Полный текст (3 514 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وكان فاضلاً، فقيهاً، مناضلاً نبيهاً، حسن العبارة، إذا جرى في ميدان علمه لا يشق أحدّ غباره.
وقرا الحديث، وروى عن ابن عبد الدائم.
ولم يزل على حاله إلى أن قضى إلى سبيل ربه، وعجز المداوي عن رقاه وطبه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في تاسع عشري شهر ربيع الأولى سنة عشر وسبع مئة.
ومولده ثاني عشر صفر سنة ست وخمسين مئة بسفح قاسيون.
أحمد بن الحسن بن محمد
مجير الدين الخياط الدمشقي.
كان المذكور شيخاً خياطاً، وناظماً في ليل جهالته خباطاً، وربما ندر له البيت والبيتان، ورمى بالدرة فلقفها من أقلامه الحيتان، مع ثقل في ألفاظه، ما تنوء به أذهان حُفاظه. وكان كثير الداوى في هذا الفن، غزير الإدلال على من يسمع الحمام، وينشد قصدية قد عارضها في وزنها، ويقول: هكذا تكون الدرر في خزنها.
والبارحة ضربت المتنبي بألف بابوج، وجعلت طرطوره مثل السراقوج، وينشد قصيدة يعتقد أنها نظيرُ شعر ذاك، ويقول: هكذا تكون الجواهر في الأسلاك.
стр. 177
وشعره في عدة مجلدات، وليس لها نظير في بابها ولا لدات. قال لبنته المسكينة قبل موته: لا تبيعي كل مجلد من هذه بأقل من مئتي دينار، وإياك أن يغرك أحد، فيأخذها بدون هذا المقدار. فكانت بعد موته تبيع كل مجلد منها بدرهمين أو ثلاث، وتتعجب من الناس كونهم ما لهم عليها إقبال ولا انبعاث.
ولم يزل على ذلك الحال إلى أن لم يجد لمجير من الموت مجيراً، وبطل ما كان له من العادة والهجيرى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وقد قارب السبعين أو تجاوزها.
ومن شعره، ومن خطه نقلت:
إلى كم أيها الدهر الخؤون ... أهونُ وأنت صعبٌ لا تهونُ
ثكلتك لا خليل لديك يرجى ... صفاء الود منه ولا خدينُ
ولا سكن إليه من الليالي ... إذا اضطربت حوادثها سُكونُ
لا قرنٌ من الإخوانِ دمر ... به يحمى الذمار ولا قرين
ولا تربٌ يُصابُ ولا صديقٌ ... كما لم يجتمع ضب ونونُ
فدحضا ثم تعساً ثم عثراً ... لخطوكَ أيها الصعبُ الخؤون
فيا شر الدهور إلام ظمئي ... لديك ولا معينُ ولا معينُ
أكذبُ في لئام بنيك ظني ... فتصدقني المآربُ والظنونُ
وأسمح أهلِ هذا العصرِ نفساً ... بنائلِ خيره كزضنينُ
стр. 178
ولست فتى على وعك الليالي ... إلى غير المهيمن أستكينُ
وإن جار الزمان فلي قناةٌ ... على غمر الحوادث لا تلينُ
لأني من بني بيتٍ رفيعٍ ... عليه تنزلُ الروحُ الأمينُ
يغر ذوي الجهالةِ في حلمّ ... إذا طاشت حلومُهم رزينُ
وما علموا بأن جبال حلمي ... لهم من خلفها مقتي كمينُ
وألفاظّ أحدُّ من المواضي ... إذا شحذت مضاربها العيونُ
ومنها:
وفي متشاعري عصري أناسٌ ... أقل صفاتِ شعرهُم الجنون
يظنون القريضَ قوامَ وزنٍ ... وقافية وما شاءت تكون
وما علموا بأنّ الشعر مرقى ... دوينَ صعوده يندى الجبينُ
وعبء لو تحمله ثبير ... لأطاله ومنه بدا الأنينُ
وبحر نهى له غورٌ بعيد ... عزيزُ فيه لؤلوه الثمين
ومضمارُ فحولُ الشعر فيه ... لهم من وعر شقتهِ صفونُ
وقافيةٌ هي الذهبُ المصفى ... إذا امُتحن بل السحُر المبينُ
معانيها الثواقبُ والقوافي ... إذا يُفزعن أبكارٌ وعين
أحمد بن حسن
الأمير شهاب الدين بن المرواني.
стр. 179
كان أول متولي البر بالكرك، وأخوه علاء الدين بن المرواني متولي البر بدمشق، فأعرف في وقت أنه طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، وكتب الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - على يده مطالعةً، وكتبا إلى الأمير سيف الدين بكتُمر الساقي وغيره بالشكر منه والوصية به، فأخذ الكتبَ وتوجّه بها، ولم يفتقدها إلا وهو بين يدي السلطان، فمدّ يده ليخرجَ المُطالعة، فمل يجد لها أثراً، فسقط في يده ودهش، فتلافى أمره سيف الدين بكتمر الساقي، وكتب إلى تنكز في معناه، فاستأنف المكاتبة له ثانياً، وجهزها في البريد إليه، فاقبل السلطان عليه بعد ذلك وعاد مكرماً.
وتولى نيابة بعلبك، ولم يزل فيها إلى أن طلب أخوه الأمير علاء الدين إلى مصر، وولاه السلطان الوجه القبلي، فطلبه الأمير سيف الدين تنكز من بعلبك وولاه مكانه في ولاية البر، فأقام به إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبع مئة، وكان قد توجه إلى مصر، فحضر وهو مريض.
وكان فيه دين، يتلو القرآن ويتنفل وفيه خير وعبادة.
أحمد بن زكريا بن أبي العشائر
الشيخ شهاب الدين أبو العباس المارديني.
روى الجزء الثاني من مشيخة ابن سلمة عنه. وكان مقيماً بدمشق يصحب القاضي
стр. 180
محيي الدين بن الزكي وأولاده، وينتمي إلى ابن العربي. ثم إنه سافر في الجفل إلى القاهرة واستوطنها.
قال شيخنا البرزالي: وأجاز لنا بدمشق، وتوفي - رحمه الله تعالى - بالفيوم في شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة بماردين.
أنشدني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال: أنشدنا المذكور، قال: أنشدنا الزين الجوبان لنفسه:
انظر إلى الشمس وقد عممت ... رؤس الهضاب الصلعِ بالأصفر
كأنها في الجو قلاعةٌ ... وجاء فلاحٌ عليها خري
أحمد بن خليل
شهاب الدين البزاعي التاجر الشاعر، له ديوان شعر، حدث بشيء منه، سمع منه الطوفي الحنبلي، وسراج الدين عبد اللطيف بن الكويك، والسديد بن كاتب المرج، وناصر الدين محمد بن الثقة الأسنائي.
كان المذكور سفاراً، يحمل من الفضل أسفاراً، له عناية بديوان أبي الطيب، وميل إليه كما يتحدر قطر الصيب، يراجعه ويكرر على أبياته، ويعتني بإظهار
стр. 181
عجائبه ومخبآته، ولم يزل على حاله إلى أن مرغت بالموت صفاته، وشرعت وفاته.
توفي - رحمه الله تعالى - يوم عاشوراء سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وقد قارب المئة سنة.
ومن شعره:....
أحمد بن سعد بن محمد
أبو العباس العسكري الأندرشي الصوفي.
شيخ العربية في زمانه بالشام، وبارقها الذي ينتجعُ قطره من شام، برع في النحو ودرسه، واقتطف أثمار ما علقه من الفوائد وغرسه. أقرأ التسهيل بدمشق لجماعة تخرجوا به وانتفعوا، وخرجوا من الجهالة واندفعوا. وشرح التسهيل، وجعل غامضة كثيباً هيل.
نسخ بخطه تهذيب الكمال واختصره، وشرع في تفسيرٍ كبيرٍ وفر وقته عليه وقصره، وكان ديناً، ورعاً صيناً، منقبضاً عن الناس إلى الغاية، ومنجمعاً عنهم ليس له بأمرهم عناية، لم أر في عمري ولا رأى غيري مثل انجماعه، ولا مثل اطراحه أمور الناس ودفاعه. حضرت يوماً عند العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وهو عنده بعدما أمسك الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - بخمس سنين، فذكر إمساك تنكز، فقال: وتنكز أمسك؟ قلنا: نعم، وجاء بعده أربعة نواب، الأمير
стр. 182
علاء الدين ألطنبغا، الفخري، وأيدغمش، هذا الأمير سيف الدين طقزتمر! فقال: ما علمت بشيء من هذا، وما في ذهني أن تنكز أمسك! فتعجبنا منه ومن تخليه عن أ؛ وال الناس والاشتغال بهم، ويقع في دمشق مثل واقعة تنكز، والفخري، وألطنبغا، وهو في دمشق ما يعلم بشيء من ذلك! هذا من أعجب ما يكون.
وكان له بيت في الجامع تحت المأذنة الشرقية ولم يزل مكباً على التسهيل حتى محقه الإسهال، وذكره الموت بعد الإمهال والإهمال.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة سنة خمسين وسبع مئة، ومولده بعد التسعين والست مئة، ووقف كتبه على أهل العلم، وجعل أمره لقاضي القضاة.
أحمد بن سليمان بن محمد بن هلال
الصاحب تقي الدين، ابن القاضي جمال الدين، ابن القاضي أمين الدين، ابن هلال.
خرجت له شفاعة من دور السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - ونحن معه بالقاهرة في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة بأن يكون في جملة كتاب بدمشق، فوعدهن بذلك إذا عاد إلى دمشق، ثم إنه ذكر لأمره فما وافق، ثم إنه سعى بعد موت جمال الدين عبد الله بن غانم في زمن طقزتمر أن يكون عوه فما اتفق له ذلك، فتوجه إلى مصر، وسعى في أيام
стр. 183
الملك الكامل، وبذل مبلغاً كثيراً في وكالة بيت المال والحسبة، وتوقيع الدست وبالشام، فرسم له بذلك، وبلغ مبلغاً كبيراً، ثم توقفت القضية، فلما تولى الملك المظفر، قام معه الأمير سيف الدين بن فضل والصواف تاجر الخاص فرسم له بنظر الشام عوضاً عن الصاحب علاء الدين بن الحراني، لأنه كان قد تصور من الوظيفة، وحضر إلى دمشق في زمن الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي بعد عيد رمضان سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وباشر الوظيفة مدة تقارب نصف سنة إلى أن عُزل بالصاحب شمس الدين موسى ابن التاج إسحاق، وحضر إلى دمشق في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
وكان شاباً طويلاً حسن الصورة، مليح الشكل، حركاته على الظرف واللطف مقصورة، قد خط عذاره بقلم الريحان، وبسم عن ثغر كأنه الحُباب على بنت الحان، بعمة أنيقة اللف، دقيقة الصف، وقلُمه سريع الحركة، وحروفه أحسن في دُجى الحبر من النجوم المشتبكة، واستخف الناس به، وقالوا: هذا صغيرٌ على هذه الوظيفة، قليل الدربة بتنفيذ أمور الدولة العالية المنيفة، فلطف الله به، وجاءت الجهات من عيونها، وماتت نفوس حساده بغبونها، وكان قلمه رطباً لا يرد سائله، ولا يخيبُ من أمله وسائله، رأد معاليم جماعة، وأجرى قلمه بصلةِ الرزق ومد باعه، إلا أن الناس عبرت عيونُهم عليه، ولعبوا في التصريف بين يديه، وقلت حرمته، وحلت بذاك جرمته، ونهب المال وتمحق، ووقع في الضياع وتوهق، فكتب الأمير سيف الدين
стр. 184
يلبغا، وطلب الصاحب شمس الدين موسى، فحضر كما ذكر أولاً، ولم يجد الصاحب تقي الدين عن دمشق متحولاً، فلازم داره، وأقام مكانه كالقمر في الدارة.
وكان قد استدان من الصواف مبلغ ثمانين ألف، واتفق في تلك المدة أن حضر الأمير سيف الدين صرغتمش إلى دمشق متوجهاً بالأمير فخر الدين إياس إلى نيابة حلب، فطالب تقي الدين المذكور مطالبةً فيها غلظة، وأراه مع مهابته أخلاقاً فظة، وجدّ له واكفهر، وجدّ له وازبأر، فشفع فيها غلظة، وأراه مع مهابته أخلاقاً فظة، وجد له عوده من حلب، وأنه ما يحوجه بعد هذا المجلس إلى طلب. فلما كان قبل وصول الأمير سيف الدين صرغتمش إلى دمشق بليلة واحدة، ثارت على تقي الدين حمى بالهلاك معترفة وللحياة جاحدة، وتبيع مع الحمى دمٌ كثير، وهيج كربٌ للتلاف مثير، أعجز الأطباء عن خلاصة أو فكاكه، وتركوا ابن هلال في دائره هلاكه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الجمعة سادس شهر رجب الفرد، سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وكان عمره خمساً وعشرين سنة.
أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة ما كتبه إلى المذكور
هنيتَ ما أوتيته من دولةٍ ... حملتكَ في العينين من إجلالها
في مقلةِ الأجفان أنت فقل لنا ... أنت ابن مقلتها أو ابنُ هلالها
وانتقد الأفاضل عليه هذا المعنى، لأنه ما يستقيم له المعنى الذي أراده، فأنشدني بعد ذلك الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الخياط من لفظه لنفسه:
стр. 185
إن الوزارة والكتابة لم تجد ... أحداً سواك يزيدُ في إجلالها
جعلتك في العينين منها يا ترى ... أنت ابنُ مقلتها أو ابن هلالها
أحمد بن سليمان بن أحمد بن الحسن القبي
بضم القاف وتشديد الباء - ابن أبي بكر بن علي، ابن الفضل بن
أحمد بن عبد الله
ابن إسحاق ابن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الإمام العباسي المصري، أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، أبو القاسم ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم، وجده الفضل هو المسترشد بن المستظهر بن المقتدي بن القائم بن القادر بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور.
لما توفي والده المستكفي بالله بقُوص - كما سيأتي في ترجمته في حرف السين - عهد بالأمر إلى ولده هذا أحمد، فلم يوافق الملك الناصر محمد بن قلاوون على ذلك كراهية في والده، وبويع أبو إسحاق إبراهيم ابن المستكفي بيعة خفيّة لم تظهر، ولم تبد كواكبها في أفق الخلافة ولم تُزهر، واستمر الأمر على ذلك إلى أن تولى الأشرف كجك في أيام قوصون، فطلب أبا القاسم هذا وبايعه بيعة ظاهرة، سارية في الآفاق
стр. 186
سائرة، وكان قد لقب أولاً بالمستنصر، فلقب الآن بالحاكم، وكني أبا العباس، واشتدت أواخي خلافته والأمراس.
ولم يزل خليفة بمصر من سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة إلى أن خمدت أنفاسه، ونقضت من الحياة أحلاسه، وتوفي - تغمده الله برحمته في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
أحمد بن عبد الله
ابن أحمد بن إبراهيم بن المسلم .
بضم القاف وتشديد الباء - ابن أب بكر بن علي، ابن الفضل بن أحمد ابن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الإمام العباسي المصري، أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، أبو القاسم ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم، وجده الفضل هو المسترشد بن المستظهر بن المقتدي بن القائم بن القادر بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور.
لما توفي والده المستكفي بالله بقوص - كما سيأتي في ترجمته في حرف السين - عهد بالأمر إلى ولده هذا أحمد، فلم يوافق الملك الناصر محمد بن قلاوون على ذلك كراهية في والده، وبويع أبو إسحاق إبراهيم ابن أخي المستكفي بيعة خفيّة لم تظهر، ولم تبد كواكبها في أفق الخلافة ولم تزهر، واستمر الأمر على ذلك إلى أن تولى الأشرف كجك في أيام قوصون، فطلب أبا القاسم هذا وبايعه بيعة ظاهرة، وسارية في الآفاق سائرة، وكان قد لقب أولاً بالمستنصر، فلقب الآن بالحاكم، وكني أبا العباس، واشتدت أواخي خلافته والأمراس.
ولم يزل خليفة بمصر من سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة إلى أن خمدت أنفاسه، ونقضت من الحياة أحلاسه، وتوفي - تغمده الله برحمته في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
أحمد بن عبد الله
ابن أحمد بن إبراهيم بن المسلم.
القاضي النبيل الماجد، شهاب الدين ابن البارزي، ناظر الأوقاف بدمشق، حدث بالغيلانيات عن غازي الحلاوي.
ورد إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة من حماة، فأكرمه ورتبه في نظر الأوقاف، وكان في حماة في زمن الملك المؤيد عماد الدين صاحباً، وكان يحبه ويكرمه، وكان كثير البشر طلق الوجه، لا يعرف الرد ولا النجة، كثير التودد والتقرب إلى القلوب، ولا يعرف إلا إيجاب الحقوق على نفسه دون السلوب، يأخذ نفسه بالسيادة التي اعتادها، وأكرم الله له ولادها، وألف رضاعها فما أضاعها بختانة ولادها، يتحيل على أن يخدم الناس بما
стр. 187
عنده، ويودّ أن كل أحد يستظل بأنه وزنده، ويختار أن المحتاج والمحتال لا يقتدي غلا به ولا يقتدحُ إلا زنده، ورد على أهل دمشق غريباً، فكان إلى كل القلوب قريباً، وإذا عاداه غر به، رده بالإحسان إليه حبيباً، بأخلاقٍ من أين للنسيمات لطفها، أو للغصون ميلها وعطفها.
ومناقبٌ بيضُ الوجوه مضيئةً ... أبداً تكاثرُ السنَ المدّاحِ
من قاس ذا شرف به فكأنما ... وزن الجبال الجبالَ القودَ بالأشباحِ
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن برز إلى لحده، وخلف السؤدد ينوحُ عليه من بعده. وتوفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وكان قاضي القضاة تقي الدين السبكي يعظمه ويحترمه ويبره.
أحمد بن سليمان
ابن مروان بن علي بن سحاب.
الشيخ العدل الفاضل، الأديب الصدر شهاب الدين أبو العباس ابن الشيخ نجم الدين البعلبكي.
كان تاجراً بالخواصين مدة، ثم ترك ذلك، وشهد على الحكام، ودخل في شهادة القيمة، وكان تقدم له اشتغال في العربية والأدب ونظم الشعر، وله قصائد.
وقرأ القرآن على علم الدين السخاوي، وعرض عليه الشاطبية قال شيخنا البرزالي: رواها لنا عنه مرات، وروى لنا أيضاً جزء سفيان، وجزء
стр. 188
الصفار، والأربعين السلفية، وتاريخ هاشم بن مرثد، وروى لنا نسخة أبي مسهر عن المشايخ الأربعة: التاج الشيرازي، وابن علان، وابن ريش، وإبراهيم بن خليل، وغير ذلك.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سادس ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وعشرين وست مئة.
أحمد ابن سلامة
ابن أحمد بن سلامة. الإمام العلامة، قاضي القضاة بدمشق المالكي، القاضي فخر الدين أبو العباس ابن القاضي تاج الدين أبي الخير بن القاضي زين الدين أبي العباس الإسكندري.
كان جبلاً في علمه، وشعلةً في فهمه، بحراً يتموج فروعاً، وحبراً لا يرى في معرك الجدال مروعاً، هذا إلى تفسير وحديث، ومعرفة تواريخ من قديم وحديث، وأصول برز في معرفة مسائلها، وعرف مأخذ قربها من الحق ووسائلها، جلس ببلده مدة للإفادة، وكان للطلبة عليه في كل وقت قدومٌ ووفادة، وانتفع الناس بعلومه المتقنة،
стр. 189
وفوائده المفتنة. وناب هناك في الحكم، وشرف نفسه عن قبول الهدية والشكم، فشكرت سيرته، وطهرت سريرتُه، وظهر بالوجاهة، فنقل إلى قضاء القضاة بدمشق فوردها بل وردها، وعراها من السوء إذ عراها وجردها، وأقام بها سنة ونصفاً، ثم دعاه خالقه، وقذف به في حفرة القبر حالقه.
وتوفي رحمه الله تعالى - بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
وكان قدومه إلى دمشق في سابع عشري جمادى الأولى سبعة عشرة وسبع مئة.
وكان محمود الطريقة، وجمع في قضائه بني العلم المتين والنزاهة والصرامة، وهو من بيتٍ كبير بالإسكندرية.
أحمد بن طيبغا
الأمير شهاب الدين المعروف بابن أخي الفخري، أحد أمراء الطبلخانات بالشام، توجه لنيابة الرحبة، ثم إنه طلب الإقالة منها، وحضر إلى دمشق في سنة سبع وخمسين وسبع مئة وأقام بها قليلاً، ثم توجه لنيابة حمص، فأقام بها، فلم توافقه، وماتت زوجته وجماعةٌ من ألزامه وأهله ومماليكه، وطال مرضهُ فيها إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في بكرة الثلاثاء تاسع شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وسبع مئة.
стр. 190
وكانت نيابته بحمص قريباً من عشرة أشهر، وكان شكلاً حسناً فيه حشمةٌ ورئاسة، وحُمِدَت سيرتُه في النيابتين، وكان قد وليها بعد موت نائب حمص الأمير علاء الدين علي بن الملك الزاهر.
أحمد بن عباس
ابن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الماكسيني الأصل ثم الدمشقي، ناصر الدين أبو العباس بن ناصر الدين الماكسيني أبي الفضل.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن الأمير شرف الدين يعقوب بن محمد بن الحسن الهذباني، وحدّث والدُه عن حَنبَل، وهو من شيوخ الدمياطي. وروى جدّه عن الحافظ ابن عساكر.
روى لنا عنه ابن الصابوني. وهذا الشيخ كان جندياً في دولة الملك الصالح أيوب، وكان رجلاً جيداً ملازماً للصلوات في الجامع.
توفي " رحمه الله تعالى " في أوائل سنة إحدى وسبع مائة.
مولده سنة خمس عشرة وست مائة.
стр. 191
أحمد بن العباس بن جَعوان
الإمام الزاهد شهاب الدين الأنصاري الدمشقي الشافعي، أخو الحافظ شمس الدين محمد، وسيأتي ذكره في المحمدين إن شاء الله تعالى.
روى أحمد هذا " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم، وسمع مع أخيه كثيراً، وأقبل على الفقه فبرع فيه، ولم يكن من يوفيه قدره لما يوافيه، وأفتى الناس زماناً، وانقطع عنهم ينثر من العلم جماناً، وهو من تلامذة الشيخ محيي الدين النووي.
وتوفي رحمه تعالى سنة تسع وتسعين وست مائة
أحمد بن عبد الله
القاضي تاج الدين أبو الفضائل، ابن الصاحب أمين الدين.
كان قيماً بصنعة الحساب، إليه الانتماء والانتساب، يخدم جريدته بنفسه، ويتميز بذلك على أبناء جنسه، فلا يحتاج إلى كشف عامل، ولا يريد مع نفسه مشقة سيف ولا هِزّة عامل، يكاد يعمل محاسبة كلِّ أحد من ذهنه، ولا يحتاج إلى مساعد في ذلك، ذكاءً من فطنته وإتقاناً لفنّه، هذا إلى عفّة زانته، وأمانةٍ لا يعلم أحد أنها
стр. 192
حابته ولا خانته. تنقّل في المباشرات العالية، وانفصل عنها وثناؤه فيها يرفض نفحات الغالية، إلا أن الأقدار لم تُصافه، ولم تعامله بما يحبُّ من إنصافه، وآخر ما مات تحت العقاب، ورأى الذل الزائد بعدما خضعت له الرقاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وسبع مائة أو في أواخر شوّال.
كان أولاً قد دخل هو وأخوه القاضي كريم الدين ديوان الإنشاء في وزارة أبيهم، واستمرا في جُملة كتاب الإنشاء مدة، ولما عرض السلطان ديوان الإنشاء في سنة تسع وعشرين وسبع مائة، أخرجهما، ثم أنه ولى القاضي تاج الدين استيفاء الصُّحبة وخرج القلاع الحلبية كاشفاً هو والأمير سيف الدين جَرَكْتُمر وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة، وبقي في استيفاء الصحبة على أكمل ما يكون، وترامى إلى النّشّو وأحبّه، فلما كان في سنة تسع وثلاثين وتولى نظر الدولة، وولي أخوه كريم الدين استيفاء الصحبة، فلم يزل فيه إلى أن أمسك هو ووالده الصاحب أمين الدين والقاضي شرف الدين النشّو، وعوقبوا. ومات والده تحت العقوبة والنشو، وصودر تاج الدين وأقام إلى أن أفرج عنه، فحضر إلى القدس وأقام فيه مجاوراً مدة، وعمل مجلداً في مساحته، أعني المسجد الأقصى والحرم وما فيه من المعابد والقباب والأبواب، وتعب عليه، وأجازني روايته عنه في سنة خمس وأربعين وسبع مائة فطلب من القدس وتولى
стр. 193
نظر البيوت بالقاهرة، فاتفق له مع أرغون شاه لما كان يعمل الأستاذ داريّة ما أوجب أنه طلب الإعفاء، وأظنه بعد ذلك دخل إلى ديوان الإنشاء.
ثم إنه تولى نظر النظار بالشام، فحضر في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر، وثّمر وعّمر وأرضى الناس، ووصلت إليهم حقوقهم، وكان لا يحابي أحداً ولا يحاسنه، لكنه طلب الإقالة، فأُعفي من نظر الشام، وتوجه إلى مصر وأقام مدة، ودخل ديوان الإنشاء، وأقام به إلى أن أمسك الوزير علم الدين بن زنبور، فتولى نظر الجيش بالديار المصرية فحقّق ودقّق وما أرعى أحداً. ولما عُزل القاضي بدر الدين من نظر الخاص وقال: معلوم نظر الجيش يكفيني، وباشر ذلك وهو على قِدم العدالة فيه والأمانة وعدم الخيانة إلى أن تولى السلطان الناصر حسن ثانياً، فغيّروا خواطره عليه فأمسكه، وصودر وعوقب، وتنوّعوا في عقابه، ومن ذلك أنهم حلقوا رأسه وجرحوه بالموس، ثم جعلوا في قُبعِه نبات وردان وألبسوه فوجد لذلك ألماً مُبرّحاً، نسأل الله العفو والعافية. وكان ذلك من حقد الأمراء والخاصكيّة عليه، لأنه ما راعاهم بل راعَهَم، ولم يحفظ جانبهم وأضاعهم.
وكنت قد كتبت له ﵀ وأنا بالقاهرة توقيعاً شريفاً باستيفاء المارستان المنصوري عوضاً عن أخيه شمس الدين، وهو: " أما بعد حمد الله الذي زان أيامنا الشريفة بتاجها، ومنحَة من السيادة طريقةً
стр. 194
لا تنكبُ السعود عن منهاجها، وخصّه بمناقب فرائدها اتساق اللآلي المنظمة في ازدواجها، وأحله من المعالي رُتبةً تحسدها الكواكب المشرقة في شرف أبراجها، وصلاته على سيدنا محمد الذي حضّ على المعروف وحث، وأذاع الجميل للناس كافةً وبث، ونشر لواء الثناء على المُحسنين ونثّ، وتّمم مكارم الأخلاق، فجدّد منها ما كان قد بلي ورمَّ مارث، وعلى آله وصحبه الّذين ما منهم إلا من له الفضلُ المستوفى، والجود الأوفى، صلاة يكون الرضوان لها حِلفاً، وتبوّئهم عند الله منازل الزُّلفى، وسلامه ".
فإنه لّما كان البيمارستان المنصوري وقف والدنا الشهيد الملك المنصور قد الله روحه ونور بالرضوان ضريحه، أجلِّ القُرُباتِ نفعاً، وأخصبَ المثُوبات مرعى، يجري نفعُ أوقافه على الخاص والعام، وينفقُ من حواصله في اليوم ما يُنفقُ من غيرها في العام. وتخفق راياتُ الآيات الكريمة في أرجائه، وتُنشرُ أعلامُ العلومِ في أثنائه، ويزول به الإعدامُ والإيلام، فكان حاتماً في حيّه، والمسيح في إحيائه، إلى غير ذلك من وجوه المعروف وأنواع البر المصروف، وكان استيفاؤه يحتاج إلى من جُرّبَ سدادُه وعُلِم رشادُه، وعُرف اعتمادُه، وكان الحساب ميداناً وهو سابقهُ وجواده. والمجلس السامي القضائي التاجي ممن زانت أيامنا خدمة، ورسخت في ولائنا قدمُه، حتى أصبح بالمحامد مُتحلياً، ولأقسام المحاسن مستوفياً، يصحبه ركابُنا
стр. 195
الشريف في الحضر والسفر، ويتصف بسيادةٍ أخجلت الأفق، فالشفق المحمرُّ فيه علامة الخفر، وقد رأينا أن لا تنبت في الروض إلا قبضه المرموقة، ولا تطلعُ في الأفقِ إلا شبُه المشرقة، ولهذا رجع إليه حقُ الشُّفة وانتهى، وأحسن ما خلقت الدرة في السلك أختها، فلذلك رُسم بالأمر الشريف أن يُرتب في اسيفاء البيمارستان المبرور وأوقافه عوضاً عن أخيه فلان، فليباشر ذلك مباشرة تجمع شتات الحزم، وتلزم ثبات العزم، حتى لا تفوت أوراقه ثمرةً تُجنى، ولا يغيب شيء من أموره عن نصره في الصورة ولا عن بصيرته في المعنى، متطلباً كل عامل بما يلزمه في وضع الكتابة، مُنكراً عليه إذا طاش سهمُ قلمه عن الإصابة، لتمشي الأحوال فيه على النهج القوي القويم، وتُصرف أمواله على الوجه الذي قصد به العلي العظيم، والوصايا كثيرة، ومع كفايته لا بُد لّه منها علة وصاه، ولا ننبهه عليها بطرق حصاه، وتقوى الله " " في هذا وغيره أوثقُ العُرى، وأعزُّ حصن يُتسنم منه الذرى. فالزم شعارها واقتف أثارها، والله يتولى عونك، ويُديم ثونك. والحظُّ الشريف أعلاه الله وشرفه أعلاه، حجة بثبوته في الذي اقتضاه، والله الموفق بمنّه وكرمه، " إن شاء الله تعالى ".
وكنت قد كتبت إليه عن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى كتاباً هنّأته فيه بنظر الدولة، وهو التذكرة التي لي.؟
؟
أحمد بن عبد الله بن الزكي
المعروف بالقاضي شُقير، تصغير شقر، القاضي شرف الدين الدمشقي الجزري. تجرد للفقر خمسةً وستين عاماً، واجتلى الزهد في الدنيا قمراً تاماً، وأعرض عن
стр. 196
الحطام الفاني، وتحقق أن الفراق من الدنيا داني، ثم إنه جاور بمسجد الكهف الذي هو أسفل جبل قاسيون، إلى أن أنفق جمامُه، وانمحق تمامهُ.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة وسبع مائة في تاسع جمادى الآخرة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
أحمد بن عبد الله بن عبد الله بن مهاجر
شهاب الدين الأندلسي الوادي آشي الحنفي.
هو فاضل مشهور، وعدل مذكور، يعرف مع الفقه النحو والعروض، وجوادهُ في النظم الفائق مروض.
سكن طرابلس الشام مدة، واجتمع فيها مع الأكابر بعدّه، ثم إنه انتقل إلى حلب، وبها نفق من البضائع ما جلب، وكان ابن العديم قاضيها يواليه، ويطرب لأماليه، ويحثه على معاليه.
رأيته بحلب سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، وكتب إليّ نظماً يبل كبد من يظما، وأحببته عن ذلك، وذهبا مني في ليل الضياع الحالك، ثم إنه بعد ذلك ساد وثنى الوساد.
стр. 197
ولم يزل إلى أن وصل ابن مهاجر حينُه، وأغمضت بالممات عينُه وتوفي رحمه الله تعالى.
أنشدني من لفظه لنفسه بحلب في التاريخ:
ما لاح في دِرُعٍ يصولُ بسيفه ... والوجُه منه يُضيءُ تحت المغفرِ
إلا حسبتُ البحرَ بجدولٍ ... والشَّمس تحت سحائب من عنبرِ
قلت: جمع في هذا بين مقطوعين، أحدهما قول أبي بكر الرصافي:
لو كنت شاهده وقد حمي الوغى ... يختالُ في دَرْعِ الحديد المُسبلِ
والثاني قول المعتمد:
ولما اقتحمت الوغى ذارِعاً ... وقنعتَ وجهكَ بالمغفرِ
حَسبنا مُحيَّاك شِمس الضُّحى ... عليها سحائبٌ من العنبر
ومن شعره:
تُسعِّرُ في الوغى نيرانَ حربٍ ... بأيديهم مُهنَّدةٌ ذُكورُ
ومن عجبِ لظىً قد سهّرتها ... جداولُ قد أقلَّتها بُدورُ
ومنه لغز في قالب اللَّبن:
стр. 198
ما آكلّ في فمين ... يغُوط من مخرجين
مُغرى بقبضٍ وبسطٍ ... ومالهُ من يَدين
ويقطع الأرض سهياً ... من غير ما قدمين
قلت: نظم رائق، ولفظ يُخجلُ الحدائق، ولكن ليست مقاصده في هذا اللغز مليحة، ولا معانيه صحيحة. وأحسن منه قول محمَّد بن شرف القيرواني
وما بالغٌ في يومه ألفَ لُقمةٍ ... ولُقمتُه أضعافُ أضعافِ وزنه
إذا ملأ المأكول جنبيه لم يُقم ... سوى لحظةٍ أو لحظتين ببطنه
أحمد بن عبد الحليم
ابن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم.
الشيخ الأمام العلامة المفسر المحدّث المجتهد الحافظ شيخ الإسلام، نادرة العصر، فريد الدهر، تقي الدين أبو العباس بن الشيخ شهاب الدين بن الأمام مجد الدين أبي البركات بن تيمية.
سمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسر، والكمال بن عبد، وابن أبي الخبر
стр. 199
وابن الصيرفي، والشيخ شمس الدين والقاسم الإربلي، وابن علاّن، وخلقٍ كثير.
وبالغ وأكثر، وقرأ بنفسه على جماعة، وانتخب ونسخ عدة أجزاء، وسنن أبي داود، ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر، مع التدين والتأله، ثم أقبل على الفقه ودقائقه، وغاص على مباحثه.
تحول به أبوه من حران إلى دمشق سنة سبع وستين وست مائة. و" تيمية " لقبٌ لجده الأعلى.
تمذهب للإمام أحمد بن حنبل، فلم يكن أحد في مذهبه أنبه ولا أنبل. وجادل وجالد شجعان أقرانه، وجدّل خصومهُ في وسط ميانه، وفرّج مضائق البحث بأداةٍ قاطعة، ونصر أقوالهُ في ظلمات الشكوك بالبراهين الساطعة، كأن السُّنة على رأس لسانه، وعلوم الأثر مساقة في حواصل جنابه، وأقوال العلماء مجلوةٌ نُصب عيانه. لم أر أنا ولا غيري مثل استحضاره، ولا مثل سبقه إلى الشواهد وسرعة إحضاره، ولا مثل عزوه الحديث إلى أصله الذي فيه نقطةُ مداره.
وأما علم الأصلين فقهاً وكلاماً، وفهماً فكان عجباً لمن يسمعه، ومُعجزاً لمن يُعد ما يأتي به أو يجمعه. يُنزل الفروع منازِلها من أصولها، ويرد القياسات إلى مآخذها من محصولها.
стр. 200
وأما الملل والنحل، ومقالات أرباب البدع الأُول، ومعرفةُ أرباب المذاهب، وما خصوا به من الفتوحات والمواهب، فكان بحراً يتموج، وسهماً ينفذ على السواء لا يتعوج.
وأما المذاهب الأربعة فإليه في ذاك الإشارة، وعلى ما ينقله الإحاطة والإدارة. وأما نقل مذاهب السَّلف، وما حدث بعدهم من الخلف، فذاك فنُّه، وهو في وقت الحرب مجنُّه، قل أن قطعة خصُمه الذي تصدى له وانتصب، أو خلص منه مناظرهُ إلا وهو يشكو من الأين والنَّصب.
وأما التفسير فيدُه فيه طولى، وسردُه فيه يجعل العيون إليه حُولاً. إلا أنه انفرد بمسائل غريبة، ورجَّح فيها أقوالاً ضعيفة عند الجمهورُ معيبة. كاد منها يقع في هُوَّة، ويسلم منها لما عنده من النيّة المرجوة، والله يعلم قصده، وما يترجّح من الأدلة عند وما دمر عليه شيء كمسألة الزيارة، ولا شنّ عليه مثلها إغارة، دخل منها إلى القلعة مُعتقلا، وجفاه صاحبه وقلا، وما خرج منها إلا على الآلة الحدبا، ولا درج منها إلا إلى البقعة الحدبا، والتحق باللطيف الخبير، وولّى والثناء عليه كنشر العبير.
وكان ذا قلم يسابقُ البرق إذا لمع، والودق إذا همع، يُملي على المسألة الواحدة ما شاء من رأس القلم، ويكتب الكرَّاسين والثلاثة في قعدة، وجدُّ ذهنه ما كل ولا انثلم، قد تحلى بالمُحلى، وتولّى من تقليده ما تولى، فلو شاء أورده عن ظهر قلب وأتى بجملة ما فيه من الشناع والثَّلب.
стр. 201
وضيع الزمان في ردّه على النصارى والرافضة، ومن عائد الدين أو ناقضه؛ ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم.
وكان من صغره حريصاً على الطلب، مجدّاً على التحصيل والدأب، لا يؤثرُ على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظةٌ منه في البطالة فذّة، يذهلُ عن نفسه ويغيب في لذّة العلم عن حسه، لا يطلب أكلاً إلا إذا أحضر لديه، ولا يرتاحُ إلى طعام ولا شراب في أبرديه.
قيل: إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله سألوه أن يروح معهم يوم سبت ليتفرج، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرج، فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلُّفه، وتركه لاتباعهم وما انفرده من تكلُّفه، فقال: أنتم ما نزيد لكم شيئاً ولا تجدد، وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد، وكان ذلك كتاب " جنة الناظر وجنّة المناظر "، وهو مجلد صغير، وأمره شهير.
لا جرم أنه كان في أرض العلوم حارثاً وهو همام، وعلومُه كما يقول الناس تدخل معه الحّمام. هذا إلى كرم يضحك البرقُ منه على غمائمه، وجودٍ ما يصلحُ حاتمٌ أن يكون في فضِّ خاتمه، وشجاعة يفرّ منها قشورة، وإقدام يتأخر عنه عنترة. دخل على محمود غازان وكلمه كلاماً غيظاً بقوه، وأسمعه مقالاً لا تحملّه الأبوةُ من البنوّة.
وكان في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مائة، قد قام عليه جماعة من الشافعية، وأنكروا عليه كلاماً في الصفات، وأخذوا فُتياه الحموية، وردوا عليه
стр. 202
فيها، وعملوا له مجلساً، فدافع الأفرم عنه ولم يُبلّغهم فيه أرباً، ونودي في دمشق بإبطال العقيدة الحموية، فانتصر له جاغان المشدّ، وكان قد مُنع من الكلام، ثم إنه جلس على عادته يوم الجمعة، وتكلم ثم حضر عنده قاضي القضاة إمام الدين، وبحثوا معه، وطال الأمر بينهم، ثم رجع القاضي إمام الدين وأخوه جلال الدين وقالا: من قال عن الشيخ تقي الدين شيئاً عزّرناه.
ثم إنه كُلب إلى مصر، هو والقاضي نجم الدين صَصرَى، وتوجها إلى مصر في ثاني عشر شهر رمضان سنة خمس وسبع مائة، فانتصر له الأمير سيف الدين سلاّر، وحطّ الجاشنكير عليه، وعقدوا له مجلساً انفصل على حبسه، فحُبس في خزانة البنود، ثم نقل إلى الإسكندرية في صفر سنة تسع وسبع مائة، ولم يمكن أحد من أصحابه من التوجه معه، ثم أفرج عنه وأقام بالقاهرة مُدة. ثم اعتقل أيضاً، ثم أُفرج عنه في ثامن شوال سنة تسع وسبع مائة، أخرجه الناصر لمّا ورد من الكرك، وحضر إلى دمشق، فلما كان في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبع مائة جمع الفقهاء والقضاة عند الأمير سيف الدين تنكز، وقرأ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ تقي الدين بسبب فُتياه في مسألة الطلاق، وعُوتب على فُتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على توكيد المنع.
стр. 203
ثم إنه في يوم الخميس ثاني عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبع مائة عُقد له مجلس بدار السعادة وعاودوه في فتيا الطلاق وحاققوه عليها، وعاتبوه لأجلها. ثم إنه حُبس بقلعة دمشق، فأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبع مائة، فأخرج من القلعة بعد العصر بمرسوم السلطان، وتوجه إلى منزله. وكانت مدة سجنه خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.
ولما كان في يوم الاثنين بعد العصر، سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبع مائة في أيام قاضي القضاة جلال الدين القزويني تكلموا معه في مسألة الزيارة، وكُتب في ذلك إلى مصر، فورد مرسومُ السلطان باعتقاله في القلعة، فلم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى في ليلة الاثنين عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة بقلعة دمشق في القاعة التي كان بها محبوساً.
ومولده بحرّان سنة إحدى وستين وست مائة.
وأول ما اجتمعت أنا به كان في سنة ثماني عشرة، وهو بمدرسته في القصاعين بدمشق المحروسة، وسألته مسألة مشكلةً في التفسير في الإعراب، ومسألة مشكلة في الممكن والواجب، وقد ذكرت ذلك في ترجمته في تاريخي الكبير. ثم اجتمعت به بعد ذلك مرّات، وحضرت دروسه في الحنبلية، فكنت أرى منه عجباً من عجائب البرّ والبحر، ونوعاً فرداً وشكلاً غريباً وكان كثيراً ما ينشد قول ابن صردر.
стр. 204
تموتُ النفوسُ بأوصابها ... ولم تشكُ عُوّادها ما بها
وما أنصفت مُهجةٌ تشتكي ... أذاها إلى غير أحبابها
وينشد أيضاً:
من لم يُقد ويُدسٌ في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقود خميساً
رأيته في المنام بعد موته رحمه الله تعالى كأنه في جامع بني أمية، وأنا في يدي صورةُ عقيدة ابن حزم الظاهري التي ذكرها في أول كتاب المُحلَّى، وقد كتبها بخطي، وكتبت في آخرها:
وهذا نصُّ ديني واعتقادي ... وغيري ما يرى هذا يجوزُ
وقد أوقفته على ذلك، فتأملها ورآها وما تكلم بشيء.
ذكر شيء من تصانيفه
كتب التفسير
قاعدة في الاستعاذة، قاعدة في البسملة، قاعدة في قوله تعالى " إياك نعبد وإياك نستعين "، قطعة كبيرة من أول سورة البقرة، وفي قوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر " نحو ثلاثة كراريس، وفي قوله تعالى: " مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً " نحو كراسين، وفي قوله تعالى: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " سبع كراريس، وفي قوله تعالى: " إلا من سفه نفسه " كراس، آية الكرسي كراسان، وغير ذلك من سورة البقرة. "
стр. 205
منه آيات محكمات " إلى آخرها نحو مجلد، " شهد الله أنه لا إله إلا هو " ستة كراريس، " ما أصابك من حَسَنة " عشر كراريس، وغير ذلك من سورة آل عمران.
تفسير المائدة مجلد كبير، " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " ثلاث كراريس، " وإذا أخذ ربُّك من بني آدم " سبع كراريس، قواعد سورة يوسف، مجلد كبير، سورة النور، مجلد لطيف، سورة تبت والمعوذتين، سورة الكافرين، سورة الإخلاص، مجلد، سورة القلم، وأنها أول سورة أنزلت، تضمنت أصول الدين مجلد، سورة " لم يكن " وغير ذلك من آيات مُفّرقة.
كتب الأصول
" الاعتراضات المصرية على الفُتيا الحموية " أربع مجلدات، أملاه في الجب، " بياتُ تَلبيس الجَهميّة في تأسيس بدَعن الكلامية "، وربما سمّاه " تلخيص التلبيس من تأسيس التقديس "، " شرح أول المحصّل " للرازي، بلغ ثلاث مجلدات، شرح بضعةِ عشر مسألة من الأربعين للإمام فخر الدين الرازي، " تعارض العقل والنقل " أربع مجلدات، " جواب ما أورده كمال الدين ابن الشريشي " مجلد، " الجواب الصحيح لِمّن بدّل دين المسيح "، ثلاث مجلدات، " منهاج الاستقامة " " شرح عقيدة الأصبهاني " مجلد، " نقض الاعتراض " عليها لبعض المشارقة أربع كراريس، " شرح أول كتاب الغَزْنَوي "، مجلد، " الرد على المنطق " مجلد، ردّ آخر لطيف، " الرد على الفلاسفة " مجلدات، " قاعدة في القضايا الوهمية "، " قاعدة فيما يتناهى ومالا يتناهى "، "
стр. 206
جواب الرسالة الصفدية "، " جواب في نقص قول الفلاسفة: إن معجزات الأنبياء قوى نفساني "، " إثبات المعاد والرد على ابن سينا "، " شرح رسالة ابن عبدوس " في كلام الإمام أحمد في الأصول، " ثبوت النبوات عقلاً ونقلاً "، و" المعجزات والكرامات "، " قاعدة في الكليات "، مجلد لطيف، " الرسالة القبرسية "، " رسالة أهل طبرستان وجَيْلان في خلق الروح والنور والأئمة المقتدى بهم "، " مسألة ما بين اللوحين كلامُ الله "، " تحقيق كلام الله لموسى "، " هل سمع جبريل كلام الله أو نقله من اللوح المحفوظ "، " الرسالة البعلبكية "، " الرسالة الأزهرية "، " القادرية "، " البغدادية "، " أجوبة الشكل والنقط "، " إبطال الكلام النفساني ": أبطله من نحو ثمانين وجهاً، " جواب مَن حلف بالطلاق الثلاث " أن القرآن حرف وصوت. وله في إثبات الصفات وإثبات العلو والاستواء مجلدات، " المراكشيّة "، " صفات الكمال والضابط فيها "، " أجوبة في مباينة الله تعالى لخلقه "، " جواب في الاستواء، وإبطال تأويله بالاستيلاء "، " جوابُ من قال لا يمكن الجمعُ بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه "، " أجوبة كونِ العرش والسموات كُرَويّة " وسبب قصد القلوب جهةَ العلو، " جواب كون الشيء في جهة العلوّ مع أنه ليس بجوهر ولا عرض معقول أو مستحيل "، " جواب هل الاستواء والنزول حقيقة، وهل لازم المذهب مذهب "، شمَّاه " الأربلية "، " مسألة النزول " واختلاف وقته باختلاف البلدان والمطالع، مجلد لطيف، " شرح حديث النزول " في أكثر من مجلد، " بيان حل إشكالات ابن حزم الواردة على الحديث "، " قاعدة في قرب الرب من عابديه وداعيه "، مجلد، " الكلام على نقض المرشدة "، " المسائل الإسكندرانية في الرد على الاتحاد والحلولية "، ما تضمنه فصوص الحكم من الكفر والإلحاد والاتحاد والحلول، " جواب في لقاء الله "، " جواب رؤية النساء رَبّهُنّ في
стр. 207
الجنة "، " الرسالة المدنية في الصفات النقلية "، " الهلاوونية " جواب ورد على لسان ملك التتار، مجلد، " قواعد في إثبات القدر والرد على القدرية والجبرية "، مجلد " رد على الروافض في الإمامة " لابن مُطهّر، " جواب في حُسن إدارة الله بخلق الخلق وإنشاء الأنام لعلّة أم لغير علّة "، " شرح حديث: فخجَّ أدم موسى "، " تنبيه الرجل الغافل على تمويه المجادل "، " تناهي الشدائد في اختلاف العقائد "، " كتاب الإيمان "، " شرح حديث جبريل في الإسلام، والإيمان في عصمة الأنبياء فيما يبلغون "، " مسألة في العقل والروح "، " في المقرّبين: هل يسألهم منكر ونكير "، " هل تعذيب الروح مع الجسد في القبر، وهل تفارق البدن بالموت أو لا "، " الرد على أهل كسروان "، " في فضل أبي بكر وعمر على غيرهما "، " قاعدة في فضل معاوية وفي ابنه يزيد أن لا يُسب "، " في تفضيل صالحي الناس على سائر الأجناس " " في كفر النُّصَيريّة " " في جواز الرافضة "، " في بقاء الجنة والنار وفنائهما "، وهو آخر ما صنّفه في القلعة. وقد رد عليه العلاّمة قاضي القضاة تقي الدين السبكي.
كتب أصول الفقه
" قاعدة غالبُها أقوال الفقهاء "، مجلدان، " قاعدة كل حمد وذم من المقالات لا يكون إلا من الكتاب والسنة " " شمول النصوص للأحكام "، " قاعدة في الإجماع وأنه ثلاثة أقسام "، " جواب في الإجماع وخبر التواتر "، " قاعدة في أن خبر الواحد اليقين "، " قاعدة في كيفية الاستدلال والاستدراك على الأحكام بالنص والإجْمَاع "، " في الرد على من قال إن الأدلة اللَّفظيّة لا تفيد اليقين "، " قاعدة
стр. 208
فيما يُظنُ مِن تعارض النص والإجماع "، " مؤاخذة لابن حزم في الأجماع "، " قاعدة في تقرير القياس "، " قاعدة في الاجتهاد والتقليد في الأحكام "، " رفع الملام عن الأئمة الأعلام "، " قاعدة في الاستحسان "، " وصف العموم والإطلاق "، " قواعد في أن المخطئ في الاجتهاد لا يأثم "، " هل العاميّ يجب عليه تقليد مذهب مُعَيّن "، " جواب في ترك التقليد فيمن يقول مذهبي مذهب النبي ﵇ وليس أنا محتاج إلى تقليد الأربعة "، " جواب من تَفَقَّه في مذهب ووجد حديثاً صحيحاً، هل يعمل به أو لا "، " جواب تقليد الحنفي الشافعي في الجمع للمطر والوتر "، " الفتح على الإمام في الصلاة " " تفضيل قواعد مذهب مالك وأهل المدينة "، " تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل واحد منهم "، " قاعدة في تفضيل الإمام أحمد "، " جواب: هل كان النبي ﷺ قبل الرسالة نبياً "، " جواب: هل كان النبي ﷺ ، متعبداً بشرع من قبله "، " قواعد أن النهي يقتضي الفساد ".
كتاب الفقه
" شرح المحرر في مذهب أحمد " ولم يُبيّض، " شرح العمدة لموفق "، أربع مجلدات، " جواب مسائل وردت من أصبهان "، " جواب مسائل وردت من الأندلس "، " جواب مسائل وردت من الصلت "، " جواب مسائل وردت من بغداد "، " مسائل وردت من زُرع "، " أربعون مسألة لُقّبت الدرّة المضيئة، " الماردانية " " الطرابلسية "، " قاعدة في المياه والمائعات وأحكامها "، " المائعات وملاقاتها النجاسة "، " طهارة بول ما يؤكل لحمه "، " قاعدة في حديث القُلّتين وعدم رفعه "، " قواعد في الاستجمار، وتطهير الأرض بالشمس والريح "، " جواز الاستجمار
стр. 209
مع وجود الماء "، " نواقض الوضوء "، " قواعد في عدم نقض الوضوء بلمس النساء "، " التسمية على الوضوء "، " خطأ القول بجواز مسح الرجلين "، " جواز المسح الخفين المتخرّقين والجوربين واللفائف "، " فيمن لا يعطي أجرة الحَمّام "، " تحريم دخول الحمّام بلا مُبرر "، " في الحمّام والاغتسال "، " ذم الوسواس "، " جواز طواف الحائض "، " تيسير العبادات لأرباب الضروريات بالتيمم، والجمع بين الصلاتين للعُذر "، " كراهية التلفّظ بالنّيّة وتحريم الجَهْر بها "، " في البسملة هل هي من السورة "، " فيما يعرض من الوسواس في الصلاة "، " الكلم الطيب في الأذكار " " كراهية بسط سجادة المصلي قبل مجيئه "، " في الركعتين اللتين تُصلّيان قبل الجمعة "، " في الصلاة بعد أذان الجمعة "، " القنوت في الصبح والوتر " " قتل تارك أحد المباني وكُفره "، " الجمع بين الصلاتين في السفر "، " فيما يختلف حكمه في السفر والحضر "، " أهل البِدَع هل يُصلّى خلفهم "، " صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض "، " الثلوات المبتدعة "، " تحريم السماع " " تحريم الشبابة "، " تحريم الشطرنج "، " تحريم الحشيشة ووجوب الحد فيها ونجاستها "، " النّهيُ عن المشاركة في أعياد اليهود والنصارى وإيقاد نصف شعبان والحبوب في عاشوراء "، " مقدار الكَفّارة في اليمين "، " في أنّ المطلقة ثلاثاً، لا تحل إلا بنكاح زوج ثان "، "
стр. 210
بيان الطلاق المُباح والحرام "، " في الحلف بالطلاق متى تجيزه ثلاثاً "، " جواب من حلف لا يفعل شيئاً على المذاهب الأربعة "، " الفرق المبين بين الطلاق واليمين "، " لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف "، " الطلاق البِدَعي لا يقع "، " مسائل الفرق بين الحلف بالطلاق وإيقاعه والطلاق البدعي والخلع نحو ذلك "، تقدير خمسة عشر مجلداً، " مناسك الحج عِدة "، " في حجة النبي ﷺ "، " في العمرة المكية "، " في شهر السلاح بتبوك وشرب السَّويق بالعقبة وأكل التمر بالروضة وما يلبس المُحرم، وزيارة الخليل عُقيب الحج، وزيارة القدس مطلقاً "، " جبل لبنان كأمثاله من الجبال، ليس فيه رجال غُيّب ولا أبدال "، " جميع أيمان المسلمين مُكفّرة ".
كتب في أنواع شتى
جمع بعض الناس فتاويه بالديار المصرية مُدَّة سبع سنين في علوم شتى، فجاءت ثلاثين مجلدة، " الكلام على بُطلان الفتّوة المُصطلح عليها بين العوام "، وليس لها أصل يتصل بعلي ﵇. " كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية "، " بطلان ما يقوله أهلُ بيت الشيخ عديّ "، " النجوم هل لها تأثير عند الاقتران والمقابلة والخسوف والكسوف "، " هل يقبل قول المنجمين فيه ورؤية الأهلّة "، "
стр. 211
تحريم أقسام المُعزّمين بالعزائم المُعجَمة وصرع الصحيح وصفة الخواتم ". " إبطال الكيمياء وتحريمها ولو صحت وراجت "، " كشف حال المرازقة "، " قاعدة العُبيديين ".
ومن نظم الشيخ تقي الدين على لسان الفقراء المُجردين وغيرهم:
والله ما فَقرُنا اختْيارُ ... وإنما فَقْرُنا اضْطْرارُ
جماعةٌ كلُّنا كَسالى ... وأكلُنا كله عيارُ
تسمعُ منّا إذا اجتمعنا ... حقيقةً كُلُّها فُشَارُ
وله قصائد مطوّلة، أجوبة عن مسائل كان يُسأل عنها نظماً، مثل مسألة اليهودي، وجوابه عن اللغز الذي نظمه الشيخ رشيد الدين الفارقي، وغير ذلك.
ومدحه جماعة من أهل مصر، منهم شهاب الدين أحمد بن محمد البغدادي المعروف بابن الأبرادي، والشيخ شمس الدين بن الصائغ، وسعد الدين أبو محمد سعد الله بن عبد الأحد الحرّاني، وأكثر من ذلك، ومنه قوله:
لئن نافَقَوه وه في السّجنِ وابتغَوا ... رِضاه وأبدوا رِقّةً وتودُّدا
فلا غَرْوَ إنْ ذلَ الخُصومُ لِنَأسِه ... ولا عَجَبٌ أن خاف سطوتَه العِدا
فمن شِيَمةِ العَضبِ المُهنَّدِ أنه ... يُخافُ ويُرجُى مُغمداً ومُجرّدا
стр. 212
وممن مدحه بمصر أيضاً شيخنا العلاّمة أبو حيان، لكنه انحرف عنه فيما بعد ومات وهو على انحرافه، ولذلك أسباب؛ منها أنه قال له يوماً: كذا قال سيبويه، فقال: يكذب سيبويه، فانحرف عنه، وقد كان أولاً جاء إليه والمجلس عنده غاصٌّ بالناس، فقال يمدحه ارتجالاً:
لّما أتينا تقيَّ الدِّين لاحً لنا ... داعٍ إلى الله فَردٌ ماله وِزَرُ
على مُحيّاه من سِيما الأُولى صَحِبوا ... خَيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القمرُ
خَبرٌ تَسربَلَ منه دَهرُه حِبَراً ... تَقاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ
قام ابنُ تَيْميَّةٍ في نَر شِرعَتِنا ... مُقَما سَيِّدِ تيمٍ إذ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرً الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشرّ إذ طارت له الشرر
كُنّا نُحدَّث عن خبرٍ يجيءُ فها ... أنت الإمامُ الذي قد كان يُنتظرُ
وكتب الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن الزملكاني رحمه الله تعالى على بعض تصانيفه:
ماذا يقولُ الواصفون له ... وصفاتُه جلّتْ عن الحَصرِ
هو حُجّةٌ اللهِ قاهرِرَةٌ ... هو بيننا أُعجوبةُ العَصرِ
هو آيةٌ في الخَلقِ ظاهِرَةٌ ... أنوارُها أربَت على الفَجرِ
والذي أراه أن هذه الأبيات كتبها الشيخ كمال الدين في حياة الشيخ صدر الدين بن الوكيل، لأنه كان يخالفه ويريد أن ينتصر عليه بالشيخ تقي الدين بن تيمية، والله أعلم.
ولما توفي رحمه الله تعالى رثاه جماعة منهم الشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقرئ،
стр. 213
وبرهان الدين إبراهيم بن الشيخه شهاب الدين العجمي، ومحمود بن علي بن محمود الدقوقي البغدادي، ومجير الدين الخياط الدمشقي، وشهاب الدين أحمد بن الكرشت، وزين الدين عمر بن الحسام، ومحمد عبد الحق البغدادي الحنبلي، وجمال الدين محمود بن الأثير الحلبي، وعبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الرومي الحريري. المعروف بالمُنيّم، وتقي الدين محمد بن سليمان بن عبد الله بن سالم الجعبري، وجمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم الخليل الخليلي، وحسن بن محمد النحوي المارداني، وغيرهم.
أنشدني إجازة لنفسه الشيخ علاء الدين علي بن غانم:
أيُّ خَبرٍ مضى وأيُّ إمامِ ... فُجعتُ فيه مِلَّةُ الإسلامِ
ابنُ تيميَّةَ التَّقيُّ وحيدُ الد ... هْرِ من كان شامةً في الشَّامِ
بَحرُ علمٍ قد غاضَ من بعدما ف ... ضَ نداهُ وعم بالنعامِ
стр. 214
زاهدٌ عابدٌ تنّزه في دُن ... ياه عن كل ما بها من حُطامِ
كان كَنزاً لكلِّ كالبِ علمِ ... ولِمَنُ خافَ أن يُرى في حَرَامِ
ولعافٍ قد جاء يشكو من الفق ... ر لديه فنال كُلَّ مَرَامِ
حاز عِلماً فماله من مساوٍ ... فيه من عالمٍ ولا من مُسامٍ
لم يَكُنْ في الدنى له مِن نظيرٍ ... في جميعِ العُلومِ والأحكامِ
كان في علمِه وَحيداً فريداً ... لم ينالوا ما نالَ في الأحْلامِ
كل من في دمشق ناح عليه ... ببُكاءٍ من شدّة الآلامِ
فُجِعَ الناسُ في الشَّرقِ والغَر ... بِ وأضحَوا بالحُزنِ كالأيتامِ
لو يُفيدُ الفِداءُ بالرُّوحِ كُنّا ... قد فديناه من هُجومِ الحِمامِ
أوحدٌ فيه قد أصيبَ البَرايا ... فيُعزى فيه جميعُ الأنامِ
وعزيزٌ عليهم أن يَرَوْه ... غابَ بالرَّغمِ في الثّرى والرُّغامِ
ما يُرى مِثلُ يومهِ عندما سا ... رَ على النَّعشِ نحوَ دار السلامِ
حملوه على الرِّقابِ إلى القَب ... رِ وكادوا أن يَهلكوا بالزّحامِ
فهو الآن جارُ رَبِّ السماوا ... ت الرحيمِ المُهيمنِ العلاّمِ
قدّسَ الله روحَه وسقى قب ... راً حواه بَها طِلاتِ الغَمامِ
فلقد كان نادراً في بني الده ... ر وحُسناً في أوجَهِ الأيّامِ
стр. 215
وأنشدني أيضاً: إجازة لنفسه الشيخ زين الدين عمر بن الوردي:
قلوبُ النّاس قاسيةٌ سِلاطُ ... وليس إلى العَليا نَشاطُ
أتنشطُ قَطُّ بعدَ وفاةِ خبرٍ جَوهَره التقاطُ
تقيُّ الدين ذو وَرَعٍ وعِلمٍ ... خُروقُ المُعضِلات به تُحاطُ
تُوفي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدّنيا انبساطُ
ولو حَضروه حين قضى لألفَوا ... مَلائِكةَ النَّعيمِ به أحاطوا
قضى نَحباً وليس له قرينٌ ... وليس يلفُّ مُشبِههُ القِماطُ
قتىً في علمه أضحى فريداً ... وحَلُّ المُشكلاتِ به يُناطُ
وكان يخافُ إبليسُ سطاه ... لوَعظِ للقلوبِ هو السِّياطُ
فيا الله ما قد ضم لَحدٌ ... ويا لله ما غطى البَلاطُ
وحَبسُ الدُّرِّ في الأصدافِ فَخرٌ ... وعِندَ الشَّيخِ بالسِّجنِ اغتباطُ
بنو تيميّةٍ كانوا فبانوا ... نجومُ العلمِ أدركها انهباطُ
ولكن يا نَدَامتَنا عليه ... فشكُّ المُلحدين به يُماطَ
إمامٌ لا ولايةٌ قطُّ عانى ... ولا وقفٌ عليه ولا رباطُ
ولا جارى الورى في كسبِ مالِ ... ولم يَشغلهُ بالناس اختلاطُ
ولولا جارى الورى في كسبِ مالٍ ... لكان به لقدرهم انحطاطُ
لقد خفيت عليّ هنا أمورٌ ... وليس يليقُ لي فيها انخراطُ
وعند الله تجتمعُ البرايا ... جميعاً وانطوى هذا البِساطُ
следующие страницы →