← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وخلف من الأموال على ما قيل ألف ألف ومئتي ألف درهم وسبعة وعشرين ألف دينار عيناً غير الخيل والبرك والعدة والبيوتات والقماش وغير الأملاك الكثيرة. كوكنجار الأمير سيف الدين المحمدي، أحد الأمراء الطبلخاناه بدمشق. كان يسكن إلى جوار الأمير صارم الدين صاروجا، قريباً من الشامية البرانية. توجه إلى الحج سنة أربع وعشرين وسبع مئة. وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة منتصف القعدة سنة ثلاثين وسبع مئة. اللقب والنسب الكولمي: عز الدين عبد العزيز بن منصور. ابن الكويك: سراج الدين عبد اللطيف بن أحمد. وشمس الدين محمد بن محمود. كيتمر الأمير سيف الدين، بفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها تاء ثالثة الحروف وميم بعدها راء. كان من خوشداشية الحاج أرقطاي والأمير سيف الدين البشمقدار، أظنه أمر

стр. 2312

طبلخاناه في أيام نيابة الأمير سيف الدين أرقطاي بمصر، والظاهر أنه كان أميراً قبل ذلك، عينه الأمير سيف الدين أرغون شاه أمير الحج. فمات بالطاعون في شعبان سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ومات أيضاً جماعة من أولاده ومماليكه. وكان له ولدان هما في سماء الحسن فرقدان، ومات وصيه الأمير سيف الدين حاجي، الجميع في جمعة واحدة، وتأسف الناس على ولديه. الكيزاني: سديد الدين عبد الرحمن بن عبد الرحيم.

стр. 2313

حرف اللام لاجين السلطان الملك المنصور حسام الدين المنصور، مملوك السلطان الملك المنصور قلاوون. كان من خيار الملوك في الإسلام، وأفضل من خفقت على رأسه البنود والأعلام، شجاعاً معدوداً في الفرسان، بطلاً في وقت تمرح جياده في الأرسان، جواداً يخجل الغمام إذا هتن أو همى، كريماً أنسى جوده كرم حاتم الذي سما، له ذب عن الإسلام وبيضته، وحماية في جلوسه ونهضته، أحق الناس بقول أبي الطيب: فأنت حسام الملك والله ضارب ... وأنت لواء الدين والله عاقد وكان صحيح الوداد لمن يصحبه، مليح الاعتقاد فيمن يألف به ويعجبه. تعجبه الفضائل ويعظم أهلها، ويذكر أنسها ويغض فضلها، ويجمع عليها شملها، ويتطفل على طفلها، ويوقر كهلها. شديد الغيرة على حريمه، لا يدع الأسد تقارب كناس ريمه. سن لما ملك أشياء حسنه، وأزاح من جفن الملك بها وسنه. أحبه أهل دمشق لما

стр. 2314

كان عندهم نائبا، واستصحبوا ذلك لما كان عنهم غائبا، ولكن خان الزمان ملكه، وأوقف في وسط بحره فلكه، وجال الحسام في الحسام، وفصل أوصاله الجسام، وما راعى سميه، ولا حفظ وليه وسميه. وكانت قتلته - رحمه الله تعالى - ليلة الجمعة، وقد صام نهار الخميس عاشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مئة. أمره الملك المنصور أستاذه عندما ملك، وبعثه نائباً على قلعة دمشق، فلما تسلطن سنقر الأشقر، ودخل القلعة قبض عليه، ولما انكسر سنقر الأشقر أخرجه الأمير علم الدين سنجر الحلبي. ثم إنه رتب في نيابة السلطنة بمرسوم السلطان، ودخل في خدمته إلى دار السعادة في أوائل شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة، وعمل النيابة إحدى عشرة سنة، وأحب أهل دمشق وأحبوه، وأحسن إليهم. ثم إن الأشرف عزله من نيابة دمشق بالشجاعي لما أمسكه على عكا، وأفرج عنه، وحضر معه إلى قلعة الروم، ولما كانوا بعدها بدمشق هرب يوم العيد مستهل شوال سنة إحدى وتسعين، وركب الأشرف والعسكر في طلبه، وكان قد توجه إلى بعض عرب صرخد، ليتوجه به إلى الحجاز، فأمسكه وجاء به للأشرف فقيده، وجهزه إلى مصر هو وسنقر الأشقر، ثم إنه أفرج عنه، وأعطي إمرة مئة بالقاهرة. وفي شوال سنة اثنتين وتسعين قطع الأشرف خبز الأفرم الكبير، وأعطاه للاجين المذكور، وكان عظيماً، وخنق بين يدي الأشرف ثم خلي عنه، فإذا فيه روح، فرق له السلطان، وأطلقه، ورده إلى رتبته.

стр. 2315

وقيل: إن السلطان الملك المنصور قال لولده الأشرف: هذا طرنطاي، لا تؤذه ولا تتعرض له أبداً، فإنه ما يؤذيك، وهذا لاجين، لا تمسكه، وإن أمسكته لا تبقيه، فإنه يحقد عليك، ويعمل على قتلك. فخالف والده في الجهتين، فأول ما تسلطن أمسك طرنطاي، وقتله وأمسك لاجين وأطلقه فقتله. وقيل إنه إنما قام على الأشرف لأنه تعرض لزوجته بنت طقصو فعز ذلك عليه. ولما قتل الأشرف هو وبيدرا، كان بيدرا الذي تقدم إلى الأشرف وضربه وهو على الأرض يحصل طيراً صاده، وكانت ضربة غير طائلة، فجاء بعده لاجين، وهو سائق فرسه، فرأى ضربة بيدرا، فقال: يا مأبون، هذه ضربة من يطلب الملك، ثم إنه ضربه ضربة حل منها كتفه، فقضى عليه. ولما قتله اختفى حسام الدين لاجين، وقيل: إنه هرب وقراسنقر، وعديا النيل، وجاءا إلى جامع ابن طولون، واختبأ في المئذنة، وبقيا فيها أكثر من يومين، ونذر لاجين إن سلم أنه يعمر الجامع المذكور، ووفى بنذره. وتنقل بعد ذلك في البيوت، وقاسى أهوالاً وشدائد من الجوع والعطش والخوف. ثم إن كتبغا أجاره وأجار قراسنقر، وأحسن إليه، ودخل به إلى السلطان الملك الناصر وقرر معه أن يخلع عليه ويحسن إليه، ففعل به ذلك، وأعطاه خبزاً كان مع الأمير بدر الدين بكتوت العلائي بالديار المصرية وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وست مئة.

стр. 2316

ولما ملك كتبغا جعله نائبه في مصر، فوثب عليه - كما تقدم في ترجمة كتبغا - وقتل مملوكيه الأزرق وبتخاص، وتغافل عنه لما عليه من الأيادي، وهرب كتبغا - كما تقدم - وساق لاجين والعساكر بين يديه من الغور، وما دخل غزة إلا وهو سلطان، وهو لم يختلف عليه اثنان. وتملك في أول صفر سنة ست وتسعين وست مئة، وخطب له بغزة وبلد الخليل ﵇ والقدس. ولما دخل القاهرة جلس على سرير الملك، وبعث قبجق نائباً إلى دمشق؛ لأنه خوشداشه، وجعل قراسنقر نائبه بمصر إلى أن تمكن ثم قبض عليه، وأقام في النيابة مملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر، فحسن له القبض على الأمراء، فأمسك البيسري وقراسنقر وأيبك الحموي، وسقى جماعة السم، ولذلك هرب قبجق وألبكي وبكتمر السلاح دار وبزلار إلى التتار - كما تقدم في تراجمهم - ولم يخرج إلى الشام مدة ملكه. ولما كان يوم الخميس في التاريخ المذكور ركب موكبه وهو صائم، عمل عليه جماعة من الأشرفية، ودخلوا عليه بعد العشاء الآخرة، وهو مكب على الشطرنج وما عنده إلا القاضي حسام الدين الحنفي وعبد الله الأمير وبريد البدوي وإمامه محب الدين بن العسال، فأول من ضربه بالسيف كرجي - مقدم البرجية - وتوجه طغجي وكرجي إلى دار منكوتمر، ودقا عليه الباب، وقالا: السلطان يطلبك، فنكرهما، وقال: قد قتلتماه؟، فقال كرجي: نعم يا مأبون، وجئنا لنقتلك، فاستجار بطغجي، فأجاره، وحلف له، فخرج إليهما، فذهبا به الجب، وأنزلاه، فاغتنم كرجي الغفلة، وحضر إلى الجب، وأخرجه من الجب، وذبحه، وقال: نحن ما قتلنا أستاذه إلا من أجله فما في بقائه فائدة، ونهبوا داره في الحال، واتفقوا على

стр. 2317

إعادة الملك الناصر ثانياً إلى الملك، واتفقوا على أن يكون طغجي نائباً، وحلفوا له على ذلك، وأرسلوا سلار - وهو إذ ذاك أمير صغير - إلى الكرك، لإحضار الناصر محمد، وعمل طغجي النيابة أربعة أيام. ولما حضر أمير سلاح من غزوة الشام؛ وطلعوا للقياه جرى ما جرى - على ما تقدم في ترجمة طغجي وأمير سلاح - وقتل طغجي وكرجي، وكان يعلم على الكتب إذ ذاك ثمانية أمراء: سلار والجاشنكير وبكتمر أمير جاندار وآقوش الأفرم والحسام أستاذ الدار وكرت وأيبك الخزندار والأمير عبد الله. وقتل لاجين وهو في عشر الخمسين: قدر عدت فيه الحوادث طورها ... وتجاوزت أقدارها الأيام لأنه كان سلطاناً جيداً، عادلاً خبيراً، درباً كريماً، جواداً شجاعاً، كان يسل سيفه، ويهزه في يده، ويقول: أشتهي أرى أبغا وهذا في يدي. ولمل ملك أخرج الخلفاء من الاعتقال، وأبطل تجهيز الثلج من بيروت وطرابلس، وقال: لا حاجة لي به، فإني كنت في دمشق، وأدري ما يجري على الرعايا في وسق الثلج في المراكب، وما يجدونه من التعب والمغارم والكلف. وكان ذكياً يقظاً: أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: حكى لي والدي أنه وصل إليه في بعض الأيام بريد من مصر على يده كتاب من طرنطاي، ومما فيه بخطه أن الخروف نطح كبشه قلبه، فقال لي: ما هذا يا محيي الدين؟! قلت: ما أعلم، فقال: هذا كلام معناه أن بيدرا قد وثب على عمه الشجاعي، وكذا كان،

стр. 2318

فإن الشجاعي كان زوج أم بيدرا، فعمل عليه عند المنصور، وأمسكه، وعزله، وصادره. وهذا في غاية الفهم من مثل هذه الإشارة. وحكى لي الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر بك، قال: قال لي السلطان حسام الدين لاجين يوماً: يا حسين، رأيت البارحة أخاك مظفر الدين في النوم وهو يقول لي: " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون "، فما كان بعد ثلاث ليال حتى قتل رحمه الله تعالى. وحكى عنه الشيخ علاء الدين بن غانم - رحمه الله تعالى - مكارم كثيرة ولطفاً زائداً وإحساناً جماً ومودة يرعاها لمن يعرفه. وكذلك حكى لي عنه شيخنا فتح الدين بن سيد الدين لما دخل إليه لم يدعه يبوس الأرض، وقال: أهل العلم ينزهون عن هذا وأجلسه عنده - أظنه قال لي: على المقعد -، ورتبه موقعاً في ديوان الإنشاء، فباشر ذلك أياماً، ثم استعفى فأعفاه، وجعل المعلوم له راتباً، فأقام يتناوله الشيخ إلى أن مات سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. وكان شيخنا العلامة شهاب الدين محمود يوماً بين يديه، وهو بدمشق يكتب، فوقع شيء من الحبر على ثيابه، فأعلمه لاجين بذلك، قال لي: فنظمت في الحال بين يديه: ثياب مملوكك يا سيدي ... قد بيضت حالي بتسويدها

стр. 2319

ما وقع الحبر عليها بلى ... وقع منك بتجديدها قال: فأمر لي بتفصيلتين ومبلغ خمس مئة درهم، فقلت: يا خوند مماليكك الجماعة رفاقي يبقى ذلك في قلوبهم، فأمر لكل منهم بمثل ذلك، ثم صار ذلك راتباً لنا في كل سنة عليه. وندب الأمير علم الدين الدواداراي، وهو سلطان، فعمر جامع ابن طولون، واشترى له وقوفاً كثيرة، وجدد فيه وظائف كثيرة من التفسير والحديث والفقه والقراءات والطب وعمر بدمشق الخان المنسوب إليه تحت ثنية العقاب. وكان أشقر، في لحيته طول يسير، وخفه. وجهه رقيق معرق وعليه هيبه، وهو تام القامة، في قده رشاقة وهيف. وكان وهو سلطان يجهز البريدية، ويحملهم السلام إلى الموقعين الذين كان يعرفهم. وأنشدني شيخنا أبو الثناء محمود إجازة قصيدة مدحه بها وهي: أطاعك الدهر فأمر فهو ممتثل ... واحكم فأنت الذي تزهى به الدول واشرف فلو ملكت شمس النهار علاً ... ملكتها لم يزد في سعدها الحمل وانهض بعزمك فهو الجيش يقدمه ... من بأسك المنذران الرعب والوجل وسر به وحده لا بالجيوش وإن ... لم يحوها الأرحبان السهل والجبل تلقى الفتوح وقد جاءتك وافدةً ... يحثها المزعجان الشوق والأمل قد أرهف الملك المنصور منك على ... جيش الأعادي حساماً حده الأجل تهوى أسنته بيض النحور فمن ... آثارها الحمر في أجيادها قبل تدمي سطاه وتندى كفه كرماً ... كالغيث يهمي وفيه البرق يشتعل

стр. 2320

سل يوم حمص جيوش المغل عنه وقد ... ضاق الفضاء بهم واستدت السبل والهام تسجد والأجسام راكعة ... والموت يقبل والأرواح تنتقل والبيض تغمد في الأبطال عاريةً ... وتنثني وعليها منهم حلل والخيل تحفى وتخفى في العجاج فإن ... بدت غدت وهي بالهامات تنتعل يخبرك جمعهم والفضل ما شهدت ... به العدا أنه ليث الشرى البطل وأنه خاض في هيجائها وجلا ... غمارها واصطلاها وهي تشتعل وصدهم وهم كالبحر إذ صدموا ... ببأسه وحمى الإسلام إذ حملوا فمزقتهم سطاه ذا يسير وذا ... عان أسير وذا في الترب منجدل كأن أسهمه والموت يبعثها ... بين المنايا وأرواح العدى رسل كأن هاربهم والخوف يطلبه ... يبدو لديه مثال منه أو مثل فإن تنبه يوماً راعه وإذا ... أغفى جلته عليه في الكرى المقل وعاد والنصر معقود برايته ... والمغل ما بين أيدي خيله خول قد جمع الله فيه مل مفترق ... في غيره فهو دون الناس مكتمل فعن ندى يده حدث ولا حرج ... اليم ثم وعم العارض الهطل أستغفر الله أين الغيث منفصلاً ... من بره وهو طول الدهر متصل عطاء من ليس يثني قط راحته ... عن الندى سأم يوماً ولا ملل من حاتم؟ عد عنه، واطرح فبه ... فيالجود لا بسواه يضرب المثل أين الذي بره الآلاف يتبعها ... كرائم الخيل ممن جوده الإبل

стр. 2321

لو مثل الجود سرحاً قال حاتمهم ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل أحاط بالناس سور من كفالته ... ظل لهم وعلى أعدائهم ظلل أضحوا به في مهاد الأرض يكلؤهم ... من رأفة بهم يقظان إن غفلوا يحنوا عليهم ويعفو عن مسيئهم ... حلماً ويصفح عنهم إن هم جهلوا وأعدل الناس أياماً بلا شطط ... في الحكم منه ولا حيف ولا ميل أطاع خالقه فيما تقلده ... فما عن الدين بالدنيا له شغل إن رام صيداً فما الكندي مفتخراً ... بالخيل في الصيد إلا مطرق خجل بكل طرف يفوت الطرف رؤيته ... لا يأخذ الصيد إلا وهو منفتل في فتية من كماة الترك ليس لهم ... إلا التعلم من إقدامه أمل إن يقتلوا الصيد في أيدي الجوارح ... جوارح اللحظ إن يرموا بها قتلوا عزاً وصوناً لمن دان الأنام له ... حتى السهام إلى أغراضه ذلل أو حاول اللعب المعهود بالكرة ال ... تي بها تستعين البيض والأسل

стр. 2322

حيث السوابق تجري في أعنتها ... طوعاً وتعطف أحياناً فتمتثل كأنه وهو والبردي في يده ... على الجواد وكل نحوها عجل شمس على البرق حاز البدر يرفعه ... عن الهلال فيعلو ثم يستفل لا زال بالملك المنصور منتصراً ... ما قال بالدوح غصن البانة الثمل ولما تولى السلطنة جاء غيث عظيم، بعدما كان تأخر، فقال علاء الدين الوداعي، ومن خطه نقلت -: يا أيها العالم بشراكم ... بدولة المنصور رب الفخار فالله بارك فيها لكم ... فأمطر الليل وأضحى النهار ولما أبطل المنكرات في أيامه؛ قال ابن دانيال: احذر نديمي أن تذوق المسكرا ... أو أن تحاول قط أمراً منكرا لا تشرب الصهباء صرفاً قرقفا ... وتزور من تهواه إلا في الكرى أنا ناصح لك إن قبلت نصيحتي ... اشرب متى ما رمت سكراً سكرا والرأي عندي ترك عقلك سالماً ... من أن تراه بالمدام تغيرا ذي دولة المنصور لاجين الذي ... قهر الملوك فكان سلطان الورى إياك تأكل أخضراً في عصره ... يا ذا الفقير يكون جنبك أحمرا والمزر يا مسعود دعه جانباً ... واشرب من اللبن المخيض مكررا وبنى حرام احفظوا أيديكم ... فالوقت سيف والمراقب قد درى توبوا وصلوا داعيين لملكه ... فبه تنالون النعيم الأكبرا

стр. 2323

ولما كان بدمشق نائباً - رحمه الله تعالى -؛ أمسك نصراني في أوائل شهر رمضان سنة سبع وثمانين وست مئة عند امرأة مسلمة جميلة يشرب الخمر، فأمر بإحراقه ففدى النصراني نفسه بمال جزيل، فلم يقبله، وأمر بنار عظيمة، فأضرمت، وألقي النصراني فيها، فقال العلامة شهاب الدين محمود يمدحه، أنشدنيه لنفسه إجازة: يا من به وبرأيه وروائه ... بلغ المراد الدين من أعدائه أنت الذي لم يخش لومة لائم ... في الله فابشر فزت عند لقائه ما يومك الماضي لديك بضائع ... والله والأملاك من شهدائه يا كافل الإسلام قبلك لم يقم ... هذا المقام سواك من كفلائه بالسيف قام ولا اختلاف بأنه ... أنت الحسام وذاك من أسمائه أقسمت لو آلى امرؤ لك أنه ... أحد الفتوح لبر في آلائه أرسلتها في العدل أحسن سيرة ... بك يقتدي من كان في ألفائه وغضبت للإسلام غضبة ثائر ... لله غير مشارك في رائه وحميت سرح الدين من متخلس ... رجس يسر الغدر في استخفائه أخفى سراه إلى الحريم وما درى ... أن الإله وأنت من رقبائه جمع الخيانة والخنا في الأرض والإ ... شراك بالرحمن فوق سمائه فأمرت أمراً جازماً بحريقه ... ورأيت أن القتل دون جزائه أحرقت من أدنت عداوة كفره ... يده من الإسلام في استعلائه طهرت من دمه الثرى وقذفته ... في النار عن تنجيسه بدمائه ورفعت قدر السيف عنه وإنه ... ليجل عن تنجيسه بدمائه أرعبت أهل الشرك منك وكلهم ... يلقى خيالك واقفاً بإزائه وسلبتم طيب الرقاد فمن غفا ... ألفى دبيب النار في أعضائه

стр. 2324

أو لو تخيل في المنام بحرمه ... خشي الحريق ومات في إغفائه راموا شفيعاً عنده ذنبهم ... كي يسخط الرحمن في إرضائه غابوا وهل في الأرض من يثنيه عن ... تنفيذ حكم الله في إمضائه ماض حكيم ثابت متمسك ... بالشروع في أحكامه وقضائه وكما البزاة أمن سطوة بأسه ... فكذا البغاة يئسن من إبقائه كالسيف يبدو في توقد حده ... في الناظرين إليه رونق مائه يا راعي الإسلام صنت السرب أن ... تدنو كلاب الشرك من ضعفائه عاملت ربك بالذي أسلفته ... في دينه فابشر بحسن وفائه ما غرت إلا للإله وخلقه ... من فتك شر عبيده بإمائه نزهت شرعة دينه فابشر بها ... هي خير ما أولاك من ألائه ولك الهناء إذ النبي محمد ... وافيته بالحوض تحت لوائه فاستشهد الشهر الشريف فإنه ... يثني بما أبديت في أثنائه أحييته بالعدل فارقد إن تشا ... فلقد بلغت القصد من إحيائه عظمت حرمته وأهلكت الذي ... لم يرع حق الله في آنائه فاسلم لهذا الدين تحرس سربه ... ويغض جفن الشرك منك بدائه واشكر إلهك بالذي ألهمته ... فيما فعلت فذاك من نعمائه لاجين الأمير حسام الدين الأستاذ الدار الرومي. كان من كبار الأمراء مقدمي الألوف بالديار المصرية. وكان مقدم الميسرة في يوم

стр. 2325

شقحب، ثبت هو ومن معه من أصحابه وكان معه ثمانية أمراء مقدمون أبلوا جميعهم بلاءً حسناً، وثبتوا لحملات التتار، فاستشهدوا جميعهم في الواقعة المذكورة - رحمهم الله تعالى - وذلك في شهر رمضان سنة اثنتين وسبع مئة. وقبره هو وحده هناك على جبل عليه قبة يراها المسافرون على يمين المار من دمشق إلى الصنمين. وكانت قتلته في عصر السبت ثاني شهر رمضان - رحمه الله تعالى. ونقلت من خط الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف الصفدي الطبيب بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة من مرثية كتب بها إلى الأمير ركن الدين عمر بن الأمير حسام الدين لاجين الرومي أولها: كأس الحمام على الأنام يدور ... والعمر ماض والزمان يسير أنفاسنا كرواحل لنفوسنا ... لمراحل فيها الأنام تصير يا من يسير على اليسير وحوله ... عبر وخلق في القبور عبور انظر إلى الدنيا وما فعلت بمن ... ترنو إليه بطرفها وتسير كم خولت فتحولت ولئن حلت ... قد أنحلت وأصابها التغيير منها: يا مرج صفر أصفرت بك أربع ... وجرت دموع نظمها منثور جاء التتار تدفقاً تترى له ... فترى ... والجبال تسير وردوا بمائة ألف مغلاً بعدها ... عشرون ألفاً بأسها محذور

стр. 2326

لله من فادى الأنام بنفسه ... لم يرهباه منكر ونكير في محضر شرع الأسنة شاهد ... إن الثناء لغيره محظور فالسيف يكتب والمثقف ناقط ... والسهم يشكل والطلا المسطور حضن السيوف به وهن ذكور ... وقدحن ناراً والأكف بحور هذا حسام الدين والدنيا فما ... يلقى له بين الأنام نظير كم خاض أهوال المعارك عاركاً ... والحرب تقدح والشرار يطير والخيل تعثر بالنواصي والقنا ... والأرض راجفةٌ تكاد تمور فرماحه مثل الرجوم نصالها ... شهب يراها في النحور تغور تبكي عليه محافل وجحافل ... ومناصل وذوابل وقصور وهي أربعة وستون بيتاً وهذا القدر منها كاف. لاجين الأمير حسام الدين الحموي. كان أولاً بحماة أستاذ دار الملك المؤيد صاحب حماة. ولما ولي الأمر الملك الأفضل وقع بينهما، فنزح عن حماة، وتوجه إلى مصر، وعاد إلى دمشق أميراً. وكان الأمير سيف الدين تنكز يكرمه، ولم يزل بدمشق إلى أن أمسك تنكز، وحضر بشتاك إلى دمشق، فولاه المهمندارية بدمشق. فأقام يويمات ثم ولي مدينة دمشق - فيما أظن -، فأقام قليلاً وطلب الإقالة. ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن توفي بدمشق في مستهل صفر سنة ست وأربعين وسبع مئة.

стр. 2327

لاجين الأمير حسام الدين المنصوري المعروف بالصغير. كان أحد الأمراء الطبلخاناه بدمشق، وولي البر في وقت في المحرم سنة ثمان وتسعين وست مئة. ثم إنه قيد واعتقل بقلعة دمشق بعد قتل حسام الدين لاجين السلطان في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، وأفرج عنه في جمادى الآخرة. وعزل وجهز إلى ولاية الولاة بالقبلية عوضاً عن الحاج بهادر في شوال سنة إحدى عشرة، وتوجه أمير الحج في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وولي غزة بعد الجاولي. ثم إنه توجه لنيابة إلبيرة، وأقام بها إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وفي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وصل تابوته إلى دمشق في خامس صفر من السنة المذكورة وكان قد نقل أولاً إلى حلب ودفن بها ثم إن أستاذ داره نقله إلى دمشق، وكان قد أسند وصيته إلى الأمير سيف الدين تنكز، ولأجل ذلك لما اتفق ما اتفق لابنته أمر بخنقها، وكانت واقعة عجيبة. لاجين الشيخ الصالح حسام الدين الأزهري. كان شيخاً كبيراً تجاوز المئة بثلاث سنين، وجاور بالجامع الأزهر في القاهرة مدة سبعين سنة.

стр. 2328

وتوفي - رحمه الله تعالى - ثالث عشر شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبع مئة، وكانت جنازته حافلةً، وصلي عليه غائباً بالجامع الأموي بدمشق. لاجين الأمير حسام الدين المنصوري المعروف بالزيرباج. كان قد حبسه السلطان الملك الناصر محمد، فأقام في الحبس مدة سبع عشرة سنة، ثم إنه أفرج عنه وعن الأمير فرج بن قراسنقر وعن الأمير علم الدين وخلع عليهم في ليلة عرفة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. لاجين الأمير حسام الدين الإبراهيمي أمير جاندار. توفي - رحمه الله تعالى - في سابع عشري ذي الحجة سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ودفن بالروضة تحت قلعة الجبل ظاهر القاهرة. كان أمير خمسين، وفيه دين ومروءة. لاجين الأمير حسام الدين الغتمي نائب الرحبة.

стр. 2329

كان من مماليك الغتمي نائب الرحبة، ولم يكن هو في نفسه غتمياً. وانتشا بالرحبة، وعمل بها ولاية البر مدة. ثم إنه أقام بدمشق وخدم القاضي محيي الدين بن فضل الله، فخلص له ولاية البقاع، فأظهر نهضة كافية وكفاية تامة، فنقله إلى ولاية نابلس، فأبان فيها عن سداد وشهامة، فأحبه الأمير تنكز، فقال له: يا خوند إن وليتني نيابة الرحبة، وفرت العسكر الدمشقي من التجريد إليها، فكتب له إلى السلطان، فأجابه إلى ذلك، وأعطاه إمرة طبلخاناه، فتوجه إليها، ووفى بما التزمه من عدم تجريد العسكر إلى الرحبة. وفرح بذلك تنكز، وأحبه. وحضر العربان والناس ورافعوه، ولم يلتفت إليهم، وأمسك غرماءه ورماهم في الحبس، وتوجه العربان الكبار من آل مهنا وغيرهم، وشكوا منه إلى السلطان شكوى كبيرة، فطلبه السلطان إلى مصر، فتوجه إليها في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وكتب تنكز على يده، فلم يسمع فيه كلاماً، وخلع عليه، وجهزه إليها مكرماً، وتوجهت أنا إليها موقعاً في آخر هذه السنة المذكورة، وكتبت إليه من قباقب على جناح الحمام بطاقة بوصولي، وفيها: هذي بطاقة خادم ... قد جاء يلهج بالمدح حملتها قلبي الذي ... قد طار نحوك بالفرح ولما قدمت إليها انجمع مني وانزوى عني مدة تزيد على شهرين، ثم إنه أقبل علي إقبالاً عظيماً، وأفضى إلي بأسراره، وأحسن إلي غاية الإحسان، وقال: يا مولانا، خوفوني منك، وقالوا: هذا واحد قد سيروه من مصر عيناً عليك، وزال ذلك.

стр. 2330

ولما انفصلت من الرحبة وعدت إلى دمشق زودني وأعطاني مبلغ ألف درهم وقماشاً وحجراً عربية ثمينة واستمر لي عليه راتب في دمشق من الشعير لخيلي ومن التبن في كل سنة. وتوجهت إلى مصر، وهو يخدمني ويحسن إلي بأنواع، ويطلب الناس مني الشفاعات إليه، فلا يردها، إلا أنه كان جباراً سفاكاً للدماء يعاقب عقاب المغل، ويتنوع في ذلك بأنواع العذاب. ولم يزل على حاله في الرحبة إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. لاجين الأمير حسام. كان قد تزوج بأم المظفر حاجي، وجعله أمير آخور على حاله وقدم في أيام المظفر إلى دمشق أمير مئة مقدم ألف، ووصل معه الأمير سيف الدين بتخاص في تاسع شهر رجب سنة ثمان وأربعين. وكان أمير آخور في أيام الكامل أيضاً - فيما أظن -، ووصل طلبه بعده، ومعه الأمير ناصر الدين محمد على إقطاعه في ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وطلب الأمير حسام الدين لاجين وولده إلى مصر، وأظنه أخرج بعد ذلك، ثم إلى مصر. ولم يزل بها مقيماً على طبلخاناه إلى أن توفي في شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة بالقاهرة في طاعون مصر.

стр. 2331

اللقب والنسب اللحياني: صاحب تونس: زكريا بن أحمد. ابن اللمطي: محب الدين عمر بن عيسى. ابن اللبان: محمد بن أحمد. لولو الأمير بدر الدين الحلبي المعروف بغلام فندش، بالفاء المفتوحة والنون الساطنة والدال المهملة المفتوحة والشين المعجمة. كان المسكين جباراً خواناً أثيماً خواراً خداعاً غداراً مكاراً غراراً، حقوداً حسودا، عنيداً مريدا، قصياً من الخير بعيدا. مبيراً مبيدا، لو عاصر الحجاج لم يدعه يفرح بإمرة الكوفه، ولا اشتهر دونه من قبح سجاياه الموصوفه، ولم يكن قدامه إلا جلوازا، أو ماراً في طريقه مجتازا، أو مشاءً بنميم همازا: مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق دخل إلى السلطان ورافع كتاب حلب، وجلب إليهم الويل والشوم فيما جلب، وسلمهم السلطان إليه، وعول في استصفاء أموالهم عليه، فمزق جلودهم بالسياط، وأهلك البريء والمتهم عملاً بالاحتياط، فباع بعض الناس موجودهم، وبعضهم باع

стр. 2332

مولوده. وكانت نوبة دون نوبة هولاكو وشراً منها، وواقعة تحدث الناس في سائر الأقطار عنها. ثم إنه نكب فيها، وطلب إلى مصر وأخذ منحوسا، وظن الناس أنه يكون فيها مرموسا، فنجا وليته لا نجا، ووجد بين الأسنة مخرجا. ثم إن السلطان ندبه لشد الجهات، فسد الجهات على من تنفس، ووصل شره حتى إلى الجواري الكنس، وأساء إلى من اصطنعه من تلك الورطه، وأخرجه من مصر بعد أي ضغطه، فولاه السلطان بمصر شد الدواوين بالقاهره، وتولى ذلك والناس أحياء " فإذا هم بالساهره " ونوع العذاب على المصادرين، وابتدع من العقاب ما لا مر بذهن الواردين ولا الصادرين، ثم إنه نكب بالقاهرة نكبة عظيمه، وانفرطت منها حبات سعادته النظيمه. إلى النار يا ولد الزانية ... وهذا الهوي إلى الهاوية وقعت فيا بردها في القلو ... ب، فيا ليتها كانت القاضية ثم إنه جهز إلى حلب، وقدر الله أنه منها انقلب، فذاق فيها وبال أمره، وأفاق من سكرة خمره، وقاء ما كان أكل واتخم، وشكا وهو تحت العقوبة شكوى الجريح إلى العقبان والرخم، ومنها قضى، وأسفر الوجود بموته من الظلم وأضا. وكان هلاكه في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. أول ما عرفت من أمره أنني رأيته بحلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة وهو ضامن

стр. 2333

المدينة، وكان ضامنها من قبل بمدة، وطلع مرات إلى مصر ورافع الناس، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش يصده ويرده ويكذبه قدام السلطان، ولم يبلغ مرامه مدة حياته، فلما مات طلع إلى مصر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة ودخل إلى السلطان ورمى بين يديه ديناراً ودرهماً وفلساً، وقال: يا خوند الدينار في حلب للمباشرين، والدرهم للنائب، والفلس لك، فتأذى السلطان من ذلك واستشاط غضباً وطلب الجميع من حلب على البريد، وسلمهم إليه وكان يقعد في قاعة الوزارة ويستحضرهم ويقتلهم بالمقارع، وكان الناس قد طال عهدهم بالمقارع لأن القاضي كريم الدين - رحمه الله تعالى - كان قد أبطلها، واستمر إبطالها بعده إلى أن جاء هذا لولو فأعادها وبالغ في أذى أهل حلب، فأنكر أهل مصر ذلك، وساءت سمعته ذلك اليوم ورثى الناس لمباشري حلب، ووقف الناس له ليرجموه إذا نزل ذاك النهار من القلعة، فأحس بذلك، ودخل إلى السلطان وعرفه ذلك، فزاد غضب السلطان، ولم ينزل لولو من القلعة، وربما جعل معه أو شاقية يحفظونه من الناس. ولم يزل يعاقبهم بمصر حتى استصفى أموالهم وأخذهم معه، وتوجه بهم إلى حلب، وقد أمره السلطان وجعله مشد الدواوين بحلب. ولما وصل إليها صادر وعاقب وتنوع في ذلك حتى أباع الناس أولادهم، وزاد في الخيانة، فبلغ الخبر إلى السلطان، فسير السلطان للكشف عليه الأمير سيف الدين الأكز فصانعه وداراه وقدم له، فأخذه معه وطلع إلى مصر بما معه من التقادم العظيمة فقبلها السلطان منه، وجعله بين يدي الأكز مشد الجهات بمصرف القاهرة، فزاد

стр. 2334

تسلطه على الناس، وكرهه الأكز، فأخذ العصا يوماً، وضربه إلى أن خرب عمامته، وخرج إلى برا وهو كذلك، فتوجه إلى القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، ودخل عليه واتفق معه، وعملا على الأكز، وأخرجاه إلى الشام، وولاه السلطان شد الدواوين بالقاهرة، فعمل ذلك بجبروت عظيم، وزاد طغيانه وعتوه. ثم إن السلطان غضب عليه، فأمسك لولو، وطلب الأمير علم الدين سنجر الحمصي من الشام وولاه شد الدواوين بالقاهرة، وسلم لولو إليه، فضربه بعض ضرب، وأقام مدة في الاعتقال ثم إنه خرج إلى حلب مشداً - والله أعلم -، فأقام بها إلى أن حضر الأمير سيف الدين طشتمر حمص أخضر نائب حلب، ومعه الأمير سيف الدين بهادر الكركري مشد الدواوين، فغضب على لولو، وسلمه إلى ابن الكركري فقتله بالمقارع إلى أن مات - رحمه الله تعالى - سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. حكى لي الشيخ شمس الدين بن الأكفاني قال: أعرف هذا لولو وهو عند فندش - أو قال: قبل وصوله إلى فندش - وهو يبيع أسقاط الغنم والأقصاب والتعاشير وغير ذلك في لقين بحماة على الطريق، وربما حمل ذلك على رأسه ودار به يبيعه. أنشدني لنفسه إجازة القاضي زين الدين عمر بن الوردي - رحمه الله تعالى -: أشكو إلى الرحمن لؤلؤ فندش ... أضحى يصادر سادة وصدورا نثر الجنوب بل القلوب بسوطه ... فمتى أشاهد لؤلؤاً منثورا

стр. 2335

حرف الميم النسب والألقاب ابن الماسح: نجم الدين أحمد بن إبراهيم. مالك بن عبد الرحمن ابن علي بن عبد الرحمن، أبو الحكم بن المرحل الأديب الشاعر المغربي. أخذ عن الشلوبين، وابن الدباج، وعده. وروى عنه أبو القاسم بن عمران، ومحمد بن أحمد القيسي، وغيرهما. واستوطن سبتة. له الشعر الرائق، والنظم الفائق، لطف ألفاظه ورققها، وزخرف أبياته ونمقها. وكان من أفاضل شعراء المغرب وأدبائهم الذين يأخذون من كلامهم ب المرقص والمطرب. ولم يزل على حاله إلى أن رحل ابن المرحل إلى الآخرة، وأقام تحت الأرض إلى أن تنشر العظام الناخره.

стр. 2336

وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وتسعين وست مئة بسبتة. وقيل: سنة سبع مئة بفاس - والله أعلم -. ومولده بمالقة سنة أربع وست مئة، فمات عن خمس وتسعين سنة. وكان قد نظم " التيسير " في قصيدة تزيد على ألفي بيت ورويها يلازم، وما أحسن قوله: يا أيها الشيخ الذي عمره ... قد زاد عشراً بعد سبعينا سكرت من أكؤس خمر الصبا ... فحدك الدهر ثمانينا وليته زادك من بعدها ... لأجل تخليطك عشرينا ووقع بينه وبين ابن أبي الربيع في مسألة " كان ماذا "؟ فنظم مالك بن المرحل: عاب قوم " كان ماذا " ... ليت شعري لم هذا وإذا عابوه جهلاً ... دون علم كان ماذا وجهله ابن أبي الربيع، وصنف في المنع من المسألة مصنفاً. وأنشدني العلامة شيخنا أثير الدين أبو حيان، قال: أنشدنا مالك بن المرحل لنفسه: مذهبي تقبيل خد مذهب ... سيدي ماذا ترى في مذهبي لا تخالف مالكاً في رأيه ... فبه يأخذ أهل المغرب ومن شعر ابن المرحل:

стр. 2337

يا راحلين ولي في قربهم أمل ... لو أغنت الحالتان القول والعمل سرتم فكان اشتياقي بعدكم مثلاً ... من دون السائران الشعر والمثل قد ذقت وصلكم دهراً فلا وأبي ... ما طاب لي الأسمران الخمر والعسل وقد هرمت أسى في حبكم وجوى ... وشب مني اثنتان الحرص والأمل غدرتم أو ملكتم يا ذوي ثقتي ... وبئست الخلتان الغدر والملل عطفاً علينا ولا تبغوا بنا بدلا ... فما استوى التابعان العطف والبدل قالوا: كبرت ولم تبرح كذا غزلاً ... أودى بك الفاضحان الشيب والغزل لم أنس يوم تدانوا للرحيل ضحىً ... وقرب المركبان الطرف والجمل وأشرقت بهواديهم هوادجهم ... ولاحت الزينتان الحلي والحلل كم عفروا بين أيدي العيس من بطل ... أذابه المضنيان الغنج والكحل دارت عليهم كؤوس الحب مترعة ... وإنما المسكران الراح والمقل وآخرون اشتفوا منهم بضمهم ... يا حبذا الشافيان الضم والقبل وقال قبل وفاته وأمر أن يكتب ذلك على قبره: زر غريباً بمغرب ... نازحاً ما له ولي تركوه موسداً ... بين ترب وجندل ولتقل عند قبره ... بلسان التذليل رحم الله عبده ... مالك بن المرحل

стр. 2338

اللقب والنسب ابن مالك: شمس الدين محمد بن محمد. وجمال الدين بن محمد بن محمد. المارستاني: محيي الدين محمد بن علي. المأمون: ناظر الكرك زكي الدين عبد الله بن عبد الكافي. مبارك بن نصير الفقيه الشافعي المعيد بالمشهد الجيوسي. كان من أهل قوص ومن الصالحين المتواضعين يخدم الطلبة بنفسه، ويعالج المرضى، ويطبخ لهم، ويقوم بالوظائف من الإعادة والإمامة والآذان، من غاب قام عنه بوظيفته. ولم يزل على حاله إلى أن توجه إلى الحج فغرق في سنة إحدى وسبع مئة. مبارك الأمير زين الدين المنصوري. كان أمير فارساً بدمشق. ثم إنه نقل إلى طرابلس، فعمي هناك، وقطع خبزه. ثم إنه قدح عينيه فأبصر، ولم يعد إليه خبزه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في شعبان سنة سبع عشرة وسبع مئة.

стр. 2339

اللقب والنسب المجير الخياط: أحمد بن حسن. ابن المحسني: شهاب الدين أحمد بن بيليك. ابن المحدث الكاتب: الشيخ بدر الدين حسن بن علي. ابن المحب: الشيخ محب الدين عبد الله بن أحمد. المحار: سراج الدين عمر بن مسعود. محفوظ ابن رشيد الدين العراقي الشاعر. قدم إلى دمشق بعد السبع مئة، وكان شاعراً مطيقا، متكلماً منطيقا، يغوص على المعاني البعيده، ويبرزها في الألفاظ السديده، له مقاطيع راقت، وأبيات ساقت النفوس إلى الطرب وشاقت، فكان شعر محفوظ محفوظا، وشعر من سواه ملفوظا. إلا أنه كان الهجو عليه غالبا، ولسانه للأعراض ثالبا، ومدحه للأموال سالبا. عاد إلى البلاد وانقطع خبره، وكأن الموت جبره لما زاد دبره. وكان لما دخل الشام ووصل حماة اتصل بابن قرناص وطلب إيصاله إلى الملك المظفر صاحب حماة، وكان ابن قرناص كاتب سره، فأطال الشرح عليه، فلما

стр. 2340

يئس منه الرشيد عدل إلى كشتغدي الأستاذ دار وأنشده: ولقد ركبت هجين عزم ساقه ... مني الرجاء إلى الأغر الأبلج ملك توغره جنود حوله ... كالروض بات مسيجاً بالعوسج فأنشدها كشتغدي للمظفر، فاستحضره وابن قرناص حاضر، فاستنشده البيتين فأنشدهما، وقال في الثاني: ملك تزان به جنود حوله ... كالروض بات مسيجاً ببنفسج فقال له المظفر: ما هكذا قلت، فقال: كان ذاك قبل أن أحضر لديك، فأما الآن؛ فهو كما قلت، فأسنى عطاءه. ثم إن الرشيد وصل إلى حصن الأكراد، وعمل قصيدة في نائبها وأعطاها كاتبه ابن الذهبي، ليوصلها، فعاد إليه بعد مدة وزعم أنها ضاعت من حزره فقال: لا الذهبي اشترى المديح ولا ... أعذبه منهلاً وعذبه أهديت سراً مدحي إليه فما ... ذهبه بل علي أذهبه ومن شعره أيضاً: ركب الله في فتاء بنى فع ... لان معنى النيران والجنات أوجه القوم بالمكاره تحفى ... وفروج النساء بالشهوات

стр. 2341

ومنه: فرقت بيننا الحوادث لكن ... لي نفس إليكم أدنيها فكأني في الود فارة مسك ... أفرغوها ونفحة الطيب فيها وقال وقد رأى مشجر الفسيفساء في الجامع الأموي بدمشق: ألم تر أشجاراً بجامع جلق ... حكت للورى لو أن صانعها باق نضارتها أن لا تدانى فروعها ... بشمس ولا سقي مغارسها ساقي ومنه هيج البرق لوعة المشتاق ... بوميض لقلبه الخفاق هذه مزنة إلي حدتها ... نسمة الصبح من نواحي العراق يا قساة القلوب رقوا فإني ... لا غرامي فإن ولا أنا باق هل لبؤس لاقيته من فراق ... ونعيم فارقته من تلاق قلت: هذا البيت الثاني من هذه القطعة ذكرت به ما اتفق لي نظمه بالديار المصرية، وقد توجهت إليها في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وتركت أولادي بدمشق وهو: قلت إذ رق لي النسيم وقلبي ... يتلظى بالشوق في أرض مصرا هذه نفحة هدتها لبرئي ... وحدتها أنفاس سطرى ومقرى

стр. 2342

محمد بن إبراهيم ابن علي فتح الدين القوصي، ابن الفهاد. كان فقيهاً حسناً مشكور السيرة، اشتغل بفقه الشافعي على أبيه وغيره، وتولى الحكم بسمهود، ثم إنه استوطن القاهرة، وجلس بحانوت الشهود، يعقد الأنكحة، وعرف بذلك، ومضى على جميل. توفي - رحمه الله تعالى - سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. محمد بن إبراهيم بن محمد ابن أبي نصر الشيخ الإمام العلامة حجة العرب بهاء الدين أبو عبد الله بن النحاس النحوي شيخ العربية بالديار المصرية. سمع من ابن اللتي، والموفق بن يعيش النحوي، وابن رواحة، وابن خليل، ووالده. قرأ القرآن على أبي عبد الله الفاسي. وأخذ العربية عن الشيخ جمال الدين محمد بن عمرون. ودخل مصر لما خربت حلب، وقرأ القرآن على الكمال الضرير، وأخذ عن بقايا شيوخها، ثم جلس للإفادة. كان حسن الأخلاق، منبسطأ على الإطلاق، متسع النفس في حالتي الغنى والإملاق، ذكي الفطره، زكي المخالطة والعشره، مطرح التكلف مع أصحابه، عديم

стр. 2343

التخلف عن أشكاله وأضرابه، ومع ذلك فلم يرزق أحد سعادته في صدور الصدور، ولا فرح أحد بسيادته التي أربت على تمام البدور. وكان معروفاً بحل المشكلات، موصوفاً بإيضاح المعضلات، كثير التلاوة والأذكار، كثير الصلاة في نوافل الأسحار، موثوقاً بديانته، مقطوعاً بأمانته. وأما علمه بالعربية فإليهالرحلة من الأقطار، ومن فوائدها تدرك الأماني، وتنال الأوطار، قد أتقن النحو وتصريفه، وعلم حد ذلك ورسمه وتعريفه، ما أظن ابن يعيش مات إلا من حسده، ولا ابن عصفور لأجله طار ذكره إلا في بلده، ولا المرسي رست له معه قواعد، ولا لأبي البقاء العكبري معه ذكر خالد، بذهن نحى النحاس القديم عن مكانه، وجعل ابن بري برياً من فصاحة لسانه، وتحقيق ما اهتدى ابن جني إلى إظهار خباياه، ولا نسبت إلى السخاوي هباته ولا عطاياه. تخرج به الأفاضل، وتحرج منه كل مناظر ومناضل، وانتفع الناس به وبتعليمه، وصاروا فضلاء من توقيفه وتفهيمه، وكتب خطاً أزرى بالوشي إذا حبك، والذهب إذا سبك. ولم يزل على حاله إلى أن بلغ من الحياة أمدها، وأهدى الزمان إلى عينيه بفقده رمدها.

стр. 2344

وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة بالقاهرة. ومولده بحلب في سلخ جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وست مئة. وكان من العلماء الأذكياء الشعراء، له خبرة بالمنطق، وخط من إقليدس، وكان على ما قيل يحفظ ثلث " صحاح " الجوهري وثلث " سيبويه "، وكان مطرحاً صغير العمامة، يمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية فقط، وربما ضجر من الاشتغال فأخذ الطلبة، ومشى بهم بين القصرين وألقى لهم الدروس. وكان متين الديانة، وله أبهة وجلالة في صدور الناس، وكان بعض القضاة إذا انفرد بشهادة حكمه فيها وثوقاً بديانته، واقتنى كتباً نفيسة. أخبرني الشيخ نجم الدين الصفدي، وكان ممن قرأ عليه، قال: قال الشيخ بهاء الدين: ما يزال عندي كتب بألف دينار، وأحضر سوق الكتب دائماً ولا بد أن يتجدد لي علم باسم كتاب ما سمعت به انتهى. ولم يتزوج قط، وكانت له أوراد من العبادة. وكان يسعى في حوائج الناس ويقضيها. وأخبرني القاضي الرئيس عماد الدين بن القيسراني أنه لم يكن يأكل العنب، قال لأنه كان يحبه، فآثر أن يكون نصيبه في الجنة. وأخبرني الحافظ بن سيد الناس، قال: زكى بعض الفقهاء تزكية عند بعض القضاة ما زكاها أحد قط، لأنه أمسك بيد الذي زكاه، وقال للقاضي: يا مولاي

стр. 2345

الناس ما يقولون: ما يرمن على الذهب والفضة إلا حمار، قال: نعم، وهذا حمار، وانصرف فحكم القاضي بعدالة ذلك الفقيه. وأخبرني أيضاً أن الأمير علم الدين الشجاعي لما فرغت المدرسة المنصورية بين القصرين في أيام السلطان الملك المنصور قلاوون طلبه الأمير المذكور، فتوجه إليه وعمامته صغيرة بكراثة، على مصطلح أهل حلب، فلما جلس عنده، ولم يكن رآه، أخذ الأمير يتحدث بالتركي مع بعض مماليكه، فقال: يا أمير، المملوك يعرف بالتركي، فأعجب الأمير هذه الحركة منه، وقال له: السلطان قد فوض إليك تدريس التفسير بالقبة المنصورية، ونهار غد يحضر السلطان والأمراء والقضاة والناس، فغداً تحضر وتكبر عمامتك هذه قليلاً، فانصرف، ولما كان من الغد رآه الأمير علم الدين من بعيد، وهو جائز إلى المدرسة بتلك العمامة، فجهز إليه يقول له: ما قلت لك تكبر عمامتك قليلاً؟، فقال: يا مولانا، تعملوني مسخرة، وأراد أن يرجع، فقال الأمير علم الدين: دعوه يدخل، فلما جلس مع الناس؛ نظر الملك المنصور إلى الذين هناك، فقال: هذا ما هو الشيخ بهاء الدين بن النحاس؟، قالوا: نعم، فقال: هذا أعرفه، لما كنت ساكن في المدينة والناس يقرؤون عليه، وشكر الشجاعي على إحضاره، قال الشيخ فتح الدين: فلم يعرف السلطان غيره، ولا أثنى إلا عليه. وأخبرني عنه غير واحد أنه لم يزل عنده في بيته من أصحابه ومن الطلبة من يأكل على مائدته لا يدخر شيئاً، ولا يخبئه عنهم، وهنا أناس يلعبون الشطرنج، وهنا أناس يطالعون، وكل واحد في شأنه لا ينكر على أحد شيئاً. ولم تزل أخلاقه مرتاضةً حتى يكون وقت الاشتغال يتنكر، وكان لا يتكلم في حل النحو للطلبة إلا بلغة العوام لا يراعي الإعراب.

стр. 2346

وأخبرني الإمام أثير الدين، وعليه قرأ بالديار المصرية، قال: كان الشيخ بهاء الدين والشيخ محيي الدين محمد بن عبد العزيز المازوني المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية، ولم ألق أحدا أكثر سماعاً منه لكتب الأدب، وانفرد بسماع " صحاح " الجوهري. وكان كثير العبادة والمروءة والترحم على من يعرفه من أصحابه، لا يكاد يأكل وحده، ينهى عن الخوض في العقائد، وله ترداد إلى من ينتمي إلى أهل الخير. ولي التدريس بجامع ابن طولون وبالقبة المنصورية، وله تصدير في الجامع الأقمر، وتصادير بمصر، ولم يصنف شيئاً إلا ما وجدناه من إملائه على الأمير سنان الدين الرومي شرحاً لكتاب " المقرب " لابن عصفور، وذلك من أول الكتاب إلى باب الوقف أو نحوه. قال: وكنت وإياه نمشي بين القصرين، فعبر علينا صبي يدعى بجمال وكان مصارعاً، فقال الشيخ بهاء الدين: لينظم كل منا في هذا المصارع، ونظم الشيخ بهاء الدين: مصارع تصرع الآساد شمرته ... تيهاً فكل مليح دونه همج لما غدا راجحاً في الحسن قلت لهم ... عن حسنه حدثوا عنه ولا حرج قال أثير الدين: ونظمت أنا:

стр. 2347

سباني جمال من مليح مصارع ... عليه دليل للملاحة واضح لئن عز منه المثل فالكل دونه ... وإن خف منه الخصر فالردف راجح قال: وسمع الشيخ شهاب الدين العزازي نظمنا، فنظم فيه، وأنشدنيه: هل حكم ينصفني في هوى ... مصارع يصرع أسد الشرى مذ فر عني الصبر في حبه ... حكى عليه مدمعي ما جرى أباح قتلي في الهوى عامداً ... وقال: كم لي عاشق في الورى رميته في أسر حبي ومن ... أجفان عينيه أخذت الكرى قلت: أما قول الشيخ بهاء الدين - رحمه الله تعالى - فإنه منحط وما أتى فيه من مصطلح القوم إلا بلفظة " الراجح " لا غير. وأما قول شيخنا أثير الدين فإنه غاية لأنه أتى فيه بلفظ " المثل " و" الدون " و" الراجح ". وأما قول الشيخ شهاب الدين العزازي فبين بين، لم ينحط ولم يرتفع، لأنه أتى فيه بلفظة " حكى عليه " و" الإباحة " و" الرمي " و" أخذ الكرى " في أربعة أبيات وفيها عيب وهو التضمين وهو تعلق الثالث بالرابع، وقوله " الكرى " أخطأ فيه، لأن الكرى بمعنى النوم بفتح الكاف، والكرى بمعنى الأجرة بكسر الكاف فتنافيا وقد أشبعت القول في هذا في كتابي " فض الختام عن التورية والاستخدام ". وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدني الشيخ بهاء الدين لنفسه يخاطب الشيخ رضي الدين الشاطبي، وقد كلفه أن يشتري له قطراً: أيها الأوحد الرضي الذي طا ... ل علاء وطاب في الناس نشرا أنت بحر، لا غرو إن نحن وافي ... ناك راجين من نداك القطرا

стр. 2348

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه يرثي الشيخ أحمد المصري النحوي: عزاؤك زين الدين في الفاضل الذي ... بكته بنو الآداب مثنى وموحدا فهم فقدوا منه الخليل بن أحمد ... وأنت ففارقت الخليل وأحمدا وأنشدني قال: أنشدني لنفسه مما يكتب على منديل: ضاع مني خصر الحبيب نحولاً ... فلهذا أضحي عليه أدور لطفت خرقتي ودقت فجلت ... عن نظير لما حكتها الخصور أكتم السر عن رقيب لهذا ... بي يخفي دموعه المهجور وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: إني تركت لذا الورى دنياهم ... وظللت أنتظر الممات وأرقب وقطعت في الدنيا العلائق ليس لي ... ولد يموت ولا عقار يخرب وأنشدني شيخنا نجم الدين الصفدي من لفظه قال: أنشدنا الشيخ بهاء الدين لنفسه: قلت لما شرطوه وجرى ... دمه القاني على الخد اليقق ليس بدعاً ما أتوا في فعله ... ستروا البدر بمحمر الشفق قلت: ذكرت أنا هنا ما نظمته في هذا: قلت إذ شرطوا الحبيب وقد ضا ... ق علي الغرام في كل مسلك قد ملكت الفؤاد من غير شرط ... قال: لكنني مع الشرط أملك

стр. 2349

وقلت أنا فيه أيضاً: تشرط من أحب فذبت خوفاً ... وقال وقد رأى جزعي عليه عقيق دم جرى فأصاب خدي ... وشبه الشيء منجذب إليه وأخبرني شيخنا الذهبي قال: قرأت على الشيخ بهاء الدين ﵀ جزأين. قلت: وغالب روايات الشيخ أثير الدين كتب الأدب عنه - أعني الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى -. محمد بن إبراهيم بن علي ابن أحمد بن فضل الشيخ الموفق ابن الشيخ القدوة تقي الدين. كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. وكان كثير التلاوة، قليل الاجتماع بالناس، لا يعرف له صاحب ولا عشير، وسمع كثيراً من الحديث على المشايخ الذين أدركهم بالصالحية. وتوفي - رحمه الله تعالى - في خامس شهر المحرم سنة سبع مئة، ودفن عند والده. محمد بن إبراهيم بن يحيى ابن علي الأنصاري المروي الأصل، المصري المولد، جمال الدين الكتبي المعروف بالوطواط.

стр. 2350

كان من كبار الأدباء، وأعيان الألباء، ألف وجمع، وصنف فأبرق ولمع. وكان نثره جيدا، وطبعه عن النظم متحيدا، لم يقدر ينظم البيت الواحد، ولو لحده اللاحد، وينثر جيداً ما شاء، ويتقن في هذا الفن الإنشاء. وكانت له معرفة بالكتب وقيمتها، ودربة بوجودها وعدمها، وله فهم وذوق ومعرفة، وفضل يد له في مجاميعه على ما يريد أن يورده أو يصرفه، تدل تواليفه على ذلك، وتشهد له بحسن السلوك في تلك المسالك، وكان يرتزق بالوراقه، ويجمع في أثنائه ما راقه. ولم يزل على ذلك إلى أن بلغت حياته غايتها، وتناولت وفاته رايتها. وتوفي - رحمه الله تعالى -...... وسبع مئة. ومولده بمصر سنة اثنتين وثلاثين وست مئة. أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين، قال: كان له معرفة بالكتب وقيمتها، وله نثر حسن، ومجاميع أدبية. وكان بينه وبين ابن الخويي قاضي القضاة مودة، لما كان بالمحلة، فلما تولى قضاء الديار المصرية، توهم جمال الدين أنه يحسن إليه، ويبره، وسأله فلم يجبه إلى شيء من مقصوده، فاستفتى عليه فضلاء الديار المصرية، فكتبوا له على فتياه بأجوبة مختلفة، وصير ذلك كتاباً، وقد راحت به نسخة إلى بلاد
следующие страницы →