصف المؤخر نحو العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا معه جميعًا" فإن قلتَ: لمَ شُرِعت تلك الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على المسلمين من غدر العدو، فإن قلتَ: إن صلاة الخوف خاصة بالنبي ﷺ فقط، ولا يُصليها غيره، وهو قول بعض الحنفية؛ =
стр. 681
للقبلة وغيرها يومئون طاقتهم، وكذا: حالة هرب مباح من عدو، أو سيل ونحوه، أو خاف فوت عدو يطلبه، أو وقت وقوف بعرفة (٦١) (ويُستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يُثقله كسيف ونحوه) كسكين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ويجوز حمل سلاح نجس في هذه الحال؛ للحاجة بلا إعادة. (٦٢)
للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ حيث إنه خطاب له ﷺ فلا يتعدَّى قلتُ: هذا ضعيف؛ لقاعدتين: الأولى: أن ما ثبت في حق النبي ﷺ فإنه ثابت في حق الأمة إذا لم يوجد دليل على اختصاصه به، وضمير المخاطب هنا لا يجعل ذلك خاصًا به ﷺ وإن كان مفردًا، يؤيده قول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الثانية: فعل الصحابي: حيث إن عليًا وأبا موسى الأشعري ﵁ قد صليا صلاة الخوف بكثير من الصحابة من غير نكير، وهذا قريب من إجماع الصحابة السكوتي.
(٦١) مسألة: إذا اشتدَّ خوف مسلم على نفسه أو أهله أو ماله بسبب عدو، أو حريق، أو غرق، أو سبع، أو بسبب خوفه من فوات الوقوف بعرفة، أو اشتد هربه من العدو، وخاف من فوات الوقت: فإنه يصلي صلاة الخوف، أو الصلاة العادية بأي طريقة من ركوع أو سجود إن أمكن أو إيماء بالرأس أو بالحاجب، سواء كان راكبًا أو ماشيًا، وسواء اتجه إلى القبلة أو لا؛ وإن شق عليه ذلك فإنه يؤخر الصلاة حتى يأمن على نفسه ومن معه ثم صلي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد أخَّر الصلوات في غزوة الأحزاب حتى أمن، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن المسلمين، لئلا ينالهم أذى.
(٦٢) مسألة: إذا غلب على ظن المسلم هجوم العدو أثناء صلاته: فيجب أن يحمل سلاحه وهو يصلي: سواء كان هذا السلاح طاهرًا أو لا، وسواء كان خفيفًا
стр. 682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالسكين، أو ثقيلًا كالبندقية، أما إن شك في هجومه: فيُستحب أن يحمل سلاحه أثناء صلاته؛ لقاعدتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فأوجب حمل السلاح؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المضرة عن المسلم.
هذه آخر مسائل باب "صلاة أهل الأعذار، وقصر الصلاة وجمعها وصلاة الخوف" وهو آخر المجلد الأول من كتاب: "تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع وتنزيل الأحكام على قواعدها الأصولية، وبيان مقاصدها، ومصالحها وأسرارها وأسباب الاختلاف فيها" لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة نفع به الإسلام والمسلمين، ويليه المجلد الثاني وأوله باب "صلاة الجُمعة"
стр. 683
باب صلاة الجمعة
سُمِّيت بذلك؛ لجمعها الخلق الكثير، ويومها أفضل أيام الأسبوع (١)، وصلاة الجمعة مستقلة، (٢) وأفضل من الظهر، (٣) وفرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء الوقت: لم تصح، (٤) وتؤخر فائتة؛ لخوف
باب صلاة الجمعة
وفيه مائة وأربع مسائل:
(١) مسألة: أفضل أيام الأسبوع هو: يوم الجمعة، وهو من خصائص هذه الأمة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة" وقد ألَّف السيوطي كتابًا خاصًا بها سمَّاه: "اللمعة في خصائص يوم الجمعة"، فإن قلتَ: لمَ سميت بذلك الاسم؟ قلتُ: لاجتماع الخلق فيه، وفيه اجتمع آدم وحواء، وهو معظَّم عند العرب قبل الإسلام، ويُسمُّونه "يوم العروبة".
(٢) مسألة: صلاة الجمعة صلاة مستقلَّة؛ فليست هي مبدلة عن صلاة الظهر؛ للتلازم؛ حيث إن صلاة الجمعة يمكن أن تصلى قبل الزوال، ولا يجوز جمعها مع العصر بخلاف الظهر، ولا تجزئ أن يصليها من لم تجب عليه الجمعة كالمرأة بنية أنها الظهر، ويلزم من وجود تلك الفروق: أنها صلاة مستقلة عن الظهر.
(٣) مسألة صلاة الجمعة أفضل من صلاة الظهر ممن لا تجب عليهم الجمعة كالمرأة والعبد والمسافر والمريض؛ للتلازم؛ حيث يلزم مما ورد فيها من الترغيب والفضل أن تكون أفضل من الظهر.
(٤) مسألة: إذا وجد وقت صلاة الجمعة: فلا تصلى الظهر: فلو صلى أهل بلد صلاة الظهر قبل خروج وقت صلاة الجمعة: فلا تصح صلاتهم؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تصح صلاة العصر في وقت الظهر، فكذلك لا تصح الظهر في =
стр. 684
فوتها، (٥) والظهر بدل عنها إذا فاتت (٦) (تلزم) الجمعة (كل ذكر) ذكره ابن المنذر إجماعًا؛ لأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال (حر)؛ لأن العبد محبوس على سيده (مكلف مسلم)؛ لأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة، فلا تجب على مجنون، ولا صبي؛ لما روى طارق بن شهاب مرفوعًا: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة، أو صبي أو مريض "رواه أبو داود (مستوطن ببناء) معتاد، ولو كان فراسخ من حجر أو قصب ونحوه لا يرتحل منه شتاء ولا صيفًا (اسمه) أي: البناء (واحد ولو تفرَّق) البناء؛ حيث شمله اسم واحد كما تقدم (ليس بينه وبين المسجد) إذا كان خارجًا عن المصر (أكثر من فرسخ) تقريبًا، (٧)
وقت الجمعة، والجامع: أن كلًا منهما له وقت معيَّن قد خوطب به، فلا يُترك: إلا بعذر.
(٥) مسألة: إذا حضرت صلاة الجمعة وعليه صلاة فائتة -كالفجر مثلًا-: فإنه يصلي الجمعة الحاضرة، ثم يصلي الفائتة؛ للتلازم؛ حيث إن صلاة الجمعة لا تُدرك إذا فاتت، وغيرها من الفرائض يمكن تداركها فيلزم تقديم الجمعة التي لا تدرك إلا مع الجماعة، وهذا من باب الاحتياط في الدين وهذا هو المقصد منه.
(٦) مسألة: صلاة الظهر تكون بدلًا عن صلاة الجمعة بشرط: فوات صلاة الجمعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم قضاء صلاة الجمعة إذا فاتت: أن يكون لها بدل، وهو صلاة الظهر؛ رخصة من الله تعالى في حق من فاتته، وهذا هو المقصد منه.
(٧) مسألة: صلاة الجمعة فرض عين على كل قادر قد توفرت فيه شروط سبعة: أولها: أن يكون ذكرًا، فلا تجب على امرأة، ثانيها: أن يكون حُرًّا، فلا تجب على رقيق ولا مُبعَّض، ثالثها: أن يكون بالغًا: فلا تجب على صبي، =
стр. 685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رابعها أن يكون عاقلًا، فلا تجب على مجنون خامسها: أن يكون مسلمًا، فلا تجب على كافر حال كفره، سادسها: أن يكون مستوطنًا ومقيمًا ببناء معتاد معروف كإسمنت أو طين أو خشب يطلق عليه اسم واحد من أسماء البلاد، ولو تباعدت البنايات بعضها عن بعض، فلا تجب على قوم يتنقَّلون دائمًا، أو مسافرين ونحو ذلك، سابعها: أن لا يكون بينه وبين الجامع أكثر من فرسخ تقريبًا، وهو يُقدَّر بثلاثة أميال، ومسيرة ساعة ونصف في المشي على القدم للرجل المتوسط في سيره، وهو ما يُعادل (٥، ٤) كم تقريبًا، وهذا الشرط في حق من هو خارج البلد ومقيم في بيت شعر أو مزرعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" حيث إن هذا دلَّ بمنطوقه على وجوبها على المسلم، ومفهوم الصفة دل على عدم وجوبها على الكافر، ودلَّ مفهوم الصفة أيضًا على إثبات وجوبها على الحر، والذكر، والبالغ والقادر؛ حيث نفى وجوبها على أضداد هؤلاء الأربعة؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وهذا لزم منه الشرط الأول والثاني والثالث والخامس؛ ثانيها: قوله: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق … " حيث دل مفهوم الغاية على أن العاقل مكلَّف بالشرع، ومنها: صلاة الجمعة وهذا لزم منه الشرط الرابع، ثالثها: قوله: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" ومن كان بينه وبين الجامع ثلاثة أميال - (٥، ٤) كم يُمكنه أن يأوي إلى أهله بعد صلاته الجمعة قبل الليل وهذا لزم منه الشرط السابع، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ لا يصلي الجمعة أثناء سفره، بل صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في عرفة مع وجود العدد =
стр. 686
فتلزمه بغيره كمن بخيام ونحوها، ولا تنعقد به ولم يجز أن يؤمَّ فيها، (٨) وأما من كان
الكافي لصلاة الجمعة، وهذا لزم منه الشرط السادس، فإن قلتَ: لمَ وجبت الجمعة بتلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها مشعر من مشاعر إظهار الإسلام، وتذكير المسلمين بالأوامر والنواهي الشرعية، وقد اشترطت "الذكورية": لكون المرأة عورة تثير الفتنة، فليست من أهل الحضور في مجامع الرجال، واشترطت "الحرية"؛ لكون العبد قد اشتراه سيده لخدمته، فلو وجبت عليه الجمعة لتضرر السيد، واشترط "التكليف"؛ لكون الصبي والمجنون ليسا من أهل التكليف أصلًا؛ لعدم إدراكهما وفهمهما للنية والمقصود من التكليف، واشترط "الإسلام"؛ لكون الكافر غير مخاطب بفروع الإسلام حال كفره، ولو فعلها: لا تصح منه، وذكرت هذا في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام" واشترط "الاستيطان والإقامة"؛ لكون المسافر منشغل بسفره، فيشق عليه ذلك، واشترط: "عدم بعد المسافة أكثر من فرسخ"؛ لكون الذي يبعد سكنه أكثر من ذلك يشق عليه الحضور إلى المسجد الجامع، ولا يُمكنه الرجوع إلى أهله قبل الليل غالبًا لمن كان يمشي على قدميه وهذا في الغالب.
(٨) مسألة: إن حضر من كان بينه وبين الجامع أكثر من فرسخ - (٥، ٤) كم-: فإن الجمعة تجب عليه، وتنعقد به فيُكمِّل لهم أربعين رجلًا -شرط صحة الجمعة- وتصح إمامته لهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حضوره: وجوبها عليه، ويلزم من وجوبها عليه: صحتها منه، ويلزم من صحتها: انعقادها به، وصحة إمامته فيها؛ لأنه من أهلها، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه إذا حضرها انتفت المشقة التي أُسقطت عنه من أجلها فوجبت بسبب حضوره فيكون من أهلها، فإن قلتَ: تجب عليه إذا حضرها، لكن لا تنعقد به ولا تصح إمامته فيها -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه ليس من أهلها: عدم =
стр. 687
في البلد: فيجب عليه السعي إليها: قَرُب أو بَعُد: سمع النداء أو لم يسمعه؛ لأن البلد كالشيء الواحد (٩) (ولم تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر)؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير، وكما لا تلزمه بنفسه: لا تلزمه بغيره، فإن كان عاصيًا بسفره، أو كان سفره فوق فرسخ ودون المسافة، أو أقام ما يمنع القصر، أو لم ينو استيطانًا: لزمته بغيره (ولا) تجب الجمعة على (عبد) ومُبعَّض وامرأة؛ لما تقدَّم، (١٠) ولا خُنثى؛ لأنه لا يُعلم كونه
انعقادها به وعدم صحة إمامته إن حضر قلتُ: لا يُسلَّم هذا، بل يلزم من حضوره لها: أن يكون من أهل وجوبها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(٩) مسألة: تجب الجمعة على جميع ساكني البلد الواحد الذي يشمله اسم واحد: سواء كان قريبًا كفرسخ فأقل، أو بعيدًا كأكثر من الفرسخ، وسواء سُمع النداء، أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقامتهم ببلدٍ اسمه واحد: وجوبها عليهم مطلقًا؛ لتوفر شرط الجمعة "السادس" في مسألة (٧).
(١٠) مسألة: تسقط الجمعة عن المسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة -وهو السفر المباح الذي تبلغ مسافته (٨٢) كم- أما إن سافر سفر معصية؛ أو سافر سفرًا مسافته أقل من (٨٢) كم أو سافر ثم أقام إقامة تمنع القصر كأن يقيم ببلد أكثر من أربعة أيام، أو تزوج ببلد غير بلده، أو أقام ببلد ولم ينو استيطانه فإن الجمعة لا تسقط عنه؛ لقواعد الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فلو سقطت الجمعة عن المسافر سفر معصية: لكان ذلك فيه تعاون على الإثم والعدوان، والله قد نهى عنه، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان قد صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا =
стр. 688
رجلًا (١١) (ومن حضرها منهم: أجزأته)؛ لأن إسقاطها عنهم تخفيف (١٢) (ولم
في يوم عرفة وهو موافق ليوم جمعة، ولم يصل الجمعة مع أنه معه العدد الكافي، لها؛ الثالثة: الإجماع؛ حيث إن الصحابة كانوا يسافرون في أيام الجمع، فلا يصلونها، بل يصلون الظهر، الرابعة: القياس، بيانه: كما أن المقيم تلزمه الجمعة فكذلك من سافر مسافة تبلغ أقل من مسافة قصر -وهي (٨٢) كم- وكذلك من نوى الإقامة فوجد أربعة أيام، وكذلك من أقام ولكنه لم ينو الاستيطان تلزمهم الجمعة، والجامع: عدم وجود مشقة، فإن قلتَ: لمَ سقطت الجمعة عن المسافر؟ قلتُ: لأن الشخص لو أُصيب بمرض أو خوف ونحوهما مما يخصُّ نفسه تسقط عنه الجمعة، فكذلك تسقط عنه بسبب خارج عنه كالسفر ونحوه، وذلك لدفع المشقة، تنبيه: قوله: "ولا تجب على عبد ومبعَّض وإمرأة" الخ قد سبق بيانه في مسألة (٧).
(١١) مسألة: تسقط الجمعة عن الخنثى المشكل -وهو: ما له آلة ذكر وأنثى-؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يُحتمل أن يكون ذكرًا، ويُحتمل أن يكون أنثى، ونظرًا لهذا الاحتمال تسقط عنه الجمعة؛ لأن دفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
(١٢) مسألة: إذا حضر المسافر والعبد والمرأة والخنثى صلاة الجمعة: فإنه تُجزئهم عن صلاة الظهر؛ للقياس، بيانه: كما أن الجمعة تسقط عن المريض، ولكن لو حضرها: لأجزأته عن صلاة الظهر، فكذلك هؤلاء الأربعة تسقط عنهم الجمعة، لكن لو حضروها: لأجزأتهم عن الظهر، والجامع؛ أن كلًا منهم قد أُسقطت صلاة الجمعة عنهم؛ تخفيفًا ودفعًا للمشقة عنهم، فإذا حضروها أجزأتهم عن الظهر، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل: وجوب صلاة الجمعة على كل أحد، وقد أسقط الشارع الجمعة عن بعض الناس، لدفع المشقة، ولحماية المسلم، لكن إن حضرها: صحَّت منهم.
стр. 689
تنعقد به)؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وإنما صحَّت منه تبعًا (ولم يصح أن يؤم فيها)؛ لئلا يصير التابع متبوعًا (١٣) (ومن سقطت عنه لعذر) كمرض وخوف إذا حضرها: (وجبت عليه وانعقدت به) وجاز أن يؤم فيها؛ لأن سقوطها لمشقة السعي وقد زالت (١٤) (ومن صلى الظهر) وهو (ممن) يجب (عليه حضور الجمعة قبل
(١٣) مسألة: إذا حضر المسافر أو العبد الجمعة: فإنها تنعقد به، ويُكمِّل كل واحد منهما الأربعين شرط صحة الجمعة، وتصح إمامة كل واحد منهما فيها، أما إن حضرت المرأة أو الخنثى الجمعة فلا تنعقد بهما الجمعة، فلا يُكملان العدد المشترط لها -وهو: أربعون- ولا تصح إمامتهما لها مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حضور المسافر أو العبد: وجوبها عليه، ويلزم من وجوبها عليه: صحتها منه، ويلزم من صحتها: انعقادها به وصحة إمامته فيها، ويلزم من كون المرأة عورة تثير الفتنة، واحتمال الخنثى أنثى: عدم انعقاد الجمعة بهما، وعدم صحة إمامتهما لها، فإن قلتَ: لا تنعقد الجمعة بالأربعة جميعًا، ولا تصح إمامتهم -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم: حيث يلزم من كونهم ليسوا من أهلها: عدم انعقادها بهم، وعدم صحة إمامتهم لها؛ لأنه سيكون التابع متبوعًا وهذا خلاف الأصل، قلتُ: هذا لا يُسلَّم في المسافر والعبد؛ لأن الأصل: وجوبها عليهما ولكن خُفَّف عنهما: دفعًا للمشقة عن المسافر، وعن سيد العبد، لكن إذا حضرا صارا من أهل وجوبها ومن كان من أهل وجوبها: تنعقد به الجمعة وتصح إمامته كغيره، بخلاف المرأة والخنثى، فالمصلحة هي التي أخرجتهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(١٤) مسألة: إذا سقطت صلاة الجمعة عن شخص لعذر مرض أو خوف -أو غيرهما من الأعذار المسقطة لصلاة الجمعة كما سبق بيانها- ثم تحمَّل المشقة وحضرها: فإنها تجب عليه، وتنعقد به -أي: يُحسبُ من الأربعين- وتصح =
стр. 690
صلاة الإمام) أي: قبل أن تقام الجمعة أو مع الشكِّ فيه: (لم تصح) ظهره؛ لأنه صلى ما لم يُخاطب به، وترك ما خوطب به، (١٥) وإذا ظنَّ أنه يدرك الجمعة: سعى إليها؛ لأنها فرضه، وإلا: انتظر حتى يتيقَّن أنهم صلُّوا الجمعة فيُصلِّي الظهر الظهر (١٦) (وتصح) الظهر (ممن لا تجب عليه) الجمعة لمرض ونحوه، ولو زال عذره قبل تجميع الإمام (١٧)
إمامته فيها؛ للتلازم؛ وقد بيناه في مسألة (١٣) فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل: وجوبها على كل أحد، ولكن الشارع أسقطها عن المعذور؛ نظرًا لمشقة السعي إليها، فلزم من زوال هذا لعذر: وجوبها وصحة انعقادها وصحة الإمامة.
(١٥) مسألة: إذا كان مَنْ تلزمه الجمعة قد صلى الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، أو صلى وهو شاك هل صلى الإمام أو لا؟: فإن صلاته الظهر لا تصح؛ للقياس، بيانه: كما أن من صلى العصر مكان الظهر لا تصح صلاته فكذلك هذا مثله والجامع: إن كلًا منهما قد صلى صلاة لم يُخاطب بها، وترك صلاة قد خوطب بها، فيكون غير معذور بتركها، وهذا هو المقصد منه.
(١٦) مسألة: إذا غلب على ظن مَنْ تلزمه الجمعة: أنه سيدرك الجمعة إذا سعى إليها: فيجب عليه ذلك، وإن شك في ذلك، أو غلب على ظنه أنه سيجد مشقة في ذلك فإنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من صلاته للجمعة: ثم يصلي الظهر وتصح منه؛ للتلازم؛ حيث إن فرض من تلزمه الجمعة السعي إليها إن غلب على ظنه، إدراكها، ويلزم من شكه في ذلك: عدم المشقة على نفسه في ذلك والصلاة ظهرًا؛ حماية له.
(١٧) مسألة: إذا سقطت الجمعة عن شخص لعذر مرض أو خوف ونحوهما، ثم صلَّى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة فصلاته الظهر صحيحة: سواء زال عذره، قبل صلاة الإمام الجمعة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن البعيد من موضع الجمعة إذا =
стр. 691
إلا الصبي إذا بلغ (١٨) (والأفضل) تأخير الظهر (حتى يصلي الإمام) الجمعة، (١٩) وحضورها لمن اختلف في وجوبها عليه كعبد أفضل، (٢٠) ونُدب تصدُّق بدينار أو
صلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة: تصح صلاته وإن وصل البلد قبل صلاة الإمام للجمعة، فكذلك الأمر هنا والجامع: أن كلًا منهما لم يُخاطب بالجمعة، وفعل ماله فعله، وهو تيسير من الشارع، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(١٨) مسألة: إذا صلى الصبي الظهر، ثم بلغ قبل أن يصلي الإمام الجمعة: فتجب عليه صلاة الجمعة مع الإمام، أما إن بلغ بعد صلاة الإمام للجمعة: فتكفيه صلاته الظهر، ولا يُعيدها؛ للتلازم؛ حيث إن بلوغه قبل صلاة الإمام للجمعة: يلزم منه وجوبها عليه سواء صلى الظهر أو لم يصل، ويلزم من بلوغه بعد صلاة الإمام الجمعة: الاكتفاء بصلاة الظهر؛ لأنه فعل ماله فعله شرعًا.
(١٩) مسألة: الأفضل لمن لا تلزمه الجمعة لعذر مرض أو رق ونحوهما: أن يُصلِّي الظهر بعد ما يفرغ الإمام من صلاة الجمعة؛ للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل زوال ذلك العذر، فيصلي الجمعة مع الإمام فيشارك الناس صلاتهم.
(٢٠) مسألة: الأفضل لمن لا تلزمه الجمعة لعذر: أن يحضرها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حضور اجتماع المسلمين، وتكثيرهم، وتحصيل أجر السعي إليها، [فرع]: العلماء اختلفوا في وجوب الجمعة على العبد، فذهب كثير من العلماء إلى وجوبها عليه وهو رواية عن أحمد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ وهذا عام؛ لأن "واو الجماعة" من صيغ العموم فيشمل العبد وغيره قلتُ: إن هذا العموم مخصَّص بالسنة القولية وهي قوله ﵇ "الجمعة حق على كل مسلم: إلا عبد مملوك" فنفى الوجوب عن العبد هنا؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وهو من صيغ التخصيص المتصلة، فيكون محبوسًا على سيِّده أشبه المحبوس بالدَّين الذي تسقط الزكاة لأجله فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض =
стр. 692
نصفه لتاركها بلا عذر (٢١) (ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال) حتى يصلي (٢٢) إن لم يخف فوات رفقته، (٢٣) وقبل الزوال: يكره إن لم يأت بها في طريقه (٢٤) فصل: (يُشترط لصحتها) أي: صحة الجمعة أربعة (شروط ليس
الكتاب مع السنة"، فعندنا: أن عموم الآية قد خُصِّص بالسنة، وعندهم: لا.
(٢١) مسألة: إذا ترك مَنْ تلزمه الجمعة صلاة الجمعة بلا عذر: فإنه يستغفر الله تعالى للاستصحاب: حيث لم يرد فيه شيء، فنعمل على الأصل، فإن قلتَ: يُستحب أن يتصدَّق بدينار أو نصفه وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من ترك الجمعة من غير عذر فيتصدَّق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار" قلتُ: هذا الحديث ضعيف عند كثير من أئمة الحديث فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة مع الاستصحاب" فنعمل بالاستصحاب؛ إذ لا يوجد ما يغيِّر الأصل، لكون الحديث الوارد فيه ضعيفًا، وعندهم: يعمل بالسنة لثبوتها عندهم.
(٢٢) مسألة: يحرم على من لزمته الجمعة السفر بعد زوال شمس يومها، أي: بعد أذان الجمعة الثاني، فإذا صلى مع الإمام يسافر؛ للقياس؛ بيانه: كما يحرم البيع والتجارة بعد النداء الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فكذلك يحرم السفر بعد النداء الثاني، والجامع: منع الاشتغال عن الصلاة بشيء، لأنها مظهر من مظاهر المسلمين، فينبغي أن يُشاركهم، وهذا هو المقصد منه.
(٢٣) مسألة: إذا خاف من تلزمه الجمعة من فوات رفقته في السفر: فإنه يسافر معهم مطلقًا: سواء بعد الزوال أو قبله؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفاظ للمسلم عن السفر وحده فيتعرض للخطر، وهذه المصلحة قد خصَّصت عموم الآية السابقة في مسألة (٢٢)، والتي وقع القياس عليها.
(٢٤) مسألة: يكره أن يسافر من تلزمه الجمعة في يومها قبل زوال الشمس إذا لم يغلب على ظنه أنه سيُصلِّيها في طريقه، أما إن غلب على ظنه ذلك: فإنه لا =
стр. 693
منها إذن الإمام)؛ لأن "عليًا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوَّبه عثمان" رواه البخاري بمعناه (٢٥) (أحدها) أي: أحد الشروط: (الوقت)؛ لأنها صلاة مفروضة فاشترط لها الوقت كبقية الصلوات، فلا تصح قبل الوقت ولا بعده إجماعًا، قاله في "المبدع" (وأوله أول وقت صلاة العيد)؛ لقول عبد الله بن سيدان: "شهدتُ الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيتُ أحدًا عاب ذلك ولا أنكره" رواه الدارقطني وأحمد، واحتج به قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال ولم يُنكر (وآخرها: آخر وقت صلاة الظهر) بلا خلاف، قاله في "المبدع"، وفعلها بعد الزوال أفضل (٢٦) (فإن
يكُره: للمصلحة؛ حيث إن سفره يتسبَّب في حرمانه من الاجتماع مع الناس، والمشاركة معهم في إظهار الإسلام.
(٢٥) مسألة: لا يُشترط لصحة انعقاد الجمعة: أن يأذن الإمام الأعظم أو نائبه، فلو صلى الناس بدون إذنه: لصحت صلاتهم جمعة؛ للإجماع السكوتي؛ حيث إن عليًا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم يُنكر عليه أحد، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن طلب الإذن في ذلك فيه حرج وضيق ومشقة على الناس، فدفعًا لذلك: شرع.
(٢٦) مسألة: في الأول -من شروط صحة انعقاد الجمعة- وهو: أن تُصلى في وقتها، وهو: وقت صلاة الظهر الذي يبدأ من بعد زوال الشمس بقليل، أي: قبل أذان الظهر بربع ساعة، وينتهي بكون ظل الشيء مثله -كما سبق في وقت صلاة الظهر في مسألة (٦) من باب "شروط الصلاة" ويُستحب تعجيلها كصلاة الظهر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال أنس =
стр. 694
خرج وقتها قبل التحريمة) أي: قبل أن يُكبِّروا للإحرام بالجمعة: (صلوا ظهرًا) قال في "الشرح": "لا نعلم فيه خلافًا" (وإلا) بأن أحرموا بها في الوقت فـ (جمعة) كسائر الصلوات تُدرك بتكبيرة الإحرام في الوقت، ولا تسقط بشك في خروج
﵁: "كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس" وقال سلمة بن الأكوع ﵁ "كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس" ولفظ "كان" من صيغ العموم، فتفيد الاستمرار والدوام الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن آخر وقت الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر، فإن قلتَ: لمَ كان وقت الجمعة هو وقت الظهر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن وقت الظهر معروف عند أكثر المسلمين ابتداءً وانتهاءً فيكون ذلك أيسر لمعرفة وقت صلاة الجمعة وأحصر لهم وأكثر دقة في تنظيم يوم الجمعة وتعجيلها أفضل لتحصيل فضل الصلاة في أول وقتها، فإن قلتَ: إن أول وقت للجمعة هو: أول وقت صلاة العيد وهو: بعد ارتفاع الشمس قدر رمح -وهو: بعد طلوع الشمس بربع ساعة- لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر وعثمان ﵁ صلوها قبل الزوال وبعده -كما رواه عبد الله بن سيدان-، وقد روي ذلك عن أبن مسعود وجابر وسعد ومعاوية ﵁ قلتُ: حديث ابن سيدان هذا ضعيف؛ حيث إن ابن سيدان هذا لا يُتابع على حديثه كما قال البخاري، وضعفه النووي في "المجموع"، وعلى فرض صحته: فإنه لا يُحتج به؛ لأنه قد خالف السنة الفعلية كما سبق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع السنة الفعلية"، فعندنا: يُعمل بالسنة الفعلية فقط دون تخصيصها بشيء؛ لأن فعل الصحابي هنا ضعيف، وعندهم: يعمل بفعل الصحابي.
стр. 695
الوقت، فإن بقي من الوقت قدر الخطبة والتحريمة: لزمهم فعلها، وإلا: لم تجز، (٢٧) الشرط (الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها) -وتقدم بيانهم- الخطبة والصلاة، قال أحمد: "بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جُمعت بالمدينة" وقال جابر: "مضت السنة: أن في كل أربعين فما فوق جمعة وإضحى وفطر" رواه الدارقطني، وفيه ضعف قاله في "المبدع"، (٢٨) الشرط (الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين) بها
(٢٧) مسألة: إذا غلب على ظنهم أن الباقي من الوقت يكفي للخطبتين، وقدر تكبيرة الإحرام للصلاة أو شكوا في بقاء ذلك: فإنهم يصلون جمعة، أما إن غلب على ظنهم أن الوقت لا يكفي للخطبتين: فإنهم يصلون ظهرًا؛ لقواعد: الأولى: القياس، بيانه: كما أن سائر الصلوات تدرك بتكبيرة الإحرام فكذلك الجمعة تدرك بالخطبتين وتكبيرة الإحرام، والجامع: أن كلًا منهما شرط لصحة الصلاة وركن من أركانها، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء وقت صلاة الجمعة، فلا يزول هذا الأصل بالشك فتصلى جمعة، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من غلبة الظن في شيء العمل عليه؛ لأن العمل بالغالب واجب كالعمل بالمقطوع به.
(٢٨) مسألة: في الثاني -من شروط صحة انعقاد الجمعة- وهو: أن يحضر الخطبة وصلاة الجمعة أربعون ممن تلزمهم الجمعة -وهم من توفرت فيهم الشروط السبعة التي في مسألة (٧) -؛ للسنة التقريرية؛ وهي من وجوه: أولها: أنه ﷺ كان يخطب يوم الجمعة، فلما جاءت تجارة خرج بعض الحاضرين معه من المسجد، وبقي معه أربعون رجلًا وأكمل خطبته، ثانيها: أن أسعد بن زرارة قد صلى بالناس الجمعة بالمدينة قبل مقدم النبي ﷺ إليها وكان عددهم أربعين، ثالثها: أن مصعب بن عمير قد صلي بالناس الجمعة بالمدينة، وكان عددهم =
стр. 696
مبنية بما جرت العادة، فلا تتم من مكانين متقاربين، ولا تصح من أهل الخيام، وبيوت الشعر ونحوهم؛ لأن ذلك لم يُقصد للاستيطان غالبًا، وكانت قبائل العرب حوله ﷺ ولم يأمرهم بها، (٢٩) وتصح بقرية خراب عزموا على
أربعين، فلو لم يكن هذا العدد مشترطًا لما أقرهم عليه، فيلزم اشتراطه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ويبعد عدم علم النبي ﷺ بذلك؛ لكونه من العبادات، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا العدد يحصل فيه الغرض الذي من أجله شرعت الجمعة وهي: حضور الاجتماع، وإظهار الإسلام، فإن قلتَ: إن العدد المشترط: هو اثنا عشر رجلًا من أهل وجوبها؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن عدد الذين بقوا معه ﷺ في المسجد -لما جاءت العير والتجارة- اثنا عشر رجلًا، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، قلتُ: إنه صح عند البيهقي والدارقطني أن الباقين: أربعون، وعلى فرض أن الباقين إثنا عشر: فإنه يُحتمل أن الذين خرجوا قد عادوا، ويُحتمل أنه دخل غيرهم، فحضروا أركان الخطبة والصلاة، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل: بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين التقريريتين" وأيضًا "الخلاف في عدد الباقين بعد خروج من خرج لما رأوا التجارة من مسجده ﷺ " فعندنا: أربعون، تنبيه: حديث جابر الذي ذكره المصنف ضعيف لا يُحتج بمثله كما قال البيهقي.
(٢٩) مسألة: في الثالث -من شروط صحة انعقاد الجمعة- وهو: أن يكون من تلزمهم الجمعة قد أقاموا واستوطنوا بلدًا لا يرحلون منه صيفًا ولا شتاء، وهو الذي يُبنى من طين أو حجر أو إسمنت أو سعف، ونحو ذلك مما جرت العادة الاستيطان بمثله، وبناء عليه: فلو اجتمع أربعون من بلدين متقاربين، أو من أهل خيام وبيوت شعر: فلا جمعة عليهم؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه كان =
стр. 697
إصلاحها والإقامة بها (٣٠) (وتصح) إقامتها (فيما قارب البنيان من الصحراء)؛ لأن "أسعد بن زرارة أول من جمع في حرة بني بياضة" أخرجه أبو داود والدارقطني، قال البيهقي: "حسن الإسناد صحيح" قال الخطابي: "حرة بني بياضة على ميل من المدينة"، (٣١) وإذا رأى الإمام وحده العدد فنقص: لم يجز أن يؤمهم، ولزمه استخلاف أحدهم، وبالعكس لا تلزم واحدًا منهم (٣٢) (فإن نقصوا) عن الأربعين
يوجد حول المدينة أقوام يسكنون بيوت شعر، وكانوا لا يحضرون صلاة الجمعة معه ﷺ ولم يُنكر عليهم ذلك، مما يدل على سقوطها عنهم؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو أيضًا لم يأمرهم بها، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المستوطن ببلد واحد لا يشقُّ عليه السعي إلى الجمعة، بخلاف من لم يقصد الاستيطان: فيشِقُّ ذلك؛ فدفعًا لذلك شرع هذا.
(٣٠) مسألة: إذا عزم أربعون رجلًا ممن تلزمهم الجمعة أن يُقيموا بقرية متهدِّمة بعد إصلاحها: فإن صلاة الجمعة تصح منهم فيها؛ للتلازم؛ حيث إن عزمهم الإقامة بتلك القرية التي قاموا بإصلاحها: يلزم منه الاستيطان بها، وتصح الجمعة من المستوطنين.
(٣١) مسألة: لا تُشترط إقامة صلاة الجمعة داخل بنيان البلد، بل تصح في الصحراء القريبة من البنيان؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أسعد بن زرارة أقام الجمعة في مكان يبعد عن المدينة المنورة بميل تقريبًا في زمن النبي ﷺ وهو يُقدَّر (٥، ١ كم تقريبًا)، فإن قلتَ: لمَ صحَّت هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل على المسلمين.
(٣٢) مسألة: إذا كان مذهب الإمام: أن حضور أربعين شرط لصحتها -فلما رأى المأمومين وجدهم لا يبلغون الأربعين: فلا يجوز له أن يؤمهم، بل يُنيب عنه منهم من يؤمهم إذا كان هذا النائب لا يشترط حضور الأربعين، ويصلي =
стр. 698
(قبل إتمامها): لم يُتموها جمعة؛ لفقد شرطها (واستأنفوا ظهرًا) (٣٣) إن لم تمكن إعادتها جمعة، (٣٤) وإن بقي معه العدد بعد انفضاض بعضهم، ولو ممن لم يسمع الخطبة ولحقوا بهم قبل نقصهم: أتموا جمعة (٣٥) (ومن) أحرم في الوقت و (أدرك مع الإمام منها) أي من الجمعة (ركعة: أتَّمها جمعة)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" رواه الأثرم (وإن أدرك أقل من ذلك) بأن رفع الإمام رأسه من الثانية، ثم دخل معه: (أتمها ظهرًا)؛ لمفهوم ما سبق (إذا كان نوى الظهر) ودخل وقته: لحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، وإلا: أتمها
الإمام صلاة الظهر، وكذلك إذا رأى واحد من المأمومين هذا الشرط: لا يصلي جمعة معهم، بل يصلي ظهرًا وإن كان منفردًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم توفر شرط حضور الأربعين: عدم صحة الجمعة ممن يرى هذا الشرط.
(٣٣) مسألة: إذا حضر الأربعون رجلًا، ثم شرع الإمام في الخطبة أو الصلاة، ثم خرج واحدًا أو أكثر قبل تمام الخطبة، أو الصلاة: فإنها تبطل، فيقطعها الإمام إن علم ذلك، ويستأنف ويصلي ظهرًا بمن بقي؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نقصان العدد المشترط: عدم صحتها جمعة.
(٣٤) مسألة: إن خرج بعض الأربعين، ثم بقي وقت الجمعة يُمكن فيه إعادتها بعد استكمال شروط صحة انعقادها: فإنه تجب إعادتها جمعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بقاء وقتها، واستكمال شروط صحة انعقادها، وجوب أدائها فيه؛ لكونها فرضه.
(٣٥) مسألة: إن خرج بعض الأربعين، ثم عادوا، أو دخل المسجد غيرهم، ولحقوا قبل خروج الأولين ونقصهم بهذا الخروج: فإن الإمام يُتم بهم الجمعة، ولو كان هؤلاء اللاحقون لم يسمعوا الخطبة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الأربعين: صحة الجمعة؛ نظرًا لتوفر شرطها.
стр. 699
نفلًا، (٣٦) ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود: لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله، فإن لم يُمكنه: فإذا زال الزحام، (٣٧) وإن أحرم، ثم زحم وأخرج
(٣٦) مسألة: إذا دخل شخص الجامع وكبَّر تكبيرة الإحرام قبل أن يرفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية من صلاة الجمعة: فإنه يكون مُدركًا لصلاة الجمعة، وإن لم يسمع الخطبة، وعليه أن يأتي بركعة ثانية فقط بعد سلام الإمام، أما إن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية قبل أن يدركه ذلك الداخل: فإنه يدخل معه ويُتمها ظهرًا أربع ركعات إذا نوى الظهر قبل الدخول مع الإمام إذا كان الوقت وقت الظهر -إذا صلى الإمام الجمعة قبل الزوال- فإن لم يدخل وقت صلاة الظهر: أتمها نافلة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" ومن أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يرفع الإمام من الركوع فقد أدرك الركعة والجمعة، هذا منطوقه، ودل مفهوم الشرط على أن من أدرك أقل من ركعة: فإنه لا يُدرك الجمعة، ويلزم منه أن يصلي ظهرًا؛ لكونه هو الواجب عليه بعد فوات الجمعة، ثانيهما: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" حيث دلَّ على عدم صحة عمل إلا بنية، فيلزم هذا الداخل الذي لم يُدرك الركعة الثانية: أن ينوي أنه سيُصلِّي ظهرًا، وإن لم ينو ذلك لا تصح صلاته؛ لأن النية شرط لصحة العمل، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم دخول وقت صلاة الظهر: أن تكون الصلاة التي صلاها مع الإمام -ولم يدرك بها الركعة الثانية- نافلة؛ لعدم موافقتها لوقت صلاة الظهر.
(٣٧) مسألة: إذا لم يستطع المأموم في صلاة الجمعة السجود على الأرض بسبب زحام شديد: فيجب عليه السجود ولو على ظهر مسلم، أو رجله، فإن لم يستطع: صبر حتى يزول الزحام، ثم يسجد على الأرض، ثم يلحق بإمامه إن استطاع ذلك قبل فوات السجدة الثانية، وإن لم يستطع حاول أقصى جهده =
стр. 700
عن الصف فصلى فدًّا: لم تصح، وإن أخرج في الثانية: نوى مفارقته وأتمَّها جمعة، (٣٨) الشرط الرابع: تقدُّم خطبتين وأشار إليه بقوله: (ويُشترط تقدُّم خطبتين)؛
متابعة إمامه ويتمها جمعة، فإن لم يُتابعه -وهو قادر عالم-: بطلت جمعته، ويصليها بعد ذلك ظهرًا، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، وهذا الشخص قد فعل أقصى ما يستطيعه للحوق بالإمام، فيشمله ذلك، ويجب عليه؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وما لا يستطيعه يسقط عنه؛ لأن الشرط والركن والواجب تسقط بالعجز عنها، ولذلك تبطل صلاته إذا ترك عمدًا شيئًا يستطيعه، وهذا من لطف الله تعالى على عباده، وهو المقصد الشرعي منه.
(٣٨) مسألة: إذا اضطر المأموم في صلاة الجمعة للخروج من الصف؛ لوجود زحام: فإنه يُتابع إمامه ويُتمها معه جمعة ولو كان منفردًا: سواء كان في الركعة الأولى أو الثانية، أما إن لم يتمكَّن من متابعة إمامه في ركوع ولا سجود: فصلاته لا تصح مطلقًا: سواء في الركعة الأولى أو الثانية؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا لم يستطيع إلا أن يصلي منفردًا خلف الصف؛ لوجود الزحام، فتصح صلاته؛ لعذره، ثانيهما: قوله ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" وعدم القدرة على متابعة المأموم للإمام تستلزم الاختلاف عليه، وهو منهي عنه نهيًا مطلقًا، والنهي المطلق يقتضي الفساد، وهو فساد العمل، وعليه فلا تصح صلاته؛ لعدم المتابعة، فإن قلتَ: إن وقف خلف الصف منفردًا في الركعة الأولى: لم تصح صلاته الجمعة، وإن وقف خلف الصف منفردًا في الركعة الثانية: فإنه تصح بشرط: أن ينوي مفارقة إمامه لعذر الزحام: قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا التفريق بهذا الاعتبار، بل التفريق يكون من حيث المتابعة وعدمها.
стр. 701
لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والذكر هو: الخطبة، ولقول ابن عمر ﵃ "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس" متفق عليه (٣٩) وهما بدل ركعتين لا من الظهر (٤٠) (ومن شرط صحتهما: حمد الله) بلفظ: "الحمد لله"؛ لقوله
(٣٩) مسألة: في الرابع -من شروط صحة انعقاد الجمعة-: أن يتقدَّم صلاة الجمعة خطبتان، فإن لم يتقدَّمها شيء، أو تقدمها خطبة واحدة، أو تأخرتا عن الصلاة: فلا تصح صلاة الجمعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ و"الذكر" هو: الخطبة والصلاة -كما نقله القرطبي في تفسيره عن سعيد بن جبير- الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يواظب على تقديم خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس، ثم يصلي الجمعة"، الثالثة: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يخطبون بخطبتين ويقدِّمونهما على صلاة الجمعة، ولم ينكر ذلك بقية الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من أهم المقاصد الشرعية لصلاة الجمعة هو: الاجتماع لسماع المواعظ وتذكير الناس بالأوامر والنواهي، وهذا لا يحصل إلا بخطبة، ولولا ذلك: لما استفاد الناس من التجمُّع لها، ولكانت كغيرها من الصلوات.
(٤٠) مسألة: شرعت خطبتا الجمعة بدلًا عن ركعتين، وليستا بدلًا عن ركعتين من الظهر؛ للمصلحة؛ حيث إن صلاة الجمعة لو كانت أربع ركعات مع تقديم خطبتين: للحق بعض المسلمين مشقة وضيق بسبب طول البقاء في المسجد، وهو على طهارة وحالة واحدة من التحفُّز والاستعداد لأي طارئ، وهو منقطع عن أهله وماله، فدفعًا لذلك: نُقصِّت ركعتان منها؛ تخفيفًا تنبيه: قد سبق بيان أن صلاة الجمعة صلاة مُستقلَّة، وليست بدلًا عن صلاة الظهر وذلك في مسألة (٢) تنبيه آخر: شروط صحة انعقاد الجمعة أربعة فقط "دخول =
стр. 702
ﷺ : "كل كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله: فهو أجذم" رواه أبو داود عن أبي هريرة (٤١) (والصلاة على رسوله) محمد ( ﷺ )؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى: افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان، ويتعيَّن لفظ "الصلاة" (٤٢) (وقراءة آية) كاملة؛ لقول جابر بن سمرة: "كان رسول الله ﷺ يقرأ آية ويُذكِّر الناس" رواه مسلم، قال أحمد: "يقرأ ما شاء" وقال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تستقل بمعنى أو حكم كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: لم يكف، والمذهب: لا بدَّ من قراءة آية ولو جُنبًا مع
وقتها" "وحضور أربعين" و"الاستيطان" و"تقدم خطبتين عليها" كما سبق بيانها في مسائل (٢٦ و ٢٨ و ٢٩ و ٣٩).
(٤١) مسألة: في الأول -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يحمد الله تعالى في كل خطبة وإن تلفَّظ بذلك قائلًا: "الحمد لله" فهو أفضل؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يواظب على حمد الله والثناء عليه في خطبه، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقديم الحمدلة على أي كلامٍ يجعل ذلك الكلام مباركًا مستفادًا منه تنبيه: الحديث الذي ذكره المصنف هنا لا يصح الاستدلال به؛ لأنه ضعيف في سنده ومتنه كما قال كثير من أئمة الحديث، نقله عنهم الألباني في الإرواء (١/ ١٩، ٢١، ٣٠).
(٤٢) مسألة: في الثاني -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يُصلِّي على نبينا محمد ﷺ في كل خطبة وإن تلفظ في ذلك فهو أفضل؛ للقياس، بيانه: كما وجب ذكر الرسول مع ذكر الله في الأذان فكذلك يجب ذكر الرسول مع ذكر الله في خطبتي الجمعة والجامع: أن كلًا منهما عبادة وذكر افتقرت إلى ذكر الله فافتقرت إلى ذكر رسوله ومعنى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي: لا أُذكر إلا ذُكرتَ معي، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه ﷺ يستحق الدُّعاء له، وتأكيد الإيمان به، والتصديق بما جاء به.
стр. 703
تحريمها، (٤٣) فلو قرأ ما تضمَّن "الحمد" و"الموعظة" ثم الصلاة على النبي ﷺ : أجزأه (٤٤) (والوصية بتقوى الله ؛ لأنه المقصود، (٤٥) قال في "المبدع": ويبدأ
(٤٣) مسألة: في الثالث -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يقرأ آية كاملة، أو سورة تفيد المسلمين بحكم شرعي معيَّن، وذلك في كل خطبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على قراءة آية، ويقرأ أحيانًا بسورة "ق"، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بركة لقارئ الآية ولسامعها، وللاستشهاد بها على ما يقوله من أوامر ونواهي، تنبيه: قوله: "ولو جُنبًا" يشير به إلى أن الخطيب يقرأ آية ولو كان عليه حدث أكبر وسيأتي بيانه في مسألة (٥٦).
(٤٤) مسألة: لا يُشترط -في الخطبتين-: أن يتلفَّظ بالحمد لله، والموعظة، فلو عبَّر بعبارات تضمَّنت هذه الأمور، وتفهم الآخرين معناها: لأجزأ ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قرأ النبي سورة "ق" في الخطبة، الثانية: الإجماع؛ حيث إن عمر ﵁ قرأ سورة "الحج" على المنبر، ولم يخطب بغيرها، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا من الصحابة، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اشتراط التعبير بألفاظ معينة يشق على كثير من الخطباء.
(٤٥) مسألة: في الرابع -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يوصي الخطيب الحاضرين بتقوى الله بأي عبارة شاء، لكن لو تلفَّظ بقوله: "أوصيكم بتقوى الله": لكان أفضل، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يواظب على وصية الناس بذلك في خطبه، الثانية: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يفعلون ذلك بدون نكير من أحد، فإن قلتَ: لمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقوى الله إذا اتصف بها المسلم: ضمن خيري الدنيا =
стр. 704
بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم بالموعظة، ثم القراءة في ظاهر كلام جماعة، ولا بدَّ في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان (٤٦) (و) يُشترط (حضور العدد المشترط) لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة فاشتُرط له العدد كتكبيرة الإحرام، (٤٧) فإن نقصوا، وعادوا قبل فوت ركن منها:
والآخرة؛ لأنه لا يوصف بالتقوى إلا إذا كان ممتثلًا لأوامر الله، وتاركًا لنواهيه وهو المقصود من الخطبة، والأفضل التعبير بنفس عبارة "تقوى الله"؛ لأنها أوقع في النفوس.
(٤٦) مسألة: تُشترط تلك الشروط الأربعة السابقة في كل واحدة من الخطبتين -الأولى والثانية- ويُستحب أن يُرتبها هكذا: الحمدلة، ثم الصلاة على النبي، ثم الوصية بتقوى الله، ثم قراءة الآية؛ للتلازم؛ حيث إنَّ لكل شيء أركانًا يقوم عليها لا يتم إلا بها، وكل خطبة لا تتم إلا بتلك الأمور الأربعة فلزمت، ولا تتم الاستفادة منها استفادة كاملة إلا بترتيبها كما قلنا؛ فلزم ذلك؛ لأن ذلك فيه إقناع الآخرين بصورة أسرع.
(٤٧) مسألة: في الخامس -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يحضر كل واحدة من الخطبتين العدد المشترط لحضور الجمعة -وهم: أربعون ممن تلزمهم الجمعة- كما سبق في مسألتي (٧ و ٢٨) -وذلك لسماع الحمدلة، والصلاة على النبي، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله، فلو حضر أقلُّ من ذلك، ثم لما أُقيمت الصلاة: تم العدد أربعين: فإن صلاتهم الجمعة لا تصح، بل يُصلُّونها ظهرًا؛ للقياس، بيانه: كما أن تكبيرة الإحرام تُشترط للدخول في الصلاة، فلا تصح إلا بها، فكذلك حضور الأربعين يُشترط لكل واحدة من الخطبتين والجامع: أن كلًا منهما ذكر اشترط لشيء فلا يتم هذا الشيء إلا به، فإن قلتَ: لا يشترط هذا، بل يخطب وإن لم يحضر العدد المشترط، وهذا رواية عن أبي =
стр. 705
بنوا، (٤٨) وإن كثر التفريق أو فات منها ركن، أو أحدث فتطهر: استأنف مع سعة الوقت، (٤٩) ويُشترط لهما أيضًا
حنيفة؛ للقياس، بيانه: كما أن المؤذن يؤذن ولو لم يكمل عدد الجماعة، فكذلك الخطيب مثله والجامع: أن كلًا منهما ذكر يتقدَّم الصلاة، فلا يُشترط له كمال العدد قلتُ: هذا قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المقصود من الأذان: إعلام الغائبين بأن وقت الصلاة قد دخل، أما الخطبة فهي وعظ وإرشاد الحاضرين، فلا بدَّ من حضورهم لأجل ذلك، وهو المقصد من مشروعية الجمعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بالتحريمة لكونه أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوه بالأذان؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس "الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(٤٨) مسألة: إذا اجتمع أربعون -من أهل وجوبها- فاستمعوا لأول الخطبة، ثم خرج بعض منهم، ثم عاد هؤلاء الخارجون قبل أن يفوت عليهم ركن وشرط من الأربعة السابقة -وهي الحمدلة، والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية-: فإنهم يبنون على ما سبق من استماعهم وتصح الخطبة؛ للتلازم؛ حيث إنهم أدركوا شروط الخطبة وأركانها: فتلزم صحتها.
(٤٩) مسألة: إذا كثر التفريق بين أجزاء وجُمل الخطبة، أو لم يذكر الخطيب شرطًا أو ركنًا من أركان الخطبة الأربعة -وهي: الحمدلة، والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية-، أو أحدث الخطيب فذهب وتطهر ثم رجع: فإن الخطبة قد بطلت، وتجب إعادتها بشرط: أن يكون الوقت واسعًا: يسع إعادة الخطبتين والصلاة أما إن ضاق الوقت: فإنه يصلي بهم ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كثرة التفريق بين جُمل الخطبة: عدم حصول المقصود من مشروعية الخطبة، وهو الاستفادة، وهذا يلزم منه =
следующие страницы →