← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وأخبرني الإمام أثير الدين، وعليه قرأ بالديار المصرية، قال: كان الشيخ بهاء الدين والشيخ محيي الدين محمد بن عبد العزيز المازوني المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية، ولم ألق أحدا أكثر سماعاً منه لكتب الأدب، وانفرد بسماع " صحاح " الجوهري. وكان كثير العبادة والمروءة والترحم على من يعرفه من أصحابه، لا يكاد يأكل وحده، ينهى عن الخوض في العقائد، وله ترداد إلى من ينتمي إلى أهل الخير. ولي التدريس بجامع ابن طولون وبالقبة المنصورية، وله تصدير في الجامع الأقمر، وتصادير بمصر، ولم يصنف شيئاً إلا ما وجدناه من إملائه على الأمير سنان الدين الرومي شرحاً لكتاب " المقرب " لابن عصفور، وذلك من أول الكتاب إلى باب الوقف أو نحوه. قال: وكنت وإياه نمشي بين القصرين، فعبر علينا صبي يدعى بجمال وكان مصارعاً، فقال الشيخ بهاء الدين: لينظم كل منا في هذا المصارع، ونظم الشيخ بهاء الدين: مصارع تصرع الآساد شمرته ... تيهاً فكل مليح دونه همج لما غدا راجحاً في الحسن قلت لهم ... عن حسنه حدثوا عنه ولا حرج قال أثير الدين: ونظمت أنا:

стр. 2347

سباني جمال من مليح مصارع ... عليه دليل للملاحة واضح لئن عز منه المثل فالكل دونه ... وإن خف منه الخصر فالردف راجح قال: وسمع الشيخ شهاب الدين العزازي نظمنا، فنظم فيه، وأنشدنيه: هل حكم ينصفني في هوى ... مصارع يصرع أسد الشرى مذ فر عني الصبر في حبه ... حكى عليه مدمعي ما جرى أباح قتلي في الهوى عامداً ... وقال: كم لي عاشق في الورى رميته في أسر حبي ومن ... أجفان عينيه أخذت الكرى قلت: أما قول الشيخ بهاء الدين - رحمه الله تعالى - فإنه منحط وما أتى فيه من مصطلح القوم إلا بلفظة " الراجح " لا غير. وأما قول شيخنا أثير الدين فإنه غاية لأنه أتى فيه بلفظ " المثل " و" الدون " و" الراجح ". وأما قول الشيخ شهاب الدين العزازي فبين بين، لم ينحط ولم يرتفع، لأنه أتى فيه بلفظة " حكى عليه " و" الإباحة " و" الرمي " و" أخذ الكرى " في أربعة أبيات وفيها عيب وهو التضمين وهو تعلق الثالث بالرابع، وقوله " الكرى " أخطأ فيه، لأن الكرى بمعنى النوم بفتح الكاف، والكرى بمعنى الأجرة بكسر الكاف فتنافيا وقد أشبعت القول في هذا في كتابي " فض الختام عن التورية والاستخدام ". وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدني الشيخ بهاء الدين لنفسه يخاطب الشيخ رضي الدين الشاطبي، وقد كلفه أن يشتري له قطراً: أيها الأوحد الرضي الذي طا ... ل علاء وطاب في الناس نشرا أنت بحر، لا غرو إن نحن وافي ... ناك راجين من نداك القطرا

стр. 2348

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه يرثي الشيخ أحمد المصري النحوي: عزاؤك زين الدين في الفاضل الذي ... بكته بنو الآداب مثنى وموحدا فهم فقدوا منه الخليل بن أحمد ... وأنت ففارقت الخليل وأحمدا وأنشدني قال: أنشدني لنفسه مما يكتب على منديل: ضاع مني خصر الحبيب نحولاً ... فلهذا أضحي عليه أدور لطفت خرقتي ودقت فجلت ... عن نظير لما حكتها الخصور أكتم السر عن رقيب لهذا ... بي يخفي دموعه المهجور وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: إني تركت لذا الورى دنياهم ... وظللت أنتظر الممات وأرقب وقطعت في الدنيا العلائق ليس لي ... ولد يموت ولا عقار يخرب وأنشدني شيخنا نجم الدين الصفدي من لفظه قال: أنشدنا الشيخ بهاء الدين لنفسه: قلت لما شرطوه وجرى ... دمه القاني على الخد اليقق ليس بدعاً ما أتوا في فعله ... ستروا البدر بمحمر الشفق قلت: ذكرت أنا هنا ما نظمته في هذا: قلت إذ شرطوا الحبيب وقد ضا ... ق علي الغرام في كل مسلك قد ملكت الفؤاد من غير شرط ... قال: لكنني مع الشرط أملك

стр. 2349

وقلت أنا فيه أيضاً: تشرط من أحب فذبت خوفاً ... وقال وقد رأى جزعي عليه عقيق دم جرى فأصاب خدي ... وشبه الشيء منجذب إليه وأخبرني شيخنا الذهبي قال: قرأت على الشيخ بهاء الدين ﵀ جزأين. قلت: وغالب روايات الشيخ أثير الدين كتب الأدب عنه - أعني الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى -. محمد بن إبراهيم بن علي ابن أحمد بن فضل الشيخ الموفق ابن الشيخ القدوة تقي الدين. كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. وكان كثير التلاوة، قليل الاجتماع بالناس، لا يعرف له صاحب ولا عشير، وسمع كثيراً من الحديث على المشايخ الذين أدركهم بالصالحية. وتوفي - رحمه الله تعالى - في خامس شهر المحرم سنة سبع مئة، ودفن عند والده. محمد بن إبراهيم بن يحيى ابن علي الأنصاري المروي الأصل، المصري المولد، جمال الدين الكتبي المعروف بالوطواط.

стр. 2350

كان من كبار الأدباء، وأعيان الألباء، ألف وجمع، وصنف فأبرق ولمع. وكان نثره جيدا، وطبعه عن النظم متحيدا، لم يقدر ينظم البيت الواحد، ولو لحده اللاحد، وينثر جيداً ما شاء، ويتقن في هذا الفن الإنشاء. وكانت له معرفة بالكتب وقيمتها، ودربة بوجودها وعدمها، وله فهم وذوق ومعرفة، وفضل يد له في مجاميعه على ما يريد أن يورده أو يصرفه، تدل تواليفه على ذلك، وتشهد له بحسن السلوك في تلك المسالك، وكان يرتزق بالوراقه، ويجمع في أثنائه ما راقه. ولم يزل على ذلك إلى أن بلغت حياته غايتها، وتناولت وفاته رايتها. وتوفي - رحمه الله تعالى -...... وسبع مئة. ومولده بمصر سنة اثنتين وثلاثين وست مئة. أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين، قال: كان له معرفة بالكتب وقيمتها، وله نثر حسن، ومجاميع أدبية. وكان بينه وبين ابن الخويي قاضي القضاة مودة، لما كان بالمحلة، فلما تولى قضاء الديار المصرية، توهم جمال الدين أنه يحسن إليه، ويبره، وسأله فلم يجبه إلى شيء من مقصوده، فاستفتى عليه فضلاء الديار المصرية، فكتبوا له على فتياه بأجوبة مختلفة، وصير ذلك كتاباً، وقد راحت به نسخة إلى بلاد

стр. 2351

المغرب. وكان قد سألني على أن أجيب على ذلك، فامتنعت لأن الإجابة اقتضت ذم المستفتى عليه، وكذلك أجاب جميع من كتب عليها. انتهى. قلت: أما هذه الفتيا فقد رأيتها، ونقلتها بخطي، وهي في الجزء الثاني عشر من " التذكرة " التي لي، وقد سماها " فتوى الفتوة ومرآة المروة ". وكتب له الشيخ بهاء الدين بن النحاس وناصر الدين حسن بن النقيب، ومحيي الدين بن عبد الظاهر كتب له جوابين أحدهما له والآخر عليه، وشرف الدين بن فضل الله والسراج الوراق، وناصر الدين شافع، وشرف الدين القدسي، وشرف الدين بن قاضي إخميم، ومكين الدين الجزري كتب له جوابين، والنصير الحمامي وكمال الدين بن القليوبي، وعلم الدين بن بنت العراقي، وشمس الدين الخطيب الجزري، وعلم الدين القمني، وبدر الدين الحلبيالموقع، وعماد الدين بن العفيف الكاتب، وشمس الدين بن مهنا، بدر الدين المنبجي، وأمين الدين بن الفارغ، وشمس الدين بن دانيال، والفقيه شعيب، وناصر الدين بن الإسكاف، ونور الدين المكي، وآخر لم يذكر اسمه لأنه عاهده على ذلك. ومن تصانيف جمال الدين المذكور كتاب " مناهج الفكر، ومناهج العبر " أربع

стр. 2352

مجلدات، تعب عليه، وجوده، وما قصر فيه، وكتاب " الدرر والغرر والدرر والعرر ". وملكت بخطه تاريخ " الكامل " لابن الأثير، قد ناقش المصنف في حواشيه، وغلطه، وواخذه. وفي جمال الدين هذا يقول شمس الدين بن دانيال وقد حصل للوطواط رمد: ولم أقطع الوطواط بخلاً بكحله ... ولا أنا من يعييه يوماً تردد ولكنه ينبو عن الشمس طرفه ... وكيف به لي قدرة وهو أرقد وأنشدني إجازة له ناصر الدين بن شافع: كم على درهم يلوح حراماً ... يا لئيم الطباع سراً تواطي دائماً في الظلام تمشي مع النا ... س، وهذي عوائد الوطواط وأنشدني له أيضاً: قالوا: ترى الوطواط في شدة ... من تعب الكد وفي ويل فقلت: هذا دأبه دائماً ... يسعى من الليل إلى الليل وكان المسكين جمال الدين لا يزال الواقع بينه وبين القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، فكتب تقليداً على سبيل المداعبة لشخص يعرف بابن غراب يعرض

стр. 2353

فيه بالوطواط، وهو: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " إلى كل ذي جناح، وكل اجتراء من الطير واجتراح، وإلى كل ذي صيال منهم، وكل ذي صياح، وإلى كل ذي عفاف منهم، وكل ذي جماح. أما بعد: فإنه لما علمنا من الله كلام الطير وفهمناه من منطقه، وألزمناه من عهده وموثقه، فقال: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " ترى أن من برز لعجز من أولي المخالب وذوي المناسر، صار على ذي مسالمه، وإن غدا بعضها لبعض طعماً، ولا يتجاوز أحد منها مقامه المحمود في المكارمه، وإن اتفقت الأجناس واختلفت الأسماء للوضيع والأسمى، وأن يشكر للورق حسن شجعها وعفاف طبعها، مساعدتها للخلي بغنائها في دوحها، وللحزين بترجيع ندبها ونوحها، ولأنها متجملة بتخضيب الكف وتطويق الأعناق، ومتحملة من القدود إلى الغصون رسائل العشاق بالأشواق، حتى وسمت بأنها على تعانق القضب رقبا، وسمت حتى أصبحت على منابر الأشجار خطبا. ويؤثر أن يحمل لذوات الاصطياد من الجوارح تحصيل ما تقتات به النفوس، وتمتار منه الجوارح لأنها شرفت بنفوسها حتى علت على أيدي الملوك، وقيل لابنها: لله أبوك، وأن يصف بحسن اعتذاره في جيئته وذهابه، وأن ينثني على حسن خطبته وجميل خطابه، إلى غير ذلك من قطا لو ترك لهدأ ونام، وإلى بلابله الملوك من

стр. 2354

الحمام، وإلى غرانيق تهرب الثعابين من أصواتها، وإلى سباطر ترتج الأرض بأكلها لحياتها، وإلى لغالغ تنطق، وكأنما ألبست ملابس أهل الجنان من السندس والاستبرق، وإلى ما ينجلي من طواويس كأنما استعار منها قوس قزح أثواباً دبجتها الشمس بشعاعها، وأهلتها الأهلة لإيداع إبداعها، وإلى ديكة مباركه، يؤذن آذانها بمرور ملك من الملائكة، وإلى نسر عظيم التأمير، وإلى نعام كاد يطير. وإنا فكرنا في بعض ذوات الأجنحة خبيث حقير السمات، أسود الوجه والقفا والصفات، لا يألف إلا قبور الأموات، ولا يسعى إلا في الظلم والظلمات، ذو أذن ناتئة وما هذه الصفة من صفات الطيور، وإنه يولد والطير لا يعرف منها إلا أنها تحضن بيضها في أعشاشها والوكور، وإنه لا يقع في الشباك ولا في الفخوخ، وإنه يمني كما يمني الرجل وليس من الأنس، وإن كان شيطاناً فإنه شيطان ممسوخ، ولا يسمع منه هديل ولا هدير، ولا يصير مسرور حيث يصير، يغدو على الروضات متلصصا، ويغدو للثمار منقصا، مشؤوم الطلعه، مذموم النجعه، مرجوم البقعه سيئ الجوار قبيح الآثار، مؤذن بخراب الديار، أسود من قار، وأفسد من فار، لا يحسن به الانبساط، ولا يمكن معه الاحتياط، أخس مخلوقات الله تعالى، وهو المسمى بالوطواط. كم ضري وكم ضر، وكم ساء وما سر، وما أبرأ قط ولا أبر، ولا هو حيوان من بحر ينتفع به ولا من بر. وهذا كتابنا إلى كل ذي بسط وقبض، وإلى كل ذي انتهاس وانتهاش وعض، وكل رب مقبرة مظلمه، وكل ذي موحشة معتمه، وكل من إليه توغل الأعماق المقتمه، يتضمن إهلاك هذا الحيوان الخبيث وتطهير الأمكنة من رجسه، وسد المنافس

стр. 2355

على الكريهين من نفسه ونفسه، وأن لا ترعى له حرمه، ولا يرقب فيه إل ولا ذمه، بحكم أنه ليس من الطير ولا من الوحش، ولا ذو قوة ولا بطش، ولا فيما ينتفع به صائل ولا صائد ولا آكل، ولا هو معين ذي فرج ولا ثاكل، وإن ضرره للأحياء والأموات فاش. ولأنه إذا دعي بأحب الأسماء إليه قبل له: خفاش، لا يكرع في نهر النهار، ولا يحوم مع ذوات الجناح في مطار، وأكره شيء إليه الأنواء والأنوار، ولا يوصف بأنه الشهم، ولا هو ذو ريش ينتفع به بإراشة السهم، لا تحد له الصفائح، ولا يعد في جملة الذبائح، ولا ريح له في الشواء، ولا ريح له في الشرائح. ورسمنا أن يفوض أمره وحسبة الطير للإمام شرف الدين بن غراب، فليتق الله في كل ذات طوق وغير طوق، وليراقبه مراقبة أبيه إذا قنع من إيمانه بما اقتنع به ﷺ من السوداء بأن قال لها: أين الله؟، فقالت: في السماء. وأبوه، فلا يزال يقول: الله فوق، وليحتسب على هذا الخبيث المشوه، وهذا الخسيس المنوه، فقد فوضنا ذلك إليه إذ هو كأبيه منطق مفوه، وليترك في أمره النعيق والنعيب، وليعلن بلغته إعلاماً فصيحاً يستوي فيه البعيد والقريب، ويتجاوز فيه في ذلك كل سمي بهذا الاسم المشؤوم، إذ لكل امرئ من نعته نصيب، وليقرأ هذا المرسوم على رؤوس الأشهاد وعند الآبار المعطلة والبراني والخراب واليباب، ويزيل من الترب المظلمة والقباب عند كل باب، والخاتم الشريف السليماني أعلاه حجة بمقتضاه إن شاء الله تعالى.

стр. 2356

محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر، الإمام العالم قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله الكناني الحموي الشافعي قاضي قضاة الديار المصرية. سمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري بحماة وبمصر من الرضي بن البرهان والرشيد العطار وإسماعيل بن عزرون وعدة. وبدمشق من ابن أبي اليسر، وابن عبد، وطائفة. وأجاز له عمر بن البراذعي، والرشيد بن مسلمة وطائفة. وحدث " بالشاطبية " عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبي. وله إجازة في سنة ست وأربعين أجازه فيها الرشيد بن مسلمة، ومكي بن علان، وإسماعيل العراقي، واليلداني، والصفي عمر بن عبد الوهاب الراذعي، وخطيب مردا، وغيرهم. وسمع من والده، وأحمد بن القاضي زين الدين الدمشقي، وابن علاق، وعثمان بن رشيق، والحافظ العطار، والنجيب عبد اللطيف الحراني، والرضي بن البرهان الواسطي، وشمس الدين إسحاق بن بلكويه الصوفي المعروف بالمشرف، والشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والقاضي شمس الدين بن عطا الحنفي، وكمال الدين عبد العزيز بن عبد، وشيخ الشيوخ شرف الدين، والشيخ ناصح الدين

стр. 2357

القسطلاني، وأخيه قطب الدين، والشيخ محب الدين بن دقيق العيد، والشيخ جمال الدين بن مالك، والشيخ جمال الدين الصيرفي، وجماعة غيرهم. وطلب الحديث بنفسه، وقرأ على الشيوخ وحدث ب " صحيح " البخاري بطريق البوصيري. وحدث بالشام ومصر والحجاز، وخرج له المحدثون عوالي ومشيخات بمصر وبدمشق، وخرج هو لنفسه أربعين حديثاً من الأحاديث التساعيات العوالي، وسمعت عليه مع جماعة بمنزله بمصر المجاور للجامع الناصري، وأجاز لي في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وحدث بالكثير، وتفرد في وقته. كان إمام زمانه، وصدر أوانه، وانتهت إليه رياسة الدين والدنيا، رقى بسيادته في مراتب العليا، وجمع له من المناصب ما لم يجمع في وقته لسواه، وترك كل عدو له وحاسد ينطوي على نيران جواه، اشتغل بالعلم من صغره، واستمر على ذلك في مدة كبره. وصحب قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، وانتفع به وقرأ عليه كثيراً من كتبه، ولازم طريق الخير وصحبة الصالحين، واتحد بالفقراء العاملين العالمين، واشتهر بهذه الطريقة، وعرف بهذا الخير الذي هو نعم الرفيق في كل فريق، فترشح بذلك للوظائف الكبار، والمناصب التي ما على حسنها غبار، ومع هذا كله لازم طريقة واحدة، وباشر القضاء والحكم وقد جعل الله فضله شاهده ورزق السعادة العظمى في كل ما تولاه، وزانه من محاسنه ما تحلاه، واتصف بصفات، وما يقول الناس في البدر إذا محا سواد الدجى وجلاه:

стр. 2358

وجلال لو كان للقمر البد ... ر جاز فيه حكم المحاق ثم إنه ضعف بصره واستعفى من المباشره، وترك الخلطة بالناس والمعاشره، وانقطع في منزله قريباً من ست سنين يزوره الناس للبركه، ويقصدونه للتملي بمحاسنه، والأخذ من فوائده المشتركه. ولم يزل على حاله إلى أن كسف بدره، وأزلف قبره، وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الاثنين بعد العشاء الآخرة الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. ومولده ليلة السبت عند مضي الثلث الأول من ليلة رابع شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وست مئة. وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب يوم الجمعة بعد الصلاة عاشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة. وكان قد درس أولاً بدمشق في المدرسة القيمرية مضافاً إلى الخطابة في أول دولة لاجين. ثم إنه نقل إلى قضاء القدس مع الخطابة به في شوال سنة سبع وثمانين وست مئة عوضاً عن فخر الدين الزرعي. ثم إنه طلب لقضاء الديار المصرية، فتوجه إليها في شهر رمضان سنة تسعين بدل ابن بنت الأعز، وجمع له بين قضاء البلدين، فأحسن السيرة هناك، وأقام مدة، وتجمعت له هناك مناصب جليلة. أقام بالقاهرة على حاله، إلى أن قتل الأشرف، وأمسك الصاحب بن السلعوس، فصرف القاضي بدر الدين بن جماعة وأعيد قاضي القضاة تقي الدين بن بنت الأعز إلى ما كان عليه.

стр. 2359

واستقر ابن جماعة هناك في تدريس وكفاية؛ إلى أن توفي قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن الخوبي، فنقل إلى قضاء الشام، ووصل إلى دمشق رابع عشر ذي الحجة من السنة قاضي قضاة الشام، وجمع له مع القضاء الخطابة - وليها بعد الشيخ شرف الدين المقدسي في شوال سنة أربع وتسعين وست مئة - ومشيخة الشيوخ، وأقام على ذلك مدة، ولم يتفق هذا لغيره، وازداد على ذلك التداريس الكبار ونظر الأوقاف وغير ذلك. ولم يزل على ذلك إلى أن طلب ثانياً لقضاء الديار المصرية في شعبان سنة اثنتين وسبع مئة عوضاً عن ابن دقيق العيد، فأقام على ذلك إلى أن حضر السلطان من الكرك في سنة تسع وسبع مئة، فعزله، وولى مكانه قاضي القضاة جمال الدين الزرعي في شهر ربيع الأول سنة عشر وسبع مئة مستهل الشهر. وعزل أيضاً شمس الدين السروجي قاضي القضاة الحنفي، وطلب ابن الحريري، فولاه مكانه، وتولى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في هذه العطلة تدريس المدرسة الناصرية في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ثم إنه أعيد إلى منصبه قضاء القضاة بالديار المصرية عوضاً عن القاضي جمال الدين الزرعي في الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة واستقر له مع الحكم مشيخة الحديث بالكاملية وجامع ابن طولون، وتدريس الصالحية والناصرية. ولم يزل على حاله إلى أن استعفى من القضاء في جمادى الآخرة - فيما أظن - سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فاستمرت بيده الزاوية المنسوبة إلى الشافعي ﵁ بجامع مصر، وقرر له السلطان الملك الناصر راتباً في الشهر مبلغ ألف درهم وعشرة أرادب قمحاً، وكان قد ترك تناول المعلوم قبل انفصاله عن القضاء بمدة. وحج ست مرات، أولها سنة ست وخمسين وست مئة، وجاوز التسعين سنة،

стр. 2360

وكان قد رزق القبول عند الخاصة والعامة، وصنف في التفسير والحديث والفقه والأصول والنحو وعلم الميقات وغير ذلك، وقرئت عليه مصنفاته. وكان يخطب غالباً من إنشائه، ويؤدي الخطابة بفصاحة، ويقرأ في النهار طيباً. واجتمع له من الوجاهة والمناصب والعمر المديد في العز والعمل والتقدم ما لا اجتمع لغيره، وانقطع نظراؤه، وانقرضوا، وساد هو عليهم في حياتهم. ومن نظمه - رحمه الله تعالى - ما أنشدنيه له إجازة: يا لهف نفسي لو تدوم خطابتي ... بالجامع الأقصى وجامع جلق ما كان أهنأ عيشنا وألذه ... فيها وذاك طراز عمري لو بقي الدين فيه سالم من هفوة ... والرزق فوق كفاية المسترزق والناس كلهم صديق صاحب ... داع وطالب دعوة بترقق وأنشدني له أيضاً إجازة: لما تمكن من فؤادي حبه ... عاتبت قلبي في هواه ولمته فرثى له طرفي، وقال: أنا الذي ... قد كنت في شرك الهوى أوقعته عاينت حسناً باهراً فاقتادني ... سراً إليه عندما أبصرته وأنشدني لنفسه إجازة: أحن إلى زيارة حي ليلى ... وعهدي من زيارتها قريب وكنت أظن قرب العهد يطفي ... لهيب الشوق فازداد اللهيب قلت: ما أحسن قول القائل: وكلما زدتني دنواً ... زدت إلى وجهك اشتياقاً

стр. 2361

وأنشدني لنفسه إجازة: وإذا ما قصدت طيبة شوقاً ... صار سهلاً لدي كل عسير وإذا ما ثنيت عزمي عنها ... فعسير علي كل يسير قلت: ما أحسن القائل: يا ليل ما جئتكم زائراً ... إلا وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي محمد بن إبراهيم بن محمد ابن طرخان، الصدر الشيخ بدر الدين بن الحكيم، العالم رئيس الأطباء عز الدين أبي إسحاق السويدي - من سويداء حوران - من أولاد سعد بن معاذ. سمع من جماعة فوق المئة منهم الرشيدي مسلمة، وابن علان، وإبراهيم بن خليل، والعراقي، وعبد الله بن الخشوعي، والصدر البكري، ومحمد بن عبد الهادي، وأخوه عبد الحميد، واليلداني، والكفر طابي، ومحمد بن سعد المقدسي، وخطيب مردا. وأجاز له من بغداد بعض أصحاب ابن شاتيل، وبعض أصحاب شهدة. وكان مستوفي الأوقاف، وخدم بديوان الجامع مدة، وسمع منه الطلبة. وتوفي - رحمه الله تعالى - ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ومولده تقريباً سنة خمس وثلاثين وست مئة.

стр. 2362

محمد بن إبراهيم ابن معضاد.... توفي - رحمه الله تعالى -..... سنة سبع وثلاثين وسبع مئة بمصر. ولما توفي - رحمه الله تعالى - قام أخوه عمر. قال لي شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين ﵀: هؤلاء أهل بيت لا يتكلم فيهم أحد حتى يموت واحد قبله. محمد بن إبراهيم بن غنايم الصالحي الحنفي المحدث العدل، شمس الدين بن المهندس الشروطي. سمع من ابن أبي عمر، وابن شيبان، والفخر، وطبقتهم. وكتب العالي والنازل، ورحل إلى مصر بابنه، ونسخ الكثير، وحصل الأصول، وخرج، وأفاد مع التصون والتواضع وطيب الخلق وصحة النقل. وخلف أولاداً وملكاً.

стр. 2363

وكان رأسه يضطرب دائماً لا يفتر، وصى بوقفية أجزائه، وكتب شيخنا الذهبي عنه، وأجاز له. وتوفي - رحمه الله تعالى - في الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة ست وخمسين وست مئة تقريباً. محمد بن إبراهيم بن محمد ابن أحمد الفقيه المفيد الرحال أمين الدين الواني الدمشقي الحنفي، رئيس المؤذنين بدمشق وابن رئيسهم برهان الدين. وقد تقدم ذكر والده شرف الدين. كتب أمين الدين، وتعب، وحصل الأصول، وحدث بمصر ودمشق ومكة عن أبي الفضل بن عساكر، والتقي بن مؤمن، وجماعة. وتوفي - رحمه الله تعالى - بعد والده بشهر، ودفن إلى جانبه ... سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، عاش إحدى وخمسين سنة. قال شيخنا الذهبي: كان من خير الطلبة، وأجودهم نقلاً. محمد بن إبراهيم بن عبد الله الشيخ الجليل الفاضل القدوة أبو عبد الله بن الشيخ السيد القدوة ابن الشيخ السيد القدوة الأرموي. روى " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم.

стр. 2364

كان من كبار الأدباء، وجلة العلماء، وسادة العارفين، وأئمة المصنفين، ديانته متينه، وصيانته مبينه، له فضائل، وفيه تودد ولطف شمائل، يكرم من يزوره، ويقبل عنده لكرم طباعه حقه وزوره. له وجاهة عند الأمراء والأكابر، وأرباب الطيالس والمحابر، وكلمته نافذة فيما يراه، وقوله يسمع فيما يأمر به ويراه. وشعره أرق من دموع العشاق وعتاب الأحباب إذا وصلوا بعد الصد والفراق، ونسيم الرياض إذا هب في وقت الاغتباط بالاعتباق: تسمع من شعره بيوتاً ... ألذ من غفلة الرقيب كأنما إذا صفت ورقت ... شكوى محب إلى حبيب لم أر مثل نظمه العذب، وقريضه الذي هو في سلالة الماء وصقال العضب، يهزأ بسجع الحمام، ويهز عطفي بالطرب؛ حتى كأني ثملت من المدام. وقد أوردت منه جملة في الجزء والثامن والثلاثين من " التذكرة " لي. ولم يزل الشيخ على حاله إلى أن رمي الأرموي بسهم الحمام، وبكى عليه يوم مات حتى جفون الغمام. وتوفي - رحمه الله تعالى - في عاشر شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة، بزاويته بسفح قاسيون، وصلي عليه بالجامع المظفري، ودفن عند والده، وحضر جنازته خلق كثير من الأمراء والقضاة والفقهاء والصدور وعامة الناس. وغلق سوق الصالحية بأسره، وكان يوماً مطيراً كثير الوحل والطين. وكان فيه خير وتودد ومواظبة على المشيخة، وإكرام من يزوره.

стр. 2365

ومولده في شهر رجب سنة خمس وأربعين وست مئة. جمع جزءاً في السماع وجزءاً في أخبار جده. ومن كلامه في السماع قال: افتقار السماع إلى الوجد افتقار الصلاة إلى النية، فكما لا تصح الصلاة إلا بالنية والقصد؛ كذلك لا يباح السماع إلا بالوجد، فمن كانت حركته في السماع طبيعيه؛ كانت نشوته به حيوانيه، ألا ترى أن كثيراً من الحيوانات ينشأ له حال غير المعتاد عند سماع المطربات، وقوة حركة لسماع النغمات، فمن كان هذا السماع الحيواني في ذلك أقصى أربه؛ كان مقصوراً فيه على لهوه ولعبه، وهو سماع الطبيعة لا سماع الأرواح، فجدير أن يجتنب، فإنه يستعمل الطبيعة فيه غير مباح، والسماع الذي اختلفت فيه الأقوال، إنما هو سماع أهل المقامات والأحوال، فمنهم من أباحه على حكم الاختصاص، ومنهم من جعله زلة الخواص، ومنهم من توقف، ولم يجد إلى إقامة الدليل على كلا أمريه نشاطا، ورأى الاستغفار منه إذا قدر له الحضور فيه احتياطا، فهو متردد في أمريه، فتركه لمثل ذلك أولى، ولم يدر على من حضره من السلف، ولكن لم ير نفسه لحضوره أهلاً، فهذه جملة إقناعية مما قيل فيه، ونبذة لعل من تأملها تكفيه: إذا حرك الوجد السماع إليكم ... يباح، وإلا فالسماع حرام ومن هزه طيب السماع حديثكم ... ومال من الأشواق ليس يلام ولا عجب إن شتت الحب جمعه ... فليس لأحوال المحب نظام غذي بلبان الحب قدماً وماله ... سواه إذا آن الفطام فطام يسير مع الأشواق أنى توجهت ... وليس له في الكائنات مقام ولا غرو إن ضلت مذاهب عقله ... فإن مقر العز ليس يسام حمى لا سبيل أن يباح مصونه ... وكل الورى طافوا عليه وحاموا وقاموا وقد جدوا لأول منزل ... فقاموا حيارى فيه حيث أقاموا

стр. 2366

ومن شعره أيضاً: وافى الربيع فعاد الروض مبتسماً ... وطالما انتحبت فيه سحائبه والغصن من فوقه الشحرور تحسبه ... يتلو الزبور بأعلى الدير راهبه وشاطئ النهر قد دبت عوارضه ... وافتر مبسمه واخضر شاربه فصفق الدوح لما أن رأى عجباً ... من أجل ذلك قد شابت ذوائبه ومنه: لم أنس ليلة بات البدر يخدمنا ... إلى الصباح ولم يشعر بنا الرقبا والنهر يجري لجيناً والدجى سيج ... فمذ بدا الصبح ياقوتاً جرى ذهبا ومنه: وافى النسيم أمام القطر فانثنت ال ... أغصان ترقص من تيه ومن مرح وأعين الروض تجري وهو مبتسم ... وقد تفيض دموع العين بالفرح ومنه: أصبحت أسجع من ورقاء فاقدة ... تنوح في الدوح طول الليل لم تنم بعد الأحبة لا تهوى المنام بلى ... إن سامحوها وزار الطيف في الحلم ومنه: رأيت الصبا لما استعنت بلطفها ... على حمل ما لاقيته تتعلل وقمت بحفظ العهد للنجم في الدجى ... فما باله في صحبتي يتنقل وقلب الدجى ما زال للسر كاتماً ... وها هو عما خلته يتحول ومنه: سكرت كما تهب صباً صباحاً ... فرق لأنه بر كريم فلا تعجب له إن مال عطفاً ... فإن الغصن يعطفه النسيم

стр. 2367

ومنه: لطفت شمائله فعدن شمائلاً ... من أجلها عرف النسيم معطر لو لم ينم عبيره بعبوره ... كان الرقيب للطفه لا يشعر ومنه: أصافح الأغصان أبغي الحيا ... مستسقياً أكؤس جريالها وكيف لا يدركني جودها ... وقد تعلقت بأذيالها ومنه: يا معرضاً عني وفي إعراضه ... لطف يفي بفضائل القرب من دون سفك دمي بحبك عامداً ... معنى يقيك بواعث العتب ومنه: كأنما النهر في ظل الغصون وقد ... ألقى السحاب عليه حمرة الشفق خد تكنفه فرط الحياء وقد ... مد العذار عليه خضرة الورق ومنه: وربوع يكاد طيب شذاها ... يفضح المسك في نحور العذارى أشرقت شمس نورها فرأينا ... نحوها في الدجى نؤم نهارا وأتى القابسون نحو سناها ... فرأوا جل نارها جلنارا ومنه: أنا مستجير بالدجى ... من سل سيف صباحه فعساه يكلأ ذا هو ... كرماً بظل جناحه

стр. 2368

ومنه: كأن سماءنا والبدر فيها ... وأنجمها محدقة إليه حديقة نرجس من حور عين ... تدفق ماؤها فطفا عليه ومنه: تبسم ثغر الروض بعد قطوبه ... سروراً بإقبال الربيع إليه ألم تر أن الغصن إذ رقت الصبا ... يصفق مسروراً لها بيديه وأن ثياب الورد وهي شقيقة ... يشققها حتى تمر عليه ومنه: خلت أن الغصون ترقص لما ... أن أتاها النسيم بالأمطار فلهذا ألقت له ما عليها ... فهي من شدة السرور عواري لبست في الثياب ثوب وقار ... ورأت في المشيب خلع عذاري محمد بن إبراهيم بن أبي بكر شمس الدين المؤرخ الجزري. لهج بالتاريخ، وجمعه، وسمع من إبراهيم بن أحمد بن كامل، والفخر

стр. 2369

علي، وابن الواسطي، والأبرقوهي، وابن الشقاري، وغيرهم من الشعراء. وكان حسن المذاكرة، سليم الباطن صادقاً، وفي تاريخه عجائب وغرائب عامية. أجاز لي بخطه - رحمه الله تعالى - سنة ثلاثين وسبع مئة. وتوفي - رحمه الله تعالى - ... سنة تسع وثلاثين وسبع مئة بدمشق، ودفن في مقابر الباب الصغير. وروى عنه الشيخ علم الدين البرزالي هذه الأبيات: إلهي قد أعطيتني ما أحبه ... وأطلبه من أمر دنياي والدين وأغنيتني بالقنع عن كل مطمع ... وألبستني عزاً يجل عن الهون وقطعت عن كل الأنام مطامعي ... فنعماك تكفيني إلى يوم تكفيني ومن دق باباً غير بابك طامعاً ... غدا راجعاً عنه بصفقة مغبون قلت: وأنا أستكثر هذه الأبيات عليه، وإن لم تكن في الذروة. محمد بن إبراهيم بن إبراهيم ابن داود بن حازم، الشيخ الإمام الصدر الكامل قاضي القضاة الأذرعي شمس الدين الحنفي. كان فاضلاً من أعيان مذهبه، يعرف الفقه والأصول والنحو، ودرس بالمدرسة الشلبية، وولي القضاء بدمشق سنة كاملة، وروى عن ابن عبد الدائم.

стр. 2370

قال شيخنا البرزالي: قرأت عليه بدمشق وبتبوك. توجه إلى القاهرة متمرضاً، ونزل بخانقاه سعيد السعداء، فأقام خمسة أيام. وتوفي - رحمه الله تعالى - في خامس شهر رجب سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. ومولده سنة أربع وأربعين وست مئة. وكان قد ولي القضاء بدمشق في ثاني عشر ذي القعدة سنة خمس وسبع مئة عوضاً عن القاضي شمس الدين بن الحريري، ولما وصل توقيعه في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبع مئة غلط البريدي، وتوجه بالتوقيع إلى ابن الحريري، ولما قرئ علم أنه قد غلط، فعاد به إلى الأذرعي. محمد بن إبراهيم العدل الرئيس الفاضل صلاح الدين أبو عبد الله الطيب المعروف بابن البرهان. كان أبوه جرائحياً، وفي أبيه يقول القائل، وقد ظرف: كل من عالج الجراحة فدم ... وأقيم الدليل بالبرهان ولما نشأ صلاح الدين المذكور لأبيه أقرأه أبوه القرآن، فحفظ منه نحو النصف، وقرأ طرفاً من العربية على الشيخ بهاء الدين بن النحاس، وقرأ الطب على العماد النابلسي، ثم على الشيخ علاء الدين بن النفيس. وكان قد أجيز أولاً بالكحل، ثم بالتصرف في الطب، وكان فاضلاً في فروع الطب، مشاركاً في الحكمة، مائلاً إلى علم النجوم والكلام على طبائع الكواكب وأسرارها، وقرأ في آخر عمره على الشيخ شمس الدين الأصفهاني كثيراً من الحكمة،

стр. 2371

وسمع بقراءة فخر الدين عبد الوهاب كاتب الدرج كتاب " الشفاء " لابن سينا على الشيخ شمس الدين، وهو يشرحه لصلاح الدين ميعاداً فميعاداً إلى أن أكمله. قال القاضي شهاب الدين بن فضل الله: وسألت الشيخ شمس الدين عنه، فقال: اشتغاله أكثر من ذهنه، وكان علمه بالطب أكثر من معالجته. وقال لي شيخنا شمس الدين: إنه طلعت في أصبعه سلعة، فاستطب لها صلاح الدين، فبهت، ثم وصف أشياء لم تفده، فقال له فخر الدين عبد الوهاب: لو عملت كذا وكذا كان أنفع له، فعمله، فنفعه، وبرئ به. وكان صلاح الدين المذكور ذا مال ومتجر، وأكثره في إخميم، وكان من أعيان أطباء السلطان الذين يدخلون عليه، ويعرف له السلطان مكانته وفضله، وكان خصيصاً بالنائب الأمير سيف الدين أرغون. ثم إنه اختص بعده بالأمير سيف الدين طقزتمر، ويطلع معه في كل سنة إلى الصعيد، فيكون في خدمته، ويستعين بجاهه على استخراج أمواله وإنفاق متاجره. وصحب قاضي القضاة تاج الدين القزويني، وكان يسفر عنده لقضاة الصعيد، يقدم كتبهم، ويتنجز أجوبتهم. وكان لا يزال ضيف الذرع من تقدم القاضي جمال الدين بن المغربي رئيس الأطباء عليه، وسأل من السلطان الإعفاء من الطب، وأن يكون من تجار الخاص، فقال السلطان: نحن نعرف أنه إنما قال هذا لكون ابن المغربي هو الرئيس، وكونه هو أكبر وأفضل، فلا يأخذ في خاطره من هذا، فهو عندنا عزيز كريم، ولكن إبراهيم صاحبنا، ونعرف أنه ما يستحق التقدم عليه.

стр. 2372

فطاب قلب صلاح الدين بهذا الكلام، وخطب بعد ذلك أخت ابن المغربي، وتزوج بها، واتحدا بعد مباينة البواطن. وكان صلاح الدين يثبت علم الكيمياء، ويقول إنه صحب ابن أمير كان اسمه ابن سنقر الرومي، وقال: عملها بحضوري غير مرة. وكان مغرى بالروحانيات، واعتقاد ما يقال من مخاطبات الكواكب، حدثني بهذا جميعه القاضي شهاب الدين بن فضل الله، وكان كثير التردد إليه والاجتماع به، وقد اجتمعت به أنا غير مرة، وسمعت كلامه، وكان يستحضر كليات " القانون "، وكان يلثغ بالراء لثغة مصرية، وعلى ذهنه شيء من الحماسة والمقامات وشعر أبي الطيب. وكان في ذهنه جمود، وكان يجتمع هو والشيخ ركن الدين بن القوبع - رحمه الله تعالى - في دكان الشهود التي على باب الصالحية، فيذكر صلاح الدين شيئاً من كلام الرئيس ابن شينا، إما من الإشارات أو من غيرها، ويشرح ذلك شرحاً غير مطابق، فما يصبر له الشيخ ركن الدين، ويقول: سبحان الله! من يكون ذهنه هكذا يشتغل فلسفة، هذا الكلام معناه كيت وكيت، فهو في واد وأنت في واد، وهذا الذي يفهم من كلام الشيخ هو المطابق للقواعد عند القوم. فيعود صلاح الدين في خجل كبير من الجلوس. وأظنه فارق الزوجة أخت ابن المغربي قبل وفاته. ولما مرض النائب أرغون بحلب أول مرة طلبه من السلطان، فجهزه إليه فحضر وعالجه، ثم توجه إلى القاهرة، ثم إنه مرض الثانية، فطلبه، فوصل إلى إربد، وبلغته وفاته، فعاد من إربد إلى القاهرة. وتوفي صلاح الدين - رحمه الله تعالى - في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.

стр. 2373

وكنت أراه دائماً يحمل " شرح الإشارات " للنصير الطوسي ويتوجه به إلى الشيخ شمس الدين الأصفهاني ليقرأه عليه. محمد بن إبراهيم بن يحيى الشيخ الإمام الفقيه العالم شمس الدين الصنهاجي المالكي، إمام محراب المالكية بالجامع الأموي. كان فقيهاً فاضلاً من أهل العلم والصلاح وملازمة الاشتغال. توفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وسبع مئة، ودفن برا الباب الصغير. وتولى الإمامة بعده الشيخ أبو الوليد بن الحاج الإشبيلي. محمد بن إبراهيم بن ساعد الشيخ الإمام الفريد المحقق النحرير الفاضل الحكيم شمس الدين أبو عبد الله الأنصاري، السنجاري الأصل والمولد، المصري الدار والوفاة، المعروف بابن الأكفاني. كان فاضلاً قد برع في علوم الحكمه، وجمع شتات العلوم من غيرها بماله من الهمه، لو رآه الرئيس لكانت إليه إشاراته، وبه صح شفاؤه، وتمت نجاته، ولم يكن قانونه يطرب، ولا حكمته المشرقية مما يأتي بالفوائد فيغرب. ولو عاصره النصير الطوسي

стр. 2374

لما بنى الرصد، وكف من طول باعه في التصنيف واقتصد، ولم يعد الناس متوسطاته في المبادي، وعلم أنه ما ظفر بهيبة من الهيئة إلى يوم التنادي. ولو عاينه بطليموس لما وضع اسرلابا، ولم يدر مجس المجسطي، ولم يجد له فيه طلابا. ولو ناظره الخونجي لما أجلسه على خوانه، وعلم أن منطقه في " كشف الأسرار " هذر عند بيانه. هذا إلى توسع في علم الأدب على كثرة فنونها، واتساع بحرها لملاعب نونها، وفهم نكته ودقائقه، ومعرفة مجازاته وحقائقه. واستحضار كثير من وقائع العرب وأيامها وتواريخ الأعيان وأحكامها. اجتمعت به فكنت أرى العجائب، وأسير في فضاء غرائبه على متون الصبا والجنائب، أخذت عنه فوائد في الرياضي، وملأت بقطر علومه حياضي، ولم أر مثل عبارته، ولا لطف إشارته، فكنت أحق بقول أبي الطيب: من مبلغ الأعراب أني بعدها ... شاهدت رسطاليس والإسكندرا ولقيت كل العالمين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا ولم يزل الشيخ على حاله إلى أن اندرج ابن الأكفاني في الأكفان، وتحقق معنى قوله: " كل من عليها فان ".

стр. 2375

وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة بالقاهرة، في طاعون مصر، تعجيزاً من الله تعالى لما يعرفه، وينفقه من حواصل علومه ويصرفه. كان هذا الشيخ شمس الدين، قد برع في علوم الحكمة، وتفرد بإتقان الرياضي، فإنه كان إماماً في الهندسة والحساب والهيئة، وله في ذلك تصانيف وأوضاع مفيدة، قرأت عليه قطعة جيدة من كتاب إقليدس، وكان يحل لي ما أقرأه عليه بلا كلفة، كأنه ممثل بين عينيه، فإذا ابتدأت في الشكل شرع هو يسرد باقي الكلام سرداً، وأخذ الميل، ووضع الشكل، وحروفه في الرمل على التخت، وعبر عنه بعبارة جزلة فصيحة بينة واضحة، كأنه ما يعرف شيئاً غير ذلك. وقرأت عليه مقدمة في وضع الأوفاق، فشرحها لي أحسن شرح، وقرأت عليه أول " الإشارات "، فكان يحل شرحه نصير الدين الطوسي بأجل عبارة، وأجلى إشارة، وما سألته عن شيء في وقت من الأوقات عما يتعلق بعلوم الحكمة من المنطق والطبيعي والرياضي والإلهي إلا وأجاب بأحسن جواب، كأنه كان في بارحته يطالع في تلك المسألة طول الليل. وقرأت عليه " رسالة الاستبصار فيما يدرك بالأبصار "، وهو كتاب صغير في علم المناظر، تصنيف الشيخ شهاب الدين القرافي الأصولي المالكي، فحل كلامه، وواخذه في أشياء. وأما الطب فإنه كان فيه إمام عصره، وغالب طبه بخواص ومفردات يأتي بها إلى المريض، وما يعرفها أحد، لأنه يغير كيفيتها وصورتها، حتى لا تعلم، وله إصابات غريبة في علاجه.

стр. 2376

وأما الأدب - وكان فيه فريداً، يفهم نكته، ويذوق غوامضه، ويستحضر من الأخبار والوقائع للناس قاطبةً جملة كبيرة - فحفظ من الشعر شيئاً كثيراً إلى الغاية للعرب والمولدين والمحدثين والمتأخرين والعصريين. لوه في الأدب تصانيف، وكان يعرف العروض والبديع جيداً، ولم أر مثل ذهنه يتوقد ذكاءً بسرعة ما لها روية، وما رأيت فيمن رأيت أصح ذهناً منه، ولا أذكى. وأما عبارته الفصيحة الموجزة الخالية من الفضول فما رأيت مثلها. قال لي شيخنا الحافظ فتح: ما رأيت من يعبر عما في ضميره بعبارة موجزة مثله. انتهى. ولم أر أمتع منه، ولا أفكه من محاضرته، ولا أكثر اطلاعاً منه على أحوال الناس وتراجمهم ووقائعهم، ممن تقدم، وممن عاصره. وأما أحوال الشرق ومتجددات التتار في بلادهمفي أوقاتها فكأنها كانت القصاد تجيء إليه، والملطفات تتلى عليه، بحيث إنني كنت أسمع منه ما لم أطلع عليه في ديوان الإنشاء عند كاتب السر. وأما الرقى والعزائم فيحفظ منها جملاً كثيرة، يسردها سرداً. وله اليد الطولى في الروحانيات والطلاسم وإخراج الخبايا، وما يدخل في هذا الباب، وله اليد الطولى والباع المديد في معرفة الأصناف من الجواهر والقماش والآلات وأنواع العقاقير والحيوانات، وما يحتاج إليه البيمارستان المنصوري لا يشترى شيء، ولا يدخل البيمارستان إلا بعد عرضه عليه، فإن أجازه اشتراه الناظر، وإن لم يجزه؛ لم يشتر

стр. 2377

البتة، وهذا اطلاع كثير ومعرفة تامة، فإن البيمارستان يريد كل ما في الوجود، مما يدخل في الطب والكحل والجراح والترايق، وغير ذلك. وأما معرفة الرقيق من المماليك والجواري فإليه المآل في ذلك، ورأيت المولعين بالصنعة يحضرون إليه ويذكرون ما وقع لهم من الخلل في أثناء ذلك العمل، فيرشدهم إلى الصواب، ويدلهم على إصلاح ذلك الفساد، ولم أر شيئاً يعوزه من كمال أدواته، إلا أن عربيته كانت ضعيفة، وخطه أضعف من مرضى مارستانه، ومع ذلك فله كلام حسن، ومعرفة جيدة بأصول الخط المنسوب، والكلام على ذلك وأنشدني من لفظه لنفسه: ولقد عجبت لعاكس للكيميا ... في طبه قد جاء بالشنعاء يلقي على العين النحاس يحيلها ... في لمحة كالفضة البيضاء وقرأت عليه من تصانيفه " إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد " عوداً على بدء، ومن هذا المصنف يعرف قدره، وكتبت عليه: لقد وضع الشيخ تصنيفه ... ولكن على زهرات النجوم جلا كل فضل بمرآته ... فيها تطالع كل العلوم وقرأت عليه " اللباب في الحساب "، وكتاب " نخب الذخائر في معرفة الجواهر "، وكتاب " غنية اللبيب عند غيبة الطبيب "، وقد جوده. ومما لم أقرأه

стр. 2378

عليه من تصانيفه، بل أجازه لي كتاب " كشف الرين في أمراض العين "، وتألمت لفقده لما بلغتني وفاته - رحمه الله تعالى -. وكان له تجمل زائد في بيته وفي ملبوسه ومركوبه من الخيول المنسوبة والبزة الفاخرة، ثم إنه اقتصر على الخيل، وآلى على نفسه أن لا يطلب أحداً إلا إن جاءه إلى بيته أو في الطريق أو البيمارستان، وامتنع من التوجه إلى بيت أحد. وكان مرصداً لتركيب الترياق في كل سنة بالبيمارستان المنصوري، وله في كل سنة مبلغ ست مئة درهم، ولما باشر الأمير جمال الدين نائب الكرك نظر البيمارستان أعجبه كثيراً، وأضعف معلومه - لأنه كان ستين درهماً - فجعله مئة وعشرين درهماً، وكان يعطيه الذهب من عنده خارجاً عن الجامكية المقررة له، وكان من أطباء البيمارستان، ومن نصيبه فيه مداواة الممرورين، ولما بلغتني وفاته - رحمه الله تعالى -؛ قلت أنا فيه: من الطاعون قلبي في انقلاب ... فإن لكل من تلقاه فاني ولما مات شمس الدين نادى ... كفاني فقد الأكفاني كفاني وكنت قد كتبت أنا إليه من الرحبة: أمولاي شمس الدين قد كنت أولاً ... تحل محل النور في العين بالأمس فلا بدع أن يسود يومي وليلتي ... وقد حجبت عيناي عن طلعة الشمس فكتب هو الجواب إلي عن ذلك: طبيبك في مصر مريض من الجوى ... وقد قص منه بالبعاد جناحه فيا من لذي سقم تمكن داؤه ... وأفسده مذ غاب عنه صلاحه

стр. 2379

وكتبت أنا إليه أيضاً من الرحبة: سلام فض من مسك ختاماً ... وفتق زهره منه كماما ووصف محبة وحفاظ عهد ... وشوق سل في كبدي حساما وكم لي في النسيم إليك شكوى ... أضمنها اشتياقي والغراما وكم فيها تحيات لطاف ... حكت أنفاسها ريح الخزاما تجانس فعل أجفاني وقلبي ... فتلك همت، وهذا فيك هاما فنار القلب ليس لها خمود ... ودمع العين قد فاق الغماما وأما الحال لست أطيل فيها ... شروحاً مل سامعها الكلاما بليت بعكس آمالي وظني ... وحظ عنده تنسى الظلاما وعيش ضاق فاتسعت همومي ... وكان فراق مولانا تماما يقبل الأرض، وينهي بعد سلام اتسم برقه، وارتسم برقه، وشوق منع طرفه القريح لذة الهجوع، ووحشة علمت جفنه كيف تجري الدموع، وأسف خيم بين المنحنى من الضلوع، ووجد يشب له جمر الفؤاد، كلما أضاء له البرق اللموع، وورود المثال العالي فقبل كل حرف منه ألفا، وصاغ لجيده ورأسه وأذنه عقداً وتاجاً وشنفا، يا له من أفق فضل كلما غاب بدر أطلع شمسا، وبحر أدب إن أعطى سائله لؤلؤاً رطبا قذف بعده دراً نفيساً، وغادة فضح الغزالة نورها، وتحية فضح قلائد العقيان منثورها. غريبة تؤنس الآداب وحشتها ... فما تمر على سمع فترتحل

стр. 2380

محمد بن إبراهيم بن يوسف ابن حامد الشيخ الإمام تاج الدين المراكشي الشافعي. كان فقيهاً، نبيهاً نبيلاً، نحوياً فاضلا، أصولياً مناظراً مناضلا، عنده غرائب ونكت، وفوائد لو سمعها الرازي ما وسعه إلا أن سكت. جيد الذهن والفهم، سريعاً إلى إدراك المعاني يكاد يسبق السهم، قوي النفس، لا يخضع لأحد، ولا يكون له دون السمو والرفعة ملتحد، ضيق العطن، لا يصبر على أذى، ولا يغضى جفونه من السلطان على قذى. أساء الأدب مرات على قاضي القضاة جلال الدين القزويني، واحتمله، ونشر له رداء الحلم واشتمله، ولما زاد عليه رصع التاج بالدره، وكسر دالها، فكانت في أيامه بلا نقطة غره. ثم إنه زاد في تسلط لسانه عليه، فشكاه إلى السلطان، فبقاه مصحفا، وأخرج إلى الشام، فنشر فيه من فضائله برداً مفوقا. ولم يزل بدمشق إلى أن ارتدى بالترب، وأصبح بعيداً عن العيان، وهو في غاية القرب. وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة بعد العصر من يوم الأحد ثالث عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة. ومولده بالقاهرة بعد الشبع مئة. تفقه بالديار المصرية على الشيخ علاء الدين القونوي - رحمه الله تعالى -، ولازم الشيخ ركن الدين بن القوبع كثيراً، وأخذ عنه فوائد وإيرادات ومآخذ، وما يعظم أحداً مثله. وأعاد في القاهرة بقبة الشافعي، وتولى بدمشق تدريس المسرورية،

стр. 2381

وأقام على ذلك مدة، ثم إنه قبل موته بسنة نزل عنها، وقال: شرط المدرس أن يعرف الخلاف، وما أعرف أحق بهذا الشرط من قاضي القضاة تقي القضاة تقي الدين السبكي، وانقطع بدار الحديث بالأشرفية معتكفاً على طلب العلم، ولم أر أحرص منه على ذلك ليلاً ونهاراً، يدع طعامه وشرابه لأجل القراءة والاشتغال. وكان ضريراً، ليس له إلا بعض نظر من عين واحدة، وكان لا يفتر عن الطلب إلا إذا لم يجد من يقرأ له ما يريد. محمد بن إبراهيم بن عبد الله الإمام العالم الثقة الصالح عز الدين أبو عبد الله ابن الإمام عز الدين ابن شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي الصالحي الحنبلي. حدث ب " صحيح " مسلم عن ابن عبد الدائم. ودرس بأماكن. وخطب بالجامع المظفري. وكان على سمت السلف، مواظباً على الجماعات، وتشييع الجنائز، وتلقين الموتى. طلق الوجه، حسن البشر. خرج له ابن المحب " مشيخة " في أربعة أجزاء، حدث بها غير مرة. وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة عن خمس وثمانين سنة.

стр. 2382

محمد بن إبراهيم الشيخ شمس الدين الكردي، إمام مشهد علي بالجامع الأموي. حدث عن ابن الواسطي وغيره، وكان يحفظ " التنبيه "، ويفتى. وكان إماماً في صناعة الحساب. توفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وخمسين وسبع مئة. وكان عسراً في مباشرة الوظائف التي يليها. محمد بن أحمد ابن عثمان بن سياوش، الشيخ الإمام المقرئ الفقيه الصالح، بقية السلف، شمس الدين أبو عبد الله الخلاطي الدمشقي الشافعي الصوفي، إمام الكلاسة وابن إمامها. كان ديناً خيراً وقوراً، حسن الشكل، طيب الصوت إلى الغاية، جيد المشاركة في القراءات، والفقه مليح الكتابة. خطب بالجامع الأموي بدمشق بعد الشيخ شرف الدين. وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة بعد سنة من ولايته في بكرة يوم الأربعاء ثامن شوال سنة ست وسبع مئة، وحضر الأفرم والأعيان جنازته. عاش اثنتين وستين سنة. وولي الخطابة بعده جلال الدين القزويني. وكان الناس يقبلون يده، ويتباركون به، وما تصل أيديهم إليه من الزحام.

стр. 2383

وهو ممن كان كاملاً في الإمامة والخطابة لورعه ودينه وصلفه وتواضعه وفضيلته وطيب نغمته وحسن أدائه ومعرفة الأنغام وفقهه، وكل ما كان فيه غاية. محمد بن أحمد الشيخ سعد الدين الكاساني، شيخ خانقاه الطاحون بدمشق. كان فاضلاً في فنه على رأي الصوفية، بصيراً بأقوالهم. قرأ هو والشيخ شمس الدين الأيكي على الشيخ صدر الدين القونوي. وهو قرأ على الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد شرح قصيدة ابن الفارض التائية في مجلدين. وتوفي - رحمه الله تعالى - في سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وست مئة. محمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن عبد الله بن علي بن عبد الباقي، العدل الخطيب معين الدين أبو المعالي بن الصواف الإسكندري المالكي الشروطي. سمع " أربعين " السلفي من جده. قال شيخنا الذهبي: قرأتها عليه، وهو أخو شيخنا شرف الدين يحيى. وكان شيخاً صالحاً جليلاً حسن البزة، ينوب في خطابة الثغر، ويعقد الوثائق.

стр. 2384

توفي - رحمه الله تعالى - في سنة ست وتسعين وست مئة. ومولده في سنة اثنتين وعشرين وست مئة. محمد بن أحمد بن نوح ابن أحمد بن زيد بن محمد بن عصفور، الأديب الفاضل أبو عبد الله الإشبيلي ابن أخت الإمام ابن عصفور صاحب " المقرب ". كان شيخاً مطبوعاً حلو المجالسة، دمث الأخلاق، متفنناً في الآداب واللغة، وله نصيب من علوم القرآن والأثر والبلاغة والحساب، وله اليد الطولى في الشعر. وكانت فيه ديانة وعفاف، أخذ عن علماء المغرب، قال شيخنا الذهبي: جالسته مرات. وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده، بإشبيلية سنة إحدى وثلاثين وست مئة. محمد بن أحمد بن صلاح شمس الدين السرواني الصوفي، شيخ الخانقاه الشهابية بدمشق. كان عارفاً بالنجوم والأرصاد والأحكام، ويقرئ الفلسفة، وله مشاركات جيدة في المعقولات. توفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وتسعين وست مئة.

стр. 2385

محمد بن أحمد بن محمد ابن أبي بكر بن محمد، الشيخ المقرئ العابد المسند أبو عبد الله الحراني القزاز أبوه، الحنبلي ابن أخت المحدث سراج الدين بن شحانة. سمع " صحيح " البخاري من ابن روزبة أو بعضه، وسمع من إبراهيم بن الخير، والمؤتمن بن قميرة، وأبي الوقت الركبدار، ومحمد بن أبي البدر بن المني، وعلي بن بكروس، ومحمد بن إسماعيل بن الطبال، وتفرد بأشياء. وسمع بمصر من ابن الجميزي، وسمع " الصحيح " من صالح المدلجي صاحب المأموني. وسمع من الضياء بن النعال، والشرف المرسي، وابن بنين، ومحمد بن إبراهيم المخزومي، وبحلب من ابن خليل. وكان زاهداً تالياً لكتاب الله تعالى، صاحب نوادر ودعابة. قال شيخنا الذهبي: حدثني أنه تلا بمكة أزيد من ألف ختمة، وأنه اتكأ في ميزاب الرحمة، فتلا فيه ختمة، فلعله قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً. حدث بدمشق والحجاز. وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة خمس وسبع مئة. ومولده سنة ثماني عشرة بحران - فيما زعم -.
следующие страницы →