← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وحدث وهو شاب، وكتب بخطه، وقرأ بنفسه، وحصل الأصول والفروع، وانتقى على الشيوخ، وجمع مجاميع، وأرخ الوفيات ذيلاً على الشريف عز الدين، وقرأ الفقه، وحفظ ألفية ابن مالك، وجمع مشيخة للقاضي ضياء الدين بن الخطيب، فيها أربعون حديثاً، وتكلم على كل حديث وما يتعلق به، وقرأها عليه، وسمعناها منه في سنة خمس وأربعين. ولم يزل يسمع وينتقي، ويرتفع في الانتخاب ويرتقي، يمتاح من قليب الدواة ويستقي، إلى أن تحدث الناس بوفاته، وذهبت ذاته بصفاته، وذلك طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وكنت قد كتبت له على الأربعين حديثاً التي خرجها للقاضي ضياء الدين أبي بكر بن الخطيب تقريظاً، وهو، وقفت على هذا التخريج الذي لا يرده ناظر، ولا يدفع أدلته مناظر، ولا يستغني عنه مذاكر ولا محاضر، ولا يشبه حُسنه إلا الرياض النواضر، وعلى أنه لمعةٌ من شهاب، وهمةٌ من سحاب، وجرعةٌ من شراب، ودفعةٌ من عباب، لأن مخرجه شهاب زين ليل العلم الداج، وبحرُ ألفاظه دررٌ، وفوائده أمواج، فلو عاصره ابن عساكر لم يذاكر، أو الخطيبُ لما كان يطيب، أو ابن الجوزي لانكسر قلبه، وذهب لبه، أو ابن نقطة لغرق في بحره، وبله بقطره، أو الحاكم لقضى له بالتفضيل، ولم ينظر في جرح ولا تعديل، وخرجه لمولى جمل البلدين، ورئيس يوضع تاجَ سيادته على فرق الفرقدين: كريمٌ سادَ بالأفضال حتى ... غدا في مجده بادي السناءِ له ذكر يطبق كل أرضٍ ... فيملأ جوها طيبُ الثناء فما يخفى علاه على بصيرٍ ... وإن يخف فذو حسد يرائي

стр. 142

وهبني قلتُ هذا الصبحُ ليلٌ ... أيعمى العالمون عن الضياء فلا أعلم تخريجاً أحسن منه، ولا جزءاً غيره كل الفوائد تؤخذُ عنه، جمع فيه بين الرواية والدّراية، وبلغ فيه إلى غاية تدل على أنه آية، فالله يشكر سعيه، ويتولى بعينه رعيه، وبمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.. أحمد بن بدليك الأمير شهاب الدين الساقي المرعوف بمشد الشرابخاناه. ورد هو وأخوته الأمير سيفُ الدين شادي، وسيف الدين حاجي، وركنُ الدين عمر إلى مصر من البلاد الشرقية، وخدم الأمير شهاب الدين أحمد عند الأمير سيف الدين بكتمر الساقي فجعله ساقياً، ولبث عنده مدة، ورآه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فأعجبه، فأخذه منه، والظاهر أنه أخذه بعد موت بكتمر، وجعله مشد الشرابخاناه، ولم يزل عند السلطان في أعداد الخاصكية، ولما توفي السلطان أخرج إلى صفد، إمّا في أيام قوصون أو بعده، أو أخرج إلى حلب، ثم أعيد إلى مصر لما انقلبت الدولة، ولما جهز الحاج أرقطاي إلى نيابة حلب الأولى خرج هو معه، أقره في النيابة على العادة ويعود، فورد المرسوم وهو في حلب أن يتوجه إلى صفد، ليقيم بها أميراً، فأقام بها إلى أن قتل الكامل، فتوجه إلى مصر، ولما خلع المظفر

стр. 143

كان هو من جملة من قام بخلعه، وقتله، وكانوا ستة تكتب المطالعة إلى السلطان، ويطيرها إليهم، وكان أحمد منهم، وكانوا إذ ذاك: بيبغاروس، والأمير منجك، والأمير سيف الدين شيخو، والأمير سيف الدين طشتمر طلليه، وسيف الدين الجييغا، والأمير شهاب الدين أحمد المذكور، ووقع بين هؤلاء المذكورين خلفٌ، فقال الأمير شهاب الدين: أيش بنا هذه المرة ما فيها أحد من أولاد السلطان إلا نجرا بالسيف، ومن صح منا جلس على التخت، فأذعن الجماعة له الطاعة، وتركوه مدة أيام، وأخرجوه إلى صفد نائباً عوضاً عن الأمير سيف الدين قطز، فوصل إليها في ثاني شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ولم يزل بها مقيماً إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير، فحضر إليه الأمير قماري الحموي السلحدار في الظاهر بسبب الحوطة على موجود الوزير وحواصله، وفي الباطن بإمساكه، وكأنه فهم القضية، فجهز إليه من تلقاه من الطريق، ولم يكن أحداً من الاجتماع به، ولا بمن معه، ولما أراد قماري يتوجه، قال له يا خُوند: السلطان يطلبك، فقال: لأي شيء؟ ما قلت هذا في الأول ولا في الكتاب الذي على يدك، أن معك مشافهة ولكن اطلبوا الأمراء، فحضروا ومعهم نائب قلعة صفد، وقال يا أمراء، السلطان قد طلبني وأنا أتوجه، فقالوا له: خير، فطلب مباشري ديوانه، وقال: كم لنا في القلعة من القمح، قالوا: مئة غرارة، ففرقها جميعها على مماليكه، وقال: اطلعوا اقبضوها، فلما طلعوا، وصاروا فيها أنزلوا كل من فيها من المستخدمين، وتملك القلعة مماليكه،

стр. 144

وقال لقماري: أنا أكتب إلى السلطان. وأسير معك شخصاً من جهتي بمطالعة مني، وجهزها. وبلغ السلطان ذلك، فكتب في الظاهر إلى سائر نواب الشام أن أحمد الساقي قد شق العصا، فاربطوا له الطرقات، وأمسكوه، وإن حارب حاربوه، وكتب إلى جميع عربان الطاعة بذلك، وكتب إلى الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام أن يتوجه إليه بنفسه في العسكر الشامي، فلما بلغ ذلك أحمد كتب هو نائب الشام يتشفع به، ويسأله أن يكون في جملة أمراء دمشق، فكتب له إلى السلطان، فأجيب إلى ذلك، وكتب له أمان شريف، فجهز ذلك إليه، فلم يذعن، وقال: لو علمت أن ذلك صحيح حضرت، وأصر على حاله. فحضر المرسوم بأن يجهز له أربعة آلاف فارس من دمشق، ونائب غزة الأمير فارس الدين البكي بعسكر غزة، والأمير سيف الدين بكلمش ناظر طرابلس بعسكرها. فتوجه الجميع إليه في أوائل المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، ولما وصل نائب غزة وهو والنائب الذي عيّن مكانه بصفد وهو الأمير علاء الدين الطنبغا برناق إلى قرية المجدل جهز إليهما أحمد الساقي يقول: أنا ما أنا عاص، ولكن هذه القلعة لا بد لها من نائب، وأريد أن أكون بها نائباً، فقالا له: إن كنت تريد ذلك، فأطلق الأمير عز الدين أيدمر الشمسي، والأمير عز الدين دقماق وكاتب السر وأخاه ناظر الجيش، وكان قد اعتقلهم بالقلعة، فقال هو: لا اعتقلهم أيام حكمي، والآن ما يخرجون إلى بمرسوم شريف، فطلع المذكوران بمن معهما إلى صفد، فرمي عليهم بالنشاب

стр. 145

والبندق والرصاص والزيارات والنفط، وجرح بعض الخيل، وطلع القلعة وأغلقها، وشال الجسر. ولما كان يوم الجمعة ثامن عشر المحرم اتفق العسكر على الزحف على القلعة وإحراق الجسر، وجهزوا إليه يعلمونه أنهم في غداة السبت يفعلون ذلك، فاتق الله واحقن دماء المسلمين. فأطلق من كان عنده في الاعتقال، وقال للعسكر: احلفوا أن لا تؤذوني وأنا أتوجه إلى باب السلطان، فحلفوا له، وأخذوا سيفه، وجهزوه صحبة الأمير سيف الدين قطلوبغا الكركي وجهز مملوكه الطنبغا إلى نائب الشام يطلب منه شفاعة، فكتب له ذلك، وجهزوا معه أميراً من الشام وأميراً من طرابلس، وأميراً من صفد، وأميراً من غزة، وساروا به إلى باب السلطان في ثالث عشري المحرم، ورجعت العساكر إلى أماكنها. ولما وصلوا به إلى قطيا، تلقاه الأمير سيف الدين قماري، فأخذه في زنجير مقرم اليدين - على ما قيل - وتوجه به إلى ثغر الإسكندرية، ولم يزل بها معتقلاً، إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح، فأطلقت المعتقلين الذين في سجن الإسكندرية جميعهم، وولاه نيابة حماة، فوصل إلى دمشق في حادي عشري شعبان سنة اثنتين خمسين وسبع مئة، وصحبته الأمير سيف الدين جركتمر عبد الغني، ليقره في النيابة، ولم يزل في حماة نائباً حاكماً، إلى أن اتفق هو والأمير سيف الدين بيبغاروس نائب حلب، والأمير سيف الدين بكلمش نائب طرابلس، على الخروج على الملك الصالح، وراسلوا الأمير سيف الدين أرغون الكاملي نائب الشام على ذلك فما وافقهم. ولما تم أمرهم وهموا بالخروج حلف نائب الشام عسكر دمشق للملك الصالح في العشر الأولى من شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وجرى ما يأتي ذكره أن شاء الله تعلى في ترجمة أرغون الكاملي.

стр. 146

ولما وصل بيبغاروس ومن معه إلى دمشق نزل على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وتوجه أحمد الساقي ومعه ألف فارس، وأقام على المزيريب مدة أربعة وعشرين يوماً ولما وصل الأمير سيف الدينين طاز إلى لد هرب ابن دلغادر من دمشق، وجاء بيبغاروس إلى المزيريب، واجتمع وباتا ليلةً، ثم إنهما هربا بمن معهما من العساكر إلى حلب. ووصل السلطان الملك الصالح إلى دمشق، وجهز الأمير سيف الدين شيخو، والأمير سيف الدين طاز، والأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى حلب، فهرب بيبغاروس ومن معه، واجتمعوا بابن دلغارين، وأقاموا هناك يعيثون في الأرض، إلى أن أمسك ابن دلغادر أحمد وبكلمش، وجهزها إلى حلب، فوصلا إليها، والأمير سيف الدين أرغون الكاملي بها نائب في ثاني عشر ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، فاعتقلا بقلعة حلب، وطلع بأمرهما، فعاد الجواب على يد سيف الدين طيدمر أخي طاز بأن يجهز رأسيهما، فحزّ رأس أحمد وبكلمش في حلب في العشر الأوسط من شهر الله المحرّم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وتوجّه بهما المذكور إلى مصر، وكان ذلك آخر أمر الساقي، والله الباقي. وكان هذا أمير أحمد شاباً طويلاً رقيقاً، تراه بالإقدام والشجاعة حقيقياً، حلو الوجه خفيف اللحية، يعلوه رونق، وعليه قبول وحظّ ما فرح به السدير في أيامه ولا الخورنق، يميل إلى الصورة المليحة، ويتعبد بهواها كل بكرة وصبيحة، لا يملك نفسه إذا رأى وجهاً حسناً، ولا يرجع إلى عذل من يرده عن ذلك ولو كان لسناً،

стр. 147

وكانت له في ذلك تراجم معروفة في أيام الشهيد، وأخباره فيها سار بها الركبان والبريد، إلا أنه كانت نفسه أبية، وعنده من ميعة الشباب نشوة السبيّة. وكان يحدث نفسه بأمور عظيمة، وفتن لا تزال تصنع للشرور وليمة، وكان لذلك لا يقنع بغاية، ولا يرى إلا ما هو عنده نهاية، ولقد ثبت في واقعة صفد ثبوتاً دونه البال الرواسخ، وأسكن جماعة ممن خالفه البرازخ. ويحكى عنه أنه لما نزل من القلعة ودّع صغار أولاده، وثمرات فؤاده، فقطع القلوب أسفاً، ورأى موته بعينه وهو في الحياة سلفاً، فقلت فيه: عجبتُ من أحمد الساقي وقد برزت ... له العساكرُ في موضونةِ الزردِ ساقٍ سقتهُ الليالي كاس حادثها ... وراحَ من صفدٍ للحتفِ في صفد يعينُهُ ربه فيما ابتلاهُ بهِ ... فما على مثل ما لاقاه من جلد وجاءت الأخبار بأن الأمير سيف الدين قماري لما التقاه في قطيا عامله بأنواع من الإهانة ساعة اللقيا، وأضاف زنجيراً إلى قيده، وقرم يده بشدة وأيده. وقيل: إنه توجه به ماشياً، وكاد لذلك يصبح جسده متلاشياً، ولم يحسب له أحد في هذه المرة حساب السلامة، لأنه فعل ما يوجب العذل والملامة، ولكن " لكل أجل كتاب "، وإذا قدر أمرٌ على المرء ما يفيده زجرٌ ولا عتاب، فأقام في سجنه تلك المدة، وفرّج الله عنه من تلك الشدة، ورسم له بنيابة حماه، فتوجه إليها، وقدم بعد الذل في عز دائم عليها، فسبحان اللطيف الخبير، ومن يرسل رياح الفرج فينشق المحزون منها نشر العبير. وقلت أنا فيه أيضاً:

стр. 148

تلق حوادث الدنيا بصبرٍ ... ففي صرف الزمان ترى العجائب فهذا أحمدُ الساقي توالى ... عليه من القضا مطر المصائب وما أعطى له أحدٌ حياةً ... وها هو في حماةَ اليومَ نائب وكان فيها نائباً قد تمكن لا ترد له إشارة، ولا يعطل السلطان مما يرومه عشاره كل ما يكتب به يجاب فيه بالقبول، وكل ما يأباه يتلاشى غصنه إلى الذبول، ولكن نفسه تريد بلوغ ما فيها، وإدراك أمانيها، وعقله من الصواب نفور، ودمه - كما يقال - يفور، إلى أن دبر ما دبر، وأثار من الفتنة ما عاد على وجهه وغبر، وكان هو الذي حرك ذاك الساكن، وعمل على خراب ما دخله من المنازل والأماكن، إلى أن خرب بيده بيوته، وطار خلف الشر إلى الروم خوفاً من أن يفوته، ولم يزل بتلك الخنزوانه، إلى أن غدر به ابن دلغادر وخانه، وما زال عليه إلى أن أماته ونسي أمانه، وأراه الله عقبى جناية الخيانة، وجز في حلب رأسه، وخرق من الحياة قرطاسه، ولم ينفعه ياقوته ولا ماسه وتبرأ من فعله القبيح وسواسه، ولم يرض له بالخنا خناسه، فسبحان من بيده الحياة والنشور، وإليه ترجع الأمور، لا إله إلا هو. وقلت لما جز رأسه، وجهز إلى مصر: إياك والبغي فشهبُ الردى ... في أفق البغي غدت ثاقبه ما أحمدُ الساقي الذي مذ بغى ... ما أحمد الله لهُ عاقبه أحمد بن بكتمر أمير أحمد بن الأمير سيف الدين بكتمر الساقي. كان وجهه عليه لمحة من البدر، ومهابته تملأ الجوانح والصدر، مليحاً إلى غاية،

стр. 149

جملاً في نهاية، وكان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في محبته متغالياً، ولم يره الناس في وقت منه خالياً، كان يوماً نائماً على فخذ السلطان وقد عزم على الركوب، وأحضرت الخيل والعساكر تنتظر قيامه والوثوب، وأبوه بكتمر واقفاً خجلاً، وقلبه يخفق وجلاً، وكلما هم بأخذه يمنعه، ويكابده في أمره ويخدعه، فقال: يا خوند، الناس في خدمتك وإلا في خدمته؟ فقال: ما أركب حتى ينتبه أحمد من نومته، وكان الناس يظنون أنه ابن السلطان يقيناً، ويقولن: ما رأينا مثله عنده مكيناً، وأمره مئة، جعل مقدم ألفٍ مع صغر سنه، وجعل بعد ذلك شخصه في قلبه في كنه، وكان هو صغير ضعيف القائمة، لا يستطيع النهوض لعلةٍ له ملازمة، فلم يزل السلطان عليه بالأدوية والعقاقير، والمعالجة بأنواع من التداوي والتدابير، إلى أن نهض غصنه قويماً، وانعطف قدّه من الميل سليماً، وزاد حسنهُ وبهاؤه، وذهب عنه داؤه واقبل دواؤه، وصح من خمر الشباب انتشاؤه، وثبت إلى القمرين انتماؤه. وزوجه السلطان بابنة الأمير المرحوم تنكز نائب الشام، وجرى ذلك العقد على أحسن ما يكون من النظام، حسبك بهذه الدرة الثمينة، وما جُمع من هذا القرين وهذه القرينة، وكان عرسها عرساً ما فرحت به بوران، ولا كان للفك له دوران، ووقف السلطان بنفسه وفي يده العصار، ورتب السماط ترتيباً خالف فيه العادة وعصى، اختلف بذلك زايداً، وجعل هواه لنفسه قائداً، له العذر فيما توهمه في ذلك من الحسن والزين، لأنهما ولدا مملوكيه العزيزين.

стр. 150

وكان أمير أحمد المذكور يقضي عند السلطان أشغالاً لا يقضيها غيره، ولا يحوم في جوها إلا طيره، ولم يزل بدره في مطلع سعوده، ومعارج صعوده، إلى أن توجه مع السلطان إلى الحجاز، وقضى فرضه وفاز من الأجر بما فاز، وعاد راجعاً، وبدره يُرى في سماء الملك طالعاً، فمرض مرضاً حداً، وزاد به جداً فأذوى ريحان شبابه، ونغص بموته حياة أترابه. وتوفي رحمه الله تعالى في طريق الحجاز عائداً في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وعمره يقارب العشرين. وقلت ذلك الوقت: ورقيبٍ بليتي ... في الهوى منه ما تمر ذاك قد طال عمره ... ويموتُ ابنه بكتمر وكتب إلى أبيه تهنئة لما أعطي تقدمة الألف عن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى من جملة كتاب: وأما ما شملت به الصدقات الشريفة للمقر العالي المولوي الأميري الولدي الشهابي من تقدمة الألف، وخصه به من هذا الإنعام الذي صح قياسه ولم يكن قياسَ الخلف، فإنه بحمد الله واحد كالألف إن أمر عنا، وفردٌ يبلغ به مولانا - أعز الله أنصاره به - الأمان من الزمان والمنى، وبه يُحقق المملوك قول الأول الذي لم يحجده جاحد: والناسُ ألفٌ منهم كواحدِ. ولم أرَ أمثالَ الرجالِ تفاوتوا ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد

стр. 151

والله تعالى يديم هذه الأيام الشريفة التي أرت مولانا فيه ما سره، وبلغت به رتبةً ذبالها النجوم وطريقُها المجرة، وتقر به عين مولانا الكريمة، فمثل هذا الولد من يكون للقلب قراراً، وللعيون قرة، وكان المملوك يودّ لو كان حاضراً في ذلك اليوم الذي هو تاريخ الهناء، وموسم الفرح المؤبد على مر الآناء، وإن كان المملوك قد غاب بقالبه، فقد حضره بقلبه وعرف قيمة إيجابه وسلبه، والله تعالى يديم لمولانا وله وللمملوك حياة مولانا السلطان خلد الله ملكه، وجعل أقطار الأرض ملكه بمنه وكرمه. أحمد بن أبي بكر بن عرام بهاء الدين، الأسواني المحتد الإسكندراني المولد قرأ القراءات على الدلاصي، والفقه للشافعي على الشيخ أبي بكر بن مبادر، وعلى علم الدين العراقي وقرأ عليه الأصولين على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، والنحو على محيي الدين حافي رأسه، وعلى الشيخ بهاء الدين بن النحاس.

стр. 152

وسمع على أبي عبد الله محمد بن طرخان، وأبي الحسن الخزرجي، وعلى تقي الدين بن دقيق العيد، وعلى الدمياطي وغيرهم. وتولى نظر الأحباس بالإسكندرية، وصحب أبا العباس المرسي، وأخذ التصوف عنه، وعن والده، أمه بنت الشيخ الشاذلي. وكان المذكور ينظم وينثر، ويجري في ميدان الأدب ولا يعثر، وكان مقداماً متديناً، سالكاً نهج الخير صيّناً. صنف في الفقه والعربية، وعلق على المنهاج للنووي تلعيقة أنوارها مضية، وله مناسك ما أشبه ذلك. ولم يزل في شوطه إلى أن عثر فما قام، واتخذ بطن الأرض دار مقام. وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة عشرين وسبع مئة، ومولده سنة أربع وستين وست مئة، ومن شعره: وحقك يا مي الذي تعرفينه ... من الوجدِ والتبريح عندي باق فبالله لا تخشي رقيباً وواصلي ... وجودي ومني وانعمي بتلاق ومنه: أيا طرسُ إن جئت الثغور فقبلن ... أنامل ما مدت لغير صنيع وإياك من رشح الندى وسط كفه ... فتمحى سطور سطرت لرفيع قتل: شعر نازل.

стр. 153

أحمد بن أبي بكر ابن محمد بن محمود بن سلمان بن فهد، شهاب الدين، ابن القاضي شرف الدين، لبن القاضي شمس الدين، ابن القاضي شهاب الدين محمود. كان القاضي شهابُ الدين المذكور من جملةِ موقعي الدست، وكان أولاً من جملة كتاب الإنشاء، فلما توفي والده القاضي شرف الدين بالقدس - على ما سيأتي - أعطي مكانَ والده. فباشره، فكان هشاً بشاً بمن يراه، مكرماً لمن أمه أو قصد ذراه. نفسه متسعة للجود، قائمةٌ بما يجبُ من حلق الوفود. لا يتكلم إلا وهو يضحك، ولا يفارقُ لجود طباعه نُصحك. يقضي حوائج الناس في قصصهم، ويزيحُ عنهم ما تجرعوه من غصصهم، فأحّبه الناسُ، وردّ عليهم ما كان حصل لهم في والده من الياس. ولم يزل على حاله، إلى أن عاجله حتفه، وصرف إليه من الموت صرفه. توفي رحمه الله تعالى - يوم عاشوراء، سنة أربع وخمسين وسبع مئة. ومولده سنة سبع عشرة وسبع مئة. واحتفل الناس لجنازته، ودفن في تربة جده بالصالحية. وعهدي به، وهو كما احتلم، يجري وراء الحية، ويحملها بذنبها، ويرفعها إلى فوق، ويقصعها إلى أسفل، ويرميها من يده، وقد انقطع وسطها، وأنخلعت فقرأتُ ظهرها.

стр. 154

وستأتي - إن شاء الله تعالى - ترجمة كل واحد من أبيه وجده في مواضعها اللائقة بها. وقتل أرثيه من أبيات، التزمتُ فيها الفاء: شهابُ بني محود أصبحَ أفلا ... وكان به صدرُ المجالس حافلاً تيقظ طرفُ الدهر نحو جنابه ... وقد كان في إغفائه عنهُ غافلا يحن إليه الجودُ من حيثُ ينتحى ... كما أنه من عزه راح جافلا لقد كانَ في بردِ الشبيبةِ والعلا ... وبذل الندى ما زال يختالُ رافلا سما بأصولٍ باسقاتٍ إلى العلا ... بحيث رأينا النجمَ عن ذاك سافلا فيا ضيعةَ اللهقانِ بعد مصابه ... لقد كان في دفع الأذى عنهُ كافلا أحمد بن أبي بكر ابن محمد بن سلمان بن حمايل، القاضي شهاب الدين، ابن القاضي بهاء الدين، ابن القاضي شمس الدين بن غانم، كاتب الإنشاء بدمشق. كان والده القاضي بهاء الدين صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، وسيأتي ذكره في مكانه من حرف الباء - إن شاء الله تعالى - ولما توفي والده بطرابلس، تركه صغيراً، فحضر إلى عند أقاربه بدمشق، ثم توجه إلى مصر، فرسم له بأن يكون من

стр. 155

جملة كتاب الإنشاء بطرابلس، ثم إنه سعى وانتقل بمعلومه إلى دمشق، ورتب في جملة كتاب الإنشاء في سنة خمس وأربعين أو ما بعدها في غالب الظن، وأقام بدمشق إلى أن توجه في سنة ست وخمسين وسبع مئة إلى الديار المصرية، وسعى هناك إلى أن رتب في جملة كتاب الإنشاء في باب السلطان على معلومه الذي بدمشق، بزيادةِ في مصر. ولم يزل هناك مريضاً متوعكاً، يقومُ ويقع، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ثمان وخمسين وسبع مئة. وكان مولده بصفد تقريباً في سنة أربع وعشرين وسبع مئة أو في سنة ثلاث وعشرين. وكان فيه سعي وحسنُ توسل ولطفُ توصل، وعلى أنفه في مارنه شامةٌ كبيرة حسناء خضراء. وكانت كتابته قوية، ولم يكن له نظم ولا نثر. أحمد بن أبي بكر شهاب الدين أبو جلنك - بالجيم واللام والنون والكاف - الحلبي الشاعر المشهور. بالعشرة والخلطة التي تركته بروة، وجردت قشره. كان فيه همةٌ وعنده شجاعة، ولديه من الإقدام في المعارك أجزلُ بضاعة، نزل من قلعة حلب للإغارة، والتتار يتوقدُ من شرهم كل شرارة، فوقع في فرسه سهمٌ

стр. 156

عقره، وفتق جنبه وبقره، فبقي على ضخامته راجلاً، وأمسك به عاجلاً، وجاؤوا به مقدم التتار، فسأله عن عسكر المسلمين فرفع شأنهم، وأعلى في الفروسية مكانهم. فغاظه ذلك منه وضرب عُنقه في الحال، وشتمر للارتحال. وأصل منادمته لصاحب ماردين أو الموصل تنديبة، بدت منه بغير قصد، وهي عجيبة. لأنه قصد الطهارة وعلى بابها خادمٌ، يناول كيلاً من الماء لكل قادم، فدخل على عادة البلاد، وما هي عليه من الأمر المعتاد، فصاح به الخادم قف خذ هذا الكيل. قال: لا، أنا أخرى جزافاً من الويل. فبلغت السلطان، فقال: هذا ظريف يصلح لأن ننادمه، ونزيد خوافي جناحه وقوادمه. وأخبرني عنه الصاحب جمال الدين سليمان بن ريان، قال: لزمنا أبو جلنك مدة، ونام عندنا ليالي عدة، وكانت ينتبهُ نصفاً من الليل، ويكررُ علي محافيظه، ومنها مختصرُ ابن الحاجب، ثم يشببُ بشبابه يزمزم، وإذا أصبح توضأ وأتى بالواجب. وما زال على حاله إلى أن ضربت عنقه، وخلا من كوكبه أفقه، وذلك سنة سبع مئة. وأنشدني القاضي جمال الدين بن ريان قال: أنشدني من لفظه أو جلنك لنفسه لغزاً: اسم الذي أهواه في حروفه ... مسألةٌ في طيها مسائل خمساه فعل وهو في تصحيفه ... مبينٌ والعكسُ سمِّ قاتل

стр. 157

تضيء بعد العصر إن جئت به ... مكرراً من عكسك المنازلُ وهو إذا صحفته مكرراً ... فاكهةٌ يلتذ منها الآكل وهو إذا صحفته جميعه ... وصفُ امرئٍ يعجبُ منه العاقل وفيه طيبُ مطربٌ جميعه ... هاجت على أمثاله البلابلُ قتل: هذا لغز في مسعود وهو لغز جيد، ومقاصده جيدة، إلا أن قوله وصف امرئ يعجب منه العاقل فيه تسامح، فإنه لا يُقال: مشعوذ وإنما يقال مشعبذ بالباء مكان الواو. وأنشدني شيخنا العلامة أثيرُ الدين، قال: أنشدنا علاءُ الدين علي بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحمن الحلبي، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه، وكان قد مدح قاضي القضاة شمس الدين بان خلكان، فوقع له بثلثي رطل خبزاً، فكتب أو جلنك على بستانه: عجنا ببستانٍ حللنا دوحه ... في جنةٍ قد فتحت أبوابها والبانُ تحسبُها سنانير رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها قلت: بلغني أن الشيخ بدر الدين محمد بن مالك وضع على هذين البيتين كراسة في البديع، وأنشدني بالسند المذكور أيضاً:

стр. 158

أتى العذارُ بماذا أنت معتذرُ ... وأنت كالوجد لا تُبقي ولا تذرُ لا عذر يقبل إن تم العذار ولا ... ينجيك من خوفه بأسٌ ولا حذرُ كأنني بوحوشِ الشعرِ قد أنست ... بوجنتيك وبالعشاقِ قد نفروا ومن شعر أبو جلنك أيضاً: جعلتك المقصد الأسنى وموطنك ال ... بيتُ المقدس من روحي وجثماني وقلبك الصخرة الصماءُ حين قست ... قامت قيامة أشواقي وأحزاني أما إذا كنت ترضى أن تقاطعني ... وأن يزورك، ذو زورٍ وبُهتان فلا يغرنك نارٌ في حشاي فمن ... وادي جهنم تجري عينُ سلوان قلت: ألطفُ من هذا وأحضرُ وأجمع، قول القال: يا قدسُ حسنٍ قلبهُ الصخرة التي ... قست فهي لا ترثي لصب متيم ويا سؤلي الأقصى عسى بابُ رحمة ... ففي كبد المشتاق وادي جهنمِ وأنشدني العلامة أبو حيان، قال: أنشدنا علاء الدين علي بن سيف الدين تنكز، قال: أنشدنا أبو جلنك لنفسه: ماذا على الغصن الميال لو عطفا ... ومال عن طريق الهجرانِ وانحرفا

стр. 159

وعاد لي عائدٌ منه إلى صلةٍ ... حسبي من الشوقِ ما لاقيته وكفى صفا له القلبُ حتى لا يمازجُه ... شيء سواه وأما قلبُه فصفا وزارني طيفه وهناً ليؤنسني ... فاستصحبَ النومَ من جفني وانصرفا ورمتُ من خصره بُرءاً فزدتُ ضنى ... وطالبُ البرء والمطلوبُ قد ضعفا حكى الدجا شعره طولاً فحاكمه ... فضاع بينهما عمري وما انتصفا قلت: شعر متوسط. أحمد بن أبي بكر بن منصور القاضي الإمام العالم شمس الدين، قاضي طرابلس. كان فاضلاً في أنواع من العلوم. قال شيخنا البرزالي: اجتمع به أصحابنا المحدّثون لما توجهوا إلى هناك في صفر قبل وفاته، وأثنوا عليه. وعاش ثلاثاً وسبعين سنة. وكان ذا مال وتجارة، وفيه شجاعة، وعنده عدة للقتال، ويقاتل الفرنج، وله محاسن كثيرة، ومرض مرضة طويلة. وحصل له عقيب المرض برسام، وتولى غيره القضاء. وتوفي - رحمه الله تعالى - في أول ربيع الأول، سنة سبع وسبع مئة. وكان يعرف بالإسكندري.

стр. 160

أحمد بن أبي بكر بن حرز الله القاضي الفقيه، الإمام العالم شهاب الدين أبو العباس السلمي المغربي المعروف بالأزندي. كان فقيهاً فاضلاً، اشتغل على الشيخ محيي الدين النووي، ولازمه وصحبه مدة، وكان الشيخ يحبه ويثني عليه، وزكاه في شهادة شهدها عند بعض القضاة وشفع له عند الشيخ برهان الدين المراغي لينزله في مدرسة. وقرأ الأصول على القاضي عز الدين بن الصايغ، والقاضي بدر الدين بن جماعة. وقرأ النحو على ابن عبد القوي. وولي القضاء ببلد الخيل ﵇ وصرخد وبصرى وغيرها. وعاد إلى دمشق، وحضر المدارس، وجلس مع الشهود، وولي تدريس الحلقة القوصية بالجامع. وكان يخطب أيضاً تارة نائباً وتارة مستقلاً. وسمع الحديث من الشريف يحيى الحنبلي، والنجيب المقداد، وعمر بن

стр. 161

عصرون، وأبي حامد بن الصابوني، والأمين الإربلي راوي صحيح مسلم، والرشيد العامري، وأبي بكر المزي، والشيخ نصر بن عبيد المؤذن وجماعة، وسمع بعض الكتب الحديث الكبار وكتب في الإجازات. وكان كريم النفس لا يدخر شيئاً، وفيه تواضع، وأخلاقه حسنة، وكان يحب الفقراء، وصحب منهم جماعة. وتوفي - رحمه الله تعالى - في سادس ذي الحجة سنة سبع وعشرين وسبع مئة. ومولده في شوال سنة اثنتين وخمسين وست مئة. أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن برق الأمير شهاب الدين متولي مدينة دمشق. كان المذكور إنساناً حسن الأخلاق، يخدم الناس على حالتي الجدة والإملاق، ويحب الفضلاء ويبرهم ويلاطفهم في وقائعهم تحت يده ولا يضرهم. ساس الناس بدمشق سياسة جيدة، هرب مرات من الشر إذا وقع، وتحيده. وعلى ذهنه حكايات ووقائع، ونوادر إذا حكاها، قلت: جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع.

стр. 162

وأول ما عرف من أمره أنه أقام في ولاية صيدا زماناً، وأخذ به من ذلك الساحل في تلك المدة أماناً، ثم إن الأمير تنكز سيف الدين - رحمه الله تعالى - نقله إلى ولاية مدينة دمشق، فأقام بها مدة مديدة، وحركاتُه فيها مدة الولاية سديدة. ولم يزل على حاله إلى أن انطوى برق ابن برق، فكأنه لم يلمع في غرب ولا شرق وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ست وثلاثين وسبع مئة. وتولى دمشق في صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وكان الأمير سيف الدين - رحمه الله تعالى - قد جعله حكم البندقِ عوضاً عن الأمير صارم الدين صاروجا، فكتبت له بذلك توقيعاً، وهو: الحمد لله الذي لم يزل حمده واجباً، وفدهُ لكل خير واهباً، وشكره للنعم جالباً، وللنقم حاجباً، وذكره للبؤس سالباً، وللنعيم كاسباً. نحمده على نعمه التي نصرعُ بالحمد أصناف أطيارها، ونقص بالشكر أجنحتها فلا قدرة لها على مطارها.

стр. 163

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا يكون لنا بها عن الفوز بالجنة عذرُ، ولا نجد بها نفوسنا يوم البعث إلا في حواصل طيورٍ خضر. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله. أفضلُ من قدم ذوي الرتب، وأشرفُ من حكم بالعدل العاري من الشبه والريب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا في الحروب عُقبانها الكواسر، وفرسانها الذي أشبعوا من لحوم العدا ذوات المخالبِ والمناسر، ما أحمد الرامي في المرام عزمه، وسعت له في الرتب قدمُ قدمه، وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فلما كان الرمي بالندق فناً تعاطاه الخلفاءُ والملوك. وسلك الأمراء والعظماء طريقة لطيفة المأخذ ظريفة السلوك، يرتاضون به عند الملل لا سترواح نفوسهم، ويجنون ثمران المنى في التنزه من غروس عروشهم، ويبرزون إلى ما يروق الطرف ويروعُ الطير من برزاتهم، وينالون ببنادق الطين من الطير ما لا ينالهُ سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم. وقد نبذوا في تحصيل المراتب العلية شواغل العُلق، وتدرعوا شعار الصدق بينهم وهم أصحابُ الملق، ومنعوا جفونهم من ورود حياض النوم إلا تحله، وظهروا بوجوهٍ هي البدورُ وقسي هي الأهله، وتنقلوا في صيد النسور تنقل

стр. 164

الرخ، وصادوا الطيور في الجو لما نثروا حبات الطين من كل قوس هي كالفخ، وصرخوا على الأوتار فكانت ندامى الأطيار على سلاف المياه من جملة صرعاها، واقتطفوا زهرات كل روضة أخرجت ماءها ومرعاها، احتاجت هذه الطريقة إلى ضوابط تُراعى في شروطها، وتحسبُ على الجادة أذيال مُروطها، ليقف كل رامٍ عند طورِ طيره، ويسبر بتقدمه غور غيره، ليؤمن التنازعُ في المراتب، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب. وكان المجلسُ السامي الأميري الشهابي أحمد بن برق هو الذي جر فيها على المجرة مطرفة، وأصبح ابن بجدتها علماً ومعرفة، تطرب الأسماعُ من نغمات أوتاره، وتنشق مرائرُ الطير من لون غُباره، وتودّ المجرةُ لو كانت له طريقاً، والشمس جواده، والسماء ملقه، تتمنى قوسُ السماء الملوّنة، لو كانت قوسه والنسرُ طائره والنجوم بندقه. كم جعل حُلل الروض المرقومةِ بما صرعه مصائره، وكم خرج في زمرٍ والطير فوقهم صافات، فصاد بدر تم حين بادره، وكم ضرج في معركِ الجو من قتيلٍ ريشُه كالزرد الموضون، وكم أرسل البندق فكان سهماً ماضياً لأنه " من حمئ مسنون ". فلذلك رسم بالأمر العالي لا زال طائره ميموناً، ودر أمره في أدراجِ الامتثال

стр. 165

مكنوناً، أن يفوضَ إليه حكم البندقِ بالشام المحروس على عادة من تقدمه في ذلك من القاعدة المستمرة بين الرماة. فليتول ذلك ولاية يعتمد الحق في طريقها الواجب، ويظهر من سياسته التي شخصت لها لعيون وكأنما عقدت أعالي كل جفن بحاجب، وليرعَ حق هذه الطريقة في حفظ موثقه، وليجر على السنن المألوف من هذه الطائفة " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه "، بحيث إنه ينزلُ كل مستحق في منزلته التي لا يعدوها ويقبل من الرامي دعوى صيده، ويرد ما لا يعتدُ بها الرماة ولا يعدوها، ومتثبتاً فيما يحمل إليه من الرمي للحكم ولا يرخ على غيه ذيلاً، محرراً أمر المصروع الذي أصبح راميه من كلفه به مجنون ليلى، جرياً في ذلك على العادة المألوفة والقاعدة التي هي بالمنهج الواضح موصوفة، وليتلقَ هذه النعمة بشكر يستحق به كل خير، ويتلُ آيات الحمد لهذا الأمر السليماني الذي حكمه حتى في الطير. والله يتولى تدبيره، ويُصلح ظاهر حكمه والسريرة، والاعتماد على الخط الكريم أعلاه، الله الموفق بمنه وكرمه. إن شاء الله تعالى. أحمد بن أبي بكر بن ظافر الخطيب الأمير الصدرُ الرئيس مجد الدين بن القاضي مُعين الدين الهمداني المالكي، خطيبُ الفيوم.

стр. 166

كان أديباً لبيباً فطناً أريباً، عنده حشمة ورياسة، وصدارةً ونفاسة، وكان خطيبَ الفيوم، خاضعاً للحي القيوم، يبكي العيونَ إذا خطب، ويحذرهم البوائق والعطب، وكانت له فضائل، وفيه من الكلمة شمائل، قال شيخنا أثير الدين: كان أحد رجالات الكمال صورةً وكرماً، وعلماً وأدباً. قلت: ولم يزل على حاله إلى أن ظفر على ابن ظافر من الموت ظافر، وأنشب فيه مخالبه والأظافر. توفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. وكان صاهر الصاحب تاج الدين بن حنا، وهو ابن بنت الشيخ مجد الدين الإخميمي، وهو أخو قاضي القضاة شرف الدين المالكي الحاكم بالشام، وسوفي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ومن شعره:....... أحمد بن بلبان الشيخ الإمام العالم الفاضل المفتن شهابُ الدين أبو العباس. ابن النقيب البعلبكي الشافعي، مفتي دار العدل وشيخ الإقراء بالشام.

стр. 167

فاضل زاد على الأفاضل، ومفتن قصر عنه من يناظرُ أو يناضل، أقرأ الجماعة للسبع، واحتفوا كأنهم أشبالٌ اجتمعوا على السبع، وكان نحوه يعذبُ في الأسماع منطقهُ، ويروقُ إلى القلوب رونقهُ، لو رآه ابن مالك كان له عبداً، أو ابن الحاجب لفداه بعينه نقداً، ولفقهه على درس منهاجه فيه روضة، وفتواه تمرعُ أرض السامع وتملأ حوضه. وأصوله باسقة، وسهامُه إلى الأغراض بالصواب راشقة، ينظم وينثر جيداً، لكنه مقل ولو شاء لم يكن عن الإكثار متحيداً. هذا كله إلى تواضُع زانه، وتضاؤلٍ رفع شأنه وما شأنه، وعلا به أقرانه، وحشا به فضله فما أسعد قرانه: تلوح بين الدنيا فضائله ... كما تبرجت الأقمارُ في السدفِ بادي التواضُع للأقوامِ من كرمٍ ... إن التواضع أقصى غايةِ الشرفِ ولم يزل على حاله إلى أن نُقب القبرُ لابن النقيب، وأصابت كمالهُ عينُ الرقيب. وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري شهر رمضان سنة أربع وستين وسبع مئة. ومولده في سنة أربع وتسعين وست مئة بقلعة بلعبك. وكان والده بها نقيباً، واجتمعتُ به بالديار المصرية بالشام غير مرة، وكان يتفضلُ ويجلسُ عندي بالحائط الشمالي من الجامع الأموي بدمشق وآخذُ من فوائده وألتقط من فرائده. قرأ على الشيخ مجد الدين التونسي، وعلى الشيخ شهاب الدين الكفري بالسبع، وحفظ الشاطبية والمنهاج للنووي - رحمه الله تعالى -، وقرأ على الشيخ كمال الدين الزملكاني، وعلى الخابوري، وعلى قاضي حماة وأذن له بالإفتاء بعد العشرين وسبع مئة وأذن له بذلك، وقاضي القضاة جلال الدين القزويني بالقاهرة سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وحفظ مختصر ابن الحاجب والطوالع،

стр. 168

وبحثهما على الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وقرأ التقريب والتيسير في علوم الحديث، والعمدة على ابن العطار، وحفظ الحاجبية وألفية ابن مالك وبحثهما على قاضي القضاة ابن مسلم الحنبلي، وعلى ابن المجد البعلبكي. وناب في القضاء بدمشق لقاضي القضاة شهاب الدين ابن المجد، وتردد إلى القاهرة مرّات على فرس بريدٍ تارة، وتارة على خيله لزيارة القاضي علاء الدين ابن فضل الله، وأخذ له في بعض سفراته تدريس العادلية الصغيرة لما شغرت من فخر الدين المصري مضافاً لما بيده من تدريس القليجية الشافعية برحيبة خالد، وأخذ حلقة الاشتغال بالجامع الأموي في سنة تسع وعشرين وسبع مئة بعد الشيخ برهان الدين الفزاري، وكان بيده الإقراء بالأشرفية جوار الكلاسة، ومشيخة الإقراء بتربة أم الصالح.

стр. 169

وكان أولاً يقرئ أولاد القاضي محيي الدين بن فضل الله، فحصل بذلك هذه الجهات، وأخذ له القاضي بدر الدين ابن فضل الله وظيفة الإفتاء بدار العدل في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر. وكان له ذوقٌ جيد في الأدب وينظم وينثر في الأدب جيداً، ولكنه يتخيل في نفسه لما كان عنده من الانجماع لغلبة السوداء عليه، فما يعمل شيئاً. وبيني وبينه مكاتبات مذكورة في الجزء الخامس من التذكرة التي لي، وكتبت إنا إليه وإنا بالرحبة وهو مقيم بالقاهرة أسأله عن أخبار الأصحاب: رحلتُ وفي مصر لي سادةٌ ... يطولُ غرامي بهم واكتئابي جفوني وضنوا بأخبارهم ... فأصبحتُ أطلبها من صحابي عسى خبرٌ عنهم صادقٌ ... أطالعُه من كتابِ الشهاب وكتبت له توقيعاً فإفتاء دار العدل بدمشق ارتجالاً، وهو: رسمَ بالأمر العالي المولوي السلطاني الصالحي العمادي، لا زال شهابه لامعاً، وسحابه بالنوال هامعاً، وجنابه لأرباب العلم جامعاً، أن يرتب في كذا ركوناً إلى ما أتقنه من العلوم، وسهر له والناسُ نيام بشهادة النجوم، وسكوناً إلى ما حصله في مذهبه وحرره، وأوضح دليله بالمباحث وقرره، لأنه المقرئ الذي قتل السبع بدربته خبراً، ونزل به أضيافُ التلاميذ وكان لهم من السخاوي أقرأً، والنحوي الذي لو رآه الفارسي ترجل له إعظاماً، ولو شاهده ابنُ مالك كان له غلاماً، والفقيه الذي لو عاينه صاحبُ التنبيه غدق به هذا الأمر ونام، ولو نظر الغزالي لما كان حاك

стр. 170

برود تصانيفه ولا رقمها بالأقلام، والأصولي الذي لو تصدى له السيفُ قطعة بالقول المصيب، ولو تقدم عصره قليلاً قال الناس: ما ابن الحاجب في العين كابن النقيب، والحبرُ الذي تتفيأ الأقلامُ إلى ظل فتأويه، وتبدو وجوهُ المذهب وقد نضرها كأنها البدرُ في دياجيه. فليباشر ذلك على العادة المألوفة، والقاعدة المعروفة، مباشرةً تكون لدار العدل طرازاً، ولذلك الحفل إذا أرشدهم قوله إلى النجاة مجازاً، بدياً من فتاويه ما يقطعُ الحجج، ويقذفُ بحره الزاخرُ درها من اللجج، ويمضي السيف قوله فيقول له الحق: لا إثم عليك ولا حرج، فرب قضايا لا يكشف قناع إشكالها غير فتواه، وأمورٍ ينجلي فيها الحق ببيانه وينظرُ جدواه، وتقوى الله أفضلُ حليةٍ زانت أفاضل الناس، وخيرُ غنيمة تعجلها أو لو الحلم والبأس، فلتجعلها قائده حلمه، وفائدة علمه، فقد أصبح نجي الملوك، وقوله عندهما نفسُ من الدر المنظم في السلوك، وألفاظه عندهم حجةُ في الأوامر والنواهي، وفتاويه عندها المال وإليها التناهي، والله يسدد أقواله، ويوطدُ ركنَ أقواله بالتقوى فإنها أقوى له. والخط الكريم أعلاه حُجةٌ في ثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى. أحمد بن بيلبك شهابُ الدين ابن الأمير بدر الدين المحسني. كان والده نائباً بثغر الإسكندرية، كتب طبقةً عليا، ونسخ بخطه أشياء، وعانى النظم والنثر، وأتى منها بحدائق الزهر، وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بكلامه وشنف وراح عند الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - في آخر أمره، وكان يسمر عنده في الليل لتفريج هم صدره، ويقرأ بين يديه في مجلدات كان يحضرها،

стр. 171

ويريه أوائلها فينظرها، ونظم بعض مسائل التنبيه أتى بذلك على غالبها، وبرز في نظمها ولطف ما قال به في قالبها، وكان يعرضها أولاً فأولاً على العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى أن كملها، وختم عليه مُفصلها ومُجملها، وتوجه بعد تنكز رحمه الله تعالى - مرات إلى مصر وعاد، وألفت دمشقُ منه التداني والبعاد، وآخر ما فارقها، ونبذ عهدها وسارقها، وأنه توجه إلى مصر، وسعى في نيابة دمياط، وعمر هناك عمارة وقع منها في ألسنة العوام بين هياط ومياط. ولم يزل بها نائباً إلى أن أساء الدهر إلى ابن المحسني، وذهب من حياته بالرائق السني، وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وتسعين وست مئة. وهو أخو الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني، وذهب من حياته بالرائق السني، وتوفي رحمه الله تعالى في أواخر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وتسعين وست مئة. وهو أخو الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني. وأنشدني من لفظه لنفسه: لله ساقٍ رشيقُ القد أهيفه ... كأنما صيغَ من در ومن ذهب يسقي معتقةً تحكي شمائلهُ ... أنوارُها تزدري بالسبعة الشهب حبابها ثغرُه والطعمُ ريقُته ... ولونُها لونُ ذاك الخد في اللهبِ قلت: شعر متوسط. وكتبت أنا إليه وقد وقفت له على قصيدة في هذا الوزن بهذا الروي يمدح بها رسول الله ﷺ :

стр. 172

أيا قاصداً في مدحه أشرف الورى ... وخير نبي في البرية أرسلا جلوت علينا فيه وجه قصيدةٍ ... أجل من البدرِ المنير وأجملا إذا نحن شبهنا به نظم شاهرٍ ... وكل قوافيها الحسانِ تقولُ: لا أحمد بن أبي بكر الأمير شهاب الدين ابنُ الأمير الكبير سيف الدين نائب الشام، وأحدُ الولدين الذكرين اللذين خلفهما الأميرُ سيفُ الدين تنكز، كانا بمصر من جملة الأمراء، وكان هذا أحمد هو الصغير، والأمير ناصر الدين محمد هو الكبير، وكان أسمر طويلاً، وقد اثر الجدري في وجه. توفي - رحمه الله تعالى - في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبع مئة. أحمد بن حامد بن عُصبة القاضي، جمال الدين الحنبلي، قاضي بغداد. تولى قضاء بغداد، وكان فيها بمنزلة الأستاذ إلا أن خربندا تغير عليه خاطرهُ، وتنكبَ عنه من نسيم إقباله عاطرهُ، فيقال إنه أخرق به وعزره، وكاد لولا قليلٌ أن يُرى وقد نقبَ جبنه وفزره. ما زال في حاله إلى أن عاملته الحياة بالجفاء، وأعوزته الوقوف على ربوع الشفاء. وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.

стр. 173

أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي الإمام الحاكم بأمر الله، أبو العباس بن الأمير أبي علي القبي - بالقاف والباء الموحدة - وعلي المذكور ابن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر الهاشمي العباسي البغدادي، قدم مصر، ونهض ببيعته الملكُ الظاهر، وبويع سنة إحدى وستين وست مئة، وخطب بالناس، وعقد بالسلطنة للملك الظاهر بيبرس. وكان ملازماً لداره، وكان شجاعاً له إقدام، وعنده ثباتُ جنان في الحرب وإقدام، لا يفر من الحين المجتاح، ولا يرى في وسط المعركة إلا هو إلى الموت يرتاح. هذا إلى ديانة متينة وصيانة مبينة. له راتب يكفيه من غير سرف، ويُقيم أوده إذا ماد أو انخرف. امتدت أيامه قريباً من أربعين سنة، ثم إنه عهد بالخلافة إلى ولده المستكفي بالله أبي الربيع سليمان، وكان الحاكم قد نجا في كائنة بغداد، واختفى، ثم إنه سار مع الزين صالح بن البنا والنجم بن المشا، وقصدوا أميرَ خفاجة حسين بن فلاح، وأقاموا مدّة، ثم توصلوا إلى دمشق، وأقام بالبر عند عيسى بن مهنا، فعرف به الناصر

стр. 174

صاحب حلب، فطلبه، وجاء هولاكو، ولما جرى ما جرى، ودخل المظفر دمشق بعد واقعة عين جالوت، بعث أميراً يطلب الحاكم، فاجتمع به وبايعه، وتسامع به عربُ الشام، فساروا معه، وآل فضل خلق، فافتتح بهم عانة وهيت والأنبار، وحارب القراؤول في سنة ثمان وخمسين وست مئة، فهزمهم، وقتل منهم ثمانية مقدمين، وأزيد من ألف، وما قُتل من عسكره سوى ستة، فأقبل التتار مع قرابغا، فتحيز الحاكم، وأقام عند ابن مهنا، ثم كاتبه طيبرس نائب دمشق، فقدمها، فبعث به إلى مصر، وصحبه الثلاثة الذين رافعوه من بغداد، فاتفق وصول المستنصر قبله إلى مصر بثلاثة أيام، فخاف الحاكم منه وتنكر، ورجع ماشياً وصحبته الزين الصالحي إلى دمشق، فاختفى بالعقيبة، ثم قصدا سلمية وصحبتهما جماعة أتراك، فقاتلهم قوم، ونجا الحاكم، وقصد الأمير البرلي، فقبل البرلي، فقبل البرلي يده وبايعه هو وأهل حلب، وساروا إلى حران فبايعه بنو تيمية بها، وصار معه نحو ألف من التركمان وغيرهم، وقصدوا عانة فصادفوا المستنصر الأسود، فعمل عليه، واستمال التركمان فخضع الحاكم وبايعه، والتقوا التتار، فانكسر المسلمون، وعدم المستنصر ونجا الحاكم، فأتى الرحبة ونزل على ابن مهنا، فكتب إلى السلطان، فطلبه، فسار إلى القاهرة، وبويع بإمرة المؤمنين، وسكن في برج القلعة ليس له في الأمر شيء

стр. 175

سوى الدعاء في الخطبة، وطلب له إلى مصر الإمام شرف الدين بن المقدسي، فأقام معه نحو سنة يفقهه ويعلمه ويُكتّبه، وأجاز له ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر، ولم يحدّث. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وخرج له ابن الخباز بخطه الوحش وانتخابه العفش أربعين جزءاً بالإجازة، فبعث بذلك إلى الوراقة. وكانت وفاته سنة إحدى وسبع مئة، في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، ودفن بمشهد السيدة نفيسة. وتقدم ذكر حفيده أحمد بن سليمان، وسيأتي ذكر ولده سليمان - إن شاء الله تعالى - في حرف السين مكانه. أحمد بن الحسن ابن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي. قاضي القضاة، شهاب الدين أبو العباس ابن الشيخ شرف الدين ابن الحافظ جمال الدين. كان من أعيان الحنابلة وفرسانها المُقاتلة، جيداً في ذاته، خيراً في صفاته، درّس بالصالحية وبحلقة الحنابلة، وولي الإمامة بمحرابها، وولي القضاء بالشام نحواً من ثلاثة أشهر عوضاً عن قاضي القضاة تقي الدين سليمان في سنة تسع وسبع مئة في مستهل جمادى الآخرة، ولما جاء الملك الناصر من الكرك إلى دمشق عزله، وأعاد قاضي القضاة تقي الدين سليمان.

стр. 176

وكان فاضلاً، فقيهاً، مناضلاً نبيهاً، حسن العبارة، إذا جرى في ميدان علمه لا يشق أحدّ غباره. وقرا الحديث، وروى عن ابن عبد الدائم. ولم يزل على حاله إلى أن قضى إلى سبيل ربه، وعجز المداوي عن رقاه وطبه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في تاسع عشري شهر ربيع الأولى سنة عشر وسبع مئة. ومولده ثاني عشر صفر سنة ست وخمسين مئة بسفح قاسيون. أحمد بن الحسن بن محمد مجير الدين الخياط الدمشقي. كان المذكور شيخاً خياطاً، وناظماً في ليل جهالته خباطاً، وربما ندر له البيت والبيتان، ورمى بالدرة فلقفها من أقلامه الحيتان، مع ثقل في ألفاظه، ما تنوء به أذهان حُفاظه. وكان كثير الداوى في هذا الفن، غزير الإدلال على من يسمع الحمام، وينشد قصدية قد عارضها في وزنها، ويقول: هكذا تكون الدرر في خزنها. والبارحة ضربت المتنبي بألف بابوج، وجعلت طرطوره مثل السراقوج، وينشد قصيدة يعتقد أنها نظيرُ شعر ذاك، ويقول: هكذا تكون الجواهر في الأسلاك.

стр. 177

وشعره في عدة مجلدات، وليس لها نظير في بابها ولا لدات. قال لبنته المسكينة قبل موته: لا تبيعي كل مجلد من هذه بأقل من مئتي دينار، وإياك أن يغرك أحد، فيأخذها بدون هذا المقدار. فكانت بعد موته تبيع كل مجلد منها بدرهمين أو ثلاث، وتتعجب من الناس كونهم ما لهم عليها إقبال ولا انبعاث. ولم يزل على ذلك الحال إلى أن لم يجد لمجير من الموت مجيراً، وبطل ما كان له من العادة والهجيرى. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وقد قارب السبعين أو تجاوزها. ومن شعره، ومن خطه نقلت: إلى كم أيها الدهر الخؤون ... أهونُ وأنت صعبٌ لا تهونُ ثكلتك لا خليل لديك يرجى ... صفاء الود منه ولا خدينُ ولا سكن إليه من الليالي ... إذا اضطربت حوادثها سُكونُ لا قرنٌ من الإخوانِ دمر ... به يحمى الذمار ولا قرين ولا تربٌ يُصابُ ولا صديقٌ ... كما لم يجتمع ضب ونونُ فدحضا ثم تعساً ثم عثراً ... لخطوكَ أيها الصعبُ الخؤون فيا شر الدهور إلام ظمئي ... لديك ولا معينُ ولا معينُ أكذبُ في لئام بنيك ظني ... فتصدقني المآربُ والظنونُ وأسمح أهلِ هذا العصرِ نفساً ... بنائلِ خيره كزضنينُ

стр. 178

ولست فتى على وعك الليالي ... إلى غير المهيمن أستكينُ وإن جار الزمان فلي قناةٌ ... على غمر الحوادث لا تلينُ لأني من بني بيتٍ رفيعٍ ... عليه تنزلُ الروحُ الأمينُ يغر ذوي الجهالةِ في حلمّ ... إذا طاشت حلومُهم رزينُ وما علموا بأن جبال حلمي ... لهم من خلفها مقتي كمينُ وألفاظّ أحدُّ من المواضي ... إذا شحذت مضاربها العيونُ ومنها: وفي متشاعري عصري أناسٌ ... أقل صفاتِ شعرهُم الجنون يظنون القريضَ قوامَ وزنٍ ... وقافية وما شاءت تكون وما علموا بأنّ الشعر مرقى ... دوينَ صعوده يندى الجبينُ وعبء لو تحمله ثبير ... لأطاله ومنه بدا الأنينُ وبحر نهى له غورٌ بعيد ... عزيزُ فيه لؤلوه الثمين ومضمارُ فحولُ الشعر فيه ... لهم من وعر شقتهِ صفونُ وقافيةٌ هي الذهبُ المصفى ... إذا امُتحن بل السحُر المبينُ معانيها الثواقبُ والقوافي ... إذا يُفزعن أبكارٌ وعين أحمد بن حسن الأمير شهاب الدين بن المرواني.

стр. 179

كان أول متولي البر بالكرك، وأخوه علاء الدين بن المرواني متولي البر بدمشق، فأعرف في وقت أنه طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، وكتب الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - على يده مطالعةً، وكتبا إلى الأمير سيف الدين بكتُمر الساقي وغيره بالشكر منه والوصية به، فأخذ الكتبَ وتوجّه بها، ولم يفتقدها إلا وهو بين يدي السلطان، فمدّ يده ليخرجَ المُطالعة، فمل يجد لها أثراً، فسقط في يده ودهش، فتلافى أمره سيف الدين بكتمر الساقي، وكتب إلى تنكز في معناه، فاستأنف المكاتبة له ثانياً، وجهزها في البريد إليه، فاقبل السلطان عليه بعد ذلك وعاد مكرماً. وتولى نيابة بعلبك، ولم يزل فيها إلى أن طلب أخوه الأمير علاء الدين إلى مصر، وولاه السلطان الوجه القبلي، فطلبه الأمير سيف الدين تنكز من بعلبك وولاه مكانه في ولاية البر، فأقام به إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبع مئة، وكان قد توجه إلى مصر، فحضر وهو مريض. وكان فيه دين، يتلو القرآن ويتنفل وفيه خير وعبادة. أحمد بن زكريا بن أبي العشائر الشيخ شهاب الدين أبو العباس المارديني. روى الجزء الثاني من مشيخة ابن سلمة عنه. وكان مقيماً بدمشق يصحب القاضي

стр. 180

محيي الدين بن الزكي وأولاده، وينتمي إلى ابن العربي. ثم إنه سافر في الجفل إلى القاهرة واستوطنها. قال شيخنا البرزالي: وأجاز لنا بدمشق، وتوفي - رحمه الله تعالى - بالفيوم في شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبع مئة. ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة بماردين. أنشدني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال: أنشدنا المذكور، قال: أنشدنا الزين الجوبان لنفسه: انظر إلى الشمس وقد عممت ... رؤس الهضاب الصلعِ بالأصفر كأنها في الجو قلاعةٌ ... وجاء فلاحٌ عليها خري أحمد بن خليل شهاب الدين البزاعي التاجر الشاعر، له ديوان شعر، حدث بشيء منه، سمع منه الطوفي الحنبلي، وسراج الدين عبد اللطيف بن الكويك، والسديد بن كاتب المرج، وناصر الدين محمد بن الثقة الأسنائي. كان المذكور سفاراً، يحمل من الفضل أسفاراً، له عناية بديوان أبي الطيب، وميل إليه كما يتحدر قطر الصيب، يراجعه ويكرر على أبياته، ويعتني بإظهار
следующие страницы →