← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1319

تيسير مسائل الفقه شرح الروض المربع

عبد الكريم النملة

Полный текст (3 194 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فقط، دون غيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" وصلاة الميت عمل شرعي فلا يصح إلا بنية؛ لكونه يدخل تحت عموم لفظ "الأعمال" لأنَّه عموم جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الغرض من الصلاة وهو الدعاء: صحَّة الصلاة وإن لم يُعلم جنس الميت، أو عَلِم أنه ذكر فبان أنثى أو العكس، ويلزم من تعيين واحد من الموتى المجتمعين: إخراج غيره، فلا يكون مقصودًا، ثانيها: أن يكون الميت مسلمًا، فتحرم الصلاة على كافر إذا مات؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ حيث حرم الصلاة على من كفر: سواء كان أصليًا أو بنفاق؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، ثالثها: أن يكون الميت قد طُهِّر من الحدث والنجس بغسله إن كان مقدورًا على ذلك، أو بالتيمُّم؛ للقياس على الحي: فكما أن الحي يُشترط لصحة صلاته التطهر من ذلك، فكذلك الميت يُشترط لصحة الصلاة عليه تطهره، رابعها: أن يكون المصلي على الجنازة مستقبل القبلة والجنازة أمامه؛ للقياس على الصلوات المفروضة؛ حيث يُشترط فيها ذلك، فكذلك صلاة الجنازة مثلها بجامع: أن كلًا منها صلاة مُتعبِّد بها، خامسها: أن يكون المصلي ساترًا لعورته؛ للقياس على الصلوات المفروضة وقد سبق، سادسها: أن يكون الميت حاضرًا بين يدي المصلي، فلا تصح الصلاة على جنازة محمولة، ولا تصح وهي من وراء جدار، أو خشب لا يراه الإمام؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسميتها "صلاة الجنازة": أن تكون موجودة بين يدي الإمام يُعاينها بدون تحريك، سابعها: أن تكون الصلاة بعد التغسيل والتكفين، فلا تصح صلاة قبل ذلك لمن قدر عليه؛ للمصلحة؛ حيث لا يليق به إلا ذلك؛ لتكريمه وإجلاله، فإن قلتَ: لمَ اشتُرطت تلك الشروط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لا يفرق بين الأعمال الشرعية وغيرها إلا بالنية، ولتكريم المسلم الميت، ولإخلاص الدعاء له.

стр. 842

(ومن فاته شيء من التكبير: قضاه) ندبًا (على صفته)؛ لأن القضاء يحكي الأداء كسائر الصلوات، والمقضي أول صلاته يأتي فيه بحسب ذلك، وإن خشي رفعها: تابع التكبير: رُفعت أم لا، وإن سلَّم مع الإمام ولم يقضه: صحَّت؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "ما فاتكِ لا قضاء عليكِ" (١٤٨) (ومن فاتته الصلاة عليه) أي: على الميت: (صلَّى على القبر) إلى شهر من دفنه؛ لما في الصحيحين من حديث (١٤٨) مسألة: إذا دخل زيد وقد فاتته بعض التكبيرات في صلاة الجنازة: فإنه يدخل مع الإمام ويُتابعه على ما هو عليه، فإذا سلَّم الإمام قضى زيد ما فاته من التكبيرات على صفة الأداء: فيُكبِّر الأولى ويقرأ الفاتحة، ويكبر الثانية، ويصلي على النبي، ثم يُكبِّر الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة فيُسلِّم سواء: رُفعت الجنازة أو لا، وإن لم يقض: صحَّت صلاته؛ للقياس وهو من وجوه: أولها: كما أن الصلوات المفروضة يقضي المصلي ما فاته منها على صفة الأداء، فكذلك صلاة الجنازة مثلها، والجامع: أن كلًا منها صلاة مفروضة، ثانيها: كما أن المسبوق إذا أدرك ركعة، من صلاة الفرض: فإنه يقضي ما فاته إذا سلَّم إمامه وتحسب له الصلاة أداء وإن خرج الإمام من المسجد فكذلك الحال في صلاة الجنازة يستمر هذا المسبوق في قضاء صلاة الجنازة وإن رُفعت من الأرض، ويُحسب أنه صلى على الميت صلاة كاملة والجامع: أن كلًا منهما قد زال ما كان يقصده، ثالثها: كما أن المسبوق إذا وجد الإمام راكعًا فإنه يدخل معه وتصح الركعة ولا يقضيها، ولا يقضي قراءة الفاتحة، وتصح صلاته فكذلك من فاته عدد من التكبيرات في صلاة الجنازة لا يقضيها ويُسلّم مع إمامه وتصح صلاته، والجامع: تحمُّل الإمام ما فات على المأموم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التيسير والتوسعة على المسلمين، تنبيه: ما ذكره المصنف مما روي عنه ﷺ أنه قال لعائشة ﵂: "ما فاتك لا قضاء عليك": لم أجده.

стр. 843

أبي هريرة وابن عباس ﵃: "أن النبي ﷺ صلى على قبر" وعن سعيد بن المسيِّب: "أن أمَّ سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم: صلَّى عليها، وقد مضى لذلك شهر" رواه الترمذي، ورواته ثقات، قال أحمد: "أكثر ما سمعتُ هذا" وتحرم بعده ما لم تكن زيادة يسيرة (١٤٩) (و) يُصلَّى (على غائب) عن البلد، ولو دون مسافة قصر: (١٤٩) مسألة: يُستحب أن يُصلي المسلم على الميت ولو بعد دفنه بشرط: أن لا يمضي على دفنه أكثر من شهر تقريبًا، وتحرم بعد ذلك، والصلاة على القبر تكون على صفة الصلاة عليه قبل ذلك؛ للسنة الفعلية، وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد صلى على قبر المرأة السوداء التي كانت تقمُّ المسجد، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلى على قبر أم سعد وقد مضى على دفنها شهر - كما قال الراوي - فيلزم من ذلك: أنه محدَّد بشهر تقريبًا، ولا تضر الزيادة القليلة، فإن قلتَ: تصح الصلاة على الميت ولو بعد دفنه بشهرين أو ثلاثة، وهو قول بعض العلماء كابن عقيل وتبعهم ابن عثيمين؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى على قبر أم سعد بعد مضي شهر من دفنها - كما سبق - وهذا مطلق، ولم يُقيِّد بزمن معيَّن، وفعله ﷺ قد وقع اتفاقي بدون قصد التحديد، وكذلك صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنوات قلتُ: إن ما وقع منه ﷺ مقصود منه، ولم يكن اتفاقيًا؛ لسدِّ الذرائع؛ حيث إننا لو فتحنا هذا الباب - وهو: أن أفعاله ﷺ تقع اتفاقًا بدون قصد -: للزم تعطيل أكثر أفعاله من الاستدلال بها، وهذا باطل، أما صلاته ﷺ على قتلى أحد: فليست هي صلاة الميت، وإنما هي صلاة وداع لهم كما كان يُودِّع الموتى الذين دُفنوا في البقيع أحيانًا، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة الفعلية" فيُعمل عندنا بالسنة الفعلية الأولى، ويلزم من فعله بهذا الوقت التحديد الشرعي، وعندهم: يُعمل بالسنة الفعلية الثانية، ولا يفهم من فعله التحديد.

стр. 844

فتجوز صلاة الإمام والآحاد عليه (بالنية إلى شهر)؛ لصلاته ﷺ على النجاشي كما في المتفق عليه عن جابر، وكذا غريق، وأسير ونحوهما، (١٥٠) وإن وُجد بعض ميت لم يُصلَّ عليه فككلَّه - إلا الشعر والظفر والسن - فيُغسَّل ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ثم إن وجد الباقي فكذلك، ويُدفن بجنبه، (١٥١) ولا يُصلَّى على مأكول ببطن آكل، ولا (١٥٠) مسألة: تصح الصلاة على المسلم الميت الغائب: سواء كان في بلد قريب أو بعيد، وسواء كان المصلي فردًا، أو جماعة: فيُوضع شيء أمامهم، ويصلون صلاة الجنازة كأنه أمامهم، بأن كان عند عدو، أو كان غريقًا لم يُستطع إخراجه، بشروط ثلاثة: أولها: أن لا يكون قد صُلِّي عليه، ثانيها: إن لا يمضي على دفنه أكثر من شهر تقريبًا، ثالثها: أن ينوي المصلي أن الميت الغائب بين يديه؛ للسنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد صلى على النجاشي؛ حيث إنه لم يُصلَّ عليه؛ لأنَّه مات بين مشركين، بينما لم يُصلّ على من مات من الصحابة وهم غائبون؛ لكونهم قد صُلِّي عليهم قال ذلك ابن القيم، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلَّى على أم سعد وقد مضى شهر على دفنها، فيُقيَّد بذلك الزمن - كما سبق في مسألة (١٤٩) - والأسير والغريق مثل النجاشي، وأم سعد؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" فإن قلتَ: لمَ اشترطت النية هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعله مقصودًا في الدعاء، فإن قلتَ: لمَ اشترط: أن لا يكون قد صُلِّي عليه؟ قلتُ: لأن صلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين، فيلزم من ذلك: عدم صحة الصلاة على غائب قد صُلِّي عليه. (١٥١) مسألة: إذا وُجد عضو من أعضاء مسلم ميت - لا تنفصل في العادة - كيد أو رجل: فيجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وإن وجد الباقي: فُعل به ذلك ودُفن بجنب قبره إن سَهُل؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه =

стр. 845

مستحيل بإحراق ونحوه، (١٥٢) ولا على بعض حي مدة حياته (١٥٣) (ولا) يُسنُّ: أن لو مات ووُجد كاملًا يجب تجهيزه فكذلك يُفعل ببعضه والجامع: أن كلًا منهما له حرمة المسلم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد صلَّى على عظام بالشام، وأبو أيوب قد صلى على رِجْل إنسان، وأبو عبيدة قد صلى على رؤوس وجدها، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام المسلم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط: أن لا ينفصل عنه عادة؟ قلتُ: لأن المنفصل عن المسلم عادة كالشعر والظفر، والسن لا يُجهَّز إذا وُجد بعد وفاته؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب تجهيز ذلك: للحق المسلم ضيق ومشقَّة؛ نظرًا لكثرتها وانتشارها في الأرض، ثم إن انفصال ذلك طبيعي، فلا يُقاس على العضو غير المنفصل. (١٥٢) مسألة: لا يُصلَّى على مسلم قد أكله سبع - كأسد - ولو كان هذا السبع مُشاهَدًا، وكذا لا يُصلَّى على المحترق احتراقًا صيَّره إلى رماد لا يُشاهد منه شيء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم القدرة على تغسيله وتكفينه: عدم الصلاة عليه؛ لأن التغسيل والتكفين شرطان من شروط صلاة الجنازة - كما سبق في مسألة (١٤٧) -، فإن قلتَ: لمَ لا يُصلَّى على هذين مع صحة الصلاة على الغائب - كما سبق في مسألة (١٥٠)؟ قلتُ: لوجود الفرق بينهما؛ حيث إنه قد غلب على ظننا وجود جثَّة الغائب تحت الأرض، فيحصل تصوُّرها وإن كان غائبًا، أما من أكله السبع، أو احترق - كما وصفنا -: فلا توجد جُثَّة مشاهدة له، ولا مُتصوَّرة، ومع الفرق فلا قياس. (١٥٣) مسألة: إذا انقطعت يد مسلم، أو رجله، أو أيُّ عضو من أعضائه، وكان هذا المسلم حيًا: فلا يُغسَّل، ولا يكفن، ولا يُصلَّى على ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من الصلاة على الميت هو: الدعاء له بالمغفرة، فيلزم من =

стр. 846

(يُصلِّي الإمام) الأعظم، ولا إمام كل قرية، وهو واليها في القضاء (على الغالِّ) وهو: من كتم شيئًا ممن غنمه؛ لما روي زيد بن خالد قال: توفى رجل من جُهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "صلوا على صاحبكم" فتغيَّرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: "إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله"، ففتَّشنا متاعه فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود ما يساوي درهمين، رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد (ولا على قاتل نفسه) عمدًا؛ لما روى جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ جاءوه برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه"، رواه مسلم وغيره، و "المشاقص": جمع مشقص كمنبر: نصل عريض أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك يُرمى به الوحش (١٥٤) (ولا بأس بالصلاة عليه) أي: على الميت ذلك: عدم الصلاة على هذا العضو؛ لكونه لا ثواب له، ولا عقاب عليه، ولأنه يؤدِّي إلى أن يصلي المسلم على بعض نفسه، وهذا غير متصوَّر عقلًا ولا شرعًا، وهذا هو المقصد. (١٥٤) مسألة: لا يُستحب أن يصلي الإمام أو نائبه: كأمير قرية، أو قاضيها على "الغالِّ" وهو: من كتم شيئًا مما غنمه في الجهاد في سبيل الله قبل قسمتها، ولا على "قاتل نفسه عمدًا" ولا على "من مات على معصية بلا توبة"، ويُباح أن يصلي عامة المسلمين على هؤلاء الثلاثة وعلى غيرهم من العصاة كالقاتل، والزاني، وشارب الخمر، والمقتول قصاصًا أو حدًّا، وجميع الفسَّاق؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "صلوا على صاحبكم" يقصد: "الغال"؛ حيث إنه أوجب على المسلمين الصلاة على الغالِّ؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وغيره من العصاة مثله؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد امتنع عن الصلاة على الغال، وعلى قاتل نفسه - كما رواهما زيد بن خالد، وجابر بن سمرة - =

стр. 847

(في المسجد) إن أَمِن تلويثه؛ لقول عائشة: "صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد" رواه مسلم، "وصُلِّي على أبي بكر وعمر فيه" رواه سعيد، (١٥٥) وللمصلي قيراط، وهو معلوم عند الله تعالى، وله بتمام دفنها آخر بشرط: أن لا يُفارقها من الصلاة حتى تدفن (١٥٦) فصل: في حمل الميت ودفنه: ويسقطان بكافر و"من مات على معصية بلا توبة" مثلهما؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: أنه ﷺ قد صلى على ماعز الأسلمي، وعلى الغامدية بعد رجمهما - لارتكابهما الزنا -؛ لكونهما قد تابا توبة نصوحًا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن عدم صلاة السلطان أو نائبه على هؤلاء الثلاثة فيه عقوبة لهم، وزجرًا وردعًا عن أن يفعل غيرهم مثل ما فعلوا، وأذن الشارع لعامة المسلمين بالصلاة عليهم؛ لكونهم بحاجة إلى الدعاء لهم بالمغفرة. (١٥٥) مسألة: تُباح الصلاة على الميت في المسجد: بشرط: أن يغلب على الظن عدم خروج نجاسة منه تُلون المسجد، ولكن الأفضل: أن يصلِّى عليه خارج المسجد؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: أن أكثر صلاة النبي ﷺ على الأموات كان خارج المسجد، ثانيهما: أنه ﷺ صلى مرة على رجل في المسجد، الثانية: الإجماع السكوتي؛ حيث إن عمر قد صلى على أبي بكر ﵁، وصهيب صلى على عمر ﵃ في المسجد من غير نكير من أحد من الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الصلاة عليه خارج المسجد فيه منع للمسجد من التلويث ببعض النجاسات التي تخرج عادة من الميت، إلا إذا أُمن ذلك فلا بأس، لتحقق عدم التنجيس، وفيه توسعة على المسلمين. (١٥٦) مسألة: إذا صلى المسلم على ميت: فله قيراط، وإذا صلى عليها وتبعها حتى تُدفن: فله قيراطان، و "القيراطان" مثل الجبلين العظيمين من الأجر =

стр. 848

وغيره كتكفينه؛ لعدم اعتبار النية (١٥٧) (ويُسن التربيع في حمله)؛ لما روى سعيد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "من اتبع جنازة: فليحمل بجوانب السرير كلها؛ فإنه من السنة، ثم إن شاء فليطوع وإن شاء فليدع" إسناده ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن كرهه الآجري وغيره إذا ازدحموا عليها، فيُسنُّ أن يحمله أربعة، و "التربيع": أن يضع قائمة السرير اليُسرى في المقدمة والثواب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن: فله قيراطان" فقيل: ما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين" وفي رواية: "أصغرهما مثل أحد"، فإن قلتَ: لمَ خُصَّت الصلاة والدفن هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تكريم للميت، وتفريح أهله الذين حزنوا بفقده، ولأن المقصود من تجهيز الميت هو: الصلاة عليه، ودفنه، ولجواز مشاهدة الميت في هاتين الحالتين، أما ما قبلهما - من تغسيل وتكفين -: فلا يجوز لأحد مشاهدته إلا للمغسِّل والمكفِّن ومعاونهما، فلذا لم يُذكرا هنا. (١٥٧) مسألة: يكفي في تكفين الميت وحمله ودفنه أيُّ شخص يقوم بها: سواء كان مسلمًا أو كافرًا: فلا يُشترط الإسلام لذلك؛ للتلازم؛ حيث إن هذه الأمور لا تُشترط النية فيها فيلزم إجزاء قيام الكافر بها عن فعل المسلم لها، فإن قلتَ: لمَ صحَ ذلك من الكافر في حين لا تصح صلاته عليه وتغسيله له؟ قلتُ: لأن النية مشروطة في الصلاة والطهارة، وصلاة الجنازة، وتغسيل الميت يدخلان في عموم الصلاة والطهارة فلا يصحَّان إلا من مسلم، لصحة نيته، بخلاف التكفين، والحمل، والدفن، فلا تحتاج إلى النية؛ لأنَّه مجرد عمل، لا دعاء فيه فتصح من الكافر، وهذا من باب التوسعة على المسلمين.

стр. 849

على كتفه الأيمن، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم يضع قائمته اليُمنى المقدمة على كتفه اليُسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة (١٥٨) (ويُباح) أن يحمل كل واحدة على عاتقه (بين العمودين)؛ لأنَّه ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين، (١٥٩) وإن كان الميت طفلًا: فلا بأس بحمله على الأيدي، ويُستحب أن يكون على نعش، (١٦٠) فإن كان (١٥٨) مسألة: يُستحب التربيع في حمل الجنازة وصفته: أن يضع قائمة السرير - وهو النعش - اليُسرى التي في المقدمة على كتفه الأيمن - وهي التي تلي يمين الميت من عند رأسه - ثم ينتقل إلى ما يليها في المؤخرة، ثم يتقدَّم فيضع قائمة السرير اليُمنى على كتفه الأيسر - وهي التي تلي يسار الميت من عند رأسه -، ثم ينتقل إلى ما يليها في المؤخرة، فيكون بذلك قد أخذ بقوائم السرير الأربع، وكره ذلك إن وجد ازدحام؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال ابن مسعود: "من اتبع جنازة فليحمل من جوانب السرير كلها؛ فإنه من السنة" وقول الصحابي "من السنة كذا" له حكم الحديث المرفوع، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعاقب في حمله، وتكثير الأجر، فإن قلتَ: لمَ كُرِه التربيع إن وجد ازدحام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة التنازع، ودفع المفسدة - وهي الفتنة والتنازع - مُقدَّم على جلب المصلحة - وهي: التحصيل على أجر التربيع. (١٥٩) مسألة: يُباح أن يقف بين العمودين الأيمن والأيسر ويجعلهما على عاتقيه - كتفيه - الأيمن والأيسر عند حمله للجنازة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك لما حمل جنازة سعد بن معاذ، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين في حمل الجنازة. (١٦٠) مسألة: يُستحب أن يُحمل الطفل الميت على نعش - وهو السرير - ويكون فيه مُستلقيًا على ظهره كالبالغ، ويُباح حمله على الأيدي بدون نعش؛ =

стр. 850

امرأة: استُحب تغطية نعشها بمكبَّة؛ لأنَّه أستر لها، ويُروى أن فاطمة صُنع لها ذلك بأمرها، ويُجعل فوق المكبَّة ثوب، وكذا إن كان بالميت حَدَب ونحوه، (١٦١) وكُره تغطيته بغير أبيض، (١٦٢) ولا بأس بحمله على دابة؛ لغرض صحيح كبُعْد قبره (١٦٣) (ويُسنَّ الإسراع بها) دون الخَبَب؛ لقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة: لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن عليًا قد حمل إبراهيم ابن النبي ﷺ على يديه حتى دُفن، ولم يُنكر ذلك النبي ﷺ ، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حمل الطفل على النعش فيه البعد عن ملامسة الميت باليد، وعن احتمال سقوطه، فإن قلتَ: لمَ أبيح حمله على الأيدي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، ولأن ملامسة الطفل باليد لا يثير الفتنة عادة. (١٦١) مسألة: يُستحب أن يُوضع على نعش المرأة مُكبَّة مصنوعة من خشب ونحوه، ويُوضع فوق تلك المكبَّة ثوب، وتكون كالقبَّة الصغيرة، وكذلك توضع تلك المكبَّة على كل ميت مشوَّه البدن: كحدب ونحوه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ستر لجسم المرأة وتقاطيعه، وفيه تحسين لمنظر الميت المشوَّه الجسم، وهذا كله لتكريم الميت. (١٦٢) مسألة: يُستحب تغطية الميت بثوب أبيض، ويُكره بغيره؛ للمصلحة؛ حيث إن البياض أمارة على الطهارة والنقاء والصفاء، لذلك: استحب أن يلبسه الأحياء، ويُكفَّن فيه الأموات - كما ورد في الحديث. (١٦٣) مسألة: يُباح أن يُحمل الميت على دابة أو سيارة، ونحوهما، بسبب بُعْد المقبرة، أو عظم بدن الميت، ويُكره أن تحمل بطريقة مزرية كحمله في زنبيل؛ للمصلحة؛ حيث إن حمله على دابة ونحوها فيه دفع مشقة حمله، وفي كراهية حمله بطريقة مزرية دفع إهانة المسلم.

стр. 851

فخير تُقدِّمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك: فشر تضعونه عن رقابكم" متفق عليه (١٦٤) (و) يُسنُّ (كون المشاة أمامها) قال ابن المنذر "ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵃ كانوا يمشون أمام الجنازة" (و) كون (الركبان خلفها)؛ لما روى الترمذي وصحَّحه عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "الراكب خلف الجنازة"، (١٦٥) وكُرِه ركوب (١٦٤) مسألة: يُستحب الإسراع في حمل الجنازة إلى القبر: بأن يمشوا بها سريعًا فوق المشي المعتاد ودون العدو - هو الركض والخَبَب - ولا يجوز أن يُمشى بها بطيئًا - خطوة خطوة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال: "أسرعوا بالجنازة" وصرفت السنة التقريرية هذا الأمر هنا من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث كان بعض الصحابة لا يُسرعون إذا حملوا جنازة، وكذلك لا يُبطئون، بل كانوا يمشون وعليهم السكينة، ولم يُنكر النبي ﷺ ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لمصلحة الحامل والمحمول - كما نص الحديث على ذلك -؛ حيث إن كان الميت المحمول صالحًا فيُسرع به حتى يصل إلى الخير الذي ينتظره، وإن كان فاسقًا فيُسرع به حتى يتخلَّص الحامل له من شرٍّ يحمله، فإن قلتَ: لمَ لا يشرع الركض به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في ارتجاج الميت، مما يؤدِّي إلى خروج بعض النجاسات، فيؤذي الحاملين، فإن قلتَ: لمَ لا يجوز المشي البطيء به؟ قلتُ: لأن هذا بدعة، لا أصل لها في الشريعة قد فعلها بعض الحكَّام ومن ينافقهم؛ لمخالفتها للنص الصريح في الحديث السابق، قال ابن القيم: "وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مخالفة للسنة، ومتضمِّنة للتشبيه بأهل الكتاب". (١٦٥) مسألة: يُستحب للمشاة على أقدامهم من المشيعين: أن يكونوا أمام الجنازة، ويستحب للركبان منهم: أن يكونوا خلفها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "الراكب خلف الجنازة" حيث دل مفهوم المكان على أن الماشي =

стр. 852

لغير حاجة، (١٦٦) وعَوْد (١٦٧) (ويُكره جلوس تابعها حتى توضع) بالأرض للدَّفن إلا لمن بَعُدَ؛ لقوله ﷺ : "من تبع جنازة: فلا يجلس حتى توضع" متفق عليه عن أبي سعيد، (١٦٨) وكُرِه قيامه لها إن جاءت، أو مرَّت به وهو لا يكون خلفها بل يكون أمامها أو مساويًا لها الثانية: اللسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يمشي أمام الجنازة، الثالثة: فعل الصحابي: حيث كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو هريرة، وابن الزبير ﵃ يمشون أمام الجنازة، فالسنة الفعلية وفعل الصحابي قد خصَّصا عموم مفهوم المكان من السنة القولية السابقة، وجعل الماشي أمام الجنازة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأصل: أن يكون الجميع أمام الجنازة؛ لأن المشيعين شفعاء للميت، والشفيع يتقدم عادة المشفوع له، ولكن شرع تأخير الركبان؛ لئلا يؤذي المشاة، أو تقلل من السكينة. (١٦٦) مسألة: يُكره ركوب المشيِّع للجنازة على دابة ونحوها لغير حاجة، أما إن وُجدت حاجة كضعفه فيُباح الركوب بلا كراهة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث رأى النبي ﷺ ناسًا ركبانًا في تشييع جنازة فقال: "ألا تستحون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّواب" - كما رواه ثوبان -، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الركوب بلا حاجة فيه نوع إهانة للميت، وللملائكة الذين مع المشيِّعين، أما إن وجدت حاجة فيُباح؛ لمراعاة أحوال الناس. (١٦٧) مسألة: يُباح أن يركب المشيع دابة ونحوها إذا عاد إلى بيته بعد دفن الجنازة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد تبع جنازة ابن الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس" - كما رواه جابر بن سمرة -، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لعدم وجود جنازة، فلا إهانة لأحد. (١٦٨) مسألة: يُكره جلوس المشيِّع للجنازة على الأرض قبل أن توضع تلك الجنازة على الأرض إلا إن وصل قبل وصولها بوقت طويل: فيجلس =

стр. 853

جالس (١٦٩) ورفع الصوت معها، ولو بقراءة، (١٧٠) وأن تتبعها امرأة، (١٧١) وحُرِّم: أن لانتظارها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من تبع جنازة: فلا يجلس حتى توضع على الأرض" وقد صرف فعل الصحابي هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ حيث ثبت أن بعض الصحابة كانوا يجلسون قبل وضع الجنازة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن جلوسه قبلها فيه نوع إهانة لها، وأُبيح جلوسه قبل وصولها؛ لأن وقوفه لانتظارها فيه مشقة عليه، فدفعًا للإهانة والمشقة شُرِع هذا. (١٦٩) مسألة: يُستحب أن يقوم الجالس إذا مرَّت به جنازة محمولة، ولو كانت جنازة كافر؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قام لجنازة يهودي فيلزم أن يُقام لجنازة المسلم من باب أولى من باب: "مفهوم الموافقة الأولى"، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لتعظيم أمر الله، وتعظيم القائمين به، والمشيعين والملائكة الذين يتبعون كل ميت، فإن قلتَ: إن القيام هنا مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك. (١٧٠) مسألة: يحرم رفع الصوت أثناء تشييع الجنازة وقبل دفنها: سواء في قراءة أو ذكر أو لا، ويحرم اتباعها بنار أو جمر ونحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ أن تُتَّبع الجنازة بصوت أو نار" فحرم ذلك؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم ولا يوجد صارف له، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للميت، وللملائكة الذين يمشون مع الميت، ولمخالفة أهل الكتاب الذين يفعلون ذلك في موتاهم، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد صارفاً قويًا للنهي الوارد في الحديث من التحريم إلى الكراهة. (١٧١) مسألة: يحرم أن تتبع المرأة الجنازة؛ للسنة القولية؛ حيث قالت أمُّ عطية: "نُهينا عن اتباع الجنائز" فحرم الشارع ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي =

стр. 854

يتبعها مع منكر إن عجز عن إزالته، وإلا: وجبت (١٧٢) (ويُسجَّى) أي: يُغطَّى ندبًا التحريم، ولا يوجد صارف له إلى الكراهة، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة شديدة الجزع، سريعة الانفعال، فلو تبعت الجنازة وحصل منها الجزع لأدَّى إلى ظهور بعض بدنها، وهذا يثير الفتنة، فدفعًا لذلك: حرم عليها ذلك، ودفع المفسدة - وهي: إثارة الفتنة - مقدَّم على جلب المصلحة - وهو: أجر اتباع الجنازة -، فإن قلتَ: إن اتِّباع المرأة للجنازة مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث قالت أمُّ عطية في الحديث السابق: "ولم يُعزم علينا" حيث يلزم من عدم العزم على المنع: أن الخروج والاتِّباع مكروه؛ إذ لو كان حرامًا: لعزم على المنع قلتُ: إن لفظ "ولم يُعزم علينا" يظهر منه: أنه من اجتهاد أمُّ عطية، وقول الصحابي واجتهاده لا يُعمل به إذا كان مُعارضًا للسنة القولية مع تأييد المصلحة لذلك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بالسنة على إطلاقها، ولا يوجد صارف للنهي، وعندهم: أن قول الصحابي هنا قد صرف النهي من التحريم إلى الكراهة. (١٧٢) مسألة: يحرم على المسلم أن يتبع جنازة قد أُحيطت بمنكرات كرفع صوت، أو وجود نيران، أو طبول أو مزامير، أو لطم خدود ونحو ذلك إن لم يقدر على إزالتها، وإن غلب على ظنه قدرته على إزالتها وإقناع الناس بأنها منكرة: فيجب عليه حضورها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" حيث أوجب الشارع تغيير المنكر على المستطيع؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن حضور المسلم لهذا واستماعه للمنكرات وسكوته -؛ لعدم مقدرته على إنكارها - يُفهم الآخرين: أنه مُقرٌّ لها، فيفعل الآخرون كما فعل، فينتشر الفساد بسبب ذلك، وتعم =

стр. 855

(قبر امرأة) وخنثى (فقط) ويُكره لرجل بلا عذر؛ لقول علي ﵁ وقد مرَّ بقوم دفنوا ميتًا، وبسطوا على قبره الثوب فجذبه - وقال: "إنما يصنع هذا بالنساء" رواه سعيد (١٧٣) (واللَّحد أفضل من الشق)؛ لقول سعد: "إلحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللِّبن نصبًا كما صُنِع برسول الله ﷺ " رواه مسلم و "اللحد" هو: أن يحفر إذا بلغ قرار القبر في حائط القبر مكانًا يسع الميت، وكونه مما يلي القبلة أفضل، و "الشَّقُّ": أن يُحفر في وسط القبر كالنهر، ويُبنى جانباه، وهو مكروه بلا عذر (١٧٤) المنكرات، ويصير المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا لذا حُرِّم؛ لأن دفع المفاسد وهو عدم الحضور لتلك المنكرات - مقدم على جلب المصالح وهو: أجر الحضور. (١٧٣) مسألة: يُستحب أن يُغطَّى قبر امرأة وخنثى حال إدخالهما القبر؛ لقول الصحابي؛ حيث رأى علي ﵁ قومًا دفنوا ميتًا وبسطوا على قبره ثوبًا لئلا يرى حين إدخاله فجذبه علي قائلًا: "إن هذا يُصنع بالنساء"، والخنثى كالمرأة؛ في هذا الحكم؛ احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون أنثى، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أستر لها. (١٧٤) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت في لحد القبر، وهو: أن يُحفر في مُنتهى القبر مكانًا في حائطه مما يلي القبلة فيوضع فيه الميت، ثم يُبنى باللِّبن والطِّين بحيث لا يمس التراب الميت، وهذا أفضل من "الشَّقِّ" وهو: أن يُشق وسط القبر شقًا كما يُشق النهر في وسط الوادي فيوضع الميت فيه، ثم يُبنى جانباه باللبن، ويُسقف بالحجارة ونحوها بحيث لا يمس التراب الميت وهو - أي: الشق - مكروه -، إلا إن تعذَّر اللَّحد ككون الأرض رخوة لا يثبت معه اللحد؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الصحابة الذين قاموا بدفن النبي ﷺ فعلوا اللَّحد - كما حكى ذلك سعد بن أبي وقاص، وطلب أن يُفعل به ذلك، وهذا يلزم منه =

стр. 856

كإدخاله خَشَبًا، وما مسَّته النار، ودَفْن في تابوت، (١٧٥) وسُنَّ: أَن يُوسَّع ويُعمَّق قبر بلا حدٍّ، ويكفي ما يمنع من السباع والرائحة، (١٧٦) ومن مات في سفينة، ولم يُمكن كراهة الشق بلا عذر فإن قلتَ: لمَ كان اللحد أفضل من الشق؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أستر للميت من الشق، فإن قلتَ: لمَ يُلحد تجاه القبلة؟ قلتُ: لأنها أشرف الجهات، فإن قلتَ: لمَ أُبيح الشَّق لعذر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المشقة والحرج عن الناس. (١٧٥) مسألة: يُكره وضع الخشب، وما مسَّته النار - مثل الآجر وهو: الطين المطبوخ بالنار - في القبر، وكذا: يُكره دفن الميت في تابوت - وهو صندوق يوضع فيه الميت ثم يوضع في القبر -؛ لقول الصحابي وهو من وجهين: أولهما: أن عمرو بن العاص قال: "لا تجعلوا في قبري خشبًا ولا حجرًا" والتابوت من الخشب، ثانيهما: أن زيد بن ثابت منع أن يوضع في قبره الآجر، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تفاؤل بأن لا تمسه النار، ولأن الأرض أكثر امتصاصًا لفضلات الميت من الخشب. (١٧٦) مسألة: يكفي في حفر القبر أدنى حفر بشرط: أن يكون مانعًا من نبش السباع للقبر ومانعًا من ظهور رائحة كريهة، لكن يُستحب: أن يُعمَّق في القبر، ويُوسَّع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في قتلى أحد -: "احفروا وأوسعوا، وعمِّقوا" وقد صرف قول الصحابي هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن ابن عمر ﵃ قد أوصى بأن يُحفر قبره قامة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من إطلاق الأمر بوجوب دفن الميت، وعدم تحديده بعمق معيَّن: أن يُفعل أيُّ شيءُ يطلق عليه قبر ودفن، ومن واراه عن الأنظار: فإنه يصدق أنه دفنه وقبره؛ لأن الأمر مطلق، ويكفي أدنى ما يُطلق عليه أنه امتثال للأمر، وهذا فيه تيسير على العباد.

стр. 857

دفنه: ألقي في البحر سلًّا كإدخاله القبر بعد غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، وتثقيله بشيء (١٧٧) (ويقول مُدخله) ندبًا (بسم الله وعلى ملَّة رسول الله)؛ لأمره ﷺ بذلك، رواه أحمد عن ابن عمر (١٧٨) (ويضعه) ندبًا (في لحده على شقِّه الأيمن)؛ لأنَّه يُشبه النائم، وهذه سنته، (١٧٩) ويُقدم بدفن رجل من يُقدَّم بغسله، (١٨٠) وبعد (١٧٧) مسألة: إذا مات مسلم في سفينة ولم يُتمكَّن من دفنه في الأرض: فإن يُغسَّل، ويُكفَّن ويُصلَّى عليه، ثم يُوضع عليه شيء ثقيل، ثم يُلقى في البحر سَلًّا كإدخاله في القبر، وصفته: أن يُجعل رأس الميت في الموضع الذي يكون فيه رجلاه فيما لو دُفن، ثم يُسلُّ فيه سَلًّا رفيقًا؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن الصحابة الذين دفنوا النبي ﷺ سَلُّوه في قبره من قبل رأسه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن هذا الفعل فيه منع للرائحة وفي وضع شيء ثقيل عليه سرعة استقراره في قاع البحر؛ لئلا يكون على سطح البحر، فيتأذى أقرباؤه. (١٧٨) مسألة: يُستحب أن يُقال عند إدخال الميت في قبره: "بسم الله، وعلي ملَّة رسول الله"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله وعلى ملَّة رسول الله" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البسملة تسبَّب البركة، وحتى يكون آخر عهده بالتوحيد. (١٧٩) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت في لحده على جنبه وشقِّه الأيمن؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُستحب أن ينام على شقه الأيمن كما ورد عنه ﷺ ، فكذلك الميت يوضع على شقه الأيمن والجامع: التفاؤل باليمين، وطلب البركة، في فعله، لذا كان ﷺ يحب التيامن في شأنه كله. (١٨٠) مسألة: إذا حصل تنازع في مَنْ يُقوم بدفن رجل: فإنه يُقدَّم من قُدِّم بغسله: فيتقدَّم وصيُّه، فإن تعذَّر: فأبوه وهكذا كما سبق في التنازع في غسله في مسألتي (٢٦ و ٢٩) وقد سبق الاستدلال على ذلك مع بيان المقصد من ذلك.

стр. 858

الأجانب محارمه من النساء، (١٨١) ثم الأجنبيات، (١٨٢) وبدفن امرأة محارمها الرجال، فزوج، فأجانب، (١٨٣) ويجب أن يكون الميت (مستقبل القبلة)؛ لقوله ﷺ في (١٨١) مسألة: إذا مات رجل بين نساء فقط: فيقمن محارمه بدفنه - وهنَّ من يحرم عليه أن يتزوجهن في حال حياته -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه أمن الفتنة، من فإن قلتَ: لمَ يُقدَّم في الدفن الرجال الأجانب على محارمه من النساء؟ قلتُ: لضعف النساء، وشدَّة جزعهنَّ. (١٨٢) مسألة: إذا مات رجل بين نساء أجنبيات عنه: فيجب أن يقمن بدفنه، ولا يتركنه؛ للمصلحة؛ حيث إن تركه بدون دفن فيه ضرر ظهور رائحته الكريهة، وفيه إكرام له فوجب عليهن ذلك، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك عليهن مع عدم جواز غسله عليهن ولو لم يوجد غيرهن؟ قلتُ: لعدم وجود مس ولا نظر إلى الميت في الدفن، بخلاف الغسل والتكفين. (١٨٣) مسألة: إذا ماتت امرأة: فإن الذي يدفنها محارمها من الرجال - وهم الذين لا يجوز لهم الزواج منها في حال حياتها -، ويقدم في ذلك الأقرب فالأقرب: فيقدم الأب، ثم الجد وإن علا ثم الابن، ثم ابن الابن وإن نزل، وهكذا، فإن لم يوجد واحد منهم: قام بذلك زوجها وسيدها - إن كانت أمة -، فإن لم يوجد من سبق: قام بدفنها الأجانب؛ لقاعدتين: الأولى: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما أن محارم المرأة من الرجال أولى بها في حال حياتها فكذلك أولى بها بعد مماتها، والجامع: جواز انكشافها لهم، ثانيهما: كما يجوز للزوج والسيد أن يُغسِّلا الزوجة والأمة فكذلك يجوز أن يقوما بدفنها، والجامع: أن الزوجية لا تنقطع بعد الموت بدليل الإرث والعدة الثانية: المصلحة؛ حيث إن تركت بلا دفن مع عدم المحارم: فإن ذلك فيه ضرر ظهور رائحة كريهة من الميتة، فإكرامًا للناس ولها: شرع دفن الأجانب لها.

стр. 859

الكعبة -: "قبلتكم أحياء وأمواتًا"، (١٨٤) وينبغي أن يُدنى من الحائط؛ لئلا ينكبُّ على وجهه، وأن يُسند من ورائه بتراب؛ لئلا ينقلب، ويُجعل تحت رأسه لبنة، (١٨٥) ويُشرج اللّحد باللّبِن، ويُتعاهد خلاله بالمدر ونحوه، ثم يُطيَّن فوق ذلك، (١٨٦) وحثو التراب عليه ثلاثًا باليد، ثم يُهال، (١٨٧) (١٨٤) مسألة: يجب أن يُوجَّه الميت إلى القبلة حين وضعه في قبره، فيكون مستقبلًا لها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "القبلة قبلتكم أحياء وأمواتًا" فيجب استقبال تلك الكعبة في حال الصلاة وحال الموت، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنزيل الميت بمنزلة المصلي، ولأن القبلة أشرف الجهات. (١٨٥) مسألة: يُستحب أن يوضع الميت قريبًا جدًا من حائط اللَّحد، وأن يُسند ظهره بشيء من التراب؛ ويوضع تحت رأسه لبنة أو بعض التراب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنعه من الانكباب على وجهه، ويمنعه من الانقلاب على ظهره والاستلقاء، ويُؤمَّن رأسه من السقوط. (١٨٦) مسألة: بعد وضع الميت في لحده: يُبنى اللحد باللِّبن، ويُضم بعضها إلى بعض حتى يُسدُّ على الميت تمامًا، ويوضع بين اللّبن بعض الطين الرطب حتى يلتصق بعضها ببعض؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من وصول التراب إلى الميت عند دفنه، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك مع أن الميت سيكون ترابًا عما قريب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تطييب لنفوس أهل الميت، فائدة: قوله: "ويُشرج اللبن" مراده: ضم بعض اللبن إلى بعض - كما في اللسان (٢/ ٣٠٥) - وقوله: "ويتعاهد خلاله بالمدر" مراده: يوضع بين اللبن قطع من اللبن الصغيرة - كما في الصحاح (٢/ ٨١٣) -. (١٨٧) مسألة: يُستحب - بعد بناء اللَّبن على الميت - أن يحثي كل واحد من الحاضرين ثلاث حثيات من التراب بيده، ثم يقوم الجميع بالاشتراك في إهالة =

стр. 860

وتلقينه، (١٨٨) والدعاء له بعد الدفن عند القبر، (١٨٩) ورشُّه بماء بعد وضع حصباء عليه (١٩٠) (ويُرفع القبر عن الأرض قدر شبر)؛ لأنَّه " ﷺ رُفع قبره عن الأرض وصبِّ التراب في القبر بأيديهم أو بآلة كبيرة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اشتراك كل واحد من الحاضرين بنصيب من الأجر، وصبِّ التراب بآلة فيه الإسراع بدفنه، وهو موافق لمشروعية الإسراع بتجهيز الميت، فائدة: قوله: "ثم يُهال" أي: يُرسل التراب ويُصبُّ من غير تقدير - كما في الصحاح (٥/ ١٨٥٥) -. (١٨٨) مسألة: لا يُشرع تلقين الميت بشيء بعد دفنه، بل إن هذا بدعة؛ للاستقراء؛ حيث إنه لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه أنهم فعلوا ذلك بموتاهم، فيكون من المحدثات، وكل محدثة بدعة، وهذا ثابت بالاستقراء والتتبع لأحوالهم، فإن قلتَ: بل يُستحب تلقين الميت - وهو الذي ذكره المصنف هنا - بأن يُقال عند القبر: "يا فلان أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله … " للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لقنوا موتاكم" قلتُ: المراد من الحديث: أن يُلقّن المحتضر وهو الذي شارف على الهلاك، وقد سبق بيانه في مسألة (١٠) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "التعارض بين السنة القولية والاستقراء" فعندنا: يُعمل بالاستقراء هنا؛ لأن المراد من السنة القولية هنا عندنا غير المراد بها عندهم، وعندهم: يعمل بالسنة. (١٨٩) مسألة: يُستحب أن يقف الحاضرون بعد الدفن مباشرة ويدعون للميت، ويستغفرون له، ويسألون الله أن يُثبِّته بالقول الثابت في الآخرة كما كان في الدنيا؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث كان ﷺ : إذا فرغ من دفن الميت وقف على قبره قائلًا: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل" وهو واضح المقصد. (١٩٠) مسألة: يُستحب أن يوضع فوق القبر بعض الحصباء - وهي: الحجارة الصغيرة -، ثم يُرشُ بعد ذلك الماء عليه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل =

стр. 861

قدر شبر" رواه السَّاجي من حديث جابر، ويُكره فوق شبر (١٩١) ويكون القبر (مسنَّمًا)؛ لما رواه البخاري عن سفيان التمار: أنه رأى قبر النبي ﷺ مُسنَّمًا، (١٩٢) لكن من دُفن بدار حرب؛ لتعذُّر نقله: فالأولى تسويته بالأرض، وإخفاؤه (١٩٣) (ويُكره تجصيصه) وتزويقه، وتخليقه، وهو بدعة (والبناء) عليه، لاصقة أو لا؛ لقول جابر: "نهي رسول الله ﷺ أن يُجصِّص القبر وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه" رواه ذلك في قبر سعد بن معاذ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك يمنع التراب من الابتعاد عن القبر، وقد يؤدِّي ذلك إلى ظهور الميت أو بعضه، فدفعًا لذلك شُرع. (١٩١) مسألة: يُستحب أن يُرفع التراب الذي يُوضع على القبر قدر شبر المتوسط من الرجال - وهو المسافة بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، ويُكره أن يُرفع أكثر من ذلك؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الذين دفنوا النبي ﷺ من الصحابة قد رفعوا قبره قدر شبر - كما رواه جابر - ودل مفهوم العدد منه على كراهية رفعه أكثر من شبر، فإن قلتَ: لمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن رفعه قدر شبر يمنع أن يطأه أحد، وهو يكفي في تعريفه؛ ليزار، وكُرِه رفعه أكثر من شبر؛ لئلا يقرب من البناء عليه المنهي عنه. (١٩٢) مسألة: يُستحب أن يُجعل القبر مُسنَّمًا: بأن يكون على شكل سنام البعير، لفعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة الذين دفنوا النبي ﷺ جعلوه كذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من أن يمشي عليه أحد؛ لإكرام الميت. (١٩٣) مسألة: يُستحب أن يُسوَّى قبر المسلم الذي دُفن في بلاد الكفار بالأرض، فلا يُرفع قدر شبر، ولا يُسنَّم؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إخفاء له وحمايته من أن ينبشه الكفار فيمثِّلوا به.

стр. 862

مسلم (و) تُكره (الكتابة والجلوس والوطء عليه)؛ لما روى الترمذي، وصحَّحه من حديث جابر مرفوعًا: "نهى أن تجصَّص القبور، وأن يُكتب عليها وأن توطأ" وروي مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" (و) يُكره (الاتكاء إليه)؛ لما روى أحمد: أن النبي ﷺ ورأى عمرو بن حزم مُتكئًا على قبر فقال: "لا تُؤْذه"، (١٩٤) ودفن بصحراء أفضل؛ لأنَّه ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع، سوى النبي ﷺ ، واختار صاحباه (١٩٤) مسألة: يحرم تبييض القبر بالجص، أو بالبويات الحديثة، ويحرم تطييبه، والبناء عليه، والكتابة عليه: سواء كتب اسمه أو لا للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد نهى عن تخصيص القبر، والبناء عليه، والكتابة عليه، والنهي مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك قد يؤدِّي إلى تعظيم صاحب القبر، مما قد يفضي إلى عبادته أو التوسَّل به فسدًا ذلك: فإن قلتَ: إن ذلك كله مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد صارفًا للنهي الوارد في الحديث من التحريم إلى الكراهة. [فرع]: يُكره الجلوس على القبر، والوطء والاتكاء عليه، ووضعه كمخدَّة؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن الوطء على القبر، ونهى عمرو بن حزم عن الاتكاء عليه قائلًا: "لا تُؤْذِه" والجلوس عليه وطء وزيادة فيأخذ حكمه من باب "مفهوم الموافقة الأولى"، والسنة القولية الأخرى قد صرفت النهي هنا من التحريم إلى الكراهة؛ حيث قال ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" فيلزم من لفظ "خير" هنا: أن الجلوس على القبر مكروه؛ لأن الخيرية لا تكون إلا بين أمرين متفاضلين، ولا عقاب في ذلك، وهو حدُّ المكروه، والجلوس: وطء واتكاء وزيادة، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الجلوس والاتكاء والوطء على القبر فيه إهانة للميت، ومضايقة لأهله فكره لرفع ذلك.

стр. 863

الدفن عنده؛ تشرُّفًا وتبركًا، وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع، (١٩٥) ويُكره الحديث في أمر الدنيا عند القبور، (١٩٦) والمشي بالنعل فيها إلا خوف نجاسة أو (١٩٥) مسألة: يُستحب أن يُدفن الموتى بالصحراء خارج البلد: بأن يُوضع مكان يُسوَّر ويُخصَّص لدفن الموتى - ويُسمَّى بـ "المقبرة" سوى النبي ﷺ ؛ حيث إنه دفن في الموضع الذي مات فيه، وقد اختار أبو بكر ﵁ أن يُدفن بجانب النبي ﷺ ، واختار عمر ﵁ أن يُدفن بجانب أبي بكر؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "يُدفن الأنبياء حيث يموتون" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يدفن من مات من أصحابه في "البقيع" وهو مكان كان خارج المدينة المنورة، الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن الذين دفنوا أبا بكر وعمر لم يدفنوهما في "البقيع" وإنما دفنوهما في حجرة عائشة مع النبي ﷺ ، استجابة لرغبتهما، فإن قلتَ: لمَ استُحب أن يُدفن الموتى في الصحراء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للساكنين مما قد يظهر من الروائح الكريهة من الموتى، فإن قلتَ: لمَ يُدفن الأنبياء في الموضع الذي ماتوا فيه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للقبر أن يُتخذ مسجدًا، تنبيه: قوله: "تبركًا" يشير به إلى أن أبا بكر وعمر ﵃ قد اختارا أن يُدفنا عند قبر النبي ﷺ ليتبركا به، قلتُ: هذا لا يليق، فالأولى حذف تلك الكلمة، تنبيه آخر: قوله: "وجاءت أخبار على دفنهم كما وقع" قلتُ: لم أجد ذلك. (١٩٦) مسألة يُكره التحدُّث، والكلام في أمور الدنيا من أموال، وأولاد، وزوجات، ونحو ذلك في أثناء حمل أو دفن الجنازة، أو بعد ذلك بين القبور؛ للمصلحة؛ حيث إن حضور ذلك ينبغي أن يكون مُنبهًا له ومُذكِّرًا أن هذا المكان مصير كل حي: سواء طال الأمد أو قصر فعليه أن يستعدَّ للرحيل كما رحل غيره، وهذا كفيل بأن يصرف كل إنسان عن الكلام في الدنيا.

стр. 864

شوك، (١٩٧) وتبسُّم وضحك أشد، (١٩٨) ويحرم إسراجها، واتخاذ المساجد، (١٩٩) والتخلَّي عليها وبينها (٢٠٠) (ويحرم فيه) أي: في قبر واحد (١٩٧) مسألة: يُكره أن يمشي المسلم بالنعل في المقبرة بلا عذر، أما إن وجد عذر كوجود نجاسة، أو حجارة حادة، أو حرارة أرض أو برودتها، أو شوك مؤذٍ فيُباح المشي بالنعل فيها، ويُباح المشي بالخف بعذر أو بغيره؛ للمصلحة؛ حيث إنه كُره المشي بالنَّعل لإكرام الموتى؛ لأن المقبرة دارهم، ومحل تزاورهم، وأفنية قبورهم، وأُبيح المشي بالخف لمشقة نزعه، لذا مُسح عليه عند الوضوء، وأُبيح لبس النعل إذا وجد عذر؛ لدفع الضرَّر من شوك وغيره، وعدم التعرض للنجاسة. (١٩٨) مسألة: يُكره الضحك والتبسُّم، وإظهار البهجة والسرور أثناء تشييع الجنازة ودفنها، وبعد الفراغ منها بقليل في المقبرة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا لا يُناسب المقام؛ حيث إن إظهار السرور في مصيبة الآخرين يشق عليهم، ويُضايقهم. (١٩٩) مسألة: يحرم إسراج القبور وإنارتها، أو بينها، وكذا: بناء المساجد عليها: سواء كانت قبور أنبياء أو لا؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لعن الله زوَّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ثانيهما: قوله ﷺ : "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" حيث حرَّم الشارع ذلك؛ لأن "اللَّعن" هو: الطرد من رحمة الله، وهو عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إسراج القبور والبناء عليها يؤدِّي إلى تعظيم أصحابها، مما قد يؤدِّي إلى الشرك، فسدًّا لذلك: حُرِّم، وقد أطال ابن القيم الكلام عن ذلك. (٢٠٠) مسألة: يحرَّم التبوُّل والتغوُّط على القبور أو بينها؛ للمصلحة؛ حيث إن المقبرة دار الأموات، ومحل تزاورهم، وأفنية قبورهم، فيحرم فعل ذلك كما يحرم فعله في دارهم في الدنيا، وفعله في أسواقهم، وطرق ممشاهم.

стр. 865

(دفن اثنين فأكثر) معًا؛ أو واحدًا بعد آخر قبل بلاء السابق؛ لأنَّه ﷺ كان يدفن كلَّ ميت في قبر، وعلى هذا استمر فعل الصحابة، ومن بعدهم، (٢٠١) وإن حفر فوجد عظام ميت: دفنها، وحفر في مكان آخر (٢٠٢) (إلا لضرورة): ككثرة الموتى، وقلَّة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم؛ لقوله ﷺ يوم أُحُد -: "ادفنوا الاثنين والثلاثة في (٢٠١) مسألة: يُكره دفن اثنين فأكثر في قبر واحد لغير ضرورة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يدفن كل صحابي في قبر منفردًا، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يدفنون كل ميت منهم في قبر منفردًا، وهذا يدل على استحباب دفن كل واحد في قبر منفردًا، ويلزم منه: كراهية مخالفته؛ فإن قلتَ: إن هذا محرَّم - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، وهذا الفعل من النبي ﷺ والصحابة لا يدل على تحريم غيره، فإن قلتَ: لم كُرِه ذلك؟ قلتُ: لأن العادة جرت: أن الشخص لا يُحب أن يُشاركه أحد في منزله في الدنيا، فكذلك الحال في الآخرة. [فرع]: إذا بَلَت عظام الميت وصارت قريبة من التراب: فإنه يستحب أن يدفن فيه آخر كما يُفعل في البلاد الجبلية كِمكَّة والمدينة ونحوهما؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو دُفن كلُّ ميت في قبره منفردًا لا يُشاركه فيه غيره وإن بَلَت عظامه: لما وجد الناس الأحياء أرضًا يُقيمون عليها، ويزرعون فيها، فدفعًا لذلك: شرع هذا الحكم. (٢٠٢) مسألة: إذا حفر مسلم قبرًا يُريد دفن ميت فوجد عظامًا كثيرة لميت سابق: فإنه يدفنها في محلها ولا يُحركها، ويحفر لميته قبرًا آخر، أما إن وجد عظامًا قليلة: فإنه يجمعها بجانب من القبر - كما يصنع أهل الحجاز في قبورهم - ثم يدفن ميته بجانبها؛ للمصلحة التي ذكرناها في الفرع السابق، ولما ذكرناه في مسألة (٢٠١).

стр. 866

قبر واحد" رواه النَّسَائِي، (٢٠٣) ويُقدَّم الأفضل للقبلة، وتقدَّم، (٢٠٤) (ويُجعل بين كل اثنين حاجز من تراب)؛ ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد، (٢٠٥) وكُرِه الدفن (٢٠٣) مسألة: إذا وُجدت ضرورة أو حاجة لدفن أكثر من ميت في قبر واحد: كوجود حرب، أو مرض، وخيف على الموتى من الفساد، وظهور رائحة كريهة منهم: فيُستحب: أن يُجمع الاثنين أو الثلاثة أو الأكثر من ذلك في قبر واحد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد" - يقصد قتلى أُحُد - وغير ذلك من الأمراض مثل الحروب؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، وفعل الصحابي هو الذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث إن بعض الصحابة قد دفنوا كل واحد في قبر واحد في بعض الحروب؛ فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن الأموات والأحياء، ودفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة. (٢٠٤) مسألة: إذا دُفن اثنان فأكثر في قبر واحد: فيُستحب أن يُقدَّم إلى جهة القبلة أفضلهم وهو: أقرؤهم وأعلمهم، ثم أكثرهم سنًا، ثم أقدمهم إسلامًا، ثم أقدمهم هجرةً وهكذا كما قلنا في الإمامة، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ أمر بتقديم الأكثر قرآنًا إلى القبلة في دفن الاثنين والثلاثة من قتلى أحد، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه إذا صُلِّي على مجموعة من الموتى: فإنه يُقدَّم الأفضل إلى الإمام فكذلك يُقدَّم الأفضل إلى القبلة في القبر، والجامع: تقديم الأفضل في كل، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القبلة أشرف الجهات، فيُقدَّم أشرفهم وأفضلهم وأكرمهم إليها؛ ليتأسَّ به من يعلم ذلك. (٢٠٥) مسألة: إذا دُفن اثنان أو أكثر في قبر واحد: فيُستحب أن يُجعل بين كل اثنين حاجز من تراب؛ للقياس: بيانه: كما يُستحب أن يُدفن كل واحد في قبر =

стр. 867

عند طلوع الشمس، وقيامها، وغروبها، (٢٠٦) ويجوز ليلًا (٢٠٧) ويُستحب جمع منفرد، فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: تكريم الميت بانفراده بمحمل منعزل عن الآخر، وهو المقصد الشرعي. (٢٠٦) مسألة: يُكره دفن الموتى في ثلاث أوقات: "عند طلوع الشمس" و "عند وقوفها في كبد السماء" و"عند غروبها"؛ للسنة القولية؛ حيث قال عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى يميل، وحين تضيِّف الشمس للغروب حتى تغرب"، والسنة القولية هي التي صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ حيث قال ﷺ : "أسرعوا بالجنازة … " والإسراع بذلك يلزم منه دفنها في أيِّ وقت، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن طلوع الشمس وغروبها وقت عبادة المشركين، فتكره موافقتهم لذلك، ولأن وقوف الشمس وقت تسعير النار، فكره أن يدفن فيه؛ تفاؤلًا. (٢٠٧) مسألة: يُباح دفن الميت في الليل؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد دفن ذا النجادين في غزوة تبوك ليلًا، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد مرَّ بقبر فقال: "من هذا؟ " قالوا: فلان دفن البارحة، فصلى عليه، ولم يُنكر ذلك، الثالثة: فعل الصحابي حيث إن عليًا ﵁ قد دفن فاطمة ليلًا، وأبا بكر ﵁ دُفن ليلًا، فإن قلتَ: لمَ أبيح لك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. [فرع]: يُستحب دفن الموتى نهارًا؛ للمصلحة؛ حيث إنه في النهار يكثر المصلون، والمشيّعون، والحاضرون للدفن، والداعون للميت بعد الدفن بالثبات، وفي ذلك مصلحة للمدفون.

стр. 868

الأقارب في بقعة؛ لتسهل زيارتهم (٢٠٨) قريبًا من الشهداء والصالحين؛ لينتفع بمجاورتهم (٢٠٩) في البقاع الشريفة، (٢١٠) ولو وصَّى أن يُدفن في مُلكه: دُفن (٢٠٨) مسألة: يُستحب أن يُدفن الأقارب في بقعة من الأرض متجاورين يعرفها أقاربهم إن سهل ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تسهيل زيارتهم لهم. (٢٠٩) مسألة لا يُستحب أن يُدفن الميت في بقعة يكثر فيها الشهداء والعلماء والصالحون؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ حيث دلت هذه الآية على أن الإنسان لا ينفعه إلا ما عمله في حياته فقط، أما بعد موته فلن ينفعه قربه من قبر آخر فإن قلتَ: إنه يُستحب ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إنه ينتفع بمجاورتهم قلتُ: هذا مخالف للآية مخالفة صريحة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع "الكتاب" فعندنا: يعمل بالآية وعندهم بالمصلحة حيث خصصت عموم الآية عندهم. (٢١٠) مسألة: لا يُستحب أن يُدفن الميت في بقعة شريفة كالمدينة ومكة ونحوهما؛ للكتاب، وقد سبق ذكر ذلك في مسألة، (٢٠٩)، فإن قلتَ: بل يُستحب ذلك لقول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ سأل الله الشهادة في سبيل الله والموت في بلد رسول الله ﷺ ، قلتُ: هذا مخالف لعموم الآية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع الكتاب" فعندنا: يعمل بالكتاب بعمومه، وعندهم: يعمل بقول الصحابي، وهو مخصص لعموم الآية. [فرع]: إذا اقتضت المصلحة بأن يُخرج الميت من قبره لُيدفن في موضع آخر كان يُخرج لأجل شق طريق للناس فيُباح ذلك؛ للمصلحة؛ وهي واضحة. [فرع آخر]: يُباح نقل الميت من بلد إلى بلد آخر ليُدفن فيه؛ لقول وفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر أوصى بأن يُدفن في "سرف" - وهو: موقع يبعد عن مكة بعشرة أميال - وسعد بن أبي وقاص، وسعد بن زيد قد ماتا في العقيق فحُملا إلى المدينة، ولا =

стр. 869

مع المسلمين (٢١١) من سبق إلى مسبَّلة: قُدِّم، ثم يُقرع، (٢١٢) وإن ماتت ذمِّية حامل من مسلم: دفنها مسلم وحدها إن أمكن، وإلا فمعنا على جنبها الأيسر، وظهرها إلى القبلة (٢١٣) (ولا تكره القراءة على القبر)؛ لما روى أنس مرفوعًا قال: شك بوجود بعض الصحابة مع الحاملين، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال المسلمين. (٢١١) مسألة: إذا أوصى مسلم بأن يُدفن - بعد موته - فيما يملكه من أرض أو دار أو بستان: فإن تلك الوصية لا تُنفَّذ، بل يُدفن مع عامة المسلمين في المقبرة المعدَّة لذلك؛ للمصلحة؛ حيث إنَّ تنفيذ ذلك يُلحق ضررًا بورثته في حين أنه لن ينتفع بذلك، فدفعًا لذلك شرع هذا الحكم أصله قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". (٢١٢) مسألة: إذا وجد ميِّتان، ولم يُوجد في المقبرة المسبَّلة والوقف إلا قبر واحد: دُفن فيه أسبقهما إليه، ويُدفن الآخر في مكان آخر، فإن وصلا إليها معًا: أقرع بينهما: فمن أصابته القرعة: دفن في هذا القبر، ويُدفن الآخر في مكان آخر؛ للقياس، بيانه: كما أن من سبق إلى مكان في المسجد هو أحقُّ به، وإن وصلا إليه معًا: أقرع بينهما، فكذلك الحال في المقبرة والجامع: أن كلًا منهما ليس ملكًا لأحد، بل هو حق لمن سبق إليه، أو يُقرع إذا وصلا معًا؛ لأنَّه ليس أحدها بأولى من الآخر فيه، وهذا فيه تطييب لنفوس أهل الميت. (٢١٣) مسألة: إذا ماتت ذمِّية - يهودية أو نصرانية - وهي حامل من مسلم بسبب زواجه بها: فإنها تُدفن وحدها - لا مع الكفار ولا مع المسلمين -، هذا إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن ذلك: فإنها تُدفن في مقابر المسلمين على جنبها الأيسر ويكون ظهرها متجهًا إلى القبلة، فيكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة؛ للمصلحة؛ حيث إنها لو دُفنت في مقابر المسلمين لتأذى =

стр. 870

"من دخل المقابر فقرأ فيها يس: خُفِّف عنهم يومئذ وكان له بعددهم حسنات" وصح عن ابن عمر: "أنه أوصى إذا دُفن أن يُقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها" قاله في "المبدع" (٢١٤) (وأيُّ قربة) من دعاء، واستغفار، وصلاة وصوم، وحج، وقراءة وغير ذلك (فعلها) مسلم (وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي: نفَعَه ذلك) قال أحمد: "الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه ذكره المجد وغيره، (٢١٥) المسلمون بعذابها، وإن دُفنت في مقابر الكفار لتأذى الجنين بعذابهم، وإن تعذَّر ذلك: فتُدفن في مقابر المسلمين على الطريقة السابقة ضرورة؛ لئلا تبقى بدون دفن، ولئلا تدفن مع الكفار فيتأذى الجنين بعذابهم، فلذلك شرع هذا. (٢١٤) مسألة: تُكره القراءة بشيء من القرآن عند الفراغ من دفن الميت بجانب قبره، للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يُؤدِّي إلى الشعور بالانتفاع بصاحب القبر، أو تعظيمه، أو عبادته فسدًا لذلك: كُرِه، وهو من باب "سد الذرائع"، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك، ولم يُحرَّم؟ قلتُ: لأن هذه المفسدة محتملة: فقد تحصل، وقد لا تحصل، فإن قلتَ: لا يُكره ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من دخل المقابر فقرأ فيها "يس": خُفِّف عنهم يومئذٍ" الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد أمر بأن يُقرأ على قبره آيات من القرآن قلتُ: هذان لا يصلحان للاحتجاج بهما؛ نظرًا لضعفهما كما قال بعض أهل العلم فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض المصلحة مع السنة القولية وقول الصحابي" فعندنا: يعمل بالمصلحة؛ لضعف السنة القولية وقول الصحابي هنا، وعندهم: يعمل بالسنة وقول الصحابي؛ لقوتهما. (٢١٥) مسألة: إذا فعل زيد المسلم أيَّ شيء فيه قربة وطاعة: كالدعاء، والاستغفار والذكر، وقراءة القرآن، والصلاة، والصيام، والصدقة، والحج والعمرة، ثم نوى أجره وثوابه لعمرو المسلم: فإن ذلك يصل إلى عمرو، ويكون له ذلك الأجر وينفعه: سواء كان ميتًا أو حيًا؛ لقاعدتين: الأولى: =

стр. 871

وحتى لو أهداه للنبي ﷺ : جاز، ووصل إليه السنة القولية: حيث إن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ قائلًا: إن أمي ماتت أينفعها إذا تصدَّقتُ عنها؟ قال: "نعم"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يدعو لبعض الصحابة بعد موتهم كأبي سلمة، فلو لم يكن نافعًا لما دعا لهم، لكونه لا يفعل العبث والحي كالميت في ذلك، والأعمال الأخرى مثل الصدقة والدعاء؛ لعدم الفارق؛ من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يُعتبر بابًا من أبواب الخير للأموات، يُخفِّف عنهم بعض ما يجدون من العذاب والضيق في القبور، فإن قلتَ: لا يصل إلى الميت شيء من الطاعات التي يفعلها له الحي، وهو قول الشافعي، وبعض العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ حيث أثبت للإنسان نفع سعيه، ونفى نفع سعي غيره وإن نواه له؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" حيث أثبت انقطاع ما ينتفع المسلم به من الأعمال إذا مات، ونفى انقطاع ما أثبته هو لنفسه من وضعه للصدقة الجارية، أو العلم، أو الولد؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وعلى ذلك: فلا يصل إليه ما فعله غيره له من باب التلازم قلتُ: إن هذين النصّين عامان - "وهما الآية والحديث" -، وقد خُصِّصا بالسنة القولية، والفعلية اللَّتين ذكرناهما في أول المسألة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض النصوص" فعندنا إن السنة القولية الأولى والسنة الفعلية قد خصَّصا عموم الكتاب والسنة القولية الثانية وعندهم: لم يقويا على تخصيصهما.

стр. 872

الثواب (٢١٦) (ويُسنُّ أن يُصلَّح لأهل الميت طعام يُبعث به إليهم) ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يُشغلهم" رواه الشافعي وأحمد، والترمذي، وحسَّنه (ويُكره لهم) أي: لأهل الميت (فعله) أي: فعل الطعام (للناس)؛ لما روى أحمد عن جرير قال: "كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة" وإسناده ثُقات (٢١٧) ويُكره الذبح عند القبر، والأكل (٢١٦) مسألة: يُباح أن يُهدي المسلم ثواب القرب إلى النبي ﷺ : "من صلاة وصيام وحج وصدقات، ودعاء ونحوها، ويصل إليه ذلك؛ لقاعدتين وهما: السنة القولية والفعلية كما سبق ذكرهما في مسألة (٢١٥) والنبي ﷺ يدخل في عموم الخطابات الموجهة إلى عامة المسلمين إذا لم يوجد دليل يُخصِّصه ويُخرجه عن ذلك، وهنا لم يوجد شيء من ذلك، فيدخل معهم، ويكون حكمه حكمهم، وكذا: "يدخل المخاطِب ضمن الخطابات التي يوجهها إلى الآخرين". (٢١٧) مسألة: يُستحب أن يصنع بعض الناس - من أقارب أو جيران - طعامًا ويبعثون به إلى أهل الميت - وهم الذين كان ميتهم يُنفق عليهم - وذلك لمدة ثلاثة أيام من موت الميت، ولكن يُكره أن يصنع أهل الميت أنفسهم طعامًا ليأكله من يأتي إليهم؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما علم بمقتل جعفر بن أبي طالب في معركة مؤتة قال: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يُشغلهم" وقد صرفت السنة التقريرية هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؛ حيث كان بعض الصحابة لا يصنع طعامًا لأهل الميت ولم يكن ﷺ يُنكر ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما يُستحب للمسلم إذا لاقى واحدًا من أقرباء الميت في الطريق أن يُعزِّيه في وقت لا يتعدّى ثلاثة أيام، فكذلك يُستحب صنع الطعام هذه المدة، والجامع: أن كلًا منهما واقع في وقت يكون الحزن فيه طريًا فيوافق محلَّه، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن =

стр. 873

منه؛ لخبر أنس: "لا عَقْر في الإسلام" رواه أحمد بإسناد صحيح، وفي معناه: الصدقة عند القبر، فإنه مُحدث، وفيه رياء (٢١٨) فصل: (تسنُّ زيارة القبور) وحكاه النووي جرير البجلي قال: "كنا نُعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة" و"من" هنا للتبعيض، فيكون الاجتماع مع أهل الميت، وإعدادهم للطعام لأجل أن يُطعموا هؤلاء المجتمعين محرمًا؛ لأنَّه من النياحة، والنياحة على الميت حرام - كما سيأتي تفصيله -، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنهم انشغلوا بحزنهم بميتهم الثلاثة الأيام الأولى، وحرم إعداد أهل الميت للطعام؛ لما فيه من المشقة عليهم، ولما فيه من التشبه بأفعال أهل الجاهلية، والكفار. (٢١٨) مسألة: يحرم الذبح والصدقة عند القبر؛ سواء أُكل من ذلك أو لا؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "لا عَقْرَ في الإسلام" حيث إن أهل الجاهلية كانوا إذا مات الميت عقروا عند قبره بعيرًا أو شاة يزعمون: أن هذا مكافأة له على صنيعه في حياته على أنه كان يعقر للأضياف، والنفي هنا: هو نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، ثانيهما: قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" والذبح، والصدقة بعد دفن الميت مباشرة عمل لم يأمر به الشارع، ولم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه ولا غيرهم من السلف الصالح فيكون مردودًا على صاحبه، وما كان مردودًا من الأعمال فهو فاسد، وكل فاسد حرام، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤدِّي إلى تعظيم الميت والرياء، فدفعًا لذلك: حرم، سدًا للذرائع؛ فإن قلتَ: إن الذبح والصدقة هنا مكروه ولا يحرم، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ولا توجد قرينة قويت على صرف النهي الوارد في حديث "لا عقر في الإسلام" من التحريم إلى الكراهة والصدقة كالذبح تمامًا بجامع: أن كلًا منهما يؤدِّي إلى تعظيم الميت والرياء من باب "مفهوم =

стр. 874

إجماعًا؛ لقوله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه مسلم، والترمذي، وزاد: "فإنها تذكر الآخرة" وسُنَّ: أن يقف زائر أمامه قريبًا منه كزيارته في حياته (٢١٩) (إلا النساءَ) فتكره لهن زيارتها غير قبره ﷺ ، وقبري صاحبيه ﵃؛ روي أحمد والترمذي وصحَّحه عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ لعن زوَّارات القبور" (٢٢٠) الموافقة" فائدة: "العقر": قطع قوائم البهيمة، أو واحدة منها، ثم يُنحر بعد ذلك - كما في اللسان (٤/ ٥٩٢) - وهذا محرم في الإسلام. (٢١٩) مسألة: يُستحب للرجال: أن يزوروا القبور: فيقف الزائر أمام قبر من يزوره تلقاء وجهه - فيكون بذلك مستقبلًا لوجه الميت مستدبرًا للقبلة، ولا يتمسَّح به؛ لقاعدتين: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال، ومستنده السنة القولية والفعلية ومنها: قوله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" الثانية: القياس، بيانه: كما أن المسلم إذا زار حيًا يقف أمام وجهه ولا يتمسَّح به، فكذلك يفعل ذلك إذا زاره ميتًا، والجامع: إكرام المسلم في كل، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الميت ينتفع بالدعاء له، والحي يتَّعظ بما صار إليه ذلك الميت، ويتيقَّن أن مآله إلى مثل هذا القبر: سواء طال الزمن أو قصر فينصرف عن الدنيا، وعن أهلها من عُبَّاد المال والمناصب، ويعمل للآخرة، فإن قلتَ: لمَ يُحرَّم التمسُّح بالقبر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى تعظيم الميت والرياء وهذا حرام. (٢٢٠) مسألة: يحرم أن تزور المرأة القبور: سواء كان منها قبر النبي ﷺ وقبري أبي بكر وعمر ﵃ أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لعن الله زوَّارات القبور" حيث حرم بذلك زيارة القبور على النساء؛ لأنَّه توعَّد من زارته باللَّعن - وهو: الطرد عن رحمة الله - وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل محرم، وهو عام =

стр. 875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يشمل قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه؛ لأن لفظ "القبور" جمع معرف بأل، وهذا من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة قليلة الصبر، والعقل، شديدة الجزع والانفعال، فيُخش من زيارتها لقبر قريبها: أن تتصرَّف تصرُّفات لا تليق بالدين من نتف شعر، أو لطم خدٍّ، أو شقِّ جيب، أو تُظهر شيئًا من جسمها، أو تتخيَّل أن أحدًا يُكلِّمها بين القبور، فتُصاب بالأمراض النفسية، أو تفتتن برجل تراه هناك، ويفتتن بها؛ نظرًا لكون المقبرة تكون خارج البلد عادة، فتقع الفاحشة، فدفعًا لذلك كُلِّه: حُرِّمت زيارتها، فإن قلتَ: إن زيارة المرأة للقبور مكروهة، ولا تحرم، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ولا توجد قرينة تدل على أن "اللَّعن" ليس بعقاب، فإن قلتَ: تُباح زيارة المرأة للقبور مطلقًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فزوروها" حيث أباح زيارة القبور لكل شخص؛ لأنَّه أمر ورد بعد حظر، وهو يقتضي الإباحة، وهو عام للرجال والنساء؛ لأن "واو الجماعة" من صيغ العموم، فيدخلن في الخطابات الموجهة إلى الرجال، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ قد زارت قبر أخيها: عبد الرحمن قلتُ: أما حديث: "فزوروها" فهو عام - كما ذكرتم - ولكنه مُخصَّص بالسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لعن الله زائرات القبور"، والخاص مُقدَّم في العمل على العام، فيُعمل بالحديث الخاص، وبما بقي بعد التخصيص من الحديث العام، فتستمر دلالة حديث: "فزوروها" على استحباب زيارتها للرجال، ولكنه لا يُعمل به في النساء، أما فعل الصحابي - وهي: عائشة ﵂ فقد يكون اجتهادًا منها، ولا يُعمل باجتهادها إذا عارض السُّنَّة، ويُحتمل أنها لم تعلم بحديث "لعن الله زوَّارات القبور" والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع السنة القولية" فعندنا: الخاص من السنة القولية يخصِّص العام منها، وعندهم لا.

стр. 876

(و) يُسنُّ: أن (يقول إذا زارها) أو مرَّ بها: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)؛ للأخبار الواردة في ذلك، وقوله: "إن شاء الله بكم للاحقون": استثناء للتبرُّك، أو راجع للُّحوق، لا للموت، أو إلى البُقاع، (٢٢١) ويسمع الميت الكلام، ويعرف زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وفي "الغنية": يعرفه كل وقت، وهذا الوقت آكد، (٢٢٢) (٢٢١) مسألة: يُستحب لزائر القبور قاصدًا لها، أو مرَّ بها من غير قصد زيارتها: أن يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، ويُعلِّمه أصحابه - كما روت عائشة ﵂ وبُريدة -، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك الدعاء نافع للزائر والمزار في الدنيا والآخرة، فائدة قوله: "وإن شاء الله بكم للاحقون" يُشير به إلى أن المسلم يقول "إن شاء الله" هنا للتبرُّك والتيمُّن بها فقط؛ لكون الموت واقع بالإنسان لا محالة؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وهذا أرجح الأقوال فيها، وقيل: إن قوله: "إن شاء الله" راجع إلى اللُّحوق بالإسلام والموت عليه، وقيل: إنه راجع إلى اللحوق بكم في الدفن معكم في هذه البقعة من الأرض. (٢٢٢) مسألة: الميت يسمع كلام زائره، ويعرفه، ويأنس به، ويرد السلام في كل وقت وهو عام للشهداء وغيرهم لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ - في قتلى بدر -: "ما أنتم بأسمع بما أقول منهم"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُسلِّم عليهم - كما سبق في مسألة (٢٢١) - فيلزم أن يكونوا =

стр. 877

وتُباح زيارة قبر كافر، (٢٢٣) (وتُسنُّ تعزية) المسلم (المصاب بالميت) ولو صغيرًا قبل الدفن، وبعده؛ لما روى ابن ماجه وإسناده ثقات عن عمرو بن حزم مرفوعًا: "ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلَل الكرامة يوم القيامة"، (٢٢٤) ولا سامعين لذلك؛ إذ لو لم يكن سامعًا للكلام رادًا عليه: لما فعله، ولما أمر أصحابه به؛ لأنَّه منزَّه عن العبث، تنبيه: قوله: "ويعرف زائره يوم الجمعة .. " قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ومالا دليل عليه غير معتبر. (٢٢٣) مسألة: يُباح للمسلم أن يزور قبر كافر بدون دعاء أو استغفار، أو سلام؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد زار قبر أُمِّه، بعدما أُذن له فيه، ولم يؤذن له بالاستغفار والدعاء لها، الثانية: القياس، بيانه: كما يُباح للمسلم زيارة الكافر الحي، فكذلك يُباح زيارته وهو ميت، والجامع: تأليف القلوب، وتحسين الإسلام، وتخفيف العداء بين المسلمين والكفار، وهذا ثابت بالسياسة الشرعية، وهذا هو المقصد من هذا الحكم. (٢٢٤) مسألة: يُستحب للمسلم أن يُعزِّي أهل الميت، أو أحدهم إذا رآه مصادفة في المسجد، أو في المقبرة، أو في الطريق: سواء كان ذلك قبل الدفن، أو بعده، وسواء كان الميت كبيرًا أو صغيرًا، ولا يُشرع الذهاب والقصد إلى أهل الميت لأجل تعزيتهم، ولا يُستحب بعد ثلاثة أيام من دفن الميت، ويقول المعزِّي أيَّ عبارة تتضمَّن تسلية أهل الميت، وتهوين المصيبة عليهم كقوله: "﵀ وآجرك" أو يقول: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك"، ويقولها المسلم لمسلم آخر إن مات له كافر كعبد ولكن بدون قوله: "وغفر لميتك" أو يقول: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، ولكل أجل كتاب، وكل إليه راجع"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "ما من مؤمن يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلِّل الكرامة يوم القيامة" والموت =

стр. 878

تعزية بعد ثلاث فيُقال لمصاب بمسلم: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك" وبكافر: "أعظم الله أجرك وأحسن عزاك" وتحرم تعزية الكافر، (٢٢٥) وكُرِه تكرارها، (٢٢٦) ويردُّ مُعزَّى بـ؛ "استجاب الله دعاءك ورحمنا من المصائب، وهذا عام للأزمان، وعام للكبير والصغير؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، ثانيهما: أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عند ابنته طفلًا يحتضر فقال ﷺ : "إن الله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمَّى، فمرها أن تحتسب وتصبر" ولم يذهب ﷺ ليُعزِّي أهله، وهو يدل على أن الصغير يُعزى فيه ولا يُقصد للتعزية، الثانية: المصلحة؛ حيث إن مثل تلك العبارات في التعزية تُهوِّن المصيبة على أهل الميت، وتحثهم على الرضى بالقضاء والقدر، ولأن التعزية فوق ثلاثة أيام فيه تجديد للحزن، وتذكير فيه؛ فدفعًا لذلك لا يُعزى فوق ثلاث؛ لأن دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة. (٢٢٥) مسألة: يحرم أن يُعزِّي مسلم كافرًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يحرم السلام على الكافر فكذلك تحرم تعزيته، والجامع: أن كلًا منهما فيه تعظيم للكافر، وتعظيمه محرم، وهو المقصد منه، تنبيه: قوله: "ولا تعزيه بعد ثلاث .. " قلت: قد سبق بيانه في مسألة (٢٢٤). (٢٢٦) مسألة يُكره أن يُكرِّر المسلم تعزيته للمصاب بمصيبة أكثر من مرة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدي إلى استدامة واستمرار الحزن، فدفعًا لذلك كره. [فرع]: يحرم جلوس أهل الميت - رجالًا ونساء - لاستقبال المعزِّين وذهاب الناس إليهم لأجل التعزية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" والجلوس لاستقبال المعزين أو ذهاب الناس إليهم للتعزية أعمال لم يأمر بها الشارع، ولم يفعلها النبي ﷺ ولا أصحابه فتكون محدثة، وكل محدثة بدعة، والبدع كلها حرام، وإنما إذا رأى المسلم واحدًا من أهل الميت صدفة في المسجد أو المقبرة أو الطريق: فإنه يُستحب تعزيته؛ =

стр. 879

وإياك (٢٢٧) وإذا جاءته التعزية في كتاب: ردَّها على الرسول لفظًا، (٢٢٨) (ويجوز البكاء على الميت)؛ لقول أنس: "رأيتُ رسول الله ﷺ وعيناه تذرفان وقال: "إن الله لا يُعذَّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم" متفق عليه، (٢٢٩) ويُسنُّ الصَّبر والرضى، والاسترجاع فيقول: "إنا لله جبرانًا لخاطره، وتذكيرًا له بالإيمان بالقضاء والقدر - كما سبق ذكره في مسألة (٢٢٤) - وهو كله للمصلحة. (٢٢٧) مسألة: يُستحب أن يردَّ المعزَّى - وهو المصاب بموت قريبه - بأي عبارة تتضمَّن شكرًا ودعاء للمعزِّي كأن يقول: "استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك" ونحوها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أنَّ تعزية المعزِّي، ومحاولته تهوين المصيبة قد أثمرت. (٢٢٨) مسألة: إذا كتب زيد إلى عمرو يُعزِّيه بمصيبة موت قريبه أو نحو ذلك: فيُستحب أن يرد عمرو ذلك بلفظه، دون كتابة قائلًا: "استجاب الله دعاءه، ورحمنا وإيَّاه"؛ للمصلحة؛ حيث إن كتابة الرَّدِّ يشقُّ على عمرو؛ نظرًا لانشغاله عادةً بمصيبته. (٢٢٩) مسألة: يُباح البكاء الطبيعي على الميت رحمة به - وهو: الحاصل من الإنسان بدون اختيار ولا تكلُّف -؛ للسنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: أن أنسًا رأى عيني النبي ﷺ يخرج منهما الدمع، فلما تعجَّب بعضهم: قال: "إن الله لا يُعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم" فنفى ﷺ أن يُعذِّب الله بسبب البكاء، وهذا النفي صيغة من صيغ الإباحة؛ ثانيهما: أنه ﷺ قد بكى على ابنه إبراهيم وقال: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنفيس =

стр. 880

وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة، (٢٣٠) ويحرم بفعل المعصية، (٢٣١) وكره المصاب تغيير للمصاب مما يجده، فإن قلتَ: يحرم البكاء على الميت، وهو قول لبعض العلماء، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه" حيث إنه هنا حرم البكاء عليه؛ لأنَّه يلزم منه تعذيب الميت بسببه، ويحرم تعذيب الآخرين، أو التَّسبُّب في ذلك، وهذا عام للبكاء الطبيعي، وغيره قلتُ: إن المراد من التعذيب الوارد في الحديث: هو تعذيب همٍّ وألم وتضايق؛ حيث إن الميت يتألم لأجلهم إذا بكوا عليه، ويتعذَّب رأفةً ورحمةً بهم، وليس المراد به أن الميت يُعاقب فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية" فعندنا: يعمل بالفعلية؛ لضعف القولية، وعندهم: يعمل بالقولية. (٢٣٠) مسألة: يجب على المسلم أن يرضى بما أصابه من المصائب من موت أحد أقربائه، أو مرض، أو فقد مال، أو نزول عاهة، أو نحو ذلك، وأن يصبر على ذلك كله، ويُستحب أن يقول عند ذلك: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها" وأن يتسبَّب في معالجة المرض والعاهة من أكل أدوية، ودعاء ونحو ذلك، وإن شكر الله على ما أصابه فهو من أعظم الصابرين؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ حيث مدحهم على هذه المقالة؛ حيث تضمَّنت الإقرار والإيمان على أن جميع من في الوجود سيرجع إلى الله تعالى لا محالة الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من عبد تُصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مُصيبته وأخلف له خيرًا منها"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن حمد الله وشكره على المصيبة يُعتبر صبرًا وزيادة، وهو أعظم الإيمان بقضاء الله وقدره، واليقين بأن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، واليقين بأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يضروه بشيء لم يكتبه الله عليه لن يستطيعوا ذلك - كما ورد في الحديث - وبهذا يسعد في دنياه وأخرته، ولا يلهث وراء هذه الدنيا، بل يتجه إلى الله في كل أموره وكذا: فعل أسباب المعالجة من أي مرض مطلوب شرعًا، فإن قلتَ: يُستحب الرضى والصبر - وهو ما ذكره المصنف - قلتُ: لم أجد دليلًا على هذا الاستحباب. (٢٣١) مسألة: يحرم على المسلم أن يرضى بفعل المعصية منه أو من غيره، للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إزالة المعاصي: تحريم الرضى بفعلها.
следующие страницы →