Полный текст (3 514 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تحريم أقسام المُعزّمين بالعزائم المُعجَمة وصرع الصحيح وصفة الخواتم ". " إبطال الكيمياء وتحريمها ولو صحت وراجت "، " كشف حال المرازقة "، " قاعدة العُبيديين ".
ومن نظم الشيخ تقي الدين على لسان الفقراء المُجردين وغيرهم:
والله ما فَقرُنا اختْيارُ ... وإنما فَقْرُنا اضْطْرارُ
جماعةٌ كلُّنا كَسالى ... وأكلُنا كله عيارُ
تسمعُ منّا إذا اجتمعنا ... حقيقةً كُلُّها فُشَارُ
وله قصائد مطوّلة، أجوبة عن مسائل كان يُسأل عنها نظماً، مثل مسألة اليهودي، وجوابه عن اللغز الذي نظمه الشيخ رشيد الدين الفارقي، وغير ذلك.
ومدحه جماعة من أهل مصر، منهم شهاب الدين أحمد بن محمد البغدادي المعروف بابن الأبرادي، والشيخ شمس الدين بن الصائغ، وسعد الدين أبو محمد سعد الله بن عبد الأحد الحرّاني، وأكثر من ذلك، ومنه قوله:
لئن نافَقَوه وه في السّجنِ وابتغَوا ... رِضاه وأبدوا رِقّةً وتودُّدا
فلا غَرْوَ إنْ ذلَ الخُصومُ لِنَأسِه ... ولا عَجَبٌ أن خاف سطوتَه العِدا
فمن شِيَمةِ العَضبِ المُهنَّدِ أنه ... يُخافُ ويُرجُى مُغمداً ومُجرّدا
стр. 212
وممن مدحه بمصر أيضاً شيخنا العلاّمة أبو حيان، لكنه انحرف عنه فيما بعد ومات وهو على انحرافه، ولذلك أسباب؛ منها أنه قال له يوماً: كذا قال سيبويه، فقال: يكذب سيبويه، فانحرف عنه، وقد كان أولاً جاء إليه والمجلس عنده غاصٌّ بالناس، فقال يمدحه ارتجالاً:
لّما أتينا تقيَّ الدِّين لاحً لنا ... داعٍ إلى الله فَردٌ ماله وِزَرُ
على مُحيّاه من سِيما الأُولى صَحِبوا ... خَيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القمرُ
خَبرٌ تَسربَلَ منه دَهرُه حِبَراً ... تَقاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ
قام ابنُ تَيْميَّةٍ في نَر شِرعَتِنا ... مُقَما سَيِّدِ تيمٍ إذ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرً الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشرّ إذ طارت له الشرر
كُنّا نُحدَّث عن خبرٍ يجيءُ فها ... أنت الإمامُ الذي قد كان يُنتظرُ
وكتب الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن الزملكاني رحمه الله تعالى على بعض تصانيفه:
ماذا يقولُ الواصفون له ... وصفاتُه جلّتْ عن الحَصرِ
هو حُجّةٌ اللهِ قاهرِرَةٌ ... هو بيننا أُعجوبةُ العَصرِ
هو آيةٌ في الخَلقِ ظاهِرَةٌ ... أنوارُها أربَت على الفَجرِ
والذي أراه أن هذه الأبيات كتبها الشيخ كمال الدين في حياة الشيخ صدر الدين بن الوكيل، لأنه كان يخالفه ويريد أن ينتصر عليه بالشيخ تقي الدين بن تيمية، والله أعلم.
ولما توفي رحمه الله تعالى رثاه جماعة منهم الشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقرئ،
стр. 213
وبرهان الدين إبراهيم بن الشيخه شهاب الدين العجمي، ومحمود بن علي بن محمود الدقوقي البغدادي، ومجير الدين الخياط الدمشقي، وشهاب الدين أحمد بن الكرشت، وزين الدين عمر بن الحسام، ومحمد عبد الحق البغدادي الحنبلي، وجمال الدين محمود بن الأثير الحلبي، وعبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الرومي الحريري. المعروف بالمُنيّم، وتقي الدين محمد بن سليمان بن عبد الله بن سالم الجعبري، وجمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم الخليل الخليلي، وحسن بن محمد النحوي المارداني، وغيرهم.
أنشدني إجازة لنفسه الشيخ علاء الدين علي بن غانم:
أيُّ خَبرٍ مضى وأيُّ إمامِ ... فُجعتُ فيه مِلَّةُ الإسلامِ
ابنُ تيميَّةَ التَّقيُّ وحيدُ الد ... هْرِ من كان شامةً في الشَّامِ
بَحرُ علمٍ قد غاضَ من بعدما ف ... ضَ نداهُ وعم بالنعامِ
стр. 214
زاهدٌ عابدٌ تنّزه في دُن ... ياه عن كل ما بها من حُطامِ
كان كَنزاً لكلِّ كالبِ علمِ ... ولِمَنُ خافَ أن يُرى في حَرَامِ
ولعافٍ قد جاء يشكو من الفق ... ر لديه فنال كُلَّ مَرَامِ
حاز عِلماً فماله من مساوٍ ... فيه من عالمٍ ولا من مُسامٍ
لم يَكُنْ في الدنى له مِن نظيرٍ ... في جميعِ العُلومِ والأحكامِ
كان في علمِه وَحيداً فريداً ... لم ينالوا ما نالَ في الأحْلامِ
كل من في دمشق ناح عليه ... ببُكاءٍ من شدّة الآلامِ
فُجِعَ الناسُ في الشَّرقِ والغَر ... بِ وأضحَوا بالحُزنِ كالأيتامِ
لو يُفيدُ الفِداءُ بالرُّوحِ كُنّا ... قد فديناه من هُجومِ الحِمامِ
أوحدٌ فيه قد أصيبَ البَرايا ... فيُعزى فيه جميعُ الأنامِ
وعزيزٌ عليهم أن يَرَوْه ... غابَ بالرَّغمِ في الثّرى والرُّغامِ
ما يُرى مِثلُ يومهِ عندما سا ... رَ على النَّعشِ نحوَ دار السلامِ
حملوه على الرِّقابِ إلى القَب ... رِ وكادوا أن يَهلكوا بالزّحامِ
فهو الآن جارُ رَبِّ السماوا ... ت الرحيمِ المُهيمنِ العلاّمِ
قدّسَ الله روحَه وسقى قب ... راً حواه بَها طِلاتِ الغَمامِ
فلقد كان نادراً في بني الده ... ر وحُسناً في أوجَهِ الأيّامِ
стр. 215
وأنشدني أيضاً: إجازة لنفسه الشيخ زين الدين عمر بن الوردي:
قلوبُ النّاس قاسيةٌ سِلاطُ ... وليس إلى العَليا نَشاطُ
أتنشطُ قَطُّ بعدَ وفاةِ خبرٍ جَوهَره التقاطُ
تقيُّ الدين ذو وَرَعٍ وعِلمٍ ... خُروقُ المُعضِلات به تُحاطُ
تُوفي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدّنيا انبساطُ
ولو حَضروه حين قضى لألفَوا ... مَلائِكةَ النَّعيمِ به أحاطوا
قضى نَحباً وليس له قرينٌ ... وليس يلفُّ مُشبِههُ القِماطُ
قتىً في علمه أضحى فريداً ... وحَلُّ المُشكلاتِ به يُناطُ
وكان يخافُ إبليسُ سطاه ... لوَعظِ للقلوبِ هو السِّياطُ
فيا الله ما قد ضم لَحدٌ ... ويا لله ما غطى البَلاطُ
وحَبسُ الدُّرِّ في الأصدافِ فَخرٌ ... وعِندَ الشَّيخِ بالسِّجنِ اغتباطُ
بنو تيميّةٍ كانوا فبانوا ... نجومُ العلمِ أدركها انهباطُ
ولكن يا نَدَامتَنا عليه ... فشكُّ المُلحدين به يُماطَ
إمامٌ لا ولايةٌ قطُّ عانى ... ولا وقفٌ عليه ولا رباطُ
ولا جارى الورى في كسبِ مالِ ... ولم يَشغلهُ بالناس اختلاطُ
ولولا جارى الورى في كسبِ مالٍ ... لكان به لقدرهم انحطاطُ
لقد خفيت عليّ هنا أمورٌ ... وليس يليقُ لي فيها انخراطُ
وعند الله تجتمعُ البرايا ... جميعاً وانطوى هذا البِساطُ
стр. 216
وقلت أنا أيضاً أرثيه:
إنّ ابنَ تيميّةَ لمّا قضى ... ضاق بأهلِ العِلمِ رَحبُ الفضا
فأيُّ بدرِ قد محاه الرَّدى ... وأيُّ بحرٍ في الثرى غُيضا
وأيّ شرِّ فتحت عينهُ ... وأيُّ خيرٍ طرفُه غُمّضا
يا وَخشَةَ السُّنَّةِ من بَعدِه ... فرَبعُها المعمورُ قد قُوِّضا
كم مَجلسٍ كان هشيماً من ال ... علم فلمّا جاءه رُوّضا
وكلُّ حَفلٍ أفقُهُ مُظَّلِمٌ ... تَراه إن وافى إليه أضا
ومُشكِلٌ لمّا دَجى ليلُه ... أعادَه يومَ هُدى أبيضا
تراه إن برهن أقواله ... فقلَّ أن تُدحَرَ أو تُدحَضا
وبحُه في مَددٍ طافحٍ ... وخصمُه في وقتِه انقضا
يودُّ لو أبلعَهُ ريقه ... وهنو بالحقِّ قد أجرضا
أغصَّه حتى غدا مُطرقاً ... مِن ندمٍ كفّيه قد عضّضا
ما كان إلا أسداً حادِراً ... أضحى له غابُ النُّهى مَربَضا
وهو يرى العِلمَ في بُردِه ... وخَصمُه قد ضمّ جَمرَ الغضا
سُبحان من سخَّر قَلبَ الورى ... لقوله طوعاً وقد قيضا
قد أجمعَ النّاسُ على حُبِّه ... ولا اعتبارَ بالذي أبغضا
كان سليمَ الصَّدرِ قد سلّم ال ... أمرَ لباريه وقد فوّضا
كم حثّ للخير وكم ذي كرى ... أيقظ من نومٍ وكم حرّضا
وأمرض الإلحادَ لمّا جلى ال ... حقّ وقلبُ الزِّيغِ قد أرمضا
стр. 217
وغادر الباطلَ في ظُلمَةٍ ... لمّا رأى بارقَةٌ أومضا
وهو عن الدنيا زوى نفسَه ... والله بالجنَّةِ قد عوّضا
فماله في منصبٍ رغبَةٌ ... وعزمُه في ذاك ما استنهضا
كان إذا الدّنيا له عرضت ... بزُخرفِ من نفسها أعرضا
ولو رأى ذلك ما فاته ... مناصبُ من بَعضهنَّ القضا
وبعد هذا حكُمه نافذذٌ ... في كلِّ ما قد شاءه وارتضى
بنفسه جاهدَ جهراً وكم ... سَلَّ حّساماً في الوغى وانتضى
ويوم غازان غدا عندما ... شدّدَ في القولِ ومت خفَّضا
شقَّ سواد المُغلِ زاهي الطُلا ... كالماء لما مَزقَ العَرمَضا
جاذل بل جالد مُستمسِكا ... بالحق حتى إنّه أجهَضا
ولم يكن فيه سوى أنه ... خالف أشياءَ كمن قد مضى
متبعاً فيه الدّليل الذي ... بدا ولله فيه القضا
وبعد ذا راحَ إلى ربه ... ما ادّان مِن لهوٍ ولا استقرضا
ثناؤه ما انقضَّ منه البنا ... وذِكرُه بين الورى ما انقضى
فجادَت الرَّحمةُ أرضاً ثوى ... فيها وسقَّتْها غُيوثُ الرِضى
وعلى الجملة، فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مئة سنة، وهم الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية، والشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد، وشيخنا العلاّمة تقيُّ السبكي. وقلت في ذلك:
стр. 218
ثلاثةٌ ليس لهم رابعُ ... فلا تكنْ من ذاك في شكِّ
وكُّلهم مُنتسبٌ للتُّقى ... يقصًر عنهم وصفٌ من يحكي
فإن تَشَا قلت ابن تيمية ... وابن دقيق العيد والسبكي
أحمد بن عبد الحميد
ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قُدامة، الشيخ المُسنِد المبارك عز الدين أبو العباس بن العماد المقدسي الصالحي.
سمع من الموفق، وموسى بن عبد القادر، وابن راجخ، وابن أبي لقمة، والبهاء، وأبي القاسم بن صَصرى، وشمس الدين أحمد البخاري، وابن عسّان، وابن الزَّبيدي.
خُرّجت له مشيخةٌ في ثلاث مجلدات، وسمعها جماعة، وظهر، له أيام التتار سماعُ مُسند أبي داود الطيالسي من الموفق.
تفرد المذكور بأشياء أسمعها، وبرواية أجزاء في سماء السماع أطلعها، وصار من أعيان أهل الإسناد، وأشياخِ الرحلة إليه من البلاد.
стр. 219
ولم يزل على حاله إلى أن مال من ابن العماد عموده، وحان خموده من اشتعال الشيب وجموده. توفي - رحمة الله تعالى - سنة سبع مئة.
ومولده سنة اثنتي عشرة وست مئة بالجبل.
أحمد بن عبد الدائم
ابن يوسف بن قاسم بن عبد الله بن عبد الخالق بن ساهل أمره شهاب الدين الكناني الشارمساحي، أبو يوسف.
كان هجاماً هجا، وجاماً للأعراض رجا، أبى إلى دمشق في أيام القاضي الخوئي فيما أظن، ودفع إليه ورقة فيها هجوه، فلما رآها دفعها إليه وأعادها عليه، فردها إليه ثانياً، فقال: يا مولانا كأنك ذاهل؟ فقال: بل عالم غير جاهل، فقال: ما الذي حملك على هذا؟ قال: رأيت الناس قد أجمعوا على كرهك، ووفود الشعراء على حرمك، ولست مجيداً في النظم فأعرف، واسمي أحمد فما أصرف، ولو مدحتك أعطيتني قليلاً ولم يعلم بي أحد، ولم يكن لي في الشهرة مُلتَحَد، فإذا هجوتك عَزرتني، وطوّفت بي وشهرتني، فيقال: هذا الذي هجا قاضي القضاة، وقابله بما لا ارتضاه، فأحس القاضي رحمه الله تعالى صِلَتَه وأسناها، وعلم أن هذا له طِباعٌ لا ينتهي عن الشر ولا يتناهى.
ولمّا عُزل القاضي شمس الدين محمد بن عدلان عن القضاء عند ورد الملك الناصر
стр. 220
من الكرك، صنع قصيدة، فتح فيها من الخجو القبيح وصيدَه، فاجتمع به وقال له: يا سيّدنا.
والله ما سرَّني عزلُ ابنِ عدلان.
فقال له الشيخ شمس الدين: حاشاكم يا مولانا جزاكم الله خيراً، فقال: من غير صَفعٍ ولا والله أرضاني.
فقال: قبَحك الله يا نَجِس. وله تلك القصيدة التي أولها:
متى يسمعُ السلطانُ شكوى المدارس ... وأوقافُها ما بين عافٍ ودارس
وكان الشيخ العلاّمة أثير الدين قد توجَّه إلى الإسكندرية، فوقع الشَّناعُ أنه غرق في النيل، ودفن بقربه " بولة " وهي قرية على شاطئ النيل، فقال أبياتاً منها:
وقَد دَفنوا ذلك الخراء ببولةٍ ... وحُقً لذاك المَيتِ تلك المقابرُ
أنشدني من لفظه لنفسه شيخنا العلاّمة أبو حّيان، قال: أنشدني المذكور لنفسه بدمياط سنة أربع وتسعين من قصيدة:
فُحَجّبةً بين التَّرائب والحَشا ... فدمعي لها طلقٌ وقلبي بها رَهنُ
وحالُ الهوى ما ليس يُدرَك كُنههُ ... وهل هو وهمٌ يعتري القلب أو وهن
ومسلكُه بالطَّرفِ سَهلٌ وإنما ... له مَنهَج أعيا القُلوبَ به حُزنُ
لديه الأماني بالمنايا مَشُوَبةٌ ... وفيه الرّجا والخوفُ واليأسُ والأمنُ
وكم مَهلَكٍ فيه يقينٌ لعاشقٍ ... ومَطلبُه من دونهِ في الورى ظنٌ
стр. 221
وبالسند المذكور أيضاً قوله:
تَخشى الظُّبى والظَّبا من فتكِ ناظره ... وإن تثنى فلا تسأل عن الأسلِ
ولا وَاخذَ الله عينيه فقه نشطت ... إلى تلاقي وفيها غايَةُ الكَسَلِ
ترمي القلوبَ فما تدري أقامَها ... هاروتُ أم ذاك رامٍ من بني ثُعَلِ
هذا الغزالُ الذي راقت محاسنُه ... فلا عجيبٌ عليه رقَّةُ الغَزَلِ
لما تواليتُ مِن وَجدٍ ومِن شغفٍ ... تَحقَّقَ النّاسُ أني مُغرَمٌ بعَلي
وبالسند المذكور أيضاً قوله:
لا تعجبوا للمجانيقِ التي رَشقت ... عكّا بنارٍ وهدَّتها بأحجَارِ
بل اعجبوا للسانِ النار قائلة ... هدي منازلُ أهلِ النَّارِ في النَّارِ
قلت: أحسنُ منه ما أنشدنيه لنفسه شخنا العلاّمة أبو الثناء محمود:
مررتُ بعكا عِند تَعليقِ سُورها ... وزندُ أوارِ النَّارِ مِن تحتها وارِ
فعاينتها بعد التنصُّرِ قد غَدَت ... مَجوسيّة الأحجارِ تَسجُدُ للنَّارِ
قلت: وعلى الجملة فكان الشارمساحي شاعراً جيداً.
ولم يزل يمدح ويهجو ويسنح ويرجو إلى أن سكنت شقاشقُه، وركنت إلى الخَرَسِ رواشقُه، توفي رحمه الله تعالى في حدود العشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة.
أحمد بن عبد الرحمن
ابن عبد المؤمن بن أبي الفتح المقدسي، الشيخ الصالح المسند المقرئ تقي الدين أبو العباس الصُّوري ثم الصالحي الحنبلي.
стр. 222
سمع حضوراً من الموفق، وهو خاتمة أصحابه، ومن ابن أبي لقمة، وابن صصرى، والقزويني، والبهاء عبد الرحمن، وابن الزُبيدي، وخرَّج أبو عمُرو المقاتلي له مشيخةُ.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: سمعناها منه خاصّة.
وحدّث عنه ابن الخبّاز في حياة ابن عبد الدائم والبرزالي والوافي والمقاتلي وابن المحب وآخرون.
وقد روى المذكور فأكثر، وأسند عن جماعة، فأثّل في السند وأثّر.
ولم يزل على ذلك النهج، والإضاءة والرَّهج، إلى أن أصبح هامداً، ونقله حامِله إلى ضريحه عامداً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وسبع مئة، وعاش أربعاً وثمانين سنة من العمر.
أحمد بن عبد الرحمن
بن ابراهيم
الهكَاري الصَرخدي ثم الصالحي القواس المُسند المعمر، شهاب الدين سمع من خطيب مرادا وغيره.
وسمع الناسُ منه لمّا تحققوا من خيره.
كان فيه دين، ولم يُر منه ما يَشين.
стр. 223
ولم يزل يسمع، ويلين جانبه للطلبة ويطمع إلى أن أصاب القواس سهم الموت وصرخ بالصرخدي داعي الفوت.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وسبع مئة وعاش تسعين سنة.
أحمد بن عبد الرحمن
ابن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور: الشيخ الإمام العابر الأعجوبة في هذا الفن شهابُ الدين المقدسي النابلسي الحنبلي مُفسَّر المنامات.
سمع من عّمه التقي يوسف سنة ست وثلاثين، ومن الصاحب محيي الدين بن الجوزي، وسمع بمصر من ابن زواج، والساوي، وابن الخمّيري وبالإسكندرية من السَّبط، وروى الكثير بالقاهرة.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي سمعنا منه أجزاء، وكان عارفاً بالمذهب، وذكر التدريس بالجوزيّة لما قدمَ علينا ونزل بها. وقال: حدثني الشيخ تقي الدين بن تيمية أن الشهاب العابر كان له رئيِّ من الجن يخبره عن المغيّبات. ورجل كان صاحب أوراد وصلاة ومقامات.
стр. 224
قلت: وكان وافر الحُرقة لا تعرف له جرمة، للناس فيه عقائد، وهو إلى الخير قائد، وله عمر الطِّبرس المجنونة التي بجانب الفيل ظاهر القاهرة، وهي في مكانها ظاهرة.
أنشدني بعضهم قال: أنشدنا ابن الصَّاحب الماجن الذي كان بالقاهرة لما عمر الطِّبرسُ المجنونة:
ولقد عجبت من الطِّبرس وصحبه ... وعقولهم بعقود مفتونه
عقدوا عقوداً لا تصح لأنهم ... عقدوا لمجنونٍ على مَجنونه
وعزم الأمير الذكور عليها جُملةً، وحباه من الدراهم حملةً، وجعله بها مقيماً، وأظهر هو من فضله في كهفها رقيماً، وكان في تعبير الرؤيا آية، وفي الكلام عليها غاية، لم أسمع بمثل كلامه على المنام إذا فسَّره، ولا أدري ما الذي أدّاه إلى تلك العجائب وجسِّره، وكان غالب الناس يعدّ ذلك من باب الكرامات، لا من باب تأويل المنامات، وبعضهم يقول: نجامة أو كهانة، وبعضهم يقول: قوةٌ في النفس لا مهانة، لأنه ربما قال لصاحب الرؤيا أخباراً ماضية ومستقبله، وأحوالاً كان صاحب الرؤيا منها في غفلة أوبله، حتى يتعجب السامع ويهوله هذا الفيض الهامع، وقام له بدمشق سوق، وأما القاهرة فيكاد يركب فيها بالعَلم والبُوق، إلى أن رُسم بتحويله منها وإبعاده عنها، فأقام بدمشق على حاله مفخَّمة، ورتبةٍ في النفوس مُعظمة، إلى أن أصبح العابر غابراً، والمكاثر في تعظيمه لمصابه مكابراً.
أخبرني الحافظ أبو الفتح اليعمري قال: كنت عنده يوماً. فجاءه إنسان
стр. 225
وقال: رأيت كأني قد صرت أترُجَّة. فقال. فقال: أترّجه، أت ر ج هـ، وعدها على أصابعه خمسة أحرف، وقال لصاحب الرؤيا: أنت تموت بعد خمسة أيام، قال فقال لي بعض من حضر، ذكره هو وأنسيته أنا: القاعدةُ عند أرباب التعبير أنه من رأى أنه صار ثمرة تؤكل فإنه يموت، وهذه زيادة من عنده، يعني عَدّ حروف الأترجَّة.
وأخبرني الشيخ الحافظ علاءُ الدّين مغلطاي شيخ الحديث بالظاهرية بين القصرين قال: جاء إليه إنسان فقال: رأيت في منامي قائلاً يقول: إشرب شراب الهكاري، ففكر ساعة وقال: أنت فؤادك يؤلمك، قال: نعم: قال اشرب لك عسلاً تبرأ، قال: فقيل له: من أين لك ذلك؟ قال: فكرت في أنهم يقولون: شراب ديناري كذا، شراب كذا؛ شراب كذا، فلم أجد لهم شراباً يوصف بالهكاري، فرجعت إلى الحروف فوجدتها شراب الهك أري، والأري هو العسل وذكرت الحديث " كذب عليك العسل " أو كما قال وهذا ذكاءٌ مفرط وذهن يشوب التعجب بالتحيّر ويخلط.
وحكى لي عنه القاضي بهاء الدين أبو بكر ابن غانم موقع صفد وطرابلس قال: كنا عنده بدمشق وجاء إليه اثنان، فقال أحدهما: رأيت رؤيا، وقصّها، فقال: ما رأيت شيئاً وإنما تريد الامتحان، فخرجا بعدما اعترفا، فقلنا له: من أين لك هذا؟ قال لما تكلم رأيت في ذيل أحدهما نقطة دم فذكرت الآية: " وجاؤوا على
стр. 226
قميصه بمٍ كذبٍ ". فاتفق أن رأيت أحدهما فيما بعد فسألته عن القضية، فقال: لما اجتزنا عليه ذكرنا أمره الغريب، وقلنا: نمتحنه وصنعنا رؤيا للوقت، فكان ما سمعت فقلت له: إنه قال: كذا وكذا فقال: صدق ونحن داخاون إليكم كان إنسان في الطريق يذبح فروجاً، فرمي به فلوثنا الدم.
وحكى لي عنه أيضاً قال: جاء إليه إنسان وقال: رأيت كأن في داري شجرة يقطين قد نبتت، فقال له: أعندك جارية غير الزوجة؟ قال: نعم، قال: يعني إياها، فقال: ما هذا؟ قال: الذي تسمعه، قال: إنها ملك زوجتي، قال: فقل لها تبيعني إياها، فراح وعاد يقول: إنها لم تبعها، فقال: تكسب مئتي درهم، فعاد وقال: لم تبعها، فألح عليها فقال: إنها لم تبعها، فقال: أما الآن فقد آن تعبير رؤياك، امض إلى هذه الجارية واعتبرها، فتوجه وعاد وقال: إنه كان عبداً وزوجتي تكتمني أمره وتلبسه لباس النساء.
وأخبرني غير واحد عنه أنه جاء إليه إنسان وقال له: رأيت كأني قد وضعت رجلي على رأسي، فقال له: أفسر لك هذه الرؤيا بيني وبينك أو في الظاهر؟ فقال بل في الظاهر، فقال له: أنت من ليالٍ شربت الخمر وسكرت ووطئت أمك فاستحيا ومضى.
وعندي عنه من هذا جملة وافرة، وأخبار على التعجب من أمره متضافرة، يضيق عنه الوقت ويؤدي سرده بعد المقة إلى المقت.
стр. 227
وأما خروجه من مصر، فأخبرني الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري عن علم الدين بن أبي خليفة رئيس الأطباء بمصر حكاية أخبره بها شخص من الهند، هي أغرب من سائر أمور شهاب الدين العابر وأعجب، ذِكرُها يهوّل العقل وأمرها ما يصدّقه أهل النقل.
وتوفي شهاب الدين رحمه الله تعالى في سنة سبع وتسعين وست مئة تاسع عشري ذي القعدة، وحضر جنازته ملك الأمراء وغيره من القضاة والأكابر.
وكانت واقعته في مصر وخروجه منها في ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وست مئة.
أحمد بن عبد الرحمن
بن رواحة
نُور الدين الأنصاري الحموي الكاتب، كتب الإنشاء بطرابلس والفتوحات لما تولّى الأمير سيف الدين أسنَدْمَرُ نيابة طرابلس عزل نور الدين هذا وجعل أمره في طرابلس جُذَاذاً، وولّى مكانه تور الدين بن المغيزل، فتوفي بعد شهور، وأعيد النور بعد النور، واستمر في مكانه إلى بعض سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فرُتِّبَ عِوَضه ابن مقبل الحمصي، وعاد ابن رواحة إلى حماة، واستقر في أصل مخرجه ومنتماه، ولم يزل بها حتى طفِئ نوره، وبُهت لأمره حضوره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة سادس عشر شعبان.
стр. 228
أحمد بن عبد الرحمن
الشيخ الإمام الخطيب ابن العَجَمي خطيب جامع حلب.
اجتمعت به في حلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وأراني إجازة العلامة شيخنا شهاب الدين أبي الثناء لأخيه عبد المؤمن وهي بخطّه نظمّ ونثر، وقد أثنى عليه وعلى فضائله، وبرهن على شاهده، بنظم دلائله، وساقه في عداد الأدباء السّادة، والقالة القادة، وخطُّه يزري بوشي صَنْعَا، وحروفه تفوق النجوم جَمعَا، وطروسُه غادةٌ بالسطور فرعاً. وهو أخو الشيخ عز الدين بن عبد المؤمن، وسيأتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى.
لم يزل شمسُ الدين المذكور في دَرَج منبره، ويلتقط الناس درَّه من معبره، إلى أن كسف شمسه وضمه رمسه، وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله
الشيخ الإمام المفتي القاضي شهاب الدين فارس الظاهري الشافعي، أحَد المفتين والمدّرسين بدمشق.
أخذ العلم عن الشيخ برهان الدين الفزاري وغيره.
ولي قضاء الركب الحجازي مرات، وبرَّد شوقه برمي الجمرات، وكان حَسَن المحاضرة، لَسِنَ المذاكرة، قديم الهجرة في العلم، رأى أولئك السادة القدماء أهل الحلم،
стр. 229
وله ثروة ومعه مال جم، وليس له غير التحصيل هَم، وملكه يدخل منه في اليوم جًمْله، ولا يؤدوده عند استخراج أجر أملاكه ما يروم حَمْله، وكان مع ذلك يجلس في حانوت الشهود بالمسمارية ويقاسم، ويُعملُ في تحصيل ذلك الأنيق الرواسم.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الظاهري في باطن الأرض مقبوراً، وترك ولده بماله الموروث مجبوراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد حادي عشر شعبان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة خمس وسبعين وست مئة.
أنشدني من لفظه لنفسه سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة:
رأت شيبتي قالت: عجبتُ مع الصبَا ... مشيبك هذا صِفهُ لي بحياتي
فقلت لها: ما ذاك شيبٌ وإنما ... سناكِ بقلبي لاح في وجناتي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عجبوا اخالِك كيف منك مُقَبِّلاً ... شفةً رَقَتْ عن لؤلؤ وجمان
فأجبتهم لا تعجبوا مازال ذا ... مستلزماً كشقائق النعمان
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
رَعَفَ الحبيبُ فقيل هل قبلتَه؟ ... شوقاً إليه ودمع عينك يَسجُمُ
стр. 230
فأجبتُ: لا، لكنه أخفى دمي ... في سفكه وعليه قد ظهر الدمُ
وكان يقول بعد ذلك: الشعر مزبلة الفقيه، فأقول: كذا هو.
أحمد بن عبد الرزاق الخالدي
كان المذكور وزير الممالك القازانيّة والبلاد القانيّة، ظالماً غاشماً، سفاكاً للدماء هاشماً، استصفى أموال الرعايا، وحاجَّهم في أخذها منهم بالباطل وعايا.
ولم يزل في ظلمهِ ظُلمِهِ خابطاً، وعمله بذاك عند الله حابطاً، إلى أع عضَه السيف بريقه، واختطفَ بَصَره من بريقه.
وقُتِلَ هو وأخوه القطبُ وأخوهما زين الدين وذلك في سنة سبع وتسعين وست مئة.
أحمد بن عبد القادر
ابن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم القيسي، الشيخ الإمام العالم الفريد تاج الدين المعروف بابن مكتوم النحوي.
اشتغل بالحديث وفنونه، وأخذ الحديث عن أصحاب النجيب وابن علاّق، وهذه الطبقة.
كان فاضلاً في النحو قيماً بغرائبه، متيّماً ما تشعَّب من مذاهبه، جمع فيه وعلّق وفاض وغَلّق، وكَسر سدَّه وخلّق، وطار فيه إلى غايات النجوم وحلّق،
стр. 231
وخطه كما يقال طريقه بذاتها، متفردة بلذاتها. وله نظم لا بأس به ولا لَومَ كاسبه.
ولم يزل على حاله إلى أن باح الموت بسرّ ابن مكتوم، وحل به الأجل المحتوم، وفُضَّ له قبرُه المختوم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين مئة في طاعونِ مصر.
ومولده في أواخر ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
كنت قد سمعت بأخباره وطربت لأشعاره، فازددت له شوقاً، ولم أجد لقلبي على الصبر طوقاً، فقدر الله بالاجتماع، وزادت بُرُوق فضله في الالتمام، ورأيته غير مرة.
ثم إني اجتمعت به في القاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وسألته الإجازة بكل ما يجوز أن يرويه فأجازني مُتَلَفّظاً بذلك. وعمل تاريخاً للنحاة ولم أقف عليه إلى الآن، وملكت بخطه " الدر اللقيط من البحر المحيط " وهو في مجلدين، التقطه من تفسير شيخنا أثير الدين، وتكلم هو في بعض الأماكن وليس بكثر بعض شيء، فجاء كتاباً جيداً.
ومن شعره، ومن خطه نقلتُ:
ما على الفاضل المهذب عارٌ ... إن غدا خاملاً وذو الجهل سامِ
فاللَّباب الشهي بالقشر خافٍ ... ومَصُون الثمار تحت الكِمامِ
والمقادير لا تلام بحالٍ ... والأماني حقيقةً بالَملاَمِ
وأخو الفهم من تزوّد للم ... ت وخلَّى الدني لنهب الطغامِ
стр. 232
ونقلت من حطّه له:
عَرَتني هُمومٌ برَّحت وشواغل ... وأصبح دهري وهو بي متشاغِلُ
وبعّد عن قلبي المسرَّة أنني ... على فضلِ ما عندي من العلم خامِلُ
يمر بيَ الطلابُ لا يعرفونني ... ويأتون ذا الحظِ الذي هو جاهلُ
ويُقرئ عِلمَ النحو دونيَ معشرٌ ... منازلهم في المشكلات نوازلُ
إذا سُئِلوا أعياهم أن يجاوبوا ... كما عَيَّ لما سِيْلَ من قَبلُ باقلُ
قُصَارى عُلاَهم أن يقال: مشايخٌ ... وأقصى مناهم أن يُقال: أمَثشلُ
رَأوا صُحُفاً فاستقرؤوها وحاولوا ... بها مَعلماً فاستقبلتهم مجاهلُ
وأضحوا شيوخاً بالصحائف وَحدَها ... لهم رُتبٌ عند الورى ومَنَازلُ
وما لازموا شيخاً ولا حاولوا به ... وُصُولاً إلى علمِ له الشيخ واصلُ
ولم يُعَلّمه الشيوخ فرأيه ... على كثرة الأوراق والكتبِ قائلُ
وإني وإن أصبحتُ لارَبَّ رتبة ... لديهم ومنهم بي البرُّ نازلُ
ليَعرفُ حققي كلُّ ذي ألمعيَّة ... ويقدُرُ لي القَدرَ الجليلَ إلا فاضلُ
ويشهدُ لي بالفضل نظمٌ مٌهَذَبٌ ... ونَثرٌ يُحاكي الدُرَّ مِنهُ الفواصلُ
وأبكارُ أفكارٍ كَشَفتُ قناعَها ... وحَلَّيتُ منها ما غدا وهو عاطلُ
وأبرزتها في صُورة الدهر غُرَّةً ... كما حُلَّ عن وجهِ المليحةِ حائلُ
ولي في أفانين العلوم مَجَامعٌ ... بعا كل ما يهوى الحدَّقُ حاصلُ
سهرت عليها إذ أخو الجهل راقدٌ ... وفكرّت في تهذيبها وهو غافلٌ
ومن كان مثلي لم يكن هَمُّه الغِنى ... فيشغَلَهُ فيه عن العلم شاغلُ
стр. 233
ونقلت من خطه له:
ومُعَذِّرِ قال العذولُ عليه لي ... شَبِّههُ واحذر من قصورٍ يَعتَري
فأجبته هو بَانةً من فوقها ... بدرٌ يُحَفُّ بهالةِ مِن عَنبَرِ
ونقلت من خطه له:
نفضتُ يَدي من الدنيا ... ولم أضرع لمخلوقِ
لعِلمِي أن رزقي لا ... يجاوزني لمرزوقِ
ومَن عَظُمن جَهَالتُه ... يَرَى فِعلِي من المُرقِ
أحمد بن عبد القوي بن عبد الرحمن
ضياء الدين بن الخطيب الأسنائي.
اشتغل بأينا، ثم بالقاهرة، وأتى إلى دمشق وقرأ بها على النووي، وسمع الحديث، وصحب الشيخ إبراهيم بن مِعضَاد الجعبري، ثم اعتزل وأقام ببلده سنين، انقطع عن الناس، وأنف من ملاقاة الأدناس، يتعبد في مكانه، ويعتمد على الله في تحريكه وإسكانه، إلى أن انطفأ ضياؤه وخمد من الأسنائي سناؤه.
وتوفي ﵀ سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
стр. 234
أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم
ابن عبد العزيز بن جامع، شهاب الدين العزَّازي التاجر بقيساريةِ جَهاركس بالقاهرة.
كان شاعراً جيد المقاصد، لطيف الاقتناص للمعاني خفيَّ المراصد، لتراكيبه حلاوة، وعلى ألفاظه طلاوة، وله شيء كثير من الموشحات، وكلها بالصناعة البديعية مُوشَّعات، وكان قد أتقن فنّي القريض والتوشيح، وغني اشتهاره في ذلك عن التلويح بالتصريح. وكان تاجراً فهو ينشر البَّزين من نظمه وقماشه، ويجعل النظم لأدبه والمتجرَ لمعاشه.
ولم يزل على حاله إلى أن طُوِيت من الحياة شُقَّتُه، وعُدِمَ ما بين معاشريه لطفه ورقته.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد تاسع عشري شهر الله المحرم سنة عشر وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وحدَّث بشيء من نظمه، أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين أبو الفتح قال: أنشدني من لفظه شهاب الدين العزَّازي يمدح سيدنا رسول الله ﷺ :
стр. 235
دمي بأطلالِ ذاتِ الخال مطلولُ ... وجَيشُ صَبريَ مَهزُومٌ ومفلولُ
ومن يُلاقِ العيون الفاتكاتِ بلا ... صَبرٍ يدافعُ عنه فهو مخذولُ
قُتلتُ في الحب حُبَّ الغانيات وما ... فارقت ذنباً وكم في الحب مقتولُ
لم يدرِ من سَلَبَ العشاقَ أنفسهم ... بأنه من دم العشاق مؤولُ
وبي أغنُّ غضيضُ الطرف مُعتدلُ ال ... قوامِ لَدْنُ مَهَرِّ العطف مَجدُولُ
كأنّه في تثنّيه وخَطرتِهِ ... غُصنٌ من البانِ مطلولٌ ومشمولُ
سُلافةٌ منه تسبيني وسالفهٌ ... وعاسِلٌ منه يُصبيني ومعسُولُ
وكل ما تدّعي أجفان مقلته ... يصحُ إلاَّ غرامي فهو منحولُ
منها:
يا برق كيف الثنايا الغرُّ من إضَمٍ ... يابَرقُ أم كيف لي مُنهنَّ تقبيلُ
ويا نسيم الصّبا كرِّر على أذُني ... حَدِيثهنَّ فما التكرارُ مملولُ
ويا حُداةَ المطايا دُون ذي سَلَمٍ ... عوجوا وشرقيَّ بانات اللِّوى مِيلُوا
منها:
منازلٌ لأكفِّ الغيثِ توشيَةٌ ... بها وللنَور توشيع وتكليلُ
كأنما طِيبُ ريَّاها ونَفحتُها ... بطيبِ تُربِ رسول الله مجبولُ
أوفَى النبيين بُرهَاناً ومُعجزةً ... وخيرُ من جاءهُ بالوحي جبريلُ
لهُ يدٌ وله باعٌ يَزِيِنُهاما ... في السِّلم طِولٌ وفي يوم الوغى طُولٌ
стр. 236
منها:
سَلَ الإلهُ به سيفاً لملته ... وذلك السيفُ حتى الحشرِ مسلولُ
وشاد ركناً أثيلاً من نبوَّتهِ ... والكفرُ واهٍ وعرشُ الشرك مثلولُ
ويل لمن جحدوا برهانه وثنى ... عِنان رشدهم غيٌّ وتضليلُ
أولئك الخاسئون الخاسرون ومن ... لهم من الله تعذيبٌ وتنكيلُ
نَمَتهُ من هاشم أسدٌ ضَرَاغِمة ... لها السيوفُ نُيُوبٌ والقنا غيلُ
إذا تفاخر أربابُ العلا فهم ال ... غرُّ المغاويرُ والصَّيدُ البهاليلُ
لهم على العَرَبِ العَرباء قاطبةً ... به افتخارٌ وترجيحٌ وتفضيلُ
قومٌ عَمَائمهم ذلت لعزتها ال ... قعساءِ تيجانُ كسرى والأكاليلُ
وهي قصيدة جيّدة غراء.
وبالسند المذكور له:
منذ عشقت الشارعيَّ الذي ... بالحسن يغتال ويختالُ
لم يبق في ظهري ولا راحتي ... تالله لا ماءٌ ولا مالُ
وأنشدني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين العزّازي:
ما عُذرُ مثلك والركاب تُساقُ ... ألاّ تفيض بدمعك الآماقُ
فأذِل مثوناتِ الدموع فإنما ... هي سُنَّة قد سنَّها العشاقُ
ولرُبَّ دمعٍ خانَ بعد وفائهِ ... مُذ حانَ من ذاك الفريق فراقُ
ووراء ذياك العُذيبِ مُنيزلٌ ... لَعِيت بقلبك نحوه الأشواق
стр. 237
خُذْ أيمن الوادي فكم من عاشقٍ ... فتكت به من سِربِهِ الأحداقُ
واحفظ فؤادك إن هفا بُرق الحِمى ... أوهَبَّ منه نسيمه الخفّاقُ
وكتب شهاب الدين العزّازي إلى ناصر الدين حسن بن النقي ملغزاً في " شبّابة ":
وما صفراءُ شاحبةٌ ولكن ... تُزَيَّنها لُّنضارة والشبابُ
مُكتبةٌ وليس لها بنانٌ ... مُنقَبةٌ وليس لها نِقابُ
تُصيخُ لها إذا قبَّلتَ فاهَا ... أحاديثاً تلذُّ وتُستَكابُ
ويحلو المدح والتشبيب فيها ... وما هي لا سعادُ ولا الربابُ
قلت: ما أحسن ما جاءت " الباب " هنا.
وأجاب ابن النقيب عن ذلك:
أتت عجميَّةٌ أعربتَ عنها ... لسلمانٍ يكون لها انتسابُ
ويُفهم ما تقولُ ولا سؤالٌ ... إذا حققت ذاك ولا جوابُ
يكاد لها الجماد يهوزّ عِطفاً ... ويرقص في زُجَاجته الحُبِابُ
قلت: الأول أجود وأحسن.
وقال العزّازي ملغزاً في القوس والنُشَّاب:
ما عجوز كبيرةٌ بلغت عُم ... راً طويلاً وتَتَّقيها الرجالُ
قد علا جسمَها صفارٌ ولم تَشْ ... كُ سَقَاماً ولا عراها هُزالُ
стр. 238
وأراها لم يُشبهوها، ففي الأ ... مِ اعوجاج وفي البنين اعتدالُ
قلت: ما أصنع البيت الثالث وأحسنه.
ومن شعر العزَّازي:
قال لي من أحبه عند لثمي ... وجناتٍ يُحدِّثُ الورد عنها
خلَ عني أما شبعت؟ فنادي ... ت: رأيتَ الحياة يُشبَع منها؟
ومنه:
جَعَلت يوم قارةٍ كلَّ وجهٍ ... شِدّةُ البرد وهو للقار يحكي
وأسالت منا الدموعَ وما زل ... نا بها في منازلِ النبك نبكي
ومن موشحات العَزّازي:
ما على من هام وجداً بذواتِ الحلى ... مبتلى بالحِدَقِ السود وبيض الطُّلَى
باللوى مُليُّ حُسنٍ لديوني لوى
كم نوى قتلي وكم عذبني بالنوى
قد هوى في حبه قلبي بحكم الهوى
واصطلى نارَ تجنّيه ونار القِلى ... كيف لا يذُوبُ من هامَ بريم الفَلاَ
هل ترى يجمعنا الدهر ولو في الكرى
أم ترى عيني محيّا من لجسمي برى
بالسُّرى يا حاديي ركبٍ بليل سرى
عَلِلاً قلبي بتَذكار اللُّقا علِّلا ... وانزلا دون الحِمَا حُيَّ الحمى منزلا
стр. 239
بي رشا دمعي بِسِرِّي في هواه فشا
لو يشا بَرَّد مني جمرات الحشا
ما مشى إلا انثنى من سكره وانتشى
عطلا من الحميّا يا مُدير الطلا ... ما حلا إذا أدار الناظرَ الأكحلا
هل يلام من غَلَبَ الحبُّ عليه فهَام
مستهام بفاترِ اللحظ رشيق القوام
ذي ابتسام أحسن نظماً من حباب المام
لو مَلا من ريقه كأساً لأحيا الملا ... أوجَلاَ وجهاً رأيتَ القمر المجتلى
لو عَفَا قلبك عَّمن زلَّ أو من هفا
أو صفا ... ما كان كالجلمد أو كالصفا
بالوفا سَل فتىً عذَّبتَه بالجفا
هل خلا فؤاده من خطرات الولا ... أو سَلا أو خان ذاك الموثق الأوَّلا
وكنت أنا في وقت قد نظمت موشحاً في هذه المادة وهو:
لي إلى ظبي الحِمى شوق وقد أنحلا ... إن حلا فإنه جرَّعني الحنظلا
بي قمر سبي الحشا مني وعقلي قَمَرْ
لو خَطر أمسى به أهل الهوى في خطر
مُذ سَحَر بطرفه اعتل نسيم السَّحر
واصطلى محبة تذكار عصر خلا ... وابتلا بالوجد حتى أتعب العُذَّلا
كم ألم من طيفه لما بَجَفنيَّ ألم
стр. 240
في الظُلم أنصف لكن عين وُلّي ظلَم
أو نَسَمْ مبسَمُه أحيا جميع النسَم
أوجلا طلعتهُ في دامس أليلا ... لا اعتلى على بُدُور التم بين الملا
إن قضى بقتلي طرفُ غزالي انقضى
إذ مضى في كبدي جفناه فيما مضى
لو أضا برق الرضى لي ذات الإضى
لا نجلى عني العَنَا أو قلّ عني العُلا ... وانسلا قلب عدوّ قال عني سَلاَ
إن صفا لي قلبه من هجره انصفا
إن تفاءلت لقلبي برضاه انتفا
أو طغا دمعي على جفن له أو طفا
أخجَلا قطر غوادٍ قد غدت حُفَّلا ... كيف لا وهو حَيا دمعي وقد أسبلا
بئس ما عاملني الحب الذي بي سَمَا
عندما أجرى دموعي بالجفا عندنا
لأجرَما غفرتُ للواشي الذي أجرما
فاختلى به وخَلى البال رهن البلا ... أمَّ لا دون نعم في كل ما أمّلا
أحمد بن عبد المنعم بن أبي الغنائم
ابن أحمد بن محمد القزويني الطاوُسي.
الشيخ الكبير المقرئ المعمَّر الصوفي بالخانقاه السميساطية.
стр. 241
روى عن ابن الخازن، وعن ابن خليل، والسخاوي، وغيرهم، وحدَّث بالإجازة العامة عن الصيدلاني وغيره.
وكان من أعيان الصوفية، حَسَنَ الأخلاق قاضياً للحقوق، من أهل القرآن.
قال شيخنا البرزالي: ذكر أنه قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وست مئة وسافر إلى بغداد سنة أربع وثلاثين مع ابن مرزق، كان يصلّي به، أرسله معه الشيخ علم الدين السخاوي ووصّاه به.
وذكر أنه سمع بقزوين " صحيح مسلم " على يد أبي بكر الشحاذي، وأنه اجتمع بالرافعي صاحب " الشرح الكبير "، وأنه رأى السلطان علاء الدين محمد خوارزمشاه سنة خمس عشرة وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى سنة أربع وسبع مئة، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن بمقابر الصوفية.
أحمد بن عبد المحسن
بن الحسن بن معالي
القاضي الإمام نجم الدين أبو العباس الدمشقي الشافعي.
تفقَّه على الشيخ تاج الدين عبد الرحمن ولازمه، وأعاد بحلقته وولي إعادة
стр. 242
الظاهرية والقيمريَّة وغيرهما. وولي قضاء القدس في أيام القاضي بهاء الدين ابن الزكي وناب في الحكم سنين عن ابن صَصَرى، ودرس بالنجيبيّة وغيرها.
وسمع من ابن عبد الدائم، وروى عنه، وسمع من ابن أبي الخير، وابن علان، وجماعة. وحج غيره مرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر شعبان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
أحمد بن عبد المحسن بن الرفعة
ابن أبي المجد الشيخ الصالح المسند شرف الدين أبو العباس.
سمع من النجيب الحرَّاني، وابن عَزّون، والمعين أحمد بن القاضي زين الدين الدمشقي، وابن ملكويه المشرف البروجردي، وتاج الدين القسطلاني، وسمع مشيخة الرازي، والجمعة للنسائي على الشيخين المقدم ذكرهما.
стр. 243
وتوفي في ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين وست مئة، ودفن بالقرافة.
ونقلتُ من خطّ السَّراج الورّاق، ما كتبه إلى الشيخ، لما قدم من الحجاز:
لم لا أراك من الحِجَا ... ز وقد وصلتَ ولا أراكَا
طيِّب سواك فمي فلم ... يُعجِبهُ ذكرُ فتىً سواكا
أحمد بن عبد الواحد
ا
بن عبد الكريم
بن خلف، الشيخ الأمين الفقيه العَدل الفاضل فتح الدين أبو العباس ابن الشيخ الأمام العلامة كمال الدين الأنصاري الزملكاني.
حدَّث عن خطيب مردا، والبكري، وابن عبد الدائم الزملكاني.
توفي رحمه الله تعالى ظهر يوم الاثنين ثالث عشر صفر سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن بمقابر الصوفية عند والده وأخيه الشيخ علاء الدين.
وفَتحُ الدين هذا هو عم الشيخ العلامة كمال الدين ابن الزملكاني قاضي حلب.
وكان مولد فتح الدين في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وست مئة.
قال شيخنا البرزالي: سمعت عليه خمسة عشر جزءاً.
стр. 244
أحمد بن عبد الوهاب
ابن خلف بن محمود بن بدر القاضي علاء الدين المعروف بابن بنت الأعز الشافعي.
حج ودخل اليمن، وعاد وقدم دمشق، وولي تدريس الظاهرية والقَيمَريَّة، وكان يركب البغلة ويتحنَّك على عادة المصريين، وهو أخو الأخوين قاضي القضاة محمد صدر الدين وقاضي القضاة عبد الرحمن تقي الدين.
وعاد من دمشق إلى مصر ودَرَّس بالكُهاريّه والقطبية، وتولى الحسبة باخرَة.
وكان مليح الشارة، فصيح العبارة، مليح النضارة، فيه كرم وإحسان وجود، ومحاسنٌ يتضوع من نشرها الوجود، مع لطف مزاج، واعتدالٍ لا يُؤديّه إلى انزعاج، كثيرَ التبسم، شديد الاسترواح إلى المكارم والتَنَسُّم، وكان فيه شهامة، وعنده بالأمور العظام كفالة وزعامة.
ولم يزل بمصر على حاله إلى أن أجاب الداعي، وقام به الناعي.
стр. 245
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة.
أخبرني من لفظه شيخُنا العلامة أثيرُ الدين، قال: حَضَرنَا مع المذكور في الروضة فكتب إليّ، وَوَجَّهَهُ مع بعض غلمانه:
حَيَّيتُ أثيرَ الدين شيخ الأدبا ... أفضي حقاً له كما قد وَجَبَا
حَيَّيتُ فتىً بطاقِ آسٍ نَضِر ... كالقدِّ بدا مُلِئتُ منه طَرَبَا
قال: فأنشدته:
أهدى لنا غُصُناً من ناضر الآسِ ... أقضى القضاةِ حليفُ الجود والباسِ
لمّا رأى سقمي أهداه مع رشأٍ ... حُلوِ التثني فكان الشافي الآسي
وأنشدني قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
تعطلتُ فابيضّت دَوَاتي لحُزنها ... ومُذقلَّ مالي قلَّ منها مِدادها
وللناس مُسوَدُّ اللباس حدادهم ... ولكنَّ مُبيضَ الدواةِ حِدادها
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
في السُمر معانٍ لا تُرى في البيضِ ... تالله لقد نصحتُ في تعريضي
ما الشهد إذا طعمته كاللبنِ ... يكفي فَطِنا محاسنُ التعريضِ
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
قالوا بالعذارِ تسلَّ عنه ... وما أنا عن غزال الحسن سالِ
وإن أبدَت لنا خدّاه مسكاً ... فإن المسك بَعضُ دم الغزالِ
стр. 246
أحمد بن عبد الوهاب
بن عبد الكريم
شهابُ الدّين، النويريّ المحْتد، القُوصيّ المولد.
سمع على الشريف موسى بن علي بن أبي طالب، وعلى يعقوب بن أحمد، وأحمد الحجّار، وزينب بنت مُنجّا، وقاضي القضاة ابن جماعة، وغيرهم.
وكتب كثيراً، كتب البخاري مرَّات، كتبه ثماني مرات، وكان يكتب النسخة ويقابلها، وينقل الطباق عليها ويجلّدها ويبيعها بسبع مئة درهم وبألف، وباعَ تاريخه مرة للقاضي جمال الكفاة بألفي درهم، وكان يكتب في النهار الطويل ثلاث كراريس، وحَصل له قربٌ من الدولة في وقت، وجمع تاريخاً كبيراً في ثلاثين مجلدة رأيته بخطّه.
كان المذكور قد تقدَّم عند السلطان الملك الناصر، وعُقِدت عليه الخناصر، ووكَّلهُ في بعض أموره، وجعله في موضع سرَّه، وعمل عليه ولعب بعقله حتى رافَع ابن عُبادة، وهو الذي قربه إليه ورفع عندَه عِمَادَه، غضُربَ بالمقارع نكالاً وتخلّى السلطان عنه وأضحك منه الثكالى، ولكنَّ ابن عبادة عَفَا عنهُ وما انتقم منه.
стр. 247
وتقلَّب في خِدم الديوان، وباشر نظرَ الجيش بطرابلس في وقت، ونظر الديوان بالدقهلية والمرتاحيّة.
وكان حسن الشكل فيه مكارم وأريحيّة، يتودَّدُ لأصحابه، ويتردد لمن يتمسَّكُ بأسبابه، مع ذكاءٍ في فطرته واحتشام في عشرته. صام شهر رمضان وهو في كل يوم بعد العصر يستفتح قراءة القرآن إلى قريب المغرب، ثم حصل له وجع في أطراف يديه زار منه منازل البلى وترك الدمع عليه مُسبَلاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومن شعره:....
أحمد بن عبد الله بن جبريل
كاتب الإنشاء من الأيام المُعِزيّة إلى آخر وقت القاضي شهاب الدين.
كان كاتباً مأموناً، مباركاً على الدولة ميموناً، تردد إلى الديوان زماناً، وأخذ من السعد فيه أماناً، إلى أن أضرَّ ولزم الجلوس في داره وأصرَّ. ولم يزل على ذلك إلى أن ودع أهله بالحزن بعد مسرَّة وهنا، وأصبح بعمله في القبر مرتهناً.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة تسع وسبع مئة.
وهو والد القاضي صلاح الدين بن عبد الله، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ودارهم بالقاهرة في حارة وزيلة.
стр. 248
أحمد بن عثمان بن قايماز
ابن أبي محمد عبد الله الفارقي التركماني الدمشقي شهاب الدين، والد شيخنا الشيخ شمس الدين الذهبي.
سمع صحيح البخاري سنة ست وستين على المقداد القيسي، عن سعيد بن الرزاز، عن أبي الوقت.
وأجاز له تقي الدين بن أبي اليُسر، وجمال الدين بن مالك، وجماعة.
وسمع مع والده ببعلبك من التاج عبد الخالق وزينب بنت كِندي، وجماعة. كان فيه دين وخبير ودفع الضرر عن غيره والضير، افتكَّ من عكا أسيرين، وأعتق جارية وغلامين، وبرع في صناعة الذهب، وكان في يده مثل اللهب. ولم يزل على حاله إلى أن انتهى شوطه، وفرغ من سَوْق الحياة سَوْطه، وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
أحمد بن عثمان بن أبي الرجاء
شهاب الدين بن السَّلعُوس التنوخي الدمشقي، أخو الصاحب شمس الدين.
стр. 249
سمع من ابن عبد الدائم، وسمع بالإسكندرية في تجارته من عثمان بن عوف. وسمع منه البرزالي.
كان في سمعه ثِقل، وهو لأجل التجارة لا يزال في نُقَل، وفيه برّ وصدقة، وله تطلُّع إلى الإحسان لا يُطرق معه حدقَه، ونال الجاهَ العريض أيام وزارة أخيه، وولي نظر الجامع الأموي، إلا أنه ثبتت أواخيه، ولما قُتل أخوه عاد إلى حاله الأولى وانكفَّت يده الطولى.
ولم يزل كذلك إلى أن وقع ما لابُدَّ منه، ونفرت أوانس الحياة عنه، وتوفّي رحمه الله تعالى كهلاً سنة سبع وتسعين وست مئة.
أحمد بن عثمان بن إبراهيم
ابن مصطفى بن سليمان، الشيخ الإمام الفقيه تاج الدين أبو العباس المارديني الحنفي، المعروف بابن التركماني، وسيأتي ذكره والده وأخيه في مكانهما إن شاء الله تعالى.
كان فقيهاً مُجيداً، وأدبياً مفيداً، ومُبدياً للفوائد في الفنون ومُعيداً، صنف في غير ما فن وأظهر ما بطنَ من الغوامض وما استَجَنَّ. له تعليقه على المُحَصَّل للإمام فخر الدين وشرحٌ على منتخب الباخي في أصول الفقه للحنيفة، وثلاث تعاليق على خلاصة الدلائل في تفتيح المسائل للحنيفة؛ الأولى: في حل المشكلات،
стр. 250
وتبين المعضلات، وشرح الألفاظ وتفسير المعاني للحُفَّاظ. والثاني: في ذكر ما أهمله من مسائل الهداية. الثالثة: في ذكر أحاديثه والكلام عليها وعلى متونها وعلى تصحيحها وتخريجها. شرحُ الجامع الكبير لمحمد بن الحسن، وشرح الهداية، أظنه لم يكمل، وكتابان في علم الفرائض مبسوط ومتوسط، وتعليق على مقدمتيَّ ابن الحاجب، وشرح المثّرب لابن عصفور أظنه لم يكمل، وشرح عرُوض ابن الحاجب، كتاب في أحكام الرماية والسبق والمحلل، وكتاب الأبحاث الحليّة على مسألة ابن تيميّة، وشرح الشمسية في المنطق، أظنه لم يكمل، وشرح التبصرة للخرقي، في الهيئة أظنه لم يكمل.
وله نظم جيّدُ المقَاصد ونثر يُعَدُّ في الفرائد، وخطّه أبهى من الحلل الموشاة والرياض التي بالأزهار مُغشاة.
لم يزل في خدمة العلم إلى أن سكن التراب، وفارق لداته والأتراب، وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين وسبع مئة بالقاهرة في أول جُمَادى الأولى.
ومولده بالقاهرة سنة إحدى وثمانين وست مئة.
نقلتُ من خطه له:
следующие страницы →