← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى" متفق عليه، وكذلك الخلفاء من بعده (٤) (و) يسن (تقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر) فيؤخرها؛ لما روى الشافعي مرسلًا: "النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم أن عجِّل الأضحى، وأخّر الفطر، وذكِّر الناس" (٥) (و) يسن (أكله قبلها) أي: قبل الخروج لصلاة الفطر؛ لقول بريدة: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يُفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي" رواه أحمد، والأفضل: تمرات وترًا، والتوسعة على الأهل والصدقة (٤) مسألة: يُستحب أن تُقام صلاة العيد في صحراء قريبة من البنيان؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك؛ فيخرج ﷺ إلى مكان بينه وبين مسجده ألف ذراع من الجهة الشرقية، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان الخلفاء الأربعة يفعلون ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخروج لأجلها بهذا المظهر من التزين والفرح أظهر لشعائر الدين، وأوقع لهيبة الإسلام والمسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا يُخرج لصلاة الجمعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروجهم لها فيه مشقة؛ نظرًا لتكرارها في كل أسبوع. (٥) مسألة: يُستحب أن يُقدِّم الإمام صلاة عيد الأضحى قليلًا -وأن يؤخر صلاة عيد الفطر قليلًا؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ بذلك" وصرفت المصلحة هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن في تقديم صلاة الأضحى مصلحة تمكين الناس من ذبح الضحايا والهدي قبل مجيء الليل، والأكل، والتصدق والهدي منها، وفي تأخير صلاة الفطر: مصلحة تمكين الناس من الفراغ من توزيع صدقة الفطر قبل الصلاة، فائدة: الحديث المرسل هو: أن يقول من لم ير النبي ﷺ : "قال النبي كذا" وهو حجة عند الجمهور، ولا يحتج به عند الشافعي إلا بخمسة شروط، وعند غيره يُحتج به مطلقًا، وقد بينت في كتابي: "المهذَّب" و"الخلاف اللفظي" ذلك بالتفصيل وذكرتُ أن الخلاف لفظي.

стр. 737

(وعكسه) أي: يُسنُّ الإمساك (في الأضحى إن ضحَّى) حتى يصلي؛ ليأكل من أضحيته، لما تقدَّم، والأولى من كبدها (٦) (وتكره) صلاة العيد (في الجامع بلا عذر) إلا بمكة المشرفة؛ لمخالفة فعله ﷺ ، (٧) ويُستحب للإمام أن يستخلف من يُصلِّي (٦) مسألة: يُستحب أن يأكل المسلم شيئًا قبل خروجه إلى صلاة عيد الفطر، والأفضل: أن يكون المأكول تمرًا تكون وترًا: ثلاثًا أو خمسًا ونحوها، ويُستحب: أن لا يأكل شيئًا قبل خروجه إلى صلاة عيد الأضحى وبعد صلاته يأكل من أضحيته إن ضحَّى من كبدها، ويُستحب أن يُوسِّع على أهله، ويتصدق على الفقراء في هذين اليومين؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" فيوسِّع على الفقراء، فإذا كان يفعل في الفقراء ذلك فمن باب أولى: أن يوسِّع على أهله، من باب "مفهوم الموافقة الأولى" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ "لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر بتمرات يأكلهن وترًا، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المبادرة في أكل شيء في يوم الفطر فيه إخلاص العبادة الله تعالى؛ حيث إنه نفَّذ الأمر بالإفطار مباشرة، وشُرع تأخير الأكل حتى يأكل من أضحيته في يوم الأضحى؛ لشكر الله تعالى على أنه أمكنه من ذلك، وشُرِع أكل التمر؛ لسرعة تناوله وهضمه، وسرعة جريانه في الأمعاء فيُسبِّب نشاطًا له لذا: استُحب أن يُفطر عليه الصائم، وشرع الوتر؛ لأن الله وتر يحب الوتر، وشرع الأكل من الكبد؛ لفائدتها، وسهولة هضمها، وسرعة طبخها، وشُرع أن يوسع على الفقراء في هذا اليوم؛ لتمكينهم من المشاركة في الفرح والسرور. (٧) مسألة: يُكره أن يصلي الإمام صلاة العيد في جامع داخل البلد بلا عذر، أما إن وجد عذر كنزول مطر، أو هبوب ريح، أو كثرة سكان، والصحراء بعيدة: فإنها تصلى في الجامع داخل البلد بلا كراهة، وتصلى في مكة في الحرم: سواء وجد عذر أو لا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصليها خارج المدينة، ولا =

стр. 738

بضَعَفَة الناس في المسجد؛ لفعل علي ﵁، ويخطب لهم، ولهم فعلها قبل الإمام وبعده، وأيُّهما سَبَق: سقط به الفرض، وجازت التضحية (٨) (ويُسنُّ تبكير مأموم إليها)؛ ليحصل له الدنو من الإمام، وانتظار الصلاة، فيكثر ثوابه (ماشيًا)؛ لقول علي ﷺ : "من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" رواه الترمذي، وقال: "العمل على هذا عند أكثر أهل العلم" (بعد) صلاة (الصبح و) يُسنُّ (تأخر إمام إلى وقت الصلاة)؛ لقول أبي سعيد: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة" رواه مسلم، ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر (٩)، ويخرج يُصلِّيها في مسجده، فلو لم تكن مكروهة في المسجد: لما شقَّ النبي ﷺ على نفسه وعلى غيره وخرج إلى خارج البلد، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صلاة العيد من مظاهر الدِّين، فإذا صُلِّيت داخل البلد لم تتحقق تلك المصلحة، فإن قلتَ: لمَ تصلى في الحرم المكي مطلقًا؟ قلتُ: لكثرة قاصدي هذا المسجد، والمضاعفة الصلاة فيه، فلو خرجوا لشقَّ عليهم ذلك، وللزم حرمانهم من مضاعفة الأجر فيه. (٨) مسألة: إذا خرج الإمام ليصلي بالناس العيد خارج البلد: فإنه يُستحب أن يُنيب عنه شخصًا يُصلِّي بالمعذورين من الناس: كالمرضى والضعفة، ويجوز لأي شخص أن يذبح أضحيته بعد إحدى الصلاتين كما لو كانتا في بلدين منفصلتين؛ فيقوم هذا النائب بالخطبة والصلاة قبل صلاة الإمام أو بعدها؛ لفعل الصحابي؛ حيث "إن عليًا ﵁ قد أناب عنه أبا مسعود البدري ليصلي بضَعَفَة الناس" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال الآخرين وتمكينهم من فعل الخيرات. (٩) مسألة: يُستحب أن يبدأ المأموم بالمشي على قدميه إلى مصلى العيد مبكرًا: بأن يكون بعد صلاته الفجر مباشرة، ويُستحب للإمام أن يتأخر بالمشي =

стр. 739

(على أحسن هيئة) أي: لابسًا أجمل ثيابه؛ لقول جابر: "كان رسول الله ﷺ يعتمَّ ويلبس بُرْدَه الأحمر في العيدين والجمعة" رواه ابن عبد البر (إلا المعتكف فـ) يخرج (في ثياب اعتكافه)؛ لأنه أثر عبادة، فاستُحب بقاؤه، (١٠) (ومن شرطها) أي: شرط بحيث إذا وصل المصلى يبدأ بالصلاة ثم الخطبة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال علي ﵁: "من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" وهذا القول له حكم الحديث المرفوع، "وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا" -كما رواه ابن عمر ﵃ و"كان ﷺ يخرج إلى العيد فأول شيء يبدأ به الصلاة"- كما رواه أبو سعيد، وهذا يلزم منه تأخره في الحضور، حتى يكمل حضور الصحابة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حضور صلاة العيد مبكرًا سبب لحصول الثواب والأجر، حيث إنه بذلك يدنو من الإمام، وينتظر الصلاة، ويجلس في الصف الأول، ولا يؤذي الآخرين بتخطِّي رقابهم، وفي حضور الإمام قبل المأمومين مشقة عليه، فالناس ينتظرونه وهو لا ينتظر الناس، وفي المشي: تكثير للأجر؛ لأن في كل خطوة حسنة ورفع سيئة. (١٠) مسألة: يُستحب أن يخرج المسلم إلى صلاة العيدين بأحسن ما عنده من ثياب وزينة وطيب، وبأجمل هيئة يستطيعها، أما إن كان معتكفًا إلى صلاة العيد: فإنه يخرج بثيابه المعتادة في اعتكافه، ولا يُستحب تغييرها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يلبس عمامته وبرده الأحمر في العيدين والجمعة، الثانية: القياس، بيانه، كما أنه لا يُستحب أن يُغيِّر الصائم رائحة فمه في آخر نهار يوم صومه، فكذلك لا يُستحب للمعتكف تغيير ثيابه والجامع: أن كلًا منهما أثر عبادة يستحب عند الشارع بقاؤه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن يوم العيد والجمعة من أيام الزينة والجمال، فيُستحب أن يلبس أحسن ما عنده ليُحقِّق ذلك، أما أثر العبادة فهو زينة بذاته فلا يُشرع تغييره؛ ليُباهي الله به ملائكته.

стр. 740

صحة صلاة العيد: (استيطان، وعدد الجمعة) فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأن النبي ﷺ وافق العيد في حجَّته ولم يُصلِّ (لا إذن إمام) فلا يُشترط كالجمعة (١١) (ويُسنُّ) إذا غدا من طريق (أن يرجع من طريق آخر)؛ لما روى البخاري عن جابر: "أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق" وكذا: الجمعة، قال في "شرح المنتهى": ولا يمتنع ذلك في غير الجمعة، وقال في "المبدع": "الظاهر أن المخالفة فيه شُرِعت لمعنى خاص، فلا يلتحق به غيره" (١٢) (ويُصلِّيها ركعتين قبل الخطبة): لقول (١١) مسألة: يُشترط لصحة صلاة العيد شرطان: أولهما: أن يكون الحاضرون مستوطنين بلدًا معينًا، فلا صلاة عيد على مسافرين، ثانيهما: أن يبلغ الحاضرون أربعين رجلًا؛ ولا يشترط أن يأذن الإمام، فتصح ولو لم يأذن بها الإمام أو نائبه؛ القاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يصل العيد حينما كان مسافرًا في حجة الوداع، فيلزم منه: اشتراط الاستيطان لها، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط لصحة صلاة الجمعة بلوغ الحاضرين أربعين رجلًا، ولا يُشترط لها إذن الإمام فكذلك العيد مثلها والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر مظهرًا من مظاهر الإسلام، وموضعًا يظهر فيه قوة المسلمين واجتماعهم، فيشترط لها بلوغهم الأربعين، ولا يُشترط إذن الإمام لذلك؛ إذ المقصود متحقق بدونه (١٢) مسألة: يُستحب أن يذهب المسلم إلى مصلى العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر غير الأول؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار هذه الشعيرة في أكثر من موضع، وحصول التعارف مع أصحاب الطريقين، ومشاركتهم فرحتهم فيه، فإن قلتَ: إن هذا يُستحب في صلاة الجمعة، وكذا باقي الصلوات؛ قياسًا على صلاة العيد بجامعِ: وجود تلك المصالح في ذلك، وهو الذي نقله المصنف =

стр. 741

ابن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵁ يصلون العيدين قبل الخطبة" متفق عليه، فلو قدَّم الخطبة: لم يعتد بها (١٣) (يُكبِّر في الأولى بعد) تكبيرة (الإحرام والاستفتاح، وقبل التعوذ والقراءة ستًا) زوائد (وفي) الركعة (الثانية قبل القراءة خمسًا)؛ لما روى أحمد وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ كبَّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة: سبعًا في الأولى، وخمسًا في الآخرة" إسناده حسن، قال أحمد: اختلف أصحاب النبي ﷺ في التكبير، وكله جائز (ويرفع يديه مع كل تكبيرة)؛ لقول وائل بن حجر: "إن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع عن بعض الحنابلة قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة الجمعة تتكرر كل أسبوع، والصلوات تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فلو شرع هذا وحرص بعض الناس على فعله لشق على نفسه أنه لم يرد عنه ﷺ أنه فعله في غير العيد، فيكون فعل ذلك في الجمعة وفي باقي الصلوات إحداثًا في الدين ما ليس منه فيكون مردودًا قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة الفعلية" فعندنا: يُعمل بالسنة، وعندهم: يُعمل بالقياس. (١٣) مسألة: صلاة العيد ركعتان، تكون قبل الخطبة عكس صلاة الجمعة، فلو خطب قبل صلاته في العيد: فلا يُعتدُّ بتلك الخطبة ولا الصلاة، فتُعادان؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يصلي ركعتين صلاة العيد، ثم يخطب، الثانية: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث كان الخلفاء الأربعة يفعلون ذلك ولم يُنكر عليهم أحد، فإن قلتَ: لمَ كانت الصلاة قبل الخطبة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الناس بحاجة إلى الانتفاع بالوقت بعد صلاة العيد؛ لمعايدة الآخرين، ولذبح الأضحية والهدي فلا يُلزمون بالانتظار لها، ولأن حضور الصلاة أعظم أجرًا من حضور الخطبة.

стр. 742

التكبير" قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله، وعن عمر ﵁ "أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد"، وعن زيد كذلك رواهما الأثرم (١٤) (ويقول) بين كل تكبيرتين (الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، وصلى الله على محمد النبي وآله، وسلم تسليمًا كثيرًا)؛ لقول عقبة بن عامر: سألت ابن مسعود ﵁ عما يقوله بعد تكبيرات العيد قال: "يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ " رواه الأثرم وحرب واحتجَّ به أحمد (وإن أحبَّ قال غير ذلك)؛ (١٤) مسألة: صفة صلاة العيد هي أن يُكبِّر في الركعة الأولى: تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح، ثم يُكبِّر ست تكبيرات، ثم يتعوذ، ثم يُبسمل، ثم يقرأ جهرًا الفاتحة، ثم يقرأ سورة بعدها، ثم يركع، ثم يرفع منه، ثم يسجد سجدتين -كالصلاة العادية- ثم يقوم للركعة الثانية مُكبِّرًا لها، ثم يُكبر خمس تكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة بعدها، ثم يركع، فيرفع منه، فيسجد سجدتين -كالصلاة العادية- ثم يتشهد ويُسلِّم، ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث ﷺ يفعل ذلك -كما رواه عمرو بن شعيب، وكان يرفع يديه مع كل تكبيرة- كما رواه وائل بن حجر -الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس، وأبا هريرة، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعمر ﵃ كانوا يفعلون ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرعت كثرة التكبيرات هنا؟ قلتُ: لبيان عظم الله تعالى، وأنه أكبر من أي شيء يعظم في نفوس الناس؛ لأن الناس في هذا اليوم يتعاظمون في أنفسهم بسبب كثرة الزينة والتجمُّل، فأراد الشارع أن يُبيِّن أنهم لا شيء بالنسبة لله تعالى، فإن قلتَ: لمَ استُحب رفع اليدين هنا؟ قلتُ: للمبالغة في تعظيم الله تعالى؛ ليجتمع له تعظيمان: تعظيم قولي، وهو قوله: "الله أكبر" وتعظيم فعلي وهو: رفع اليدين.

стр. 743

لأن الغرض الذكر بعد التكبير، (١٥) وإذا شك في عدد التكبير: بنى على اليقين (١٦) وإذا نسي التكبير حتى قرأ: سقط؛ لأنه سنة فات محلُّها، (١٧) وإن أدرك الإمام (١٥) مسألة: يُستحب أن يسرد تلك التكبيرات متوالية متصلة، فلا يقول شيئًا بينها، وهو مذهب الجمهور؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يسردها، ولم يُنقل عنه أنه كان يقول بينها شيئًا فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن سردها أكثر إقناعًا في أن الله أكبر من كل شيء، فإن قلتَ: لا يسردها؛ بل يُستحب أن يقول بين كل تكبيرتين: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا" ويجوز أن يقول: غير ذلك مما في معناه؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن مسعود ﵁ يقول ذلك -كما رواه عقبة- قلتُ: هذا لا يُحتجُّ به؛ لمعارضته السنة؛ لأن قول أو فعل الصحابي إذا عارض النص من الكتاب أو السنة فليس بحجة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة الفعلية" فعندنا: يعمل بالسنة الفعلية، وزيادة ابن سعود لا يُنظر إليها، وعندهم: يقدم فعل الصحابي؛ لوجود زيادة فيه مع العمل بالسنة الفعلية. (١٦) مسألة: إذا شكَّ الإمام هل كبَّر أربعًا أو خمسًا؟ فإنه يجعل نفسه مُكبِّرًا أربعًا، ويأتي بخامسة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأربع متيقن منها والشك وقع في الخامسة، فيستصحب المتيقن وهو كونه قد كبَّر أربعًا، ولا يلتفت إلى ما شكَّ فيه، ولا يعتبره من الحساب، ويأتي به، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط في الدِّين، وعدم الالتفات إلى الشكوك. (١٧) مسألة: إذا كبَّر الإمام تكبيرة الإحرام في صلاة العيد، ثم شرع في القراءة كعادته ونسي التكبيرات الست: فإن التكبيرات تسقط، ولا يعود إليها، ويستمر في قراءته للفاتحة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو نسي التعوذ أو البسملة ولم يذكرهما إلا بعد شروعه بقراءة الفاتحة: فإنهما يسقطان، فكذلك من نسي =

стр. 744

راكعًا: أحرم ثم ركع، ولا يشتغل بقضاء التكبير وإن أدركه قائمًا بعد فراغه من التكبير: لم يقضه، وكذا: إن أدركه في أثنائه: سقط ما فات (١٨) (ثم يقرأ جهرًا)؛ لقول ابن عمر ﵁: "كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء" رواه الدارقطني (١٩) (في الأولى بعد الفاتحة بسبح، وبالغاشية في الثانية): لقول سمرة: إن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ رواه أحمد (٢٠) (فإذا سلَّم) من الصلاة (خطب خطبتين كخطبتي الجمعة) التكبيرات مثله والجامع: أن كلًا منها مستحب قد فات محله، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لعدم جواز قطع ركن بسبب الإتيان بمستحب. (١٨) مسألة: إذا دخل المأموم مع الإمام في صلاة العيد وهو قد كبَّر بعض التكبيرات: فإنه يُكبر تكبيرة الإحرام، ثم يُكبِّر مع الإمام ما بقي من التكبيرات، وإن دخل معه وقد فرغ الإمام منها وهو قائم: قام معه ولم يقضها، أو إن دخل معه وهو راكع: ركع معه ولا يقضي تلك التكبيرات؛ للقياس، بيانه: كما أن المأموم لا يقرأ الفاتحة إذا فاتته، بل يتبع المأموم على ما هو عليه فكذلك هنا، والجامع: أن كلًا منها شيء مشروع قد فات محلُّه، فإن قلتَ: لمَ لا يقضي؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن قضاءها فيه مشقَّة. (١٩) مسألة: قراءة الفاتحة والسورة التي بعدها في ركعتي صلاة العيد تكون جهرًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك -كما روى ذلك ابن عمر ﵁-، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الجهر بالقراءة فيه إشراك المأمومين في الاستفادة مما يقرأه الإمام من القرآن، وفيه إظهار للإسلام. (٢٠) مسألة: يُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة العيد -بعد الفاتحة- بسورة "الأعلى"، ويقرأ في الثانية -بعد الفاتحة- بسورة "الغاشية"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقرأ بهما في صلاة العيد -كما رواه سمرة بن جندب =

стр. 745

في أحكامها حتى في الكلام، (٢١) إلا في التكبير مع الخاطب (٢٢) (يستفتح الأولى بتسع تكبيرات) قائمًا نسقًا (والثانية: بسبع) تكبيرات كذلك، لما روى سعيد عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة قال: يُكبِّر الإمام يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية: سبع تكبيرات (٢٣) (ويحثُّهم في) خطبة (الفطر على الصدقة)؛ وابن عباس والنعمان-، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنهما قد تضمَّنتا الحثَّ على الصلاة والزكاة، وقدرة الله تعالى، وهدايته وإرشاده لمن شاء من عباده، وتذكير بيوم القيامة، وأن الناس قسمان: قسم في الجنة، وقسم في النار كما روي عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز. (٢١) مسألة: إذا سلَّم الإمام من صلاة العيد: يرقى المنبر فيخطب خطبتين يجلس بينهما، وهاتان الخطبتان مثل خطبتي الجمعة فيما يُشترط، ويجب، ويُستحب ويكره، ويُحرم، ويباح وقد سبق بيان ذلك مع قواعدها ومقاصدها في مسائل (٤١ إلى ٧٥) من باب "صلاة الجمعة"، فإن قلتَ: لمَ شرعت الخطبتان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اجتماع الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم، وأعمارهم، وطبقاتهم، وزينتهم يناسبه إلقاء خطبة يذكرهم الإمام فيهما بنعم الله تعالى على إكمال شهر رمضان، وعلى وقوفهم بعرفة، ويبين لهم الأحكام المناسبة لهذين اليومين كما سيأتي. (٢٢) مسألة: يجوز للمأموم أن يُكبِّر التكبيرات بعد تكبير الخطيب في أثناء خطبته؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز لحاضر الخطبة أن يذكر الله أثناء خطبة الخطيب، فكذلك يجوز له أن يُكبِّر، والجامع أن كلًا منهما ذكر لا يمنع من الاستماع، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مشاركة في الخير. (٢٣) مسألة: يبدأ خطبة العيد الأولى بتسع تكبيرات نسقًا وهو قائم، أي: تكون متتابعات، متتاليات بدون فصل، ويبدأُ الخطبة الثانية منهما بسبع تكبيرات متتابعات؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ =

стр. 746

لقوله ﷺ : "اغنوهم بها عن السؤال في هذا اليوم" (ويُبيِّن لهم ما يُخرجون) جنسًا، وقدرًا، والوجوب، والوقت (٢٤) (ويُرغبهم في) خطبة (الأضحى في الأضحية، ويُبيَّن لهم حكمها؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيرًا من أحكامها من رواية أبي سعيد، والبراء، وجابر وغيرهم (٢٥) (والتكبيرات الزوائد) قلتُ: لبيان عظم الله تعالى، وأنه أكبر من أي شيء يكبر في نفوس هؤلاء الحاضرين، وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: لمَ كان هذا العدد من التكبيرات وترًا؟ قلتُ: لأن الله وتر يحب الوتر، ولأن في تكثيرها كمال للإقناع بأن الله أكبر من كل شيء فيجب أن يعظم هو لوحده. (٢٤) مسألة: يُستحب للخطيب في خطبتي عيد الفطر: أن يحث الحاضرين على كثرة الصدقات على الفقراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا اليوم يوم زينة فلا يُناسبه السؤال فيتصدَّق عليهم بدون انتظار سؤالهم؛ لإغنائهم فيه، تنبيه: قوله: "ويبين لهم ما يخرجون جنسًا وقدرًا … " يشير به إلى أن الإمام يُبين صدقة الفطر من حيث جنسها، وقدرها، وحكمها، ووقت إخراجها في خطبة يوم عيد الفطر قلتُ: هذا لا يُناسب؛ لأن زكاة الفطر قد أُخرجت قبل الصلاة، والمناسب لبيان أحكام زكاة الفطر هو خطبة آخر جمعة من رمضان؛ للمصلحة: حيث إن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك. (٢٥) مسألة: يُستحب أن يُبيِّن الخطيب في خطبتي عيد الأضحى أحكام الأضحية، والمجزئ منها، وغير المجزئ، ووقت الذبح الأفضل ونحو ذلك، وكيفية الذبح، وما يُقال عنده، وكيفية تفريق لحمها؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من الوقوع في المخالفات الشرعية، وذكر ذلك في خطبة عيد الأضحى مناسب؛ لكون الناس لم يقوموا بذبح أضحياتهم.

стр. 747

سنة (والذكر بينها) أي: بين التكبيرات سنة، ولا يُسنُّ بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين، (٢٦) (والخطبتان سنة)؛ لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: شهدتُ مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب، فمن أحبَّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبَّ أن يذهب فليذهب" رواه ابن ماجه، وإسناده ثقات، ولو وجبت: لوجب حضورها واستماعها (٢٧) والسنة لمن حضر العيد من النساء: حضور الخطبة، وأن يُفرَدْن بموعظة إذا لم يسمعن خطبة الرجال، (٢٨) (ويُكره التنفُّل) (٢٦) مسألة: التكبيرات الزوائد -وهي: ست في الركعة الأولى، وخمس في الثانية- مستحبَّة، فلو لم يكبر تلك التكبيرات: لصحَّت صلاته: سواء تركها عمدًا أو سهوًا؛ للإجماع، حيث أجمع العلماء على ذلك، فإن قلتَ: لمَ كانت مستحبَّة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين تنبيه: قوله: "والذكر بينها .. " يُشير به إلى استحباب إيجاد ذكر بين تلك التكبيرات، وأن ذلك مستحب قلتُ: قد بينتُ أنه لا يقول شيئًا بينها، بل تسرد في مسألة (١٥). (٢٧) مسألة: يُستحب للمأموم أن يحضر خطبتي العيد، فلو تركهما فلا بأس؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب" وهذا يفيد الإباحة لبيان تساوي الطرفين، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن حضورهما فيه فائدة معرفة الأحكام التي يذكرها الخطيب، وهذا يُعتبر من طلب العلم، وطلب العلم سنة، فإن قلتَ: لمَ أذن بترك الخطبتين لمن أراد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال الآخرين في قضاء حاجتهم خاصة في عيد الأضحى؛ حيث يحتاج أكثرهم إلى الخروج مبكرًا للذبح، وقضاء ما بقي من نسكه إن كان حاجًا. (٢٨) مسألة: إذا حضرت النساء صلاة العيد: فإنه يُستحب حضورهن للخطبة، وإذا علم الخطيب أن صوته لم يسمعنه: فإنه يُستحب أن يأتيهن، ويعظهن وهن =

стр. 748

وقضاء فائتة (قبل الصلاة) أي: صلاة العيد (وبعدها في موضعها) قبل مفارقته؛ لقول ابن عباس ﵃: "خرج النبي ﷺ يوم عيد، فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما" متفق عليه (٢٩) (ويُسنُّ لمن فاتته) صلاة العيد (أو) فاته (بعضها: قضاؤها) في يومها قبل الزوال، أو بعده (على صفتها)، لفعل أنس ﵁، وكسائر الصلوات (٣٠) منفردات لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خصَّص النساء بموعظة بعد خطبته للرجال الثانية: المصلحة؛ حيث إن حضورهن للخطبة يتسبَّب في معرفتهن ما لهن وما عليهن من الأحكام. (٢٩) مسألة: يُستحب التنفُّل بصلاة قبل صلاة العيد وبعدها في موضع صلاتها وقضاء فوائت: سواء في الصحراء أو في الجامع؛ للاستصحاب، وهو استصحاب الأمر المطلق بالتنفل، والأمر بتحية المسجد وقضاء الفوائت، وموضع صلاة العيد يُعتبر مسجدًا، فيُعمل بذلك دون تفريق بين مصلي صلاة العيد ولا غيره، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إشغال للنفس بالطاعة، فإن قلتَ: إن ذلك يُكره، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى ركعتي العيد، ولم يصل قبلهما ولا بعدهما -كما رواه ابن عباس ﵃- قلتُ: هذا لا يدل على الكراهة، بل تركَّ للنافلة، والترك ليس بنهي، ويُحتمل أنه ترك النافلة لشغل أشغله عنها، وهذا كله لا يقوى على إزالة الأصل، وهو: الأمر بالتنفل المطلِّق فيبقى، فنعمل به فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع الاستصحاب" فعندنا: يبقى الأصل وهو: استحباب التنفل ولا تقوى السنة على تغيير ذلك هنا كما بينا، وعندهم: تقوى السنة على تغيير الأصل. (٣٠) مسألة: يستحب قضاء صلاة العيد لمن فاتته على صفتها، وكذلك يقضي بعضها إن فاته على صفتها، وهذا القضاء يكون في يومها: سواء قبل الزوال أو =

стр. 749

(ويسن التكبير المطلق) أي: الذي لم يُقيَّد بإدبار الصلوات، وإظهاره، وجهر غير أنثى به (في ليلتي العيدين) في البيوت والسواق، والمساجد، وغيرها، ويجهر به في الخروج إلى المصلى إلى فراغ الإمام من خطبته (و) التكبير (في) عيد (فطر آكد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ (و) يسنُّ التكبير المطلق أيضًا (في كل عشر ذي الحجة) ولو لم ير بهيمة الأنعام (٣١) (و) يُسنُّ التكبير (المقيَّد عقب كل بعده لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن السنن الرواتب تقضى إذا فاتت فكذلك صلاة العيد مثلها والجامع: أن كلًا منها سنن في فعلها أداء أو قضاء أجر وثواب، وهذا هو المقصد، الثانية: فعل الصحابي: حيث إن أنسًا كان يقضي صلاة العيد إذا فاتته مع إمام البصرة فيجتمع مع أهله ومواليه فيأمر عبد الله بن أبي عتبة فَيُصِلي بهم ركعتين. (٣١) مسألة: يُستحب التكبير المطلق -كما ستأتي صفته في مسألة (٣٧) - في كل وقت، يجهر بها -غير النساء- وهو: يبدأ من غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وينتهي بعد فراغ الخطيب من خطبته في يوم عيد الفطر، والتكبير هنا مؤكد، ويبدأ التكبير في عيد الأضحى من أول يوم من شهر ذي الحجة، وينتهي بعد فراغ الخطيب من خطبته في عيد الأضحى وهو اليوم العاشر، وهو عام لجميع الرجال والنساء والمقيمين والمسافرين، وفي جميع الأماكن، وفي جميع الحالات: سواء رأى بهيمة الأنعام التي ستذبح في الأضحى أو لم يرها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ والمراد: لتكملوا عدة شهر رمضان، وتكبروا ذلك عند كماله على ما هداكم، ونزول هذه الآية في ذلك يُفيد تأكُّد التكبير المطلق في عيد الفطر، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت أن ابن عمر ﵃ كان يُكبِّر في قبَّته في منى -وهو حاج- وكان يجهر بالتكبير، وثبت ذلك أيضًا عن أبي هريرة، فإن =

стр. 750

فريضة في جماعة) في الأضحى؛ لأن ابن عمر ﵁ كان لا يُكبِّر إذا صلى وحده، وقال ابن مسعود ﵁: "إنما التكبير على من صلى في جماعة" رواه ابن المنذر، فيلتفت الإمام إلى المأمومين، ثم يُكبِّر؛ لفعله ﷺ (من صلاة الفجر يوم عرفة) روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ (وللمحرم: من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق)؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، والجهر به مسنون، إلا للمرأة، وتأتي به كالذكر عقب الصلاة، قدَّمه في "المبدع"، (٣٢) وإذا فاتته قلتَ: لمَ استحب هذا التكبير المطلق في العيدين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلمين قد تخلَّصوا من ذنوبهم بسبب صيامهم وقيامهم ودعائهم في رمضان، وبسبب قيامهم بالأعمال الصالحة التي فعلوها في عشر ذي الحجة وبسبب انقضاء حج الحجاج، فُشرع التكبير لشكر الله تعالى على ذلك، وإظهارًا للفرح والسرور، وشرع الجهر به لإظهار الإسلام. (٣٢) مسألة: يستحب التكبير المقيَّد في عيد الأضحى، وهو يبدأ -لغير الحاج-: من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، ويبدأ للمحرم بالحج من صلاة الظهر من يوم النحر -وهو يوم العيد- إلى العصر من آخر أيام التشريق، وهو مقيَّد بعد كل صلاة مع الجماعة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ وإذا صلى الصبح في يوم عرفة بدأ بالتكبير، فيُكبِّر معه أصحابه، الثانية: فعل وقول الصحابي؛ حيث كان بعض الصحابة - كعمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ يكبرون من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وكان ابن عمر ﵃ لا يُكبر إذا صلى وحده، وقال ابن مسعود ﵁: "التكبير على من صلى مع جماعة"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تعظيم الله تعالى وقد سبق، فإن قلتَ: لمَ يتأخر الحاج في بداية التكبير؟ قلتُ: لكونه مشغولًا بالتلبية، فإن قلت: لم استحب أن يجهر =

стр. 751

صلاة من عامه فقضاها فيها جماعة: كبَّر؛ لبقاء وقت التكبير (٣٣) (وإن نسيه) أي: التكبير: (قضاه) مكانه، فإن قام، أو ذهب: عاد فجلس (ما لم يُحدثَ أو يخرج من المسجد) أو يطل الفصل؛ لأنه سنة فات محلُّها (٣٤) ويُكبِّر المأموم إذا نسيه الإمام، = بالتكبير: قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار الإسلام، وصوت المرأة عورة فلذلك لا تجهر بالتكبير، فإن قلتَ: لمَ يُشرع التكبير بعد الصلاة مع الجماعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التكبير مع الجماعة أوقع في النفوس وأكثر عظمة الله تعالى. (٣٣) مسألة: إذا نسي مسلم صلاة، فلم يتذكرها إلا في أيام التكبير المقيَّد، وقضاها فيها مع جماعة: فإنه يكبِّر بعدها، وإن لم تكن صلاة من صلوات أيام التكبير؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع قضائها في وقت التكبير: استحباب التكبير بعدها؛ تحصيلًا لأجر التكبير، وهذا هو المقصد منها. (٣٤) مسألة: إذا نسي المسلم التكبير المقيَّد: فيُستحب أن يقضيه مطلقًا: سواء كان قد أحدث، أو لا، خرج من المسجد أو لا، طال الفصل أو لا، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس، بيانه: كما أن الذكر الذي بعد الصلاة يقضى إذا نسي على أية حالة فكذلك التكبير يُقضى مطلقًا والجامع: أن كلًا منهما ذكر شرع بعد الصلاة لا تشترط فيه الطهارة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: يُستحب أن يُقضى بشروط: أولها: أن يكون على طهارة، ثانيها: أن لا يخرج من المسجد، ثالثها: أن لا يطول الفصل عرفًا بين الصلاة وبين تذكره إياه، وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه ذكر مستحب في وقت معيَّن فيلزم من فوات وقته: عدم قضائه قلتُ: هذا لا يلزم؛ لأن التكبير في الأصل مستحب، والأفضل فيه أن يكون عقب صلاة، وإذا فات وقته فيُستحب أن يُقضى كغيره من المستحبات؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" فعندنا: يُعمل بالقياس، وعندهم: يُعمل بالتلازم.

стр. 752

والمسبوق إذا قضى كالذكر والدعاء (٣٥) (ولا يسن) التكبير (عقب صلاة عيد)؛ لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات، ولا عقب نافلة، ولا فريضة صلاها منفردًا؛ لما تقدم (٣٦) (وصفته) أي: التكبير (شفعًا: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر والله الحمد)؛ لأنه ﷺ كان يقول كذلك، رواه الدارقطني، وقاله علي ﵁، وحكاه ابن المنذر عن عمر ﵁، (٣٧) ولا بأس بقوله لغيره: "تقبَّل الله منَّا ومنك" (٣٥) مسألة: يُكبِّر المأموم التكبير المقيَّد وإن لم يُكبِّر الإمام، وكذلك يُكبِّر المسبوق إذا فرغ من قضائه لما فاته، للقياس؛ بيانه: كما أن المأموم - مسبوقًا أو غير مسبوق - يُستحب أن يأتي بالذكر والدعاء عقب كل صلاة سواء ذكره الإمام أو لا، فكذلك المأموم يُكبِّر هنا والجامع: أن كلًا منهما ذكر استحب بعد الصلاة غير مرتبط بالإمام؛ وهو لتحصيل الأجر وهو المقصد منه. (٣٦) مسألة: لا يُشرع التكبير المقيَّد في ثلاثة مواضع: أولها: بعد صلاة العيدين، ثانيها: بعد صلاة نافلة، ثالثها: بعد صلاة فريضة صلاها منفردًا؛ لفعل الصحابي؛ حيث "كان عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ يكبِّرون بعد كل صلاة فرض"، فيلزم من ذلك: عدم مشروعية التكبير بعد صلاة العيد؛ وبعد النوافل؛ لأنها ليست فرضًا، "وكان ابن عمر لا يكبر إذا صلى وحده" فيلزم منه: أنه لا يُكبَّر إلا مع الجماعة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن التكبير هذا عبادة مؤقتة بوقت وحالة فلا تكون في غيرها. (٣٧) مسألة: صفة التكبير المطلق والمقيد في عيد فطر وأضحى هي: أن يقول: "الله الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا أكمل التكبير وأشمله وأعمه؛ حيث تضمَّن تعظيم الله وشكره وتوحيده.

стр. 753

كالجواب، (٣٨) ولا بالتعريف عشية عرفة بالأمصار؛ لأنه دعاء وذكر، وأول من فعله ابن عباس وعمر ﵃، وابن حريث. (٣٩) (٣٨) مسألة: يستحب أن يهنئ بعض المسلمين بعضًا إذا رأى بعضهم بعضًا بالعيد قائلًا الواحد منهم: "تقبل الله منا ومنك" أو يقول: "أعاده علينا وعليكم باليمن والبركات" ونحو ذلك، ويقول الآخر مجيبًا: مثل ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسرار الآخرين وإزالة الشحناء عنهم؛ خلافًا للمصنف من أن ذلك مباح. (٣٩) مسألة: لا يُشرع التعريف - وهو: اجتماع غير الحجاج من بعد العصر: إلى غروب الشمس من يوم عرفة للدعاء والذكر-؛ للتلازم؛ حيث إن الوقوف والدعاء والذكر عبادة خاصة بعرفة لمن حج فيلزم عدم مشروعيته في غيره، فإن قلتَ: لا بأس به- وهو ما ذكره المصنف -؛ لفعل الصحابي، حيث إن ابن عباس فعله قلتُ: إن صحَّ أن ابن عباس قد فعله، فهو اجتهاد منه ولا يلزمنا؛ لمخالفته للقواعد الشرعية؛ حيث إنه يؤدي إلى اختلاط العبادات وأماكنها، قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع فعل الصحابي" فالتلازم عندنا أقوى؛ لموافقته للقواعد الشرعية، وعندهم: فعل الصحابي أقوى؛ للزيادة فيه. هذه آخر مسائل باب "صلاة العيدين" ويليه باب "صلاة الكسوف"

стр. 754

باب صلاة الكسوف يقال: "كَسَفَت" بفتح الكاف وضمها، ومثله؛ "خَسَفَت" وهو: ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه، (١) وفعلها ثابت بالسنة المشهورة، واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (تسنُّ) صلاة الكسوف (جماعة) وفي جامع أفضل؛ لقول عائشة: "خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام وكبَّر وصفَّ الناس وراءه" متفق عليه (وفرادى) كسائر النوافل (إذا كسف أحد النيرين) الشمسُ والقمر (٢) ووقتها من ابتدائه إلى باب صلاة الكسوف وفيه ثمان عشرة مسألة: (١) مسألة: الكسوف والخسوف لفظان مترادفان، والمراد منه: أن يُحجب ضوء الشمس أو القمر أو بعضهما حجبًا مؤقتًا، ويقال: "كَسَفَت الشمس وخَسَفَت" أو "كسف القمر أو خسف"، فإن قلتَ: ما سبب الكسوف الحسي؟ قلتُ: سبب كسوف الشمس هو: وجود القمر بينها وبين الأرض، وسبب كسوف القمر هو: وجود الأرض بينه وبين الشمس، فإن قلتَ: ما سبب الكسوف الشرعي؟ قلتُ: المصلحة: حيث إن الله تعالى يُخوف عباده بأمر غير عادي -كالكسوف-؛ ليتوب الفاسق، ويندم المفرط - كما سيأتي -. (٢) مسألة: صلاة الكسوف مُستحبَّة عند وجوده: سواء صلاها المسلم مع جماعة أو منفردًا، في المسجد أو غيره، ولكن صلاتها في الجامع أفضل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ للأعرابي: "خمس صلوات فرضهن الله عليك في اليوم والليلة" فقال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" فنفى وجوب =

стр. 755

التجلّي، (٣) ولا تقضى كاستسقاء وتحية مسجد، (٤) فيصلي (ركعتين) ويُسنُّ الغُسْل لها (يقرأ في الأولى جهرًا) ولو في كسوف شمس (بعد الفاتحة سورة طويلة) من غير = غير الصلوات الخمس، وأثبت أن غيرها نوافل، ومنها صلاة الكسوف؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وقد سبق تقريره، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى صلاة الكسوف لما كسفت الشمس في مسجده -كما روت عائشة- وهذا يلزم منه أن صلاتها في الجامع أفضل، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الوتر يصلى في جماعة وفرادى فكذلك صلاة الكسوف مثله، والجامع: النفل في كل، فإن قلتَ: لمَ استُحبَّت صلاة الكسوف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الصلاة تمنع - بمشيئة الله - وقوع العقاب بسبب تضمُّنها للقراءة والدعاء والذكر، فإن قلتَ: لمَ كانت في الجامع أفضل؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن الجامع يجمع كثيرًا من الناس، والدعاء الجماعة أقرب للاستجابة، تنبيه: قوله: "واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ … ﴾ " لعله يشير إلى نقل القرطبي في تفسيره (١٥/ ٣٦٤) عن ابن خويزمنداد من المالكية استدلاله بهذه الآية على ثبوت صلاة الكسوف قلتُ: هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن الآية لا تدل بالمنطوق ولا بالمفهوم على هذا فتكون صلاة الكسوف ثابتة بالسنة فقط. (٣) مسألة: وقت صلاة الكسوف يبدأ من ابتداء الكسوف، وينتهي بانتهائه، وهو تجلِّي وظهور القمر أو الشمس؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فادعوا الله وصلوا حتى يتجلَّى" فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن تلك الصلاة سبب والذكر هو وقوع الكسوف، فيبدأ مع وجود سببه، وينتهي بزوال ذلك. (٤) مسألة: إذا لم يعلم المسلم بالكسوف، وفاتت عليه صلاته: فلا تقضى؛ للقياس، بيانه: كما أن صلاة الاستسقاء وتحية المسجد لا يقضيان إذا فات وقتهما فكذلك صلاة الكسوف مثلهما والجامع: أن كلًا منها صلاة ذات سبب، فإذا لم توجد بعد حدوث سببها فقد فات محلُّها.

стр. 756

تعيين (ثم يركع) ركوعًا (طويلًا) من غير تقدير (ثم يرفع) رأسه (ويُسمِّع) أي: يقول: "سمع الله لمن حمده" في رفعه (ويحمد) أي: يقول: "ربنا ولك الحمد" بعد اعتداله كغيرها (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى ثم يركع فيطيل) الركوع (وهو دون الأول ثم يرفع) فيُسمِّع ويحمد كما تقدم، (ثم يسجد سجدتين طويلتين) ولا يطيل الجلوس بين السجدتين (ثم يُصلّي) الركعة (الثانية كـ) الركعة (الأولى لكن دونها في كل ما يفعل) فيها (ثم يتشهّد ويُسلّم)؛ لفعله ﷺ كما روي عنه ذلك من طرق بعضها في الصحيحين (٥) ولا يُشرع لها خطبة؛ لأنه ﷺ أمر بها دون (٥) مسألة: صفة صلاة الكسوف: أن يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح، ثم يتعوذ، ثم يُبسمل، ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ سورة طويلة جهرًا ثم يركع طويلًا، ثم يرفع من ركوعه قائلًا: "سمع الله لمن حمده" ويقول المأموم: "ربنا ولك الحمد" ثم يُبسمل، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة ولكنها دون الأولى - وهذا كله جهرًا - ثم يركع ويطيل الركوع، ثم يرفع منه- كما فعل في السابق - ثم يسجد سجدتين بينهما جلوس - كالصلاة العادية - ويُطيل في السجود، ثم يرفع من السجدة الثانية ويعتدل قائمًا، ويفعل في الركعة الثانية كما فعل في الركعة الأولى تمامًا، ولكنه يفعل ويقرأ أقل من فعله وقراءته في الركعة الأولى: من القراءة والركوع والقيام والسجود، ثم يجلس بعد السجدتين من الركعة الثانية ويتشهد ويُسلّم؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ قد فعل ذلك في صلاة الكسوف فإن قلتَ: لمَ شرع هذا في صلاة الكسوف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير لقراءة القرآن والتسبيح والذكر والدعاء، وقد كانت الثانية أقل من الأولى، لمراعاة المأمومين؛ حيث شقَّ عليهم في الأولى، وقد كانت القراءة جهرًا؛ لأن ذلك فيه مشاركة المأمومين للإمام في سؤال العافية عند الوعيد وسؤال الجنة عند الوعد إذا مرَّ =

стр. 757

الخطبة، (٦) ولا تُعاد إن فرغت قبل التجلّي، بل يدعو ويذكر كما لو كان وقت = ذلك بالآيات. [فرع]: لا يشرع الاغتسال لصلاة الكسوف؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ خرج إليها يجرُّ رداءه مسرعًا فزعًا" وهذا يلزم منه: عدم مشروعية الاغتسال لها، لأن الاغتسال يلزم منه تأخيرها، وهذا ينافي الإسراع، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع الاغتسال لها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صلاتها تكون بسبب وقوع الكسوف وهو ينذر بالخوف، وهذا يجعل المسلم يخرج مسرعًا متبدّلًا غير مُلتفت لنفسه أو لغيره، وهذا أدعى لرحمة الله، فإن قلتَ: إنه يستحب الاغتسال لها؛ وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ قياسًا على صلاة الجمعة بجامع: الاجتماع في كل قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الجمعة تسمَّى عيد الأسبوع، والعيد يغتسل له، ولأن الجمعة معروف موعدها، فيغتسل لها مبكرًا، بخلاف صلاة الكسوف، فليست بعيد، ولا يعرف موعدها؛ لأنها تختلف باختلاف حصول الكسوف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة الفعلية": فعندنا: يعمل بالسنة وما يلزم منها، وعندهم: يعمل بالقياس؛ لأن السنة لا تدل على عدم الاغتسال لها عندهم. (٦) مسألة: لا يُشرع لصلاة الكسوف خطبة قبلها ولا بعدها: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" فلم يأمر بخطبة لها مطلقًا، فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع لها خطبة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة أدعى إلى إزالة الكسوف بسبب تضمُّنها للقراءة والدعاء والذكر، فإن قلتَ: إنه يُشرع لها خطبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خطب الناس بعد صلاة الكسوف قلتُ: إنه ﷺ لما سلَّم منها، قد علَّم الناس أحكامها؛ نظرًا لغرابتها، وبيَّن لهم أسباب الكسوف الشرعية وهذا لا يُسمَّى خطبة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: =

стр. 758

نهي (٧) (فإن تجلَّى الكسوف فيها) أي: الصلاة: (أتمها خفيفة): لقوله ﷺ : "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁ (٨) (وإن غابت الشمس كاسفة أو طلعت) الشمس، أو طلع الفجر (والقمر خاسف): لم يصل؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما، (٩) ويعمل بالأصل في بقائه وذهابه (١٠) (أو = سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة القولية؛ لأنه لا يُفهم مما عمله النبي بعدها أنه خطبة، وعندهم: يُعمل بالفعلية؛ لحمل كلامه بعدها على أنه خطبة. (٧) مسألة: إذا فرغ المسلم من صلاة الكسوف، والكسوف لم يذهب: فلا يُعيد الصلاة مرة ثانية، بل يُكثر من الدعاء والذكر كما يفعل حين يدخل المسجد في وقت نهي عن صلاة تطوع؛ للسنة الفعلية، حيث إنه ﷺ لم يزد عن ركعتين، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن الكسوف سبب واحد تُشرع له صلاة واحدة، فلا تتعَّدد الصلاة - مع وحدة السبب. (٨) مسألة: إذا زال الكسوف قبل الركوع الأول أو في أثناء الصلاة: فإنه يُتمُّها خفيفة كنافلة مطلقة وينوي ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" حيث دل مفهوم الغاية على عدم مشروعية الصلاة؛ إذا زال الكسوف، ويلزم من هذا: أنه يتمها خفيفة فيما لو زال أثناء الصلاة؛ لحصول المقصود من الصلاة. (٩) مسألة: إذا غابت الشمس وهي كاسفة، أو طلع الفجر والقمر كاسف أو خاسف: فلا تصلى صلاة الكسوف؛ للتلازم؛ حيث إنه لا صلاة للكسوف إلا برؤيته، ولا يُرى بالليل كسوف الشمس، ولا يُرى بالنهار كسوف القمر، فيلزم عدم الصلاة لهما. (١٠) مسألة: إذا شك في وجود كسوف بسبب غيم: فلا يُصلي لذلك، وإذا تيقَّن الكسوف، ثم حصل غيم، لشكِّه في التجلِّي، أو ذهب بعض الكسوف وشكَّ =

стр. 759

كانت آية غير الزلزلة: لم يُصل)؛ لعدم نقله عنه، وعن أصحابه ﷺ مع أنه وجد في زمانهم: انشقاق القمر، وهبوب الرياح، والصواعق، وأما الزلزلة - وهي: رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها - فيُصلَّى لها إن دامت؛ "لفعل ابن عباس ﵁" رواه سعيد والبيهقي، وروى الشافعي عن علي نحوه، وقال: "لو ثبت هذا الحديث: لقلنا به" (١١) (وإن أتى) مصلي الكسوف (في كل ركعة، بثلاث ركوعات أو أربع أو = في ذهابه عن باقيه: فإنه يُصلِّي؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الحالة الأولى عدم الكسوف، لشكه في وجوده: فلا يُصلَّى؛ عملًا بالأصل المتيقن، والأصل في الحالة الثانية والثالثة: وجود الكسوف، وشك في ذهابه كله أو ذهابه عن البعض الباقي؛ فيُصلي؛ عملًا بالأصل وهو: المتيقن، ولا يُعمل بالمشكوك فيه في كل؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. (١١) مسألة: تصلَّى صلاة الكسوف إذا وقع زلزال -وهو: اهتزاز الأرض وتحركها مما يُسبِّب تشقُّقًا فيها- بشرط: دوام هذا واستمراره، فيصلَّى حتى يزول؛ ولا تصلى تلك الصلاة لغير ذلك من عواصف شديدة وحصول ظلمة، وصواعق مخوفة؛ لقواعد الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه قد حصل في زمنه ﷺ الرياح والعواصف، وانشقاق القمر ولم يصل ﷺ صلاة الكسوف، الثانية: الإجماع السكوتي؛ حيث إنه قد حصلت صواعق وظلمة، ورياح ونحوها في زمن الصحابة ولم يصل واحد منهم صلاة الكسوف، ولم يُنكر ذلك؛ فكان إجماعًا سكوتيًا، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إنه ثبت أن ابن عباس وعليًا ﵃ قد صلَّيا صلاة الكسوف عند حدوث الزلزال، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه يحصل خوف عند وقوع الزلزال كما يحصل الخوف عند وقوع الكسوف، بل أشدَّ منه فلذلك أُلحق به؛ لإزالة ذلك، بخلاف العواصف والرياح والظلمة فلا يحصل للناس من الخوف مثل ما يحصل عند حصول الزلزال أو الكسوف، فإن =

стр. 760

خمس: جاز) رواه مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ "صلى ست ركعات في أربع سجدات"، ومن حديث ابن عباس ﵃: "صلى النبي ﷺ ثمان ركعات في أربع سجدات"، وروى أبو داود عن أُبي بن كعب: "أنه ﷺ صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركعات وسجدتين" واتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء؛ قال النووي: "وبكل نوع قال بعض الصحابة"، (١٢) وما بعد الأول سنة لا = قلتَ: إن صلاة الكسوف تُصلَّى لأي شيء يتسبَّب في حصول الخوف: سواء كان كسوفًا أو زلزالًا؛ أو رياحًا أو عواصف، أو ظلمة أو نحو ذلك؛ وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو اختيار ابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنهما آيتان من آيات الله يُخوف بهما الله عباده" وهذا عام، فيشمل كل شيء يُخوف الناس ومنها: الرياح ونحوها قلتُ: إن صلاة الكسوف خاصة به، وأُلحق به الزلزال؛ لأنه أشدَّ منه في تخويف الناس من باب "مفهوم الموافقة الأولى" لذلك صلاها ابن عباس، بخلاف غيرهما: فلا يبلغ مبلغهما في التخويف وهذا يعرفه كل أحد فإن قلتَ، ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض عموم السنة القولية مع السنة الفعلية والإجماع، وفعل الصحابي"، فعندنا يُعمل بالسنة الفعلية، والإجماع وفعل الصحابي، وتُّخصِّص تلك الأدلة السنة القولية بالكسوف والزلزال، وعندهم: إن السنة القولية تبقى على عمومها فتشمل كل مخوف. (١٢) مسألة: صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجدتان -كما سبق في مسألة (٥)؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلَّاها كذلك مرة واحدة يوم موت ابنه إبراهيم، ولم يرو عنه أنه صلاها مرة أخرى، وهو مذهب الجمهور، فإن قلتَ: تجوز الزيادات في الركعة الواحدة على ركوعين، فيُصلِّي ثلاث أو أربع أو خمس ركوعات، أو أكثر وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ =

стр. 761

تُدرك به الركعة ويصح فعلها كنافلة (١٣) وتقدَّم جنازة على كسوف (١٤) وعلى = حيث إنه ﷺ صلي ست ركوعات، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إنه روي عن عليه ﵁ أنه صلى في كل ركعة ثلاث ركوعات قلتُ: أما ما روي عنه ﷺ : أنه صلَّى خمسًا أو ستًا أو ثمان ركعات: فهذا ضعيف كما نقله الألباني في "الإرواء" (٣/ ١٢٧) عن كثير من أئمة الحديث، أما ما روي عن علي، أو بعض الصحابة كما نقله النووي: فهو اجتهاد منهم، ولا يلزمنا؛ لأنه اجتهاد مع النَّص فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية السنة الفعلية" فعندنا: أن السنة الفعلية الأولى يعمل بها؛ لكونه لم يصلها إلا مرة واحدة عندنا، وعندهم: يُعمل بالسنة الفعلية الثانية؛ لكونه قد ثبت أنه ﵇ قد صلاها عدة مرات. (١٣) مسألة: ما بعد الركوع الأول من الركوعات نافلة، لا تُدرك به الركعة، وذلك في كل ركعة: فمثلًا: لو دخل مأموم بعد رفع الإمام رأسه من الركوع الأول من الركعة الأولى: فإنه لا يدرك تلك الركعة، فإن شاء دخل معه استحبابًا، ويقضيها إذا سلّم الإمام، وإن شاء لم يدخل معه؛ للتلازم؛ حيث إن الركوع الأول ركن فيلزم من فواته عليه: عدم صحة الركعة كلها عن الواجب، تنبيه: قوله: "ويصح فعلها كنافلة" من النوافل المطلقة قلتُ: قد سبق بيان ذلك في مسألة (٨). (١٤) مسألة: إذا اجتمعت صلاة جنازة وصلاة كسوف: فتُقدَّم صلاة الجنازة، فيُصلَّى عليها، ثم تُصلَّى صلاة الكسوف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب صلاة الجنازة: أن تقدم على صلاة الكسوف؛ لكون الأخيرة نافلة والواجب يُقدَّم على النفل، ولأنه يُخشى من الجنازة من انفجارها وتأذي الناس برائحتها.

стр. 762

جمعة (١٥) وعيد أمن فوتهما، (١٦) وتقدَّم تراويح على كسوف إن تعذر فعلهما، (١٧) ويُتصوَّر كسوف الشمس والقمر في كل وقت والله على كل شيء قدير: فإن وقع بعرفة: صلَّى ثم دفع. (١٨) (١٥) مسألة: إذا اجتمعت صلاة جمعة وصلاة كسوف: فتقدَّم صلاة الجمعة إذا خيف فواتها ثم تصلى صلاة الكسوف، أما إذا أمن فوتها: فتقدم صلاة الكسوف؛ للتلازم، وقد بيناه في مسألة (١٤). (١٦) مسألة: إذا اجتمعت صلاة عيد وصلاة كسوف: فتقدَّم صلاة العيد إذا خيف فواتها، ثم تصلى صلاة الكسوف، أما إذا أمن فوتها: فتقدم صلاة الكسوف؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحديد وقت صلاة العيد: تقديمها؛ لئلا يفوت وقتها، بخلاف صلاة الكسوف فليس لها وقت معين سابقًا، ووقت صلاة العيد يكون عادة قصيرًا جدًا. (١٧) مسألة: إذا اجتمعت صلاة تراويح وصلاة كسوف: فتقدَّم صلاة الكسوف؛ للمصلحة؛ حيث إن الكسوف فيه ضرر وهو التخويف فيُقدم ما يتسبَّب في إزالته، فإن قلتَ: تقدَّم صلاة التراويح إن تعذَّر فعلهما في وقت التراويح؛ للمصلحة؛ حيث إنَّ صلاة التراويح مقيدة بوقت معين يخش فواته وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: إن صلاة الكسوف فيها دفع مفسدة، وصلاة التراويح فيها جلب مصلحة، وما فيه دفع المفسدة مقدَّم على ما فيه جلب مصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين". (١٨) مسألة: يُتصوَّر كسوف الشمس أو القمر في كل وقت، فقد يكون يوم عيد وجمعة وعرفة، فإذا وقع في يوم عرفة: فإن الناس يصلون الكسوف، ثم يدفعون إلى مزدلفة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيلزم منه: عدم خلو أيِّ يوم من حدوث هذا الكسوف. [فرع]: لا يُشرع لصلاة =

стр. 763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الكسوف أذان ولا إقامة، وإنما يُنادى لها بقول المنادي: "الصلاة جامعة"؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث إنه ﷺ بادر لصلاة الكسوف دون أذان ولا إقامة، وأمر مناديه أن يُنادي ويقول: "الصلاة جامعة". هذه أخر مسائل باب "صلاة الكسوف" ويليه باب "صلاة الاستسقاء"

стр. 764

باب صلاة الاستسقاء وهو: الدعاء بطلب السقي على صفة مخصوصة، أي: الصلاة لطلب السقي على الوجه الآتي (إذا اجدبت الأرض) أي: أمحلت، والجدب: نقيض الخصب (وقحط) أي: احتبس (المطر) وضرَّ ذلك، وكذا: إذا ضرَّهم غور ماء عيون أو أنهار: (١) (صلوها جماعة وفُرادى) وهي سنة مؤكدة؛ لقول عبد الله بن زيد: "خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحوّل رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" متفق عليه، والأفضل: جماعة حتى في سفر، ولو كان القحط بغير أرضهم، (٢) ولا استسقاء لانقطاع مطر عن أرض غير مسكونة ولا مسلوكة؛ لعدم باب صلاة الاستسقاء وفيه ثنتان وعشرون مسألة: (١) مسألة: الاستسقاء هو: دُعاء الله بأن يُنزل الغيث والمطر، أو بأن يُكثر ماء العيون والأنهار والآبار والبحار بصورة مخصوصة سيأتي ذكرها، فإن قلتَ: ما سبب الاستسقاء؟ قلتُ: سببه: انقطاع المطر واحتباسه وإجداب الأرض، وقحطها، وغور الماء وذهابه وعدم خروجه في العيون والأنهار والآبار، وانقلاب الماء العذب إلى مالح. (٢) مسألة: صلاة الاستسقاء مستحبَّة، تصح من الجماعة ومن المفرد، وهي في جماعة أفضل، وهذا مطلق، أي: سواء كان سبب القحط في أرض المصلين صلاة الاستسقاء أو بأرض غيرهم من أراضي المسلمين؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي حديث الأعرابي الذي بين فيه ﷺ أن الصلوات المفروضة خمس فقط، فقال الأعرابي: هل علي غيرهن قال: "لا إلا أن تطوع" فنفى ﷺ وجوب شيء غير الخمس، وأثبت أن ما عدا هذه الخمس نفل، والاستسقاء =

стр. 765

الضَّرر (٣) (وصفتها في موضعها وأحكامها كـ) صلاة (عيد) قال ابن عباس ﵁: = غير الخمس: فيلزم أن تكون نفلًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى صلاة الاستسقاء جماعة - كما رواه عبد الله بن زيد - الثالثة: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن صلاة الكسوف تصح من الجماعة والمنفرد فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منهما فيه دعاء بإزالة ضرر، ثانيهما: كما أن صلاة الاستسقاء تصلى بسبب قحط حصل بأرض المصلين فكذلك تصلى بسبب قحط حصل بأرض غيرهم والجامع: إزالة الضرر عن المسلمين في كل، وهذا هو المقصد من صلاة الاستسقاء، فإن قلتَ: لمَ كانت الصلاة في جماعة أفضل؟ قلت: لأن الدعاء مع الجماعة أقرب إلى الاستجابة، فإن قلتَ: لا تستحب صلاة الاستسقاء وهو محكي عن أبي حنيفة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد استسقى على المنبر وهو يخطب لصلاة الجمعة، ولم يخرج لأجلها قلتُ: خروجه ﷺ لصلاة الاستسقاء ثابت بأحاديث كثيرة، ودعاؤه بالسقي وهو يخطب الجمعة لا يتعارض مع خروجه هذا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية والفعلية" فعندنا: تقدم السنة القولية والفعلية التي رواها عبد الله بن زيد؛ لكون السنة الفعلية الثانية لا يفهم منها عدم مشروعيتها، وعندهم: تقدم السنة الفعلية الثانية؛ لفهمهم منها: عدم مشروعيتها، وعدم ثبوت ما رواه عبد الله بن زيد عندهم. (٣) مسألة: لا تُشرع صلاة الاستسقاء إذا انقطع المطر عن أرض غير مسكونة، ولا يسلكها المسافرون؛ للتلازم؛ حيث إن الاستسقاء قد شُرع لإزالة الضرر عن المسلمين الساكنين فيلزم من هذا: عدم مشروعية هذه الصلاة في الأرض التي لا يسكنها ولا يمرُّ بها أحد؛ لعدم وجود ضرر على أحد.

стр. 766

"سنة الاستسقاء سنة العيدين" فتسنُّ في الصحراء، ويصلي ركعتين، يُكبِّر في الأولى ستًا زوائد، وفي الثانية خمسًا من غير أذان ولا إقامة، قال ابن عباس: "صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي العيد" وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ويقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية، وتفعل وقت صلاة العيد (٤) (وإذا أراد الإمام الخروج لها: وعظ الناس) أي: ذكَّرهم بما يُليِّن قلوبهم من الثواب والعقاب (ويأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم) بردِّها إلى مستحقيِّها؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات (و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء وهي: العداوة؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير؛ لقوله ﷺ : "خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرُفعت" (و) أمرهم بـ (الصيام)؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، ولحديث: "دعوة الصائم لا ترد" (و) أمرهم بـ (الصدقة)؛ لأنها متضمنة للرحمة (ويعدهم) أي: يُعيِّن لهم (يومًا يخرجون (٤) مسألة: صفة صلاة الاستسقاء: أن تُفعل في المصلى في الصحراء القريبة من البنيان - إن أمكن ذلك - وهي: ركعتان، يُكبر في الأولى - بعد تكبيرة الإحرام - بست تكبيرات زوائد، ثم يقرأ الفاتحة ثم يقرأ بعدها بسورة "الأعلى" ويكبِّر في الثانية - بعد تكبيرة الرفع من السجود - بخمس تكبيرات زوائد، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ بسورة الغاشية، أو يقرأ غيرهما، وصفتها كصفة صلاة العيد: من حيث الخروج إليها، وكونها ركعتين، وما يقرأ فيهما، والجهر بذلك وحكمها، ووقتها، وكونها لا أذان لها ولا إقامة، وصفة التكبيرات الزوائد، وكون الصلاة قبل الخطبة، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في باب "صلاة العيد" من أوّل مسائل ذلك الباب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية حيث قال ابن عباس ﵁ في الاستسقاء: "صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي العيد" الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "سنة الاستسقاء سنة العيدين".

стр. 767

فيه) ليتهيؤا للخروج على الصفة المسنونة (٥) (ويتنظف) لها بالغسل، وإزالة الروائح الكريهة وتقليم الأظفار؛ لئلا يؤذي (ولا يتطيب)؛ لأنه يوم استكانة وخضوع (٦) (٥) مسألة: يُستحب للإمام أن يُعيِّن يومًا للخروج فيه لصلاة الاستسقاء، وأن يعظ الناس - قبل الخروج بيوم أو يومين -: فيُذكِّرهم بهذه الموعظة الأوامر والنواهي الشرعية، ويُرغِّبهم فيها بالمسارعة في فعل الخيرات، وترك المعاصي والمنكرات، ويُرغِّبهم بالتوبة، والتخلص من المظالم التي ارتكبوها، وأن يُكثروا من الاستغفار، وأن يخرجوا زكاة جميع أموالهم، وأن يترفّعوا عن التشاحن والتخاصم، وأن يتركوا الكذب والخيانة والنفاق، وأن يكثروا من الصدقات والصيام؛ للمصلحة؛ حيث إن خروج المسلم وهو قد تخلَّى عن المعاصي والمنكرات، وتحلَّى بالتوبة، والاستغفار، والتقوى، والصوم والصدقة سبب لنزول البركات: من الأمطار وغيرها من الخيرات قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال مجاهد في تفسير قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: "إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر وانقطع العشب"، والاستغفار سبب لكل بركة في كل شيء، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ويأمرهم بالخروج من المظالم؛ لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإخراج الصدقة والزكاة؛ لكونها من أسباب منع غضب الله تعالى ونزول الرحمة، والصيام من أسباب استجابة الدعاء، قال ﷺ : "دعوة الصائم لا تُردَّ" والشحناء والبغضاء بين الناس: تمنع كل الخير. (٦) مسألة: يُستحب أن يتنظَّف المسلم لصلاة الاستسقاء: بأن يغتسل، ويتسوَّك، ويُزيل كل ما يُسبِّب ظهور رائحة كريهة: من شعر، وأظفار ونحوهما، ولا يتطيب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة إيذاء الآخرين بالروائح =

стр. 768

(ويخرج) الإمام كغيره (متواضعًا متخشعًا) أي: خاضعًا (متذللًا) من الذل وهو: الهوان (متضرعًا) أي: مُستكينًا؛ لقول ابن عباس: "خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللًا متواضعًا متخشِّعًا متضرِّعًا" قال الترمذي: "حديث حسن صحيح" (٧) (ومعه أهل الدِّين والصلاح والشيوخ)؛ لأنه أسرع لإجابتهم (والصبيان المميزون)؛ لأنهم لا ذنوب لهم، وأُبيح خروج طفل وعجوز، وبهيمة، (٨) والتوسُّل بالصالحين (٩) (وإن = الكريهة عند الاجتماع لهذه الصلاة، وترك الطيب أقرب إلى التذلل والاستكانة، وهذا أقرب إلى استجابة الدعاء. (٧) مسألة: يُستحب أن يخرج الإمام والمأموم لصلاة الاستسقاء وهو متَّصف بالتواضع والخشوع والخضوع، والاستكانة والتضرع، والتذلُّل في جميع أقواله وأفعاله، ويُكثر الدعاء لنفسه ولغيره وهو في هذه الحالة؛ للسنة الفعلية؛ حيث خرج النبي ﷺ وهو كذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروجه وهو في هذه الحالة أقرب إلى الاستجابة. (٨) مسألة: يُستحب أن يخرج الإمام لصلاة الاستسقاء ومعه مَنْ يعرفهم بتقواهم وورعهم وعلمهم، وأن يتجنَّب أغلب أهل المناصب والمراكز، وكذا يخرج معه: المميزون من الصبيان والأطفال، والعجائز، والبهائمُ، للمصلحة؛ حيث إن دعوة هؤلاء قريبة من الاستجابة؛ نظرًا لعدم الذنوب، أو قلَّتها. (٩) مسألة: لا يُشرع التوسُّل بالصالحين: فلا يحرص على خروج شخصٍ بعينه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع مفسدة قيام بعض الجهلة بعبادته أو بتقديسه، أو بالدعاء عند قبره إذا مات كما يفعل بعض الطوائف المبتدعة في هذا الزمان، فإن قلتَ: إن ذلك يُباح وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن قد حرص على خروج العباس عمِّ النبي ﷺ حينما أراد صلاة الاستسقاء قلتُ: هذا اجتهاد منه لا يلزمنا، ثم إن زمان عمر ﵁ غير الأزمنة المتأخرة؛ =

стр. 769

خرج أهل الذمَّة منفردين عن المسلمين) بمكان؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (لا) إن انفردوا (بيوم): لئلاَّ يَّتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم، وربما افتتن بهم غيرهم: (لم يُمنعوا) أي: أهل الذمة؛ لأنه خروج لطلب الرزق (١٠) (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد؛ لما تقدَّم (ثم يخطب) خطبة (واحدة)؛ لأنه لم يُنقل أن النبي ﷺ خطب بأكثر منها، ويخطب على منبر، ويجلس للاستراحة، ذكره الأكثر كالعيد في الأحكام والناس جلوس قاله = حيث قلَّ الإيمان بالله في الأزمنة المتأخرة، فلذلك قلنا بعدم مشروعية ذلك؛ سدًا للذرائع؛ حيث إن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع المصلحة" فعندنا: تقدم المصلحة، وهم: قدَّموا فعل الصحابي. (١٠) مسألة: إذا أراد الكفار أهل الذمة - وهم من أعطاهم المسلمون العهد على حمايتهم - أن يخرجوا للاستسقاء: فإنه يؤذن لهم بذلك بشرطين: أولهما: أن يخرجوا إلى مكان غير المكان الذي خرج إليه المسلمون، ثانيهما: أن يخرجوا في اليوم الذي خرج فيه المسلمون؛ للمصلحة؛ حيث إن الله يُجيب دعوة المضطر وإن كان كافرًا؛ لسعة لطف الله تعالى وعطفه وكرمه، لأن الله خلق الخلق وضمن أرزاقهم جميعًا، وخروجهم كان لطلب هذا الرزق، واشتُرط الأول؛ لمنع اختلاط الكفار بالمسلمين؛ لما فيه من فتنة ونجاسة، واشترط الثاني؛ لمنع حصول فتنة بهم وبدينهم فيما لو نزل المطر في اليوم الذي استسقوا فيه؛ حيث قد يقول ضعفاء العقول: لو لم يكونوا على حق: لما نزل المطر في يومهم، تنبيه: سبب ذكر المصنف لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً … ﴾ أن هذا القحط قد يكون بسبب الظالمين ومنهم الكفار فشمل المسلمين وديارهم، والمراد منها: اتقوا فتنة تتعدَّى الظالم فتصيب الصالح والطالح كما ذكر القرطبي (٧/ ٣٩٣).

стр. 770

في "المبدع" (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد)؛ لقول ابن عباس ﵁: "صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيد" (١١) (ويُكثر فيها الاسغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) كقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآيات قال في "المحرَّر" و "الفروع": ويُكثر فيها الدعاء، والصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن ذلك معونة على الإجابة (ويرفع يديه) استحبابًا في الدعاء؛ لقول أنس ﵁: "كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يُرى بياض إبطيه" متفق عليه، وظهورهما نحو السماء؛ لحديث رواه مسلم (١٢) (فيدعو بدعاء النبي ﷺ ) (١١) مسألة: إذا فرغ الإمام من ركعتي صلاة الاستسقاء: فإنه يرقى المنبر فيجلس للاستراحة عليه قبل ابتدائه بالخطبة والناس أمامه، ثم يقوم ليُلقي خطبة واحدة يفتتحها بتسع تكبيرات كما يفعل في الخطبة الأولى من خطبتي العيد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك- كما رواه ابن عباس، فإن قلتَ: لمَ شرع لها خطبة واحدة بعد الصلاة؟ قلتُ: لأن المقصود الأهم هي: الصلاة المتضمِّنة للقراءة والدعاء والذكر، والمناجاة، وكانت خطبة واحدة؛ لأن الدعاء والتكبير والتذلل في ذلك ينبغي أن يتواصل دون انقطاع، وفيه أيضًا: اختصار الخطبة. (١٢) مسألة: يُستحب أن يُكثر الإمام في خطبة الاستسقاء من الاستغفار بأي عبارة، ويُكثر من قراءة الآيات التي تتضمَّن بيان أن الاستغفار هو: السبب لكل خير، ويُكثر من الدعاء بأي أسلوب، رافعًا يديه أثناء ذلك، جاعلًا بطون يديه نحو وجهه، وظهورهما نحو القبلة أو السماء؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ قد فعل ذلك، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الصلاة على النبي، والدعاء مع رفع اليدين فيه مصلحة استجابة الدعاء بصورة أسرع؛ وهو مبالغة في التذلُّل، والخضوع، والاستجداء.

стр. 771

تأسيًا به (ومنه): ما رواه ابن عمر الله ﵃: (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (غيثًا) أي: مطرًا (مُغيثًا) أي: مُنقذًا من الشدِّة يُقال: "غائه وأغاثه" (إلى آخره) أي: آخر الدعاء، أي: "هنيئًا مريئًا غدقًا مُجلِّلًا عامًا سحًا طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين"، "اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق"، "اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك مالا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء مالا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا" (١٣) ويُسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ويُحوِّل رداءه: فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويفعل الناس كذلك، ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم، ويدعو سرًّا، فيقول: "اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتَّنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتَّنا" (١٤) فإن سقوا وإلا: عادوا ثانيًا (١٣) مسألة: يُستحب أن يدعو الخطيب في خطبة الاستسقاء بالدعاء المأثور الذي ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دعا به ـ كما ثبت بروايات مختلفة -، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء جامع لمصالح الدنيا والآخرة. (١٤) مسألة: إذا فرغ من الخطبة يُستحب أن يستقبل الخطيب القبلة، ويُحوِّل رداءه، أو عباءته، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويتبعه الحاضرون ويفعلون مثل ما فعل، ويدعون سرًا قائلين: "اللهم أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرت فاستجب لنا كما وعدتنا" ثم يخرجون من المصلى وهم على تلك الهيئة، وينزعون ذلك في منازلهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، وفعله معه أصحابه في خطبة الاستسقاء، =

стр. 772

وثالثًا (١٥) (وإن سقوا قبل خروجهم: شكروا الله وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج، فيصلونها شكرًا لله ويسألونه المزيد من فضله (١٦) (ويُنادى) لها (الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد بخلاف جنازة وتراويح، والأول منصوب على الإغراء، والثاني: على الحال، وفي "الرعاية" برفعهما = فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: تفاؤلًا بتغيير الحال من القحط إلى نزول المطر، ومن ضيق الحال إلى سعته فإن قلتَ: لمَ يستقبل القبلة ويدعو سرًا بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والتذلل، وأسرع في الإجابة. (١٥) مسألة: إذا استسقى الناس ولم يُسقوا: فيُستحب أن يستسقوا مرة ثانية، وثالثة حتى يُسقوا؛ للمصلحة؛ حيث إن تكرار الدعاء والإلحاح فيه مطلوب شرعًا وهو خير من الانقطاع؛ لأن الدعاء في ذلك وفي غيره هو مخَّ العبادة، فإن الله يُريد ذلك. (١٦) مسألة: إذا اتِّفق على الخروج في يوم من الأيام للاستسقاء، ولكن الله تعالى قد سقاهم قبل ذلك اليوم: ففيه التفصيل الآتي: أولًا: إن كانوا قد استعدُّوا للخروج: فإنهم يخرجون ويصلون صلاة الاستسقاء شكرًا الله تعالى، ثانيًا: إن لم يستعدُّوا لذلك: فإنهم لا يصلونها، بل يشكرون الله تعالى على تفضُّله بذلك بقولهم: "اللهم اجعله صيبًا نافعًا غير ضار"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دعا بذلك لما رأى المطر، الثانية: التلازم؛ حيث إنه يلزم من نزول المطر: عدم الاستسقاء؛ لأن الغرض الذي من أجله شرعت له تلك الصلاة قد حصل فلا داعي لها، ولكنهم يشكرون الله؛ لأنه بالشكر تزيد النعم قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

стр. 773

وبنصبهما (١٧) (وليس من شرطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما (١٨) (ويُسنُّ: أن (١٧) مسألة: لا يُنادى لصلاة الاستسقاء، ولا العيد بأيِّ شيء: فلا يُقال: "الصلاة جامعة" لها ولا يُقال غيرها؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى الاستسقاء والعيدين ولم يُناد لهما بشيء، الثانية: الإجماع، حيث إن الخلفاء الأربعة لم يُنادوا لها بهذه العبارة ولا بغيرها، ولم يُنكر عليهم أحد فكان إجماعًا سكوتيًا: الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه لا يُنادى لصلاة التراويح والجنازة بأي عبارة، فكذلك صلاة الاستسقاء والعيدين لا ينادى لها بشيء، والجامع: أن كلًا منها لا تأتي فجأة، بل هي معلومة الوقت من قبل، فإن قلتَ: إنه يُنادى لصلاة الاستسقاء والعيدين بعبارة: "الصلاة جامعة" وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُنادى لصلاة الكسوف بهذه العبارة فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منها شُرِعت لحاجة الناس إليها فيُناسب أن ينادى لها بالصلاة جامعة قلت: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة الكسوف تأتي فجأة؛ نظرًا لحصول الكسوف بغتة وبدون علم الناس بذلك، بخلاف صلاة الاستسقاء فإن الإمام يُخبر الناس بموعد صلاته للاستسقاء قبل ذلك -كما سبق في مسألة (٥) -، وكذلك: صلاة العيد والتراويح والجنازة يعلم الناس موعدها: فلا تحتاج إلى مناداة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فعندنا صلاة الاستسقاء والعيد تلحق بصلاة التراويح والجنازة، لأنها أكثر شبهًا بهما، وعندهم تلحق بصلاة الكسوف؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندهم وهذا هو قياس "الشبه" أو "غلبة الأشباه". (١٨) مسألة: لا يُشترط أن يُستأذن الإمام أو نائبه لإقامة صلاة الاستسقاء، فتُقام عند حصول سببها ولو لم يأذن الإمام وكذلك صلاة العيدين مثلها؛ للقياس، =

стр. 774

يقف في أول المطر، وإخراج رحله وثيابه؛ ليُصيبها)؛ لقول أنس: "أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعتَ هذا؟ " قال: "لأنه حديث عهد بربه" رواه مسلم، وذكر جماعة: ويتوضأ ويغتسل، لأنه روي ﷺ أنه كان يقول: - إذا سال الوادي: "أخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورًا فنتطهر به" (١٩) وفي معناه: ابتداء زيادة النيل ونحوه (٢٠) (وإذا زادت المياه، وخيف = بيانه: كما أن صلاة الكسوف لا يُشترط لإقامتها إذن الإمام أو نائبه فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منهما شرع لإزالة ضرر عام، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن القحط ضرر عام، فلو اشتُرط إذن الإمام أو نائبه: لتأخر الإذن، فيطول زمن الضرر على الناس. (١٩) مسألة: يُستحب للمسلم أن يقف في أول نزول المطر، ويخرج ثوبه ورحله، ليصيبها بعض القطرات منه، وإن تيسَّر الأمر: فيُستحب أن يتطهر منه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ كان يقول: "اخرجوا إلى الذي جعله الله طهورًا فنتطهر به" - إذا سال الوادي - يُشير به إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد حسر ثوبه حتى أصابه شيء من المطر، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تم ذلك فيه بركة، قرب عهده بربه؛ حيث قال تعالى: ? ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ وقال ابن عباس ﵁ لما أخرج فراشه ورحله: "أحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي". (٢٠) مسألة: إذا ابتدأ نهر النيل أو دجلة أو الفرات أو غيرها من الأنهار بالزيادة بالماء: فيُستحب: أن يتطهر به؛ للقياس: بيانه: كما أن الماء إذا سال في الوادي يُتطهر به، فكذلك هذا مثله والجامع: أن كلًا منهما قد زاد الماء فيه بسبب كثرة =

стр. 775

منها: سُنَّ أن يقول: اللهم حوالينا) أي: أنزله حوالي المدينة في مواضع النبات (ولا علينا) في المدينة ولا غيرها من المباني (اللهم على الضراب) أي: على الروابي الصغار (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدَّة على وزن "آصال" وبكسر الهمزة بغير مدٍّ على وزن "جبال" قال مالك: هي "الجبال الصغار" (وبطون الأودية) أي: الأمكنة المنخفضة (ومنابت الشجر) أي: أصولها؛ لأنه أنفع لها؛ لما في الصحيح: أنه ﷺ كان يقول ذلك ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال مالا نطيق (الآية) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢١) ويُستحب أن يقول: "مُطرنا بفضل الله ورحمته" ويُحرَّم: "بنوء كذا" = المطر وهو مثله في المقصد أيضًا، فإن قلتَ: إن التطهر خاص بالماء السائل في الوادي فقط دون زيادة تلك الأنهار وهو قول بعض الحنابلة؛ للسنة القولية، وهو - أمره ﵇ بالخروج إلى الوادي للتطهر ولا يقاس عليه؛ لأن علته قاصرة قلتُ: إن زيادة الماء في النهر ناتجة عن نزول مطر في مكان آخر بعيد، فيكون مثل سيلان الماء في الوادي من مطر نازل في نفس المكان، ولا فرق، فيكون القياس صحيحًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل علة التطهر خاصة بالماء السائل في الوادي أم متعدية؟ " فعندنا: مُتعدِّية فقسنا عليه غيره، وعندهم قاصرة، فلم يقيسوا عليه غيره. (٢١) مسألة: إذا استمر المطر في النزول، أو زادت مياه العيون والأنهار والآبار والبحار وخيف من ذلك الضرر على المباني والزروع من التلف والهلاك: فيُستحب أن يدعو الناس الله تعالى بمنع ذلك، ويدعون بجعل ذلك في الصحراء، دون داخل البلدان قائلين بدعائهم: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر" ثم يقرأون قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى أخر سورة البقرة؛ للسنة الفعلية؛ حيث =
следующие страницы →