Полный текст (3 194 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والذكر هو: الخطبة، ولقول ابن عمر ﵃ "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس" متفق عليه (٣٩) وهما بدل ركعتين لا من الظهر (٤٠) (ومن شرط صحتهما: حمد الله) بلفظ: "الحمد لله"؛ لقوله
(٣٩) مسألة: في الرابع -من شروط صحة انعقاد الجمعة-: أن يتقدَّم صلاة الجمعة خطبتان، فإن لم يتقدَّمها شيء، أو تقدمها خطبة واحدة، أو تأخرتا عن الصلاة: فلا تصح صلاة الجمعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ و"الذكر" هو: الخطبة والصلاة -كما نقله القرطبي في تفسيره عن سعيد بن جبير- الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يواظب على تقديم خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس، ثم يصلي الجمعة"، الثالثة: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يخطبون بخطبتين ويقدِّمونهما على صلاة الجمعة، ولم ينكر ذلك بقية الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من أهم المقاصد الشرعية لصلاة الجمعة هو: الاجتماع لسماع المواعظ وتذكير الناس بالأوامر والنواهي، وهذا لا يحصل إلا بخطبة، ولولا ذلك: لما استفاد الناس من التجمُّع لها، ولكانت كغيرها من الصلوات.
(٤٠) مسألة: شرعت خطبتا الجمعة بدلًا عن ركعتين، وليستا بدلًا عن ركعتين من الظهر؛ للمصلحة؛ حيث إن صلاة الجمعة لو كانت أربع ركعات مع تقديم خطبتين: للحق بعض المسلمين مشقة وضيق بسبب طول البقاء في المسجد، وهو على طهارة وحالة واحدة من التحفُّز والاستعداد لأي طارئ، وهو منقطع عن أهله وماله، فدفعًا لذلك: نُقصِّت ركعتان منها؛ تخفيفًا تنبيه: قد سبق بيان أن صلاة الجمعة صلاة مُستقلَّة، وليست بدلًا عن صلاة الظهر وذلك في مسألة (٢) تنبيه آخر: شروط صحة انعقاد الجمعة أربعة فقط "دخول =
стр. 702
ﷺ : "كل كلام لا يُبدأ فيه بالحمد لله: فهو أجذم" رواه أبو داود عن أبي هريرة (٤١) (والصلاة على رسوله) محمد ( ﷺ )؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى: افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان، ويتعيَّن لفظ "الصلاة" (٤٢) (وقراءة آية) كاملة؛ لقول جابر بن سمرة: "كان رسول الله ﷺ يقرأ آية ويُذكِّر الناس" رواه مسلم، قال أحمد: "يقرأ ما شاء" وقال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تستقل بمعنى أو حكم كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: لم يكف، والمذهب: لا بدَّ من قراءة آية ولو جُنبًا مع
وقتها" "وحضور أربعين" و"الاستيطان" و"تقدم خطبتين عليها" كما سبق بيانها في مسائل (٢٦ و ٢٨ و ٢٩ و ٣٩).
(٤١) مسألة: في الأول -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يحمد الله تعالى في كل خطبة وإن تلفَّظ بذلك قائلًا: "الحمد لله" فهو أفضل؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يواظب على حمد الله والثناء عليه في خطبه، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقديم الحمدلة على أي كلامٍ يجعل ذلك الكلام مباركًا مستفادًا منه تنبيه: الحديث الذي ذكره المصنف هنا لا يصح الاستدلال به؛ لأنه ضعيف في سنده ومتنه كما قال كثير من أئمة الحديث، نقله عنهم الألباني في الإرواء (١/ ١٩، ٢١، ٣٠).
(٤٢) مسألة: في الثاني -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يُصلِّي على نبينا محمد ﷺ في كل خطبة وإن تلفظ في ذلك فهو أفضل؛ للقياس، بيانه: كما وجب ذكر الرسول مع ذكر الله في الأذان فكذلك يجب ذكر الرسول مع ذكر الله في خطبتي الجمعة والجامع: أن كلًا منهما عبادة وذكر افتقرت إلى ذكر الله فافتقرت إلى ذكر رسوله ومعنى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي: لا أُذكر إلا ذُكرتَ معي، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه ﷺ يستحق الدُّعاء له، وتأكيد الإيمان به، والتصديق بما جاء به.
стр. 703
تحريمها، (٤٣) فلو قرأ ما تضمَّن "الحمد" و"الموعظة" ثم الصلاة على النبي ﷺ : أجزأه (٤٤) (والوصية بتقوى الله ؛ لأنه المقصود، (٤٥) قال في "المبدع": ويبدأ
(٤٣) مسألة: في الثالث -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يقرأ آية كاملة، أو سورة تفيد المسلمين بحكم شرعي معيَّن، وذلك في كل خطبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على قراءة آية، ويقرأ أحيانًا بسورة "ق"، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بركة لقارئ الآية ولسامعها، وللاستشهاد بها على ما يقوله من أوامر ونواهي، تنبيه: قوله: "ولو جُنبًا" يشير به إلى أن الخطيب يقرأ آية ولو كان عليه حدث أكبر وسيأتي بيانه في مسألة (٥٦).
(٤٤) مسألة: لا يُشترط -في الخطبتين-: أن يتلفَّظ بالحمد لله، والموعظة، فلو عبَّر بعبارات تضمَّنت هذه الأمور، وتفهم الآخرين معناها: لأجزأ ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قرأ النبي سورة "ق" في الخطبة، الثانية: الإجماع؛ حيث إن عمر ﵁ قرأ سورة "الحج" على المنبر، ولم يخطب بغيرها، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا من الصحابة، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اشتراط التعبير بألفاظ معينة يشق على كثير من الخطباء.
(٤٥) مسألة: في الرابع -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يوصي الخطيب الحاضرين بتقوى الله بأي عبارة شاء، لكن لو تلفَّظ بقوله: "أوصيكم بتقوى الله": لكان أفضل، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يواظب على وصية الناس بذلك في خطبه، الثانية: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يفعلون ذلك بدون نكير من أحد، فإن قلتَ: لمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقوى الله إذا اتصف بها المسلم: ضمن خيري الدنيا =
стр. 704
بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم بالموعظة، ثم القراءة في ظاهر كلام جماعة، ولا بدَّ في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان (٤٦) (و) يُشترط (حضور العدد المشترط) لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة فاشتُرط له العدد كتكبيرة الإحرام، (٤٧) فإن نقصوا، وعادوا قبل فوت ركن منها:
والآخرة؛ لأنه لا يوصف بالتقوى إلا إذا كان ممتثلًا لأوامر الله، وتاركًا لنواهيه وهو المقصود من الخطبة، والأفضل التعبير بنفس عبارة "تقوى الله"؛ لأنها أوقع في النفوس.
(٤٦) مسألة: تُشترط تلك الشروط الأربعة السابقة في كل واحدة من الخطبتين -الأولى والثانية- ويُستحب أن يُرتبها هكذا: الحمدلة، ثم الصلاة على النبي، ثم الوصية بتقوى الله، ثم قراءة الآية؛ للتلازم؛ حيث إنَّ لكل شيء أركانًا يقوم عليها لا يتم إلا بها، وكل خطبة لا تتم إلا بتلك الأمور الأربعة فلزمت، ولا تتم الاستفادة منها استفادة كاملة إلا بترتيبها كما قلنا؛ فلزم ذلك؛ لأن ذلك فيه إقناع الآخرين بصورة أسرع.
(٤٧) مسألة: في الخامس -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يحضر كل واحدة من الخطبتين العدد المشترط لحضور الجمعة -وهم: أربعون ممن تلزمهم الجمعة- كما سبق في مسألتي (٧ و ٢٨) -وذلك لسماع الحمدلة، والصلاة على النبي، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله، فلو حضر أقلُّ من ذلك، ثم لما أُقيمت الصلاة: تم العدد أربعين: فإن صلاتهم الجمعة لا تصح، بل يُصلُّونها ظهرًا؛ للقياس، بيانه: كما أن تكبيرة الإحرام تُشترط للدخول في الصلاة، فلا تصح إلا بها، فكذلك حضور الأربعين يُشترط لكل واحدة من الخطبتين والجامع: أن كلًا منهما ذكر اشترط لشيء فلا يتم هذا الشيء إلا به، فإن قلتَ: لا يشترط هذا، بل يخطب وإن لم يحضر العدد المشترط، وهذا رواية عن أبي =
стр. 705
بنوا، (٤٨) وإن كثر التفريق أو فات منها ركن، أو أحدث فتطهر: استأنف مع سعة الوقت، (٤٩) ويُشترط لهما أيضًا
حنيفة؛ للقياس، بيانه: كما أن المؤذن يؤذن ولو لم يكمل عدد الجماعة، فكذلك الخطيب مثله والجامع: أن كلًا منهما ذكر يتقدَّم الصلاة، فلا يُشترط له كمال العدد قلتُ: هذا قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المقصود من الأذان: إعلام الغائبين بأن وقت الصلاة قد دخل، أما الخطبة فهي وعظ وإرشاد الحاضرين، فلا بدَّ من حضورهم لأجل ذلك، وهو المقصد من مشروعية الجمعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بالتحريمة لكونه أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوه بالأذان؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس "الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(٤٨) مسألة: إذا اجتمع أربعون -من أهل وجوبها- فاستمعوا لأول الخطبة، ثم خرج بعض منهم، ثم عاد هؤلاء الخارجون قبل أن يفوت عليهم ركن وشرط من الأربعة السابقة -وهي الحمدلة، والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية-: فإنهم يبنون على ما سبق من استماعهم وتصح الخطبة؛ للتلازم؛ حيث إنهم أدركوا شروط الخطبة وأركانها: فتلزم صحتها.
(٤٩) مسألة: إذا كثر التفريق بين أجزاء وجُمل الخطبة، أو لم يذكر الخطيب شرطًا أو ركنًا من أركان الخطبة الأربعة -وهي: الحمدلة، والصلاة على النبي ﷺ ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية-، أو أحدث الخطيب فذهب وتطهر ثم رجع: فإن الخطبة قد بطلت، وتجب إعادتها بشرط: أن يكون الوقت واسعًا: يسع إعادة الخطبتين والصلاة أما إن ضاق الوقت: فإنه يصلي بهم ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كثرة التفريق بين جُمل الخطبة: عدم حصول المقصود من مشروعية الخطبة، وهو الاستفادة، وهذا يلزم منه =
стр. 706
الوقت، (٥٠) وأن يكون الخطيب يصلح إمامًا فيها، (٥١) والجهر بهما بحيث يُسمع العدد المعتبر، حيث لا مانع، (٥٢) والنية، (٥٣) والاستيطان للقدر
بطلان الخطبة، فلزم استئنافها.
(٥٠) مسألة في السادس -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: وقوع الخطبتين في وقت صلاة الجمعة -وهو وقت صلاة الظهر كما سبق في مسألة (٢٦) -، فلو وقعت الخطبتان أو إحداهما قبل أو بعد هذا الوقت: فلا يصح؛ للسنة الفعلية والإجماع؛ والمصلحة وقد سبق بيانها في مسألة (٢٦).
(٥١) مسألة: في السابع -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يكون الذي يخطب في الخطبتين صالحًا للإمامة في الصلاة -وهو: من توفرت فيه شروط مَنْ تلزمه الجمعة وهي السبعة التي ذكرت في مسألة (٧) -؛ للقياس، بيانه: كما أن تلك الشروط تُشترط فيمن يُصليها فكذلك تكون شروطًا فيمن يتولى الخطبة فيها من باب أولى، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه عدم التغيير على المأمومين؛ لئلا يضطربوا.
(٥٢) مسألة: في الثامن -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يجهر الخطيب بالخطبتين بحيث يُسمع العدد المشترط لحضورهما -وهم الأربعون رجلًا- ولو وُجد مانع عند الحاضرين من سماع تلك الخطبة من نوم، أو غفلة، أو طرش؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يداوم على رفع صوته في خطبه، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق الغرض الذي من أجله شرعت الجمعة.
(٥٣) مسألة: في التاسع -من شروط خطبتي الجمعة- وهو: أن ينوي أنه سيُلقي خطبتي الجمعة قبل الشروع فيهما، أما إن جمع شخص أناسًا ثم خطب بهم ووعظهم بدون نية ذلك، فلما حضرت الصلاة صلى بهم الجمعة ونوى بما =
стр. 707
الواجب منهما، (٥٤) والموالاة بينهما وبين الصلاة (٥٥) (ولا يشترط لهما الطهارة)
قاله سابقًا أنهما خطبتا الجمعة أو أن الحاضرين قد استمعوا لهما على أنهما ليستا خطبتا جمعة: فإن الجمعة لا تصح؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" والخطبتان عمل شرعي، فيجب أن يُنويا أنهما خطبتا الجمعة، وأن الخطيب والمأمومين يتعبَّدون الله بقولهما وسماعهما، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: لتمييز الخطبتين عن غيرهما من المواعظ.
(٥٤) مسألة: في العاشر -من شروط خطبتي الجمعة- وهو: أن يكون الخطيب مستوطنًا حال ذكره للقدر الواجب في كل خطبة، وذلك بأن يحمد الله، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ آية في كل خطبة، وهو في حالة الاستيطان، أما لو ذكر ذلك وهو غير مستوطن، أو ذكر بعضها وهو قائم على سفينة، ثم أكملها بعد وصول السفينة إلى بلده -مثلًا-: فإن خطبته لا تصح، ويجب أن يُعيدها إن اتسع الوقت، وإن لم يتسع: يصلي ظهرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الاستيطان: عدم صحة الخطبة، لفقدان شرط من شروط صحة انعقاد الجمعة -كما سبق في مسألة (٢٩) - ويلزم من عدم صحة الخطبة: عدم صحة الصلاة فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يجعل الحاضرين يستفيدون مما يُلقى ويقال في تلك الخطبة.
(٥٥) مسألة: في الحادي عشر -من شروط صحة خطبتي الجمعة- وهو: أن يوالي بين الخطبتين وبينهما وبين الصلاة بأن تكون الخطبة الثانية تلي الأولى مباشرةً، وتكون الصلاة تلي الخطبة الثانية مباشرةً، ولا يفصل بين ذلك إلا بجلوس خفيف جدًا بين الخطبتين أو بين الصلاة والخطبة الثانية، وهو: يُقدَّر بقدر الموالاة بين الصلاتين المجموعتين أو بقدر الوضوء، أو التيمُّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك دائمًا، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُحقِّق المقصود من مشروعية صلاة الجمعة؛ حيث إنها عبادة =
стр. 708
من الحَدَثين والنجس ولو خطب بمسجد؛ لأنهما ذكر تقدم الصلاة أشبه الأذان، وتحريم لبث الجنب بالمسجد لا تعلّق له بواجب العبادة، (٥٦) وكذلك لا يُشترط لهما
واحدة مكوَّنة من خطبتين وصلاة، فلا يجوز التفريق بين أجزائها؛ إذ لو فرق لما تحقق ذلك المقصود، تنبيه: شروط صحة خطبتي الجمعة أحد عشر شرطًا وقد سبقت في مسائل (٤١) إلى (٥٥).
(٥٦) مسألة: لا تُشترط الطهارة لصحة خطبتي الجمعة، فلو خطب وهو على غير طهارة، أو كان ثوبه أو بدنه أو بقعته التي يخطب عليها نجسًا: فإن خطبته تصح؛ سواء كان ذلك في مسجد أو لا، وسواء كان حدثه أصغر كبول، أو أكبر كجنابة، وكذلك المستمع للخطبتين لا تشترط طهارته؛ للقياس، بيانه: كما أن الأذان يصح بدون طهارة فكذلك الخطبة مثله والجامع: أن كلًا منهما ذكر تقدَّم الصلاة، والذكر لا تشترط له الطهارة، فإن قلتَ: لمَ لا تشترط الطهارة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين؛ حيث إن بعض الخطباء، أو المأمومين لا يستطيع الاستمرار طوال الخطبتين وهو على طهارته، فدفعًا للمشقة عليه: شرع هذا، فإن قلتَ: تشترط الطهارة عن الحدث الأكبر إذا كانت الخطبة في المسجد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم اللبث والجلوس في المسجد على الجنب: تحريم الخطبة في المسجد؛ لأنه لُبث فيه قلتُ: إن الخطبة عبادة واجبة هنا، ولا تعلُّق لتحريم اللبث في المسجد بتلك العبادة، فهو يؤجر على خطبتيه، ويأثم في هذا اللبث، فيكون كمن صلى وفي جيبه ريال مسروق، فيؤجر على صلاته، ويأثم على سرقته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياس مع التلازم" فعندنا: يعمل بالقياس على عمومه، وعندهم: تُخصَّص بعض الحالات بالتلازم.
стр. 709
ستر العورة (٥٧) (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة)، بل يُستحب ذلك؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة أشبها الصلاتين، ولا يشترط أيضًا حضور متولِّي الصلاة الخطبة، (٥٨) ويُبطلها كلام محرم ولو يسيرًا، (٥٩) ولا تجزئ بغير العربية مع
(٥٧) مسألة: لا تشترط لصحة خطبتي الجمعة: ستر العورة، فلو خطب شخص أو استمع لها وعورته مكشوفة، لكن لا يراها الحاضرون: فإن خطبته صحيحة والاستماع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط ستر العورة للصلاة فقط: عدم اشتراطه في غيرها، وخطبتا الجمعة ليستا بصلاة، فلا يشترط سترها، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الخطباء فقد لا يجد بعض الخطباء أو بعض المأمومين ما يستر به عورته؛ فلا يلزم بذلك، لكن يقف أمام جدار؛ لئلا يراه أحد.
(٥٨) مسألة: لا يُشترط أن يتولَّى الخطبتين مَنْ يتولَّى الصلاة بل يستحب، فلو خطب رجل، وصلى الجمعة آخر: فإن ذلك يصح، ولا يُشترط لمن يتولَّى الصلاة أن يسمع الخطبة، فيصح أن يكون إمامًا للصلاة وهو لم يستمع الخطبة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انفصال الخطبة عن الصلاة: صحة أن يتولاهما إثنان، وصحة الصلاة ممن لم يستمع للخطبة، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لإظهار وحدة الخطبة والصلاة بصوت واحد، ولانتفاع جميع الناس بالخطبة.
(٥٩) مسألة: تبطل الخطبتان بكلام محرم يوجده الخطيب بين كلمات الخطبة كالغيبة والنميمة والكذب والخيانة والتوصية بذلك، ولو كان هذا الكلام يسيرًا؛ للقياس بيانه كما أن الأذان يبطل بوجود كلام محرم بين كلماته فكذلك الخطبة مثله، والجامع أن كلًا منهما ذكر مأمور به يتنافى مع المنهي عنه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الكلام المحرم ينافي الكلام الذي شرع في الخطبة =
стр. 710
القدرة (٦٠) (ومن سُننهما) أي: الخطبتين: (أن يخطب على منبر)؛ لفعله ﷺ -وهو بكسر الميم- من "النَّبر" وهو الارتفاع، واتخاذه سنة مجمع عليها قاله في "شرح مسلم"، ويصعده على تؤده إلى الدرجة التي تلي السطح (أو) يخطب على (موضع عال) إن عُدم المنبر؛ لأنه في معناه (٦١) عن يمين مستقبل القبلة بالمحراب، وإن خطب بالأرض: فعن يسارهم (٦٢) (و) أن (يُسلَّم على المأمومين إذا أقبل عليهم)؛ لقول
من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنواعهما.
(٦٠) مسألة: تجب أن تُلقى الخطبة باللغة العربية، ولا تصح بغيرها مع القدرة عليها، أما إن عجز عن العربية، ولا يوجد غيره يصلح لذلك فإنها تصح بغيرها؛ للقياس، بيانه: كما أن قراءة الفاتحة لا تجزئ بغير العربية للقادر عليها، وينوب عنها غيرها عند عدم القدرة فكذلك الخطبة مثلها والجامع: أن كلًا منهما شرط لصحة الصلاة، ويسقط الشرط بالعجز عنه، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن اللغة العربية أفصح اللغات، وأقلها ألفاظًا وأكثرها معان، ونزل الشرع بها، فإن قلتَ: لمَ تجزئ بغير العربية عند العجز عنها؟ قلتُ: لأن المقصود هو الوعظ والإرشاد والنصيحة، وهذا يتحقَّق بغير العربية.
(٦١) مسألة: يُستحب أن يخطب في الجمعة على موضع مرتفع قليلًا عن الأرض: من منبر ونحوه ويصعده برفق وهدوء حتى يصل إلى مكان الاستراحة له؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ ستُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين المأمومين من رؤية الخطيب، وهذا يجعلهم يرون حركاته، وإشاراته، وهذا أبلغ في التأثير، تنبيه: قال النووي في شرح مسلم (٦/ ٢) عند شرحه للسنة الفعلية هنا: "وهو سنة مجمع عليها".
(٦٢) مسألة: يُستحب أن يقف الخطيب عن يمين من يصلي في المحراب وهو مستقبل القبلة سواء كان يخطب على المنبر أو على الأرض؛ للسنة الفعلية؛ =
стр. 711
جابر: "كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر: سلَّم" رواه ابن ماجه ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير ﵁ ورواه النجاد عن عثمان كسلامه مع من عنده في خروجه (٦٣) (ثم) يُسن أن (يجلس إلى فراغ الأذان): لقول ابن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب" رواه أبو داود (٦٤) (و) أن (يجلس بين الخطبتين)؛ لحديث ابن عمر
حيث كان ﷺ يفعل ذلك في خطبه، ولا فرق بين أن يخطب على المنبر أو على الأرض في المكان بجامع: التبرُّك في اتخاذ اليمين؛ لكونه ﷺ يُحب التيامن في شأنه كله، فإن قلتَ: إنه إذا وقف على الأرض فإنه يقف عن يسار من وقف بالمحراب وهو مستقبل القبلة، وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا التفريق، ولا سببه.
(٦٣) مسألة: يُستحب للخطيب أن يسلم على الحاضرين في المسجد إذا دخله، وإذا رقى المنبر وجَّه وجهه إليهم وسلَّم عليهم قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان أبو بكر وعمر وعثمان ﵁ وغيرهم يفعلون ذلك، الثالثة: القياس، بيانه: كما يُستحب أن يُسلِّم على مَنْ دخل عليهم في أي مكان فكذلك الخطيب في الجمعة يُستحب له ذلك والجامع: اطمئنان القلوب في كل، فالسلام الأول شُرِع لدخوله عليهم، والسلام الثاني شُرِع؛ لأنه استقبلهم بعد استدبارهم، وهو: المقصد الشرعي من ذلك.
(٦٤) مسألة: يُستحب للخطيب أن يجلس على المنبر حتى يفرغ المؤذن من آذانه الثاني؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحُب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان للناس بقرب بدء الخطيب بخطبته، وفيه راحة للخطيب من مشقة المشي وصعود المنبر.
стр. 712
السابق (٦٥) (و) أن (يخطب قائمًا)؛ لما تقدَّم (٦٦) (ويعتمد على سيف أو قوس أو عصى)؛ "لفعله ﷺ " رواه أبو داود عن الحكم بن حزن، وفيه إشارة إلى أن هذا الدِّين فُتِح به، قال في "الفروع": ويتوجَّه باليُسرى، والأخرى بحرف المنبر، فإن لم يعتمد: أمسك يمينه، بشماله أو أرسلهما (٦٧) (و) أن (يقصد تلقاء وجهه)؛ لفعله، ﷺ ، ولأن التفاته إلى أحد جانبيه إعراض عن الآخر، وإن استدبرهم: كُره، (٦٨)
(٦٥) مسألة: يُستحب أن يجلس الخطيب بين الخطبة الأولى والثانية جلسة خفيفة تقدر بقراءة سورة "الإخلاص"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه راحة للخطيب من طول القيام والكلام، وفيه راحة للمستمع من طول التركيز.
(٦٦) مسألة: يُستحب أن يكون الخطيب قائمًا أثناء الخطبة، فإن خطب وهو قاعد فلا بأس، للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يخطب وهو قائم -كما رواه جابر بن سمرة وابن عمر ﵃- فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قيامه يؤثر في المستمعين أكثر مما لو كان جالسًا.
(٦٧) مسألة: يُستحب أن يُمسك الخطيب بيده اليُسرى عصى أو قوسًا ويُمسك بيده اليمنى طرف المنبر، فإن لم يمسك بشيء، أو جعل اليمني على اليسرى أو بالعكس، أو أطلقهما: فلا بأس؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يتوكأ على عصى أو قوس في خطبه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة له على الوقوف تنبيه: لم يثبت عنه ﷺ أنه اعتمد على سيف قاله ابن القيم، تنبيه آخر: قوله: "وفيه إشارة إلى أن هذا الدِّين فُتح به" قلتُ: هذا لا يُسلِّم، بل إن الإسلام قد انتشر بسبب اقتناع الناس بما جاء بالكتاب والسنة وتطبيق الخلفاء الأربعة لهما خير تطبيق.
(٦٨) مسألة: يُستحب أن يتوجه الخطيب أثناء الخطبة أمام وجهه، بدون أن يلتفت =
стр. 713
وينحرفون إليه إذا خطب، لفعل الصحابة، ذكره في "المبدع"، (٦٩) (و) أن (يُقصِّر الخطبَة)؛ لما روى مسلم عن عمار مرفوعًا: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مِئنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة"، (٧٠) وأن تكون الثانية أقصر، ورفع صوته قدر إمكانه (٧١) (و) أن (يدعو للمسلمين)؛ لأنه مسنون في غير الخطبة
يمنة أو يسرة، ويُكره استدبارهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع مفسدة تخصيص جهة دون جهة وفيه إعراض عن بعض الناس بالاتجاه إليها، ودفع مفسدة الإعراض عن الناس باستدبارهم.
(٦٩) مسألة: يُستحب أن ينظر الحاضرون إلى الخطيب أثناء خطبته؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان الصحابة يفعلون ذلك فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن نظرهم إليه أبلغ في تأثرهم بالخطبة.
(٧٠) مسألة: يُستحب أن يُقصِّر الخطيب خطبته ويوجزها بكلمات وألفاظ قليلة وبمعان ومقاصد كثيرة من غير إخلال بشروطها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب مدحه لمقصِّر الخطبة بأنه فقيه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرَّة طول الوقوف للخطيب، وطول الجلوس للمستمعين، وعدم انقطاع الحاضرين عن حوائجهم.
(٧١) مسألة: يُستحب أن يجعل الخطيب الخطبة الثانية أقصر من الأولى؛ للمصلحة؛ حيث إن الخطيب والمستمعين يكونون أقل نشاطًا في الثانية من الأولى، فمن باب دفع المفسدة مراعاة ذلك. تنبيه: قوله: "ورفع صوته قدر إمكانه" قد سبق بيانه في مسألة (٥٢).
стр. 714
ففيها أولى، (٧٢) ويُباح الدعاء لمعيَّن، (٧٣) وأن يخطب من صحيفة، (٧٤) قال في "المبدع": وينزل مسرعًا، (٧٥) وإذا غلب الخوارج على بلد فأقاموا فيه الجمعة: جاز اتِّباعهم نصًا، وقال ابن أبي موسى: يصلي معهم الجمعة ويعيدها ظهرًا (٧٦) فصل:
(٧٢) مسألة: يُستحب أن يدعو الخطيب لعامة المسلمين ويخص: أولي الأمر منهم من العلماء والسلاطين العاملين بالشرع؛ للقياس الأولى، بيانه: كما أن الدعاء بذلك مستحب في كل وقت فيكون مُستحبًا في الخطبة من باب أولى؛ لأن فيه ساعة مستجابة لعله يوافقها.
(٧٣) مسألة: يُباح الدعاء في الخطبة لشخص معيَّن باسمه إذا شهد أكثر الناس بأنه خدم الإسلام والمسلمين؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أبا موسى الأشعري قد دعا لعمر بن الخطاب ﵁ في خطبته، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنبيه للآخرين بالاقتداء به، ولبيان منزلة من يخدم الإسلام والمسلمين.
(٧٤) مسألة: يُباح أن يخطب الخطيب من صحيفة ينظر إليها، ويقرأها أمام الناس، للقياس، بيانه: كما يُباح أن يقرأ القرآن في الصلاة وهو ينظر في المصحف فكذلك يُباح هنا والجامع: النظر في صحيفة، وذكر ما كتب فيها من مواعظ، وهذا هو المقصد من هذا.
(٧٥) مسألة: يُستحب أن ينزل الخطيب من المنبر مسرعًا إذا فرغ من خطبته لأداء الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز الفصل بين الخطبة والصلاة أن ينزل مسرعًا لتحقيق ذلك.
(٧٦) مسألة: إذا غلب الفجَّار والفسَّاق على بلد كالخوارج والمنافقين الذين يلهثون وراء السلاطين؛ طمعًا في الولايات والمناصب، وأقام هؤلاء صلاة الجمعة: فإن يُباح أن يصلي الصالحون خلف هؤلاء الفسَّاق، ولا يعيدونها ظهرًا؛ لفعل =
стр. 715
(و) صلاة (الجمعة ركعتان) إجماعًا حكاه ابن المنذر (يُسنُّ: أن يقرأ جهرًا)؛ لفعله ﷺ (في) الركعة (الأولى بالجمعة) بعد الفاتحة (وفي) الركعة (الثانية بالمنافقين)؛ لأنه " ﷺ ان يقرأ بهما" رواه مسلم عن ابن عباس ﵁، وأن يقرأ في فجرها في الأولى بـ ﴿ألم﴾ السجدة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾؛ لأنه " ﷺ كان يقرأ بهما" متفق عليه من حديث أبي هريرة (٧٧) (وتحرم إقامتها) أي: إقامة الجمعة وكذا: العيد (في أكثر من
الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كابن عمر ﵁ قد صلوا خلف بعض الفجار، ولم يرو عنهم أنهم يُعيدون ذلك ظهرًا، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع لكلمة المسلمين، واتحاد صفوفهم فإن قلتَ: إن الصالحين يعيدون الصلاة التي صلوها خلف الفُسَّاق ظهرًا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(٧٧) مسألة: صلاة الجمعة ركعتان فقط، يُفعل ويُقال فيهما كما يُفعل ويُقال في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ويُستحب أن يقرأ جهرًا في الركعة الأولى بسورة "الجمعة" وفي الثانية بسورة "المنافقين" وذلك بعد الفاتحة، ويُستحب أن يقرأ في فجر يوم الجمعة بسورة "السجدة" في الركعة الأولى، ويقرأ في الثانية بسورة "الإنسان" ويُستحب أن لا يداوم على قراءة ذلك في الجمعة، ولا في فجر يومها، فيقرأ بما شاء غيرهما كسورة "الأعلى" و"الغاشية"؛ لقواعد: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة ركعتان؛ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ جهرًا في الجمعة وفي فجر يومها بما سبق ذكره من السور، الثالثة: المصلحة؛ حيث إنه لو داوم على قراءة ذلك في كل جمعة: لظن بعض عوام المسلمين أنه لا تجزئ القراءة إلا بذلك، فإن قلتَ: لمَ كانت الجمعة ركعتين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخفيف على الناس -كما سبق ذكره- فإن قلتَ: لمَ استُحبت قراءة ذلك؟ قلتُ: لأنَّ في =
стр. 716
موضع بالبلد)، لأنه ﷺ وأصحابه لم يُقيموها في أكثر من موضع واحد (إلا لحاجة) كسعة البلد، وتباعد أقطاره، أو بعد الجامع، أو ضيقه، أو خوف فتنة فيجوز التعدُّد بحسبها فقط؛ لأنها تُفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعًا ذكره في "المبدع" (٧٨) (فإن فعلوا) أي: صلُّوها في موضعين أو أكثر بلا حاجة: (فالصحيحة: ما باشرها الإمام، أو أذن فيها) ولو تأخرت، وسواء قلنا إذنه شرط أو لا، إذ في تصحيح غيرها: إفتيات عليه وتفويت الجمعته (فإن استويا في إذن أو عدمه: فالثانية باطلة)؛ لأن الاستغناء حصل بالأولى فأنيط الحكم بها، ويُعتبر السبق
سورة الجمعة تبشير المؤمنين، وفي سورة المنافقين توبيخ لمن فعل كفعلهم، وفي سورة "السجدة" و"الإنسان" ذكر للموت، وخلق آدم وحشر العباد، وفي ذلك تذكير لمن يصلي بما كان وما سيكون، فيقوى بذلك إيمانه.
(٧٨) مسألة: تحرم إقامة صلاة الجمعة والعيد في أكثر من موضع من بلد واحد بلا حاجة، أما إن وُجدت حاجة لذلك مثل كثرة سكان، أو ضيق مكان، أو بُعْد بعض أحياء البلد عن بعض، أو الخوف من حصول فتنة وحرب إذا اجتمعوا: فإنه يُباح أن يصلوا في موضعين أو أكثر على حسب الحاجة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية، حيث كان ﷺ يقيمها في موضع واحد، الثانية: إجماع الصحابة؛ حيث كان الصحابة يقيمونها في موضع واحد، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن دفع المضرة يقتضي إقامتها في أكثر من موضع، فإن قلتَ: إنه في آخر عهد النبي ﷺ كثر الناس، وكذا في عهد الصحابة ومع ذلك كانوا يجتمعون في مسجد رسول الله ﷺ قلتُ: إن كثرة الناس في عهد النبي ﷺ أو الصحابة ﵃ لم تبلغ درجة حاجتهم إلى إقامتها في موضع آخر، ثم إن الصحابة كانوا يحرصون على الصلاة مع النبي ﷺ ، والتابعون كانوا يحرصون على الصلاة مع الصحابة؛ للاستفادة من مخالطتهم ومشاركتهم الصلاة.
стр. 717
بالإحرام (وإن وقعتا معًا) ولا مزية لإحداهما: بطلتا؛ لأنه لا يُمكن تصحيحهما ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتها جمعة: فعلوا وإلا: صلوها ظهرًا (أو جُهلت الأولى) منهما: (بطلتا) ويصلون ظهرًا؛ لاحتمال سبق إحداهما فتصح ولا تعاد، وكذا: لو أقيمت في المصر جُمُعات، وجهل كيف وقعت، (٧٩) وإذا وافق العيد
(٧٩) مسألة: إذا صلى بعض أهل البلد صلاة الجمعة في موضع، وصلى بعضهم الآخر في موضع آخر من غير حاجة: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: أنه إذا صلى الإمام أو نائبه في إحداهما أو حصل الإذن في إحداهما: فهي الصحيحة، وتكون الأخرى باطلة، ويصلونها ظهرًا: سواء تقدَّمت التي صلاها معهم الإمام أو تأخرت، وسواء اشترط إذن الإمام أو لا، للمصلحة؛ حيث إنه يلزم من تصحيح الجمعة التي لم يحضرها الإمام أو نائبه أو لم يأذن فيها: تفويت جمعته، وجمعة من صلى معهم، وهذا فيه تقليل من هيبة السلطان، وتفريق للكلمة، وسرور للكفار، فدفعًا لذلك: شرع هذا، ثانيًا: إذا تساوت الجمعتان في إذن الإمام بهما، أو عدم الإذن: فإن الجمعة التي صُلِّيت متقدمة هي الصحيحة، والمتأخرة هي: الباطلة، فإذا كبَّر الإمام تكبيرة الإحرام في الجمعة الأولى قبل الثانية: تكون بذلك متقدِّمة؛ للتلازم؛ حيث إن الجمعة الأولى وقعت بشروطها، ولم يزاحمها ما يُبطلها، ولا سبقها ما يُغني عنها: فيلزم من ذلك صحتها، ويلزم من صحتها: بطلان الثانية؛ لكونها سُبقت بما يغني عنها، ولكونها تُسبِّب الفتنة بين المسلمين ثالثًا: إذا تساوت الجمعتان في الإذن، أو عدمه، والوقت: فإن الجمعتين تبطلان، وعليهم جميعًا الاجتماع لصلاة الجمعة في موضع واحد إن لم يخرج وقتها، وإن خرج: فعليهم أن يصلوا ظهرًا؛ للسبر والتقسيم؛ حيث إنه لا يمكن أن تكونا صحيحتين معًا؛ لالتباس الصحيحة بالباطلة، ولا يمكن أن تكون إحداهما صحيحة والأخرى باطلة؛ لأنه ليست إحداهما بأولى من الأخرى فلم يبق إلا بطلانهما معًا؛ لأن ذلك أخف المفاسد =
стр. 718
يوم الجمعة: سقطت عن من حضره مع الإمام كمريض، دون الإمام، فإن اجتمع معه العدد المعتبر: أقامها وإلا: صلى ظهرًا وكذا: العيد بها إذا عزموا على فعلها: سقط (٨٠) (وأقلُّ السنة) الراتبة (بعد الجمعة: ركعتان)؛ لأنه " ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين" متفق عليه من حديث ابن عمر ﵃ (وأكثرها: ست) ركعات:
فيقال به، رابعًا: إذا كانت إحداهما صليت قبل الأخرى، ولكن لا نعلم أيهما المتقدِّمة: فإنهما يبطلان، ولا تُعاد الجمعة هنا، وكذلك: يكون الحكم فيما لو تعدَّدت الجمعات في بلد واحد وجُهل وقتها؛ للتلازم؛ حيث إن إحداهما باطلة بيقين، ولكن لا يعلم عينها، فيلزم من ذلك: بطلان الجمعتين معًا؛ لعدم تميز إحداهما على الأخرى بشيء.
(٨٠) مسألة: إذا وافق يوم العيد في يوم جمعة: فإن من صلى العيد تسقط عنه الجمعة، وكذلك من عزم على صلاة الجمعة: فإن العيد يسقط عنه، بخلاف الإمام فيهما: فلا يسقط عنه منهما شيء، وإذا حضر في وقت الجمعة ولم يجد أربعين رجلًا -وهو شرط صحة انعقاد الجمعة-: فإنه يُصلِّي بالحاضرين ظهرًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : من شاء أن يُجمع فليجمع فإنا مجمعون" -لما وافق العيد يوم الجمعة- فلزم من هذا: أن الجمعة تسقط عمن صلى العيد، الثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن المريض تسقط عنه صلاة الجمعة ويصلي ظهرًا لكن إن حضر الجمعة أجزأته عن الظهر، فكذلك من صلى العيد تسقط عنه الجمعة، ثانيهما: كما أن من صلى العيد تسقط عنه الجمعة، فكذلك من عزم على صلاة الجمعة يسقط عنه العيد، والجامع: أن كلًا منهما صلاة تشرع لها الجماعة فتجزئ إحداهما عن الأخرى، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من عدم توفر شرط انعقاد الجمعة وهم الأربعون: عدم صحتها جمعة، ويلزم من عدم صحتها: أن تصلى ظهرًا.
стр. 719
لقول ابن عمر ﵃: "كان النبي ﷺ يفعله" رواه أبو داود، ويصليها مكانه بخلاف سائر السنن ففي بيته، (٨١) ويُسن فصل بين فرض وسنة بكلام، أو انتقال من موضعه، (٨٢) ولا سنة لها قبلها، أي: راتبة قال عبد الله: رأيتُ أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعتين (٨٣) (ويُسن أن يغتسل) لها في يومها؛ لخبر عائشة: "لو أنكم
(٨١) مسألة: للجمعة سنة راتبة تكون بعدها، أقلُّها ركعتان، وأكثرها: ست ركعات، والأفضل في صلاة هذه الراتبة أن تكون في البيت؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وهذا عام في جميع السنن: في الجمعة وغيرها؛ لأن لفظ "بيته" مفرد منكر أُضيف إلى معرفة وهو الضمير وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصلي بعدها ركعتين إلى ست، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للابتعاد عن الرياء والسُّمعة، فإن قلتَ: إنه يصلِّي راتبة الجمعة في مكانه في المسجد -وهو ما ذكره المصنف هنا- قلتُ: لم أجد دليلًا يُخصِّص راتبة الجمعة عن غيرها من عموم الحديث السابق.
(٨٢) مسألة: إذا أراد أن يُصلِّي راتبة الجمعة في المسجد الجامع: فإنه يُستحب أن يفصل بين صلاته الفرض، وهذه السنة بمكان أو كلام؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ أن توصل صلاة بصلاة حتى يُفصل بينهما بقيام أو كلام، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة توهم أنه لا زال في الفرض.
(٨٣) مسألة: لا تُشرع سنة راتبة قبل صلاة الجمعة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يخرج من بيته ويصعد المنبر، ويؤذن بلال ﵁، فإذا فرغ أخذ النبي ﷺ بالخطبة، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسيرُ وتوسعة، فإن قلتَ: إن بعض الصحابة، وبعض السلف كأحمد كانوا يصلون =
стр. 720
تطهرتم ليومكم هذا" وعن جماع، وعند مضي أفضل (وتقدم) وفيه نظر (٨٤) (و) يسن (تنظُّف وتطيب)؛ لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن، ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج، فلا يُفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلم -أي: خطب الإمام- إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (و) أن (يلبس أحسن ثيابه)؛ لوروده في بعض الألفاظ، وأفضلها البياض، ويعتم ويرتدي (٨٥) (و) أن (يُبكِّر إليها
قبل صلاة الجمعة عددًا من الركعات قلتُ: لعلَّ هذا كان من باب السنن المطلقة، وليس من الرواتب، ثم لا يصحُّ شيء مما يفعله بعض الناس -مهما كان- إذا لم يأت به الشارع، ولم يؤيده.
(٨٤) مسألة: يُستحب أن يغتسل المسلم في يوم الجمعة، والأفضل: أن يكون هذا قبيل مضيه وذهابه إلى الصلاة مباشرة، وأن يكون هذا الغسل بعد جماعه لامرأته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا"، وقال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" وقال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل جنابة ثم راح … "، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الاغتسال قبل الذهاب إلى الصلاة مباشرة أبلغ في عدم إيذاء الآخرين في رائحته حتى قال الإمام مالك: "إن الغسل لا يجزئ إلا أن يتعقَّبه الرواح لها" تنبيه: قوله: "وتقدَّم" يقصد أنه أشار إلى غسل الجمعة في كتاب الطهارة عند قوله: "وإن استعمل في طهارة مستحبَّة كتجديد وضوء وغسل جمعة"، وقول البهوتي: "وفيه نظر" يقصد: أنه لا يُسلِّم بأن ذكر ذلك قد تقدَّم، قلتُ: هذا غير صحيح، بل تقدَّم كما قال الماتن، وقد بينته في مسألة (٢٠) من مسائل: حقيقة الكتاب والطهارة والمياه المتطهر بها".
(٨٥) مسألة: يُستحب أن يتنظَّف ويتطيَّب المسلم قبل ذهابه إلى صلاة الجمعة بأن =
стр. 721
ماشيًا)؛ لقوله ﷺ : "ومشى ولم يركب" ويكون بسكينة ووقار بعد طلوع الفجر الثاني (و) أن (يدنو من الإمام) مستقبل القبلة؛ لقوله ﷺ : "من غسل واغتسل، وبكَّرَ وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ: كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل: صيامها وقيامها" رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده ثقات، ويشتغل بالصلاة والذكر والقراءة (٨٦) (و) أن (يقرأ سورة الكهف في
يزيل كل شعر وظفر يتسبَّب في تجمع الأوساخ والأقذار، وأن يلبس أحسن ما عنده من الثياب، ويحرص على البيض منها، وأن يضع على رأسه شيئًا من عمامة أو طاقية، أو غترة أو شماغ، وأن يلبس ملحفة أو رداء، أو جبَّة أو عباءة ونحو ذلك مما يجعل باطنة وظاهرة نظيفًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد حثَّ على التنظف والتطيب في يوم الجمعة، وحث على لبس أحسن الثياب، وبين أن خير الثياب هو: البياض، الثانية: المصلحة؛ حيث إن فعل ذلك فيه زينة وتجمُّل، وهذا يُناسب هذا الاجتماع، ولا يشمُّ أحدٌ منه إلا رائحة طيبة، وهو داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فإن قلتَ: لمَ كانت أحسن الثياب هي البيضاء؟ قلتُ: للدلالة على أن القلوب سالمة من الحقد والحسد والخيانة.
(٨٦) مسألة: يُستحب أن يذهب إلى صلاة الجمعة مبكِّرًا قدر ما يستطيع، وأن يذهب إليها ماشيًا على قدميه، وأن يكون متأنيًا في مشيته، ولا يلتفت، ولا يكثر العبث، ويغض البصر، ويخفض الصوت، وأن يتصف بالهيبة، وهذه هي: "السكينة والوقار" وأن يبدأ بالمشي إليها بعد صلاته الفجر بقليل، وأن يجلس قريبًا من من الإمام مستقبل القبلة، وأن يشتغل أثناء جلوسه بالنوافل من الصلوات والذكر والقراءة للقرآن ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد قال: "من غسل واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من =
стр. 722
يومها)؛ لما روى البيهقي بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (٨٧) (و) أن (يُكثر الدعاء)؛ رجاء أن يصادف ساعة الإجابة (و) أن يكثر (الصلاة على النبي ﷺ )؛ لقوله ﷺ : "أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة" رواه أبو داود، وغيره، وكذا ليلتها (٨٨) (ولا
الإمام فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة: أجر سنة عمل: صيامها وقيامها … " وقال: "إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة" وقال: "من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة" والمراد: من جاء في الجزء الأول من النهار، الثانية: المصلحة؛ حيث إن جلوسه وهو مستقبل القبلة يكون متوجهًا إلى أشرف الجهات، واشتغاله بالقراءة والذكر والصلاة فيه تحصيل للأجر، بدل أن يُضيع الوقت في الكلام أو النظر إلى الداخلين وفي دنوه من الإمام الاستفادة من الخطبة أكثر من البعيد.
(٨٧) مسألة: يُستحب أن يقرأ سورة "الكهف" في يوم الجمعة: سواء في أوله، أو في وسطه أو في آخره؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" وهذا عام فيشمل جميع أجزاء يوم الجمعة؛ لأن اسم الشرط من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه السورة قد تضمَّنت ذكر أحوال يوم القيامة، وهو قريب من يوم الجمعة في التجمُّع، وذكر قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين؛ ويأجوج ومأجوج، وأصحاب الجنتين، وموسى والخضر، وهذه القصص تزيد إيمان المؤمن، وتحذره من شياطين الجن والإنس ومن منافقي هذا الزمان.
(٨٨) مسألة: يُستحب أن يكثر المسلم من الدعاء في يوم الجمعة بما شاء، وأن يُكثر أيضًا من الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة، وليلتها كيومها في ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن في يوم الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو =
стр. 723
يتخطَّى رقاب الناس)؛ لما روى أحمد: أن النبي ﷺ وهو على المنبر رأى رجلًا يتخطَّى رقاب الناس فقال له: "اجلس فقد آذيت" (إلا أن يكون) المتخطِّي (إمامًا) فلا يُكره؛ للحاجة، والحق به في "الغنية" المؤذن (أو) يكون المتخطِّي (إلى فرجة) لا يصل إليها إلا به فيتخطَّى، لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم (٨٩) (وحرم أن يُقيم
قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" فيُكثر المسلم الدعاء، لعلَّهُ يصادف تلك الساعة، وقال: "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة" وليلة الجمعة كيومها؛ إذ لا فرق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الدعاء، والصلاة على النبي من الخيرات والفضل ما لا يحصى.
(٨٩) مسألة: يحرم على المسلم أن يتخطَّى رقاب الناس إذا دخل المسجد ويُزاحمهم بالمشي بينهم بلا حاجة، أما إن كان هناك حاجة كأن يكون الإمام لم يجد طريقًا إلى المنبر إلا بتخطي رقابهم، أو يكون مؤذنًا كذلك، أو أن يجد مسلم فرجة لا يُمكنه الوصول إليها إلا بتخطي رقابهم: فإنه يجوز تخطِّيهم؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لرجل رآه يتخطَّى الناس: "اجلس فقد آذيت" حيث أوجب عليه الجلوس؛ لئلا يتخطى رقاب الناس؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام الثانية: التلازم؛ حيث إن مشروعية وصول الإمام أو المؤذن إلى مقدمة المسجد ليقوما بالخطبة والآذان، ويلزم من إسقاط بعض المأمومين حقه وجلوسه في آخر الصفوف: يلزم منه جواز التخطي؛ لوجود ما هو مشروع أكثر من حرمة التخطي، وهو: الخطبة للإمام، والأذان للمؤذن، ووجود فرجة ينبغي أن تُسد ليكمل الصف، وهذا التلازم قد قيَّد مطلق الحديث السابق، فإن قلتَ: لمَ حرم التخطي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة المأمومين بتخطِّي أحد من عندهم، وإشغالهم عن الاستماع للخطبة والتفكُّر بما فيها.
стр. 724
غيره) ولو عبده أو ولده الكبير (فيجلس مكانه)؛ لحديث ابن عمر ﵃: "أن النبي ﷺ نهى أن يُقيم الرجل أخاه من مقعده، ويجلس فيه" متفق عليه، ولكن يقول: "افسحوا" قاله في "التلخيص" (إلا) الصغير (ومن قدَّم صاحبًا له فجلس في موضع يحفظه له)، وكذا: لو جلس لحفظه بدون إذنه، قال في "الشرح": لأن النائب يقوم باختياره، (٩٠) لكن إن جلس في مكان الإمام، أو طريق المارَّة، أو استقبل المصلِّين في مكان ضيِّق: أقيم قاله أبو المعالي، (٩١) وكره إيثار غيره بمكانه الفاضل، لا قبوله،
(٩٠) مسألة: إذا دخل المسلم المسجد: فيحرم عليه أن يُقيم آخر ويجلس مكانه: سواء كان عبدًا له، أو ولد له، وسواء كان كبيرًا أو صغيرًا، ولكن يقول: "إن شئتم فتفسَّحوا"، أما إذا أرسل وكيلًا له قائلًا له: "احفظ لي مكان كذا في الجامع" فيجوز أن يُقيمه إذا دخل الجامع ويجلس مكانه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث نهى ﷺ "أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه" والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، وهذا عام لما ذكرنا لأن "أخاه" منكر مضاف إلى معرفة وهو الضمير، وهذا من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كونه وكيلًا عنه: أن يقيمه إذا حضر؛ لأنه فعله باختياره، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إقامة الآخرين فيه كسر لقلوبهم، ويؤدي إلى البغضاء والتنازع والعداوة، فإن قلتَ: إن الصغير يجوز أن يُقيمه الكبير من مجلسه ويجلس فيه -وهذا ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا يخصص الصغير من عموم الحديث السابق، تنبيه: قوله: "وكذا لو جلس لحفظه بدون إذنه" يُشير به إلى أن بعض الناس يجلس لحفظ بعض الأماكن الفاضلة، فإذا جاء شخص كبير في السن أو العلم قام لأجله، وترك له المكان، قلتُ: هذا لا يدخل في المسألة هنا؛ لأن هذا مُتبرِّع بمكانه، وتخلَّى عنه باختياره.
(٩١) مسألة: إذا جلس شخص في مكان الإمام أو المؤذن، أو في طريق المسلمين، =
стр. 725
وليس لغير المؤثر سبقه (٩٢) (وحُرِّم رفعُ مصلَّى مفروش) لأنه كالنائب عنه (ما لم تحضر الصلاة) فيرفعه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، ولا يصلي عليه (٩٣) (فإن قام من
أو كان متجهًا بوجهه إلى المصلِّين مُستدبرًا للقبلة في مكان ضيق: فيجوز أن يُقام ويُبعد عن هذا المكان؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن هؤلاء فشرع.
(٩٢) مسألة: إذا كان زيد في مكان فاضل في الجامع: فيُكره أن يؤثر غيره به بأن يقوم عنه، ويجلس عمرًا فيه، لكن إن قام عنه زيد، وأعطاه عمرًا: فيجوز أن يقبله عمرو بلا كراهة، ولا يجوز لبكر أن يسبق عمرًا ويجلس فيه؛ للتلازم؛ حيث إن إيثار زيد غيره بمكانه يلزم منه: أن زيدًا يرغب عن المكان الفاضل، وهذا فيه حرمان نفسه من الخير، ولكن عمرو قبل من زيد ذلك بلا كراهة، لكون زيدًا قد تبرِّع به فيلزم قبوله؛ لأن فيه فضلًا، والفضل لا يُردُّ، ويلزم من سبق بكر إلى المكان الذي تبرَّع به زيد لعمرو: أن يكون بكر قد أخذ حقًا ليس له، وهذا محرَّم.
(٩٣) مسألة: إذا وضع شخص مُصلَّى كالسجَّادة مثلًا في مكان فاضل في الجامع وتركها، وخرج: فيجوز لغيره من المصلِّين رفعها، وجعلها جانبًا والجلوس في مكانها: سواء حضرت الصلاة أو لا، لقاعدتين؛ الأولى: المصلحة؛ حيث إنه لو لم يجز رفع ذلك والجلوس في مكانها لأرسل أكثر الناس مصلياتهم في الصباح الباكر وجعلوها في أرض الجامع، ولم يجد الداخل للجامع مكانًا يجلس فيه، فسدًا لذلك: شرع جواز رفعها، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من الصلاة على تلك المصلَّيات: الإثم، وعدم صحة الصلاة؛ لأن الصلاة على الشيء المغصوب لا تصح، ويأثم المصلي عليها، لذلك تُرفع، ويجلس ويُصلَّي في مكانها، فإن قلتَ: إنه يحرم رفع تلك المصلَّيات والفرش -وهو ما ذكره المصنف =
стр. 726
موضع لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبًا: فهو أحقُّ به)؛ لقوله ﷺ : "من قام من مجلسه ثم رجع إليه قريبًا فهو أحق به" رواه مسلم، ولم يُقيِّده الأكثر بالعود قريبًا (٩٤) (ومن دخل) المسجد (والإمام يخطب: لم يجلس) ولو كان وقت نهي (حتى يصلي
هنا-؛ للقياس، حيث إن ذلك المصلَّى المفروش كالنائب عنه فكما لا يجوز أن يُقيم النائب عنه ويجلس مكانه فكذلك المصلى هذا مثله والجامع: النيابة في كل قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشخص النائب قد شغل المكان بشخصه، بخلاف المصلَّيات فليست مشخَّصة بأحد، فقد لا يأتي صاحبها، قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة"، فعندنا: المصلحة العامة مقدمة على القياس، وعندهم: القياس مقدم.
(٩٤) مسألة: إذا جلس مسلم في مكان في المسجد، ثم خرج بسبب عذر عارض كرعاف أو حصر بول أو نحوه ثم رجع: فإنه يكون أحق بمجلسه الأول بشرط: أن يرجع قريبًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ : "من قام من مجلسه ثم رجع إليه قريبًا: فهو أحقُّ به" وخُصِّص القيام بالعذر بالعادة والعرف؛ لكون المسلم لا يقوم عادة إلا لعذر أصابه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه سبق إليه مبكرًا، ولم يقم منه إلا بسبب العذر الذي طرأ عليه، فيكون أحق به، فإن قلتَ: هو أحقُّ به مطلقًا سواء عاد قريبًا أو بعيدًا وهو قول الأكثر من الحنابلة قلتُ: النص قد قيَّده بالعود قريبًا، فمفهوم الزمان منه قد دل على أنه ليس أحق به إذا عاد إليه بعد زمن بعيد من مفارقته له -وهو: الزمن الذي يزيد عن مجرَّد ذهابه للتطهر ونحوه-، فقول بعض الحنابلة ذلك مخالف لهذا المفهوم، فلا يُقبل، قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مفهوم الزمان هنا" فعندنا: هو حجة، وعندهم: لا.
стр. 727
ركعتين يوجز فيهما)؛ لقوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين" متفق عليه، زاد مسلم: "وليتجوَّز فيهما"، فإن جلس قام فأتى بهما ما لم يطل الفصل، فتسنُّ تحية المسجد لمن دخله، غير وقت نهي (٩٥) إلا الخطيب،
(٩٥) مسألة: يُستحب لمن دخل المسجد في يوم الجمعة: أن يُصلِّي ركعتين تحية المسجد؛ سواء كان الإمام يخطب أو لا بشرط: أن لا يكون الوقت وقت نهي، والأفضل أن يُخفف هاتين الركعتين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليُصلِّ ركعتين وليتجوَّز فيهما" وقد صرفت السنة القولية الأخرى هذا الأمر من الوجوب إلى الندب؛ حيث قال ﷺ لرجل رآه يتخطَّى رقاب الناس: "اجلس فقد آذيت" فلو كانت تحية المسجد والإمام يخطب واجبة لما أمره بالجلوس بدونها، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم لله تعالى؛ حيث إن المسجد بيت الله فيُستحب لمن دخله أن يُعظم صاحبه، فإن قلتَ: تكره تحية المسجد والإمام يخطب وهو قول بعض العلماء؛ للمصلحة؛ حيث إنها تُشغل المصلي عن الاستماع للخطبة، وتمنع الاستفادة الكاملة قلتُ: هذا غير مُسلَّمِ؛ لأن المسلم يعلم ويفهم ما يدور حوله وهو يُصلِّي، ثم إنه يُستحب تخفيف ذلك؛ حتى يجمع بين تعظيم الله، والاستماع للخطبة، تنبيه: قوله: "ولو كان وقت نهي" يقصد: أن تحية المسجد تصلى ولو كان الوقت وقت نهي -وهو كون الشمس في كبد السماء- قلتُ: هذا لا يصح؛ لأنه مخالف للشرط الأول من شروط صحة انعقادها وهو أن صلاة الجمعة لا تصلى إلا في وقت صلاة الظهر وهو بعد الزوال وقد سبق في مسألة (٢٦)، ثم إن هذا مخالف لحديث النهي عن صلاة التطوع في الأوقات الثلاثة المعروفة وقد سبق تفصيلها في مسائل (٦٨ و ٧٠ و ٧١) من باب "صلاة التطوع والأوقات المنهي عن صلاتها فيها".
стр. 728
وداخله لصلاة عيد، أو بعد الشروع في إقامة، وقيِّمه، وداخل المسجد الحرام؛ لأن تحيته: الطواف (٩٦) (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب) إذا كان منه بحيث يسمعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، ولقوله ﷺ : "من قال: صه: فقد لغا، ومن لغا: فلا جمعة له" رواه أحمد (٩٧) (إلا له) أي: للإمام، فلا يحرم
(٩٦) مسألة: لا تُستحب تحية المسجد في حالات: أولها: عند دخول الخطيب ليُلقي خطبة الجمعة والعيد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يفعل ذلك، والترك: فعل، ثانيها: عند دخول شخص والمقيم يقيم الصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة: فلا صلاة إلا المكتوبة" فنفى أيَّ صلاة أخرى غير المفروضة، فيلزم ترك تحية المسجد، ثالثها: عند دخول قيِّم المسجد، وخادمه الذي يقوم بإصلاح ما فسد منه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يتكرَّر دخوله إليه وخروجه منه فلو شرع له أن يصلي تحية المسجد كلما دخل أو خرج: للحقه الحرج والمشقة؛ رابعها: عند دخول المسجد الحرام لمن يريد الطواف بالبيت؛ للتلازم؛ حيث إن تحية المسجد الحرام في حق من يريد أن يطوف بالكعبة هي: الطواف نفسه فيلزم عدم مشروعية تحية أخرى له، فإن قلتَ: لمَ لا تُستحب تحية المسجد في تلك الأحوال؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الآخرين، ومنع من تفويت الفريضة على من صلى نافلة، ودفع لمشقة جمع التحية مع الطواف.
(٩٧) مسألة: يحرم على المسلم الكلام أثناء إلقاء الخطيب خطبة الجمعة فمن تكلَّم: فهو آثم، وتصح جمعته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ومن قال له: صه: فقد لغا، ومن لغا: فلا جمعة له" حيث دل ذلك على نقصان أجر من تكلم ولو كان كلامه للإصلاح -كمن قال لأخيه: "أنصت" أثناء الخطبة- ثبت =
стр. 729
عليه الكلام (أو لمن يُكلِّمه)؛ المصلحة؛ لأنه ﷺ كلَّم سائلًا، وكلَّمه هو، (٩٨) ويجب لتحذير ضرير وغافل عن هلكة (٩٩) (ويجوز) الكلام (قبل الخطبة وبعدها) وإذا
هذا بدلالة الاقتضاء، حيث إن التقدير: "فلا جمعة كاملة له"، ودلَّ مفهوم الموافقة الأولى على تحريم أيِّ كلام آخر؛ حيث إنه أولى بالنهي عنه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث "إن عثمان وابن عمر ﵁ كانا ينهيان عن الكلام والإمام يخطب"، وهو نهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنَّ الاستماع للخطبة مقصد من مقاصد مشروعية الجمعة، فإذا أبيح الكلام أثناء الخطبة: لم يتحقَّق هذا المقصود؛ حيث إن المتكلم لا يستفيد ولا يجعل الآخرين يستفيدون منها، تنبيه: استدلال المصنف بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ لا يصح؛ لأن المراد: وجوب الإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة، والخطبة ليست قرآنًا، ولا صلاة.
(٩٨) مسالة: يُباح أن يتكلّم الخطيب أثناء الخطبة مع الآخرين، وأن يتكَّلموا معه بشرط: أن يكون الكلام خاصًا بمصلحة الخطبة أو الصلاة، أو عامة المسلمين؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خاطب عباس بن مرداس في الاستسقاء، وخاطبه وهو يخطب، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الآخرين من تنبيه بعض الحاضرين للخطيب أو إرشاد الخطيب لبعض الحاضرين، وهذه السنة الفعلية والمصلحة قد خصصتا عموم السنة القولية السابق ذكرها في مسألة (٩٧).
(٩٩) مسألة: يجب الكلام أثناء الخطبة إذا اقتضت المصلحة ذلك كأن يرى بعض الحاضرين إنسانًا آخر في خطر: بأن يرى حوله حية أو عقربًا، أو جدارًا يريد أن يسقط أو حريقًا أو نحو ذلك فُيحذِّر منه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة عن الآخرين فوجب، وهذه المصلحة مخصِّصة =
стр. 730
سكت بين الخطبتين أو شرع في الدعاء، (١٠٠) وله الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها من الخطيب، وتُسنُّ سِرًّا كدعاء وتأمين عليه، وحَمْده خفية إذا عطس، وردُّ سلام، وتشميت عاطس، (١٠١) وإشارة أخرس إذا فُهمت
لعموم السنة القولية التي ذكرت في مسألة (٩٧).
(١٠٠) مسألة: يُباح للمسلم أن يتكلم قبل أن يبدأ الخطيب خطبته، وبعد الفراغ منها، وبين الخطبتين، وأثناء دعاء الخطيب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الكلام والإمام يخطب" حيث دلَّ مفهوم الحال على أن الكلام في غير وقت الخطبة مباح، والدعاء ليس من الخطبة فيشمله عموم هذا المفهوم فأبيح الكلام أثناء دعاء الخطيب، الثانية: الإجماع؛ "حيث كان الصحابة يتحدَّثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن وقام عمر: لم يتكلَّم أحد حتى يقضي خطبته، فإذا نزل عمر تكلَّموا" -كما رواه ثعلبة بن عامر-، ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعًا سكوتيًا، وما بين الخطبتين مثل ذلك من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(١٠١) مسألة: يُباح أن يُصلي الحاضر للخطبة على النبي ﷺ إذا سمع ذكره من الخطيب، ويقول: "آمين" إذا دعا الخطيب، ويحمد الله إذا عطس، ويردُّ السلام على من سلَّم عليه من الحاضرين، ويُشمَّته إذا عطس كل ذلك يكون سرًا، أو يُسمع جاره فقط؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بالصلاة عليه، والتأمين عند الدعاء، وتشميت العاطس، وردِّ السلام أمرًا عامًا، فيشمل من حضر خطبة الجمعة ومن لم يحضرها؛ إذ لا يوجد مخصِّص لذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك سرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين ثواب هذه الأمور، والاستماع للخطبة، وفيه عدم إيذاء الآخرين =
стр. 731
ككلام، (١٠٢) لا تسكيت مُتكلِّم بإشارة، (١٠٣) ويكره العبّث والشرب حال الخطبة إن سمعها، وإلا: جاز، نصَّ عليه (١٠٤).
بالتشويش عليهم إذا رفع بذلك صوته.
(١٠٢) مسألة: يحرم أن يُشير الأخرس أثناء الخطبة إلى شخص آخر يُفهم من تلك الإشارة مقصود الأخرس؛ للقياس، بيانه: كما أن قول المتكلم لآخر محرم فكذلك إشارة الأخرس مثل ذلك والجامع: أن كلًا منهما مشغل له وللآخرين، يؤيده: أن إشارة الأخرس تقوم مقام الكلام في البيع والشراء والتأجير، ونحو ذلك من المعاملات.
(١٠٣) مسألة: يُباح أن يشير المتكلِّم بيده إلى متكلِّم آخر أثناء الخطبة بإشارة يُفهم منها أنه يُسكِّته؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الإشارة تجوز أثناء الصلاة فكذلك تجوز الإشارة أثناء الخطبة، وجواز ذلك هنا أولى، والجامع: عدم وجود الكلام الممنوع في كل، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تسكيتٌ للشخص الذي أذى الحاضرين بكلامه.
(١٠٤) مسألة: يكره العبث بتحريك يده أو رجله أو ما عليه من ثياب أو أن يشرب أثناء الخطبة إذا كان يسمعها، أما إن كان لا يسمعها: فلا بأس بذلك؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُكره مسُّ الحصى والإمام يخطب، فكذلك يكره العبث والشرب حال خطبته، والجامع أن كلًا منهما عبث يمنع الاستماع، وقد يُشغل الآخرين، وهذا هو المقصد من ذلك.
هذه آخر مسائل باب "صلاة الجمعة" ويليه باب "صلاة العيدين"
стр. 732
باب صلاة العيدين
سمي به؛ لأنه يعود ويتكرَّر لأوقاته، أو تفاؤلًا، وجمعه أعياد (وهي) أي: صلاة العيدين (فرض كفاية)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وكان النبي ﷺ والخلفاء بعده يُداومون عليها (١)
باب صلاة العيدين
وفيه تسع وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: صلاة العيدين سنة مؤكدة -كما قال الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه لما سأل الإعرابي عن فرائض الصلاة قال له ﷺ : "خمس صلوات فرضهن الله على العبد في اليوم والليلة" فقال الإعرابي: هل علي غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع" حيث دل منطوقه على أن الواجب خمس صلوات فقط، وأثبت أن غيرهن نوافل؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ودل مفهوم العدد -أيضًا- على أن غير الخمس لا يجب، وصلاة العيدين ليست من الخمس فيلزم عدم وجوبها، الثانية: القياس، بيانه: كما أن صلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح نوافل فكذلك صلاة العيدين مثلها والجامع: أن كلًا منها ذات ركوع وسجود وتشرع لها الجماعة بدون أذان، فإن قلتَ: لمَ استُحبت تلك الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الله قد منَّ على عباده بانقضاء شهر رمضان وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، فشُرعت شكرًا لله على ذلك وإظهارًا للفرح والسرور على ذلك، وإظهارًا للإسلام، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بهذا الاسم؟ قلتُ: لكثرة تكراره وعوده بالفرح والسرور، أو سُمِّي بذلك للتفاؤل بأن يعود عليهم؛ قياسًا على تسمية القافلة، تفاؤلًا برجوعها وقفولها بكل خير، فإن قلتَ: لمَ جعل هذا الباب بعد باب الجمعة؟ قلتُ: لاشتراكهما في أمور: منها مشروعية الاجتماع، والجهر في القراءة، ووقوعها في النهار، ومشروعية الخطبة في كل =
стр. 733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهما فإن قلتَ: لمَ قُدِّمت الخطبة على صلاة الجمعة، بخلاف صلاة العيد؛ فإن خطبتها تقع بعد الصلاة؛ قلتُ: بسبب أن صلاة الجمعة فرض عين، ويكثر وقوعها فيحتاج المسلمون إلى بيان أحكام ما وقع خلال الأسبوع، أكثر من حاجتهم لخطبة صلاة العيد، فإن قلتَ: إن صلاة العيدين فرض كفاية -إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ حيث أمر بصلاة عيد الأضحى، ثم نحر الهدي أو الأضحية، وهذا واجب؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وعيد الفطر مثله؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية، حيث كان ﷺ يُداوم عليها الثالثة: فعل الصحابة؛ حيث داوموا عليها، قلتُ: أما الآية: فالمراد بها الصلوات المفروضة -كما نقله القرطبي في تفسيره (٢٠/ ٢١٨) عن ابن عباس ﵃، وقيل: غير ذلك، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما السنة الفعلية وقول الصحابي: فإن المداومة على الشيء لا يدل على وجوبه دائمًا: يؤيده: أنه ﷺ كان يداوم على الوتر، وهو لم يكن واجبًا، فإن قلتَ: إن صلاة العيدين فرض عين، وهو قول أكثر الحنفية وتبعهم ابن تيمية وابن القيم ومال إليه ابن عثيمين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر النساء حتى الحُيَّض، وذوات الخدور أن يخرجن إلى المصلى في العيد"، والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وإذا وجبت على النساء فمن باب أولى أن تجب على الرجال من باب مفهوم الموافقة الأولى، الثانية: القياس، بيانه: كما أن صلاة الجمعة فرض عين على الرجال فكذلك صلاة العيد مثلها، والجامع: أن كلًا منهما من أعلام الدِّين الظاهرة قلتُ: أما السنة القولية: فلا يُحتج بها هنا؛ لمعارضتها لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ والأمر بالقرار في البيوت هنا للوجوب وهو عام في العيد وغيره، وهذا لمصلحة وهي: دفع مفسدة الاختلاط الذي يُسبِّب الفتنة عادة، =
стр. 734
(إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام)؛ لأنها من أعلام الدِّين الظاهرة (٢) (و) أول
وإذا بطل الأخذ بمنطوق الحديث: بطل الأخذ بمفهومه فيُحمل الأمر الوارد في الحديث على الاستحباب إذا أُمنت الفتنة، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة الجمعة فرض عين كصلاة الظهر بدليل: أنها لو فاتت الجمعة لوجب أن تُصلَّى ظهرًا، وهذا لم يخالف فيه أحد، بخلاف صلاة العيد ففي حكمها خلاف -كما سبق-، ثم إن العلة منتقضة؛ حيث إن صلاة الاستسقاء والكسوف والتراويح من أعلام الدين الظاهرة ولم تكن فرض عين عندكم، ولا عند غيركم، فائدة: جمع "عيد" أعياد، مع أن أصل "الياء": واو، فالأصل أن يُقال: "أعواد"، ولكن تُرك ذلك؛ لأن الفرد منه قد لزمته الياء فيقال: "عيد" فأُبقيت في الجمع، وللفصل بينه وبين أعواد الخشب، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف في حكم صلاة العيد؟ قلتُ: سببه: "تعارض النصوص واختلاف مفهوم كل طائفة" فنحن لم نفهم من الآية أن المراد بها: "صلاة العيد، ولم نفهم من مداومة الرسول والصحابة عليها الوجوب، وهم فهموا ذلك، وأيضًا: طتعارض القياسين" فنحن ألحقنا صلاة العيد بصلاة الكسوف والاستسقاء لأنها أكثر شبهًا بها، وهم الحقوها بصلاة الجمعة لأنها أكثر شبهًا بها عندهم".
(٢) مسألة: إذا ترك أهل بلد صلاة العيد: فإن الإمام أو نائبه يأمرهم بها، ويُبيِّن لهم حكمها، فإن أصرَّوا على تركها: فإنه يُؤدِّبهم بما يراه مناسبًا ليعملوا بتلك السنة المؤكدة، ولا يُقاتلهم إن لم يُصلُّوها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها سنة مؤكدة، -كما سبق-: عدم مقاتلتهم عند تركها؛ لأن النافلة لا يُعاقب على تركها، فإن قلتَ: لمَ يؤدبهم؟ قلتُ: لكونهم تركوا أمرًا يُعتبر من أعلام الدين الظاهرة، فإن قلتَ: يُقاتلهم على تركها -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها فرض كفاية أو عين مقاتلة من تركها قلتُ: هذا مبني =
стр. 735
(وقتها كصلاة الضحى)؛ لأنه " ﷺ ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس" ذكره في "المبدع" (وآخره) أي: آخر وقتها (الزوال) أي: زوال الشمس (فإن لم يُعلم بالعيد إلا بعده) أي: بعد الزوال: (صلوا من الغد) قضاء؛ لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: "غُمَّ علينا هلال شوال: فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر النبي ﷺ أن يُفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدًا لعيدهم" رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني وحسَّنه (٣) (وتسنُّ) صلاة العيد (في صحراء) قريبة عرفًا؛ لقول أبي سعيد: "كان
على كونها فرض كفاية أو عين ونحن نخالف في ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في حكم صلاة العيد هل هي سنة مؤكدة، أو فرض؟ "، فعندنا: لا يُقاتل من تركها؛ لكونها سنة، وعندهم: يُقاتل؛ لكونها فرض عندهم.
(٣) مسألة: وقت صلاة العيد يبدأ بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح -أي: بعد طلوع الشمس بربع ساعة تقريبًا- وينتهي وقتها إذا بدأت الشمس بالزوال -أي: قبل دخول وقت صلاة الظهر، وهذا وقت صلاة الضحى كما سبق- وإذا لم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال: فإنهم يُفطرون -إن كان عيد الفطر- ولا يصلونها إلا في الغد في وقتها، وكذا عيد الأضحى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُصلِّيها في هذا الوقت، ولما لم يعلم النبي ﷺ بهلال شوال إلا بعد الزوال أمر الناس بالفطر، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلَّاهم -كما رواه أبو عمير بن أنس عن عمومة له-، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن الخلفاء الأربعة كانوا يصلونها في هذا الوقت، فإن قلتَ: لمَ كانت تصلى في هذا الوقت؟ قلتُ: لأن هذا الوقت هو وقت الزينة، وهو: مناسب للناس؛ حيث يُمكنهم فيه وبعده من قضاء حوائجهم بدون ضيق أو حرج، وهو وقت نشاط الإنسان العادي.
стр. 736
النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى" متفق عليه، وكذلك الخلفاء من بعده (٤) (و) يسن (تقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر) فيؤخرها؛ لما روى الشافعي مرسلًا: "النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم أن عجِّل الأضحى، وأخّر الفطر، وذكِّر الناس" (٥) (و) يسن (أكله قبلها) أي: قبل الخروج لصلاة الفطر؛ لقول بريدة: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يُفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي" رواه أحمد، والأفضل: تمرات وترًا، والتوسعة على الأهل والصدقة
(٤) مسألة: يُستحب أن تُقام صلاة العيد في صحراء قريبة من البنيان؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك؛ فيخرج ﷺ إلى مكان بينه وبين مسجده ألف ذراع من الجهة الشرقية، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان الخلفاء الأربعة يفعلون ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخروج لأجلها بهذا المظهر من التزين والفرح أظهر لشعائر الدين، وأوقع لهيبة الإسلام والمسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا يُخرج لصلاة الجمعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروجهم لها فيه مشقة؛ نظرًا لتكرارها في كل أسبوع.
(٥) مسألة: يُستحب أن يُقدِّم الإمام صلاة عيد الأضحى قليلًا -وأن يؤخر صلاة عيد الفطر قليلًا؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ بذلك" وصرفت المصلحة هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن في تقديم صلاة الأضحى مصلحة تمكين الناس من ذبح الضحايا والهدي قبل مجيء الليل، والأكل، والتصدق والهدي منها، وفي تأخير صلاة الفطر: مصلحة تمكين الناس من الفراغ من توزيع صدقة الفطر قبل الصلاة، فائدة: الحديث المرسل هو: أن يقول من لم ير النبي ﷺ : "قال النبي كذا" وهو حجة عند الجمهور، ولا يحتج به عند الشافعي إلا بخمسة شروط، وعند غيره يُحتج به مطلقًا، وقد بينت في كتابي: "المهذَّب" و"الخلاف اللفظي" ذلك بالتفصيل وذكرتُ أن الخلاف لفظي.
стр. 737
(وعكسه) أي: يُسنُّ الإمساك (في الأضحى إن ضحَّى) حتى يصلي؛ ليأكل من أضحيته، لما تقدَّم، والأولى من كبدها (٦) (وتكره) صلاة العيد (في الجامع بلا عذر) إلا بمكة المشرفة؛ لمخالفة فعله ﷺ ، (٧) ويُستحب للإمام أن يستخلف من يُصلِّي
(٦) مسألة: يُستحب أن يأكل المسلم شيئًا قبل خروجه إلى صلاة عيد الفطر، والأفضل: أن يكون المأكول تمرًا تكون وترًا: ثلاثًا أو خمسًا ونحوها، ويُستحب: أن لا يأكل شيئًا قبل خروجه إلى صلاة عيد الأضحى وبعد صلاته يأكل من أضحيته إن ضحَّى من كبدها، ويُستحب أن يُوسِّع على أهله، ويتصدق على الفقراء في هذين اليومين؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" فيوسِّع على الفقراء، فإذا كان يفعل في الفقراء ذلك فمن باب أولى: أن يوسِّع على أهله، من باب "مفهوم الموافقة الأولى" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ "لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر بتمرات يأكلهن وترًا، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المبادرة في أكل شيء في يوم الفطر فيه إخلاص العبادة الله تعالى؛ حيث إنه نفَّذ الأمر بالإفطار مباشرة، وشُرع تأخير الأكل حتى يأكل من أضحيته في يوم الأضحى؛ لشكر الله تعالى على أنه أمكنه من ذلك، وشُرِع أكل التمر؛ لسرعة تناوله وهضمه، وسرعة جريانه في الأمعاء فيُسبِّب نشاطًا له لذا: استُحب أن يُفطر عليه الصائم، وشرع الوتر؛ لأن الله وتر يحب الوتر، وشرع الأكل من الكبد؛ لفائدتها، وسهولة هضمها، وسرعة طبخها، وشُرع أن يوسع على الفقراء في هذا اليوم؛ لتمكينهم من المشاركة في الفرح والسرور.
(٧) مسألة: يُكره أن يصلي الإمام صلاة العيد في جامع داخل البلد بلا عذر، أما إن وجد عذر كنزول مطر، أو هبوب ريح، أو كثرة سكان، والصحراء بعيدة: فإنها تصلى في الجامع داخل البلد بلا كراهة، وتصلى في مكة في الحرم: سواء وجد عذر أو لا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصليها خارج المدينة، ولا =
стр. 738
بضَعَفَة الناس في المسجد؛ لفعل علي ﵁، ويخطب لهم، ولهم فعلها قبل الإمام وبعده، وأيُّهما سَبَق: سقط به الفرض، وجازت التضحية (٨) (ويُسنُّ تبكير مأموم إليها)؛ ليحصل له الدنو من الإمام، وانتظار الصلاة، فيكثر ثوابه (ماشيًا)؛ لقول علي ﷺ : "من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" رواه الترمذي، وقال: "العمل على هذا عند أكثر أهل العلم" (بعد) صلاة (الصبح و) يُسنُّ (تأخر إمام إلى وقت الصلاة)؛ لقول أبي سعيد: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة" رواه مسلم، ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر (٩)، ويخرج
يُصلِّيها في مسجده، فلو لم تكن مكروهة في المسجد: لما شقَّ النبي ﷺ على نفسه وعلى غيره وخرج إلى خارج البلد، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صلاة العيد من مظاهر الدِّين، فإذا صُلِّيت داخل البلد لم تتحقق تلك المصلحة، فإن قلتَ: لمَ تصلى في الحرم المكي مطلقًا؟ قلتُ: لكثرة قاصدي هذا المسجد، والمضاعفة الصلاة فيه، فلو خرجوا لشقَّ عليهم ذلك، وللزم حرمانهم من مضاعفة الأجر فيه.
(٨) مسألة: إذا خرج الإمام ليصلي بالناس العيد خارج البلد: فإنه يُستحب أن يُنيب عنه شخصًا يُصلِّي بالمعذورين من الناس: كالمرضى والضعفة، ويجوز لأي شخص أن يذبح أضحيته بعد إحدى الصلاتين كما لو كانتا في بلدين منفصلتين؛ فيقوم هذا النائب بالخطبة والصلاة قبل صلاة الإمام أو بعدها؛ لفعل الصحابي؛ حيث "إن عليًا ﵁ قد أناب عنه أبا مسعود البدري ليصلي بضَعَفَة الناس" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال الآخرين وتمكينهم من فعل الخيرات.
(٩) مسألة: يُستحب أن يبدأ المأموم بالمشي على قدميه إلى مصلى العيد مبكرًا: بأن يكون بعد صلاته الفجر مباشرة، ويُستحب للإمام أن يتأخر بالمشي =
стр. 739
(على أحسن هيئة) أي: لابسًا أجمل ثيابه؛ لقول جابر: "كان رسول الله ﷺ يعتمَّ ويلبس بُرْدَه الأحمر في العيدين والجمعة" رواه ابن عبد البر (إلا المعتكف فـ) يخرج (في ثياب اعتكافه)؛ لأنه أثر عبادة، فاستُحب بقاؤه، (١٠) (ومن شرطها) أي: شرط
بحيث إذا وصل المصلى يبدأ بالصلاة ثم الخطبة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال علي ﵁: "من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" وهذا القول له حكم الحديث المرفوع، "وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا" -كما رواه ابن عمر ﵃ و"كان ﷺ يخرج إلى العيد فأول شيء يبدأ به الصلاة"- كما رواه أبو سعيد، وهذا يلزم منه تأخره في الحضور، حتى يكمل حضور الصحابة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حضور صلاة العيد مبكرًا سبب لحصول الثواب والأجر، حيث إنه بذلك يدنو من الإمام، وينتظر الصلاة، ويجلس في الصف الأول، ولا يؤذي الآخرين بتخطِّي رقابهم، وفي حضور الإمام قبل المأمومين مشقة عليه، فالناس ينتظرونه وهو لا ينتظر الناس، وفي المشي: تكثير للأجر؛ لأن في كل خطوة حسنة ورفع سيئة.
(١٠) مسألة: يُستحب أن يخرج المسلم إلى صلاة العيدين بأحسن ما عنده من ثياب وزينة وطيب، وبأجمل هيئة يستطيعها، أما إن كان معتكفًا إلى صلاة العيد: فإنه يخرج بثيابه المعتادة في اعتكافه، ولا يُستحب تغييرها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يلبس عمامته وبرده الأحمر في العيدين والجمعة، الثانية: القياس، بيانه، كما أنه لا يُستحب أن يُغيِّر الصائم رائحة فمه في آخر نهار يوم صومه، فكذلك لا يُستحب للمعتكف تغيير ثيابه والجامع: أن كلًا منهما أثر عبادة يستحب عند الشارع بقاؤه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن يوم العيد والجمعة من أيام الزينة والجمال، فيُستحب أن يلبس أحسن ما عنده ليُحقِّق ذلك، أما أثر العبادة فهو زينة بذاته فلا يُشرع تغييره؛ ليُباهي الله به ملائكته.
стр. 740
صحة صلاة العيد: (استيطان، وعدد الجمعة) فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأن النبي ﷺ وافق العيد في حجَّته ولم يُصلِّ (لا إذن إمام) فلا يُشترط كالجمعة (١١) (ويُسنُّ) إذا غدا من طريق (أن يرجع من طريق آخر)؛ لما روى البخاري عن جابر: "أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق" وكذا: الجمعة، قال في "شرح المنتهى": ولا يمتنع ذلك في غير الجمعة، وقال في "المبدع": "الظاهر أن المخالفة فيه شُرِعت لمعنى خاص، فلا يلتحق به غيره" (١٢) (ويُصلِّيها ركعتين قبل الخطبة): لقول
(١١) مسألة: يُشترط لصحة صلاة العيد شرطان: أولهما: أن يكون الحاضرون مستوطنين بلدًا معينًا، فلا صلاة عيد على مسافرين، ثانيهما: أن يبلغ الحاضرون أربعين رجلًا؛ ولا يشترط أن يأذن الإمام، فتصح ولو لم يأذن بها الإمام أو نائبه؛ القاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يصل العيد حينما كان مسافرًا في حجة الوداع، فيلزم منه: اشتراط الاستيطان لها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط لصحة صلاة الجمعة بلوغ الحاضرين أربعين رجلًا، ولا يُشترط لها إذن الإمام فكذلك العيد مثلها والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر مظهرًا من مظاهر الإسلام، وموضعًا يظهر فيه قوة المسلمين واجتماعهم، فيشترط لها بلوغهم الأربعين، ولا يُشترط إذن الإمام لذلك؛ إذ المقصود متحقق بدونه
(١٢) مسألة: يُستحب أن يذهب المسلم إلى مصلى العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر غير الأول؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار هذه الشعيرة في أكثر من موضع، وحصول التعارف مع أصحاب الطريقين، ومشاركتهم فرحتهم فيه، فإن قلتَ: إن هذا يُستحب في صلاة الجمعة، وكذا باقي الصلوات؛ قياسًا على صلاة العيد بجامعِ: وجود تلك المصالح في ذلك، وهو الذي نقله المصنف =
следующие страницы →