Полный текст (3 194 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
(و) يُسنُّ: أن (يقول إذا زارها) أو مرَّ بها: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)؛ للأخبار الواردة في ذلك، وقوله: "إن شاء الله بكم للاحقون": استثناء للتبرُّك، أو راجع للُّحوق، لا للموت، أو إلى البُقاع، (٢٢١) ويسمع الميت الكلام، ويعرف زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وفي "الغنية": يعرفه كل وقت، وهذا الوقت آكد، (٢٢٢)
(٢٢١) مسألة: يُستحب لزائر القبور قاصدًا لها، أو مرَّ بها من غير قصد زيارتها: أن يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، ويُعلِّمه أصحابه - كما روت عائشة ﵂ وبُريدة -، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك الدعاء نافع للزائر والمزار في الدنيا والآخرة، فائدة قوله: "وإن شاء الله بكم للاحقون" يُشير به إلى أن المسلم يقول "إن شاء الله" هنا للتبرُّك والتيمُّن بها فقط؛ لكون الموت واقع بالإنسان لا محالة؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وهذا أرجح الأقوال فيها، وقيل: إن قوله: "إن شاء الله" راجع إلى اللُّحوق بالإسلام والموت عليه، وقيل: إنه راجع إلى اللحوق بكم في الدفن معكم في هذه البقعة من الأرض.
(٢٢٢) مسألة: الميت يسمع كلام زائره، ويعرفه، ويأنس به، ويرد السلام في كل وقت وهو عام للشهداء وغيرهم لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ - في قتلى بدر -: "ما أنتم بأسمع بما أقول منهم"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُسلِّم عليهم - كما سبق في مسألة (٢٢١) - فيلزم أن يكونوا =
стр. 877
وتُباح زيارة قبر كافر، (٢٢٣) (وتُسنُّ تعزية) المسلم (المصاب بالميت) ولو صغيرًا قبل الدفن، وبعده؛ لما روى ابن ماجه وإسناده ثقات عن عمرو بن حزم مرفوعًا: "ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلَل الكرامة يوم القيامة"، (٢٢٤) ولا
سامعين لذلك؛ إذ لو لم يكن سامعًا للكلام رادًا عليه: لما فعله، ولما أمر أصحابه به؛ لأنَّه منزَّه عن العبث، تنبيه: قوله: "ويعرف زائره يوم الجمعة .. " قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ومالا دليل عليه غير معتبر.
(٢٢٣) مسألة: يُباح للمسلم أن يزور قبر كافر بدون دعاء أو استغفار، أو سلام؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد زار قبر أُمِّه، بعدما أُذن له فيه، ولم يؤذن له بالاستغفار والدعاء لها، الثانية: القياس، بيانه: كما يُباح للمسلم زيارة الكافر الحي، فكذلك يُباح زيارته وهو ميت، والجامع: تأليف القلوب، وتحسين الإسلام، وتخفيف العداء بين المسلمين والكفار، وهذا ثابت بالسياسة الشرعية، وهذا هو المقصد من هذا الحكم.
(٢٢٤) مسألة: يُستحب للمسلم أن يُعزِّي أهل الميت، أو أحدهم إذا رآه مصادفة في المسجد، أو في المقبرة، أو في الطريق: سواء كان ذلك قبل الدفن، أو بعده، وسواء كان الميت كبيرًا أو صغيرًا، ولا يُشرع الذهاب والقصد إلى أهل الميت لأجل تعزيتهم، ولا يُستحب بعد ثلاثة أيام من دفن الميت، ويقول المعزِّي أيَّ عبارة تتضمَّن تسلية أهل الميت، وتهوين المصيبة عليهم كقوله: "﵀ وآجرك" أو يقول: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك"، ويقولها المسلم لمسلم آخر إن مات له كافر كعبد ولكن بدون قوله: "وغفر لميتك" أو يقول: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، ولكل أجل كتاب، وكل إليه راجع"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "ما من مؤمن يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلِّل الكرامة يوم القيامة" والموت =
стр. 878
تعزية بعد ثلاث فيُقال لمصاب بمسلم: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك" وبكافر: "أعظم الله أجرك وأحسن عزاك" وتحرم تعزية الكافر، (٢٢٥) وكُرِه تكرارها، (٢٢٦) ويردُّ مُعزَّى بـ؛ "استجاب الله دعاءك ورحمنا
من المصائب، وهذا عام للأزمان، وعام للكبير والصغير؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، ثانيهما: أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عند ابنته طفلًا يحتضر فقال ﷺ : "إن الله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمَّى، فمرها أن تحتسب وتصبر" ولم يذهب ﷺ ليُعزِّي أهله، وهو يدل على أن الصغير يُعزى فيه ولا يُقصد للتعزية، الثانية: المصلحة؛ حيث إن مثل تلك العبارات في التعزية تُهوِّن المصيبة على أهل الميت، وتحثهم على الرضى بالقضاء والقدر، ولأن التعزية فوق ثلاثة أيام فيه تجديد للحزن، وتذكير فيه؛ فدفعًا لذلك لا يُعزى فوق ثلاث؛ لأن دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
(٢٢٥) مسألة: يحرم أن يُعزِّي مسلم كافرًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يحرم السلام على الكافر فكذلك تحرم تعزيته، والجامع: أن كلًا منهما فيه تعظيم للكافر، وتعظيمه محرم، وهو المقصد منه، تنبيه: قوله: "ولا تعزيه بعد ثلاث .. " قلت: قد سبق بيانه في مسألة (٢٢٤).
(٢٢٦) مسألة يُكره أن يُكرِّر المسلم تعزيته للمصاب بمصيبة أكثر من مرة؛
للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدي إلى استدامة واستمرار الحزن، فدفعًا لذلك كره.
[فرع]: يحرم جلوس أهل الميت - رجالًا ونساء - لاستقبال المعزِّين وذهاب الناس إليهم لأجل التعزية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" والجلوس لاستقبال المعزين أو ذهاب الناس إليهم للتعزية أعمال لم يأمر بها الشارع، ولم يفعلها النبي ﷺ ولا أصحابه فتكون محدثة، وكل محدثة بدعة، والبدع كلها حرام، وإنما إذا رأى المسلم واحدًا من أهل الميت صدفة في المسجد أو المقبرة أو الطريق: فإنه يُستحب تعزيته؛ =
стр. 879
وإياك (٢٢٧) وإذا جاءته التعزية في كتاب: ردَّها على الرسول لفظًا، (٢٢٨) (ويجوز البكاء على الميت)؛ لقول أنس: "رأيتُ رسول الله ﷺ وعيناه تذرفان وقال: "إن الله لا يُعذَّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم" متفق عليه، (٢٢٩) ويُسنُّ الصَّبر والرضى، والاسترجاع فيقول: "إنا لله
جبرانًا لخاطره، وتذكيرًا له بالإيمان بالقضاء والقدر - كما سبق ذكره في مسألة (٢٢٤) - وهو كله للمصلحة.
(٢٢٧) مسألة: يُستحب أن يردَّ المعزَّى - وهو المصاب بموت قريبه - بأي عبارة تتضمَّن شكرًا ودعاء للمعزِّي كأن يقول: "استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك" ونحوها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أنَّ تعزية المعزِّي، ومحاولته تهوين المصيبة قد أثمرت.
(٢٢٨) مسألة: إذا كتب زيد إلى عمرو يُعزِّيه بمصيبة موت قريبه أو نحو ذلك: فيُستحب أن يرد عمرو ذلك بلفظه، دون كتابة قائلًا: "استجاب الله دعاءه، ورحمنا وإيَّاه"؛ للمصلحة؛ حيث إن كتابة الرَّدِّ يشقُّ على عمرو؛ نظرًا لانشغاله عادةً بمصيبته.
(٢٢٩) مسألة: يُباح البكاء الطبيعي على الميت رحمة به - وهو: الحاصل من الإنسان بدون اختيار ولا تكلُّف -؛ للسنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: أن أنسًا رأى عيني النبي ﷺ يخرج منهما الدمع، فلما تعجَّب بعضهم: قال: "إن الله لا يُعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم" فنفى ﷺ أن يُعذِّب الله بسبب البكاء، وهذا النفي صيغة من صيغ الإباحة؛ ثانيهما: أنه ﷺ قد بكى على ابنه إبراهيم وقال: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تنفيس =
стр. 880
وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة، (٢٣٠) ويحرم بفعل المعصية، (٢٣١) وكره المصاب تغيير
للمصاب مما يجده، فإن قلتَ: يحرم البكاء على الميت، وهو قول لبعض العلماء، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "إن الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه" حيث إنه هنا حرم البكاء عليه؛ لأنَّه يلزم منه تعذيب الميت بسببه، ويحرم تعذيب الآخرين، أو التَّسبُّب في ذلك، وهذا عام للبكاء الطبيعي، وغيره قلتُ: إن المراد من التعذيب الوارد في الحديث: هو تعذيب همٍّ وألم وتضايق؛ حيث إن الميت يتألم لأجلهم إذا بكوا عليه، ويتعذَّب رأفةً ورحمةً بهم، وليس المراد به أن الميت يُعاقب فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة القولية" فعندنا: يعمل بالفعلية؛ لضعف القولية، وعندهم: يعمل بالقولية.
(٢٣٠) مسألة: يجب على المسلم أن يرضى بما أصابه من المصائب من موت أحد أقربائه، أو مرض، أو فقد مال، أو نزول عاهة، أو نحو ذلك، وأن يصبر على ذلك كله، ويُستحب أن يقول عند ذلك: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها" وأن يتسبَّب في معالجة المرض والعاهة من أكل أدوية، ودعاء ونحو ذلك، وإن شكر الله على ما أصابه فهو من أعظم الصابرين؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ حيث مدحهم على هذه المقالة؛ حيث تضمَّنت الإقرار والإيمان على أن جميع من في الوجود سيرجع إلى الله تعالى لا محالة الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من عبد تُصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مُصيبته وأخلف له خيرًا منها"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن حمد الله وشكره على المصيبة يُعتبر صبرًا وزيادة، وهو أعظم الإيمان بقضاء الله وقدره، واليقين بأن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، واليقين بأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يضروه بشيء لم يكتبه الله عليه لن يستطيعوا ذلك - كما ورد في الحديث - وبهذا يسعد في دنياه وأخرته، ولا يلهث وراء هذه الدنيا، بل يتجه إلى الله في كل أموره وكذا: فعل أسباب المعالجة من أي مرض مطلوب شرعًا، فإن قلتَ: يُستحب الرضى والصبر - وهو ما ذكره المصنف - قلتُ: لم أجد دليلًا على هذا الاستحباب.
(٢٣١) مسألة: يحرم على المسلم أن يرضى بفعل المعصية منه أو من غيره، للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إزالة المعاصي: تحريم الرضى بفعلها.
стр. 881
حاله وتعطيل معاشه، لا جَعْل علامة عليه؛ ليُعرف فيُعزَّى، وهجره للزينة وحسن الثياب ثلاثة أيام (٢٣٢) (ويحرم الندب) أي: تعداد محاسن الميت كقوله: "وا سيِّداه"
(٢٣٢) مسألة: يُحرم على المصاب بموت أحد أقربائه أو غير ذلك من المصائب: أن يُغيِّر حالته وهيئته وخلع ما على رأسه من عمامة وغيرها، وأن يقف عن العمل؛ لأجل مصيبته، وأن يجعل على نفسه علامة ليُعزَّى، وأن يهجر التزين بثياب وغيرها، بل يلبس ما شاء من الثياب؛ للتلازم؛ حيث إن الصبر على المصائب واجب ويلزم من تغيير حاله، أو تعطيل عمله، أو هجره للتزيِّن: عدم الصبر، وإظهار الجزع، وهذا محرم، بل أنكر بعض العلماء - كابن تيمية - تلك الأفعال إنكارًا شديدًا، فإن قلتَ: لمَ حُرّم ذلك؟ قلتُ: لكونه يدل على عدم رضاه بالقضاء والقدر، فإن قلتَ: يُكره أن يُغير حاله، ويُباح أن يجعل على نفسه علامة، ويُباح أن يهجر التزين وحسن الثياب ثلاثة أيام وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك بل هو مخالف للقواعد العقائدية.
стр. 882
و "انقطاع ظهراه" (٢٣٣) (والنياحة) وهي: رفع الصوت بالندب (٢٣٤) (وشق الثوب ولطم الخد، ونحوه) كصراخ ونتف شعر ونشره، وتسويد وجه، وخمشه؛ لما في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب،
(٢٣٣) مسألة: يحرم الندب إذا مات ميت، وهو: ذكر أشياء لا تكون إلا لله كقول المصاب: "واسيِّداه" أو "واسنداه" أو "واجبلاه" أو "وانقطاع ظهراه" ونحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: "واجبلاه، واسَيِّداه إلا وكَّل الله ملكين به يلمزانه ويقولان له: أهكذا كنت؟ " أي: يقول الملكان أهكذا كنت تعتمد على ذلك الميت، ولم تكن تعتمد على الله ، فأنكر الشارع على القائل بذلك؛ لأن الاستفهام إنكاري، ويلزم من هذا الإنكار: أن يكون هذا الفعل محرمًا؛ إذ لو كان جائزًا لما أنكر عليه، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مشعر بعدم الاعتماد على الله، والاعتراض على قضاء الله وقدره، فلذا حرم؛ حفاظًا على إيمان المسلم تنبيه: قوله: "الندب هو: تعداد محاسن الميت" قلتُ: هذا فيه نظر؛ لأن ذكر محاسن الميت كأن يُذكر أنه كان عالمًا، وكان يفعل الخيرات، وليس بمنافق لأحد مستحب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث للآخرين أن يعملوا مثل فعله.
(٢٣٤) مسألة: تحرم النياحة على الميت، - وهو البكاء الشديد الصادر بنوح صاخب مزعج مُهيج للقلوب؛ للسنة القولية؛ حيث قالت أم عطية: "أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة: ألا ننوح" فحرم النياحة؛ لأن هذا نهي مطلق، فيقتضي التحريم، و"لعن النبي ﷺ النائحة والمستمعة" واللَّعن - وهو: الطرد من رحمة الله - عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل الحرام، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مشعر بالتظلُّم والسخط من قضاء الله وعدم الرضا به، وهذا مخلٌّ بالإيمان محرم حفاظًا على عقيدة المسلم، فائدة: النائحة هي التي تفعل النوح وتصرخ، والمستمعة هي التي تسمعه ويُعجبها.
стр. 883
ودعا بدعوى الجاهلية" وفيهما: "أنه ﷺ بريء من الصالقة، والحالقة والشاقة" والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، وفي صحيح مسلم: "أنه ﷺ لعن النائحة والمستمعة". (٢٣٥)
(٢٣٥) مسألة: يحرم فعل أيِّ شيء مخالف للعادة إذا مات الميت: كشق الثوب، أو الجيب، أو لطم الخدود، أو ضرب البدن، أو الصراخ الشديد، أو نتف الشعر، أو نثره، أو تسويد الوجه، أو خمشة أو خدشه، للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب" حيث تبرأ ممن فعل ذلك، وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام أو ترك واجب، ثانيهما: قوله ﷺ : أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" ويُقال فيه كما قلنا في الحديث السابق، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيناها في مسألة (٢٣٤)، فإن قلتَ: لمَ وُجِّه الخطاب إلى النساء في الحديث؟ قلتُ: لأن أغلب هذه الأمور تقع من النساء؛ لشدة جزعهن وقلَّة عقولهن، فائدة: "الصالقة" هي: التي ترفع صوتها عند وقوع المصيبة، مأخوذ من الصَّلق: وهو الصوت الشديد - كما في المصباح (٣٤٦)، و "الحالقة": هي التي تحلق شعر رأسها عند المصيبة، و"الشاقة": هي التي تشق ثوبها أو جيبها عند المصيبة.
هذه آخر مسائل كتاب "الجنائز وأحكام الموتى" ويليه كتاب "الزكاة"
стр. 884
كتاب الزكاة
لغة: النماء، والزيادة، يُقال: "زكى الزرع": إذا نما وزاد، ويُطلق على المدح، والتطهير، والصلاح، وسُمِّي المخرج زكاة؛ لأنَّه يزيد في المخرج منه، ويقيه الآفات، وفي الشرع: حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص (١)
كتاب الزكاة
حقيقة الزكاة، وحكمها، وشروطها
وفيه تسع وثلاثون مسألة:
(١) مسألة: الزكاة لغة تطلق على إطلاقات: أولها: تطلق على النماء والزيادة، ومنه قولهم: "زكى الزرع": إذا نما وزاد وبورك فيه وكثر ريعه، ثانيها: أنها تطلق على المدح ومنه قولهم: "فلان قد زكَّاه فلان" أي مدحه وأثنى عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تمدحوها، ثالثها: أنها تطلق على التطهير، ومنه قولهم: "نفس فلان زكية" أي: طاهرة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: طهرها من الأدناس كالحقد والحسد، والنفاق، والكذب ونحو ذلك، رابعها: أنها تطلق على الصلاح والعدالة، وزيادة الخير والصفات الحسنة في الإنسان، ومنه: "فلان مُزكَّى" أي: مُعدَّل، ولذلك سُمِّي باب في الحديث، وأصول الفقه باسم "التزكية والتجريح" وهذه الإطلاقات تصدق في زكاة المال؛ حيث إن إخراج زكاة المال يتسبَّب في نمو وزيادة المال المزكى، وأن فاعل ذلك ممدوح، ومُطهَّر من الأدناس، وأنَّه صالح فالح عدل، أما الزكاة في الاصطلاح فهي: "حقُّ واجبٌ في مال مخصوص لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقت مخصوص"، وهذا أقرب تعريف لها إلى الصحة؛ حيث خرج بقوله: "حق واجب" المستحب كالصدقات المطلقة، والمراد بـ "المال الخاص" المال الذي =
стр. 885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجبت فيه الزكاة كالبهائم، والزروع والثمار، والنقدين، والعقارات ونحوها - مما سيأتي بيانه - وخرج بذلك: المال الواجب إخراجه بأسباب أخرى: كالوفاء بالدَّين، والنفقات، والنذور، والكفَّارات، والدِّيات، وأثمان البيوع ونحوها والمراد بـ "الطائفة المخصوصة" الأصناف الثمانية التي أمر الشارع بأن تدفع لهم الزكاة - كما سيأتي -، والمراد بـ "الوقت المخصوص": تمام الحول في الأثمان، والنقود، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة، واشتداد الحب، وبدو صلاح الثمار، وخروج ما في الأرض، وغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان لزكاة الفطر، وسيأتي تفصيل ذلك - وخرجت بذلك النذور والكفَّارات، والدِّيات ونحوها مما لم يُعيَّن لها وقت محدَّد، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المال المخرج زكاةً؟ قلتُ: لكونه يُزكي، ويزيد، ويُنمِّي المخرج منه، ويتسبَّب في بركته، ويحميه من الآفات التي تنقصه أو تزيله، وتُبارك في المزكي، ويكون بسبب إخراجها نقيًا طاهرًا صالحًا وهذه مسوِّغات دخول الجنة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت الزكاة بالصدقة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ … ﴾؟ قلتُ: لأن إخراجها بنفس راضية دليل على صدق عبودية مخرجها الله تعالى، وامتثاله لأوامره؛ ذلك لأنَّه يُخرج بعض ماله الذي لم يجتمع عنده إلا بشق الأنفس، وهذا لا يفعله إلا من صدق وقوي إيمانه، وأراد أن يتقرَّب بذلك إلى الله تعالى، ويهون كل شيء لأجل رضى الله تعالى، فإن قلتَ: لمَ وُضعت الزكاة بعد الصلاة في الكتب الفقهية؟ قلتُ: لأن الزكاة تُشبه الصلاة في عظم شأنها، وخطر تركها، وتأثيرها في صلاح فاعلها وسعادته في الدنيا والآخرة، وتأثيرها في بناء المجتمع الإسلامي المتكافل، المتواصل، المتعاون، ولذلك جاء ذكرها بعد الصلاة مباشرة في اثنتين وثمانين آية من القرآن، وفي كثير من الأحاديث، ولم تكن الصحابة تفرِّق بينهما، لذا قال أبو بكر ﵁ - في قتال المرتدين -: "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة" ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعًا سكوتيًا.
стр. 886
(تجب) الزكاة في سائمة بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة - ويأتي تفصيلها - (٢) (بشروط خمسة): أحدها (حُرِّية) فلا تجب على عبد؛
(٢) مسألة تجب الزكاة وجوبًا قطعيًا - وهو الفرض، وهي من أركان الإسلام - في أنواع من الأموال هي: "سائمة بهيمة الأنعام" و "عروض التجارة" و "ما خرج من الأرض من معادن وزروع وحبوب" و "أثمان الأشياء" ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث إن الله تعالى قد أمر بأدائها في آيات كثيرة، ومنها قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهو أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس، وذكر منها: الزكاة" حيث دلَّ مفهوم العدد على أن من لم يفعل تلك الأمور الخمسة ويعتقدها فليس بمسلم، وهذا يلزم منه: أن من ترك الزكاة فهو كافر، فلو لم تكن واجبة لما أُخرج تاركها من الإسلام، ثانيها: حديث معاذ؛ حيث قال له ﷺ لما أرسله إلى اليمن: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة" و "الفرض" هو الواجب وزيادة، ثالثها: قول جرير البُجلي: "بايعتُ رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة" وهذا يلزم منه وجوب الزكاة؛ لأنَّه لا إسلام لمن ترك الزكاة، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، ولا يُقاتل إلا على ترك واجب، الرابعة: القياس، على الصلاة بجامع: أن كلًا منهما قد أُمر به أمرًا جازمًا - وقد سبق - فإن قلتَ: لم وجبت الزكاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن دفع الزكاة سبب في حماية المجتمع من مرض الفقر، وفي زيادة مال المزكي، وفي علاج النفس وتطهيرها من داء الشح والبخل، وفي تحسين الإسلام في نفوس الكفار، وفي إنزال المطر، وكثرة المياه، وفي تكفير الخطايا، وفي إطفاء غضب الله، وفي إبعاد الأمراض عن المزكي، وفي نجاة مُخرجها من حرِّ يوم القيامة، وفي انشراح الصدر، وراحة النفس، وابتهاج الروح، وإبعاد الهموم والغموم عنه.
стр. 887
لأنَّه لا مال له ولا على مُكاتب؛ لأنَّه عبد، وملكه غير تام، (٣) وتجب على مُبعَّض بقدر حُرِّيته (٤) (و) الثاني (إسلام) فلا تجب على كافر أصلي، أو
(٣) مسألة: في الأول -من شروط وجوب الزكاة- وهو: أن يكون المالك للمال حُرًّا، فلا تجب على "العبد الرقيق" ولا على "المكاتب" - وهو: من اشترى نفسه من سيده بثمن يُسدِّده له على مراحل، فإذا أكمل السداد: عتق كما جاء في الصحاح (١/ ٢٠٩) -، ولا على "المدبَّر" - وهو من قال له سيده: "أنت حرٌّ بعد موتي" كما في اللسان (٤/ ٢٧٣) - ولا على "أمِّ ولد" - وهي: الأمة التي أتت بولدٍ من سيدها -؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن أدلة وجوب الزكاة - وهي المذكورة في مسألة (٢) - يلزم منها وجوبها على المستطيع دفعها - وهو: المالك المتصرِّف، وهذا لا يمكن إلا من الحر، الثانية: القياس بيانه: كما أن الفقير لا تجب عليه الزكاة فكذلك العبد، والمكاتب، والمدبَّر، وأم الولد لا تجب عليهم الزكاة، والجامع: عدم ملكية المال في كل، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحرَّ لا تعلُّق لأحد بماله، فإن قلتَ: لمَ سقطت الزكاة عن هؤلاء الأربعة؟ قلتُ: لأنهم لا مال لهم أصلًا؛ لكونهم وأموالهم لأسيادهم، فإن قلتَ: لمَ سقطت الزكاة عن المكاتب مع أن عنده شبهة ملك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بحاجة إلى فكِّ رقبته بما عنده من المال، بدلًا من أن يُخرجه زكاة؛ لأن الرِّق مفسدة، ودفع المفسدة مُقدم على جلب المصلحة.
(٤) مسألة: تجب الزكاة على المبعَّض - وهو الذي أُعتق بعضه - فإن كان نصفه حُرًّا: زكَّى على نصف ماله إذا بلغ هذا النصف النصاب، وحال عليه الحول؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزكاة تجب على الحر فكذلك تجب على المبعَّض، والجامع: وجود الحرية في كُلِّه أو بعضه، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة عليه؟ قلتُ: لتصرُّفه بنصف ماله تصرُّفًا مُطلقًا دون تدخُّل غيره فيه، فهو يُتاجر فيه دون الرجوع لأحد، فتجب زكاته.
стр. 888
مُرتدِّ، (٥) فلا يقضيها إذا أسلم (٦) (و) الثالث (ملك نصاب) ولو لصغير أو
(٥) مسألة: في الثاني - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون المالك للمال مسلمًا، فلا تجب على كافر أصلي - وهو: الذي لم يسبق إسلامه - ولا على كافرُ مرتد - وهو الذي أسلم ثم كفر -؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمسٍ"، وذكر منها "الزكاة" بعد الشهادتين، وهذا يدل على: وجوبها على المسلم - وهو الذي أقرَّ بالشهادتين - ويلزم منه عدم وجوبها على الكافر مطلقًا حال كفره، ثانيهما: قوله ﷺ لمعاذ - حين بعثه إلى اليمن -: "فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" إلى قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة" حيث دلَّ هذا الترتيب بالفاء على أن الزكاة لا تجب إلا بعد الإسلام - وهو: الإقرار بالشهادتين ومقتضاهما -، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة طهرة وتنقية، والكافر لا طهرة له في حال كفره، ثم إنه لو وجبت الزكاة على الكافر في حال كفره مع دفعه للجزية: للحقه مشقة، وهذا يُنفِّره عن الإسلام، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة العامة وهو: تحبيب الإسلام في نفوس الكفار، وقد فصَّلتُ القول في هذا في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام" (٦).
(٦) مسألة: إذا دخل الكافر في الإسلام: فلا يجب عليه قضاء ودفع ما ترك من الزكاة حال كفره، وإن كان عالمًا بالإسلام؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ حيث دل منطوقه على أن الكافر إذا أسلم يُسقط عنه كل ما سبق أن فعله أو تركه إلا ما بينه وبين الآدميين من معاملات، وهذا عام لجميع الأحكام الشرعية ومنها "الزكاة"؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أما علمت أن الإسلام يجبُّ ما كان قبله" حيث دلَّ على أن الكافر إذا أسلم كأنه =
стр. 889
مجنون؛ لعموم الأخبار، وأقوال الصحابة، فإن نقص عنه: فلا زكاة، (٧) إلا
وُلد من جديد، لم يصدر منه أيُّ معصية لله تعالى أصلًا، وهذا يلزم منه عدم قضاء ما تركه من واجبات الإسلام ومنها الزكاة الثالثة: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أسلم على يديه الجم الغفير من الكفار، فلم يأمر أحدًا منهم بأن يقضي ما فاته من زكاة وغيرها من العبادات، ولم يُبيِّن إيجاب ذلك، فدل على عدم وجوبها عليهم إذا أسلموا؛ لأنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتحبيب الإسلام في نفوس من أراد الدخول فيه؛ إذ لو وجب على كل شخص دخل في الإسلام دفع زكاة السنوات الماضية: لتراجع عن الإسلام، ونفر غيره، لكن إذا علم أنه ساقط عنه كل شيء عمله في كفره إذا أسلم: فإنه سيُقدم عليه، وقد بينت ذلك في كتابي: "الإلمام" في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام".
(٧) مسألة: في الثالث - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون المال الذي يملكه المسلم الحر قد بلغ نصابًا - وهو: ما نصبه الشارع علامة على وجود الغنى من بهيمة الأنعام، والأثمان، وما خرج من الأرض من الزروع والحبوب، وعروض التجارة وغيرها وسيأتي بيان نصاب كل واحد منها - فمن لم يملك نصابًا، أو ملك دون النصاب: فلا زكاة عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" وقال: "ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب صدقة" وقال: "في خمس من الإبل صدقة" وقال: "في أربعين شاة شاة" ونحو ذلك مما سيأتي حيث دلَّ منطوقها على وجوبها فيما بلغ النصاب، ودل مفهوم العدد منها على عدم وجوبها فيما نقص من ذلك، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة مواساة للفقراء ونحوهم، وما دون النصاب لا يحتمل المواساة؛ لكونه لو دفع من مال لم يبلغ النصاب لأصبح =
стр. 890
الرَّكاز (٨) (و) الرابع (استقراره) أي تمام الملك في الجملة، فلا زكاة في دين الكتابة؛ لعدم استقراره؛ لأنَّه يملك تعجيز نفسه (٩) (و) الخامس (مُضي الحول)؛ لقول عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه
فقيرًا مثل المدفوع له، وهذا فيه ضرر، ورفعه واجب؛ لعموم قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
(٨) مسألة: الركاز - وهو المال من الذهب والفضة الذي يستخرجه الشخص مدفونًا في الأرض - لا يُشترط فيه بلوغ النصاب، بل إنه يُقسَّم إلى خمسة: يكون لمستخرجه أربعة أخماسه، ويُدفع الخُمسُ الباقي لبيت المال؛ للقياس، بيانه: كما أن الغنيمة يُفعل فيها ذلك فكذلك الركاز مثلها، والجامع: عدم العلم بمقدار كل منهما عند الحصول عليه.
(٩) مسألة: في الرابع - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون المالك للمال قد استقرَّ عنده هذا المال استقرارًا قد غلب على الظن عدم زواله، وعليه فلا تجب الزكاة في مال هو عرضة للتَّلف، أو عدم التمكُّن، أو يجري عليه احتمال زواله عنه: فمثلًا: لو اشترى عبد نفسه من سيده - بعشرة آلاف، ولم يدفعها العبد، وحال عليها الحول عنده: فلا زكاة فيها؛ لكون المال دين غير مستقر؛ حيث يستطيع ذلك العبد تعجيز نفسه، ويمتنع عن الأداء، فيرجع - حينئذٍ - تحت سيطرة سيده، وكذلك أجرة المنزل لا تجب فيها الزكاة قبل تمام مُدَّة الإجارة، ودفع المستأجر لها؛ حيث إنه قد ينهدم المنزل، وتنفسخ الإجارة بدون اختيار؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو دفع زكاة مال غير مستقر عنده لأدَّى ذلك إلى إلحاق الضرر بنفسه، وهذا لا يصح؛ لعموم قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
стр. 891
الحول" رواه ابن ماجه، ورفقًا بالمالك؛ ليتكامل النماء، فيُواسي منه، ويُعفى فيه عن نصف يوم (١٠) (في غير المعشَّر) أي: الحبوب والثمار؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وكذا المعدن والركاز والعسل؛ قياسًا عليهما، (١١) فإن استفاد مالًا بإرثٍ
(١٠) مسألة: في الخامس - من شروط وجوب الزكاة - وهو: أن يكون قد حال ودار على هذا المال البالغ للنصاب حول كامل بالقمري، لا بالشمسي كباقي أحكام الإسلام كرمضان والحج وهو: شرط لوجوب الزكاة في الأثمان، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة - كما سيأتي -، ولا يضرُّ نقص يوم أو يومين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول" حيث دلَّ مفهوم الغاية ومفهوم الزمان على وجوب الزكاة بشرط: حولان الحول على ملكه للمال البالغ للنصاب؛ لكونه نفى وجوبها قبل حولان الحول، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحول والعام الكامل بفصوله الأربعة وقت واسع، ينمو فيه المال، ويستطيع صاحبه أن يضبط ذلك فيستطيع بذلك أن يواسي به الفقراء وغيرهم من أهل الزكاة، بخلاف ما لو كان الوقتُ أقلَّ من ذلك: فيشقَّ عليه ذلك، ولا يؤثر نقص يوم أو يومين؛ لعدم تسميته نقصًا، ويغلب على الظن عدم انضباطه.
(١١) مسألة: لا يُشترط تمام الحول في "الخارج من الأرض" كالحبوب والثمار، وكذا: "المعادن والركاز" اللذان يوجدان مدفونين في الأرض، وكذا: "العسل" حيث تجب زكاة هذه الثلاثة حال الحصول عليها صالحة - وسيأتي -؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث أوجب الشارع إخراج زكاة الزروع والثمار يوم حصاده؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولأن مفهوم الزمان دلَّ على عدم اشتراط حولان الحول؛ لأنَّه خصَّصه حصاده وجذِّه، والثانية: القياس وهو من وجهين: أولهما: كما أنَّ الغنيمة يؤخذ خمسها حال الحصول عليها، فكذلك الركاز والمعادن =
стр. 892
أو هبة ونحوهما: فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول (١٢) (إلا نتاج السائمة، وربح التجارة ولو لم يبلغ) النتاج أو الربح (نصابًا، فإن حولهما حول أصلهما) فيجب ضمُّها إلى ما عنده (إن كان نصابًا)؛ لقول عمر ﵁: "اعتدَّ عليهم بالسُّخلة ولا تأخذها منهم رواه مالك، ولقول علي ﵁: "عُدَّ عليهم الصِّغار والكبار" فلو ماتت واحدة من الأمات فنتجت سُخلة: انقطع، بخلاف ما لو نتجت ثم ماتت (١٣)
مثلها، فلا يشترط حولان الحول، والجامع: أن كلًا منهما يكون نفعه في وقت الحصول عليه، ثانيهما: أن الزروع والثمار لا يُشترط فيهما تمام الحول فكذلك العسل يُزكى حال الحصول عليه بدون اشتراط الحول، والجامع: أن كلًا منهما يكون نفعه في وقت الحصول عليه، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط الحول هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصود من الزكاة نفع الفقير، وهذه الثلاثة تكون أنفع له إذا أُعطى إياها حال الحصول عليها، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.
(١٢) مسألة: إذا قبض مسلم مالًا فجأة كأن يرثه، أو يُهبه له أحد، أو يكون عوض خلع أو فسخ نكاح، أو الصداق والمهر: فيُشترط له حولان الحول عليه، أي: لا تجب زكاته على القابض له إلا بعد حول كامل وهو مستقر عنده؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" حيث إن ما قبضه يُعتبر مالًا فيشمله عموم لفظ "مال" هنا؛ لأنَّه نكرة في سياق نفي، وهذا من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الحول هنا؟ قلتُ: لأن ما قبضة قابل للنماء، والنماء لا يكونُ متكاملًا إلا إذا دار عليه الحول.
(١٣) مسألة: لا يُشترط تمام الحول في أولاد بهيمة الأنعام السائمة، ولذا: تجب الزكاة في أولادها بدون تمام الحول على هؤلاء الأولاد بشرط: أن تبلغ الأمَّهات النصاب فمثلًا: لو عندك أربعون شاة، فولدت كل واحدة عددًا من =
стр. 893
(وإلا) يكن الأصل نصابًا (فـ) حول الجميع (كماله) نصابًا: فلو ملك خمسًا وثلاثين
الأولاد حتى بلغ مجموعها من الأمهات والأولاد مائة وإحدى وعشرون شاة وسخلة: فإنك تزكي بشاتين، ولو لم تبلغ تلك الأولاد الحول، لكن لو ماتت واحدة من الأمهات، وأنتجت شاةٌ أخرى سُخلةً: فالحول ينقطع فلا زكاة، بخلاف ما لو ولدت الأمُّ سُخلة ثم ماتت - أي: الأم - فالحول لا ينقطع، وكذا يُقال في فصلان الإبل وعجول البقر؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عمر ﵁: "اعتدَّ عليهم بالسُّخلة يروح بها الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم" وقال علي ﵁: "عُدَّ عليهم الصِّغار والكبار"، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط تمام الحول على أولادها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه تجب الزكاة في الأمهات، والأولاد تبع لها في ذلك، لذلك قلنا: لا تجب الزكاة إذا ماتت واحدة من الأمهات؛ لاختلال النصاب في الأمهات فتبعها في ذلك الأولاد، ولمشقة معرفة وقت ميلاد كل شاة لتلك السخلة، فيؤدِّي إلى عدم معرفة حسابها، فدفعًا لذلك: جُعلت تابعة لأمَّهاتها في تمام الحول فائدة: السُّخلة هي: ولد المعز والضأن، وتطلق على الذكر والأنثى، وهي التي لم تبلغ أربعة أشهر. [فرع]: لا يُشترط تمام الحول في ربح التجارة: ولذا: تجب الزكاة في هذا الربح ولو لم يتمَّ عليه حول كامل بشرط: أن يبلغ أصل المال نصابًا، فمثلًا: لو اشتريت منزلًا للتجارة بمائة ألف، ثم في أثناء العام وقبل تمامه: صار يساوي مائتي ألف: فإنك تزكي في آخر العام على المائتين وكأنه مال واحد، مع أن الربح - وهو مائة ألف - لم يدر عليه حول كامل؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشقُّ على المسلم حساب ربح كل مال مُتَّجر فيه من وقت الرِّبح؛ حيث إنه يُعتبر من نمائه، فدفعًا لتلك المشقة: أُلحق الرِّبح بأصله فيأخذ حكمه.
стр. 894
شاة فنتجت شيئًا فشيئًا: فحولها من حين تبلغ أربعين، وكذا: لو ملك ثمانية عشر مثقالًا وربحت شيئًا فشيئًا: فحولها منذ بلغت عشرين، (١٤) ولا يبنى الوارث على حول الموروث، (١٥) ويُضمُّ المستفاد إلى نصابٍ بيده من جنسه أو في حكمه، ويُزكي
(١٤) مسألة: إذا كان عنده مال لا يبلغ نصابًا، فبلغ نصابًا بسبب إضافة المستفاد منه من جنسه: فإنه يُحسب الحول من حين بلوغ النصاب عليهما معًا فمثلًا: لو وجد عندك في "شهر المحرم" خمس وثلاثون شاة، ثم بلغت في "شهر ربيع الثاني" أربعين فيُحسب الحول هنا من "شهر ربيع الثاني"، فإذا جاء "ربيع الثاني" من العام القادم وجب إخراج زكاتها، وهو: "شاة واحدة" بشرط: عدم نقصانها أثناء العام، مثال آخر: لو كان عندك ثمانية عشر مثقالًا من الذهب في "شهر المحرم"، ثم ربح ذلك حتى وصل إلى العشرين في "شهر رمضان" فإن الحول يُحسب من "رمضان" فإذا جاء رمضان من العام القادم: وجب إخراج زكاة ذلك وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه مالًا: اشتراط حولان الحول عليه - كما سبق - فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن نماء المال لا يتكامل إلا بعد حولٍ كاملٍ، ويستطيع به مواساة الفقراء.
(١٥) مسألة: إذا ورث شخص مالًا: فإن الحول يُحسب من حين ميراثه مباشرة، ولو كان المال مضى عليه أكثر الحول عند المورِّث، فمثلًا: لو كان زيد يملك مالًا يبلغ نصابًا فلما مضى عليه ثمانية أشهر مثلًا مات زيد، فورثه عمرو واستلم هذا المال في "شهر المحرم" مثلًا: فإن الحول يبدأ من جديد من "شهر المحرم"، فإذا جاء هذا الشهر من العام القادم وهو عند عمرو بدون نقصان: فإنه يزكي عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعلُّق المال بذمَّة عمرو من "شهر المحرم" حساب الحول عليه من ذلك الشهر، دون ما قبله؛ لعدم تملُّكه إياه قبله، فلا يحسب.
стр. 895
كلُّ واحد إذا تمَّ حوله (١٦) (ومن كان له دين أو حق) من مغصوب، أو مسروق، أو موروث مجهول ونحوه (من صداق وغيره) كثمن مبيع وقرض (على ملئ) باذل (أو غيره: أدَّى زكاته إذا قبضه لما مضى) روي عن علي ﵁؛ لأنَّه يقدر على قبضه، والانتفاع به: قصد ببقائه عليه الفرار من الزكاة، أو لا، (١٧) ولو قبض دون نصاب:
(١٦) مسألة: إذا استفاد مالًا من جنس مال بالغ للنِّصاب عنده: فإنه يضمهما معًا ويُزكي كل واحد منهما إذا تم حوله، فمثلًا: لو وجد عندك أربعون شاة قد مضى عليها بعض الحول، ثم اشتريت خمسًا وثمانين شاة، فهنا يضم الجنس إلى الجنس، ولكن يكون حول كُلِّ قسم منها مُستقلًا عن الآخر، فالأربعون إذا تمَّ حولها تُخرج زكاتها، والخمس والثمانون إذا تمَّ حولها تخرج زكاتها، وهكذا يُقال في الذهب والفضة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كُلِّ واحد من الجنسين مالًا: اشتراط حولان الحول على كُلِّ واحدٍ منهما لوحده، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: لأنَّ كلَّ مالٍ له تنميتُه الخاصَّة به.
(١٧) مسألة: إذا قبض زيد من عمرو دينًا أو مالًا قد سرقه عمرو منه سابقًا، أو قرضًا، أو ثمن مبيع، أو عارية، أو صداقًا لامرأة: فتجب على زيد إخراج زكاة ما قبضه لما مضى من الأعوام إذا بلغ هذا المال نصابًا: سواء كان عمر مليئًا باذلًا له معترفًا به، أو كان مُعسرًا مماطلًا جاحدًا، وسواء قصد زيد إبقاء ذلك المال عند عمرو للفرار من الزكاة، أو لم يقصد ذلك؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت عن علي قوله في الدَّين المظنون: "يُزكِّيه إذا قبضه لما مضى"، فإن قلتَ: لمَ لا تجب زكاة ذلك قبل قبضه؟ قلتُ: لأن الزكاة وجبت للمواساة، وليس من المواساة أن يُخرج زيد زكاة مال لم يقبضه ولا ينتفع به؛ لاحتمال تلف ذلك المال الذي عند عمرو، أو أن يجحده، لذلك لم تجب زكاته قبل قبضه، فإن قلتَ: لمَ وجبت زكاته حال قبضه دون اشتراط الحول عليه عند قابضه؟ قلتُ: لكونه قد تحصَّل على ماله بدون تعيين وقت محدَّد لذلك - كما سيأتي في باب "زكاة الثمار والحبوب" -.
стр. 896
زكاه، وكذا: لو كان بيده دون نصاب وباقيه دَيْن، أو غصب أو ضال، (١٨) والحوالة به، أو الإبراء كالقبض (١٩) (ولا زكاة في مال من عليه دين يُنقص النصاب) فالدَّين، وإن لم يكن من جنس المال مانع من وجوب الزكاة في قدره (ولو كان المال) المزكَّى
(١٨) مسألة: إذا قبض زيد بعض ماله من عمرو، والباقي لم يدفعه له عمرو، أو غصبه إياه أو سرقه، أو كان ضالًا: فإن زيدًا يُخرج زكاة هذا البعض بشرط: أن يغلب على ظنِّ زيد أنه سيقبض الباقي من عمرو، أما إذا لم يغلب على ظنه ذلك: فلا يُزكِّي ذلك حتى يبلغ ما قبضه نصابًا، فمثلًا: لو كان زيد يُطالب عمرًا بمائة ريال، فأعطاه عمرو أربعين: فيجب على زيد أن يُخرج زكاة الأربعين - وهو ريال واحد تقريبًا - يفعل ذلك وإن كانت الأربعين لا تبلغ النِّصاب، لكن غلب على ظن زيدًا أن عمرًا سيُعطيه الباقي؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو قبض المائة كلها من عمرو: فيجب أن يُخرج زكاتها فكذلك لو قبض بعضها ويغلب على ظنه أنه سيقبض الباقي مثل ذلك في الحكم، والجامع: تحقيق شرط ملك النصاب في كل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لقدرته على تحصيل الباقي.
(١٩) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا بألف ريال، وقال لعمرو: "أعطها بكرًا"، وقال لبكر "خذها من عمرو" وهي الحوالة - أو أبرأ زيد عمرًا من هذا المال وأسقطه عنه: فيكون زيد كأنه قبضه وبناء عليه: تجب زكاة الألف على زيد فيُخرج "خمسًا وعشرين ريالًا زكاة عليه" -؛ للقياس، بيانه: كما أنَّ زيدًا لو قبض هذا الألف من عمرو: فيجب على زيد إخراج زكاته فكذلك الحوالة به أو عليه، أو إبراءه منه مثل ذلك والجامع: تحقق شرط ملك النصاب في كل، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لقدرة زيد على قبض الجميع، فوجبت مواساة الفقير منه.
стр. 897
(ظاهرًا) كالمواشي والحبوب والثمار (٢٠) (وكفارة كدين)، وكذا: نذر مطلق، وزكاة،
(٢٠) مسألة: الدَّين مانع من وجوب الزكاة بشرط: أن يُنقص هذا الدَّين النِّصاب، فمثلًا: لو ملكتَ مائة شاة، وعليك دين يُعادل مقدار واحدة وستين من الشياه: فلا زكاة عليك؛ لكون الباقي تسعًا وثلاثين، وهو أقل من النصاب؛ وكذا: يُقال في جميع الأموال التي تُزكى، لكن إذا كان عليه دين لا يُنقص النِّصاب: فلا يمنع ذلك الدين الزكاة، فمثلًا: لو كنت تملك مائة من الغنم، وعليك دين يُقدَّر بستين منها: فتجب زكاة الباقي، وهي الأربعون؛ لبلوغها النصاب، وهذا مطلق، أي أن الدَّين مانع من الزكاة سواء كانت الأموال باطنة - وهي: الأثمان وعروض التجارة - أو ظاهرة - وهي: المواشي والحبوب والثمار - وسواء كان الدَّين حالًا أو مؤجَّلًا، وسواء كان الدَّين من جنس المال الذي عنده أو ليس من جنسه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا صدقة إلا عن ظهر غِنى" فنفى الصدقة - وهي: الزكاة - عن غير غِنَى - وهو: الفقير - ومن عليه دين فقير وزيادة؛ لكون حاجته لقضاء دينه أشدَّ من حاجة الفقير، وأثبت هنا الصدقة بسبب الغنى - وهو: بلوغ المال النصاب -؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهذا عام؛ لأن لفظ "صدقة" نكرة في سياق نفي، وهو: من صيغ العموم، فيشمل الدَّين المعجَّل والمؤجَّل، والدَّين الذي هو من جنس ما عندك أو غيره، ويشمل الأموال الظاهرة والباطنة، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عثمان ﵁ قال في خطبة له: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤدِّه حتى تُخرجوا زكاة أموالكم" ويلزم من ذلك: أنه لا زكاة إلا بعد قضاء الدَّين وهو عام لما ذكرنا، فإن قلتَ: لم كان الدَّين مانعًا من وجوب الزكاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المقصد من الزكاة هو: مواساة الفقراء، والشكر على نعمة الغِنَى، فلو كُلِّف بإخراج زكاة ما عنده وهو: مدين دينًا يُنقص النصاب: لشق عليه ذلك؛ لكونه أحوج إلى هذا المال ليُسدِّد به دينه، =
стр. 898
ودين حج، وغيره؛ لأنَّه يجب قضاؤه أشبه دين الآدمي، ولقوله ﷺ : "دين الله أحقُّ بالوفاء" (٢١) ومتى برئ: ابتدأ حولًا (٢٢) (وإن ملك نصابًا صغارًا: انعقد حوله حين
فدفعًا لذلك: سقطت الزكاة عن من عليه دين، فإن قلتَ: إن الأموال الظاهرة - كالحبوب والثمار والمواشي - لا يمنع الدَّين من وجوب الزكاة فيها، وهو قول مالك والشافعي؛ للمصلحة؛ حيث إن ظهور هذه الأموال يلزم منه: تعلُّق قلوب ونفوس الفقراء بها، فإذا لم يُعطوا منها فإن نفوسهم تنكسر، فمنعًا لذلك وجب إخراجها من تلك الأموال الظاهرة قلتُ: إن الدَّين مانع من زكاة الأموال الظاهرة والباطنة؛ لعموم السنة القولية وقول الصحابي، والمصلحة التي ذكرناها، ولا تقوى المصلحة التي ذكروها على معارضة ذلك، لكون سداد الدَّين واجب يُعاقب إذا لم يُسدِّده، بخلاف انكسار قلوب الفقراء لا يُعاقب عليه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع السنة القولية" فعندنا: يُعمل بعموم السنة ولا تقوى المصلحة على تخصيص ذلك، وعندهم: يخصَّص ذلك العموم بالمصلحة.
(٢١) مسألة: إذا وجبت على مسلم كفارة جماع في نهار رمضان، أو كفارة قتل، أو كفارة ظهار من إطعام، أو عتق، أو نذر أن يتصدَّق، أو يحج، أو نحو ذلك: فإن هذا كله دين يمنع من وجوب الزكاة؛ للقياس، بيانه: كما أن دين الآدمي يمنع من وجوب الزكاة - كما سبق في مسألة (٢٠) - فكذلك تلك الأمور مثله والجامع: أن كلًا منهما يُسمَّى دينًا انشغلت الذِّمَّة به فيجب قضاؤه، بل إن هذه الأمور أولى بالقضاء؛ لكونها ديون الله كما قال ﷺ : "فدين الله أحقُّ بالقضاء" فيكون قياسًا أولى، وهذا هو المقصد الشرعي منه، وقد سبق.
(٢٢) مسألة: إذا قضى المسلم ما عليه دين الله من دين الآدميين: فإن ذمته تبرأ، وحينئذٍ يبدأ بحول جديد فيما يملك من الأموال، ولا يبني على ما سبق؛ =
стр. 899
ملكه)؛ لعموم قوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة"؛ لأنها تقع على الكبير والصغير لكن لو تغدَّت باللّبن فقط: لم تجب؛ لعدم السَّوم (٢٣) (وإن نقص النصاب في بعض الحول): انقطع؛ لعدم الشرط، لكن يُعفى في "الأثمان" و "قيم العروض" عن نقص
للتلازم؛ حيث يلزم من وفائه بدينه: إبراء ذِمَّته، وابتداء حساب مدة الحول من حين براءة ذِمَّته؛ لعدم المانع من ذلك.
(٢٣) مسألة: إذا ملك نصابًا من صغار المواشي السائمة - وهي: التي تعيش على العشب النابت من المطر - كان يملك أربعين سُخلة من الغنم، أو ثلاثين عجلًا من البقر، أو خمس فصلان من الإبل: فإنه يبدأ حساب حولها من حين ملكه إياها، أما إن كانت تلك الصغار ليست سائمة - بأن كانت تتغذَّى على اللَّبن -: فلا يبدأ حساب حولها من ملكها، ولا تجب الزكاة فيها أصلًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "في أربعين شاة شاة" حيث إن هذا عام للكبار والصغار، وصغار البقر والإبل مثلها؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، وخصَّصت السنة القولية الأخرى هذا العموم بالسائمة فقط -؛ حيث قال ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" فيكون التقدير: تجب الزكاة في الصغار السائمة فقط، وعليه يبدأ حساب مُدَّة حولها من ملكه إياها، ودلَّنا مفهوم الصفة على أن غير السائمة وهي المعلوفة، لا تجب فيها الزكاة وهذا المفهوم عام للصغار والكبار، فإن قلتَ: لم وجبت الزكاة فيها إذا كانت سائمة مع أنها صغيرة، بخلاف غير السائمة؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إنها إذا اعتمدت على نفسها في الأكل خفَّت مؤنتها على صاحبها، فتجب فيها مواساة الفقير منها، بخلاف غير السائمة من الصغار والكبار: فإنه يشق على المالك لها تغذيتها باللَّبن، والعلف ودفع زكاتها: فدفعًا لتلك المشقة والضرر: سقطت زكاتها عنه: لأن دفع المفسدة، مقدَّم على جلب المصلحة.
стр. 900
يسير كحبة وحبَّتين؛ لعدم انضباطه (أو باعه) ولو مع خيار بغير جنسه: انقطع الحول (أو أبدله بغير جنسه، لا فِرارًا من الزكاة: انقطع الحول)؛ لما تقدَّم، ويستأنف حولًا (٢٤)، إلا في ذهب بفضة وبالعكس؛ لأنهما كالجنس الواحد ويُخرج مما معه عند الوجوب، وإذا اشترى عَرَضًا لتجارة بنقد، أو باعه به: بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيَم العروض، وهي من جنس النقد (٢٥)، وإن قصد بذلك
(٢٤) مسألة: إذا نقص النصاب قبل أن يتم الحول: فإن الحول ينقطع، ويُستأنف حولًا جديدًا فمثلًا: لو عندك أربعون شاة وقبل شهر أو أقل من تمام الحول عليها بعتَ واحدة - ولو في وقت الخيار - بشيء غير جنسه كدراهم، أو ماتت واحدة، أو سُرقت أو أبدلت خمسًا منها ببقرة: فلا تجب الزكاة في الباقي بعد الحول بشرط أن يقع هذا بدون قصد الفرار من الزكاة، للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود شرط الزكاة - وهو تمام الحول على النصاب -: عدم وجود الحكم وهو: وجوب الزكاة فإن قلتَ: لِمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك شيء يعذر به المسلم. [فرع]: إذا نقص من نصاب الأثمان أو عروض التجارة شيء يسير كحبة أو حبَّتين: فلا ينقطع الحول بسبب ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يندر من يسلم منه، ويصعب ضبطه، فدفعًا لذلك لا ينقطع الحول به.
(٢٥) مسألة: إذا أبدل ذهبًا بفضة، أو أبدل فضة بذهب في أثناء حول أحدهما، أو اشترى عرضًا للتجارة بنصاب من أثمان، أو بالعكس في أثناء حول أحدهما كان يشتري دارًا بألف، أو يبيع دارًا بألف، أو يشتري دارًا بدار أخرى للتجارة: فإنه لا ينقطع حول الأول الذي كان عنده، أي: يبنى على الأول الذي خرج من مُلكه فمثلًا: لو عندك دار للتجارة وبعد مضي ثمانية أشهر بعتها بألف: فإنه بعد أربعة أشهر تُخرج زكاة ذلك الألف؛ للتلازم؛ حيث إن =
стр. 901
الفرار من الزكاة لم تسقط؛ لأنه قصد به إسقاط حقِّ غيره فلم تسقط كالمطلِّق في مرض موته (٢٦)، فإن ادَّعى عدم الفرار وثمَّ قرينة: عُمل بها، وإلا: فقوله (٢٧) (وإن
كون المبدل والبدل، والمباع والمشترى من جنس واحد يلزم منه: عدم انقطاع الحول، فإن قلتَ: لمَ لا ينقطع الحول هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لتحايل بعض التجار من التخلُّص من الزكاة، وحرمان الفقراء منها.
(٢٦) مسألة: إن كان عند شخص نصاب من الغنم - كأربعين - فأبدل خمسًا منها ببقرة، أو باع واحدة منها أو نحو ذلك قبل تمام الحول عليها قاصدًا بذلك إنقاص النصاب؛ للفرار من تزكية الأربعين شاة: فإن الزكاة لا تسقط عنه، بل تجب عليه؛ للقياس، بيانه: كما أن الذي يُطلِّق امرأته في مرض موته قاصدًا حرمانها من الميراث: فإنها لا تطلق، بل ترثه من جملة الورثة، فكذلك من قصد الفرار من الزكاة هنا مثله والجامع: أن كلًا منهما قصد إسقاط حق غيره، فيُعامل بنقيض قصده، وهي "قاعدة شرعية"، فإن قلتَ: لمَ لا تسقط الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث ذلك فيه حماية الفقراء من أن يُسلبوا حقهم.
(٢٧) مسألة: إذا أبدل خمسًا من "أربعين شاة" ببقرة، أو باع واحدة منها قبل تمام الحول، وادَّعى "أنه فعل ذلك للحاجة، لا للفرار من الزكاة": فإنه يُقبل قوله، وينقطع الحول، فلا تجب عليه الزكاة بشرط: عدم وجود قرينة تدلُّ على كذبه، أما إن وُجدت قرينة تدلُّ على كذبه في ذلك: فإن الحول لا ينقطع، وتجب زكاة الأربعين - بإخراج شاة واحدة - فتؤخذ منه وإن لم يرض؛ للتلازم؛ حيث إن الأصل في المسلم الصدق، فيلزم أن نُصدِّقه فيما ادَّعاه إذا لم تدل قرينة على كذبه تصرفنا عن هذا الأصل، ويلزم من وجود قرينة على كذبه: أن نردَّ قوله، ونأخذ الزكاة؛ لمعاملته بنقيض قصده، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للفقراء من التحايل على سلب حقوقهم.
стр. 902
أبدله بـ) نصاب من (جنسه) كأربعين شاة بمثلها أو أكثر: (بنى على حوله) والزائد تبع للأصل في حوله كنتاج: فلو أبدل مائة شاة بمائتين: لزمه شاتان إذا حال حول المائة (٢٨)، وإن أبدله بدون نصاب انقطع (٢٩) (وتجب الزكاة في عين المال) الذي لو
(٢٨) مسألة: إذا أبدل شيئًا بالغًا للنِّصاب بشيء من جنسه بالغ للنِّصاب: فلا ينقطع الحول، بل يبني على ما مضى من زمن المبدل، ويُخرج زكاة البدل والمبدل، فمثلًا: لو ملكتَ أربعين شاة، ومضى عليها وهي عندكَ ثمانية أشهر، ثم أبدلتها بأربعين أخرى: فإن حول الأربعين الأولى لا ينقطع، وعلى ذلك: فإذا مضى أربعة أشهر على الأربعين الثانية - وهي البدل - فإنه يجب عليك إخراج زكاتها، ويُنظر إلى الزائد، فمثلًا: لو كان عندك مائة شاة، ثم بعد ثمانية أشهر على وجودها عندك أبدلتها بمائتين: فإنه تجب زكاة المائتين بعد أربعة أشهر فقط - وهما شاتان -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن نتاج المواشي تبع لأمَّهاتها في الحول، تُحسب في النصاب، وتخرج زكاتها وإن كانت صغارًا لم تبلغ الحول، أي: حولها حول أمهاتها - كما سبق في مسألة (١٣) - فكذلك البدل تُحسب في النصاب، وتخرج زكاتها، وحولها هو حول أصلها - وهو: المبدل - والجامع: مشقَّة انفراد كل شيء بحوله الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود الشرط - وهو: تمام الحول على جنس واحد - وجود المشروط - وهو: وجوب الزكاة -، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيناها في مسألة (٢٧).
(٢٩) مسألة: إذا أبدل شيئًا بالغًا للنصاب بشيء من جنسه لم يكن بالغًا للنصاب: فالحول ينقطع، فمثلًا: لو كان عندك أربعون من الغنم، وقد مضى عليها عندك ستة أشهر، ثم أبدلتها بخمس وثلاثين: فإن حول الأربعين الأولى ينقطع، فلا زكاة عليها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم السبب - وهو: بلوغ النصاب في =
стр. 903
دفع زكاته منه: أجزات كالذهب والفضة، والبقر، والغنم السائمة ونحوها؛ لقوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة" و"فيما سقت السماء العشر" ونحو ذلك، و"في" للظرفية، وتعلُّقها بالمال كتعلُّق أرش جناية برقبة الجاني فللمالك إخراجها من غيره (٣٠)، والنماء بعد وجوبها له، وإن أتلفه: لزمه ما وجب فيه، وله التصرُّف فيه
الخمس والثلاثين -: عدم وجود الحكم - وهو: وجوب الزكاة - فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن وجوبها في شيء لم يبلغ النصاب ضرر على المالك، ودفع الضرر واجب؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
(٣٠) مسألة: زكاة كُلِّ مالٍ تُدفع من جنسه؛ حيث إنها مُتعلِّقة بعين المال المزكَّى، فزكاة الذهب تُدفع ذهبًا، وزكاة الفضة تُدفع فضة، وزكاة الغنم تُدفع غنمًا وزكاة الحبوب تُدفع حبوبًا وهكذا، هذا إن تمكَّن من ذلك، أما إن لم يتمكَّن إخراج الزكاة من جنس المال المزكَّى: فله إخراجها من غير النصاب بشرط: أن يكون من جنسه، فمثلًا: لو كان عندك أربعون شاة، ولكنك لم تتمكَّن من إخراج شاة منها للزكاة: فلك إخراج شاة من غيرها ولو كان ذلك بعد مُدَّة، ولو أخذتها دينًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "في أربعين شاة شاة" وقال: "فيما سقت السماء العشر" حيث بيَّن الشارع أن الزكاة تتعلَّق بجنس المال الذي تُخرج منها؛ لكون "في" ظرفية دالة على كون مدخولها ظرفًا لمتعلِّقها الثانية: القياس، بيانه: كما أن أرش الجناية مُتعلِّق برقبة الجاني، فكذلك الزكاة تتعلَّق بعين المال المزكَّى، والجامع: أن كلًا منهما له تعلُّق بشيء فتلزم عينه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأموال تختلف باختلاف أجناسه وصفاته، فهناك مال رديء، وهناك مال جيد، فتكون زكاة المال الرديء تؤخذ من عين ذلك المال الرديء، وزكاة المال الجيد تؤخذ من =
стр. 904
ببيع وغيره، فلذلك قال (ولها تعلُّق بالذمَّة) أي: ذمَّة المزكّي؛ لأنه المطالب بها (٣١) (ولا يُعتبر في وجوبها: إمكان الأداء) كسائر العبادات، فإن الصوم يجب على المريض والحائض، والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم، فتجب في الدِّين، والمال الغائب ونحوه - كما تقدَّم - لكن لا يلزمه الإخراج قبل حصوله بيده (٣٢) (ولا) يُعتبر في
عينه، فلو أُخذ مال رديء زكاة، عن مال جيد لتضرَّر الفقير، ولو أُخذ مال جيد زكاة عن مال رديء: لتضرَّر الغني، فدفعًا لذلك الضررين: شُرع ما ذكر.
(٣١) مسألة: إذا وجبت زكاة في شيء - كشاة زكاة عن أربعين -: فإن هذا الوجوب يكون في ذمَّته، ولا تبرأ تلك الذمَّة إلا بإخراجها هي: سواء أخرجها من تلك الأربعين، أو من غيرها، وسواء باع تلك الأربعين أو أتلفها، أو أكلها، أو أبدلها بغيرها، أو نمت عنده أو زادت، أو لا، فلا يجب إلا إخراج تلك الشاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بلوغ النصاب وحولان الحول على ذلك: وجوب الزكاة، واستقرار هذا الوجوب في الذِّمَّة، ولا يسقط ذلك إلا بالفعل، فيُطالب بها، فإن قلتَ: لمَ وجبت بالذمة، ولم تجب من النِّصاب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المالك، فيتصرَّف فيها ببيع، أو تنمية، أو نحو ذلك، فلو وجبت في عين المال لا تُخرج إلا منه: للزم من ذلك إلحاق الضرر عليه.
(٣٢) مسألة: لا يُشترط في وجوب الزكاة: تمكُّن المالك من الأداء حال وجوبها، ولذا: تجب الزكاة في مال قد بلغ النصاب، وحال عليه الحول، وإن لم يتمكَّن من أدائها حالًا، ولذا وجبت الزكاة في الدَّين، والمال الغائب والمنسي إذا تذكَّره لكن لا يُخرج زكاة ذلك فعلًا إلا إذا قبض ذلك المال المزكَّى بيده - كما سبق في مسألة (١٧) -؛ للقياس بيانه: كما أن الصوم يجب على المريض والحائض والنفساء، والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم وإن لم =
стр. 905
وجوبها أيضًا: (بقاء المال): فلا تسقط بتلفه: فرَّط أو لم يُفرِّط كدين الآدميين (٣٣)،
يتمكَّن هؤلاء من أدائهما في الحال فكذلك الزكاة تجب وإن لم يتمكَّن المالك من أدائها والجامع: عدم التمكن من الأداء لعذر في كل، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة حق للفقير من هذا المال، فلا يسقط هذا الحق بسبب عدم التمكن من الأداء.
(٣٣) مسألة: لا يُشترط في وجوب الزكاة: بقاء المال على حاله: ولذا: لو تلف مال بالغ للنصاب تام الحول باحتراق أو نحوه: لوجبت الزكاة فيه: سواء كان صاحب المال فرَّط أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن دين الآدمي يجب الوفاء به: سواء تلف مال المدين أو لا، فرَّط أو لا فكذلك الزكاة إذا وجبت يجب إخراجها: سواء تلف المال المزكَّى أو لا، فرَّط أو لا، والجامع: انشغال الذِّمة بذلك في الكل، فلا تبرأ إلا بالأداء، أو الإبراء، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه عين تلزمه مؤنة تسليمه إلى مستحقه، فيضمنه له، وهذا يستوي فيه المفرِّط وغيره؛ لاحتمال ادِّعاء بعضهم عدم التفريط في تلف هذا المال فيضيع حق الفقير فيتضرَّر لا سيما إذا عرفنا أن الزكاة تجب وجوبًا موسَّعًا، وتسقط عند العجز عنها، فتُقدِّم هنا حق الفقير ومراعاته فإن قلتَ: إن لم يفرط المالك فتلف المال المزكَّى: فإن لا يضمن تلك الزكاة بل تسقط عنه، وهو قول أبي الفرج ابن قدامة وتبعه ابن عثيمين؛ للمصلحة؛ حيث إن المالك يتضرر إذا ضمن ما تلف بسبب غيره قلتُ: إن هذا فيه فتح لباب ادعاء بعض المالكين عدم التفريط، فيضيع حق الفقير، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع القياس" فعندنا: يُعمل بالقياس؛ مراعاة لحق الفقير، وعندهم يُعمل بالمصلحة مراعاة لحق الغني.
стр. 906
إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل حصاد وجذاذ (٣٤)، (والزكاة) إذا مات من وجبت عليه (كالدَّين في التركة)؛ لقوله ﷺ : "فدينُ الله أحق بالوفاء" (٣٥)، فإن وجبت وعليه دين برهن، وضاق المال: قُدِّم (٣٦)،
(٣٤) مسألة: إذا تلف زرع، أو ثمر بجائحة - كمطر، وحريق، ورياح - قبل جمع الحبوب والثمر من الزرع والنخيل في الجرين - وهو: مكان جمعه -: فإن الزكاة تسقط؛ للتلازم؛ حيث إن عدم توفر شرط الزكاة هنا - وهو: عدم جمع ذلك في الجرين بسبب التَّلف -: يلزم منه عدم وجوب الزكاة، فإن قلتَ: لمَ سقطت الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المالك لو دفع زكاة ما تلف: للحقه الضَّرر، فدفعًا لذلك: سقطت الزكاة عنه.
(٣٥) مسألة: إذا مات شخص بعد وجوب الزكاة عليه: فتؤخذ تلك الزكاة من رأس التركة قبل تقسيمها على الورثة؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو مات وعليه دين فلا يسقط ذلك الدين بموته فكذلك الزكاة مثله، والجامع: أن كلًا منهما دين قد انشغلت الذمة به وسمَّاه الشارع بذلك؛ حيث قال ﷺ : "فدين الله أحق بالقضاء" فإن قلتَ: لمَ لا تسقط الزكاة بالموت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الزكاة حقٌّ للفقير، فلا يسقط هذا الحق بموت المالك؛ لكون حقه تعلَّق بعين المال، لا بعين صاحب المال.
(٣٦) مسألة: إذا وجبت زكاة على زيد، وكان عليه دين لعمرو، وهو - أي: زيد - قد رهن عند عمرو منزلًا، ولا يكفي المال الذي عند زيد إلا لسداد الدَّين، أو لإخراج الزكاة: فيُقدَّم هنا سداد الدَّين على إخراج الزكاة، فإن فضل شيء: صُرف للزكاة، وإلا تبقى في ذمته حتى يستطيع؛ للقياس، بيانه: كما يُقدَّم حق المرتهن على سائر الغرماء، فكذلك يُقدَّم قضاء دين برهن على أداء الزكاة، نظرًا للحاجة إلى فكِّ ذلك الرهن والجامع: تقديم حاجة المالك على حاجة الفقراء.
стр. 907
وإلا تحاصَّا (٣٧)، ويُقدَّم نذر معَّين (٣٨)، وأضحية مُعيَّنة (٣٩).
(٣٧) مسألة: إذا وجبت زكاة على زيد، وكان عليه دين لعمرو بدون رهن، والمال الذي عند زيد لا يكفي للزكاة وللوفاء بالدَّين: فيُعمل بالمحاصَّاة بالنِّسب فمثلًا: لو كان الدين ألفين، والزكاة ألفًا: فإنه يؤخذ ثلثا المال الذي عند زيد ويُعطى لعمرو، ويُؤخذ ثلثه الباقي ويُدفع زكاة؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا تزاحمت ديون الآدميين: فإنه يؤخذ بالمحاصَّاة على حسب نسبة دين كل واحد من الغرماء فكذلك الحال هنا والجامع: أن حقَّ كل واحد في مرتبة حق الآخر دون تفاوت مع التزاحم في كل، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لحقوق الغرماء، ولحقوق الفقراء.
(٣٨) مسألة: إذا كان عندك أربعون شاة، وحال عليها الحول، وكان عليه نذر بإخراج شاة معيَّنة - كأن يقول: "هذه الشاة لله تعالى" - فيُقدِّم الوفاء بالنذر، ويُخرج شاة له ثم يُخرج شاة أخرى للزكاة إن فضل شيء من ذلك وهو بالغ للنصاب، وإن تعذَّر ذلك: فإنها تبقى في ذمته حتى يؤدِّيها، فإن عجز: سقطت عنه، للتلازم؛ حيث إن تعيين الواجب - وهو: النذر - يلزم منه تقديمه على الواجب المطلق - وهو: الزكاة - نظرًا لكون المعيَّن مُقدَّم على المطلق، وسقطت إن عجز؛ لأنه يلزم من العجز: سقوط الواجب.
(٣٩) مسألة: إذا وجبت زكاة أربعين شاة - وهي: إخراج شاة واحدة - وكان قد عيَّن شاة لتكون أضحية: فإنه يُقدَّم إخراج شاة الزكاة، للتلازم؛ حيث يلزم من كون الزكاة واجبة: تقديم إخراجها على المستحب وهي: الأضحية وإن عُينت فلا تقدم على الزكاة الواجبة، فإن قلتَ: تُقدَّم الأضحية المعيَّنة هنا، وهو قول المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيينها: تقديمها قلتُ: هذا يصح إذا كان =
стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المعيَّن واجبًا كغير المعيَّن، أما إن اختلف في الحكم فالتعيين لا يُغير الحكم ويجعله يُقدَّم على الواجب وهو هنا: الزكاة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التعيين للمستحب يقلبه إلى واجب ويُقدَّم على الواجب المطلق أم لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم، وكذا "تعارض التلازمين".
هذه آخر مسائل: "حقيقة الزكاة وحكمها وشروطها" ويليه باب "زكاة بهيمة الأنعام"
стр. 909
باب زكاة بهيمة الأنعام
وهي الإبل، والبقر، والغنم، وسُمِّيت بهيمة الأنعام؛ لأنها لا تتكلَّم (تجب) الزكاة (في إبل) بخاتي، أو عراب (وبقر) أهلية أو وحشية، ومنها: الجواميس (وغنم): ضأن أو معز: أهلية، أو وحشية (إذا كانت) لدر ونسل، لا لعمل، وكانت (سائمة) أي: راعية للمباح (الحول أو أكثره)؛ لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون" رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وفي حديث الصِّدِّيق: "وفي الغنم في سائمتها" إلى آخره، فلا تجب في معلوفة، ولا إذا اشترى لها ما تأكله، أو لها جمع من المباح ما تأكله (١) (فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض) إجماعًا وهو: ما تم لها
باب زكاة بهيمة الأنعام
وفيه ثمان عشرة مسألة:
(١) مسألة: تجب الزكاة في بهيمة الأنعام - الإبل والبقر والغنم بأنواعها - بشرطين: أولهما: أن تكون مُعدَّة للنماء والدَّر والنّسل، فإن كانت مُعدَّة للعمل فلا زكاة فيها، ثانيهما: أن تكون سائمة: بأن كانت ترعى أكثر العام من العشب النابت من المطر، فإن كان صاحبها يشتري لها عَلَفًا، أو جمع بنفسه عشبًا من الصحراء وعلَّفها إياه: فلا زكاة فيها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "ليس في العوامل صدقة" فنفى وجوب الزكاة على البهائم التي يُعمل عليها وهو عام لجميع البهائم؛ لأن "العوامل" جمع مُعرَّف بأل وهو من صيغ العموم؛ ودلَّ بمفهوم الصفة على وجوب الزكاة على غير العوامل، وهي المعدَّة للدَّر والنَّسل فلزم اشتراطه لذلك، ثانيهما: قوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" وقوله ﷺ : "في كل إبل سائمة" حيث إن مفهوم الصفة دلَّ على =
стр. 910
سنة، سُمِّيت بذلك؛ لأن أمها قد حملت، والماخض: الحامل، وليس كون أمها ماخضًا شرطًا، وإنما ذكر تفريعًا لها بغالب أحوالها (و) يجب (فيما دونها) أي: دون خمس وعشرين (في كل خمس شاة) بصفة الإبل إن لم تكن معيبة: ففي خمس من الإبل كرام سمان: شاة كريمة سمينة، فإن كانت الإبل معيبة: ففيها شاة صحيحة تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل، ولا يُجزئ بعير ولا بقرة ولا نصفا شاتين، وفي العشر: شاتان، وفي خمس عشرة: ثلاث شياه، وفي عشرين: أربع شياه، إجماعًا في
أن المعلوفة لا زكاة فيها، فلزم من ذلك اشتراطه "السَّوم" والبقر مثل الإبل والغنم؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تعليف البهيمة في اليسير لا يمكن التحرُّز منه، وصفة السوم لا تزول بذلك اليسير من العلف فلذا وجبت الزكاة فيها وإن عُلِّفت في بعض العام، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة في المعلوفة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمالك من الضرر؛ لأنه إذا اجتمع تعليفها مع إخراج زكاتها فإنه يتضرَّر ضررًا واضحًا، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة في العاملة؟ قلتُ: لكونها مُعدَّة للانتفاع دون النماء، وهي تشبه بذلك البيت المؤجَّر، فتجب الزكاة في الأجرة، لا على البيت، فكذا هنا، فإن قلتَ: لمَ بُدئ ببهيمة الأنعام؟ قلتُ: لأنها أعظم أموال العرب، وأغلاها ثمنًا، وأجمعها للمنافع؛ حيث إنها تجمع بين الركوب والزينة، واللَّبن، والسمن، واللحم، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بذلك الاسم؟ قلتُ: لإبهام صوتها، وعدم إدراك ما تريده، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت الراعية للعشب بالسائمة؟ قلتُ: لكونها تُعلم الأرض بسبب رعيها فيها ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ أي: المعلمة - كما في الصحاح (٥/ ١٩٥٥) - فائدة: "البخاتي": الإبل ذات السنامين المتولِّدة من العربي والعجمي؛ وهي منسوبة إلى بختنصَّر، و"العراب" الإبل ذات السنام الواحد.
стр. 911
الكل (وفي ست وثلاثين بنت لبون): ما تمَّ لها سنتان؛ لأن أمها قد وضعت غالبًا فهي ذات لبن (وفي ست وأربعين حِقَّة): ما تمَّ لها ثلاث سنين؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل، وأن يُحمل عليها وتُركب (وفي إحدى وستين جَذَعَة) بالذال المعجمة: ما تمَّ لها أربع سنين؛ لأنها تجذع إذا سقط سنُّها، وهذا أعلى سن يجب في الزكاة (وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقتان): إجماعًا (فإذا زادت عن مائة وعشرين واحدة فثلاث بنات لبون)؛ لحديث "الصدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ وكان عند آل عمر بن الخطاب" رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه (ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقَّة): ففي مائة وثلاثين حقة، وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين: حِقَّتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين: ثلاث حِقاق، وفي مائة وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون، وهكذا، فإذا بلغت مائتين: خُيِّر بين أربع حقاق، وخمس بنات لبون (٢)،
(٢) مسألة: مقدار النصاب في زكاة الإبل كما يلي: أولًا: إذا كانت الإبل أربعًا فقط: فلا زكاة فيها، ثانيًا: إذا كانت خمسًا: ففيها شاة واحدة تناسب الإبل في الصحة وعدمها، ولا يُجزئ إخراج بقرة أو بعير، أو نصف شاة، والنصف الآخر من أخرى عن ذلك، ثالثًا: إذا كانت عشرًا: ففيها شاتان، رابعًا: إذا كانت خمس عشرة: فيها ثلاث شياه، خامسًا: إذا كانت عشرين: ففيها أربع شياه، سادسًا: إذا كانت خمسًا وعشرين: ففيها بنت مُخاض، وهي الناقة التي بلغت سنة من عمرها، وهي التي تكون أمُّها ماخضًا أي: حامل في العادة، وتجب وإن لم تحمل أمَّها، سابعًا: إذا كانت ستًا وثلاثين: ففيها بنت لبون، وهي: الناقة التي لها سنتان، وهي التي تكون أمها ذات لبن في العادة، وتجب وإن لم تكن أمُّها ذات لبن، ثامنًا: إذا كانت ستًا وأربعين: ففيها حِقَّة، وهي الناقة التي لها ثلاث سنوات، وهي: التي استحقَّت أن يُحمل عليها، وأن يطرقها =
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفحل، تاسعًا: إذا كانت إحدى وستين: ففيها جَذَعَة وهي: الناقة التي تمَّ لها أربع سنوات، وهي الكاملة في الحسن واللَّبن والنَّسل والقوة، وهذه آخر سن تجب فيها الزكاة، وهي لا ينبت لها سن جديد - كما في اللسان (٨/ ٤٣) - عاشرًا: إذا كانت ستًا وسبعين ففيها بنتا لبون، حادي عشر: إذا كانت مائة وعشرين: ففيها حقَّتان، ثاني عشر: إذا كانت مائة وإحدى وعشرين: ففيها ثلاث بنات لبون، ثالث عشر: بعد ذلك يكون في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، رابع عشر: كلما زادت الإبل عشر بعد ذلك: تغيَّرت الفريضة: ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين: حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين: ثلاث حقاق، وفي مائة وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق، وبنت لبون، وفي المائتين يخيَّر المالك بين أن يُخرج عنها: خمس بنات لبون، أو أربع حقاق؛ لأن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة - كما سبق -؛ للإجماع حيث أجمع العلماء على هذه المقادير، ومستنده السنة القولية؛ وهو حديث الصدقات الذي كتبه النبي ﷺ وكان عند آل عمر بن الخطاب، وكذا: كتاب أبي بكر الصديق إلى أنس - لما وجهه إلى البحرين - قائلًا: "بسم الله، هذه فريضة الصدقة .. " إلى قوله: "في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة" إلى قوله: "وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس عليه صدقة"، فإن قلتَ: لمَ بُدئ ببيان زكاة الإبل؟ قلتُ: لكونها أعظم النعم قيمة؛ وأجسامًا، وأكثر أموال العرب نفعًا وهذا معلوم، فإن قلتَ: لمَ لا يجب شيء في الأربع من الإبل فما دونها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمالك؛ لأن هذا العدد لا يحتمل المواساة، فإن قلتَ: لمَ أوجب في كل خمس من الإبل شاة إلى بلوغها خمسًا =
стр. 913
ومن وجبت عليه بنت لبون مثلًا، وعُدمها، أو كانت معيبة، فله أن يعدل إلى بنت مخاض، ويدفع جبرانًا، أو إلى حقِّة ويأخذه، وهو: شاتان، أو عشرون درهمًا، ويُجزئ شاة وعشرة دراهم (٣)، ويتعيَّن على ولي محجور عليه إخراج أدون
وعشرين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو أوجب واحدًا من الإبل لتضرر المالك ولما احتمل المواساة، ولو لم يوجب شيئًا فيها لتضرَّر الفقير، فجمعًا بين المصلحتين: أوجب شاة، فإن قلتَ: لمَ "الوقص" - وهو: ما بين الخمس والعشرين إلى الست، والثلاثين، وما بين الست والثلاثين إلى الست والأربعين وهكذا لم يُوجب الشارع فيه زكاة مع أن الزيادة القليلة في الذهب والفضة والثمار والزروع تجب فيها الزكاة قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العَشْر من الإبل تحتاج إلى مؤنة كثيرة فلو وجبت الزكاة فيها لتضرَّر المالك، بخلاف الذهب والفضة والثمار والحبوب فلا مؤنة فيها غالبًا فوجبت الزكاة فيما زاد على النصاب وإن قلَّ، فإن قلتَ: لمَ بُدئ بإخراج الإناث كبنت مُخاض، وبنت لبون، وحقَّة، وَجَذَعَة دون الذكور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإناث أنفع للفقير، بسبب جلبها للذكور فيتسبَّب ذلك في كثرة مال الفقراء، ومن ثمَّ انتقالهم من مرتبة الفقر إلى الغنى، وهو المقصد منه.
(٣) مسألة: إذا لم يُوجد عند المالك الشيء الذي استحقَّ بالزكاة: فإنه يأخذ ما هو أدون منه، أو أعلى منه، ويجبر الناقص أو الزائد من المالك، أو ساعي الزكاة؛ فمثلًا: إذا وجبت عليك بنت لبون، كزكاة لما عندك، ولم توجد هذه عندك، أو وُجدت ولكنها معيبة: فإنك تُخرج عنها بنت مُخاض، وتدفع إلى ساعي الزكاة ما يُقابل الفرق وهو: شاة أو شاتان، أو دراهم على حسب سعر البهائم في العصر الذي أُخذت فيه الزكاة، وإذا لم يكن عندك بنت لبون ولا بنت مُخاض: فلك أن تدفع حقَّة، ويأخذها ساعي الزكاة، ويدفع لك الفرق، فتأخذ =
стр. 914
مُجزئ (٤)، ولا دخل لجبران في غير الإبل (٥) فصل: في زكاة البقر، وهي: مُشتقة من "بقرت الشيء": إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة (ويجب في ثلاثين من البقر) أهلية كانت أو وحشية (تبيع أو تبيعة) لكل منهما سنة، ولا شيء فيما دون الثلاثين؛ لحديث معاذ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن (و) يجب (في أربعين: مُسنَّة) لها سنتان ولا يجزئ مسن ولا تبيعان (ثم) يجب (في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مُسنَّة) فإذا بلغت ما يتفق فيه الفرضان كمائة وعشرين: خُيِّر؛ لحديث معاذ، رواه
منه شاة أو شاتين، أو دراهم عن الزائد وهكذا يُقال في الجَذَعَة ونحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بذلك، وبيَّنه في حديث الصدقات، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المالك، وعلى ساعي الزكاة، تنبيه: عند فعل ذلك يُنظر إلى سعر السوق في العصر الذي فيه أخذ الزكاة، لذلك نجد الرسول ﷺ عبَّر بسعر السوق في عصره، وكانت الشاة بعشرة دراهم في ذلك الزمن.
(٤) مسألة: يجب على ولي المحجور عليه - كصبي، ومجنون وسفيه - أن يخرج الزكاة من مال المحجور عليه، ويكون أدون شيء في ماله بشرط: أن يكون هذا المخرج مُجزئًا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مُراعاة لحال المحجور عليه؛ دفعًا للضرر عنه.
(٥) مسألة: الجبران، أو دفع الفرق - من شياه أو دراهم السابق ذكره في مسألة. (٣) - يُفعل في الإبل فقط، ولا يُفعل في البقر والغنم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ورود النَّص على الجبران في الإبل الاقتصار عليه فيها فقط، وغيرها من البقر والغنم ليست في معنى الإبل؛ لوجود التفاوت بين الإبل وغيرها في السن والعِظَم، والثَّمن.
стр. 915
أحمد (٦) (ويُجزئ الذكر هنا) وهو التبيع في الثلاثين من البقر؛ لورود النَّص به (و) يُجزئ (ابن لبون) وحقٌّ، وجَذَعٌ (مكان بنت مخاض) عند عدمها (و) يجزئ الذكر (إذا كان النصاب كله ذكورًا): سواء كان من إبل أو بقر، أو غنم؛ لأن الزكاة مواساة، فلا يُكلَّفها من غير ماله (٧) فصل: في زكاة الغنم (ويجب في أربعين من
(٦) مسألة: مقدار النصاب في زكاة البقر كما يلي: أولًا: إذا كانت تسعًا وعشرين رأسًا: فلا زكاة فيها، ثانيًا: إذا كانت ثلاثين رأسًا: ففيها تبيع أو تبيعة، وهي التي لها سنة واحدة، ثالثًا: إذا كانت أربعين رأسًا: ففيها مُسنَّة، وهي التي لها سنتان، رابعًا: إذا زادت عن ذلك: فإن الحساب يستقرُّ على أن يكون في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مُسنَّة، فعلى هذا: يكون في خمسين منها: مُسنَّة، وفي ستين: تبيعان، أو تبيعتان، وفي سبعين: تبيع ومُسنَّة، وفي ثمانين: مُسنَّتان، وفي تسعين: ثلاث تبيعات، وفي مائة: تبيعان ومُسنَّة، خامسًا: إذا كانت مائة وعشرين: خُيِّر المالك بين أربع تبيعات، أو ثلاث مُسنَّات؛ للسنة القولية؛ حيث قال معاذ: "أمرني رسول الله - لما بعثني إلى اليمن - بأن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مُسنَّة"، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة فيما دون الثلاثين من البقر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البقر تحتاج إلى الكثير من المؤنة، فلو وجبت الزكاة في ذلك العدد للحق المالك ضرر؛ لاجتماع مؤنتها وزكاتها عليه، فإن قلتَ: لم سُمِّي ذلك بالبقر؟ قلتُ: لأنها تبقر وتشقُّ الأرض عند الحرث بها، فسُمِّيت بعملها.
(٧) مسألة: يجزئ إخراج الذكور من الإبل، فيُخرج ابن مُخاض، وابن لبون، وحقًّا، وجَذَع عن بنت مخاض، وبنت لبون، وحقة، وجذعة عند عدم وجودها، ويجزئ إخراج الذكر إذا كان المالك لا يملك إلا ذكورًا: سواء كان ذلك من الإبل، أو الغنم؛ للمصلحة؛ حيث إن الزكاة مواساة للفقير، وعدم =
следующие страницы →