Полный текст (3 194 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الكل (وفي ست وثلاثين بنت لبون): ما تمَّ لها سنتان؛ لأن أمها قد وضعت غالبًا فهي ذات لبن (وفي ست وأربعين حِقَّة): ما تمَّ لها ثلاث سنين؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل، وأن يُحمل عليها وتُركب (وفي إحدى وستين جَذَعَة) بالذال المعجمة: ما تمَّ لها أربع سنين؛ لأنها تجذع إذا سقط سنُّها، وهذا أعلى سن يجب في الزكاة (وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي إحدى وتسعين حقتان): إجماعًا (فإذا زادت عن مائة وعشرين واحدة فثلاث بنات لبون)؛ لحديث "الصدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ وكان عند آل عمر بن الخطاب" رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه (ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقَّة): ففي مائة وثلاثين حقة، وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين: حِقَّتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين: ثلاث حِقاق، وفي مائة وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون، وهكذا، فإذا بلغت مائتين: خُيِّر بين أربع حقاق، وخمس بنات لبون (٢)،
(٢) مسألة: مقدار النصاب في زكاة الإبل كما يلي: أولًا: إذا كانت الإبل أربعًا فقط: فلا زكاة فيها، ثانيًا: إذا كانت خمسًا: ففيها شاة واحدة تناسب الإبل في الصحة وعدمها، ولا يُجزئ إخراج بقرة أو بعير، أو نصف شاة، والنصف الآخر من أخرى عن ذلك، ثالثًا: إذا كانت عشرًا: ففيها شاتان، رابعًا: إذا كانت خمس عشرة: فيها ثلاث شياه، خامسًا: إذا كانت عشرين: ففيها أربع شياه، سادسًا: إذا كانت خمسًا وعشرين: ففيها بنت مُخاض، وهي الناقة التي بلغت سنة من عمرها، وهي التي تكون أمُّها ماخضًا أي: حامل في العادة، وتجب وإن لم تحمل أمَّها، سابعًا: إذا كانت ستًا وثلاثين: ففيها بنت لبون، وهي: الناقة التي لها سنتان، وهي التي تكون أمها ذات لبن في العادة، وتجب وإن لم تكن أمُّها ذات لبن، ثامنًا: إذا كانت ستًا وأربعين: ففيها حِقَّة، وهي الناقة التي لها ثلاث سنوات، وهي: التي استحقَّت أن يُحمل عليها، وأن يطرقها =
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفحل، تاسعًا: إذا كانت إحدى وستين: ففيها جَذَعَة وهي: الناقة التي تمَّ لها أربع سنوات، وهي الكاملة في الحسن واللَّبن والنَّسل والقوة، وهذه آخر سن تجب فيها الزكاة، وهي لا ينبت لها سن جديد - كما في اللسان (٨/ ٤٣) - عاشرًا: إذا كانت ستًا وسبعين ففيها بنتا لبون، حادي عشر: إذا كانت مائة وعشرين: ففيها حقَّتان، ثاني عشر: إذا كانت مائة وإحدى وعشرين: ففيها ثلاث بنات لبون، ثالث عشر: بعد ذلك يكون في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، رابع عشر: كلما زادت الإبل عشر بعد ذلك: تغيَّرت الفريضة: ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين: حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين: ثلاث حقاق، وفي مائة وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق، وبنت لبون، وفي المائتين يخيَّر المالك بين أن يُخرج عنها: خمس بنات لبون، أو أربع حقاق؛ لأن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة - كما سبق -؛ للإجماع حيث أجمع العلماء على هذه المقادير، ومستنده السنة القولية؛ وهو حديث الصدقات الذي كتبه النبي ﷺ وكان عند آل عمر بن الخطاب، وكذا: كتاب أبي بكر الصديق إلى أنس - لما وجهه إلى البحرين - قائلًا: "بسم الله، هذه فريضة الصدقة .. " إلى قوله: "في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة" إلى قوله: "وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس عليه صدقة"، فإن قلتَ: لمَ بُدئ ببيان زكاة الإبل؟ قلتُ: لكونها أعظم النعم قيمة؛ وأجسامًا، وأكثر أموال العرب نفعًا وهذا معلوم، فإن قلتَ: لمَ لا يجب شيء في الأربع من الإبل فما دونها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمالك؛ لأن هذا العدد لا يحتمل المواساة، فإن قلتَ: لمَ أوجب في كل خمس من الإبل شاة إلى بلوغها خمسًا =
стр. 913
ومن وجبت عليه بنت لبون مثلًا، وعُدمها، أو كانت معيبة، فله أن يعدل إلى بنت مخاض، ويدفع جبرانًا، أو إلى حقِّة ويأخذه، وهو: شاتان، أو عشرون درهمًا، ويُجزئ شاة وعشرة دراهم (٣)، ويتعيَّن على ولي محجور عليه إخراج أدون
وعشرين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو أوجب واحدًا من الإبل لتضرر المالك ولما احتمل المواساة، ولو لم يوجب شيئًا فيها لتضرَّر الفقير، فجمعًا بين المصلحتين: أوجب شاة، فإن قلتَ: لمَ "الوقص" - وهو: ما بين الخمس والعشرين إلى الست، والثلاثين، وما بين الست والثلاثين إلى الست والأربعين وهكذا لم يُوجب الشارع فيه زكاة مع أن الزيادة القليلة في الذهب والفضة والثمار والزروع تجب فيها الزكاة قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العَشْر من الإبل تحتاج إلى مؤنة كثيرة فلو وجبت الزكاة فيها لتضرَّر المالك، بخلاف الذهب والفضة والثمار والحبوب فلا مؤنة فيها غالبًا فوجبت الزكاة فيما زاد على النصاب وإن قلَّ، فإن قلتَ: لمَ بُدئ بإخراج الإناث كبنت مُخاض، وبنت لبون، وحقَّة، وَجَذَعَة دون الذكور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإناث أنفع للفقير، بسبب جلبها للذكور فيتسبَّب ذلك في كثرة مال الفقراء، ومن ثمَّ انتقالهم من مرتبة الفقر إلى الغنى، وهو المقصد منه.
(٣) مسألة: إذا لم يُوجد عند المالك الشيء الذي استحقَّ بالزكاة: فإنه يأخذ ما هو أدون منه، أو أعلى منه، ويجبر الناقص أو الزائد من المالك، أو ساعي الزكاة؛ فمثلًا: إذا وجبت عليك بنت لبون، كزكاة لما عندك، ولم توجد هذه عندك، أو وُجدت ولكنها معيبة: فإنك تُخرج عنها بنت مُخاض، وتدفع إلى ساعي الزكاة ما يُقابل الفرق وهو: شاة أو شاتان، أو دراهم على حسب سعر البهائم في العصر الذي أُخذت فيه الزكاة، وإذا لم يكن عندك بنت لبون ولا بنت مُخاض: فلك أن تدفع حقَّة، ويأخذها ساعي الزكاة، ويدفع لك الفرق، فتأخذ =
стр. 914
مُجزئ (٤)، ولا دخل لجبران في غير الإبل (٥) فصل: في زكاة البقر، وهي: مُشتقة من "بقرت الشيء": إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة (ويجب في ثلاثين من البقر) أهلية كانت أو وحشية (تبيع أو تبيعة) لكل منهما سنة، ولا شيء فيما دون الثلاثين؛ لحديث معاذ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن (و) يجب (في أربعين: مُسنَّة) لها سنتان ولا يجزئ مسن ولا تبيعان (ثم) يجب (في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مُسنَّة) فإذا بلغت ما يتفق فيه الفرضان كمائة وعشرين: خُيِّر؛ لحديث معاذ، رواه
منه شاة أو شاتين، أو دراهم عن الزائد وهكذا يُقال في الجَذَعَة ونحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بذلك، وبيَّنه في حديث الصدقات، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المالك، وعلى ساعي الزكاة، تنبيه: عند فعل ذلك يُنظر إلى سعر السوق في العصر الذي فيه أخذ الزكاة، لذلك نجد الرسول ﷺ عبَّر بسعر السوق في عصره، وكانت الشاة بعشرة دراهم في ذلك الزمن.
(٤) مسألة: يجب على ولي المحجور عليه - كصبي، ومجنون وسفيه - أن يخرج الزكاة من مال المحجور عليه، ويكون أدون شيء في ماله بشرط: أن يكون هذا المخرج مُجزئًا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مُراعاة لحال المحجور عليه؛ دفعًا للضرر عنه.
(٥) مسألة: الجبران، أو دفع الفرق - من شياه أو دراهم السابق ذكره في مسألة. (٣) - يُفعل في الإبل فقط، ولا يُفعل في البقر والغنم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ورود النَّص على الجبران في الإبل الاقتصار عليه فيها فقط، وغيرها من البقر والغنم ليست في معنى الإبل؛ لوجود التفاوت بين الإبل وغيرها في السن والعِظَم، والثَّمن.
стр. 915
أحمد (٦) (ويُجزئ الذكر هنا) وهو التبيع في الثلاثين من البقر؛ لورود النَّص به (و) يُجزئ (ابن لبون) وحقٌّ، وجَذَعٌ (مكان بنت مخاض) عند عدمها (و) يجزئ الذكر (إذا كان النصاب كله ذكورًا): سواء كان من إبل أو بقر، أو غنم؛ لأن الزكاة مواساة، فلا يُكلَّفها من غير ماله (٧) فصل: في زكاة الغنم (ويجب في أربعين من
(٦) مسألة: مقدار النصاب في زكاة البقر كما يلي: أولًا: إذا كانت تسعًا وعشرين رأسًا: فلا زكاة فيها، ثانيًا: إذا كانت ثلاثين رأسًا: ففيها تبيع أو تبيعة، وهي التي لها سنة واحدة، ثالثًا: إذا كانت أربعين رأسًا: ففيها مُسنَّة، وهي التي لها سنتان، رابعًا: إذا زادت عن ذلك: فإن الحساب يستقرُّ على أن يكون في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مُسنَّة، فعلى هذا: يكون في خمسين منها: مُسنَّة، وفي ستين: تبيعان، أو تبيعتان، وفي سبعين: تبيع ومُسنَّة، وفي ثمانين: مُسنَّتان، وفي تسعين: ثلاث تبيعات، وفي مائة: تبيعان ومُسنَّة، خامسًا: إذا كانت مائة وعشرين: خُيِّر المالك بين أربع تبيعات، أو ثلاث مُسنَّات؛ للسنة القولية؛ حيث قال معاذ: "أمرني رسول الله - لما بعثني إلى اليمن - بأن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مُسنَّة"، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة فيما دون الثلاثين من البقر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البقر تحتاج إلى الكثير من المؤنة، فلو وجبت الزكاة في ذلك العدد للحق المالك ضرر؛ لاجتماع مؤنتها وزكاتها عليه، فإن قلتَ: لم سُمِّي ذلك بالبقر؟ قلتُ: لأنها تبقر وتشقُّ الأرض عند الحرث بها، فسُمِّيت بعملها.
(٧) مسألة: يجزئ إخراج الذكور من الإبل، فيُخرج ابن مُخاض، وابن لبون، وحقًّا، وجَذَع عن بنت مخاض، وبنت لبون، وحقة، وجذعة عند عدم وجودها، ويجزئ إخراج الذكر إذا كان المالك لا يملك إلا ذكورًا: سواء كان ذلك من الإبل، أو الغنم؛ للمصلحة؛ حيث إن الزكاة مواساة للفقير، وعدم =
стр. 916
الغنم) ضأنًا كانت أو معز، أهلية أو وحشية (شاة): جذع ضأن، أو ثني معز، ولا شيء فيما دون الأربعين (وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان) إجماعًا (وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه ثم) تستقرُّ الفريضة (في كل مائة شاة): ففي خمسمائة: خمس شياه، وفي ستمائة ست شياه، وهكذا (٨)، ولا تُؤخذ هرمة، ولا معيبة لا يُضحَّى
إضرار بالغني، فإخراج ذكر مع وجود الأنثى إضرار في حق الفقير؛ لأن الأنثى أنفع للفقير، وتكليف الغني بأن يخرج أنثى في حين أنه لا يملك إلا ذكورًا فيها إلحاق الضرر به، فدفعًا للضررين: شُرع هذا، تنبيه: قوله: "ويُجزئ الذكر هنا وهو: التبيع .. " لا داعي له؛ لورود إجزائه في النَّص، فلا يحتاج إلى ذكره، بخلاف الذكر من الإبل والغنم فُيحتاج إلى ذكره؛ لورود النص بالأنثى، فاحتاج إلى التنبيه عليه، فإن قلتَ: لمَ جاز إخراج ماله سنة من الإبل - وهو: بنت مخاض - ومن البقر - وهو: التبيع والتبيعة؟ قلتُ: لأنه إذا بلغ هذا السنَّ استقلَّ بنفسه؛ لقدرته على الدفاع عن نفسه من صغار السباع، ورعيه للشجر ووروده للمياه، دون مُساعدة، أحد بخلاف ما هو دون السنة.
(٨) مسألة: مقدار النصاب في زكاة الغنم كما يلي: أولًا: إذا كانت تسعًا وثلاثين رأسًا: فلا زكاة فيها، ثانيًا: إذا كانت أربعين رأسًا: ففيها شاة واحدة، ثالثًا: إذا كانت مائة وإحدى وعشرين: ففيها شاتان، رابعًا: إذا كانت مائتين وواحدة: ففيها ثلاث شياه، خامسًا: إذا زادت عن ذلك: ففي كل مائة شاة واحدة، وتستقر الفريضة على ذلك، وعليه: يُخرج عن ثلاثمائة: ثلاث شياه، وعن أربعمائة: أربع شياه وهكذا؛ للسنة القولية؛ حيث ورد ذلك في كتاب الصدقات الذي عمل به أبو بكر وعمر ﵃ وغيرهما وهو كتاب كتبه النبي ﷺ وفيه "وفي الغنم من أربعين إلى عشرين ومائة: شاة .. " فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة فيما دون الأربعين؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بينَّاها في المقصد من عدم =
стр. 917
بها (٩) إلا إن كان الكل كذلك (١٠) ولا حامل، ولا الرُّبى التي تُربِّي ولدها، ولا طروقة الفحل، ولا كريمة، ولا أكولة، إلا أن يشاء ربها، وتؤخذ مريضة من مراض (١١)،
وجوب الزكاة فيما دون خمس من الإبل، وفيما دون الثلاثين من البقر في مسألتي (٢ و ٦).
(٩) مسألة: لا يجوز لساعي الزكاة وجامعها: أن يأخذ بهيمة معيبة بهرم أو مرض أو نحو ذلك مما لا يُجزئ في الأضحية؛ للسنة القولية؛ حيث ورد في الحديث الذي رواه أبو بكر ﵁: "ولا يُخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق" حيث حرَّم الشارع إخراج المعيبة في ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضرر عن الفقراء والمستحقين للزكاة، فإن قلتَ: لمَ أذن للمصدِّق - وهو ساعي الزكاة - بأن يأخذ ما شاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يأخذ ما فيه مصلحة للفقير، ولا يضر الغني.
(١٠) مسألة: إذا كانت كل بهائم المالك معيبة كأن تكون مريضة: فيجوز إخراج معيبة منها زكاة عنها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مُراعاة للمالك؛ لأن تكليفه إخراج صحيحة زكاة عن بهائم معيبة يلحق الضرر به، فدفعًا لذلك: جاز إخراج المعيبة هنا.
(١١) مسألة: لا تُؤخذ في الزكاة الحامل من البهائم، ولا التي تربي ولدها بلبنها، ولا التي طرقها الفحل، ولا الكريمة النفيسة، ولا الأكولة، إلا إذ أذن المالك في أخذ تلك الخمس؛ للمصلحة؛ حيث إن تلك الخمس لو أُخذت زكاة لتضرَّر المالك؛ لظهور منافعها له، لكن لو أذن بأخذها: فتؤخذ؛ لأن المالك أسقط حقَّه، تنبيه: قوله: "وتؤخذ مريضة من مراض" قلت: هذا مكرر مع قوله: "إلا إن كان الكل كذلك" وقد سبق في مسألة (١٠).
стр. 918
وصغيرة من صغار غنم (١٢)، لا إبل وبقر: فلا يُجزئ فصلان وعجاجيل (١٣)، وإذا
(١٢) مسألة: يجوز أن يُخرج الصغيرة من الغنم كزكاة إذا كانت كلها صغيرة: بأن كانت لم تستكمل ستة أشهر في الضأن، أو لم تُكمل السنة في المعز، ولا يُكلِّف المالك بأن يُخرج كبيرة زكاة عن صغار؛ لقول الصحابي؛ حيث قال أبو بكر- ﵁: "لو منعوني عناقًا كانوا يؤدُّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه" - قال ذلك في بعض القبائل الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ وهذا يدل على جواز إخراج الصغيرة من الغنم عن الصغار؛ لأن "العناق" هي الأنثى من ولد المعز الذي لم يتم له سنة، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الضرر عن المالك؛ لأن تكليفه بإخراج كبيرة عن صغار يلحق الضرر به؛ لكونها غالية الثمن.
(١٣) مسألة: يجوز أن يُخرج الصغيرة من الإبل والبقر كزكاة إذا كانت كلها صغيرة بأن كانت كلها فصلان وعجاجيل؛ للقياس، بيانه: كما يجوز ذلك في الغنم - كما سبق في مسألة (١٢) - فكذلك يجوز في الإبل والبقر الصغيرة، والجامع: دفع الضَّرر عن المالك في كل، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: لا يجزئ ذلك، بل يشتري بنت مخاض فيخرجها عن صغار الإبل، ويشتري تبيعًا أو تبيعة فيُخرجها عن صغار البقر - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ورود ذلك: عدم إجزاء إخراج الصغيرة، وليست الإبل والبقر كالغنم؟ قلتُ: لا فرق بين البهائم في ذلك، وعدم وروده بنص لا يعني عدم مشروعيته بقياس الإبل والبقر على الغنم؛ لعدم الفارق في دفع الضرر عن المالك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل العلة في إخراج الصغيرة من الغنم عن صغيرات قاصرة أو متعدية؟ " فعندنا: متعدية إلى الإبل والبقر وعندهم: قاصرة على الغنم فقط، ولا يقاس عليها غيرها.
стр. 919
اجتمع صغار وكبار، وصحاح ومعيبات، وذكور وإناث: أخذت أنثى صحيحة كبيرة على قدر قيمة المالين (١٤)، وإن كان النصاب نوعين: كبخاتي وعراب، وبقر، وجواميس، وضأن ومعز: أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين (١٥)
(١٤) مسألة: إذا اجتمع عندك أربعون من الغنم مثلًا، فيها الصحاح والمعيبات، وفيها الكبار والصغار، وفيها الذكور والإناث فيجب أن تخرج أنثى صحيحة كبيرة بشرط: أن تكون المخرجة على قدر قيمة المالين: الصغار والكبار والصحاح والمعيبات، والذكور والإناث: فتقوِّم الصحيحة بمائة ريال - مثلًا -، وتقوَّم المعيبة بخمسين ريالًا، فتأخذ بنصف القيمتين، وهو هنا: نصف المائة: خمسون، ونصف الخمسين: خمس وعشرون، فيُجمع النصفان، فيكون مجموعهما: خمسة وسبعون، فتخرج شاة قيمتها خمسة وسبعون ريالًا، وكذلك يفعل بالكبيرة مع الصغيرة، والذكر مع الأنثى ويفعل في الإبل والبقر كذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمالك وللفقير من الضرر؛ إذ لو أخذنا الصحيحة الكبيرة الأنثى مطلقًا لتضرَّر المالك، ولو أخذنا المعيبة الصغيرة وأُعطيت للفقير لتضرر، فدفعًا لذلك أخذنا بمتوسط الثمنين؛ حفاظًا على حقوق الطرفين.
(١٥) مسألة: إذا اجتمع عندك أنواع من الإبل كالبخاتي والعراب، وأنواع من البقر: كالجواميس والبقر العادي، وأنواع من الغنم: كالضأن والمعز: فإنك تخرج الزكاة من أحد النوعين، وتبرأ ذمتك بشرط: أن يكون المخرج على قدر قيمة المالين، فمثلًا: تقوِّم الناقة، من البخاتي بألفين، وتقوِّم الناقة من العراب بألف، فتأخذ نصف القيمتين، وهو نصف الألفين، وهو: ألف، ونصف الألف وهو خمسمائة، فتجمع النصفين، فيكون ألفًا وخمسمائة، فتخرج للزكاة ناقة تساوي ألفًا وخمسمائة، وكذا يُفعل بالبقر والجواميس، والضأن والمعز؛ للمصلحة؛ وقد بيناها في مسألة (١٤). [فرع]: يجوز إخراج قيمة المزكَّى به: =
стр. 920
(والخُلْطة) بضم الخاء، أي: الشركة، (تُصيِّر المالين) المختلطين (كـ) المال (الواحد) إن كان نصابًا من ماشية، والخليطان من أهل وجوبها: سواء كانت خلطة أعيان بكونه مُشاعًا: بأن يكون لكل نصف أو نحوه، أو خلطة أوصاف: بأن تُميَّز ما لكل، واشتركا في "مُرَاح" - بضم الميم -، وهو: المبيت و"المأوى" و"مسرح"، وهو: ما اجتمع فيه لتذهب للمرعى، و"محلب" وهو: موضع الحلب و"فحل": بأن لا يختص بطرق أحد المالين، و"مرعى" وهو موضع الرعي ووقته، لقوله ﷺ : "لا يُجمع بين مفترق، ولا يُفرَّق بين مجتمع؛ خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" رواه الترمذي وغيره، فلو كان لإنسان شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو لأربعين رجلًا أربعون شاة، لكل واحد شاة، واشتركا حولًا تامًا: فعليهم شاة على حسب ملكهم، وإذا كان لثلاثة مائة وعشرون شاة لكل واحد أربعون، ولم يثبت لأحدهم حكم الانفراد في شيء من الحول: فعلى الجميع شاة أثلاثًا، ولا أثر لخلطة من ليس من أهل الزكاة، ولا فيما دون نصاب، ولا لخلطة مغصوب (١٦)،
سواء كان في البهائم أو الحبوب أو الثمار، أو الذهب أو الفضة، فمثلًا يجوز إعطاء الفقراء الخمسة والسبعين ريالًا في مسألة (١٤)، وكذا إعطاؤهم الألف والخمسمائة ريالًا في مسألة (١٥)، وكذا: لو وجبت شاة على شخص فيجوز أن يُخرج قيمة شاة متوسطة، ويعطيها الفقير، وكذا: يُقدِّر ثمن زكاة الثمار والحبوب ويُعطي هذا الثمن الفقير؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أنفع للفقير، وأيسر على المالك غالبًا.
(١٦) مسألة: الخُلْطة في بهيمة الأنعام تجعل مال الشركاء كأنه مال واحد يملكه فرد واحد: تجب فيه الزكاة: إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول، وهي سائمة وكان الشركاء من أهل الزكاة غير غاصبين لشيء منها؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ : "ولا يُجمع بين متفرِّق، ولا يُفرَّق بين مجتمع في الصدقة، وما كان =
стр. 921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" فأوجب الشارع الزكاة في الخلطة بين الشركاء؛ لأن النهي مطلق فيقتضي التحريم، وترك الحرام واجب هذا إذا اجتمعت شروط الزكاة، وكل واحد يتحمل نصيبه من ذلك، فلو اشترك أربعة في ملك أربعين من الغنم: ففيها شاة واحدة تُعطى الفقير، وكل واحد من الشركاء يتحمَّل رُبُعَها من رأس المال وهكذا، وهذا عام لخلطة الأعيان، ولخلطة الأوصاف؛ لأن لفظ "مجتمع" الوارد في الحديث نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المالين المختلطين مال واحد في المؤنة والكلفة، فإن قلتَ: لمَ لا زكاة على مال يكون أحد الشريكين فيه غاصبًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه منع لتصرُّف الغاصب في المغصوب، [فرع] الفرق بين خلطة الأعيان، وخلطة الأوصاف؟ هو أن خلطة الأعيان هي أن يشترك اثنان فأكثر في ملك عدد من البهائم ويكون لكل واحد من الشركاء ثلثها أو ربعها، ويكون نصيب كل واحد منهم مشاعًا بينهم، أما خلطة الأوصاف فهي: أن يشترك اثنان فأكثر في ملك عدد من البهائم لكل واحد منهم عدد معيَّن تتميز عن حق الآخر، فتكون لفلان: عشر منها، وللآخر عشرون، وهكذا بشرط: أن تشترك هذه البهائم في أمور خمسة هي: "المراح" بأن تنام تلك البهائم في مكان واحد، "المسرح" بأن تسلك طريقًا واحدًا للذهاب إلى المرعى، "المحلب" بأن تحلب في موضع واحد، "الفحل" بأن يكون الفحل لهذه البهائم واحد، "المرعى" بأن ترعى في موضع واحد ووقت واحد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "والخليطان ما اجتمعا في الحوض، والراعي والفحل" والمسرح، والمحلب كذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة". [فرع آخر]: يُحرَّم إن يجمع أشخاص البهائم التي عند كل واحد منهم؛ =
стр. 922
وإذا كانت سائمة الرَّجل متفرقة فوق مسافة قصر: فلكلٍ محلُّ حكمه (١٧)، ولا أثر
للتخلُّص من كثرة الزكاة، ولا يفرق شخص ما عنده لأجل التخلص منها فمثلًا: لو ملك ثلاثة: مائة وعشرين شاة، كل واحد يملك أربعين شاة، فتجب على كل واحد منهم شاة، فيُعطى الفقراء ثلاث شياه، ولكن لو جمع هؤلاء الثلاثة ما عندهم جميعًا فترة من الزمن: لكانت مائة وعشرين شاة: وأخرجوا شاة واحدة عليها؛ بناء على أن كل في مائة شاة واحدة، فإن هذا محرَّم، وكذلك: لو كان عند واحد أربعون شاة ففرقها بينه وبين آخر؛ للتخلص من زكاتها: فهذا محرم؛ للسنة القولية؛ حث قال ﷺ : "لا يُجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مجتمع؛ خشية الصدقة"، حيث إن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الحيل لسلب حقوق الفقراء بغير حق.
(١٧) مسألة: إذا ملك مسلم أربعين شاة، وهي متفرِّقة في بلدان عديدة يبعد كل بلد عن الآخر مسافة قصر (وهي ٨٢ كم) أو أقل أو أكثر: بأن كان يملك عشرين منها في مكة، وعشر في المدينة، وعشر في الرياض مثلًا: فإنه يضم بعضها إلى بعض، ويُخرج زكاتها، وهي: شاة واحدة، وكذا يُقال في الإبل والبقر؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عموم أدلة وجوب الزكاة: أنها تُخرج من الأموال المجتمعة والمتفرِّقة إذا توفرت شروطها، الثانية: القياس، بيانه: كما أن تفرقة المال بين البلدان في غير البهائم لا يُؤثِّر، ويُضم بعضه إلى بعض، ويُخرج زكاة الجميع، فكذلك في البهائم، والجامع: أن كلًا منها يُعتبر مالًا قد تعلَّقت زكاته بذمته، وللنظر إلى جانب الفقير، وهو المقصد من هذا الحكم، فإن قلتَ: إذا تفرَّقت تلك الأغنام في بلدان يبعد كل واحد عن =
стр. 923
للخلطة ولا للتفريق في غير ماشية، ويُحرَّمان؛ فرارًا؛ لما تقدم (١٨).
الآخر مسافة قصر: فلا زكاة فيها إذا لم تبلغ النصاب في البلد الواحد، - وهذا ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
(١٨) مسألة: الخُلْطة وهو: الجمع والتفرقة لا يُؤثِّر في جميع الأموال التي يُزكى عليها من نقود وأثمان، وعروض تجارة، وحبوب وثمار - غير البهائم كما سبق في مسألة (١٦) - فمثلًا: لو اشترك اثنان في شركة، ودفع كل واحد منهما عشرة آلاف، واشتريا ثيابًا؛ لبيعها: فإن كل واحد مسؤول عن حصَّته من الرِّبح إذا بلغ نصابًا وحال الحول على ذلك: فيُخرج زكاة ذلك دون تعلّق أحدهما بالآخر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في البهائم: "لا يجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مجتمع" ولم يذكر هذا في غير البهائم، فيلزم: أن الخلطة والتفريق خاصَّان بالبهائم، ولا يتعدِّى ذلك إلى غير البهائم من الأموال الزكوية تنبيه: قوله: "ويحرمان لما تقدم" قلت: قد سبق ذلك في الفرع الثاني من مسألة (١٦).
هذه آخر مسائل باب "زكاة بهيمة الأنعام" ويليه باب "زكاة الحبوب والثمار"
стр. 924
باب زكاة الحبوب والثمار
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ والزكاة تُسمَّى "نفقة" (تجب) الزكاة (في الحبوب كلها) كالحنطة والشعير والأرز، والدَّخن، والباقلاء، والعدس، والحمَّص، وسائر الحبوب (ولو لم تكن قوتًا) كحب الرشاد والفجل والقرطم، والأبازير كلها كالكسفرة، والكمون، وبزر الكتان، والقثاء، والخيار؛ لعموم قوله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون العشر" رواه البخاري (وفي كل ثمر يُكال ويُدَّخر)؛ لقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" فدلَّ على اعتبار التوسيق، وما لا يُدَّخر: لا تكمل فيه النعمة؛ لعدم النفع به مآلًا (كثمر وزبيب) ولوز وفستق وبندق، ولا تجب في سائر الثمار، ولا في الخضر والبقول، والزهور ونحوها، غير صعتر، وأشنان، وسماق، وورق شجر يُقصد كسدر وخطمي، وآس فتجب فيها، لأنها مكيلة مُدَّخرة (١) (ويُعتبر)
باب زكاة الحبوب والثمار وما أخرج من الأرض كالمعدن والركاز
وفيه خمس وعشرون مسألة:
(١) مسألة: تجب الزكاة في جميع الحبوب والثمار بشرطين: أولهما: أن تكون مكيلة أو موزونة، ثانيهما: أن يكون قابلًا للادِّخار؛ للانتفاع به في المستقبل، وهذا يشمل التمر، والزيتون، واللوز، والفستق، والبندق، والبر، والحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، والبقول، والعدس، والحمُّص، والماش، واللُّوبيا، والسعتر، والأشنان، والسماق، وورق السدر المستفاد منه، وحب الرشاد، والبهارات، والحبة السوداء، ونحو ذلك مما يخرج من الأرض وينتج من الأشجار من الحبوب والثمار أما ما لم يتوفر فيه هذان الشرطان فلا زكاة فيه كالزهور، والخضراوات والفواكه، والورود ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث =
стр. 925
لوجوب الزكاة في جميع ذلك: (بلوغ نصاب قدره) بعد تصفية حب من قشره، وجفاف غيره: خمسة أوسق؛ لحديث أبي سعيد الخدري يرفعه: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" رواه الجماعة و"الوسْق": ستون صاعًا وتقدَّم: أنه خمسة أرطال وثلث عراقي، فهي (ألف وستمائة رطل عراقي) وألف وأربعمائة وثمانية
قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والحقُّ: هو الزكاة المفروضة - كما قال ابن عباس - وقال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ والزكاة: تسمَّى نفقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمراد: ولا يخرجون زكاتها، ففي هاتين الآيتين أوجب إخراج الزكاة في جميع الحبوب والثمار؛ لأن الأمر في قوله: "وآتوا" و"أنفقوا" مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سُقي بالسانية نصف العشر" وهو عام للزروع، والثمار، والحبوب، ثانيهما: قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" حيث دلَّ على أن الزكاة تجب فيما يُوسق من الثمار والحبوب، وهو الذي يُقدَّر بالكيل ويُدَّخر، دون ما لا يُدَّخر منها: كالخضراوات والفواكه، ويُكال - كما قال الخطَّابي في "معالم السنن"، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الأول؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما يزكى يُقدَّر بذلك الكيل أو الوزن، لأن مالا يُقدَّر يصعب تقديره، فإن قلتَ: لمَ اشترط الثاني؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مالا يُدَّخر لا تكتمل ماليته، ولا تظهر نعمته؛ لعدم التمكُّن من الانتفاع به في المستقبل، فائدة: "الصعتر" أو السعتر: نبات طيب الرائحة؛ و"الأشنان": نبات حمضي يُؤخذ ويُغسل به الثياب وهو: كالصابون في زماننا هذا، و"السَّماق": نبات شديد الحموضة يؤكل، والمراد بورق الشجر: الذي يُؤخذ ويُقصد منه الادخار للانتفاع به في المستقبل كورق السدر، والخمط والآس.
стр. 926
وعشرون رطلًا، وأربعة أسباع رطل، مصري، وثلاثمائة واثنان وأربعون رطلًا وستة أسباع رطل دمشقي، ومائتان وسبعة وخمسون رطلًا وسُبُع رطل قُدْسي، و"الوسْق" و"المدُّ" و"الصاع" مكاييل نُقلت إلى الوزن؛ لتحفظ، وتُنقل، وتُعتبر بالبر الرَّزين، فمن اتخذ مكيلًا يسع صاعًا منه: عُرِف به ما بلغ حدَّ الوجوب من غيره (٢)
(٢) مسألة: مقدار النصاب الذي تجب فيه الزكاة في الحبوب والثمار هو: خمسة أوسق، و"الوِسْق" ستون صاعًا، فتكون الخمسة الأوسق: "ثلاثمائة صاعًا"، و"الصاع": بالوزن: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، فتكون الثلاثمائة صاعًا: ألفًا وستمائة رطل عراقي، وهذا يُعادل في أيامنا هذه: "ستمائة وثلاثة وخمسين كيلو جرام"، فمن ملك "٣٠٠ صاعًا" أو "٦٥٣ كجم" فأكثر: فإن الزكاة تجب عليه فيها، ويُخرج عشرها، أو نصفه - كما سيأتي بيانه ولا يُشترط حولان الحول عليه - أما إن ملك أقلَّ من ذلك: فلا زكاة عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" حيث دلَّ مفهوم العدد على وجوب الزكاة إذا بلغت خمسة أوسق، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن باب الزكاة مبني على مراعاة المالك والفقير معًا، فلو وجبت الزكاة فيما هو دون ذلك المقدار: لتضرَّر المالك؛ لكون الأقل من ذلك لا يتحمَّل أن يؤخذ منه شيء، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط تمام الحول هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يكمل نماؤه بحصاده وجذِّ ثمره، وجنيه، وهذا أصلح للفقير، فلو أُجِّل عن ذلك لفسد، فإن قلتَ: لمَ نُقلت المكاييل - وهو الوسق، والمد، والصاع - إلى الوزن وقُدِّرت به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الوزن كثيرًا ما يكون أضبط، وأحفظ، وأمنع للنزاعات، والمكيلات تختلف بالوزن: فمنها الثقيل، كالتمر، ومنها الخفيف كالذرة والشعير، ومنها المتوسط كالبر الجيد؛ فإن قلتَ: لا يُشترط النصاب في الحبوب، والثمار، ولذا تجب الزكاة في قليله وكثيره، وهو قول مجاهد، وأبي حنيفة وبعض العلماء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "فيما سقت =
стр. 927
(وتُضمُّ) أنواع الجنس من (ثمرة العام الواحد) وزرعه (بعضها إلى بعض) ولو مما يحمل في السنة حملين (في تكميل النصاب)؛ لعموم الخبر، وكما لو بدا صلاح إحداهما قبل الأخرى: سواء اتفق وقت إطلاعها، وإدراكها، أو اختلف تعدُّد البلد أو لا (لا جنس إلى آخر) فلا يُضمُّ برٌّ لشعير، ولا تمر لزبيب في تكميل نصاب كالمواشي (٣) (ويُعتبر) أيضًا لوجوب الزكاة فيما تقدَّم: (أن يكون النصاب مملوكًا له
السماء العشر" وهذا عام فيما بلغ النصاب، أو لم يبلغه؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم قلتُ: إن هذا العموم قد خصَّصته السنة القولية الأخرى وهي قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" حيث إن مفهوم العدد هنا دلَّ على وجوب الزكاة في خمسة أوسق فأكثر وهذا من باب تخصيص المنطوق بالمفهوم فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع السنة القولية" فعندنا تخصص قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" عموم قوله: "فيما سقت السماء العشر" وعندهم: لا يقوى على تخصيصه.
(٣) مسألة: تُضمُّ ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب فمثلًا: لو كان عندك شيء من الثمار أو الحبوب، يُجنى مُبكرًا؛ وهو أقل من النصاب، وعندك ما يتأخر جنيه وهو لا يبلغ النصاب: فإنك تضمُّ بعضه إلى بعض فإن كمل النصاب - وهو (٦٥٣) كجم -: أخرج زكاته، وإن لم يُكمل النصاب: فلا زكاة فيه، هذا إذا كان ذلك في عام واحد، أما ثمرة عامين: فلا تُضمُّ، وأيضًا: يُضمُّ ثمر مزرعة في بلد إلى ثمر مزرعة أخرى في بلد آخر إذا كان المالك لهما واحدًا، وأيضًا: تضمُّ الأنواع إلى بعضها: فتضمُّ البُر إلى اللِّقيمي - وهو: الجريش -، وتضمُّ تمر السكري إلى تمر الخلاص وهكذا، ولا يجوز ضمُّ جنس إلى جنس آخر: فلا تضمُّ البر إلى الشعير، ولا تضمُّ تمر إلى بر، ولا تمر إلى زبيب لتكميل النصاب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس فيما =
стр. 928
وقت وجوب الزكاة) وهو: بدوُّ الصلاح (فلا تجب فيما يكتسبه اللَّقَّاط، أو يأخذه بحصاده) وكذا: ما ملكه بعد بدوِّ الصلاح بشراء أو إرث أو غيره (ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم والزَّعْبَل) بوزن "جَعْفَر" وهو: شعير الجبل (وبزر قطونا) وحبِّ نمام (ولو نبت في أرضه)؛ لأنه لا يملكه بملك الأرض، فإن نبت بنفسه ما يزرعه الآدمي كمن سقط له حبَّ حنطة في أرضه، أو أرض مباحة: ففيه الزكاة؛ لأنه يملكه وقت الوجوب (٤)، فصل: (يجب عشر) وهو: واحد من عشرة (فيما سُقي بلا مؤنة)
دون خمسة أوسق صدقة" وهذا عام فيما يُحصَّل عليه في عام واحد، وإن اختلف الوقت في نفس العام، الثانية: القياس بيانه: كما يجوز ضم ضأن إلى معز في تكميل النصاب، ولا يجوز ضم غنم إلى إبل في تكميل النصاب، فكذلك الحبوب والثمار مثل ذلك والجامع: أن الأنواع لا تختلف بالقيمة غالبًا فجاز الضمُّ في ذلك، وأن الأجناس تختلف بالقيمة عادة فلم يجز، وهذا في كل مال يُزكَّى، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط العام الواحد للضمِّ؟ قلتُ: لأن العام الواحد لا يستقل بعضه عن بعضه الآخر، لعدم تغيّر القيمة بسبب ذلك عادة، بخلاف العامين لاستقلال كل عام عن الآخر بالقيمة عادة.
(٤) تجب الزكاة في كل مُدَّخر مكيل أو موزون من الحبوب والثمار بشرطين: أولهما: أن يكون بالغًا للنصاب - وهو ما يُعادل (٦٥٣) كجم - وقد سبق في مسألة (٢) -، ثانيهما: أن يكون مملوكًا له وقت وجوب الزكاة - وهو: وجود الصلاح في ثمر النخيل من احمرار أو اصفرار، واشتداد الحبوب وصلابتها - وسواء كان ذلك النبات بقصد منه أو لا؛ بأرضه أو أرض مباحة له، أما إن ملك ذلك بعد هذا الوقت: فلا زكاة عليه، فمثلًا: لو التقط شخص ما تساقط من التمر، أو الحبوب وبلغ نصابًا، أو ورث بعد هذا الوقت ثمارًا وحبوبًا، أو اشتراها بعده أو أخذه أجرة لحصاده، أو جمع من الزعبل، والبطم، وبزر قطونا =
стр. 929
كالغيث، والسيوح، والبعل الشارب بعروقه (و) يجب (نصفه) أي: نصف العشر (معها) أي: مع المؤنة كالدولاب تُديره البقر، والنواضح يستقي عليها؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵃: "وما سُقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاري (و) يجب (ثلاثة أرباعه) أي: أرباع العشر (بهما) أي: فيما يشرب بلا مؤنة وبمؤنة نصفين، قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه، (فإن تفاوتا) أي: السقي بمؤنة وبغيرها (فـ) الاعتبار (بأكثرهما نفعًا) ونموًا؛ لأن اعتبار عدد السقي وما يسقى به في كل وقت يشق، فاعتبر الأكثر كالسوم (ومع الجهل) بأكثرهما نفعًا (العشر)؛ ليخرج من عهدة الواجب بيقين (٥)، وإذا كان له حائطان: أحدهما يُسقى بمؤنة، والآخر: بغيرها ضُمَّا
نصابًا: فلا زكاة على ذلك كله؛ للتلازم؛ حيث إن ملكه لذلك وقت وجوب الزكاة يلزم منه: وجوبها عليه؛ لتعلُّقها بذمته، فلا تبرأ إلا بأدائها، ويلزم من ملكه إياها بعد وقت وجوبها: عدم وجوب الزكاة عليه: لعدم تعلُّقها بذمته فإن قلتَ: لمَ حُدِّد وقت الوجوب ببدو الصلاح واشتداد الحب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسراع لاستفادة الفقراء، بدون مؤنة، فائدة: "الزَّعْبَل": وهو: شعير الجبل، و"البطم": حبة خضراء تنبت في الصحراء، وبزر قطونا: سنبلة الحشيش، وهي "الرَّبلة" عند أهل نجد.
(٥) مسألة: مقدار ما يخرج زكاة على الحبوب والثمار إذا بلغت نصابًا هو: كما يلي: أولًا: الحبوب والثمار التي أُخذت من زروع وأشجار لم يتكلّف بسقيها - أي شربت الماء بلا مؤنة كأن تشرب من الأمطار، أو نحو ذلك - فيجب أن يخرج "عشرها" زكاة لها، فمثلًا لو كان عندك (٨٠٠) كجم فإنك تُقسِّمها على عشرة، وتُخرج عشرها وهو (٨٠) كجم، ثانيًا: الحبوب والثمار التي أخذت من زروع وأشجار قد تكلَّفت بسقيها - أي: شربت من ماء قد تكلَّفت بجلبه إليها كأن تضع دوالي، أو نواضح، أو مكائن، أو كهرباء ونحو ذلك - فيجب أن تخرج "نصف عشرها" زكاة لها، فمثلًا: لو كان عندك (٨٠٠) كجم فإنك =
стр. 930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقسِّمها على عشرة، وتقسم العشر إلى نصفين ويكون النصف هو الزكاة، فتخرج (٤٠) كجم، ثالثًا: الحبوب والثمار التي أخذتها من زروع وأشجار قد سقيتها نصف المدة بمؤنة ومشقة فقط، والباقي قد شربت بلا مشقة: فيجب أن تخرج "ثلاثة أرباع عشرها" زكاة لها، فمثلًا: لو كان عندك (٨٠٠) كجم فإنك تقسِّمها على عشرة، وتقسِّمِ العشر على أربعة، وتأخذ ثلاثة أرباعه زكاة، فتخرج (٦٠) كجم، رابعًا: إذا لم تعرف هل سقيت نصف المدة، أو أكثر، أو أقل؟: فإنك تعتبر بأكثرهما نفعًا ونماءً للزرع والشجر، فإن غلب على ظنك أن ذلك كان بمؤنة: فإنك تخرج "نصف العشر"، وإن غلب على ظنك أن ذلك كان بلا مؤنة: فتخرج "العشر"، خامسًا: إن جهلت ذلك ولم يغلب على ظنك شيء: من أسباب نموه ونفعه هل هو بمؤنة أو بغير مؤنة؟ فإنك تخرج "العشر"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال- ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون العشر، أو كان عثريًا العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر" حيث دلَّ منطوقه على ما ذكر، ودلَّ مفهوم الصفة هنا على أنه إذا سقي نصف المدة بمؤنة والباقي بلا مؤنة: فيجب عليه إخراج ثلاثة أرباع العشر؛ لكونه إذا وجدت المؤنة في نصفها: أُوجب نصف العشر، وإذا لم توجد المؤنة: أُوجب نصف النصف وهو: الربع، وإذا جمعت نصف وربع أصبح المجموع "ثلاثة أرباع"، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يُعتبر أكثرهما نفعًا ونماء - وهي: السقي بلا مؤنة، أو السقي بمؤنة - إذا لم تعرف المدَّة، - كما قلنا في الرابع - وذلك لمشقة معرفة ذلك وتقديره، وإذا جهلنا ذلك فيُخرج "العشر" - كما في الخامس -؛ عملًا باليقين؛ لما فيه من الاحتياط؛ لكونه هو الأصل، فإن قلتَ: لمَ اختلف المخرج من ذلك بسبب اختلاف المشقة وعدمها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لو شرع إخراج شيء واحد لتضرَّر المالك، لأن في ذلك جمعًا بين المؤنة والزكاة.
стр. 931
في النصاب، ولكل منهما حكم نفسه في سقيه بمؤنة أو غيرها (٦)، ويُصدَّق مالك فيما سقى به (٧) (وإذا اشتدَّ الحبُّ، وبدا صلاح التمر: وجبت الزكاة)؛ لأنه يُقصد للأكل والاقتيات كاليابس (٨)، فلو باع الحب أو الثمرة، أو تلفا بتعدِّيه بعدُ: لم
(٦) مسألة: إذا كان عندك مزرعتان: فتضمُّ تمر هذه المزرعة لتمر المزرعة الأخرى ليُكمل النصاب - وكذا في الحبوب - ثم يُنظر: فإن كانتا تسقيان بلا مؤنة فتخرج العشر كاملًا، وإن كانتا تسقيان بمؤنة: فتُخرج نصف العشر، وإن كانت إحداهما تسقى بلا مؤنة: فتخرج العشر من تمرها وحبوبها إذا بلغ نصابًا، وكانت الأخرى تُسقى بمؤنة: فتخرج نصف العشر من تمرها وحبوبها - إذا بلغ نصابًا -؛ للسنة القولية، وهو الحديث الذي ذُكر في مسألة (٥) وهو عام، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون المزرعتين ملكًا لواحد: ضمُّ ثمار وحبوب كل واحدة إلى ثمار وحبوب الأخرى، ويلزم من اختلاف السقي فيهما بمؤنة أو بغيرها: اختلاف المخرج زكاة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الضم منفعة للفقير.
(٧) مسألة: إذا ادَّعى مالك قائلًا: إني سقيت تلك الزروع والأشجار، وتكلَّفتُ عليها كل المدة، أو بعضها: فإنه يُصدَّق، ولا يُطلب منه يمين ولا شهود، وتؤخذ الزكاة على حسب قوله - إما العشر، أو نصفه -؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا قال: "إني صليت الظهر": فإنه يُصدَّق، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما حق لله يرجع إلى ذمة المسلم، وهو مؤتمن عليه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يشق إثبات ذلك بالبينة لتكراره.
(٨) مسألة: وقت إخراج زكاة الحبوب والثمار هو: حين اشتداد الحب وصلابته، وحين بدو صلاح التمر باصفرار أو احمرار ونضوجه وطيب أكله؛ للقياس، بيانه: كما أن اليابس من الحبوب والثمار تجب فيه الزكاة بالإجماع، فكذلك =
стр. 932
تسقط (٩)، وإن قطعهما أو باعهما قبله: فلا زكاة إن لم يقصد الفرار منها (١٠) (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في "البيدر") ونحوه وهو: موضع تشميسها وتيبيسها؛
تجب الزكاة في تلك الحال، والجامع: أن كلًا منهما قد تحقَّق فيه المقصد منه، وهو: الاقتيات، والأكل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الوقت هو وقت انتفاع الفقراء به، بخلاف ما قبله، فلا يُنتفع به.
(٩) مسألة: إذا باع المالك الحبَّ بعد اشتداده، والتمر بعد بدو صلاحه، أو تعدَّى فأتلفهما بعدهما: فلا تسقط الزكاة، بل تكون واجبة في ذمَّته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دخول وقت إخراج زكاتهما: عدم سقوطها ببيعهما، أو تعدِّيه بإتلافهما، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الفقراء. [فرع]: إذا تلفت الحبوب، والثمار بعد وقت وجوب الزكاة فيهما - وهو اشتداد الحب وبدو الصلاح - بدون تعدٍ من المالك أو تفريط: فإن الزكاة تسقط؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المالك؛ إذ هو معذور، فلو أُوجبت عليه الزكاة هنا لتضرَّر.
(١٠) مسألة: إذا حصد الزرع، أو قطع الشجر قبل اشتداد الحب، وبدو الصلاح، أو باعهما قبل ذلك لغرض صحيح: فإن الزكاة تسقط بشرط: أن لا يقصد المالك بذلك الفعل الفرار من الزكاة، أما إن قصد بفعله ذلك: الفرار منها: فتجب الزكاة عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطع ذلك أو بيعه قبل دخول وقت زكاته: عدم تعلُّقها بذمته فلا تجب، ويلزم من قصده الفرار من الزكاة: وجوبها عليه، مُعاملةً له بنقيض قصده كمن طلَّق زوجته في مرض موته فإنها ترث، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الضرر عن المالك، وعن الفقير؛ إذا لو وجبت الزكاة على المالك مع أنه لم يدخل وقت وجوبها: لتضرر، ولو سقطت عنه مع أنه قصد الفرار: لتضرر الفقير.
стр. 933
لأنه قبل ذلك في حكم ما لم تثبت اليد عليه (١١)، (فإن تلفت) الحبوب أو الثمار (قبله) أي: قبل جعلها في "البيدر" (بغير تعدٍّ منه) ولا تفريط: (سقطت)؛ لأنها لم تستقر (١٢)، وإن تلف البعض: فإن كان قبل الوجوب: زكَّى الباقي إن بلغ نصابًا، وإلا: فلا، وإن كان بعده: زكَّى الباقي مُطلقًا؛ حيث بلغ مع التالف نصابًا (١٣)،
(١١) مسألة: يستقر وجوب زكاة الحبوب والثمار إذا وُضعت في مكان مُعدٌّ لتنظيفهما، وتشميسهما، ويُسمَّى هذا المكان بـ "البيدر" أو "الحوض" أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن وضعها بذلك المكان سبب في معرفة قدرها، وجيدها من رديئها، فيسهل توزيعها، والانتفاع بها، أما قبل ذلك فيشق معرفة ذلك، لذلك: يكون في حكم من لم تثبت اليد عليه، وما لم تثبت اليد عليه لا زكاة فيه.
(١٢) مسألة: إذا تلفت الحبوب والثمار كلها قبل وضعها بذلك المكان - وهو البيدر - بغير تفريط ولا تعدٍّ من المالك: فإن الزكاة تسقط، أما إن وُجد التفريط: فلا تسقط الزكاة؛ للمصلحة؛ حيث إن المالك يتضرَّر إذا وجبت الزكاة في مال تلف بدون تفريط منه، ويتضرَّر الفقير إذا سقطت الزكاة عن مال فرَّط فيه مالكه، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(١٣) مسألة: إذا تلف بعض الحبوب والثمار، دون البعض الآخر قبل وقت وجوب الزكاة - أي الاشتداد، وبدو الصلاح والاستقرار في "البيدر" - فيُخرج زكاة البعض الذي لم يتلف إن بلغ نصابًا فقط، أما إن تلف بعد وقت وجوب الزكاة - أي: بعد الاشتداد وبدو الصلاح وبعد الاستقرار في "البيدر" - فيُخرج زكاة الباقي مُطلقًا: سواء بلغ الباقي نصابًا أو لم يبلغه؛ حيث يبلغ في العادة نصابًا إذا ضُمَّ إلى التالف منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلفه قبل دخول وقت وجوبها: عدم وجوب الزكاة في الذمة؛ لعدم وجود شرطها، ويلزم من تلفه بعده: وجوبها في الذِّمَّة؛ لوجود شرطها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضمان لحقوق الفقراء ولحقوق المالك أيضًا.
стр. 934
ويلزم إخراج حب مُصفَّى، وثمر يابسًا (١٤)، ويحرم شراء زكاته أو صدقته ولا يصحُّ (١٥)، ويُزكِّي كل نوع على حدته (١٦) (ويجب العشر) أو نصفه (على مستأجر
(١٤) مسألة: يجب على المالك أن يُخرج زكاة الحبوب والثمار بصفة ينتفع بها مستحقها من فقراء وغيرهم، وهي: كون الحب مصفَّى، نقيًا، خاليًا من التبن والقش الذي لا يؤكل ولا يُدَّخر ويكون التمر يابسًا جافًا نقيًا أيضًا؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر عتاب بن أُسيد أن يخرص العنب زبيبًا ويؤخذ، كما يُخرص النخل تمرًا، و"الزبيب" و"التمر" هو يابس في العادة، والحبوب مثل ذلك؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أنفع للفقراء، وأصبر على الادِّخار، فيكون لهم في العاجل والآجل.
(١٥) مسألة: إذا أخرج المالك زكاة ما يملكه من الحبوب والثمار والبهائم: فلا يجوز له شراء ذلك المخرج زكاة ممن دفعها إليه، ولو حصل البيع: فلا يصح؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "لا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم" حيث حرم الشارع ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لاسترجاع شيء مما أخرجه زكاة بثمن قليل جدًا؛ لأن الفقير يستحي عادة من أن يُماكس من أعطاه زكاة، فيكون في تحريم ذلك وإفساد البيع سدًا لهذه الحيلة، ولحماية الفقير من استغلال المالك له.
(١٦) مسألة: يجب إخراج زكاة كل نوع على حدته، ومثله، فمثلًا: تكون زكاة البر برًا مثله، وتكون زكاة اللقيمي: لُقيميًا مثله، وتكون زكاة الرديء رديئًا مثله، وزكاة الجيد جيدًا مثله وهكذا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمالك، وللفقير؛ حيث إن هذه الأنواع تختلف أسعارها، ومنافعها الغذائية، فلو كُلِّف =
стр. 935
الأرض) دون مالكها كالمستعير، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١٧)،
المالك بأن يُزكي عن الشعير بُرًّا، أو عن الرديء جيدًا: لتضرَّر، ولو أخرج المالك عن البر شعيرًا، أو الجيد رديئًا: لتضرَّر الفقير، فدفعًا لذلك: شُرع هذا فإن قلتَ: إن هذا يشق، وهو قول ابن قدامة وبعض العلماء قلتُ: هذا بعيد، بل هو سهل على المزارعين المتَّقين، وقد وقع عند كثير منهم فلم يروا هذه المشقة التي زعمها بعضهم، وحتى لو وجُدت مشقة في ذلك فإنها في سبيل إحقاق الحق تُتحمَّل لذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فعملنا بالمصلحة الأولى؛ لعمومها، ولعدم المشقة في ذلك وهم عملوا بالمصلحة الثانية؛ دفعًا للمشقة عن المالك.
(١٧) مسألة: إذا استأجر شخص أرضًا فزرعها وغرسها فأنتجت وأثمرت حبوبًا وتمرًا: فتجب زكاة ذلك على المستأجر: فإن كان ذلك بلا مؤنة: فيُخرج العشر، وإن كان ذلك بمؤنة: فيُخرج نصف العشر من ذلك ولا دخل لمالك الأرض ومؤجرها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث إن هذا الخطاب مُوجَّه إلى الشخص الذي من حقه جذاذ الثمار، وحصد الحبوب وكيلهما ووزنهما، وهو هنا: المستأجر، دون المالك، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المستعير يُزكِّي الشيء الذي استعاره، فكذلك المستأجر مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد ملك ما تحت يده وانتفع به، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الغرم يتبع الغُنْم، فكما أن المستأجر يغنم ما تحت يده، فعليه إخراج زكاته؛ ليواسي به الفقراء، فإن قلتَ: لِمَ لا تجب على المالك؟ قلتُ: لأنه لو وجبت عليه لوجبت عليه ولو لم تزرع أو تغرس، ولقُدِّر بقدر الأرض، لا بقدر الزرع والغرس، ولكن هذا لم يكن - كما سبق -.
стр. 936
ويجتمع العشر والخراج في أرض خراجية (١٨) ولا زكاة في قدر الخراج إن لم يكن له مال آخر (١٩) (وإذا أخذ ملكه أو موات) كرؤوس الجبال (من العسل مائة وستين رطلًا عراقيًا: ففيه عشره) قال الإمام: "اذهب إلى أن في العسل زكاة العشر، قد أخذ عمر منهم الزكاة" (٢٠)، ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمنِّ،
(١٨) مسألة: الأرض التي دخلها المسلمون عنوة، وهرب أهلها الكفار منها ولم تُقسم - تسمَّى "الأرض الخراجية" إذا استولى على بعضها شخص فيجب عليه خراجها - كما سيأتي - ويجب عليه أيضًا زكاة ما خرج منها من حبوب وثمار إن زرعها وغرسها؛ للتلازم؛ حيث اجتمع على ذلك الشخص حقَّان: "حقُّ الزرع والغرس: وهو العشر أو نصفه على ما سبق" و"حقُّ الأرض، وهو: الخراج" حيث اجتمع سببهما، فيلزم من وجودهما: وجود الزكاة والخراج، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه هذان الحقان؟ قلتُ: لأن الخراج في رقبتها، والعشر أو نصفه في غلَّتها تنبيه: سيأتي بيان الفرق بين الأرض الخراجية، والأرض العشرية في كتاب: "الجهاد".
(١٩) مسألة: لا تجب الزكاة في قدر خراج الأرض الخراجية مهما بلغ، فلو أخرج زيد عشرة آلاف خراجًا فلا تجب في هذه العشرة الزكاة؛ للقياس، بيانه: كما أن دين الآدمي لا زكاة فيه فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا من الدَّين والخراج وجب بذلهما عليه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اجتماع قدر الخراج وتزكية هذا القدر على المالك: يشق عليه.
(٢٠) مسألة: تجب الزكاة في العسل إذا بلغ نصابًا، وهو: مائة وستون رطلًا عراقيًا، وهو ما يُعادل (٦٢) كجم، فيُخرج من ذلك عشره، فيكون ما يُخرج منه ست كيلو جرامًا وخُمسُ الكيلو زكاة: سواء كان هذا النَّحل في ملكه، أو في أرض ليست لأحد كالجبال وغيرها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما وجبت =
стр. 937
والترنجبيل (٢١)، ومن زكَّى ما ذُكر من المعشَّرات مرة: فلا زكاة فيه بعدُ؛ لأنه غير مرصد للنَّماء (٢٢)، (والمعْدّن) إن كان ذهبًا أو فضة ففيه ربع عشره إن بلغ نصابًا،
الزكاة في الثمار والحبوب، فكذلك العسل مثلها، والجامع، أن كلًا منها يؤكل ويُدَّخر، ويُكال، ويُجنى في وقت معيَّن، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد أخذ زكاة العسل، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يقصد للأكل والاقتيات، فتحصل بها المواساة، فإن قلتَ: لمَ وجب فيه العشر؟ قلتُ: لكونه يُتحصَّل عليه بلا مؤنة عادة، فإن قلتَ: لا زكاة في العسل، وهو قول كثير من العلماء، للقياس، بيانه: كما أن اللَّبن لا زكاة فيه فكذلك العسل، والجامع: أن كلًا منهما مائع خارج من حيوان مُتغذَّى به قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الزكاة لم تجب في اللَّبن لكونها قد أخذت من أصله وهي: بهيمة الأنعام، أما العسل فلم تؤخذ الزكاة من أصله وهو: النحل، فأخذت من نتاجه وهو: العسل، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فنحن ألحقناه بالثمار والحبوب، لأن العسل أكثر شبهًا بهما، وهم ألحقوه باللبن لأنه أكثر شبهًا به عندهم وهذا يُسمَّى بـ "قياسه الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(٢١) مسألة: لا تجب الزكاة في الشيء الذي يُشبه العسل في الحلاوة والطعم مثل: المنِّ" و"الترنجبين" وهو: الطل الذي يسقط من السماء حلو يُشرب؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم وجوب الزكاة في شيء إلا إذا دلَّ عليه دليل، ولم يرد دليل على وجوب الزكاة في ذلك، فيبقى على النفي الأصلي، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة هنا؟ قلتُ: لصعوبة تقديره وادخاره، وضبطه.
(٢٢) مسألة: إذا أخرج زكاة الحبوب والثمار، والعسل ونحوها مما يجب فيه عشره أو نصفه مرة واحدة فلا يُزكّيه مرة أخرى ولو استمر ادِّخاره عنده سنوات؛ =
стр. 938
وإن كان غيرهما: ففيه ربع عشر قيمته إن بلغت نصابًا بعد سبك وتصفية إن كان المخرج له من أهل وجوب الزكاة (٢٣) (والركاز: ما وجد من دِفْن الجاهلية) بكسر
لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث علَّق وجوب زكاة الحبوب والثمار بيوم حصاده، ودل مفهوم الزمان على أنه لا زكاة عليه بعد ذلك، وكذا: الأمر هنا مطلق وهو يقتضي امتثال الأمر مرة واحدة ولا يقتضي التكرار الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لو تكرَّر إخراج زكاة الشيء أكثر من مرة مع عدم نمائه لتضرَّر المالك، ولأدَّى إلى عدم ادخار المطعومات، وهذا مضرٌّ للمجتمع الإسلامي.
(٢٣) مسألة: تجب الزكاة في المعْدَن إن كان واجده ممن تجب عليهم الزكاة: فإن كان هذا المعدن ذهبًا أو فضة وبلغ نصابًا فإن واجده يُخرج ربع عشره - كزكاة الأموال النقدية والذهب والفضة - كما سيأتي - وإن كان هذا المعدن غير الذهب والفضة كالحديد، والزبرجد، والجواهر، واللؤلؤ، والرخام، والكبريت، والبترول ونحو ذلك: فإنه يُخرج ربع عشر قيمته إن بلغت نصابًا بعد تصفيته؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ويعم ذلك المعادن؛ لكونها مخرجة من الأرض؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، فتجب الزكاة فيها؛ لأن الأمر مطلق وهو يقتضي الوجوب، والنفقة تطلق على الزكاة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "في الرِّقة ربع العشر" يقصد يُخرج ربع العشر من الورق، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الحبوب والثمار تجب فيها الزكاة فكذلك المعادن مثلها، والجامع: أن كلًا منها مستفاد ومخرج من الأرض، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه شكر لله على تلك النعمة، ويتحمَّل المواساة.
стр. 939
الدال، أي: مدفونهم، أو من تقدَّم من كفار عليه، أو على بعضه علامة كفر فقط: (ففيه الخمس في قليله وكثيره)، ولو عَرَضًا؛ لقوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس" متفق عليه عن أبي هريرة، ويُصرف مصرف الفيء المطلق للمصالح كلها وباقيه لواجده، ولو أجيرًا لغير طلبه (٢٤)، وإن كان على شيء منه علامة المسلمين: فلُقطة، وكذا:
(٢٤) مسألة: الركاز، وهو: أن يجد شخص مالًا مدفونًا تحت الأرض تظهر عليه أو على بعضه علامات تدلُّ على أنه مدفون في الجاهلية، أو دفنه قوم من الكفار، فهذا يُخرج منه خُمُسَه: سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وسواء وُجد في ديار المسلمين، أو الكفار، وسواء وجده في مُلكه أو لا، وسواء وجده مكلَّف أو لا، وسواء بلغ الموجود نصابًا أو لا، وسواء حال عليه الحول أو لا، وهذا الخُمُس يُصرف في مصارف الفيء فيُوضع في مصالح المسلمين العامه والباقي - وهو: أربعة أخماسه - يكون لذلك الشخص الذي وجده وإن وجده أجير حفر لغير قصد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "وفي الركاز الخمس" فأوجب الشارع إخراج خمس الركاز الذي وُجد؛ لأن "في" من صيغ الواجب، وهو عام لكل ما ذكر؛ لأن لفظ "الركاز" اسم جنس معروف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن رجلًا قد وجد ألف دينار مدفونة خارج المدينة، فأتى عمر ﵁ بها، فأخذ عمر منها الخمس - وهي: مائتا دينار - ودفع للرجل بقيتها، وجعل عمر يُقسِّم المائتين على من حضر من المسلمين في مصالحهم، وفعل علي ﵁ مثل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يؤخذ منه الخمس، ويُدفع الباقي لواجده؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخمس من حقوق المسلمين كما يُقال في خمس الغنيمة، وواجده هو الذي تسبَّب في إظهاره فيكون من حقِّه الأكثر. [فرع]: يجوز لواجد الركاز أن يتولى بنفسه تفرقة خُمُس الركاز في مصالح المسلمين، دون الرجوع إلي الإمام أو نائبه، ويحتفظ بالباقي لنفسه؛ للقياس، بيانه: كما يجوز له أن يفرق الزكاة بين مستحقيها، فكذلك يجوز ذلك في =
стр. 940
إن لم تكن علامة (٢٥).
الركاز والجامع: أن كلًا منهما حق واجب، مؤتمن عليه، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(٢٥) مسألة: إن وجد شخص مالًا مدفونًا لم تظهر عليه أو على بعضه علامة الكفار، أو ظهرت عليه أو على بعضه علامة المسلمين - بذكر بعض الخلفاء أو نحو ذلك -: فإن حكم ذلك حكم اللُّقطة وهو: أن يُعرَّف عامًا للآخرين، فإن لم يُوجد صاحبه: فيملكه واجده؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل فيما يُوجد في ديار المسلمين: أن يكون للمسلمين، إذا لم توجد علامة الكفار، فيُستصحب ذلك، ويعمل بأحكام المسلمين فيه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لتغليب دار الإسلام على دار الكفر، فإن قلتَ: لمَ ذكرت أحكام المعادن والركاز في باب "زكاة الثمار والحبوب"؟ قلتُ: لاشتراك الثمار والحبوب، والمعادن والركاز في كونها مُستخرجة من الأرض.
هذه آخر مسائل باب "زكاة الحبوب والثمار" ويليه باب "زكاة النقدين"
стр. 941
باب زكاة النقدين
أي: الذهب والفضة (يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم) إسلامي (ربع العشر منهما)؛ لحديث ابن عمر وعائشة ﵃ مرفوعًا: "أنه كان يأخذ من كل عشرين مثقالًا نصف مثقال" رواه ابن ماجه، وعن علي نحوه، وحديث أنس مرفوعًا: "في الرِّقة ربع العشر" متفق عليه، والاعتبار بالدرهم الإسلامي الذي وزنه: "ستة دوانق"، والعشرة من الدراهم: سبعة مثاقيل، فالدرهم نصف مثقال وخُمُسه، وهو: خمسون حبة وخُمسا حبة شعير، والعشرون مثقالًا: خمسة وعشرون دينارًا وسُبُعا دينار وتسعه على التحديد الذي زنته درهم وثمن درهم (١)، ويُزكِّي مغشوش إذا بلغ خالصه نصابًا وزنًا (٢) (ويُضمُّ الذهب إلى
باب زكاة النَّقدين
وفيه ثلاثون مسألة:
(١) مسألة: مقدار النصاب في الذهب: عشرون مثقالًا - وهو: ما يُعادل (٨٥)
جرامًا من الذهب -، ومقدار النصاب في الفضة: مائتا درهم - وهو: ما يُعادل (٥٦) ريالًا سعوديًا، فإذا بلغ كل من الذهب والفضة ذلك وحال عليه الحول: فيجب إخراج زكاتهما، وهي: "ربع عشر" ذلك: فتُقسِّم ما عندك من مال على "عشرة" ثم تُقسِّم العشرة على أربعة، والناتج هو زكاة ما عندك، أو تُقسِّم ما عندك كله على "أربعين" فما خرج فهو زكاة ما عندك، أو تأخذ "اثنين ونصف بالمائة ٢،٥ % مما عندك" وهو زكاة ما عندك فمثلًا لو عندك ألف ريال: تكون زكاته (٢٥) حيث قسَّمته على "عشرة" فصارت "مائة" فقُسِّمت المائة على "أربعة" فصارت (٢٥)، أو تُقسِّم الألف على "أربعين" فيكون الناتج (٢٥) أو تأخذ (٢،٥) بالمائة من الألف فيكون الناتج (٢٥) وهكذا؛ للسنة القولية، =
стр. 942
الفضة في تكميل النصاب) بالأجزاء، فلو ملك عشرة مثاقيل، ومائة درهم، فكل
وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ : "إذا كان عندك ذهب أو دنانير فبلغ عشرين دينارًا: ففيها نصف دينار" فأوجب الشارع الزكاة في الذهب؛ لأن "في" من صيغ الوجوب، ولزم من إخراج نصف دينار من عشرين دينار: أن يكون المخرج "ربع العشر" لأن النصف بالنسبة إلى العشرين ربع عشرها، ثانيها: قوله ﷺ : "في الرِّقة ربع العشر" فأوجب الزكاة في الفضة؛ لأن لفظ "في" من صيغ الوجوب، و"الرِّقة" هي: الفضة الخالصة، والمراد بها: الورق المتعامل به في البلد الذي تعيش فيه كالريال السعودي، والجنيه المصري، والدينار العراقي، واللِّيرة السورية ونحو ذلك، ثالثها: قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، و"الأوقية": أربعون درهمًا، فإذا ضربنا خمسة في أربعين: كان الناتج مائتي درهم، فدل هذا بمفهوم العدد على وجوب الزكاة فيما بلغ خمس أواق - وهو مائتا درهم -، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة في النقدين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك مال يزيد وينمو، ويُدَّخر، ويقبل المواساة، وهو أنفع الأموال للغني والفقير في الحال والمآل.
(٢) مسألة: إذا كان عندك ذهب أو فضة أصابهما غش بأن خالط ذلك شيء من الحديد ونحوه: فإنك تُخلِّص هذا مما خالطه، فإن بلغ الذهب غير المغشوش، أو الفضة غير المغشوشة نصابًا: - كما سبق في مسألة (١) - فيجب أن تُخرج زكاة ذلك وهو: "ربع عشره"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بلوغ النصاب وحولان الحول عليه: وجوب الزكاة فيه، فإن قلتَ: لمَ لا يُزكِّي على المغشوش ويُخرج مغشوشًا مثله كما فُعل في البهيمة المريضة من بهائم مراض؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المغشوش من الذهب والفضة تبطل قيمته الشرائية، فيتضرَّر الفقير بذلك، ولو أخرج المالك الخالص عن المغشوش لتضرَّر هو، فدفعًا للضررين: شرع هذا الحكم، بخلاف البهيمة المريضة: فقد ينتفع بها الغير، وقد تُشفى.
стр. 943
منهما نصف نصاب، ومجموعهما نصاب (٣)، ويُجزئ إخراج زكاة أحدهما من الآخر؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما مُتَّفقة فهما كنوعي جنسٍ (٤)، ولا فرق بين
(٣) مسألة: إذا وُجد عندك من الذهب ما لم يبلغ نصابًا كأن يكون عندك عشرة مثاقيل - وهي ما يُعادل (٢/ ٤٢١) جرامًا وعندك من الفضة ما لم يبلغ نصابًا كأن يكون عندك مائة درهم - وهو: ما يُعادل (٢٨) ريالًا، فإنك تضمُّ أحدهما إلى الآخر ضمًا بالأجزاء، وتُخرج ربع العشر من ذلك، أو تُقيِّم الذهب بالفضة، وتضمُّ ذلك إلى (٢٨) ريالًا، وتخرج زكاتهما معًا فمثلًا: لو كان عندك اثنان وأربعون ونصف جرامًا من الذهب وقيَّمتها بمبلغ وقدره (٥٠٠) ريالًا فإنك تضم ذلك إلى (٢٨) ريالًا ثم تُخرج ربع عشر المجموع فيكون ربع عشر (٥٢٨) ريالًا: (١١) ريالًا تقريبًا، وهو الزكاة للمصلحة؛ حيث إن نفعهما واحد، والمقصود بهما مُتَّحد، فالذهب والفضة والدراهم والدنانير والريالات والجنيهات، وغيرها من أوراق التعاملات قيم شرائية، وأثمان للأشياء، فيكون في الضم نفع للفقير، وأحوط للغني، فإن قلتَ: لا يضمَّان؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" ويلزم من ذكر الأواق عدم وجوب الزكاة إذا لم تبلغ هي ذلك قلتُ: إن هذا الحديث عام، قد خُصِّص بالمصلحة السابقة، وبالقياس على زكاة عروض التجارة؛ حيث يُضمُّ بعضها إلى بعض.
(٤) مسألة: يجوز إخراج الذهب زكاة عن الفضة، ويجوز إخراج الفضة زكاة عن الذهب، فيُقيِّم الذَّهب - مثلًا - بالريالات، وتخرج ربع عشر الناتج؛ للقياس، بيانه: كما أن أنواع الجنس الواحد، يجوز إخراج أحدهما عن الآخر كإخراج المعز عن الضأن وبالعكس، فكذلك يجوز هنا، والجامع: أن كلًا منهما يُؤدِّي إلى ما يؤدِّي إليه الآخر من المقاصد كالشراء ونحوه، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن هذا أيسر للغني، وأنفع للفقير.
стр. 944
الحاضر والدَّين (٥) (وتُضمُّ قيمة العروض) أي: عروض التجارة (إلى كل منهما) كمن له عشرة مثاقيل، ومتاع قيمته عشرة أخرى، أوله مائة درهم، ومتاع قيمته مثلها، ولو كان ذهب وفضة وعروض: ضُمَّ الجميع في تكميل النصاب (٦)، ويُضمُّ جيد كل جنس ومضروبه إلى رديئه وتِبْره (٧) ويُخرج من كل نوع
(٥) مسألة: يجب إخراج زكاة الذهب والفضة مُطلقًا، أي: سواء كانا حاضرين عند المالك أو غائبين، أو كانا ديونًا أو قروضًا عند الآخرين، وهذا يكون بعد قبضه؛ للتلازم؛ حيث إن إيجاد نصاب ذلك وتمام الحول عليه يلزم منه وجوب الزكاة فيهما، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نفع للفقراء؛ إذ لو لم يُخرج المالك زكاة ما غاب عنه لتضرَّر الفقير، ولكان ذلك حيلة.
(٦) مسألة: قيمة عروض التجارة تُضم بعضها إلى بعض، ويُستكمل بذلك النصاب، فمثلًا: لو وُجد عندك خمسون ريالًا، وعندك عشرون جرامًا من الذهب قيمته بالفضة: مائة ريال، وعندك عشرة ثياب قيمتها خمسون ريالًا، وكلها مُعدَّة للتجارة: فتضمَّ بعضها إلى بعض فتكون مائتي ريال وتُخرج ربع عشر ذلك، وعلى ذلك تخرج خمسة ريالات كزكاة عن ذلك وهكذا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ لحق الفقير من الضياع؛ إذ لو لم تضم بعض ما سبق إلى بعضها الآخر: لما وجبت في أفرادها الزكاة، ويكون الفقير هو المتضرِّر، فدفعًا لذلك شرع الضم.
(٧) مسألة: يُضمُّ الجيد من الذهب والفضة إلى الرديء منهما، ويضم مضروبه - وهو الذهب والفضة بعد صياغتهما - إلى تِبْره - وهو الذهب والفضة قبل صياغتهما -، ويُخرج الزكاة من خالص ذلك إذا بلغ النصاب، وتم الحول عليه؛ للقياس، بيانه: كما يضم مريض البهائم إلى صحيحها، ويُخرج زكاة الجميع، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما فيه نفع للفقير، وهو المقصد الشرعي من هذا الضم.
стр. 945
بحصَّته (٨)، والأفضل من الأعلى (٩)، ويجزئ إخراج رديء عن أعلى مع الفضل (١٠)، (ويُباح للذكر من الفضة الخاتم)؛ لأنه ﷺ "اتخذ خاتمًا من ورق" متفق عليه (١١)،
(٨) مسألة: يُخرج زكاة الجيد من الذهب والفضة جيدًا مثله، ويُخرج زكاة الرديء منهما رديئًا مثله؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الغني والفقير؛ إذ لو أخرج الغنى جيدًا زكاة عن الرديء لتضرَّر هو، ولو أخرج الرديء زكاة عن الجيد لتضرَّر الفقير، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(٩) مسألة: إذا كان الذهب درجات في الفضل فبعضه أفضل من بعض وكذا: الفضة: فالأفضل أن يُخرج الأفضل والأنفع للفقير؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم حق الفقير على حقه.
(١٠) مسألة: إذا وُجد عندك جيد ورديء من ذهب أو فضة: فإنه يُجزئ أن تُخرج الرديء بشرط: أن تزيد - قليلًا، فمثلًا إذا كان عندك أربعون دينارًا، وفيها ما هو جيد وما هو رديء: فإنك تُخرج دينارًا جيدًا، ويُجزئ أن تُخرج عنه دينارًا رديئًا ونصف دينار رديء؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو أخرج دينارًا جيدًا أجزأه، فكذلك إذا أخرج دينارًا ونصف من الرديء: فإنه يُجزئه، والجامع: أن كلًا منهما قد أدَّى الواجب قدرًا وقيمة، فلا ضرر على الفقير، وهو المقصد الشرعي.
(١١) مسألة: يُباح للرجل أن يتخذ خاتمًا من الفضة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحسين مظهر المسلم في حين عدم وجود الإسراف والخيلاء في ذلك، ولا تنكسر قلوب الفقراء لأجله في العادة.
стр. 946
والأفضل: جعل فصه مما يلي كفَّه (١٢)، وله جعل فصِّه منه ومن غيره (١٣)، والأولى: جعله في يساره (١٤)، ويُكره بسبَّابة
(١٢) مسألة: يُستحب أن يُجعل فص خاتم الفضة في ظهر كفه، لا في باطنه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع أن يكون ذكر الله تعالى المكتوب في الفصِّ متوجهًا إلى النجاسة التي تزال عادة باليد اليُسرى.
(١٣) مسألة: يُباح أن يُجعل فصُّ الخاتم الفضي منه، ويُباح أن يُجعل فصُّه من غيره، ويُباح أن يكون بلا فص، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد اتخذ خاتمًا من فضة، فصُّه منه" وزاد مسلم: "كان فصُّه حبشيًا" وتُقبل هذه الزيادة؛ لأنها زيادة ثقة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
(١٤) مسألة: يُستحب أن يُجعل الخاتم بيده اليُسرى؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اليُمني تُستعمل للأكل والشرب، والعطاء، والأخذ، والمصافحة، والحمل ونحو ذلك، والخاتم قد يعيق تلك الحركات، وخلعه لكل فعل يشق؛ نظرًا لتكراره، فإن قلتَ: المستحب أن يُلبس باليُمنى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد تختَّم باليُمنى، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الخاتم زينة أن يُلبس في اليمين - ذكره النووي - قلتُ: أما لبس النبي ﷺ الخاتم في اليُمنى فقد ضعَّفه بعض أئمة الحديث، وذكر الدارقطني في "السنن الكبرى" "أنه اتخذه في اليمنى ثم حوله إلى يساره"، فيكون منسوخًا، أما التلازم فلا يصح؛ لأن المصلحة التي قلناها مقدَّمة عليه؛ لأن دفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح من زينة وغيرهما فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع السنة الفعلية الأخرى" وكذا: "تعارض المصلحتين".
стр. 947
ووسطى (١٥)، ويُكره: أن يُكتب عليه ذكر الله: قرآنًا أو غيره (١٦)، ولو اتخذ لنفسه عِدَّة خواتيم: لم تسقط الزكاة فيما خرج عن العادة (١٧) إلا أن يتخذ ذلك لولده أو
(١٥) مسألة: يُكره أن يُجعل الخاتم في السَّبَّابة والوسطى من أصابعه؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ بعض الصحابة أن يجعل خاتمه في السبابة والوسطى منها" والمصلحة هي التي صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة؛ لأن العادة قد جرت بأن أكثر ما يُزيل النجاسة من الأصابع السبابة والوسطى، فلو لبسه في أحدهما لأدى ذلك إلى امتهان ذكر الله تعالى، وهذا لا يليق بجلاله، لكن لو جعله في أحدهما: لما أثم في ذلك، وهذا هو حد الكراهة.
(١٦) مسألة: يُستحب أن يُكتب على الخاتم ذكر الله؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد نقش على خاتمه ذكر الله تعالى، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشرُّف بذلك، فإن قلتَ: يُكره أن يُكتب ذلك - وهو ما ذكره المصنف هنا - للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُؤدِّي إلى امتهان ذكره سبحانه؛ لكون اللَّابس لذلك يدخل فيه الخلاء، قلتُ: إنه لا يؤدِّي إلى الامتهان؛ لكون دخوله للخلاء نادر، ولأنه ﷺ قد كتب عليه ذلك، وهو ﷺ لا يفعل شيئًا مكروهًا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع السنة الفعلية" فعملنا بالسنة وعملوا بالمصلحة وخصَّصوا السنة بها.
(١٧) مسألة: إذا لبس عِدَّة خواتم، وخرج بذلك عن المألوف والعادة عند الناس: فعليه زكاة ما خرج عن المألوف والعادة، فيُثمَّن ثم يُخرج ربع عشر ذلك الثمن زكاة، أما إن لبس خاتمًا أو خاتمين صغيرين قد اعتاد بعض الناس على لبسهما: فلا زكاة فيهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لبس الخارج عن العادة: وجوب الزكاة فيه؛ لأنه حلي لم يُعدُّ للاستعمال العادي، ويلزم من لبس غير =
стр. 948
عبده (١٨) (و) يُباح له (قبيعة السيف) وهي: ما يُجعل على طرف القبضة، قال أنس ﵁: "كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة" رواه الأثرم (و) يُباح له (حلية المنطقة) وهي: ما يُشدُّ به الوسط، وتسمِّيها العامة: "الحياصة"، واتخذ الصحابة ﵃ المناطق محلَّاة بالفضة (ونحوه) أي: نحو ما ذكر كحلية الجوشن، والخوذة والخف، والران، وحمائل السيف؛ لأن ذلك يساوي المنطقة معنى، فوجب أن يساويها حكمًا قال الشيخ تقي الدِّين: وتركاش النشاب، والكلاليب؛ لأنه يسيرٌ تابع (١٩)، ولا يُباح غير ذلك: كتحلية المراكب، ولباس الخيل كاللَّجم، وتحلية الدواة، والمقلمة،
الخارج عن العادة: عدم وجوب الزكاة فيه؛ لأنه حلي أُعدَّ للاستعمال العادي المباح كالأواني، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من لبس الشيء الخارج عن العادة.
(١٨) مسألة: إذا اشترى الشخص خواتم، وقسَّمها على من عنده من الأولاد، والعبيد بطريقة لا تخرج عن العادة: فلا زكاة فيها؛ للتلازم، وقد بينَّاه في مسألة (١٧).
(١٩) مسألة: يُباح أن يحلَّى مقبض السيف بالفضة اليسيرة - وهو قبيعة السيف - وعلَّاقته، وكذا: المنطقة - وهو: الحزام الذي يشدُّ به الإنسان وسطه -، وكذا: رأس الرمح، ورأس النعل، وحلقة الإناء، وشعيرة السكين، ورأس الخف، ورأس الجرموق - وهو: الران -، ورأس الدرع - وهو: الحوشن - وما تُمسك به العمامة - وهي: الكلاليب، والحلقة التي تعين على ركوب الخيل - وهو: النشاب -، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كانت قبيعة سيف الرسول ﷺ من فضة، الثانية: القياس، بيانه: كما يُباح للرجل أن يتخذ خاتمًا من فضة فكذلك يُباح ما ذكرنا، والجامع: أن كلًا منها حلي معتاد مُحسِّن لمظهر المسلم لا يصل إلى درجة الإسراف وكسر قلوب الفقراء، وهو يسير تابع وهو المقصد منه.
стр. 949
والكمران، والمشط، والمكحلة، والميل، والمرآة، والقنديل (٢٠) (و) يُباح للذكر (من الذهب قبيعة السيف)، لأن "عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب، وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب" ذكرهما أحمد، وقيَّدهما باليسير مع أنه ذكر أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كان وزنها ثمانية مثاقيل فيُحتمل أنها كانت ذهبًا وفضة، وقد رواه الترمذي كذلك (٢١) (وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحو) كرباط أسنان؛ "لأن عرفجة بن أسعد قُطع أنفه يوم الكُلاب: فاتخذ أنفًا من فضة، فأنتن
(٢٠) مسألة: لا يجوز أن يُحلَّى بالفضة غير ما سبق - في مسألة (١٩) -: فلا يجوز أن يُجعل من الفضة في المراكب، أو السُّرج، أو أطرافهما، وما يُجلس عليه في السيارات ولا في لجام الفرس، ولا في الدواة، والمقلمة، والكمران - وهو: الذي تُجعل الأواني عليه - ولا في الأمشاط - وهي: ما يُمشط الرأس فيها - ولا في المكحلة، والمروحة، والمشربة، والمدهنة، والمحمرة، ولا في الميل - وهي: الآلة التي يُكحَّل بها العين -، ولا في المرآة، والقنديل - وهو: المصباح من الزجاج -، ولا في نحو ذلك؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل تحريم استعمال الفضة، فيستصحب هذا الأصل، ويُعمل به، حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة، ولم يرد شيء من ذلك فنبقى على التحريم، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسراف، وكسر لقلوب الفقراء.
(٢١) مسألة: يُباح للرجل أن يُحلِّي مقبض السيف باليسير من الذهب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ مُحلَّاة باليسير من الذهب والفضة" لكون المقبض صغير فإذا كان بعضه مُحلَّى بالفضة، فلا يبقى إلا اليسير من الذهب، وهذا من اللوازم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كان سيف عمر ﵁ مُحلَّى باليسير من الذهب، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه عزة للمسلمين مع عدم الإسراف في ذلك.
стр. 950
عليه، فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفًا من ذهب" رواه أبو داود وغيره، وصحَّحه الحاكم، وروى الأثرم "عن موسى بن طلحة وأبي جمرة الضبعي وأبي رافع، وثابت البناني، وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد الله أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب" (٢٢) (ويُباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلُبسه ولو كثُر) كالطَّوق والخلخال، والسوار، والقرض، وما في المخانق، والمقالد، والتاج، وما أشبه ذلك؛ لقوله ﷺ : "أحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرِّم على ذكورها" (٢٣)، ويُباح لهما
(٢٢) مسألة: يُباح للرجل أن يضع من الذهب ما تدعو الضرورة إليه وإن كثر: كأن يضع أنفًا من ذهب، أو أن يضع سنًا من ذهب، أو أن يربط أسنانه بشرائط من ذهب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "إن النبي ﷺ قد أمر عرفجة أن يتخذ أنفًا من ذهب" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الإباحة هو وروده بعد حظر؛ حيث إنه يُحرم استعمال الذهب للرجل، فلما أمر به ﷺ دلَّ على إباحة ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجوز اتخاذ الأنف من الذهب، فكذلك يجوز اتخاذه لأي ضرورة أخرى، والجامع: دفع الضرر عن المسلم في كل، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الذهب لا يتغيَّر بطول مُكثه فهو أولى من غيره لدفع المفسدة عن المسلم، ودفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة.
(٢٣) مسألة: يُباح للنساء لبس ما شاءت من الذهب والفضة على حسب عادة اللبس في ذلك سواء كثُر ذلك أو قلَّ؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ : "أُحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها" وهذا عام، فيشمل القليل والكثير؛ لأن "الذهب" اسم جنس معرف بأل وهو من صيغ العموم، وإذا أحلَّ الذَّهب، فمن باب أولى أن يُحلَّ الفضة؛ لكونها أدون منه من باب "مفهوم الموافقة الأولى"، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن =
следующие страницы →