Полный текст (3 194 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
(كافورًا) وسدرًا؛ لأنه يُصلّب الجسد، ويطرد عنه الهوام برائحته (٥٩) (والماء الحار) يُستعمل إذا احتيج إليه (والأشنان) يُستعمل إذا احتيج إليه (والخلال يُستعمل إذا احتيج إليه) فإن لم يُحتج إليها: كُرِهت (٦٠) (ويقصُّ شاربه، ويُقلّم أظفاره) ندبًا إن طالا، ويؤخذ شعر إبطيه، ويجعل المأخوذ معه (٦١) كعضو
= ذلك فيه توسعة على العباد، ويتبين أثره عند بعضهم فيما لو مات رجل بين نساء أجانب عنه، أو ماتت امرأة بين رجال أجانب عنها، أو مات خنثى: فإنه يُصب على الميت ماء ولا يُمسَّ، وهذا أولى عندهم من أن يُيَمَّم قلتُ: بل إن فعل أحكام التيمم فيه موافق للمصلحة كما سبق في مسألة (٣٦)، تنبيه: قوله: "وسمَّى" يشير إلى أن التسمية واجبة، وقد بينا أن التسمية مستحبة في مسألة (٥٤).
(٥٩) مسألة: يُستحب أن يجعل الغاسل مع الغسلة الأخيرة للميت كافورًا - وهو: طيب أبيض يُشبه الشَّب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لمن غسلن ابنته-: "واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الكافور أبرد أنواع الطيب، ورائحته تطرد الهوام والحشرات عن الميت، ويجعل جسد الميت صلبًا لا يتكسر.
(٦٠) مسألة: يُباح استعمال الماء الحار، والأشنان - وهو: يُشبه الصابون - في غسل الميت والخلال - وهو العود الذي يزيل ما علق بين الأسنان من طعام - وذلك لإزالة ما علق بالميت من قاذورات بشرط: الحاجة إليها، ويُكره استعمالها بدون حاجة إليها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في التطهير والتنظيف، وإذا استعملت بدون حاجة: فإنه يتسبَّب في تأخير تجهيز الميت، وهذا مخالف للمشروع؛ حيث إنه يُشرع الإسراع به كما سبق بيانه.
(٦١) مسألة: يُستحب أن يقصَّ الغاسل شارب الميت، ويُقلّم أظفاره إن كان ذلك طويلًا، ويحلق شعر إبطيه، ويجعل ما يأخذه منه في كفنه؛ لقاعدتين: الأولى: =
стр. 807
سقط، (٦٢) وحرم حلف رأسه، (٦٣) وأخذ عانته (٦٤)
= قول الصحابي؛ حيث قال أنس ﵁: "اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم" وهذا يلزم منه قصَّ الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق الإبط: الثانية: القياس، بيانه: كما أن الحي يُستحب له أن يدفن ما أخذه من شعر أو ظفر فكذلك الميت مثله، والجامع: إكرام أجزاء الميت والحي، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه مبالغة في تطهير وتنظيف وإكرام الميت وإعداده لمقابلة الملكين اللذين سيسألانه عند دخوله القبر.
(٦٢) مسألة: إذا قُطع من مسلم عضو، وانفصل عنه فيجب أن يُدفن؛ للمصلحة وهي من وجهين: أولهما: أن هذا العضو المقطوع يُعتبر جزءًا منه، فدفنه يُعتبر إكرامًا للمقطوع منه؛ لئلا يُتلاعب به، ثانيهما: أن دفنه فيه منع أذية الناس برائحته الكريهة، تنبيه: قاس المصنف دفن الشعر والظفر على دفن العضو إذا قطع قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الحكم قد اختلف: فدفن الشعر والظفر مستحب - كما سبق في مسألة (٦١) - ودفن العضو المقطوع واجب كما في مسألة (٦٢)، ولا توجد علة جامعة بينهما.
(٦٣) مسألة: يحرم حلق رأس الميت؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" حيث لم يرد من الشارع ما يدل على مشروعية حلقه، فيكون حلقه فعلًا مردودًا، والمردود حرام؛ لكونه من البدع، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشويه للميت.
(٦٤) مسألة: يحرم أخذ وحلق عانة الميت - وهو: النابت فوق الفرج من قُبُل -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحريم النظر إلى العورة: تحريم حلق العانة؛ لأنه لا يتم ذلك الحلق إلا بالنظر إليها، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة.
стр. 808
كختن (٦٥) (ولا يُسرَّح شعره) أي: يُكره ذلك؛ لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه (٦٦) (ثم ينشَّف) ندبًا (بثوب) كما فُعل به ﷺ (٦٧) (ويضفَّر) ندبًا (شعرها) أي: الأنثى (ثلاثة قرون، ويُسدل وراءها)؛ لقول أمِّ عطية: "فضفَّرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها" رواه البخاري (٦٨) (وإن خرج منه) أي: الميت (شيء بعد سبع) غسلات: (حشي) المحل (بقطن)؛ ليمنع الخارج كالمستحاضة (فإن لم يستمك) بالقطن: (فبطين حر) أي: خالص؛ لأن فيه
(٦٥) مسألة: يحرم ختن الميت - وهو: قطع الجلدة التي فوق الحشفة - إذا كان غير مختون -؛ للتلازم؛ وقد سبق بيانه، مع المقصد الشرعي منه في مسألة (٦٤)، وفيه - أيضًا - إيذاء للميت من غير حاجة.
(٦٦) مسألة: يُكره تسريح شعر الميت: كشعر رأسه ولحيته وتمشيطه؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ نهت عن ذلك، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى تقطيع شعره وإيذائه، وإضاعة الوقت بلا حاجة.
(٦٧) مسألة: يُستحب أن يُنشَّف الميت بثوب بعد الفراغ من غسله وقبل تكفينه؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ذلك فعله بعض الصحابة الذين غسلوا النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من تعفُّن الميت وظهور رائحة منه إذا كفن بدون ذلك.
(٦٨) مسألة: يُستحب أن يُضفَّر شعر المرأة الميتة: بأن يُقسَّم إلى ثلاثة قرون، ثم ترُخى وتُسدل وراءها؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت أمُّ عطية: "فضفَّرنا رأسها وناصيتها، وقرنيها ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها" - تعني بنت النبي ﷺ لما ماتت - ولم يُنكر ذلك النبي ﷺ ، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يزيد من حسنها لمقابلة ربها والملكين، وهو يساعد أيضًا على جمع رأسها.
стр. 809
قوة تمنع الخارج (ثم يغسل المحلَّ) المتنجِّس بالخارج (ويُوضأ) الميت وجوبًا كالجنب إذا أحدث بعد الغسل (٦٩) (وإن خرج) منه شيء (بعد تكفينه: لم يُعد الغسل)؛ دفعًا للمشقة، (٧٠) ولا بأس بقول غاسل له: "انقلب يرحمك الله" ونحوه، (٧١) ولا يُغسِّله في حمَّام (٧٢) (ومحرم) بحج أو عمرة (ميت كحي يُغسل بماء وسدر) لا كافور (ولا
(٦٩) مسألة: إذا خرج من الميت شيء من النجاسات بعد غسله المرة السابعة: فيجب أن يسدَّ الغاسل محلَّ خروج النجاسة بشيء من القطن، فإن لم ينسد: فيسدُّه بطين خالص - وهو: الطين الأبيض الذي لم يخالطه رمل -، ثم يغسل المحلَّ، ثم يُوضئه كوضوء الصلاة، ثم يكفّنه؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المستحاضة تسدُّ ما يخرج منها من الدماء بشيء من القطن بعد غسلها من الجنابة، فكذلك الميت هنا مثلها والجامع: دفع المشقة في كل، ثانيهما: كما أن الجنب إذا أحدث بعد اغتساله يتوضأ للصلاة، فكذلك الميت هنا مثله والجامع: أن كلًا منهما قد أحدث بعد الطهارة، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط وتأكد تطهيره.
(٧٠) مسألة: إذا خرج شيء من الميت بعد تكفينه: فلا يُعاد غسله، بل يُصلى عليه مباشرة: سواء خرج هذا بعد السابعة أو قبلها، وسواء كان الخارج قليلًا أو كثيرًا؛ للمصلحة؛ حيث إن فكَّ كفنه وتغسيله، ثم تكفينه مرة أخرى فيه مشقة، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(٧١) مسألة: لا يُشرع أن يقول الغاسل شيئًا أثناء غسله للميت؛ للتلازم؛ حيث إن هذا القول غير مفيد فيلزم عدم مشروعيته، فإن قلتَ: يُباح أن يقول: "انقلب يرحمك الله" أو "أرحني" ونحوهما قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(٧٢) مسألة: لا يُغسل الميت في الحمَّام العام؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يغتسل الحي من الجنابة في الحمام العام فكذلك الميت مثله، والجامع: عدم الستر الكامل في كل.
стр. 810
يُقرِّب طيبًا) مطلقًا (ولا يلبس ذكر مخيطًا) من قميص ونحوه (ولا يُغطَّى رأسه، ولا وجه أنثى) محرمة، ولا يؤخذ شيء من شعرهما وظفرهما؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵃: "أن النبي ﷺ قال - في محرم مات -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة مُلبِّيًا"، (٧٣) ولا تُمنع معتدَّة من طيب (٧٤) وتُزال اللصوق لغسل واجب إن لم يسقط من جسده
(٧٣) مسألة: إذا مات محرم في حج أو عمرة: فإنه يُفعل به كما يُفعل بمن مات وهو غير محرم: من تغسيل، وتكفين، وصلاة عليه، ودفن، إلا أنه لا يُطيَّب، ولا يُلبس الرجل مخيطًا ولا يُغطى رأسه، ولا يُغطى وجه المرأة إن لم تكن عند أجانب، ولا يؤخذ من شعرهما، ولا ظفرهما كما يفعل لو كان محرمًا حيًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُمسُّوه طيبًا ولا تخمِّروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة مُلبيًا" حيث أوجب تغسيله وتكفينه كغيره؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وحرم مسُّه بطيب وتغطية رأسه، لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم؛ ويلزم من قوله: "فإنه يُبعث مُلبيًا" تحريم لبسه المخيط، وعدم تغطية المرأة لوجهها، وتحريم أخذ شيء من شعره وظفره؛ لكونه في حالة إحرام بنسكٍ، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه جمع بين تطهيره وبقائه على نسكه.
(٧٤) مسألة: إذا ماتت امرأة معتدَّة بعدَّة وفاة: فإنها تُطيب بكافور وغيره كغيرها؛ للتلازم؛ حيث إن الإحداد قد سقط عنها بسبب موتها فيلزم عدم المنع من تطيبها كغيرها من الميتات غير المعتدَّات، فإن قلتَ: لمَ ذكرت المعتدَّة هنا مع أنها مثل غيرها؟ قلتُ: لأن المعتدَّة تمنع من التطيب كما يُمنع المحرم في حال الحياة، وذكرت هنا؛ لنفي الحرج في المعتدَّة وإنها تُطيب إذا ماتت، بخلاف من مات وهو محرم.
стр. 811
شيء بإزالتها فيُمسح عليها كجبيرة الحي، (٧٥) ويُزال خاتم ونحوه ولو ببرده" (٧٦) (ولا يُغسل شهيد معركة ومقتول ظلمًا) ولو انثيين، أو غير مكلَّفين؛ لأنه ﷺ في شهداء أحد أمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلهم، وروى أبو داود عن سعيد بن زيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" وصحَّحه الترمذي (إلا أن يكون) الشهيد أو المقتول ظلمًا (جُنبًا) أو وجب عليهما الغسل الحيض، أو نفاس أو إسلام (٧٧)
(٧٥) مسألة: إذا كان على جسد الميت لصوق وجبائر كخرق وقطن تمنع من وصول الماء إلى بشرته: فيجب نزعها وغسل ما تحتها بشرط: أن لا يتضرَّر جسده بسبب ذلك النزع؛ أما إن وجد ضرر: فتترك ويُمسح عليها؛ للقياس، بيانه: كما أن جبيرة الحي تُزال عند اغتساله من جنابة أو حيض أو نفاس عند عدم الضرر؛ لإيصال الماء إلى البشرة، ولا تُزال عند وجود الضرر، فكذلك الميت، والجامع: إيصال الماء إلى البشرة؛ لوجوبه، ورفع الضرر في كل.
(٧٦) مسألة: يجب أن يُزال ما على بدن الميت من خاتم، وحِلَق، وأسورة ونحوها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة مال، وقد يمنع الماء من الوصول إلى بعض البشرة.
(٧٧) مسألة: لا يُغسَّل من مات شهيدًا في معركة قاتل فيها الكفار الإعلاء كلمة الله: سواء كان مُكلَّفًا أو لا، وسواء كان ذكرًا أو أنثى، وسواء كان عليه ما يوجب الغسل أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث أمر ﷺ بشهداء أحد أن يُدفنوا بدمائهم، ولم يغسلهم، ولم يُصلِّ عليهم، وهذا عام لجميع من ذكرنا ولم يسأل النبي ﷺ هل على أحد منهم حدث أكبر أو لا؟ وترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: =
стр. 812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المصلحة؛ حيث إن غسلهم فيه مشقة؛ نظرًا لكثرة المقتولين في المعارك عادة، ولوجود التّعب عند الأحياء من أثر المعركة، ولو تركوا إلى ما بعد الراحة لظهرت روائح كريهة منهم، ثانيهما: أن تغسيله فيه إزالة لأثر عبادة مستطابة شرعًا وهي: الدماء، وهذا مكروه، كما قلنا في السواك بعد الظهر من يوم صوم، فإن قلتَ: المقتول ظلمًا لا يُغسل أيضًا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما أن شهيد المعركة، لا يغسل فكذلك هذا مثله، والجامع: أن كلًا منهما شهيد، لكونه قُتل دون وجه حق؛ حيث قال ﷺ : "من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المقتول في المعركة يشق غسله - كما سبق بيانه، وهو لم يُكره على القتال، بخلاف المقتول ظلمًا دون ماله أو أهله فلا يشق غسله لندرته، وهو مكره على القتال فإن قلتَ: إن المقتول ظلمًا قد شارك المقتول في المعركة في التسمية وهو "الشهيد" فيلزم من ذلك مشاركته في الحكم وهو: عدم غسله قلتُ: لا نسلِّم هذا التلازم، فالشارع قد سمَّى المبطون، والغريق، والحريق شهيدًا، ولم يقل أحد من العلماء أن هؤلاء الثلاثة لا يغسلون مع أنهم يُشاركون المقتول في المعركة في اسم "الشهيد" فليست المشاركة في الاسم تقتضي المشاركة في الحكم والأجر، يؤيده: فعل الصحابي؛ حيث إنه قد غُسل عمر وعلي ﵃ مع أنهما قد قُتلا ظلمًا تنبيه: وجوب غسل المقتول ظلمًا هو مذهب جمهور العلماء؛ لعموم أدلة وجوب غسل الميت بدون معركة، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة؛ لضعف القياس هنا؛ وعندهم: يُعمل بالقياس؛ نظرًا لقوته فإن قلتَ: إن شهيد المعركة يُغسل إذا كان عليه ما يوجب الغسل كجنابة، أو حيض أو نفاس، وهو ما =
стр. 813
(ويدفن) وجوبًا (بدمه) إلا أن تخالطه نجاسة فيغسلا (في ثيابه) التي قُتل فيها (بعد نزع السلاح والجلود عنه)؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يُنزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم"، (وإن سُلبها: كُفّن بغيرها) وجوبًا (٧٨) (ولا يُصلَّى عليه)؛ للأخبار؛ لكونهم أحياء
= ذكره المصنف هنا للسنة؛ التقريريرية؛ حيث إن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال ﷺ : "ما شأن حنظلة، فإني رأيتُ الملائكة تغسله" قالوا: "إنه جامع امرأته، ثم خرج للقتال، فقُتل" فهذا يلزم منه: أن الشهيد إذا كان عليه جنابة أو غيرها مما يُوجب الغسل يُغسل لذلك، لا لأجل الموت قلتُ: هذا من باب التكريم؛ لكونه لا يُحسُّ ولا يُرى، وهذا لا يلزم منه: تغسيل البشر له فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة التقريرية مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة القولية؛ لعمومها، وعندهم: يُعمل بالتقريرية وهي مخصِّصة لعموم السنة القولية عندهم تنبيه: قوله: "أو المقتول ظلمًا" هذا بناء على مذهبه المرجوح.
(٧٨) مسألة: يُدفن شهيد المعركة بثيابه التي قُتل فيها بعد أن يُنزع كلُّ ما عليه من سلاح وجلود، وخِفاف، وإن لم يكن عليه ثياب - كمن أخذ ثيابه العدو-: فيُكفن بثياب غيرها، وإن علقت به نجاسة: فتغسل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر بقتلى أحد أن يُنزع عنهم الحديد والجلود، وأن يُدفنوا في ثيابهم بدمائهم" الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لا يُدفن أحد عريانًا، فكذلك شهيد المعركة إذا سلبه الكفار ثيابه لا يُدفن عريانًا بل يكفَّن، والجامع: الستر في كل، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن غسل النجاسة فيه دفع مفسدة دفنه بنجاسته وإن زال مع غسلها بعض الدم وهو أثر عبادة لا يُزال؛ لأن دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
стр. 814
عند ربهم (٧٩) (وإن سقط عن دابته) أو شاهق بغير فعل العدو (أو وجد ميتًا ولا أثر به) أو مات حتف أنفه، أو برفسة، أو عاد سهمه عليه، (أو حمل فأكل) أو شرب، أو نام، أو بال أو تكلَّم، أو عطس (أو طال بقاؤه عرفًا: غُسِّل وصلي عليه) كغيره، (٨٠) ويُغسَّل الباغي، ويصلى عليه، ويُقتل قاطع الطريق، ويغسل ويصلى
(٧٩) مسألة: لا يُصلَّى على شهيد المعركة، صلاة الجنازة، بل يُدفن بعد الفراغ من المعركة مباشرة؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بدفن شهداء أحد، ولم يُصلَّ عليهم، فإن قلتَ: لمَ لا يصلى عليه؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: أن الصلاة شرعت على الأموات، والشهداء أحياء عند ربهم، والحي لا يُصلَّى عليه، ثانيهما: أن الصلاة إنما شُرعت للشفاعة للميت والدعاء له، والشهيد قد أغناه الله بنيل الشهادة عن الشفاعة والدعاء؛ حيث إن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، فإن قلتَ: يُصلَّى عليه استحبابًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خرج يومًا فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت قلتُ: إن هذه صلاة مودِّع لهم؛ حيث إن هذا الخروج كان بعد ثمان سنوات من موتهم كما كان يخرج إلى من دفن في البقيع فيستغفر لهم كالمودِّع للأحياء، والأموات مثلهم كما قال ابن القيم في "زاد المعاد" فإن قلتَ: ما الخلاف؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" فعندنا يعمل بالقولية؛ لضعف الفعلية، وعندهم: يعمل بالفعلية.
(٨٠) مسألة: إذا خرج مسلم لقتال الكفار ولكنه مات بسبب سقوطه عن دابته أو شاهق، أو وُجد ميتًا بساحة المعركة ولم يوجد فيه أثر الجرح أو ضرب، أو وجد ميتًا على فراشه، أو مات بسبب رفس دابته له، أو وطأته سيارة، أو مات بسبب عود سهمه عليه، أو قاتل ثم جرح، ثم حمل، ثم أكل أو شرب، أو نام أو بال أو تكلم أو عطس ونحو ذلك ثم مات، أو طال بقاؤه بعد الانتهاء من المعركة: فإن هذا يُغسَّل، ويُصلَّى عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث =
стр. 815
عليه ثم يُصلب (٨١) (والسقط إذا بلغ أربعة أشهر: غُسِّل وصُلِّي عليه) وإن لم يستهل؛ لقوله ﷺ : "والسَّقط يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" رواه، أحمد وأبو داود، (٨٢) وتُستحبُّ تسميته، فإن جُهل أذكر هو أم أنثى؟: سُمِّي بصالح
= إن سعد بن معاذ قد أصابه سهم يوم الخندق، فحُمل إلى المسجد، وبقي مدة، ثم مات، فغُسِّل، وصلى عليه النبي ﷺ ، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يُغسَّل كل ميت ويُصلّى عليه فكذلك هذا مثلهم والجامع: عدم الموت بسلاح العدو مباشرة في كل.
(٨١) مسألة: يُغسَّل البغاة والسارقون، وشاربو الخمر، والمقتولون بحد أو قصاص أو تعزير، وكذا: قطاع الطرق، ويُصلى عليهم، ثم يصلب قاطع الطريق بتعليقه على عود قوي مدَّة حتى يراه الناس؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُغسِّل ويصلي على كل أحد مات إلا شهيد المعركة، والغالَّ، - وهو: الذي يكتم شيئًا من الغنيمة؛ ليأخذها لنفسه -، وكذا لم يصل على قاتل نفسه، والبُغاة وقُطَّاع الطرق ليسوا من هؤلاء الثلاثة، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل وجوب تغسيل كل ميت والصلاة عليه، فيُستصحب ذلك ويُعمل به في الجميع - والشهيد، والغالُّ، وقاتل نفسه قد ورد ما يُخصِّصهم، ويبقى الباقي على الأصل.
(٨٢) مسألة: يُغسَّل السَّقط - وهو: الذي تضعه أمُّه ميتًا - ويُكفن، ويُصلَّى عليه بشرط: أن يكون قد بلغ في بطن أمه أربعة أشهر - (١٢٠ يومًا) -، أما إذا لم يبلغ ذلك: فإنه يُلفُّ بخرقة، ويُدفن، بلا غسل ولا كفن ولا صلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "والسقط يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" ويلزم من الصلاة عليه: أنه يُغسَّل ويُكفَّن قبل ذلك وهذا عام لمن بلغ أربعة أشهر، ومن لم يبلغ لأن "السقط" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، =
стр. 816
لهما (٨٣) (ومن تعذَّر غسله)؛ لعدم الماء أو غيره كالحرق، والجذام، والتبضيع: (يُمِّم) كالجنُب إذا تعذَّر عليه الغسل، وإن تعذَّر غسل بعضه: غُسِّل ما أمكن، ويُمم للباقي (٨٤) (و) يجب (على الغاسل ستر ما رآه) من الميت (إن لم يكن حسنًا) فيلزمه
= فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قد توفرت فيه صفة الإنسانية، ونُفخت فيه الروح، وهو من أولاد المسلمين؛ حيث قال ﷺ : "إن الجنين يكون في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، فهذه أربعة أشهر، ثم يُرسل له الملك فينفخ فيه الروح" فهذا يلزم منه: أن يكون بعد أربعة أشهر إنسانًا كاملًا، بخلاف من هو أقل من ذلك، ولذا يُفعل به كما يُفعل بالبالغين من الاحترام، والتقدير، والتكريم في الحياة وبعد الممات، وهذا قد خصَّص عموم السنة القولية وهو قوله: "السقط يُصلّى عليه .. ".
(٨٣) مسألة: يُستحب أن يُسمَّى هذا السقط قبل تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، فإن لم يُعلم جنسه هل هو ذكر أم أنثى؟: فإنه يُسمَّى باسم صالح لهما مثل: "نعمة الله" و "هبة الله" و "فضل الله"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "سموا أسقاطكم فإنهم أسلافكم" فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأنه في يوم القيامة يُدعى كل شخص باسمه.
(٨٤) مسألة: إذا عُدِم الماء، أو كان لا يكفي لغسله كله، أو كان فيه جروح أو حروق، أو كان غريقًا خشي من غسله أن يتقطَّع: فإن هذا لا يُغسَّل، أو يُغسَّل بما توفر من الماء، أو يُغسَّل الجانب الذي لا يتضرَّر بالغسل، ويُترك الباقي: ثم يُفعل به كما يفعل المتيمِّم، وإن لم يوجد ماء ولا تراب: فإنه يصلى عليه ويُدفن على حاله، فإن وجد الماء قبل دفنه: غُسِّل وصُلِّي عليه مرة ثانية، وإن وجد بعد دفنه: فلا يُخرج من قبره، بل يُترك؛ للقياس، بيانه كما أن الجنب إذا لم يجد الماء، أو يتضرَّر باستعماله يفعل ما يستطيعه، ويتمَّم للباقي، وإن وجد الماء =
стр. 817
ستر الشر، لا إظهار الخير، (٨٥) ونرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، (٨٦) ولا
= قبل خروج الوقت يغتسل، ويُعيد الصلاة، فكذلك يُفعل بالميت والجامع: أن كلًا منهما معذور فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضرر، واستعمال ما يُستطاع استعماله وفيه دفع مشقة نبشِهِ أصله قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
(٨٥) مسألة: يجب على الغاسل: أن يستر ما رآه على الميت من الأشياء القبيحة، ويُستحب إظهار ما رآه عليه من محاسن؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "اذكروا محاسن موتاكم، وكفُّوا عن مساوئهم" والذي صرف الأمر مر من الوجوب إلى الاستحباب هنا: فعل الصحابي؛ حيث إن بعضهم لا يذكر محاسن من غسله من الصالحين، والنهي في قوله: "وكفوا" مطلق فيقتضي تحريم ذكر المساوئ، وترك المحرم واجب، ثانيهما: قوله ﷺ : "من ستر عورة مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة" وهو عام فيشمل الأحياء والأموات؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المسلم بسبب ستر ما ظهر من المساوئ عليه، وفي إظهار الحسن تذكير الناس بالدعاء، له، والاقتداء بما كان يعمل، تنبيه: قوله: "لا إظهار الخير" يُشير به إلى أن إظهار الخير مباح، قلتُ: وهذا فيه نظر؛ لكونه يرقى إلى درجة الاستحباب؛ لما فيه من المصالح كما سبق.
(٨٦) مسألة: يُستحب للمسلم أن يرجو للمحسن والصالح أن يُوفِّيه الله تعالى أجره كما وعده، ويخاف على المسيء أن يؤاخذه الله بما فعل فيدعو للاثنين قائلًا: "اللهم جازه بالحسنات إحسانًا وبالسيئات عفوًا وغفرانًا"؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة ودفع مفسدة.
стр. 818
نشهد إلا لمن شهد له النبي ﷺ (٨٧) ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة، ويُستحب ظن الخير بالمسلم (٨٨) فصل: في الكفن (يجب تكفينه في ماله)؛ لقوله ﷺ في المحرم -: "كفّنوه في ثوبيه" مقدَّمًا على دين) ولو برهن (وغيره) من وصية وإرث؛ لأن المفلس يُقدَّم بالكسوة على الدَّين، فكذا: الميت، (٨٩) فيجب لحقِّ الله
(٨٧) مسألة: يحرم أن يشهد شخص لشخص آخر بأنه في الجنة، وإن كان ظاهره أنه صالح مصلح، أو يشهد بأنه في النار وإن كان ظاهره أنه فاسد مفسد، بل يشهد بما شهد له النبي ﷺ بالجنة كالعشرة المبشرين بالجنة، ويشهد بما شهد له النبي ﷺ بالنار؛ للإجماع؛ حيث أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لعدم العلم بحقيقة الأمر، فقد يظهر بعضهم الصلاح، وهو في الحقيقة فاسد، وقد يظهر من بعضهم الفساد وهو في الحقيقة صالح، أما ما يشهد به النبي ﷺ فقد أخبره به الله ، فيكون حقًا.
(٨٨) مسألة: تحرم إساءة الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة - وهو: من اجتمع فيه التقوى والمروءة -، ويُستحب أن يظن الخير فيه: سواء كان حيًا أو ميتًا، أما من ظاهره الفسق: فيُباح سوء الظن به؛ للتلازم؛ حيث يلزم ممن ظاهره العدالة: تحريم إساءة الظن به، لقربه من الصلاح، وبعده عن السوء، ويلزم ممن ظهر فسقه: إباحة سوء الظن به؛ لقربه من السوء، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى التواصل بين المسلمين العدول، والتوادد والمحبة والتعاون فيما بينهم، وترك الفسَّاق، وإهانتهم، حتى يرجعوا عمَّا هم عليه.
(٨٩) مسألة: يجب أن يؤخذ كفن الميت من ماله بعد موته مباشرة قبل قضاء دينه ووصيته، وقبل تقسيم ماله على الورثة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ فيمن وقصته ناقته بعرفة فمات -: "كفِّنوه في ثوبيه" فأوجب تكفينه في ثوبيه ولم يستفصل عن دين أو وصية ونحو ذلك؛ لأن الأمر مطلق =
стр. 819
وحقِّ الميت ثوب لا يصف البشرة، يستر جميعه (٩٠) من ملبوس مثله، (٩١) ما لم يوص بدونه، (٩٢) والجديد أفضل (٩٣) (فإن لم يكن له) أي:
= فيقتضي الوجوب والفور، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المفلس المدين يؤخذ مما عنده ليستره من كسوة، ويُقدَّم على قضاء دينه، فكذلك الميت مثله، والجامع: ستر المسلم حيًا وميتًا، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن الكفن الذي يكون من ماله: أنقى وأطهر، ولا تلحقه فيه منة.
(٩٠) مسألة: يجب أن يكون الكفن ساترًا الجميع بدن الميت، لا يُعلم لون البشرة أهي بيضاء أو سوداء؟ للمصلحة؛ حيث إن الله أمر بستر المسلم حيًا وميتًا، وهو حق للميت فيلزم أن يكون الكفن ساترًا للميت، لا يصف البشرة عملًا بالحقين، وإكرامًا للمسلم.
(٩١) مسألة: يجب أن يكون الكفن عاديًا، يلبسه من هو مثله، فلا يُغالى فيه، ولو أوصى الميت بأن يُكفن بكفن غال في الثمن: فلا تُنفَّذ تلك الوصية؛ بل يُكفَّن مثل غيره؛ للمصلحة؛ حيث إن الكفن الغالي فيه إسراف وإضاعة للمال، والله لا يُحب المسرفين.
(٩٢) مسألة: إذا أوصى الميت بأن يُكفَّن بشيء أقل من ملبوس مثله: فيجب تنفيذ تلك الوصية؛ للتلازم؛ حيث إن تكفينه بملبوس مثله حقٌّ له، فيلزم من وصيته، بأن يكفن بأقل منه أن تُقبل؛ لأنه يُعتبر قد تنازل عن حقه.
(٩٣) مسألة: يُستحب أن يكفن بشيء جديد؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الذين كفنوا رسول الله ﷺ كفَّنوه بثلاثة أثواب سحولية جُدُد - كما قالت عائشة - فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لتكريم الميت، وتحسينه أمام الناظرين. [فرع]: إذا أوصى الميت بأن يُكفَّن بشيء قديم: فيجب تنفيذ وصيته؛ لقول الصحابي؛ حيث =
стр. 820
للميت (مال فـ) كفنه ومؤنة تجهيزه (على من تلزمه نفقته)؛ لأن ذلك يلزمه حال الحياة، فكذا: بعد الموت (إلا لزوج لا يلزمه كفن امرأته) ولو غنيًا؛ لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية، والتمكُّن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت، (٩٤) فإن
= إن أبا بكر ﵁ قال: "كفِّنوني في ثوبي هذين؛ لأن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هما للمُهْل والتراب" و "المهل": الصديد والقيح - كما قال أبو عبيدة كما في اللسان (١١/ ٦٣٤)، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الكفن سيذهب مع التراب، والتكفين بالجديد إضاعة للمال، وإسراف، والله لا يحب المسرفين، ولقد صدق أبو بكر ﵁ في مقالته.
(٩٤) مسألة: إذا لم يكن للميت مال: فجميع لوازم تجهيزه: من كفن، وحمل، ودفن تؤخذ ممن تلزمه نفقته، ومؤنته في حال الحياة، فيجب على الآباء وإن علوا أن يُجهزوا أولادهم وإن نزلوا، ويجب على الأبناء وإن نزلوا أن يجهزوا آباءهم وإن علو وهكذا؛ للقياس، بيانه: كما أن نفقته تلزمه حال الحياة، فكذلك تلزمه بعد الممات من تجهيزه، والجامع: أن كلًا منها نفقة لازمة، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للمنَّة من الأجانب، فإن قلتَ: إن الزوج لا يلزمه تجهيز زوجته إذا ماتت - وإن كانت نفقتها تلزمه في حال حياتها - وهو ما ذكر المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن عقد النكاح شرع لحلِّ الاستمتاع بالزوجة واستيلاءها، ويلزم من ذلك: النفقة عليها وكسوتها، فيلزم من انقطاع الاستمتاع والاستيلاء بالموت: انقطاع النفقة عليها وكسوتها، قلتُ: هذا لا يُسلَّم، بل يجب على الزوج تجهيز زوجته، وهو قول أكثر العلماء؛ للقياس الذي ذكرناه، وهي قاعدة عامة لجميع من تلزمه نفقته في حال الحياة، وكذا: التلازم؛ حيث يلزم من العشرة بالمعروف والمكافأة بالجميل: وجوب تجهيزها على الزوج، أما التلازم الذي =
стр. 821
عدم مال الميت، ومن تلزمه نفقته: فمن بيت المال إن كان مسلمًا، (٩٥) فإن لم يكن: فعلى المسلمين العالمين بحاله، (٩٦) قال الشيخ تقي الدين: من ظنَّ أن غيره لا يقوم به تعيَّن عليه، (٩٧) فإن أراد بعض الورثة: أن ينفرد به: لم يلزم بقية الورثة
= ذكروه فمنقوض بالمريضة؛ حيث إنه قد أجمع العلماء على وجوب نفقتها مع أنه لا يُستمتع بها، ولا تصلح للاستيلاء فكذا الميتة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" فعندنا يعمل بالقياس وهو عام، وعندهم: يعمل بالتلازم؛ حيث إنه قد خصَّص عموم ذلك القياس.
(٩٥) مسألة: إذا لم نجد مالًا للميت، ولم نجد من يُنفق عليه، أو تعذَّر ذلك: فإنه يُجهَّز من بيت مال المسلمين؛ للتلازم؛ حيث إن هذا البيت قد وضع لقضاء مصالح المسلمين، فيلزم تجهيزه منه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع لمَّنة الأجانب عليه.
(٩٦) مسألة: إذا لم يكن للميت مال، ولا يوجد من ينفق عليه، وتعذَّر تجهيزه من بيت المال فيجب على عامة المسلمين العالمين بحال هذا الميت تجهيزه وجوبًا كفائيًا - فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الجميع، وإن تركوه مع علمهم به: أثم الجميع -؛ للقياس، بيانه: كما أن الحي العاجز عن نفقة نفسه: يُنفق عليه من تلزمه نفقته من أقربائه، فإن تعذَّر فمن بيت المال، فإن تعذَّر فعلى عامة المسلمين فكذلك الميت مثله، بجامع: العجز في كل، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعاون وتكافل اجتماعي.
(٩٧) مسألة: إذا قطع أو غلب على ظنِّ زيد عدم وجود غيره يقوم بالنفقة والتجهيز لعمرو: فإن ذلك يجب على زيد وجوبًا عينيًا، وهذا من صور انقلاب الواجب الكفائي إلى واجب عيني؛ للتلازم والمصلحة؛ حيث يلزم من عدم وجود غيره: وجوب ذلك عليه؛ لئلا يهلك عمرو، أو يؤذي غيره برائحته =
стр. 822
قبوله، (٩٨) لكن ليس للبقية نبشه وسلبه من كفته بعد دفنه، (٩٩) وإذا مات إنسان مع جماعة في سفر: كفَّنوه من ماله، فإن لم يكن: كفَّنوه ورجعوا على تركته، أو من تلزمه نفقته إن نووا الرجوع (١٠٠) (ويُستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) من قطن؛ لقول عائشة ﵂: "كُفّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض
= إذا لم يُجهَّز إذا مات، وهذا فيه دفع مفسدة، وهذا هو المقصد الشرعي منه، وقد بسطتُ الكلام عن ذلك في المجلد الأول من كتابَي: "المهذب" و "الإتحاف" تحت عنوان: "متى ينقلب فرض الكفاية إلى فرض عين؟ ".
(٩٨) مسألة: إذا أراد واحد من الورثة، أو من الأجانب أن ينفرد بدفع جميع تكاليف تجهيز مورِّثهم: من كفن وحمل، ودفن، فلبقية الورثة أن يمتنعوا، ويطلبوا المشاركة في ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع وجود المنَّة من هذا المنفرد على الورثة أو على الميت.
(٩٩) مسألة: إذا انفرد واحد من الورثة أو من الأجانب بتجهيز مورِّثهم، ثم دُفن: فلا يجوز لأحد من بقية الورثة أن ينبشه ويسلبه كفنه لأجل أن يشترك في ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مشقة وحرج عظيم: فقد يتغَّير الميت بعد دفنه - وهو الغالب - فيتأثر النابش بما رآه.
(١٠٠) مسألة: إذا مات مسلم مع جماعة في سفر أو حضر: فيجب أن يُجِّهزوه من ماله، فإن لم يوجد معه مال: جهزوه من مالهم، ويجوز لهم أخذ ما جهَّزوه به من تركته أو ممن تلزمهم نفقته إذا رجعوا، بشرط: أن ينووا ذلك في حال تجهيزهم له، أما إذا لم ينووا ذلك: فلا يأخذوا منهم شيئًا؛ للمصلحة؛ حيث إن أخذهم المال الذي جهَّزوه به ممن تلزمهم نفقته فيه منع منَّتهم على الميت، وعلى أقربائه، ولا يأخذون إذا لم ينووا الأخذ منهم؛ لأن التجهيز عبادة، ولا يؤخذ مقابلها شيء.
стр. 823
سحولية جُدُد يمانية ليس فيها قميص، ولا عمامة أدرج فيها إدراجًا" متفق عليه، (١٠١) ويُقدَّم بتكفين من يُقدَّم بغسل، (١٠٢) ونائبه كهو، والأولى: تولِّيه بنفسه (١٠٣) (تجمر) أي: تبخر بعد رشها بماء ورد أو غيره؛ ليعلق (ثم تُبسط بعضها
(١٠١) مسألة: يُستحب أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف - تُلفُّ عليه - تكون بيضاء نقية، ليس فيها قميص، ولا عمامة، ولا سراويل ولا غير ذلك؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن من كفَّن رسول الله ﷺ من الصحابة قد كفَّنوه بذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أستر للميت، وأطهر وأطيب، وفيه تفاؤل بالخير، وسرور لأهل الميت فائدة: المراد بالسحولية: الثياب البيض النقية المكونة من قطن، نسبةًّ إلى "سحول" قرية في اليمن - كما في اللسان (١١/ ٣٢٨) -.
(١٠٢) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يُكفِّن الميت: فيُقدِّم وصيُّه، فإن لم يوجد وصي: فالأقرب من أقربائه: أصوله، ثم فروعه، للقياس، بيانه: كما يُفعل ذلك في تغسيله - كما سبق في مسألتي (٢٦ و ٢٩) فكذلك يُفعل في تكفينه، والجامع: تقديم من قدَّمه الشارع، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه روعي في ذلك الأرحم والأشفق للميت.
(١٠٣) مسألة: إذا أوصى زيد عمرًا بأن يُغسِّله ويُكفِّنه إذا مات، ثم أناب عمرو بكرًا بفعل ذلك لما مات زيد، فيكون بكر مقدمًا على أقارب الميت، ولكن الأفضل أن يقوم عمرو بتغسيل وتكفين زيد بنفسه، ولا يُنيب أحدًا عنه في ذلك إلا أن يقول زيد العمرو: "غسِّلني وكفِّني إذا متُ فإن تعذَّر ذلك منك: فأنب من تراه مناسبًا لذلك" فالموصى ونائبه سواء؛ للمصلحة؛ حيث إن زيدًا يعرف عدالة عمرو التي تقتضي عدم كشف ما يراه على الميت - وهو: زيد - وغيره ليس مثله في تلك العدالة، لذلك كان الأفضل أن يقوم الموصى بذلك =
стр. 824
فوق بعض) أوسعها، وأحسنها: أعلاها؛ لأن عادة الحي جعل الظاهر أفخر ثيابه (ويجعل الحنوط) وهو: أخلاط من طيب - يُعدُّ للميت خاصة - (فيما بينها) لا فوق العليا؛ لكراهة عمر وابنه، وأبي هريرة (١٠٤) (ثم يوضع) الميت (عليها) أي: اللَّفائف (مُستلقيًا)؛ لأنه أمكن لإدراجه فيها (١٠٥) (ويُجعل منه) أي: من الحنوط (في قطن
= بنفسه، أما إن قال له: "أنب عنك من يقوم بذلك" فكل من الموصَى ونائبه في مرتبة واحدة؛ لكون زيد قد أذن لعمرو في ذلك، والعدل لا يُنيب إلا عدلًا مثله.
(١٠٤) مسألة: إذا أراد المكفّن تكفين الميت: فإنه يُبخِّر اللفائف بعد رشها بماء ورد ونحوه، ثم يبدأ ببسط ومدِّ اللفائف الثلاث على الأرض، أو على السرير، فيمدُّ اللُّفافة الأولى التي ينبغي أن تكون أوسع اللفائف وأحسنها ثم يوضع عليها الحنوط - وهو طيب يُعدُّ للميت خاصة - فوق هذه اللُّفافة، ثم يمدُّ اللفافة الثانية فوق الأولى، ثم يذر الحنوط فوقها من داخلها، ثم يمدُّ اللفافة الثالثة فوق الثانية؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته فمات -: "ولا تُقرِّبوه طيبًا" حيث دل مفهوم الصفة على أن غير المحرم يُطيَّب ويُحنَّط، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر، وابنه، وأبا هريرة ﵃ يكرهون أن يوضع الطيب فوق اللفافة الأولى، بل داخلها، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ذلك يجعل منظر ورائحة الميت مقبولين عند الناظرين والقريبين من الجنازة، الرابعة: القياس بيانه: كما أن الحي يجعل أحسن وأوسع ثيابه هو الظاهر، فكذلك الميت مثله، والجامع: ظهور المسلم بأحسن هيئة وصورة في كل.
(١٠٥) مسألة: بعد بسط اللفائف: يوضع الميت مُستلقيًا على ظهره فوق تلك اللَّفائف، ويُجعل وجهه إلى القبلة إن أمكن؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أيسر في =
стр. 825
بين إليتيه)؛ ليرد ما يخرج عند تحريكه (ويشدُّ فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام (تجمع إليتيه ومثانته ويُجعل الباقي) من القطن المحنَّط على منافذ وجهه): عينيه، ومنخريه، وأذنيه، وفمه؛ لأن في جعلها على المنافذ منعًا من دخول الهوام (و) على (مواضع سجوده): ركبتيه، ويديه، وجبهته، وأنفه، وأطراف قدميه؛ تشريفًا لها، وكذا مغابنه كطي ركبتيه، وتحت إبطيه، وسرته؛ لأن ابن عمر ﵃ كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك (١٠٦) (وإن طُيِّب) الميت (كله:
إدراجه في تلك اللَّفائف وطويها عليه بخلاف ما لو وضعه على جنب، ويُوجّه وجهه إلى القبلة؛ لأنها أشرف الجهات.
(١٠٦) مسألة: بعد وضع الميت على اللفائف مستلقيًا يضع المكفِّن بعض الحنوط والطيب في قطنة كبيرة فيضعها بين إليتيه على دُبُره، ثم يُشد بخرقة مشقوق طرفها كالسروال القصير الذي ليس له أكمام - وهو: المسمَّى بالتِّبَّان - وفعل ذلك؛ لتجمع هذه الخرقة بين إليتيه، ومثانته، بسبب إدارتها على الفخذين معًا، ثم تُشدُّ وتربط بقوة بعد ذلك بجعل بعض القطن المطيَّب على منافذ وجهه وهي العينان، والمنخران، والشفتان، والأذنان، والفم، ويوضع بعضه على مواضع السجود وهي: الركبتان، واليدان، والجبهة والأنف، وأطراف القدمين، بعد ذلك يوضع بعضه على المواضع التي يظهر منها رائحة كريهة عادة كالذي تحت الركبتين، وإبطيه وسرته؛ لقاعدتين: الأولى المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ستر للقبل والدُّبْر فيما لو سقط الكفن عن الميت، وفيه منع لظهور الرائحة الكريهة التي يمكن أن تحرج منه أثناء تحريكه، وفيه منع من دخول الهوام إلى داخل الجسم، وفيه تشريف مواضع السجود، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ كان يتتبَّع مغابن: الميت كطي ركبتيه وإبطيه بالمسك؛ لمنع ظهور رائحة كريهة منه.
стр. 826
فحسن)؛ لأن أنسًا طلي بالمسك، وطَلَى ابن عمر ميتًا بالمسك، (١٠٧) وكُره داخل عينيه (١٠٨) وأن يُطيَّب بورس وزعفران، (١٠٩) وطليه بما يُمسكه كصبر ما لم يُنقل (١١٠) (ثم يرد طرف اللفافة العليا) من الجانب الأيسر (على شقِّه الأيمن، ويرد
(١٠٧) مسألة: يُكره تطييب جميع بدن الميت بالمسك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة المال، وإسراف، والله لا يُحب المسرفين، فإن قلتَ: يُستحب تطييب جميع بدنه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد طلى ميتًا بالمسك قلتُ: إن ثبت هذا عنه، فإنه اجتهاد منه مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المسرف﴾، وقول أو فعل الصحابي إذا خالف نصًا لا يُحتج به فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع عموم الكتاب" فعندنا: يُعمل بالعموم ولا يقوى فعل الصحابي هنا على تخصيصه، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي، ويقوى على تخصيص عموم الآية، تنبيه: قوله: "لأن أنسًا طلي بالمسك" لا يصلح للاستدلال به؛ لأن الغالب أن الذي طلاه بذلك بعض التابعين، وقول أو فعل التابعي ليس بحجة.
(١٠٨) مسألة: يُكره وضع قطن مُطيَّب داخل عيني الميت؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُفسدهما.
(١٠٩) مسألة: يُكره وضع زعفران أو ورس على بدن أو كفن الميت؛ للمصلحة؛ حيث إنهما غير مناسبين، وغير لائقين بحال الموت؛ لكونهما يُستعملان للزينة.
(١١٠) مسألة: يُكره طلي ودهن جسم الميت بشيء يجعله متماسكًا صلبًا يابسًا مثل "الصَّبر"؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة مال ووقت بلا حاجة. [فرع]: يُستحب طلي جسم الميت بشيء يجعله صلبًا يابسًا كالصبر بشرط: أن يعزم أهله على نقله من بلد إلى بلد آخر - لغرض معيَّن -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع من ظهور رائحة كريهة من الميت عند تأخر دفنه.
стр. 827
طرفها الآخر فوقه) أي: فوق الطرف الأيمن (ثم) يفعل بـ (الثانية والثالثة كذلك) أي: كالأولى (١١١) (ويجعل أكثر الفاضل) من كفنه (على رأسه)؛ لشرفه، ويُعيد الفاضل على وجهه ورجليه بعد جمعه؛ ليصير الكفن كالكيس، فلا ينتشر (ثم يعقدها)؛ لئلا ينتشر (وتحلُّ في القبر)؛ لقول ابن مسعود: "إذا أدخلتم الميت القبر فحلُّوا العقد" رواه الأثرم، (١١٢) وكُرِه تخريق اللفائف؛ لأنَّه إفساد لها، (١١٣) (وإن
(١١١) مسألة: بعد فراغه من تطييب الميت على الطريقة السابقة - في مسألة (١٠٦) -: يقوم برد طرف اللفافة العليا، وهي الثالثة كما سبق في مسألة (١٠٤) - وهي: التي تلي الميت مباشرة - من الجانب الأيسر، ويجعلها على شقه الأيمن، ويرد طرف هذه اللفافة الآخر فوق الطرف الأيمن أو يرد طرفها الأيمن على شقه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية كما فعل بالأولى، ثم يفعل بالثالثة - وهي التي تظهر للناس - كما فعل بالثانية؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع خروج الميت من الكفن عند تحريكه أثناء حمله أو دفنه.
(١١٢) مسألة: إذا فضل من كفنه شيء: فيُجعل أكثره على رأسه، ويجعل باقي الفاضل على وجهه ورجليه، ثم يعقد ذلك على رأسه ووجهه ورجليه، ثم إذا وُضع في قبره: فإن تلك العُقد تُحل؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة: حيث إن هذا يجعل الكفن كالكيس، فلا ينتشر فيما: إذا سقط من حامليه، وجُعل الفاضل على الرأس والوجه؛ لشرفهما، وجُعل على الرجلين؛ ليمنع ذلك من السقوط والانزلاق، وشُرع حلُّ العقد في القبر؛ لأن الخوف من سقوط وانتشار الميت قد أُمن، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود ﵁: "إذا أدخلتم الميت القبر فحلُّوا العقد".
(١١٣) مسألة: يُكره أن يُخرَّق الكفن، بحيث يُجعل فيه فَتَحات إلا إن خيف من سرقة الكفن فيُستحب تخريقه؛ للمصلحة؛ حيث إن تخريقه يُقبِّح الكفن، ويُفسده، إما إن خيف من سرقة الكفن: فيُستحب التخريق؛ لمنع نبش القبر لأجل ذلك فتنتهك حرمة الميت.
стр. 828
كُفِّن في قميص ومئزر ولفافة: جاز)؛ لأنَّه ﷺ "ألبس عبد الله بن أُبَي قميصَه لما مات" رواه البخاري، وعن عمرو بن العاص: أن الميت يؤزر، ويُقمَّص، ويُلف بالثلاثة، وهذا عادة الحي، ويكون القميص بكمَّين، ودخاريص، لا يزِرٍّ (١١٤) (وتُكفَّن المرأة) والخنثى ندبًا (في خمسة أثواب) بيض من قطن (إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين)؛ لما روى أحمد وأبو داود - وفيه ضعف - عن ليلى الثقفية قالت: "كنتُ فيمن غسل أمَّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ فكان أول ما أعطانا الحِقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر" قال أحمد: "الحِقاء": الإزار و "الدرع": القميص، فتؤزر بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمَّر، ثم تُلَفُّ باللُّفافتين، (١١٥) ويُكفَّن صبي في ثوب، ويُباح في ثلاثة ما لم يرثه غير
(١١٤) مسألة: يُباح تكفين الميت في قميص - وهو: الثوب العادي ذو الأكمام، ودخلات في جوانبه - وهي: الدخاريص - لكن بدون أزرار تقفل - وكذلك إزار يُجعل على الحقوين وما تحتهما، وكذلك: لفافة تلف جميع البدن، وصفة ذلك: أن يُلبس الإزار، ثم يُلبس القميص، ثم يُلفُّ باللفافة؛ لقواعد الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد ألبس قميصه عبد الله بن أُبَي لما مات، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الحي يلبس الإزار، ثم القميص، ثم العباءة فكذلك الميت مثله، والجامع: الاحتياط في الستر في كل؛ الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال عمرو بن العاص: "إن الميت يؤزر، ويُقمَّص، ويُلفُّ بالثلاثة"، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وتزيين مظهر الميت، وستره.
(١١٥) مسألة: يُستحب أن تكفن المرأة والخنثى في خمسة أثواب، وهي: "إزار" و"قميص" وهو الثوب العادي ذو الأكمام و "خمار" يُجعل على رأسها، و"لفافتان" وهما اللتان يشملان جميع بدنها، وصفة ذلك: أن تُلبس الإزار، ثم =
стр. 829
مكلَّف (١١٦) وصغيرة في قميص ولفافتين (١١٧) (والواجب) للميت مطلقًا (ثوب
تُلبس القميص، ثم تُخمَّر، ثم تُلَفُّ باللفافتين؛ للقياس، بيانه: كما أن المرأة في الحياة تزيد على الرجل في لباسها؛ سترًا لها فكذلك تزيد عليه في كفنها والجامع: المبالغة في سترها؛ منعًا للفتنة، وإثارة الشهوة، وجُعل الخنثى مثل المرأة هنا، احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون أنثى تنبيه: حديث ليلى الثقفية لا يصلح للاستدلال به؛ لأن من رواته نوح بن حكيم، وهو ضعيف الرواية.
(١١٦) مسألة: يُستحب أن يكفن الصبي بثلاثة أثواب، وهو قول الجمهور؛ للقياس، بيانه: كما أن البالغ يستحب أن يكفن في ثلاثة أثواب فكذلك الصبي، والجامع: الاحتياط في الستر، فإن قلتَ: يُستحب: أن يُكفَّن في ثوب واحد، ولا يُكفَّن في ثلاثة إلا إن كان وارثه مُكلَّفًا وأذن بذلك: فإنه يكفن في ثلاثة استحبابًا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للمصلحة؛ حيث إن غير المكلف بحاجة إلى المال، فلا يُوضع في ثلاثة أثواب مع أنه يكفيه واحد قلتُ: هذا غيرُ مسلِّم؛ لأن فيه جلب مصلحة لغيره من ماله، وفي تكفينه في ثلاثة أثواب جلب مصلحة له، فيُقدَّم ما فيه جلب مصلحة له؛ لأنَّه ماله فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحة مع القياس" فعندنا: يُعمل بالقياس؛ لما ذكرنا من مصلحة الميت، وعندهم: يُعمل بمصلحة الحي الوارث له.
(١١٧) مسألة: يُستحب أن تُكفَّن الصبية بخمسة أثواب؛ للقياس على البالغة، والجامع: المبالغة في الستر، فإن قلتَ: تكفن في قميص ولفافتين، ولا تخمر ولا يُغطى رأسها - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما أن الصغيرة ليست بحاجة إلى الخمار في حياتها فكذلك بعد موتها، والجامع: الأمن من الفتنة في كل قلتُ: لا يُسلَّم الأصل المقاس عليه؛ حيث إن الصبية التي بلغت سبع سنوات قد يُفتتن بها، فتكون بعد مماتها كذلك، فتكفَّن في خمسة أثواب، =
стр. 830
يستر جميعه)؛ لأن العورة المغلَّظة يجزئ في سترها ثوب واحد: فكفن الميت أولى (١١٨) ويكره بصوف وشعر، (١١٩) ويحرم بجلود، (١٢٠) ويجوز في حرير؛ لضرورة فقط، (١٢١) فإن لم يجد إلا بعض ثوب: ستر العورة كحال الحياة، والباقي بحشيش
فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياسين" فألحقناها بالبالغة؛ لأنها أكثر شبهًا بها، وألحقوها بحالها حال حياتها؛ لأنَّه أكثر شبهًا بها وهو المسمى بقياس "الشبه"، أو "غلبة الأشباه".
(١١٨) مسألة: يُجزئ تكفين الميت بثوب واحد ساتر للميت: سواء كان ذكرًا أو أنثى أو خنثى أو كبيرًا، أو صغيرًا، وسواء كان الثوب له أكمام أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن العورة المغلَّظة يُجزئ في سترها من الحي ثوب واحد، فمن باب أولى أن يُجزئ ذلك في الميت، والجامع: الستر في كل، بل إن الحي أحوج إلى الستر من الميت؛ لكون الحي المنكشف العورة يثير الفتنة أكثر من الميت المنكشف العورة، فإن قلتَ: لمَ يجزئ ذلك؟ قلتُ: لأن المطلوب الستر وقد وُجد.
(١١٩) مسألة: يُكره أن يُكفَّن الميت بكفن مكوَّن من صوف أو شعر؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤثر في بشرة الميت قبل دفنه.
(١٢٠) مسألة: يحرم أن يُكفن الميت بكفن مكوَّن من جلود الحيوانات؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بنزع الجلود عن الشهداء مع ضيق الوقت، ومع عدم غسلهم وتكفينهم؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، فإن قلتَ: لم حرم ذلك؟ قلتُ: لعدم التفاؤل في لبسها؛ وقد قيل: إنها من ألبسة أهل النار.
(١٢١) مسألة: يحرم تكفين الميت بكفن من حرير أو من ذهب أو فضة لغير ضرورة، أما إن وُجدت ضرورة: كأن لا يوجد إلا هذا الكفن من الحرير أو الذهب أو الفضة فيُباح تكفينه فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن تكفينه فيها من غير =
стр. 831
أو ورق، (١٢٢) وحُرِّم دفن حُلي وثياب غير الكفن؛ لأنَّه إضاعة مال، (١٢٣) ولحي أخذ كفن ميت لحاجة حر أو برد بثمنه (١٢٤) فصل: في الصلاة على الميت: تسقط بمكلَّف، (١٢٥) وتسنُّ جماعة، وأن لا تنقص الصفوف عن
ضرورة ضياع للمال وإسراف؛ والله لا يُحب المسرفين، فإن وجدت ضرورة فيُباح لضرورة ستر العورة؛ لأن دفع المفسدة - وهو: ستر العورة - مُقدَّم على جلب المصلحة - وهو الحفاظ على المال، و "عند الضرورات تُباح المحظورات".
(١٢٢) مسألة: إذا لم يوجد إلا قطعة لا تكفي لستر كل الميت: فإنه يُستر بها عورته وإن بقي شيء فرأسه، ويُجعل على باقيه شيء من الحشيش أو الورق؛ للقياس، بيانه: كما أن العورة تقدَّم في الستر في حال الحياة، فكذلك تُقدَّم في حال الممات، والجامع: الستر في كل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كشف العورة يُثير الفتنة بخلاف غيرها.
(١٢٣) مسألة: يحرم أن يُدفن مع الميت ذهب أو فضة أو غيرهما من الثياب والحلي؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إضاعة مال، وإسراف، والله لا يحب المسرفين.
(١٢٤) مسألة: يُباح للحي أن يأخذ كفن الميت - قبل أو بعد وضعه في قبره - بشرط: أن يخاف على نفسه الهلاك أو الضرَّر من بردٍ أو حرٍّ، وذلك بثمنه، فيدفع ثمنه للورثة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع التلف أو الضرر عن ذلك الحي، ودفع المفسدة عن ذلك الحي مقدم على جلب المصلحة لذلك الميت بتكفينه فيه.
(١٢٥) مسألة: إذا صلَّى مُكلَّف - بالغ عاقل - على ميت: فإن الصلاة عليه تسقط عن الباقين: سواء كان هذا المصلي ذكرًا أو أنثى، حرًا أو عبدًا، مقيمًا أو مسافرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الصلاة عليه فرض كفاية - كما سبق في =
стр. 832
ثلاثة (١٢٦) (والسنة: أن يقوم الإمام عند صدره) أي: صدر ذكر (وعند وسطها) أي: وسط أنثى، والخنثى بين ذلك، (١٢٧) والأولى بها وصيُّه العدل، فسيِّد برقيقه، فالسلطان، فنائبه الأمير، فالحاكم، فالأولى بغسل رجل، فزوج بعد ذوي
مسألة (٢٢) - أن تسقط بالواحد؛ لأنَّه يُعتبر بعضًا؛ حيث إن فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(١٢٦) مسألة: يُستحب أن تُصلِّي جماعة على الميت، وأن تكون ثلاثة صفوف؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يصلي مع الجماعة، وأنَّه كان يُقسِّم الناس ثلاثة صفوف، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكثير الأجر، وغفران الذنوب للميت.
(١٢٧) مسألة: يُستحب أن يقف الإمام - أثناء الصلاة على الميت - عند رأس الرجل والصبي، وعند وسط المرأة والصبية، والخنثى؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشريف للرأس الذي فيه الفكر والذهن، الذي بسببه قد اهتدى إلى طريق الرشاد، وابتعد عن طريق الضلال، والأصل أن يقف عند رأس كل ميت، ولكن عُدل في المرأة فاستحب الوقوف عند وسطها؛ لكون ذلك أستر لها: فيمنع الإمام أن ينظر المأموم إلى ما يُقابل فرجها وعجزتها؛ دفعًا لإثارة الفتنة، وفُعل ذلك بالخنثى احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون أنثى، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: إن الإمام يقف عند صدر الذكر، ويقف بين صدر الخنثى ووسطه - وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
стр. 833
الأرحام، (١٢٨) ومن قدَّمه وليُّ بمنزلته، (١٢٩) من قدَّمه وصي، (١٣٠) وإذا اجتمعت
(١٢٨) مسألة: إذا حصل تنازع فيمن يصلي على هذا الميت: فيُقدَّم وصيُّه العدل العارف لأحكام الصلاة، فإن لم يوجد وصي، فيُقدَّم سيد للصلاة على رقيقه، فإن تعذَّر: فالأولى بغسله يُقدَّم في الصلاة عليه - كما سبق في مسألة (٢٦ و ٢٩) - ممن يصلح للإمامة، ويُقدَّم في الصلاة على المرأة أبوها وإن علا، ثم ابنها وإن نزل، ثم أخوها، ثم زوجها؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد أوصى بأن يُصلَّي عليه عمر ﵁، وأوصى عمر بأن يُصلِّي عليه صهيب فقُدِّما في ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الترتيب السابق أصلح للميت، وأعزُّ له، وسبب لاستجابة الدُّعاء.
(١٢٩) مسألة: إذا قدَّم واحد من أولياء الميت شخصًا في إمامة الصلاة على الميت: فإنه يُقدَّم على غيره، فيكون المقدَّم بمنزلة المقدِّم بشرط: أن يكون هذا المقدَّم عدلًا عارفًا لأحكام الصلاة على الموتى؛ للقياس، بيانه: كما أن ولي النكاح إذا قدَّم غيره ووكَّله بأن يعقد النكاح على موليته: فإنه يُقدّم على غيره، فكذلك هنا، والجامع: التقديم والصلاحية في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن هذا من حقه شرعًا، والتيسير على المسلمين.
(١٣٠) مسألة: إذا أوصى زيد بأن عمرًا يُصلِّي عليه إذا مات، وأوصى عمرو بكرًا بأن يُصلي على زيد: فلا يُقدَّم بكر، إلا إذا أذن زيد لعمرو بأن يُقدِّم من يشاء، وقدَّم عمرو بكرًا: فإنه يُقدَّم هنا؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا قد وثق بعمرو بأن يصلي عليه، ولا يلزم من ذلك: أن يكون غيره مثله في درجة الثقة فلزم منعه، بخلاف ما لو أذن لعمرو بأن يُقدِّم من يشاء فيلزم تقديمه؛ لأن زيدًا واثق بأن عمرًا لن يُقدِّم إلا من هو مثله أو أفضل منه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للميت.
стр. 834
جنائز: قُدِّم إلى الإمام أفضلهم - وتقدَّم -، فأسن، فأسبق، ويُقرع مع التساوي، (١٣١) وجمعهم بصلاة أفضل (١٣٢) ويُجعل وسط أنثى حذاء صدر رجل، وخنثى
(١٣١) مسألة: إذا اجتمعت عدَّة أمواتٍ: رجال وصبيان ونساء: فإنه يوضع الرجال مما يلي الإمام مباشرة، ثم يليهم الصبيان، ثم النساء، فتكون النساء أبعد ما يكون عن الإمام؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت عن عثمان وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للفتنة، وقد تقدَّم ذلك في مسألة (١١٣) من باب "صلاة الجماعة" حيث إنه إذا اجتمع هؤلاء: صف الرجال وراء الإمام؛ ثم يصف الصبيان خلفهم، ثم تصف النساء خلف الجميع. [فرع]: إذا اجتمعت عدَّة أموات من الرجال: قُدِّم أفضلهم في العلم بأن يوضع بعد الإمام مباشرة، فإن كانوا في العلم سوءا: قُدِّم أكبرهم سِنًّا، فإن كانوا في السِّنِّ سواء: قُدِّم أسبقهم في الموت والتغسيل والتكفين، فإن كانوا في ذلك سواء: يُقرع بينهم، ويُجعل مما يلي الإمام من تخرج له القرعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم العلماء على غيرهم؛ لفضلهم على جميع الناس، ثم الأكبر سنًا؛ لكونهم أقدم في العمل في الأحكام الشرعية، فيكون أكمل وأشرف من غيره، ثم الأسبق في الموت وغيره؛ لئلا يشعر أهله بالظلم، ثم يُقدَّم من تُصيبه القرعة؛ نظرًا لتساوي الحقوق، فلا يشعر أحد بظلم كما قلنا في الأذان، والإمامة، وقد تقدَّم.
(١٣٢) مسألة: إذا اجتمعت عدَّة جنائز: فإن الصلاة عليهم جميعًا بصلاة واحدة أفضل من الصلاة على كل جنازة لوحدها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُحقِّق الإسراع بدفن الموتى قبل أن تخرج منهم روائح كريهة، وفيه تكثير الجماعة على كل جنازة؛ لاجتماع أهل الجنائز جميعهم.
стр. 835
بينهما (١٣٣) (ويُكبِّر أربعًا)؛ "لتكبير النبي ﷺ على النجاشي أربعًا" متفق عليه (١٣٤) (يقرأ في الأولى) أي: بعد التكبيرة الأولى، وهي تكبيرة الإحرام و (بعد التعوِّذ) والبسملة (الفاتحة) سرًا ولو ليلًا لما روى ابن ماجه عن أم شريك الأنصارية قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ولا نستفتح، ولا نقرأ سورة معها" (١٣٥) (ويُصلِّي على النبي ﷺ في) أي: بعد التكبير (الثانية كـ) الصلاة
(١٣٣) مسألة: إذا اجتمع رجل وامرأة وخنثى وأريد الصلاة عليهم صلاة الجنازة: فإنه يُجعل وسط المرأة والخنثى مساويًا لرأس الرجل؛ للتلازم؛ حيث إن الإمام يقف عند وسط المرأة والخنثى، ورأس الذكر إذا انفرد كل واحد منهم، فيلزم أن يفعل ذلك إذا اجتمعوا؛ ليتحقَّق ذلك، تنبيه: قوله: "حذاء صدر رجل وخنثى بينهما" يشير إلى مذهبه في ذلك، والراجح أنه يقف عند وسط الخنثى كالمرأة، ورأس الذكر - كما سبق في مسألة (١٢٧).
(١٣٤) مسألة: إذا وُضع الميت أمام الإمام - كما سبق وصفه -: فإنه يُصلِّي عليه مُكبِّرًا أربع تكبيرات للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يُكبِّر في صلاة الجنازة أربع تكبيرات كما فعل في صلاته على النجاشي لما علم بوفاته، وكما فعل على عدة جنائز كما رواه أنس وابن عباس ﵃، فإن قلتَ: لمَ شُرعت تلك التكبيرات الأربع؟ قلتُ: لأنها بمنزلة أربع ركعات، فإن قلتَ: لمَ كانت صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود؟ قلتُ: لأن الإسراع بدفن الجنازة مقصود شرعًا؛ لئلا تخرج منه روائح كريهة، فتؤذي الناس، وتُشوه الميت، والصلاة عليه بهذه الطريقة تحقق هذا المقصود.
(١٣٥) مسألة: يبدأ المصلي على الجنازة بتكبيرة الإحرام - وهي: التكبيرة الأولى - فيتعوَّذ بعدها من الشيطان الرجيم، ثم يُبسمل، ثم يقرأ الفاتحة سرًا، ولو وقعت تلك الصلاة في الليل، ولا يقرأ سورة بعدها؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول أمِّ شريك: "أمرنا رسول الله أن نقرأ في الجنازة بفاتحة الكتاب، =
стр. 836
في (التشهد) الأخير؛ لما روى الشافعي عن أبي أمامة عن أبي أمامة بن سهل: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ : "أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يُكبِّر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يُصلِّي على النبي ﷺ ، ويُخلص الدعاء للميت، ثم يُسلِّم" (١٣٦) (ويدعو في الثالثة)؛ لما تقدَّم (فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا
ولا نستفتح، ولا نقرأ سورة معها"، ثانيهما: قول أبي أمامة بن سهل: "إن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يُكبِّر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سِرًّا في نفسه، ثم يُصلِّي على النبي ﷺ ، ويُخلص الدعاء للميت، ثم يُسلِّم" وأبو إمامة قد أخبره بذلك رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، وإذا قال الصحابي: "من السنة" فله حكم الحديث المرفوع، فإن قلتَ: لمَ تقرأ الفاتحة هنا؟ قلتُ: لأن القيام مشروع في صلاة الجنازة، والفاتحة تُشرع في كل قيام، فإن قلتَ: لم لا يُشرع فيها دعاء الاستفتاح، وقراءة سورة؟ قلتُ: لأنَّه يُشرع في صلاة الجنازة الإسراع فيها، وفعلهما يؤخرها، فإن قلتَ: إنه يُجهر في قراءة الفاتحة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد جهر فيها قلتُ: إن ابن عباس ﵃ قد جهر بذلك لتعليم الناس صلاة الجنازة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع فعل الصحابي" فعندنا: يعمل بالسنة وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي.
(١٣٦) مسألة: بعد فراغه من قراءة الفاتحة: يُكبِّر التكبيرة الثانية ثم يصلي على النبي ﷺ كما يفعل في التشهد الأخير قائلًا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد"؛ للسنة القولية؛ وهو حديث أبي إمامة الذي ذكر في مسألة (١٣٥)، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تبرك بالصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء.
стр. 837
ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه الموفَّق: "وأنت على كل شيء قدير" ولفظة: "السنة" (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نُزُله) بضم الزاي وقد تسكن - وهو: القِرَى - (وأوسع مُدخله) بفتح الميم: إمكان الدخول، وبضمها: الإدخال (واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) رواه مسلم عن عوف بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك على جنازة حتى تمنى أن يكون ذلك الميت، وفيه: "وأبدله أهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة" وزاد الموفَّق لفظ: "من الذنوب" (وأفسح له في قبره ونوِّر له فيه)؛ لأنَّه لائق بالمحل، (١٣٧) وإن كان الميت أنثى: أنَّت الضمير، وإن كان خنثى قال: "هذا الميت" ونحوه، (١٣٨) ولا بأس بالإشارة بالإصبع حال الدعاء
(١٣٧) مسألة: بعد الفراغ من الصلاة على النبي ﷺ يكبِّر التكبيرة الثالثة، ثم يدعو للميت بما شاء، ولكن الأولى: أن يدعو بما ورد عنه ﷺ ؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يدعو بما أورده المصنف إذا صلى على ميت - كما رواه عوف بن مالك وأبو هريرة -، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي مصلحة الميت والحي، وهي واضحة في الدعاء، تنبيه: قوله: لكن زاد فيه الموفق: "وأنت على كل شيء قدير" ولفظ: "السنة" ولفظ: "من الذنوب" يشير إلى أن موفَّق الدين ابن قدامة زاد تلك الألفاظ في كتابه: "المقنع في الفقه" في حين أنها لم ترد فيما رواه عوف بن مالك وأبو هريرة، وهذه الزيادات مناسبة للمقام.
(١٣٨) مسألة: يُستحب أن يؤنِّث الضمير في الدعاء إن كان الميت أنثى، فيقول: "اللهم اغفر لها .. " وإن كان خنثى قال: "اللهم اغفر لهذا الميت، أو لهذه الجنازة"؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُناسب المدعو له، فيلزم التلفُّظ بما يُناسب.
стр. 838
للميت (١٣٩) (وإن كان) الميت (صغيرًا): ذكرًا، أو أنثى، أو بلغ مجنونًا واستمر: (قال) - بعد: "ومن توفيته منا فتوفه عليهما" -: (اللهم اجعله ذخرًا لوالديه وفرطًا) أي: سابقًا مُهيئًا لمصالح والديه في الآخرة: سوءا مات في حياة والديه أو بعدهما (وأجرًا وشفيعًا حجابًا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم) ولا يستغفر له؛ لأنَّه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم، (١٤٠) وإذا لم يعرف إسلام والديه: دعا لمواليه (١٤١) (ويقف بعد الرابعة قليلًا) ولا يدعو، ولا يتشهد،
(١٣٩) مسألة: تباح الإشارة إلى الميت بالإصبع أثناء الدعاء له؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه زيادة تخصيص وتأكيد، وهو من باب الإخلاص بالدعاء.
(١٤٠) مسألة: إذا كان الميت صغيرًا أو مجنونًا وهو من أولاد المسلمين: فإنه يدعو المصلي قائلًا: "اللهم اجعله ذخرًا لوالديه وفرطًا .. الخ" - كما ذكر المصنف هنا - لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ورد بعض هذا الدعاء عنه ﷺ ، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء مناسب للمقام؛ إذ لا ذنب للصغار والمجانين، فإن قلتَ: لمَ يقال: اجعله في كفالة إبراهيم؟ قلتُ: لما ذكره ابن أبي الدنيا من أن إبراهيم ﵇ هو حاضن من يموت من الصبيان، فإن قلتَ: لم لا يُستغفر له؟ قلتَ: لعدم وجود ذنب عليه؛ حيث إنه شافع لوالديه، فإن قلتَ: لمَ دعي له بأن يقيه الله من عذاب الجحيم مع أنه غير مُكلَّف؟ قلتُ: لأن النار ستنال كل أحد ومنهم الصغار، وهذا تحلِّة القسم؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
(١٤١) مسألة: إن كان الميت صغيرًا أو مجنونًا، ولا يعرف: هل والداه مسلمان أو لا؟ فإنه يُدعى لمواليه المسلمين فيقال: "اللهم اجعله ذخرًا لمواليه"؛ للتلازم؛ حيث إن مواليه هم الذين قاموا برعايته والعناية به، وتربيته على الإسلام، فيلزم أن يصرف الدعاء إليهم؛ جزاء بما فعلوا.
стр. 839
ولا يُسبِّح (ويُسلِّم) تسليمة (واحدة عن يمينه) روى الجوزجاني عن عطاء بن السائب: أن النبي ﷺ سلَّم على الجنازة تسليمة واحدة، (١٤٢) ويجوز تلقاء وجهه، وثانية، (١٤٣) وسُنَّ وقوفه حتى تُرفع (١٤٤) (ويرفع يديه) ندبًا (مع كل تكبيرة)؛ لما تقدَّم في صلاة العيدين (١٤٥) (وواجبها) أي: الواجب في صلاة الجنازة
(١٤٢) مسألة: بعد فراغه من الدعاء للميت: يُكبِّر الرابعة، ويسكت قليلًا ثم يُسلِّم عن يمينه تسليمة واحدة، فلا يقول شيئًا بعد هذه التكبيرة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للفصل بين التكبيرة والتسليم بقدر أخذ النفس، وذلك كله للإسراع في دفن الجنازة فالتخفيف في ذلك مشروع؛ لذا يُجزئ لو قال: "السلام عليكم".
(١٤٣) مسألة: يُباح أن يُسلِّم في صلاة الجنازة بدون التفات، أي: وهو مستقبل القبلة، ويُباح أن يُسلِّم تسليمتين كالصلاة العادية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث ثبت عنه ﷺ أنه سلَّم تسليمتين في صلاة الجنازة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن في التفاته بعض التأخير، فأُبيح تركه؛ لكونه يُناسب الإسراع في الجنازة.
(١٤٤) مسألة: إذا فرغ المصلي على الجنازة: يُستحب أن يقف حتى تُرفع تلك الجنازة من بين يديه؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عمر لا يبرح من مُصلَّاه حتى يراها على أيدي الرجال، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احترام وتقدير هذا المسلم الميت.
(١٤٥) مسألة: يُستحب أن يرفع المصلي على الجنازة يديه إلى محاذاة كتفيه أو أذنيه مع كل تكبيرة من التكبيرات الأربع، وأن يضع باطن اليد اليُمنى على ظاهر اليد اليُسرى تحت السرة أو فوقها بين التكبيرات الأربع؛ للقياس، بيانه: كما يُستحب فعل ذلك في سائر الصلوات ومنها صلاة العيدين، فكذلك صلاة الجنازة مثلها، والجامع: أن كلًا منها تُعتبر صلاة يُعظم بها الله تعالى، وبيان أن الله أكبر من كل شيء.
стр. 840
مما تقدَّم (قيام) في فرضها (وتكبيرات) أربع (والفاتحة) ويتحمَّلها الإمام عن المأموم (والصلاة على النبي ﷺ ، ودعوة للميت والسلام)، (١٤٦) ويُشترط لها النية، فينوي الصلاة على الميت، ولا يضرُّ جهله بالذكر وغيره، فإن جهله: نوى "على من يصلي عليه الإمام" وإن نوى: "أحد الموتى": اعتبر تعيينه، وإن نوى: "على هذا الرجل" فبان امرأة، أو بالعكس أجزأ؛ لقوة التعيين، قاله أبو المعالي، وإسلام الميت، وطهارته من الحدث والنجس مع القدرة، وإلا صُلِّي عليه، والاستقبال، والسترة كمكتوبة، وحضور الميت بين يديه، فلا تصح على جنازة محمولة، ولا من وراء جدار (١٤٧)
(١٤٦) مسألة: واجبات صلاة الجنازة ستة: أولها: القيام؛ فلا تصح من قاعد - وهو قادر على القيام ثانيها: التكبيرات الأربع، ثالثها: قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، رابعها: الصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية، خامسها: الدعاء للميت بعد الثالثة، سادسها: التسليمة الواحدة بعد الرابعة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صَلِّ قائمًا"؛ حيث أوجب الشارع القيام في كل صلاة، ومنها صلاة الجنازة؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية، الثالثة: المصلحة، وقد سبق بيان ذلك في مسائل (١٣٤ و ١٣٥ و ١٣٦ و ١٣٧ و ١٤٢)، وسبق أيضًا بيان المقصد من كل واجب، تنبيه: قوله: "ويتحمَّلها الإمام عن المأموم"؛ قياسًا على الصلاة المفروضة وقد سبق بيانه، تنبيه آخر: إذا أخلَّ بواحد من تلك الواجبات الستة عمدًا: بطلت صلاته، وإن أخلَّ به سهوًا: أتى به إن لم يطل الفصل، فإن طال الفصل: سقط عنه.
(١٤٧) مسألة: شروط صلاة الجنازة سبعة: أولها: أن ينوي أنه سيُصلي على ميت، وتصح ولو لم يعلم جنس الميت أذكرًا أو أنثى؟ فينوي: "الصلاة على الجنازة الحاضرة" أو "على هذه الجنازة" أو "على من يصلي عليه الإمام" وكذا: تصح ولو نوى أنه سيصلي على رجل فبان أن الميت امرأة، أو بالعكس، ولو نوى أنه سيُصلى على واحد فقط من أموات كثيرين صحَّت صلاته على هذا الواحد =
стр. 841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقط، دون غيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" وصلاة الميت عمل شرعي فلا يصح إلا بنية؛ لكونه يدخل تحت عموم لفظ "الأعمال" لأنَّه عموم جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الغرض من الصلاة وهو الدعاء: صحَّة الصلاة وإن لم يُعلم جنس الميت، أو عَلِم أنه ذكر فبان أنثى أو العكس، ويلزم من تعيين واحد من الموتى المجتمعين: إخراج غيره، فلا يكون مقصودًا، ثانيها: أن يكون الميت مسلمًا، فتحرم الصلاة على كافر إذا مات؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ حيث حرم الصلاة على من كفر: سواء كان أصليًا أو بنفاق؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، ثالثها: أن يكون الميت قد طُهِّر من الحدث والنجس بغسله إن كان مقدورًا على ذلك، أو بالتيمُّم؛ للقياس على الحي: فكما أن الحي يُشترط لصحة صلاته التطهر من ذلك، فكذلك الميت يُشترط لصحة الصلاة عليه تطهره، رابعها: أن يكون المصلي على الجنازة مستقبل القبلة والجنازة أمامه؛ للقياس على الصلوات المفروضة؛ حيث يُشترط فيها ذلك، فكذلك صلاة الجنازة مثلها بجامع: أن كلًا منها صلاة مُتعبِّد بها، خامسها: أن يكون المصلي ساترًا لعورته؛ للقياس على الصلوات المفروضة وقد سبق، سادسها: أن يكون الميت حاضرًا بين يدي المصلي، فلا تصح الصلاة على جنازة محمولة، ولا تصح وهي من وراء جدار، أو خشب لا يراه الإمام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسميتها "صلاة الجنازة": أن تكون موجودة بين يدي الإمام يُعاينها بدون تحريك، سابعها: أن تكون الصلاة بعد التغسيل والتكفين، فلا تصح صلاة قبل ذلك لمن قدر عليه؛ للمصلحة؛ حيث لا يليق به إلا ذلك؛ لتكريمه وإجلاله، فإن قلتَ: لمَ اشتُرطت تلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لا يفرق بين الأعمال الشرعية وغيرها إلا بالنية، ولتكريم المسلم الميت، ولإخلاص الدعاء له.
стр. 842
(ومن فاته شيء من التكبير: قضاه) ندبًا (على صفته)؛ لأن القضاء يحكي الأداء كسائر الصلوات، والمقضي أول صلاته يأتي فيه بحسب ذلك، وإن خشي رفعها: تابع التكبير: رُفعت أم لا، وإن سلَّم مع الإمام ولم يقضه: صحَّت؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "ما فاتكِ لا قضاء عليكِ" (١٤٨) (ومن فاتته الصلاة عليه) أي: على الميت: (صلَّى على القبر) إلى شهر من دفنه؛ لما في الصحيحين من حديث
(١٤٨) مسألة: إذا دخل زيد وقد فاتته بعض التكبيرات في صلاة الجنازة: فإنه يدخل مع الإمام ويُتابعه على ما هو عليه، فإذا سلَّم الإمام قضى زيد ما فاته من التكبيرات على صفة الأداء: فيُكبِّر الأولى ويقرأ الفاتحة، ويكبر الثانية، ويصلي على النبي، ثم يُكبِّر الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة فيُسلِّم سواء: رُفعت الجنازة أو لا، وإن لم يقض: صحَّت صلاته؛ للقياس وهو من وجوه: أولها: كما أن الصلوات المفروضة يقضي المصلي ما فاته منها على صفة الأداء، فكذلك صلاة الجنازة مثلها، والجامع: أن كلًا منها صلاة مفروضة، ثانيها: كما أن المسبوق إذا أدرك ركعة، من صلاة الفرض: فإنه يقضي ما فاته إذا سلَّم إمامه وتحسب له الصلاة أداء وإن خرج الإمام من المسجد فكذلك الحال في صلاة الجنازة يستمر هذا المسبوق في قضاء صلاة الجنازة وإن رُفعت من الأرض، ويُحسب أنه صلى على الميت صلاة كاملة والجامع: أن كلًا منهما قد زال ما كان يقصده، ثالثها: كما أن المسبوق إذا وجد الإمام راكعًا فإنه يدخل معه وتصح الركعة ولا يقضيها، ولا يقضي قراءة الفاتحة، وتصح صلاته فكذلك من فاته عدد من التكبيرات في صلاة الجنازة لا يقضيها ويُسلّم مع إمامه وتصح صلاته، والجامع: تحمُّل الإمام ما فات على المأموم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التيسير والتوسعة على المسلمين، تنبيه: ما ذكره المصنف مما روي عنه ﷺ أنه قال لعائشة ﵂: "ما فاتك لا قضاء عليك": لم أجده.
стр. 843
أبي هريرة وابن عباس ﵃: "أن النبي ﷺ صلى على قبر" وعن سعيد بن المسيِّب: "أن أمَّ سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم: صلَّى عليها، وقد مضى لذلك شهر" رواه الترمذي، ورواته ثقات، قال أحمد: "أكثر ما سمعتُ هذا" وتحرم بعده ما لم تكن زيادة يسيرة (١٤٩) (و) يُصلَّى (على غائب) عن البلد، ولو دون مسافة قصر:
(١٤٩) مسألة: يُستحب أن يُصلي المسلم على الميت ولو بعد دفنه بشرط: أن لا يمضي على دفنه أكثر من شهر تقريبًا، وتحرم بعد ذلك، والصلاة على القبر تكون على صفة الصلاة عليه قبل ذلك؛ للسنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد صلى على قبر المرأة السوداء التي كانت تقمُّ المسجد، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلى على قبر أم سعد وقد مضى على دفنها شهر - كما قال الراوي - فيلزم من ذلك: أنه محدَّد بشهر تقريبًا، ولا تضر الزيادة القليلة، فإن قلتَ: تصح الصلاة على الميت ولو بعد دفنه بشهرين أو ثلاثة، وهو قول بعض العلماء كابن عقيل وتبعهم ابن عثيمين؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى على قبر أم سعد بعد مضي شهر من دفنها - كما سبق - وهذا مطلق، ولم يُقيِّد بزمن معيَّن، وفعله ﷺ قد وقع اتفاقي بدون قصد التحديد، وكذلك صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنوات قلتُ: إن ما وقع منه ﷺ مقصود منه، ولم يكن اتفاقيًا؛ لسدِّ الذرائع؛ حيث إننا لو فتحنا هذا الباب - وهو: أن أفعاله ﷺ تقع اتفاقًا بدون قصد -: للزم تعطيل أكثر أفعاله من الاستدلال بها، وهذا باطل، أما صلاته ﷺ على قتلى أحد: فليست هي صلاة الميت، وإنما هي صلاة وداع لهم كما كان يُودِّع الموتى الذين دُفنوا في البقيع أحيانًا، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة الفعلية" فيُعمل عندنا بالسنة الفعلية الأولى، ويلزم من فعله بهذا الوقت التحديد الشرعي، وعندهم: يُعمل بالسنة الفعلية الثانية، ولا يفهم من فعله التحديد.
стр. 844
فتجوز صلاة الإمام والآحاد عليه (بالنية إلى شهر)؛ لصلاته ﷺ على النجاشي كما في المتفق عليه عن جابر، وكذا غريق، وأسير ونحوهما، (١٥٠) وإن وُجد بعض ميت لم يُصلَّ عليه فككلَّه - إلا الشعر والظفر والسن - فيُغسَّل ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ثم إن وجد الباقي فكذلك، ويُدفن بجنبه، (١٥١) ولا يُصلَّى على مأكول ببطن آكل، ولا
(١٥٠) مسألة: تصح الصلاة على المسلم الميت الغائب: سواء كان في بلد قريب أو بعيد، وسواء كان المصلي فردًا، أو جماعة: فيُوضع شيء أمامهم، ويصلون صلاة الجنازة كأنه أمامهم، بأن كان عند عدو، أو كان غريقًا لم يُستطع إخراجه، بشروط ثلاثة: أولها: أن لا يكون قد صُلِّي عليه، ثانيها: إن لا يمضي على دفنه أكثر من شهر تقريبًا، ثالثها: أن ينوي المصلي أن الميت الغائب بين يديه؛ للسنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد صلى على النجاشي؛ حيث إنه لم يُصلَّ عليه؛ لأنَّه مات بين مشركين، بينما لم يُصلّ على من مات من الصحابة وهم غائبون؛ لكونهم قد صُلِّي عليهم قال ذلك ابن القيم، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلَّى على أم سعد وقد مضى شهر على دفنها، فيُقيَّد بذلك الزمن - كما سبق في مسألة (١٤٩) - والأسير والغريق مثل النجاشي، وأم سعد؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلتَ: لمَ اشترطت النية هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعله مقصودًا في الدعاء، فإن قلتَ: لمَ اشترط: أن لا يكون قد صُلِّي عليه؟ قلتُ: لأن صلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين، فيلزم من ذلك: عدم صحة الصلاة على غائب قد صُلِّي عليه.
(١٥١) مسألة: إذا وُجد عضو من أعضاء مسلم ميت - لا تنفصل في العادة - كيد أو رجل: فيجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وإن وجد الباقي: فُعل به ذلك ودُفن بجنب قبره إن سَهُل؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه =
стр. 845
مستحيل بإحراق ونحوه، (١٥٢) ولا على بعض حي مدة حياته (١٥٣) (ولا) يُسنُّ: أن
لو مات ووُجد كاملًا يجب تجهيزه فكذلك يُفعل ببعضه والجامع: أن كلًا منهما له حرمة المسلم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد صلَّى على عظام بالشام، وأبو أيوب قد صلى على رِجْل إنسان، وأبو عبيدة قد صلى على رؤوس وجدها، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المسلم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط: أن لا ينفصل عنه عادة؟ قلتُ: لأن المنفصل عن المسلم عادة كالشعر والظفر، والسن لا يُجهَّز إذا وُجد بعد وفاته؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب تجهيز ذلك: للحق المسلم ضيق ومشقَّة؛ نظرًا لكثرتها وانتشارها في الأرض، ثم إن انفصال ذلك طبيعي، فلا يُقاس على العضو غير المنفصل.
(١٥٢) مسألة: لا يُصلَّى على مسلم قد أكله سبع - كأسد - ولو كان هذا السبع مُشاهَدًا، وكذا لا يُصلَّى على المحترق احتراقًا صيَّره إلى رماد لا يُشاهد منه شيء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم القدرة على تغسيله وتكفينه: عدم الصلاة عليه؛ لأن التغسيل والتكفين شرطان من شروط صلاة الجنازة - كما سبق في مسألة (١٤٧) -، فإن قلتَ: لمَ لا يُصلَّى على هذين مع صحة الصلاة على الغائب - كما سبق في مسألة (١٥٠)؟ قلتُ: لوجود الفرق بينهما؛ حيث إنه قد غلب على ظننا وجود جثَّة الغائب تحت الأرض، فيحصل تصوُّرها وإن كان غائبًا، أما من أكله السبع، أو احترق - كما وصفنا -: فلا توجد جُثَّة مشاهدة له، ولا مُتصوَّرة، ومع الفرق فلا قياس.
(١٥٣) مسألة: إذا انقطعت يد مسلم، أو رجله، أو أيُّ عضو من أعضائه، وكان هذا المسلم حيًا: فلا يُغسَّل، ولا يكفن، ولا يُصلَّى على ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من الصلاة على الميت هو: الدعاء له بالمغفرة، فيلزم من =
следующие страницы →