← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تأسيًا به (ومنه): ما رواه ابن عمر الله ﵃: (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (غيثًا) أي: مطرًا (مُغيثًا) أي: مُنقذًا من الشدِّة يُقال: "غائه وأغاثه" (إلى آخره) أي: آخر الدعاء، أي: "هنيئًا مريئًا غدقًا مُجلِّلًا عامًا سحًا طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين"، "اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق"، "اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك مالا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء مالا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا" (١٣) ويُسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ويُحوِّل رداءه: فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويفعل الناس كذلك، ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم، ويدعو سرًّا، فيقول: "اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتَّنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتَّنا" (١٤) فإن سقوا وإلا: عادوا ثانيًا (١٣) مسألة: يُستحب أن يدعو الخطيب في خطبة الاستسقاء بالدعاء المأثور الذي ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دعا به ـ كما ثبت بروايات مختلفة -، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء جامع لمصالح الدنيا والآخرة. (١٤) مسألة: إذا فرغ من الخطبة يُستحب أن يستقبل الخطيب القبلة، ويُحوِّل رداءه، أو عباءته، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ويتبعه الحاضرون ويفعلون مثل ما فعل، ويدعون سرًا قائلين: "اللهم أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرت فاستجب لنا كما وعدتنا" ثم يخرجون من المصلى وهم على تلك الهيئة، وينزعون ذلك في منازلهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، وفعله معه أصحابه في خطبة الاستسقاء، =

стр. 772

وثالثًا (١٥) (وإن سقوا قبل خروجهم: شكروا الله وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج، فيصلونها شكرًا لله ويسألونه المزيد من فضله (١٦) (ويُنادى) لها (الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد بخلاف جنازة وتراويح، والأول منصوب على الإغراء، والثاني: على الحال، وفي "الرعاية" برفعهما = فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: تفاؤلًا بتغيير الحال من القحط إلى نزول المطر، ومن ضيق الحال إلى سعته فإن قلتَ: لمَ يستقبل القبلة ويدعو سرًا بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والتذلل، وأسرع في الإجابة. (١٥) مسألة: إذا استسقى الناس ولم يُسقوا: فيُستحب أن يستسقوا مرة ثانية، وثالثة حتى يُسقوا؛ للمصلحة؛ حيث إن تكرار الدعاء والإلحاح فيه مطلوب شرعًا وهو خير من الانقطاع؛ لأن الدعاء في ذلك وفي غيره هو مخَّ العبادة، فإن الله يُريد ذلك. (١٦) مسألة: إذا اتِّفق على الخروج في يوم من الأيام للاستسقاء، ولكن الله تعالى قد سقاهم قبل ذلك اليوم: ففيه التفصيل الآتي: أولًا: إن كانوا قد استعدُّوا للخروج: فإنهم يخرجون ويصلون صلاة الاستسقاء شكرًا الله تعالى، ثانيًا: إن لم يستعدُّوا لذلك: فإنهم لا يصلونها، بل يشكرون الله تعالى على تفضُّله بذلك بقولهم: "اللهم اجعله صيبًا نافعًا غير ضار"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دعا بذلك لما رأى المطر، الثانية: التلازم؛ حيث إنه يلزم من نزول المطر: عدم الاستسقاء؛ لأن الغرض الذي من أجله شرعت له تلك الصلاة قد حصل فلا داعي لها، ولكنهم يشكرون الله؛ لأنه بالشكر تزيد النعم قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

стр. 773

وبنصبهما (١٧) (وليس من شرطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما (١٨) (ويُسنُّ: أن (١٧) مسألة: لا يُنادى لصلاة الاستسقاء، ولا العيد بأيِّ شيء: فلا يُقال: "الصلاة جامعة" لها ولا يُقال غيرها؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى الاستسقاء والعيدين ولم يُناد لهما بشيء، الثانية: الإجماع، حيث إن الخلفاء الأربعة لم يُنادوا لها بهذه العبارة ولا بغيرها، ولم يُنكر عليهم أحد فكان إجماعًا سكوتيًا: الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه لا يُنادى لصلاة التراويح والجنازة بأي عبارة، فكذلك صلاة الاستسقاء والعيدين لا ينادى لها بشيء، والجامع: أن كلًا منها لا تأتي فجأة، بل هي معلومة الوقت من قبل، فإن قلتَ: إنه يُنادى لصلاة الاستسقاء والعيدين بعبارة: "الصلاة جامعة" وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُنادى لصلاة الكسوف بهذه العبارة فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منها شُرِعت لحاجة الناس إليها فيُناسب أن ينادى لها بالصلاة جامعة قلت: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن صلاة الكسوف تأتي فجأة؛ نظرًا لحصول الكسوف بغتة وبدون علم الناس بذلك، بخلاف صلاة الاستسقاء فإن الإمام يُخبر الناس بموعد صلاته للاستسقاء قبل ذلك -كما سبق في مسألة (٥) -، وكذلك: صلاة العيد والتراويح والجنازة يعلم الناس موعدها: فلا تحتاج إلى مناداة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فعندنا صلاة الاستسقاء والعيد تلحق بصلاة التراويح والجنازة، لأنها أكثر شبهًا بهما، وعندهم تلحق بصلاة الكسوف؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندهم وهذا هو قياس "الشبه" أو "غلبة الأشباه". (١٨) مسألة: لا يُشترط أن يُستأذن الإمام أو نائبه لإقامة صلاة الاستسقاء، فتُقام عند حصول سببها ولو لم يأذن الإمام وكذلك صلاة العيدين مثلها؛ للقياس، =

стр. 774

يقف في أول المطر، وإخراج رحله وثيابه؛ ليُصيبها)؛ لقول أنس: "أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعتَ هذا؟ " قال: "لأنه حديث عهد بربه" رواه مسلم، وذكر جماعة: ويتوضأ ويغتسل، لأنه روي ﷺ أنه كان يقول: - إذا سال الوادي: "أخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورًا فنتطهر به" (١٩) وفي معناه: ابتداء زيادة النيل ونحوه (٢٠) (وإذا زادت المياه، وخيف = بيانه: كما أن صلاة الكسوف لا يُشترط لإقامتها إذن الإمام أو نائبه فكذلك صلاة الاستسقاء مثلها والجامع: أن كلًا منهما شرع لإزالة ضرر عام، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن القحط ضرر عام، فلو اشتُرط إذن الإمام أو نائبه: لتأخر الإذن، فيطول زمن الضرر على الناس. (١٩) مسألة: يُستحب للمسلم أن يقف في أول نزول المطر، ويخرج ثوبه ورحله، ليصيبها بعض القطرات منه، وإن تيسَّر الأمر: فيُستحب أن يتطهر منه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ كان يقول: "اخرجوا إلى الذي جعله الله طهورًا فنتطهر به" - إذا سال الوادي - يُشير به إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد حسر ثوبه حتى أصابه شيء من المطر، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تم ذلك فيه بركة، قرب عهده بربه؛ حيث قال تعالى: ? ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ وقال ابن عباس ﵁ لما أخرج فراشه ورحله: "أحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي". (٢٠) مسألة: إذا ابتدأ نهر النيل أو دجلة أو الفرات أو غيرها من الأنهار بالزيادة بالماء: فيُستحب: أن يتطهر به؛ للقياس: بيانه: كما أن الماء إذا سال في الوادي يُتطهر به، فكذلك هذا مثله والجامع: أن كلًا منهما قد زاد الماء فيه بسبب كثرة =

стр. 775

منها: سُنَّ أن يقول: اللهم حوالينا) أي: أنزله حوالي المدينة في مواضع النبات (ولا علينا) في المدينة ولا غيرها من المباني (اللهم على الضراب) أي: على الروابي الصغار (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدَّة على وزن "آصال" وبكسر الهمزة بغير مدٍّ على وزن "جبال" قال مالك: هي "الجبال الصغار" (وبطون الأودية) أي: الأمكنة المنخفضة (ومنابت الشجر) أي: أصولها؛ لأنه أنفع لها؛ لما في الصحيح: أنه ﷺ كان يقول ذلك ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال مالا نطيق (الآية) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢١) ويُستحب أن يقول: "مُطرنا بفضل الله ورحمته" ويُحرَّم: "بنوء كذا" = المطر وهو مثله في المقصد أيضًا، فإن قلتَ: إن التطهر خاص بالماء السائل في الوادي فقط دون زيادة تلك الأنهار وهو قول بعض الحنابلة؛ للسنة القولية، وهو - أمره ﵇ بالخروج إلى الوادي للتطهر ولا يقاس عليه؛ لأن علته قاصرة قلتُ: إن زيادة الماء في النهر ناتجة عن نزول مطر في مكان آخر بعيد، فيكون مثل سيلان الماء في الوادي من مطر نازل في نفس المكان، ولا فرق، فيكون القياس صحيحًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل علة التطهر خاصة بالماء السائل في الوادي أم متعدية؟ " فعندنا: مُتعدِّية فقسنا عليه غيره، وعندهم قاصرة، فلم يقيسوا عليه غيره. (٢١) مسألة: إذا استمر المطر في النزول، أو زادت مياه العيون والأنهار والآبار والبحار وخيف من ذلك الضرر على المباني والزروع من التلف والهلاك: فيُستحب أن يدعو الناس الله تعالى بمنع ذلك، ويدعون بجعل ذلك في الصحراء، دون داخل البلدان قائلين بدعائهم: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر" ثم يقرأون قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى أخر سورة البقرة؛ للسنة الفعلية؛ حيث =

стр. 776

ويُباح: "في نوء كذا" وإضافة المطر إلى النوء دون الله: كفر إجماعًا، قاله في "المبدع" (٢٢). = إنه ﷺ قد دعا بذلك في خطبة الجمعة، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تسبُّب في منع الضَّرر، وجعله في الصحراء يضمن الانتفاع به في إنبات الشجر. (٢٢) مسألة: يُستحب أن يقول المسلم إذا نزل المطر: "مُطرنا بفضل الله ورحمته" ويجوز أن يقول: "مُطرنا في نوء كذا": أي: مُطرنا في الزمان الذي خرج فيه النجم الفلاني، أما من قال: "مُطرنا بنوء كذا": فهو كافر؛ للسنة القولية؛ حيث بيَّن ﷺ : أن من قال: "مُطرنا بفضل الله ورحمته فهو المؤمن، ومن قال مُطرنا بنوء كذا: فهو الكافر" فإن قلتَ: لمَ يكفر من قال: "مُطرنا بنوء كذا"؟ قلتُ: لأن الباء سببية فكأنه قال: "مطرنا بسبب النجم الفلاني" لذلك أجمع العلماء على كفره؛ لكونه نسب إنزال المطر إلى النجم، لا إلى الله، فإن قلتَ: لم سُمِّي النجم بالنوء؟ قلتُ: لأنه إذا سقط بالمغرب: ناء الطالع بالمشرق. [فرع]: يُستحب للمسلم إذا سمع صوت الرعد أن يقول: "سبحان من سبَّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته" أو يقول: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"؛ لقول الصحابي؛ حيث إن الزبير كان يقول ذلك. هذه آخر مسائل باب "صلاة الاستسقاء" وهو آخر كتاب "الصلاة" ويليه كتاب "الجنائز"

стр. 777

كتاب الجنائز بفتح الجيم: جمع جنازة بالكسر والفتح لغة: اسم للميت، أو للنَّعش عليه ميت، فإن لم يكن عليه ميت: فلا يُقال: "نعش" ولا "جنازة" بل سرير، قاله الجوهري، واشتقاقه من جنز: إذا ستر، وذكره هنا؛ لأن أهم ما يفعل بالميت الصلاة، (١) ويُسنُّ الإكثار من ذكر الموت، والاستعداد له؛ لقوله ﷺ : "أكثروا من كتاب الجنائز وأحكام الموتى وفيه مائتان وخمس وثلاثون مسألة: (١) مسألة: الجنائز: جمع جنازة، والمقصود به: الميت: سواء كان على سرير أو نعش أو كان على الأرض - كما في الصحاح (٣/ ٨٩٧) - فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الميت بالجنازة؟ قلتُ: لأن الجنز هو: الستر والإسراع؛ حيث إنه يُشرع الإسراع في تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، وهذا كله لأجل الإسراع في ستره؛ لئلا يظهر منه شيء مستقذر، وهذا يلزم منه: إكرامه بذلك، فإن قلتَ: لمَ شرعت أحكام الجنازة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشارع قد أمر بإكرام المؤمن في حياته وبعد مماته، ووضعت أحكام الجنائز لإكرام المسلم بعد مماته، فما يُفعل بمن حضرته الوفاة من تلقينه للشهادة، ثم تغسيله بعد ذلك، ثم تكفينه، ثم الصلاة عليه والدعاء له، ثم دفنه، ثم الإحسان إليه بتنفيذ وصيته والإحسان إلى أقاربه كله راجع إلى نفعه، ذكره ابن القيم، فإن قلتَ: لمَ ذكر كتاب الجنائز في العبادات مع أن حق ذكره بعد كتاب "الوصايا" وقبل كتاب "الفرائض"؛ حيث إنه أنسب هناك؟ قلتُ: لأن ذكره هنا أنسب؛ حيث إن كل ما يُفعل بالميت من تلقينه للشهادة، وتغسيل، وتكفين وصلاة عليه، ودفن يُعتبر من العبادات؛ حيث يرجو الفاعل لذلك الثواب من الله تعالى، وهذا هو "التعبُّد لله"، فإن قلتَ: لمَ ذكر كتاب الجنائز بعد كتاب الصلاة؟ قلتُ: لأن أهم ما يُفعل بالميت =

стр. 778

ذكر هاذم اللَّذات" هو بالذال المعجمة، (٢) ويُكره الأنين وتمني الموت، (٣) ويُباح = هي: الصلاة؛ حيث إنه ينتفع بدعاء المسلمين له في الصلاة، فإن قلتَ: لمَ أفردت مباحث الجنائز بكتاب لوحده، ولم يجعل بابًا من أبواب الصلاة؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: إن الصلاة على الميت لا ركوع فيها ولا سجود، وهذا بخلاف الصلوات المعتادة، ثانيهما: أن أكثر أحكام الجنائز لا تخص الصلاة كأحكام التغسيل، والتكفين، والدفن ونحو ذلك، بخلاف أبواب الصلوات السابقة فإنها خاصة بالصلاة. (٢) مسألة: يُستحب للمسلم أن يُحضر ذكر الموت في ذهنه في جميع أحواله، وأن يستعدّ للرَّحيل عن هذه الدنيا، وأن يعلم تمام العلم أن نهاية كلِّ حي هو هذا القبر، فيترك المعاصي، ويفعل الخيرات؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "أكثروا من ذكر هادم اللذات" وهو: الموت، ثانيها: قوله ﷺ "أكيس الناس: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة" والأكياس: هم العقلاء الذين يزنون الأمور بميزان العدل والحق، لا يُنافقون ولا يُدارون ولا يُمارون أحدًا وهذه صفة المؤمن، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بتذكُّره للموت يتيقَّن أنه لن يُعمَّر، بل سيموت كما مات غيره من جميع المخلوقين: من الأنبياء والعلماء والصالحين وغيرهم، فلذا يتجَّه إلى المسارعة بفعل الخيرات، وترك المنكرات. (٣) مسألة: يُكره أن يجزع أو يئنَّ المسلم إذا أصابه مرض، أو أن يتمنى الموت للتخلُّص من هذا المرض، أو تلك المصيبة التي نزلت به، بل عليه أن يصبر، ويتيقَّن بأن "ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه"، ولذلك: يمنع نفسه عن الجزع، ويمنع لسانه عن الشكوى لغير الله، وإن شكر الله على ما أصابه به من مصائب: فهذه مرتبة فوق مرتبة الصبر، وهو من باب إحسان =

стр. 779

التداوي بمباح وتركه أفضل، ويحرَّم بمحرَّم: مأكول وغيره من صوت ملهاة وغيره، (٤) ويجوز ببول إبل فقط، قاله في = الظن بالله تعالى؛ حيث إن هذا مُتيقِّن أن هذا المرض أو تلك المصيبة خير له مما هو أشقُّ منها، فيشكر الله عليها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ عن الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي: إن ظنَّ عبدي بي خيرًا: فله، وإن ظنَّ بي شرًا: فله" ثانيهما: قوله ﷺ : "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" وهذا يلزم منه: كراهة الأنين، ثالثها: قوله ﷺ : "لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت؛ لضر نزل به، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" والذي صرف النهي - في قوله: "لا يتمنَّينَّ" من التحريم إلى الكراهة قوله: "فإن كان لا بدَّ فاعلًا … " فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إذا أنَّ، أو جزع، أو تمنى الموت: فإن أجره ينقص؛ لعدم صبره على الأذى فكأنه يعترض على قضاء الله وقدره. (٤) مسألة: إذا غلب ظن المريض أن هذا الدواء المباح سبب في شفائه: فيجب أن يتداوى به، أما إن كان هذا الدواء غير مُباح - كلحم الخنزير، أو الخمر- أو كان يشكُّ في شفائه بسبب ذلك الدواء: فإنه يحرم التداوي به: للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "ولا تداووا بحرام" حيث حرم التداوي بالحرام؛ حيث إن النهي مطلق فيقتضي التحريم، ثانيهما: قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" لأن النفي هنا نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم: والمراد: يحرم التسبُّب في إلحاق الضرر بنفسه، وترك الحرام واجب، فيجب التداوي عما يُلحق الضَّرر بنفسه، فإن قلتَ: إن ترك التداوي أفضل وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم منه ترك التوكل على الله أو =

стр. 780

"المبدع"، (٥) ويُكره أن يستطبَّ مسلم ذميًّا لغير ضرورة وأن يأخذ منه دواء لم يُبيِّن له مفرداته المباحة (٦) و (تسنُّ عيادة المريض) والسؤال عن حاله؛ للأخبار، ويُغبَّ بها، وتكون بكرةً وعشيًا، ويأخذ بيده ويقول: "لا بأس طهور إن شاء الله تعالى"؛ = ضعفه قلتُ: هذا غير صحيح؛ للقياس، بيانه: كما أن العطشان أو الجوعان يجب عليه أن يشرب ويأكل ما يمنع عنه الضرر ومع ذلك فهو لا يتنافى مع التوكُّل، فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: دفع الضر في كل فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية والقياس" فعندنا: يعمل بهما وعندهم: يُعمل بالتلازم، فإن قلتَ: لمَ وجب التداوي هنا؟ قلتُ: للمصلحة، وهو دفع الضرر عنه، ولذلك أجمع العلماء على قاعدة: "الضرر يزال" وعلى "أن المشقة تجلب التيسير" وعلى "أن الضرورات تبيح المحظورات" وغيرها. (٥) مسألة: يُباح التداوي ببول الإبل، دون غيرها؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "أمر العرانيين بأن يشربوا من أبوال إبل الصدقة" والذي صرف الأمر هنا من الوجوب إلى الإباحة هو: ورود الأمر بعد الحظر؛ لأن شرب النجاسات حرام في الأصل، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث ثبت عن بعض الأطباء أن شرب بول الإبل فيه شفاء من الاصفرار والانتفاخ. (٦) مسألة: يُكره أن يتداوى المسلم عند كافر ولو كان ذمِّيًا من غير ضرورة، أما إن وجدت ضرورة بأن خشي على نفسه الضَّرر، ولا يُحسن العلاج إلا ذلك الكافر: فيُباح التداوي عنده بشرط: أن يعرف هذا المسلم مكوِّنات جنس الدواء الذي أعطاه إياه ذلك الكافر؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضَّرر عن ذلك المسلم، وكره من غير ضرورة؛ لأن الكافر قد يعطيه دواء فيه ضرر عاجل أو آجل عليه، واشتُرط ذلك الشرط للاحتياط؛ لئلا يجعل هذا الكافر بعض المحرمات في تكوين ذلك الدواء كالخمر، أو لحم خنزير ونحو ذلك.

стр. 781

لفعله ﷺ ، ويُنفّس له في أجله؛ لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد؛ فإن ذلك لا يرد شيئًا، ويدعو له بما ورد (٧) (و) يُسنُّ (تذكيره التوبة)؛ لأنها واجبة على كل (٧) مسالة: يُستحب أن يعود المسلم أخاه المسلم إذا مُرض غبًّا: فيعوده يومًا، ويتركه آخر، بدون إزعاجه بكثرة كلام، أو جلوس طويل، أو نقل أخبار لا تسرُّ، وأن يمُسك بيده قائلًا: "لا بأس طهور إن شاء الله" ويحاول الزائر أن يُنفَّس عن المريض ويُخفِّف عنه ما هو فيه ويذكر له أن المرض لا يدل على دنو الأجل، وأن الصحة لا تدل على بعد الأجل، فكم من مريض طال عمره، وكم من صحيح معافى مات عاجلًا، وعاد بعض العلماء هارون الرشيد في مرضه الذي مات فيه فقال هذا العالم: "هوِّن عليك فإن الصحة لا تمنع من الفناء، والمرض لا يمنع من البقاء" فقال هارون الرشيد: "لقد طيبت نفسي وروَّحت قلبي"، ثم يُكثر من الدعاء للمريض إذا زاره، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في أجله"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يعود بعض المرضى من أصحابه، وكان يدنو من المريض ويسأله عن حاله وكان يُمسك بيده، ويدعو له بالشفاء قائلًا: "اللهم اشفه" الثالثة: المصلحة؛ حيث إن زيارته يومًا وتركه يومًا، وعدم الإكثار من الكلام والجلوس عنده فيه رفع للحرج عنه، وإبعاد الموت فيه تفريح له، وإدخال سرور إليه، وفي الدعاء له بالشفاء: بسط لنفسه. [فرع]: يُستحب للمريض أن يضع يده على الموضع الذي يؤلمه من بدنه ويقول: "بسم الله" ثلاث مرات، ثم يقول: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" سبع مرات، ثم يقرأ على نفسه الفاتحة، والإخلاص، والمعوذتين، للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك إذا اشتكى، وقد أرشد ﷺ عثمان بن أبي العاص إلى ذلك فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع للأذى.

стр. 782

حال، وهو أحوج إليها من غيره (والوصية)؛ لقوله ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" متفق عليه عن ابن عمر (٨) (وإذا نزل به) أي: نزل به ملك الموت لقبض روحه (سُنَّ تعاهد) أرفق أهله وأتقاهم لربه بـ (بلِّ حلقه بماء أو شراب، وندي شفتيه) بقطنة؛ لأن ذلك يُطفئ ما نزل به من الشدَّة، ويُسهل عليه النطق بالشهادة (٩) (ولقنه لا إله إلا الله) لقوله ﷺ : (٨) مسألة: يُستحب للزائر أن يُذكّر المريض بالتوبة النصوح من كل ذنوبه بأن يترك المعاصي، ويندم على ما فعل، ويعزم بأن لا يعود، وأن يُذكِّره بأن يوصي بثلث أو ربع أو خمس ماله ويجعله للأعمال الخيرية، وينص عليها إن شاء؛ حتى ربع يكون ذلك صدقة جارية تنفعه بعد موته، وأن يذكر في وصيته الأموال التي له عند الناس، والأموال التي عليه للناس؛ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للمريض بعد وفاته؛ حيث إن التوبة من الذنوب واجبة على كل مسلم مطلقًا: سواء كان مريضًا أو لا، والمريض أولى بأن يتوب، ويقبل الله تعالى ذلك؛ لأن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر، والوصية بردِّ الحقوق إلى أهلها واجبة؛ حيث قال ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، والوصية بصدقة جارية تنفعه بعد موته؛ حيث يأتيه أجرها كما قال ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وكل ذلك لأجل نفع المريض في حياته وبعد مماته. (٩) مسألة: إذا ظهرت علامات نزول الموت على شخص: فيُستحب للأرفق والأتقى من أهله: أن يبلَّ حلقه ببعض الماء، ويُندِّي شفتيه بأي مُرطّب بدون إكثار، وذلك بقطنة أو خرقة نظيفة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع شفتيه من التشقُّق، ويُسهِّل خروج الروح، والنطق بالشهادتين، والأرفق والأتقى هو من =

стр. 783

"لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله" رواه مسلم عن أبي سعيد (مرة، ولم يزد على ثلاث)؛ لئلا يُضجره (إلا أن يتكلم بعده فيُعيد تلقينه)؛ ليكون آخر كلامه: لا إله إلا الله، ويكون (برفق) أي: بلطف ومداراة؛ لأنه مطلوب في كل موضع فهنا أولى (١٠) = سيداريه ويتلطف به؛ لأن للموت سكرات وحركات غربية، فالأتقى الرفيق هو الذي يصبر على هذا المحتضر. (١٠) مسألة: يُستحب للأرفق والأتقى من أهل مَنْ حضرته الوفاة: أن يُلقّنه الشهادة - وهي كلمة: "لا إله إلا الله" - مرة، أو مرتين أو ثلاثًا، ولا يزيد عن ذلك؛ إلا إذا تكلَّم المحتضر بعد ذلك فيُستحب أن يعيد تلقينه بالشهادة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله" والمراد: لقنوا من حضرته الوفاة الشهادة؛ حيث بينت ذلك السنة القولية وهي: قوله ﷺ : "من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من كان آخر كلامه الشهادة دخل الجنة - كما ورد في النص - ولكن هذا بشرط: أن يكون قد قام بما تضمنته هذه الكلمة من امتثال لجميع الأوامر، وترك الجميع النواهي، فإن قلتَ: لمَ لا يُزاد عن ثلاث مرات في تلقينه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المحتضر فيه من الشدِّة ما يُخشى منه أن يتضجِّر إذا زيد على ذلك، وهذا يُغضبه: فقد يأبى ولا يقولها، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط أن يكون الملقّن رفيقًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لأذاه إذا قيلت له بعنف، ولأن اللطف مطلوب في كل وقت، والمحتضر يحتاج إلى اللطف أكثر من غيره بسبب ما يُلاقيه من شدَّة خروج الروح، فإن قلتَ: لمَ لا يُلقَّن بكلمة: "محمد رسول الله"؟ قلتُ: لكونه لم يرد عنه ﷺ ، ولأن كلمة "لا إله إلا الله" متضمنة الاعتراف بأن محمدًا رسول الله، فإن قلتَ: لمَ قال ﷺ : "لقنوا موتاكم" مع أن الميت لا يُمكن أن يُلقَّن؟ قلتُ: هذا مجاز؛ حيث سماه ميتًا =

стр. 784

(ويقرأ عنده) سورة (يس)؛ لقوله ﷺ : "اقرأوا على موتاكم سورة يس" رواه أبو داود، ولأنه يُسهِّل خروج الروح، ويقرأ عنده أيضًا الفاتحة (١١) (ويُوجِّهه إلى القبلة)؛ لقوله ﷺ -عن البيت الحرام-: "قبلتكم أحياء وأمواتًا" رواه أبو داود، وعلى جنبه الأيمن أفضل إن كان المكان واسعًا وإلا: فعلى ظهره مُستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، = باعتبار ما سيكون كما قال: "من قُتل له قتيل" [فرع]: يُستحب أن لا يحضر من يكرهه المحتضر لأي سبب، ولا الأجنبي عنه، ولا يُلقّنه هذا المكروه أو الأجنبي عنه الشهادة إلا إذا لم يوجد غيره؛ للمصلحة؛ لأن المحتضر فيه من الشِّدَّة مالا يتحمَّل غيرها، فلا يُضيَّق عليه بذلك. (١١) مسألة: يُستحب أن تقرأ عند المحتضر سورة "يس" و "الفاتحة" و "الملك" جهرًا بطريقة فيها لطف ورحمة ولين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "اقرأوا على موتاكم يس" والمراد: أقرأوا على من حضرته الوفاة، لا أن تقرأ عليه بعد وفاته، وهو تعبير مجازي باعتبار ما سيكون حتمًا كما قلنا في حديث: "لقنوا موتاكم … " في مسألة (١٠) و "الفاتحة" و "الملك" مثل "يس"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير خروج الروح، وتطييب خاطره، فيتذكر أنه ليس الوحيد الذي سيموت، بل كل من حوله من أهله وغيرهم سيلحقون به؛ وذلك لتضمُّن هذه السور تغيُّر الدنيا وزوالها لا محالة: فالذي لم يمت اليوم سيموت لا محالة غدًا، فالموت قضية حتمية لكل حي، فإذا سمع هذا في الآيات التي تقرأ: طابت نفسه من هذه الحياة، وسيكون مستعجلًا للآخرة خاصة إذا سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وغيرها من الآيات المبشرة بالجنة.

стр. 785

ويرفع رأسه قليلًا؛ ليصير وجهه إلى القبلة (١٢) (فإذا مات: سُنَّ تغميضه)؛ لأنه ﷺ أغمض أبا سلمة، وقال: "إن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون" رواه مسلم ويقول: "بسم الله وعلى وفاة رسول الله ﷺ "، ويُغمِّض ذات محرم، وتُغمِّضه، وكره من حائض وجنب وأن يقرباه، وتُغمِّض الأنثى مثلها أو صبي (١٣) (وشدُّ لُحييه)؛ لئلا (١٢) مسألة: يُستحب أن يُجعل وجه المحتضر إلى القبلة على جنبه الأيمن إن أمكن، أو يُجعل مستلقيًا على ظهره، ويُرفع رأسه فتكون رجلاه ووجهه إلى القبلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في البيت الحرام: "قبلتكم أحياء وأمواتًا"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القبلة أشرف الجهات وخيرها وأبركها، واليمين فيه بركة قد سبق بيانها، ولا يفعل ذلك إلا بعد أن يغلب على الظن بنزول الموت؛ لئلا يخوف ذلك المريض فيشق عليه. (١٣) مسألة: يُستحب أن تغمض عينا الميت - حين خروج روحه -؛ لأن العينين تنفتحان تبعًا للروح، ويقوم بتغميض الرجل رجلٌ مثله، أو محارمه من النساء، ويقوم بتغميض المرأة امرأةٌ مثلها، أو صبي، أو محارمها من الرجال، ويكره أن يُغمِّضه جنب من رجل أو امرأة، أو حائض ونفساء، ويُستحب أن يُدعى للميت أثناء التغميض فيُقال: "بسم الله وعلى وفاة رسول الله ﷺ اللهم اغفر له وارفع درجته، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه"؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر؛ فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا؛ فإنه يؤمَّن على ما قاله أهل الميت" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ دعا بذلك الدعاء حين غمَّض عيني أبي سلمة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن تغميض العينين فيه تحسين لمنظر الميت، وفيه منع الهوام والحشرات من أن تصل إلى حدقة العين قبل دفنه، ولا يُغمضه إلا رجل أو محارمه، وكذلك المرأة؛ =

стр. 786

يدخله الهوام (١٤) (وتليين مفاصله)؛ ليسهل تغسيله: فيردُّ ذراعيه إلى عضديه، ثم يردُّهما إلى جنبيه، ثم يردُّهما ويردُّ ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثم يردُّهما، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتها، فإن شق ذلك تركه (١٥) (وخلع ثيابه): لئلا يحمي جسده فيُسرع إليه الفساد (وستره بثوب)؛ لما روت عائشة: "أن النبي ﷺ حين توفى سُجِّي ببرد حبرة" متفق عليه، وينبغي أن يعطف فاضل الثوب عند رأسه ورجليه؛ لئلا يرتفع بالريح (١٦) (ووضع حديدة) أو نحوها (على بطنه)؛ لقول أنس: للاحتياط من الفتنة، وكُرِه أن يُغمِّضه من به حدث أكبر؛ للتأكيد على أنه لا يتولَّى الميت إلا طاهر؛ واستحب الدعاء له؛ لأن هذا الموضع من المواضع التي يستجاب فيها الدُّعاء؛ لكون الملائكة تحضر وتؤمِّن على الدعاء. (١٤) مسألة: يُستحب أن يُغلق فم الميت ويُشدِّ لحييه مع رأسه حال موته وذلك بلين ولطف؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عمر لابنه ﵃: "إذا رأيت روحي بلغت لهاتي فضع كفَّك اليُمنى على جبهتي واليسرى تحت ذقني" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للهوام والحشرات من أن تدخل عن طريقه قبل دفنه، وفيه تحسين منظر الميت. (١٥) مسألة: يُستحب أن تُليَّن مفاصل وأعضاء الميت بعد موته مباشرة، وطريقته: أن يرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يجعلهما على جنبيه، ثم يرد ساقيه إلى فخذيه، ويرد فخذيه إلى بطنه ثم يرد كل ما سبق إلى موضعه، هذا إن تيسر، وإلا: تركه على ما هو عليه؛ للمصلحة: حيث إنه بعد موته يكون حارًا، فإذا مضى وقت: فإنه يبرد وتقسو عضلاته ومفاصله، فيصعب على المغسِّل تحريكها، وتغسيل ما بينها، وإذا حُرِّكت بعد قسوتها: فإنها تتكسَّر، لذا يفعل ذلك لتسهيل غسله. (١٦) مسألة: يُستحب أن تخلع ثياب الميت حال موته، ووضع ثوب عليه يستر جميع جسده، وإن فضل شيء منه: جعله تحت رأسه ورجليه؛ لقاعدتين: =

стр. 787

"ضعوا" على بطنه شيئًا من حديد"؛ لئلا ينتفخ بطنه (١٧) (ووضعه على سرير غسله)؛ لأنه يُبعد عن الهوام (متوجهًا) إلى القبلة على جنبه الأيمن (منحدرًا نحو رجليه) أي: أن يكون رأسه أعلى من رجليه؛ لينصب عنه الماء، وما يخرج منه (١٨) = الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع الصحابة على ذلك؛ لأنه لما مات النبي ﷺ قالوا: "هل نُجرِّده كما نُجرِّد موتانا" وهذا يلزم منه: أن تجريد الميت من ثيابه حال موته معهود عندهم مجمع عليه، وأن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على ستر رسول الله ببُرد من البرود اليمانية، وهو ثوب مخطَّط ومحسَّن وهو المقصود بـ "الحبرة" الوارد في الحديث، الثانية: المصلحة؛ حيث إن بقاء ثوبه المعتاد عليه لفترة طويلة بعد موته يؤدِّي إلى فساده، وظهور رائحة كريهة تؤذي من حوله، واستحب ستره بثوب يشمل بدنه؛ صيانة له من الانكشاف؛ نظرًا لأمر الشارع بستر المؤمن حيًا وميتًا، واستحب وضع ما فضل من الثوب تحت رأسه ورجليه؛ لمنع انكشاف بدنه بسبب هبوب ريح. (١٧) مسألة: يُستحب أن يوضع شيء ثقيل على بطنه بعد موته مباشرة كحديدة صغيرة أو طين أو حجر ونحوها لقول الصحابي؛ حيث قال أنس ﵁ لما مات عبد له-: "ضعوا على بطنه شيئًا من حديد" فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع من انتفاخ بطنه، ويُسهِّل إخراج ما فيه من روائح وقاذورات. (١٨) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت بعد موته مباشرة على موضع مرتفع عن الأرض غير متصل بها كسرير ويُجعل على جنبه الأيمن قد وُجِّه وجهه إلى القبلة، ويكون رأسه أعلى قليلًا من رجليه أثناء تغسيله؛ للمصلحة؛ حيث إن وضعه هذا: يمنع الهوام والحشرات من الدخول في فمه وأنفه ويمنع عنه رطوبة الأرض، ويُسهِّل انحدار الماء - حين تغسيله - من رأسه إلى رجليه، وخروج ما في بطنه من روائح وقاذورات كما يفعل الجنب، ويوجَّه إلى القبلة؛ لأنها أشرف الجهات كما سبق.

стр. 788

(وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة)؛ لقوله ﷺ : "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" رواه أبو داود، ولا بأس أن يُنتظر به من يحضره من وليه أو غيره إن كان قريبًا، ولم يُخش عليه، أو يشقُّ على الحاضرين، فإن مات فجأة، أو شُكَّ في موته: انتُظر به حتى يُعلم موته ب-: انخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه (١٩) (وإنفاذ وصيته)، لما فيه من تعجيل الأجر (ويجب) الإسراع (١٩) مسألة: يُستحب الإسراع - قدر الإمكان - في تجهيز الميت: من غسل وتكفين، وصلاة ودفن، هذا إذا مات غير فجأة وبغتة، ويُباح تأخير الصلاة عليه إن كان يُرجى حضور بعض أهله البعيدين بُعدًا لا يتجاوز مسافة قصر - وهي (٨٢) كم - بشرط: أن لا يُخشى من ظهور رائحة كريهة منه، وأن لا يشق الانتظار على الحاضرين، أما إن مات فجأة وبغتة - كالحوادث الناتجة عن السيارات أو الطائرات أو الغرق أو الحرق أو الكهرباء -: فيُستحب تأخير تجهيزه حتى يُتيقَّن من موته بانخساف صدغيه - وهو ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن - أو بغيبوبة سواد عينيه، أو بميل أنفه وليونته، أو بانخلاع أو انفصال كفيه بأن تسترخي عصبة اليد، أو باسترخاء رجليه كيديه، أو بها جميعًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحبس بين ظهراني أهله" حيث يلزم من لفظ "لا ينبغي": استحباب الإسراع بتجهيز الميت، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الإسراع به فيه تقديم الميت إلى قبره؛ ليتمتَّع بالخير الذي ينتظره إن كان من الصالحين، أو ليسلم أهله من شره إن كان من الفاسدين كما قال ﷺ : "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تُقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم" وكذا: فيه تكريم للميت بستره بقبره؛ لئلا تخرج منه رائحة كريهة، وفي إباحة تأخيرها لأجل حضور بعض أقربائه بشرطه: مصلحة دعائهم له في الصلاة عليه؛ لأنهم أشفق عليه من الأجانب، وفي تأخير =

стр. 789

(في قضاء دينه) سواء كان الله تعالى، أو لأدمي؛ لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسَّنه عن أبي هريرة مرفوعًا: "نفس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يُقضى عنه" (٢٠) = تجهيز من مات فجأة: مصلحة التأكُّد من موته؛ حيث إنه يُحتمل أنه أغمي عليه إغماءة طويلة - كما يحدث من وقوع الحوادث فجأة - فائدة: الموت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر كما قالت عائشة ﵂. (٢٠) مسألة: يجب أن تُنفَّذ وصية الميت، والإسراع في قضاء دينه بعد وفاته مباشرة: سواء كان هذا الدَّين الله تعالى كالزكاة، أو النذر، أو كان للآدميين؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾؛ حيث إن الشارع قد أوجب قضاء دين الميت وإنفاذ وصيته قبل توزيع تركته على الورثة؛ لأن هذا أمر بصيغة الخبر، وهو مطلق، فيقتضي الوجوب والفور، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "نفس المؤمن مُعلَّقة بدينه حتى يقضى عنه" حيث دل مفهوم الغاية: بأن روحه لا ترتاح إلا إذا قُضي دينه، وعدم ارتياحها عقاب، ولا يُعاقب إلا على ترك واجب، فيكون قضاء الدين والإسراع بذلك واجبًا، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يجب قضاء دينه والإسراع بذلك؛ فكذلك الوصية مثله والجامع: أن كلًا منهما قد انشغلت الذمة فيه فيجب إبراؤها منه وتعجيل الأجر وهو المقصد الشرعي، فإن قلتَ: لمَ قُدِّم ذكر الوصية على الدَّين مع أن الدَّين مقدم عليها بالعمل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الموصى له أصبح كالوارث في أخذ شيء من مال الموصي - وهو: الميت - فيصعب على الورثة إخراجها عادة، بخلاف الدَّين؛ حيث إن إخراجه لا يشق على الورثة عادة، فقُدِّم ذكر الوصية: للاهتمام بها، تنبيه: قوله: "وإنفاذ وصيته" يُفهم منه: أن إنفاذ الوصية مستحب قلتُ: هذا غير صحيح؛ لأن الوصية كالدَّين في حفظ الحقوق.

стр. 790

ولا بأس بتقبيله، والنظر إليه، ولو بعد تكفينه (٢١) فصل: (غسل الميت) المسلم (وتكفينه) فرض كفاية؛ لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه" متفق عليه عن ابن عباس ﵃ (والصلاة عليه) فرض كفاية؛ لقوله ﷺ : "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" رواه الخلَّال والدارقطني، وضعَّفه ابن الجوزي، (ودفنه: فرض كفاية)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ قال ابن عباس: معناه: أكرمه بدفنه، وحمله أيضًا: فرض كفاية، (٢٢) (٢١) مسالة: يُباح أن يُقبِّل الميت، وينظر إليه كلُ شخص يجوز له النظر إليه: سواء بعد تكفينه أو قبله؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، فإن قلتَ: لمَ أبُيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه راحة وسرور المقبِّل. (٢٢) مسألة: غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله، ودفنه فرض كفاية - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين -؛ لقواعد: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ والمراد: دفن الميت، حيث يجب كما فسر ذلك ابن عباس وهو تفسير صحابي مقبول، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في الذي وقصته ناقته في عرفة فمات -: "اغسلوه بماء وسدر وكفِّنوه في ثوبيه" حيث أوجب غسل الميت وتكفينه؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثالثة: الإجماع؛ حيث كان الصحابة يدفنون موتاهم، الرابعة: التلازم؛ حيث إنه لا يمكن دفنه إلا بحمله فيجب، من باب: "مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك فرض كفاية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام الميت وستره، وتحسين مظهره، والدعاء له، والتخلُّص من رائحته بدفنه، تنبيه: لا يصح الاستدلال بحديث: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، لأنه ضعيف، والضعيف لا يُحتج به.

стр. 791

واتباعه: سنة، (٢٣) وكرِه الإمام للغاسل: أخذ أجرة على عمله إلا أن يكون محتاجًا فُيعطى من بيت المال، فإن تعذَّر: أعطي بقدر عمله، قاله في "المبدع"، (٢٤) والأفضل (٢٣) مسألة: اتِّباع الميت وتشييعه حتى يُدفن مستحب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن: كان له قيراطان"، قيل: ما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للميت، وإعزاز له، وتآلف مع أهله. (٢٤) مسألة: يُكره أخذ الأجرة على غسل الميت وتكفينه، وحمله، ودفنه بدون حاجة، أما إن وُجدت حاجة: فيُباح أن يأخذ بقدر عمله من مال الميت، فإن تعذَّر: فمن بيت مال المسلمين، فإن تعذَّر: فمن مال ورثة الميت، فإن تعذَّر: سقط؛ للمصلحة؛ حيث إن تجهيز الميت من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فلو أخذ بدون حاجة: فإنه ينقص أجره، وأُبيح أخذه إن كان بحاجة؛ سدًا لحاجته؛ لئلا يتكفف الناس، فإن قلتَ: لمَ يأخذ من ماله أو من بيت المال؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المنَّة عنه، ولأنه قضاء لحاجة المسلمين فيصح من بيت مالهم، فإن قلتَ: لَم يؤخذ من مال الورثة؟ قلتُ: لأنه لو كان له مال لانتفعوا به فكذلك العكس، فإن قلتَ: لمَ يسقط عند تعذر ما سبق؟ قلتُ: لأن الواجب يسقط عند العجز عنه، تنبيه: قوله: "وكره الإمام" يقصد الإمام أحمد، قلتُ: كره أخذ الأجرة على ذلك جمهور العلماء، ولم ينفرد أحمد بذلك. [فرع]: يحرم أخذ الأجرة على الصلاة على الميت؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده: التلازم؛ حيث إن الصلاة عبادة محضة قد قصد المصلي بالأقوال والأفعال التي فيها التقرب إلى الله تعالى، ونوى ذلك بها فيلزم منه: تحريم أخذ الأجرة عليها.

стр. 792

أن يُختار لتغسيله ثقة عارف بأحكامه (٢٥) (وأولى الناس بغسله وصيه) العدل؛ لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسَّله امرأته أسماء، وأوصى أنس ﵁ أن يُغسله محمد بن سيرين (ثم أبوه)؛ لاختصاصه بالحنو والشفقة (ثم جده) وإن علا؛ لمشاركته الأب في المعنى (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) فيُقدَّم الابن، ثم ابنه، وإن نزل، ثم الأخ لأبوين، ثم الأخ لأب على ترتيب الميراث (ثم ذووا أرحامه) كالميراث، ثم (٢٥) مسألة: يجب أن يكون المغسِّل للميت عدلًا، عارفًا لأحكام التغسيل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بأن يُغسل من وقصته ناقته بماء وسدر، وتجنيبه الطيب وكان قد قال للنساء اللواتي غسَّلن ابنته بأن تلف بكذا وكذا - مما سيأتي - وهذا يلزم منه: أن لا يتولى التغسيل إلا العدل العارف بالأحكام؛ الثانية: قول الصحابي؛ حيث أوصى أبو بكر ﵁ امرأته أسماء بأن تُغسِّله إذا مات، وأوصى أنسٌ محمد بن سيرين بأن يُغسِّله إذا مات، وهذا يلزم منه اشتراط هذين الشرطين؛ لأنه معلوم عادة: أن لا يوصي شخص بأن يغسِّله أو يفعل له أيُّ فعل سِرِّي إلا إذا كان متصفًا بالعدالة، والمعرفة بأحكام ما سيفعله، وهذا فيه مصلحة للمغسَّل، وهو المقصد منه فإن قلتَ: إنه يُستحب أن يكون المغسل عدلًا، وعارفًا لأحكام التغسيل، للمصلحة: حيث إنه قد لا يوجد من يتوفر فيه هذان الشرطان، قلتُ: هذا فيه نظر؛ حيث إن غير العدل سينشر ما يراه على الميت من مكاره، وغير العارف لأحكام الغسل: سيُغسِّله على غير الطريقة الشرعية، فلا يكونان قائمين بفرض الكفاية، ولذا: قلنا: إنه يجب فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة السنة القولية وقول الصحابي" حيث إنا قد فهمنا من لازمهما: اشتراط هذين الشرطين، والواجب يسقط بالعجز، وعندهم: لا يلزم من السنة وقول الصحابي هذان الشرطان.

стр. 793

الأجانب، (٢٦) وأجنبي أولى من زوجة وأمة، وأجنبية أولى من زوج وسيد، (٢٧) (٢٦) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يُغسِّل الميت الرجل: فإنه يُقدَّم وصيُّه - وهو: الذي أوصاه الميت بأن يُغسِّله - بشرط: كونه عدلًا عارفًا للأحكام، ولو كان هذا الموصى أنثى من محارمه، فإن تعذَّر فإن الأب هو الذي يتولَّى ذلك، فإن تعذَّر: فالجد وإن علا، فإن تعذَّر: فالأقرب ممن يعصبه: فيُقدَّم الابن، فإن تعذَّر، فابن الابن وإن نزل، فإن تعذَّر: فالأخ الشقيق، فإن تعذَّر: فالأخ لأب، فإن تعذَّر: فالعم الشقيق، فإن تعذَّر: فالعم لأب، فإن تعذَّر: فالأقرب من ذوي الأرحام - وهو: كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة - فيُقدَّم منهم جد الميت لأمه وهكذا كترتيب الميراث، فإن لم يوجد قريب: يغسله الأجانب ويقدَّم منهم الصديق ثم الجار: إذ توفرت صفة العدالة والعلم بأحكام التغسيل -؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابة؛ وقد سبق ذكره في مسألة (٢٥)، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الترتيب السابق أصلح للغسل؛ لتقديم الأرفق والأشفق والألطف، والأستر له، والأكثرون قربًا ومعرفة للميت هم الذين يتصفون بالرفق والشفقة عليه، فإن قلتَ: لمَ قُدِّم الأب والجد على الابن وابن الابن مع أن الأخيرين يُقدَّمان في الميراث؟ قلتُ: لأن رفق وشفقة الأب بابنه أكثر من العكس غالبًا، وكذا الجد. (٢٧) مسألة: إذا مات رجل ولم يوجد عنده إلا زوجته أو أمته، وأجنبي عنه: فإنه يُقدَّم في تغسيله الزوجة أو الأمة، وإذا ماتت امرأة ولم يوجد عندها إلا زوجها أو سيدِّها، وأجنبية عنها: فإنه يُقدَّم في تغسيلها الزوج، أو السيد؛ للمصلحة؛ حيث إن هؤلاء الأقرباء أرفق وأشفق وأستر للميت من الأجنبي أو الأجنبية، ولكون هؤلاء الأقرباء قد اطلعوا على بدن الميت في حياته، فلا يختلف الأمر بعد مماته، فإن قلت: يقدَّم الأجنبي والأجنبية هنا - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، وهو مخالف لمصلحة الميت.

стр. 794

وزوج أولى من سيد، وزوجة أولى من أُمِّ ولد (٢٨) (و) الأولى (ب-) غسل (أنثى وصيتها) العدل (ثم القربى فالقربي من نسائها) فتقدَّم أمها وإن عَلَت، ثم بنتها وإن نزلت، ثم القربى كالميراث، وعمتها وخالتها سواء، وكذا: بنت أخيها، وبنت أختها؛ لاستوائهما في القرب والمحرمية (٢٩) (ولكل) واحد (من الزوجين) إن لم تكن الزوجة ذمِّية (غسل صاحبه)؛ لما تقدم عن أبي بكر ﵁، وروى ابن المنذر أن عليًا ﵁ غسَّل (٢٨) مسألة: إذا ماتت أمة لها زوج ولها سيِّد: فيُقدَّم في تغسيلها زوجها، وإذا مات رجل له زوجة وأمُّ ولد: فتقدَّم في تغسيله الزوجة؛ للمصلحة؛ حيث إن القرابة تكون أشد بين الزوج وزوجته، ويلزم من ذلك: أن تكون الشفقة والمودَّة بينهما أعظم، هذا في الغالب. (٢٩) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يُغسِّل الميتة: فإنه يُقدَّم وصيَّتها بشرط: كونها تتصف بالعدالة والعلم بأحكام التغسيل، فإن تعذَّر ذلك: فتغسلها القربي لها من نسائها: فتقدم في ذلك أمها، فإن تعذَّر: فجدتها وإن عَلَت، فإن تعذَّر: فابنتها، فإن تعذر: فبنتُ بنتها وإن نزلت، فإن تعذَّر: فأختها الشقيقة، فإن تعذَّر: فأختها لأب، وهكذا على حسب الميراث، فإن لم يوجد عندها إلا عمتها وخالتها، أو لم يوجد عندها إلا بنت أخيها وبنت أختها: فلا تقدَّم إحداهما على الأخرى، بل يُقرع بينهما فمن تصيبها القرعة تقدم بغسلها، فإن تعذر: فالأجنبيات تقوم بذلك؛ لقاعدتين: الأولى: القياس على غسل الرجل وقد سبق في مسألة (٢٦) الثانية: التلازم؛ حيث إن استواء العمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت في القرب والمحرمية: يلزم منه عدم تقديم إحداهما على الأخرى، والأخذ بحكم القرعة؛ حيث إنها تلزم إذا استوت الحقوق، وهو طريق يُفعل لتحقيق العدالة بين الناس.

стр. 795

فاطمة، ولأن آثار النكاح من: عدة الوفاة، والإرث باقية فكذا الغسل، (٣٠) ويشمل ما قبل الدخول، (٣١) وأنها تغسِّله وإن لم تكن في عدة كما لو ولدت عقب موته، (٣٢) (٣٠) مسألة: الرجل يُغسِّل زوجته المسلمة، والزوجة تغسِّل زوجها إذا مات كل واحد منهما؛ لقاعدتين: الأولى: قول وفعل الصحابي؛ حيث قالت عائشة ﵂: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه"، وأوصى أبو بكر ﵁ أن تغسله امرأته أسماء، وغسل علي زوجته فاطمة الثانية: القياس، بيانه: كما أن آثار النكاح باقية بعد الوفاة كعدَّة الوفاة والإرث فكذلك الغسل مثله يبقى، والجامع: عدم انقطاع صلة النكاح بالموت، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل واحد منهما أرفق وأشفق بالآخر، ويعرف من أسرار صاحبه مالا يعرفه الآخرون، وللتيسير على العباد. (٣١) مسألة: إذا مات رجل بعد عقد النكاح على امرأة وقبل الدخول بها: فإن هذه المرأة تُغسِّله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوجة المدخول بها تغسله إذا مات فكذلك غير المدخول بها مثلها، والجامع؛ أن كلًا منهما تسمَّى زوجة شرعًا، وأنها ترث، وعليها العدة، وتستحق المهر. (٣٢) مسألة: إذا مات رجل وزوجته حامل فولدت قبل تغسيله: فإنها تغسِّله بشرط: عدم زواجها قبل تغسيله؛ للقياس، بيانه: كما أن آثار النكاح باقية كالإرث فكذلك الغسل مثلها، والجامع: عدم انقطاع صلة الزوجية بالموت، وأن كل واحد منهما نظر إلى عورة الآخر في الحياة فكذلك بعد الموت، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك انقضاء العدة بالولادة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد، ولأنها أرفق به وأشفق عادةً.

стр. 796

والمطلَّقة الرجعية إذا أُبيحت له (٣٣) (وكذا: سيِّد مع سريته) أي: أمته المباحة له، ولو أم ولد (٣٤) (ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط) ذكرًا كان أو أنثى؛ لأنه لا عورة له، ولأن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله النساء، فتغسله مُجَّردًا من غير سترة، وتمس عورته؛ وتنظر إليها (٣٥) (وإن مات رجل بين (٣٣) مسألة: إذا طلَّق رجل زوجته طلاقًا رجعيًا - بأن طلَّقها طلقة واحدة - ثم مات ذلك الرجل قبل انقضاء مدة عدَّة الطلاق - وهي: ثلاثة أشهر: فإنها تُغسِّله بشرط: إباحة مراجعتها - فيما لو كان حيًا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز مراجعتها بدون عقد وولي: أن تكون شبهة الزوجية باقية، والزوجة تغسل زوجها، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك مع أنه طلقها قلتُ: للمصلحة التي ذكرناها في مسألة (٣٢). (٣٤) مسألة: يُباح للسَّيِّد أن يُغسِّل أمته إذا ماتت، ومدبَّرة، ومكاتبة بشرط: أن يكون قد وطأها، وأن تكون مسلمة: سواء كانت أمَّ ولد أو لا، ويُباح العكس: بأن تغسل الأمة والمدبَّرة والمكاتبة سيدها - كما سبق -؛ للقياس، بيانه: كما أن الزوج يُغسِّل زوجته إذا ماتت، والزوجة تُغسِّل زوجها إذا مات فكذلك الأمة تغسِّل سيدها، والسيد يُغسِّل أمته، والجامع: نظر كل واحد منهما إلى عورة الآخر في الحياة، فلا يختلف بعد الممات، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد. (٣٥) مسألة: يُباح للرجل والمرأة أن يُغسِّلان من هو دون سبع سنوات إذا مات: سواء كان هذا الميت ذكرًا أو أنثى، وسواء كان مجردًا من ثيابه أو لا، وسواء نظر إلى عورته ولمسها أو لا؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أقرَّ النساء اللَّاتي قد غسَّلن إبراهيم ابن النبي ﷺ ، ولم يُنكر عليهن، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لكونه لا عورة له في الحياة وبعد الممات كذلك.

стр. 797

نسوة) ليس فيهن زوجة، ولا أمة مباحة له: يُمِّم (أو عكسه): بأن ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوج ولا سيِّد لها: (يُمِّمت كخنثى مُشكل) لم تحضره أمة له فيُيمَّم؛ لأنه لا يحصل بالغسل من غير مَسٍّ تنظيف، ولا إزالة نجاسة، بل ربما كثرت، (٣٦) وعُلِم منه: أنه لا مدخل للرجال في غسل الأقارب من النساء، ولا بالعكس (٣٧) (ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا) وأن يحمله، أو يُكفِّنه، أو يتبع جنازته كالصلاة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (أو يدفنه) للآية (بل يوارى) (٣٦) مسألة: إذا مات رجل، بين نساء أجانب عنه ليس بينهن زوجة ولا أمة، أو ماتت امرأة بين رجال أجانب عنها ليس بينهم زوج ولا سيد لها: فإنهما لا يغسلان، بل يفعل بهما حكم التيمُّم: بأن يُقبض على يدي الميت بحائل - خرقة أو غيرها - فيضرب بهما الأرض فيُمسح بهما وجه الميت وكفَّيه - بعد أن ينوي الفاعل عن الميت -؛ للقياس، بيانه: كما أن الخنثى يُفعل به ذلك، فكذلك هذان يُفعل بهما ذلك والجامع: منع الفتنة في كل؛ لأنه لا يجوز للأجانب أن ينظروا أو يلمسوا عورات غيرهم من الأجانب إذا لم يوجد منهم من ذكرنا، والخنثى لا يُعلم هل هو ذكر أم أنثى؟ فنظرًا لهذا الاحتمال لا يُغسله أحد، بل يُيمَّم؛ احتياطًا فكذلك هذان مثله، فإن قلتَ: لمَ لا يغسَّل بصب الماء عليه؟ قلتُ: لأن المس حرام، ولو صُبَّ الماء عليه لما تحققت إزالة النجاسة، ولتسبَب في كثرتها. (٣٧) مسألة: يحرم على الرجل أن يُغسِّل المرأة التي يحرم عليه أن يتزوجها في حال حياتها - كأمه وابنته ونحوهما - ويحرم على المرأة أن تُغسِّل الرجل الذي يحرم عليها أن تتزوج به في حال حياتها - كأبيها وابنها ونحوهما -؛ للقياس، بيانه: كما أن ذلك يحرم في حال الحياة فكذلك يحرم بعد الممات، والجامع: المحرمية في كل، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لشدَّة تحريم النظر إلى عورات المحارم في الشريعة.

стр. 798

وجوبًا (لعدم) من يواريه؛ لإلقاء قتلى بدر في "القليب" (٣٨)، ويُشترط لغسله: طهورية ماء، وإباحته، وإسلام غاسل إلا نائبًا عن مسلم نواه، وعقله ولو مميزًا، أو حائضًا، أو جنبًا (٣٩) (وإذا أخذ) أي: شرع (في غسله: ستر عورته) وجوبًا - وهي: (٣٨) مسألة: يُحرَّم على المسلم أن يُجهز الميت من الكفار إذا مات بين المسلمين: فلا يُغسَّله، ولا يُكفنه، ولا يحمله، ولا يدفنه بل يدفنه؛ للتخلص من رائحته؛ إذا عُدم من يفعل ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فحرَّم موالاة الكفار؛ لأن الموالاة تكريم، وتجهيز ميتهم من باب التكريم؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، الثانية: القياس، بيانه: كما تُحرَّم الصلاة على ميت الكفار فكذلك يحرم تجيزه والجامع: عدم التكريم والتطهير في كل، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعزاز للمسلمين، ووضعه تحت التراب؛ لمنع خروج رائحته الكريهة فتؤذي المسلمين كما أمر ﷺ بإلقاء قتلى بدر من الكفار بالقليب. (٣٩) مسألة: شروط صحة غسل الميت أربعة: أولها: أن يكون الماء الذي غُسل به طهورًا مباحًا فلا يصح غسله بماء طاهر، أو نجس أو مسروق، للقياس؛ بيانه: كما أنه يشترط ذلك في غسل الجنابة فكذلك غسل الميت مثل ذلك، والجامع: أن كلًا منهما يقصد منه التطهير، فلا يحصل إلا بذلك، ثانيها: أن يكون الغاسل مسلمًا، فلا يصحُّ غسل كافر المسلم ميت إلا إذا كان الكافر نائبًا عن مسلم و نوى المسلم الغسل فغسله الكافر: فإن هذا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن غسل الميت المسلم عبادة، ولا صحة لأي عبادة إلا بنية، ولا نية صحيحة لكافر: فيلزم عدم صحة غسله، لفقدان النية الصحيحة منه، ولذا: صحَّ غسل الكافر لميت مسلم إذا كان نائبًا عن مسلم ونواه ذلك المسلم؛ لوجود النية من المسلم لا من الكافر؛ وإنما جُعل الكافر كالآلة، ثالثها: أن يكون الغاسل؛ =

стр. 799

ما بين سرته وركبته - (٤٠) (وجرَّده) ندبًا؛ لأنه أمكن في تغسيله، وأبلغ في تطهيره، وغُسل النبي ﷺ في قميص؛ لأن فضلاته طاهرة فلم يُخش تنجيس قميصه (٤١) = عاقلًا ولو كان نجسًا أو لم يبلغ؛ للقياس، بيانه: كما أنه يصح غسل العاقل لنفسه فكذلك يصح غسله لغيره، دون من لا يعقل كمن لا يميز، والمجنون، والمعتوه، فلا يصح غسلهم للميت؛ لكونهم لا يصح غسلهم لأنفسهم؛ لعدم النية الصحيحة منهم، رابعها: أن يكون الغاسل ثقة عدلًا عارفًا لأحكام التغسيل وطريقته؛ للسنة القولية، وقول الصحابي، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٢٥)، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه إكرام للميت. (٤٠) مسألة: إذا بدأ الغاسل في غسل الميت: فيجب أن يستر عورة الميت - وهي: ما بين السرَّة إلى الركبة - بأن يضع عليها خرقة ونحوها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعلي ﵁: "لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" حيث حرم الشارع النظر إلى عورة الأجنبي؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، وما يُترك به الحرام: واجب، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة الفتنة. (٤١) مسألة: يُستحب أن يُجرَّد الميت من جميع ثيابه عند تغسيله - سوى عورته -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل غسله وتنظيفه وتطهيره، فإن قلت: لا يُستحب ذلك، بل يجعل على جسده قميصًا رقيقًا، ويُدخل الغاسل يده تحت ذلك القميص فيمرَّها على بدنه، والماء يُصبُّ أثناء ذلك، وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد؛ للقياس، بيانه: كما أنه فعل بالنبي ﷺ ذلك فكذلك غيره، والجامع: الستر في كل قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه ﷺ لم يخرج منه ما يُنجس قميصه؛ لكونه طاهرًا حيًا وميتًا بخلاف غيره، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" فعندنا: يعمل بالمصلحة؛ لفساد القياس، وعندهم: يُعمل بالقياس على النبي ﷺ .

стр. 800

(وستره عن العيون) تحت ستر في خيمة أو بيت إن أمكن؛ لأنه أستر له (٤٢) (ويكره لغير مُعيّن في غسله حضوره)؛ لأنه ربما كان في الميت مالا يجب اطلاع أحد عليه، والحاجة غير داعية إلى حضوره بخلاف المعين (٤٣) (ثم يرفع رأسه) أي: رأس الميت غير أنثى حامل (إلى قرب جلوسه) بحيث يكون كالمحتضن في صدر غيره (ويعصر بطنه برفق)؛ ليخرج ما هو مستعد للخروج، (٤٤) ويكون هناك بخور (٤٥) (ويكثر صبَّ الماء حينئذٍ)؛ ليدفع ما يخرج بالعصر (٤٦) (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة (٤٢) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت أثناء تغسيله في مكان لا يراه أحد: كأن يوضع في غرفة أو خيمة ونحوهما؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أحوط في ستره. (٤٣) مسألة: يُكره أن ينظر أحد إلى الميت أثناء تغسيله إلا الغاسل أو من يُعينه فقط وهذان يغضَّان البصر على حسب القدرة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ستر الميت، وحفظ الناظر من أن يتأثَّر من رؤية شيء في الميت يكرهه، وقد يتحدَّث به في حين أن الميت لا يرضى به. (٤٤) مسألة: يُستحب أن يرفع الغاسل رأس الميت رفعًا ظاهرًا حتى يكون قريبًا من حال جلوسه، ثم يعصر بطنه برفق ولين، إلا إن كانت الميتة حاملًا فلا يفعل فيها ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الطريقة يجعل ما هو متهيئ للخروج من نجاسات يخرج؛ لئلا يخرج بعد الفراغ من تغسيله فيؤذي المصلين عليه والمشيعين له، أما الحامل: فلا يفعل بها ذلك؛ لأن ذلك سيتسبَّب في خروج ولدها مع الدماء، وسيحتاج ذلك إلى وقت لتنظيفه. (٤٥) مسألة: يُستحب أن يُجعل في مكان غسل الميت بخور - وهو: كل ماله رائحة طيبة من عود ونحوه -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع تأذَّي الغاسل ومن معه من الروائح الكريهة التي تخرج من الميت. (٤٦) مسألة: يُستحب أن يُكثر الغاسل صب الماء حال رفع رأس الميت وعصر بطنه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك سيدفع النجاسات التي تخرج منه أثناء العصر.

стр. 801

فيُنجيِّه) أي: يمسح فرجه بها (٤٧) (ولا يحلُّ مسُّ عورة من له سبع سنين) بغير حائل كحال الحياة؛ لأن التطهير يمكن بدون ذلك (٤٨) ويُستحب: أن لا يمس سائره إلا بخرقة)؛ لفعل علي مع النبي ﷺ ، فحينئذ يُعدُّ الغاسل خرقتين: إحداهما للسبيلين، والأخرى لبقية بدنه (٤٩) (ثم يوضِّيه ندبًا) كوضوئه للصلاة؛ لما روت أمُّ عطية: أن النبي ﷺ قال في غسل ابنته: "إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" رواه الجماعة، (٤٧) مسألة: يُستحب أن يُنجِّي الغاسل الميت: بأن يضع خرقة خشنة أو قفَّازين على يده فيقوم بمسح فرج الميت بذلك، ثم يغسله بعد ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة للنجاسة وتطهيره؛ لئلا يؤذي المصلين عليه والحاملين له. (٤٨) مسألة: يحرم على الغاسل أن يمس عورة الميت البالغ سبع سنين فما فوق باليد مباشرة، ولكنه يمسها لغسلها بحائل كخرقة، أما من دون سبع سنين فلا بأس بمس عورته بدون حائل؛ للقياس، بيانه: كما لا يجوز مسَّ عورة من بلغ سبع سنين في حال الحياة فكذلك لا يجوز مسُّها بعد الممات، والجامع: إثارة الشهوة في كل غالبًا، وكذلك: كما يجوز مسُّ عورة من لم يبلغ ذلك في الحياة فكذلك يجوز ذلك بعد الممات، والجامع: عدم إثارة الشهوة غالبًا. (٤٩) مسألة: يُستحب أن يمس الغاسل سائر جسد الميت - سوى العورة - بحائل من خرقة ونحوها؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا ﵁ قد فعل ذلك بالنبي ﷺ ، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخرقة ونحوها أقوى في التنظيف، وأبعد عن إثارة الشهوة عن طريق لمس اليد جسد الميت مباشرة، فائدة: الغاسل يُعدُّ خرقتين أولهما: لإزالة النجاسات من قُبُل ودُبُر الميت، ثانيهما: لغسل سائر جسد الميت، وهذا أبلغ في التطهير.

стр. 802

وكان ينبغي تأخيره عن نية الغسل كما في "المنتهى" وغيره (٥٠) (ولا يُدخل الماء في فيه، ولا في أنفه)؛ خشية تحريك النجاسة (٥١) (ويُدخل إصبعيه) إبهامه وسبَّابته (مبلولتين) أي: عليهما خرقة مبلولة (بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فيُنظِّفهما) بعد غسل كفِّي الميت، فيقوم المسح فيهما مقام غسلهما؛ خوف تحريك النجاسة بدخول الماء جوفه (ولا يدخلهما) أي: الفم والأنف (الماء)؛ لما تقدَّم (٥٢) (٥٠) مسألة: يُستحب أن يقوم الغاسل بتوضية الميت كما يتوضأ الحي للصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمن غسَّلن ابنته: "ابدأُنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها" وصرفت السنة القولية هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث قال ﷺ فيمن وقصته ناقته ومات -: "اغسلوه بماء وسدر" حيث أمر الشارع بالغسل مباشرة، بدون وضوء، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن توضئة الميت والبداية باليمين منه يُعتبر من المبالغة في التطهير وتحقيق البركة، تنبيه: قوله: "وكان ينبغي تأخيره عن نية الغسل" يقصد: أنه ينبغي للماتن - وهو الحجَّاوي -: أن يؤخِّر الكلام عن البدء بالميامن وتوضئته إلى ما بعد الكلام عن نية الغسل، أي: بعد قوله: "ثم ينوي غسله … " الذي سيأتي في مسألة (٥٣) وهو صحيح. (٥١) مسألة: لا يُشرع أن يُدخل الغاسل الماء في أنف الميت ولا في فمه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يتسبَّب في دخول الماء إلى جوف الميت فينتفخ البطن، وقد ينفجر قبل دفنه، وقد يؤدي ذلك إلى استمرار خروج النجاسات، فيؤذي الغاسل، والحاملين له، فدفعًا لذلك ثبت هذا الحكم. (٥٢) مسألة: يُستحب أن ينظّف الغاسل أسنان الميت ومنخريه بخرقةِ مبلولة بالماء، ويستعمل لذلك إصبعيه: السبَّابة والإبهام إن سهل؛ للقياس، بيانه: كما أن المتوضئ الحي يفعل ذلك بالماء أثناء المضمضة والاستنشاق، فكذلك الغاسل يفعله =

стр. 803

(ثم ينوي غسله)؛ لأنه طهارة تعبُّدية، فاشتُرطت له النية كغسل الجنابة (٥٣) (ويُسمِّي) وجوبًا؛ لما تقدَّم (٥٤) (ويغسل برغوة السدر) المضروب (رأسه ولحيته = بالميت ولكن بدون ماء، والجامع: المبالغة في التطهير، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة للروائح الكريهة، وشرع عدم استعمال الماء؛ لأنه لو استعمل لدخل جوفه، وهذا فيه مفسدة وقد بيناها في مسألة (٥١) تنبيه: قوله: "بعد غسل كفي الميت" هذا قد سبق بيانه في مسألة (٥٠). (٥٣) مسألة: يجب على الغاسل أن ينوي غسل هذا الميت؛ للقياس، بيانه: كما أن الجنب يجب عليه إذا أراد الاغتسال أن ينوي ذلك فكذلك الغاسل ينوي غسل هذا الميت؛ لانعدامها من الميت، والجامع: أن كلًا منهما طهارة تعبُّدية لا تصح إلا بنية، فإن قلتَ: لمَ وجبت النية هنا؟ قلتُ: لأنه لا عمل في الإسلام إلا بنية؛ لكونه يُرجى من ورائه الأجر والثواب؛ لعموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" فإن قلتَ: لا تجب النية في غسل الميت، وهو قول بعض العلماء كأبي يعلى وتلميذه ابن عقيل؛ للقياس، بيانه: كما أن غسل النجاسة لا تجب فيه النية فكذلك لا تجب النية هنا، والجامع: أن كلًا منهما المقصود به إزالة النجاسات والتطهير قلتُ: إن غسل الميت يُشبه غسل الحي من الجنابة أكثر من شبهه لغسل النجاسة فألحقناه به، فأوجبنا النية فيه كما وجبت النية على المغتسل عن الجنابة؛ مع أنه في الحقيقة يُزيل النجاسة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بغسل الجنابة لأنه أكثر شبهًا به عندنا، فأوجبنا النية، وألحقوه بغسل النجاسة لأنه أكثر شبهًا به عندهم فلم يوجبوا النية، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشَّبه أو غلبة الأشباه". (٥٤) مسألة: يُستحب أن يُسمِّي الغاسل عند بدء غسله للميت؛ للقياس، بيانه: كما أن المغتسل عن الجنابة يُستحب أن يُسمِّي قبل اغتساله فكذلك هنا، ويُسمِّي =

стр. 804

فقط)؛ لأن الرأس أشرف الأعضاء، والرغوة لا تتعلَّق بالشعر (٥٥) (ثم يغسل شقَّه الأيمن ثم) شقَّه (الأيسر)؛ للحديث السابق (٥٦) (ثم) يغسله (كله) يفيض الماء على جميع بدنه، يفعل ما تقدَّم (ثلاثًا) إلا الوضوء: ففي المرة الأولى فقط (يُمرُّ في كل مرة) من الثلاث (يده على بطنه): ليُخرج ما تخلَّف (فإن لم ينق بثلاث) غَسَلات: (زيد حتى يُنقي ولو جاوز السبع) وكره اقتصاره في غسله على مرة إن لم يخرج منه شيء فيحرم الاقتصار ما دام يخرج منه شيء على ما دون السبع، وسُنَّ قطع على = الغاسل؛ نظرًا لتعذُّر التسمية منه، والجامع: أن كلًا منهما عبادة يُتقرَّب بها إلى الله، فيُستحب أن يُبدأ بها باسمه سبحانه، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التسبُّب في حصول البركة تنبيه: قوله: "ويُسمِّى وجوبًا" يُشير إلى أن التسمية واجبة هنا؛ قياسًا على وجوبها في الوضوء والغسل والتيمُّم، وهذا مرجوح كما سبق بيانه؛ حيث بيَّنا في مسألة (١٦) من باب "السواك وسنن الوضوء": أن التسمية في الطهارات كلها مستحبة. (٥٥) مسألة: يُستحب أن يغسل الغاسل رأس الميت ولحيته برغوة السدر - وهو زُبَدَه المتصاعد منه - أو برغوة الصابون؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ "اغسلوه بماء وسدر" وهو عام، فيشمل الرأس واللحية داخلة فيه وخصِّص "السدر" لما فيه من الرغوة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشعر تتعلَّق به عادة الأوساخ، فيُحتاج إلى عناية أكثر، والرغوة تزول عادة. (٥٦) مسألة: يُستحب أن يبدأ الغاسل بغسل شقِّ الميت الأيمن، ثم يغسل شقه الأيسر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمن يُغسِّلن ابنته -: "ابدان بميامنها" يسر فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق البركة.

стр. 805

وتر، (٥٧) ولا تجب مباشرة الغسل: فلو تُرك تحت ميزاب ونحوه، وحضر من يصلح لغسله، ونوى، وسمَّى، وعمَّه الماء: كفى (٥٨) (ويجعل في الغسلة الأخيرة) ندبًا (٥٧) مسألة: يُستحب أن يوضئ الغاسلُ الميت مرة واحدة فقط تكون قبل الغسلة = الأولى، ثم يغسل جميع بدنه مرة واحدة وجوبًا، ويُستحب أن يزيد في غسله إلى ثلاث مرات يمر في كل مرة على بطنه مع عصر خفيف، فإن لم ينظف بتلك الثلاث: فإنه يُستحب أن يغسله خمسًا، فإن لم ينظف فيغسله سبعًا، ويزيد حتى يتحقق التنظيف، ويقف على وتر، ويُكره الاقتصار على واحدة: سواء خرج منه شيء بعد ذلك أولًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لمن غسلن ابنته-: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" وقال: "اغسلوه بماء وسدر" وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويقتضي المرة الواحدة، وتبرأ الذمة بها وإن خرج منه شيء من النجاسات، والزيادة مستحبة وكره الوقوف على غسلة واحدة؛ لحرمان نفسه من أجر الاستحباب، والحديث الأول يدل على استحباب قطع غسله على وتر، لأن الله وتر يحب الوتر، فإن قلتَ: يحرم الاقتصار على المرة الواحدة إذا كان يخرج من الميت بعض النجاسات وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، حيث إن التلازم قد دل على جواز الاقتصار على مرة واحدة وإن خرج منه شيء؛ حيث يلزم من تلك الغسلة: الخروج عن العهدة، وتبرئة الذمَّة، فلا يأثم إذا تركه بعد ذلك، وإن كان يخرج منه شيء من النجاسات. (٥٨) مسألة: لا تجب مباشرة الغسل باليد أو بالخرقة، فلو وُضع الميت تحت ميزاب يصبُّ عليه الماء: لصح غسله بشروط: أولها: أن يعم الماء جميع بدنه، ثانيها: أن يحضر من يصلح لغسله - كما سبق في مسألة، (٣٩)، ثالثها: أن ينوي هذا الحاضر غسله - كما سبق في مسألة (٥٣)؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من توفر تلك الشروط: صحة الغسل، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن =

стр. 806

(كافورًا) وسدرًا؛ لأنه يُصلّب الجسد، ويطرد عنه الهوام برائحته (٥٩) (والماء الحار) يُستعمل إذا احتيج إليه (والأشنان) يُستعمل إذا احتيج إليه (والخلال يُستعمل إذا احتيج إليه) فإن لم يُحتج إليها: كُرِهت (٦٠) (ويقصُّ شاربه، ويُقلّم أظفاره) ندبًا إن طالا، ويؤخذ شعر إبطيه، ويجعل المأخوذ معه (٦١) كعضو = ذلك فيه توسعة على العباد، ويتبين أثره عند بعضهم فيما لو مات رجل بين نساء أجانب عنه، أو ماتت امرأة بين رجال أجانب عنها، أو مات خنثى: فإنه يُصب على الميت ماء ولا يُمسَّ، وهذا أولى عندهم من أن يُيَمَّم قلتُ: بل إن فعل أحكام التيمم فيه موافق للمصلحة كما سبق في مسألة (٣٦)، تنبيه: قوله: "وسمَّى" يشير إلى أن التسمية واجبة، وقد بينا أن التسمية مستحبة في مسألة (٥٤). (٥٩) مسألة: يُستحب أن يجعل الغاسل مع الغسلة الأخيرة للميت كافورًا - وهو: طيب أبيض يُشبه الشَّب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لمن غسلن ابنته-: "واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الكافور أبرد أنواع الطيب، ورائحته تطرد الهوام والحشرات عن الميت، ويجعل جسد الميت صلبًا لا يتكسر. (٦٠) مسألة: يُباح استعمال الماء الحار، والأشنان - وهو: يُشبه الصابون - في غسل الميت والخلال - وهو العود الذي يزيل ما علق بين الأسنان من طعام - وذلك لإزالة ما علق بالميت من قاذورات بشرط: الحاجة إليها، ويُكره استعمالها بدون حاجة إليها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في التطهير والتنظيف، وإذا استعملت بدون حاجة: فإنه يتسبَّب في تأخير تجهيز الميت، وهذا مخالف للمشروع؛ حيث إنه يُشرع الإسراع به كما سبق بيانه. (٦١) مسألة: يُستحب أن يقصَّ الغاسل شارب الميت، ويُقلّم أظفاره إن كان ذلك طويلًا، ويحلق شعر إبطيه، ويجعل ما يأخذه منه في كفنه؛ لقاعدتين: الأولى: =

стр. 807

سقط، (٦٢) وحرم حلف رأسه، (٦٣) وأخذ عانته (٦٤) = قول الصحابي؛ حيث قال أنس ﵁: "اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم" وهذا يلزم منه قصَّ الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق الإبط: الثانية: القياس، بيانه: كما أن الحي يُستحب له أن يدفن ما أخذه من شعر أو ظفر فكذلك الميت مثله، والجامع: إكرام أجزاء الميت والحي، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه مبالغة في تطهير وتنظيف وإكرام الميت وإعداده لمقابلة الملكين اللذين سيسألانه عند دخوله القبر. (٦٢) مسألة: إذا قُطع من مسلم عضو، وانفصل عنه فيجب أن يُدفن؛ للمصلحة وهي من وجهين: أولهما: أن هذا العضو المقطوع يُعتبر جزءًا منه، فدفنه يُعتبر إكرامًا للمقطوع منه؛ لئلا يُتلاعب به، ثانيهما: أن دفنه فيه منع أذية الناس برائحته الكريهة، تنبيه: قاس المصنف دفن الشعر والظفر على دفن العضو إذا قطع قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الحكم قد اختلف: فدفن الشعر والظفر مستحب - كما سبق في مسألة (٦١) - ودفن العضو المقطوع واجب كما في مسألة (٦٢)، ولا توجد علة جامعة بينهما. (٦٣) مسألة: يحرم حلق رأس الميت؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" حيث لم يرد من الشارع ما يدل على مشروعية حلقه، فيكون حلقه فعلًا مردودًا، والمردود حرام؛ لكونه من البدع، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشويه للميت. (٦٤) مسألة: يحرم أخذ وحلق عانة الميت - وهو: النابت فوق الفرج من قُبُل -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم النظر إلى العورة: تحريم حلق العانة؛ لأنه لا يتم ذلك الحلق إلا بالنظر إليها، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة.

стр. 808

كختن (٦٥) (ولا يُسرَّح شعره) أي: يُكره ذلك؛ لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه (٦٦) (ثم ينشَّف) ندبًا (بثوب) كما فُعل به ﷺ (٦٧) (ويضفَّر) ندبًا (شعرها) أي: الأنثى (ثلاثة قرون، ويُسدل وراءها)؛ لقول أمِّ عطية: "فضفَّرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها" رواه البخاري (٦٨) (وإن خرج منه) أي: الميت (شيء بعد سبع) غسلات: (حشي) المحل (بقطن)؛ ليمنع الخارج كالمستحاضة (فإن لم يستمك) بالقطن: (فبطين حر) أي: خالص؛ لأن فيه (٦٥) مسألة: يحرم ختن الميت - وهو: قطع الجلدة التي فوق الحشفة - إذا كان غير مختون -؛ للتلازم؛ وقد سبق بيانه، مع المقصد الشرعي منه في مسألة (٦٤)، وفيه - أيضًا - إيذاء للميت من غير حاجة. (٦٦) مسألة: يُكره تسريح شعر الميت: كشعر رأسه ولحيته وتمشيطه؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ نهت عن ذلك، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى تقطيع شعره وإيذائه، وإضاعة الوقت بلا حاجة. (٦٧) مسألة: يُستحب أن يُنشَّف الميت بثوب بعد الفراغ من غسله وقبل تكفينه؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ذلك فعله بعض الصحابة الذين غسلوا النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من تعفُّن الميت وظهور رائحة منه إذا كفن بدون ذلك. (٦٨) مسألة: يُستحب أن يُضفَّر شعر المرأة الميتة: بأن يُقسَّم إلى ثلاثة قرون، ثم ترُخى وتُسدل وراءها؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت أمُّ عطية: "فضفَّرنا رأسها وناصيتها، وقرنيها ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها" - تعني بنت النبي ﷺ لما ماتت - ولم يُنكر ذلك النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يزيد من حسنها لمقابلة ربها والملكين، وهو يساعد أيضًا على جمع رأسها.

стр. 809

قوة تمنع الخارج (ثم يغسل المحلَّ) المتنجِّس بالخارج (ويُوضأ) الميت وجوبًا كالجنب إذا أحدث بعد الغسل (٦٩) (وإن خرج) منه شيء (بعد تكفينه: لم يُعد الغسل)؛ دفعًا للمشقة، (٧٠) ولا بأس بقول غاسل له: "انقلب يرحمك الله" ونحوه، (٧١) ولا يُغسِّله في حمَّام (٧٢) (ومحرم) بحج أو عمرة (ميت كحي يُغسل بماء وسدر) لا كافور (ولا (٦٩) مسألة: إذا خرج من الميت شيء من النجاسات بعد غسله المرة السابعة: فيجب أن يسدَّ الغاسل محلَّ خروج النجاسة بشيء من القطن، فإن لم ينسد: فيسدُّه بطين خالص - وهو: الطين الأبيض الذي لم يخالطه رمل -، ثم يغسل المحلَّ، ثم يُوضئه كوضوء الصلاة، ثم يكفّنه؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المستحاضة تسدُّ ما يخرج منها من الدماء بشيء من القطن بعد غسلها من الجنابة، فكذلك الميت هنا مثلها والجامع: دفع المشقة في كل، ثانيهما: كما أن الجنب إذا أحدث بعد اغتساله يتوضأ للصلاة، فكذلك الميت هنا مثله والجامع: أن كلًا منهما قد أحدث بعد الطهارة، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط وتأكد تطهيره. (٧٠) مسألة: إذا خرج شيء من الميت بعد تكفينه: فلا يُعاد غسله، بل يُصلى عليه مباشرة: سواء خرج هذا بعد السابعة أو قبلها، وسواء كان الخارج قليلًا أو كثيرًا؛ للمصلحة؛ حيث إن فكَّ كفنه وتغسيله، ثم تكفينه مرة أخرى فيه مشقة، فدفعًا لذلك: شرع هذا. (٧١) مسألة: لا يُشرع أن يقول الغاسل شيئًا أثناء غسله للميت؛ للتلازم؛ حيث إن هذا القول غير مفيد فيلزم عدم مشروعيته، فإن قلتَ: يُباح أن يقول: "انقلب يرحمك الله" أو "أرحني" ونحوهما قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك. (٧٢) مسألة: لا يُغسل الميت في الحمَّام العام؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يغتسل الحي من الجنابة في الحمام العام فكذلك الميت مثله، والجامع: عدم الستر الكامل في كل.

стр. 810

يُقرِّب طيبًا) مطلقًا (ولا يلبس ذكر مخيطًا) من قميص ونحوه (ولا يُغطَّى رأسه، ولا وجه أنثى) محرمة، ولا يؤخذ شيء من شعرهما وظفرهما؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵃: "أن النبي ﷺ قال - في محرم مات -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبِّيًا"، (٧٣) ولا تُمنع معتدَّة من طيب (٧٤) وتُزال اللصوق لغسل واجب إن لم يسقط من جسده (٧٣) مسألة: إذا مات محرم في حج أو عمرة: فإنه يُفعل به كما يُفعل بمن مات وهو غير محرم: من تغسيل، وتكفين، وصلاة عليه، ودفن، إلا أنه لا يُطيَّب، ولا يُلبس الرجل مخيطًا ولا يُغطى رأسه، ولا يُغطى وجه المرأة إن لم تكن عند أجانب، ولا يؤخذ من شعرهما، ولا ظفرهما كما يفعل لو كان محرمًا حيًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُمسُّوه طيبًا ولا تخمِّروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة مُلبيًا" حيث أوجب تغسيله وتكفينه كغيره؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وحرم مسُّه بطيب وتغطية رأسه، لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم؛ ويلزم من قوله: "فإنه يُبعث مُلبيًا" تحريم لبسه المخيط، وعدم تغطية المرأة لوجهها، وتحريم أخذ شيء من شعره وظفره؛ لكونه في حالة إحرام بنسكٍ، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه جمع بين تطهيره وبقائه على نسكه. (٧٤) مسألة: إذا ماتت امرأة معتدَّة بعدَّة وفاة: فإنها تُطيب بكافور وغيره كغيرها؛ للتلازم؛ حيث إن الإحداد قد سقط عنها بسبب موتها فيلزم عدم المنع من تطيبها كغيرها من الميتات غير المعتدَّات، فإن قلتَ: لمَ ذكرت المعتدَّة هنا مع أنها مثل غيرها؟ قلتُ: لأن المعتدَّة تمنع من التطيب كما يُمنع المحرم في حال الحياة، وذكرت هنا؛ لنفي الحرج في المعتدَّة وإنها تُطيب إذا ماتت، بخلاف من مات وهو محرم.
следующие страницы →