Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
وأقام على ذلك مدة، ثم إنه قبل موته بسنة نزل عنها، وقال: شرط المدرس أن يعرف الخلاف، وما أعرف أحق بهذا الشرط من قاضي القضاة تقي القضاة تقي الدين السبكي، وانقطع بدار الحديث بالأشرفية معتكفاً على طلب العلم، ولم أر أحرص منه على ذلك ليلاً ونهاراً، يدع طعامه وشرابه لأجل القراءة والاشتغال. وكان ضريراً، ليس له إلا بعض نظر من عين واحدة، وكان لا يفتر عن الطلب إلا إذا لم يجد من يقرأ له ما يريد.
محمد بن إبراهيم
بن عبد الله
الإمام العالم الثقة الصالح عز الدين أبو عبد الله ابن الإمام عز الدين ابن شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي الصالحي الحنبلي.
حدث ب " صحيح " مسلم عن ابن عبد الدائم. ودرس بأماكن. وخطب بالجامع المظفري.
وكان على سمت السلف، مواظباً على الجماعات، وتشييع الجنائز، وتلقين الموتى. طلق الوجه، حسن البشر.
خرج له ابن المحب " مشيخة " في أربعة أجزاء، حدث بها غير مرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة عن خمس وثمانين سنة.
стр. 2382
محمد بن إبراهيم
الشيخ شمس الدين الكردي، إمام مشهد علي بالجامع الأموي.
حدث عن ابن الواسطي وغيره، وكان يحفظ " التنبيه "، ويفتى. وكان إماماً في صناعة الحساب.
توفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
وكان عسراً في مباشرة الوظائف التي يليها.
محمد بن أحمد
ابن عثمان بن سياوش، الشيخ الإمام المقرئ الفقيه الصالح، بقية السلف، شمس الدين أبو عبد الله الخلاطي الدمشقي الشافعي الصوفي، إمام الكلاسة وابن إمامها.
كان ديناً خيراً وقوراً، حسن الشكل، طيب الصوت إلى الغاية، جيد المشاركة في القراءات، والفقه مليح الكتابة.
خطب بالجامع الأموي بدمشق بعد الشيخ شرف الدين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة بعد سنة من ولايته في بكرة يوم الأربعاء ثامن شوال سنة ست وسبع مئة، وحضر الأفرم والأعيان جنازته.
عاش اثنتين وستين سنة. وولي الخطابة بعده جلال الدين القزويني. وكان الناس يقبلون يده، ويتباركون به، وما تصل أيديهم إليه من الزحام.
стр. 2383
وهو ممن كان كاملاً في الإمامة والخطابة لورعه ودينه وصلفه وتواضعه وفضيلته وطيب نغمته وحسن أدائه ومعرفة الأنغام وفقهه، وكل ما كان فيه غاية.
محمد بن أحمد
الشيخ سعد الدين الكاساني، شيخ خانقاه الطاحون بدمشق.
كان فاضلاً في فنه على رأي الصوفية، بصيراً بأقوالهم. قرأ هو والشيخ شمس الدين الأيكي على الشيخ صدر الدين القونوي.
وهو قرأ على الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد شرح قصيدة ابن الفارض التائية في مجلدين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وست مئة.
محمد بن أحمد بن عبد العزيز
ابن عبد الله بن علي بن عبد الباقي، العدل الخطيب معين الدين أبو المعالي بن الصواف الإسكندري المالكي الشروطي.
سمع " أربعين " السلفي من جده. قال شيخنا الذهبي: قرأتها عليه، وهو أخو شيخنا شرف الدين يحيى. وكان شيخاً صالحاً جليلاً حسن البزة، ينوب في خطابة الثغر، ويعقد الوثائق.
стр. 2384
توفي - رحمه الله تعالى - في سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده في سنة اثنتين وعشرين وست مئة.
محمد بن أحمد بن نوح
ابن أحمد بن زيد بن محمد بن عصفور، الأديب الفاضل أبو عبد الله الإشبيلي ابن أخت الإمام ابن عصفور صاحب " المقرب ".
كان شيخاً مطبوعاً حلو المجالسة، دمث الأخلاق، متفنناً في الآداب واللغة، وله نصيب من علوم القرآن والأثر والبلاغة والحساب، وله اليد الطولى في الشعر.
وكانت فيه ديانة وعفاف، أخذ عن علماء المغرب، قال شيخنا الذهبي: جالسته مرات.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده، بإشبيلية سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
محمد بن أحمد
بن صلاح
شمس الدين السرواني الصوفي، شيخ الخانقاه الشهابية بدمشق.
كان عارفاً بالنجوم والأرصاد والأحكام، ويقرئ الفلسفة، وله مشاركات جيدة في المعقولات.
توفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وتسعين وست مئة.
стр. 2385
محمد بن أحمد بن محمد
ابن أبي بكر بن محمد، الشيخ المقرئ العابد المسند أبو عبد الله الحراني القزاز أبوه، الحنبلي ابن أخت المحدث سراج الدين بن شحانة.
سمع " صحيح " البخاري من ابن روزبة أو بعضه، وسمع من إبراهيم بن الخير، والمؤتمن بن قميرة، وأبي الوقت الركبدار، ومحمد بن أبي البدر بن المني، وعلي بن بكروس، ومحمد بن إسماعيل بن الطبال، وتفرد بأشياء.
وسمع بمصر من ابن الجميزي، وسمع " الصحيح " من صالح المدلجي صاحب المأموني. وسمع من الضياء بن النعال، والشرف المرسي، وابن بنين، ومحمد بن إبراهيم المخزومي، وبحلب من ابن خليل.
وكان زاهداً تالياً لكتاب الله تعالى، صاحب نوادر ودعابة.
قال شيخنا الذهبي: حدثني أنه تلا بمكة أزيد من ألف ختمة، وأنه اتكأ في ميزاب الرحمة، فتلا فيه ختمة، فلعله قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً. حدث بدمشق والحجاز.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة خمس وسبع مئة.
ومولده سنة ثماني عشرة بحران - فيما زعم -.
стр. 2386
محمد بن أحمد
ابن قاضي الجماعة، أبو الوليد بن أبي عمر محمد بن عبد الله بن القاضي أبي جعفر بن الحاج التجيبي الأندلسي القرطبي الإشبيلي المالكي نزيل دمشق، إمام محراب المالكية بالجامع الأموي.
كان وقورا، ونصيبه من الديانة قد جعله موفورا، لم يزل عن الناس في انقباض، وبمعارفه في رياض، منور الشيبه، موفر الهيبه. كتب بخطه المليح الصحيح المغربي عدة كتب، وأتى بها وهي أضوأ من الشهب. وذكر لنيابة القضاء فما وافق، بل واقف في الإباء وحاقق.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح أبو الوليد، وهو تحت الصعيد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة وقت الآذان ثامن عشر رجب سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
ومات أبوه وجده كلاهما في عام إحدى وأربعين وست مئة، وورث مالاً جزيلاً، فتمحق بمصادرة السلطان ابن الأحمر له، أخذ منه في وقت عشرين ألف دينار، وعدمت له كتب جليلة.
ونشأ يتيماً في حجر أمه، وتحولوا إلى شريش ثم إلى غرناطة. ثم إنه شب، وقدم تونس، وسكنها خمس سنين. ثم إنه رحل بولديه إمامي المالكية إلى دمشق، وسكنوها، وسمعوا من الفخر بن البخاري، وكانت له جنازة حافلة مشهودة.
стр. 2387
قال شيخنا الذهبي: سمعت عليه حديثاً واحداً، وملكت أنا بخطه الظريف " الأذكار " للشيخ محيي الدين، و" رياض الصالحين " له، وكتاب " المفصل " للزمخشري، ورأيت بخطه " شرح مسلم " و" شرح الموطأ " في عدة مجلدات، وكتاب " جامع الأصول " في عشرة وغير ذلك، وكتب بخطه نحو المئة مجلد.
وكان منجمعاً عن الناس، وله عدة كاملة من السلاح والخيل، يعدها للغزاة من ماله.
وكان له ورد من الليل، ورؤيت له المنامات الصالحة.
محمد بن أحمد بن أبي نصر
القدوة الزاهد شمس الدين بن الدباهي البغدادي الحنبلي.
كان من أكابر التجار كأبيه، ثم إنه تزهد، وقوى نفسه على الوجود، فتفهد، ولبس العباءه، ورفض الملاءه، واللذة برفيع الملاءه. وجاوز بمكة مده، وتصوف ولقي من المشايخ عده، وكان ذا صدق وإنابه، وخضوع وكآبه، وله مواعظ نفع بها، وجر الخير بسببها.
وكان بالحق قوالا، وعلى أولي اللعب صوالا، وصفاته حميده، وحركاته سديده.
ولم يزل على حاله إلى أن حلت أم الدواهي بابن الدباهي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وكان قد قدم دمشق وصحب الشيخ تقي الدين بن تيمية.
стр. 2388
محمد بن أحمد بن إبراهيم
القاضي عز الدين الأميوطي.
تفقه على ضياء الدين عبد الرحيم، والنصير بن الطباخ. وأخذ أيضاً مذهب مالك عن ابن الأبياري قاضي الثغر، وبحث " مختصر ابن الحاجب "، وقرأ بالسبع على النور الكفتي، والمكين الأسمر، وجماعة.
وتصدر للإقراء، وتخرج به جماعة من الفقهاء، وكان فيه ورع.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ليلة الخميس سادس شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وقد أكمل خمسة وسبعين عاماً.
وكان حاكماً بالكرك ثلاثين سنة، وكان يروي كتاب " التنبيه " بالسند عن القسطلاني عن شيخ ابن سكينة، عن ابن عبد السلام، عن المؤلف. ويروي " مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه " عن شيخ له عن المصنف، كذا نقلته من خط شيخنا علم الدين البرزالي. وقال: اجتمعت به في سنة ثلاث وسبع مئة بالكرك، وأراني " التنبيه " و" المختصر " وعليهما طبقة السماع.
محمد بن أحمد
بن محمود
ابن أسد بن سلامة بن سلمان بن فتيان الشيباني القاضي الصدر الرئيس بدر الدين بن العطار، تقدم ذكر والده القاضي كمال الدين في الأحمدين مكانه.
حضر على الشيخ تقي الدين بن أبي اليسر في السنة الثالثة، وروى عنه. وسمع
стр. 2389
من ابن الصيرفي، والقاضي ابن عطاء، وابن علان، وابن الصابوني، والمقداد، والشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن البخاري، وغيرهم.
قال شيخنا: علم الدين البرزالي، ورافقني في سماع " مسند أحمد " و" صحيح " البخاري وغير ذلك، كتب المنسوب، وأتى به آنق من تخارج العذار في خد المحبوب، ونظم القريض، وباهى به زهر الروض الأريض، وباشر نظر الجيش في أيام الأفرم، فخظي عنده، وصار عضده في ذلك الوقت وزنده، وسمر عنده ونادمه، وصد عنه الأذى وصادمه، واختص به كثيرا، وأحله من العز محلاً أثيرا، وما أحمد عقبى ذلك لما عاد الناصر من الكرك، ووقع من الردى في حبائل موبقة الشرك، فغودر، وقد صودر، ثم انتاشه الله من تلك الورطة، وأجاب الخلاص شرطه.
ولم يزل بعد ذلك على حاله إلى أن لحق أباه، وسلب الموت قلبه، وسباه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ليلة السبت رابع عشري ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ودفن بتربة والده بسفح قاسيون.
ومولده في ليلة الجمعة سادس جمادى الأولى سنة سبعين وست مئة.
وكان في أيام الأفرم زائد الحظوة لديه، نادمه، وعاشره، وطلع يوماً إلى بستانه، فوجد الفعول يعملون في طين السطوح، فأخذ الأفرم الحبل بيده، ومتح به أسطال طين، ولما جاء الأمير سيف الدين تنكز في الرسلية إلى الأفرم من عند أستاذه الناصر إلى الكرك قام إليه، وفتش حتى تكة لباسه، لئلا يكون فيها كتب إلى الأمراء بدمشق. ولما توجه مع الناس صحبة السلطان إلى أن عوقه في مصر، وصادره، وأخذ منه مالاً، وعاد بعد الناس بمدة إلى دمشق، وكان قد ولي نظر الأشراف وكتابة الإنشاء بدمشق وغير ذلك. وكان حسن المباشرة، شديد التصرف، وشكره الناس عند موته، وتألموا، وتأسفوا عليه.
стр. 2390
محمد بن أحمد بن شبل
الفقيه الإمام المفتي شمس الدين أبو عبد الله الحريري المعروف بالبغدادي المالكي.
أسره التتار، وعمره اثنتا عشر سنة، ونشأ ببغداد وغيرها، وتفقه لمالك ﵁، وكان كثير الاشتغال والمطالعة، وأقام بدمشق مدة، وعرض عليه نيابة الحكم، فامتنع، وقال: الشهادة أسلم، وكان رجلاً مباركاً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثاني عشري شعبان سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وأربعين وست مئة.
محمد بن أحمد
الشيخ الصدر الرئيس الفاضل المسند تاج الدين أبو المكارم ابن الشيخ الجليل المسند الزاهد بقية المشايخ كمال الدين زين الدين محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي الحلبي.
حضر على ابن قميرة، وسمع من يوسف بن خليل جملة من الأجزاء والكتب، وسمع من أبي طالب عبد الرحمن بن العجمي وجماعة.
وولي وكالة بيت المال بحلب مع تدريس العصرونية. وولي نظر الأوقاف وكتابة الدرج.
وجرت له نكبة في أيام طرنطاي في الأيام المنصورية، وقيد، وسجن بالقاهرة مدة. وكان من رؤساء حلب المعروفين.
стр. 2391
وتوفي في ذي القعدة سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وست مئة.
محمد بن أحمد بن عيسى
ابن رضوان القليوبي المحتد، القاضي الفاضل الأديب فتح الدين.
اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي على أبيه وعلى غيره، وتأدب. له الشعر الجيد، والنظم الذي به السمع متقيد، يلهي الندامى عن الأوتار، ويغنيهم عن معاطاة كؤوس العقار.
وكانت فطرته ذكيه، ونفسه فيها بقايا من لوذعيه، واسع الكرم والجود، لا يبقي على موجود، كثير التبذير، غزير التنديب والتنذير، واسع الخيال، زائد التوهم والاحتيال، إلا أنه تعب بخياله، وحصل له أنكاد منعته من طيف خياله.
ولم يزل بذلك في نكد، وما يهب نسيم سعوده، حتى يراه وقد ركد.
ولم يزل على حاله إلى أن انقلب القيلوبي في حفرته، وأورث أصحابه دوام حسرته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ليلة ثالث عشر جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وست مئة.
стр. 2392
حضر هذا فتح الدين إلى صفد قاضي القضاة، بعدما عزل عنها القاضي شرف الدين محمد النهاوندي، وأقام بها قليلاً، وعاد إلى الديار المصرية. وكان كثير التخيل والتوهم، فتوهم شيئاً في قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فحصلت الوحشة بينهما، فأعرض عنه بعد الإقبال عليه، وجفاه، وأعده، وألجأته الضرورة والحاجة إلى قيام الصورة، حتى ناب القاضي عز الدين عبد العزيز بن أحمد الأشمومي بمدينة المحلة. ثم إنه حصلت بينهما نفرة من خياله، فعاد إلى القاهرة، وأقام بها مدة لطيفة، وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
وله نوادر طريفة، منها: قال كمال الدين الأدفوي - رحمه الله تعالى -: حكى لي فتح الدين قال: كنت أجلس دائماً فوق الصدر سليمان المالكي، فجاء مرةً لمجلس قاضي القضاة ابن مخلوف المالكي، فجلس فوقي، فقلت لقاضي القضاة: قال ابن شاس: إن مالكاً ﵁ كره طول اللحية جداً، - قوله " جداً " وصف للكراهة أو للحية - وكان الصدر طويل اللحية، فقام من المجلس. وقلت له مرة: من أي بلد أنت؟ فقال: من شبرا مريق، فقلت له: بلدة مليحة هي! فقال: ما فيها أكثر من الشعير، فقلت له: لأجل ذلك أخذت في وجهك مخلاة.
وطلبوه مرة ليرسلوه إلى العراق، فجلس معي، يشكو إلي، فقلت: يا صدر الدين! ما أوقعك في هذه الحرية إلا هذه الذقن، فتوجه الصدر رسولاً، ثم حضر، فقال له فتح الدين: أي شيء غنمت في هذه السفرة؟ قال: كبرت لحيتي، قال: هذه الغنيمة الباردة.
стр. 2393
وجمع فتح الدين من هذه الأشياء كراسة، وسماها " نتف الفضيلة في اللحية الطويلة ".
قلت: لو قال: " نتف الفضيلة في نتف اللحية الطويلة "؛ لكان ذلك حسناً، وقد ذكرت هنا ما اتفق للشيخ تاج الدين الكندي والحافظ ابن دحية، وكان الشيخ تاج الدين جالساً إلى جانب الوزير - أظنه ابن شكر -، فجاء ابن دحية، فجلس من الجانب الآخر، فأورد ابن دحية حديث الشفاعة، فلما وصل إلى قول إبراهيم ﵇: " إنما كنت خليلاً من وراء وراء "، وفتح ابن دحية الهمزتين؛ فقال الكندي: وراء وراء بضم الهمزتين، فعز ذلك على ابن دحية، وقال للوزير: من ذا الشيخ؟! فقال: هذا الشيخ تاج الدين الكندي، فتسمح ابن دحية في حقه بكلمات، فلم يسمع الكندي إلا قوله: هو من كلب قبيح. وصنف ابن دحية في ذلك مصنفاً، وسماه " الصارم الهندي في الرد على الكندي "، وبلغ ذلك تاج الدين الكندي، فعمل مصنفاً، وسماه " نتف اللحية من ابن دحية ".
قلت: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: رأيت في " أمالي " أحمد بن يحيى ثعلب جواز الأمرين. انتهى.
قلت: قال الأخفش: يقال من وراء، فترفعه على الغاية، إذا كان غير مضاف تجعله اسماً وهو غير متمكن. كقولك: من قبل ومن بعد، وأنشد:
стр. 2394
إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء
هكذا أثبته بالرفع.
رجع ما انقطع من بقية ترجمة القاضي فتح الدين القليوبي: وقال له يوماً فخر الدين الأحدب المعروف بابن القابلة: كان والدي يدعو الله تعالى أن يرزقه ولداً نجيباً، فقال فتح الدين: لا جرم أنك جئت بختياً، قال فتح الدين: كان بيني وبين الجلال الهوريني صحبة ورفقة، فولي قضاء منية بني خصيب، فأهدى إلى بسراً، فوجدت نواه كثيراً، فكتبت إليه:
أرسلت لي بسراً حقيقته نوى ... عار فليس لجسمه جلباب
ولئن تباعدت الجسوم فودنا ... باق، ونحن على النوى أحباب
قلت: سبقه إلى هذا التضمين سراج الدين الوراق - رحمه الله تعالى -، ونقلته من خطه، قال: أهدى إلي الرشيد الماوردي قدور تمر كربس، فكتبت إليه من أبيات:
يا من غدا لي واضعاً بقدوره ... قدراً له فوق السماء قباب
جاءت بأنواع النوى، فمجلبب ... أدماً، وعار ماله جلباب
وعلى النقير لتمرها أثر عفى ... فهدى إليه الحائرين ذباب
أرجيع ما لاك الحجاز بعثته ... والرزق سد فما لديه باب
أم خلت زجاجاً أخاك ومصر من ... شؤم النوى قفر الرحاب يباب
وإذا تباعدت الجسوم فودنا ... باق، ونحن على النوى أحباب
стр. 2395
وأنشدني شيخنا العلامة أبو حيان، قال: أنشدني فتح الدين المذكور لنفسه:
تظافر الموت والغلاء ... هذا لعمري هو البلاء
والناس في غفلة وجهل ... لو فطن الناس ما أساؤوا
وأنشدني أيضاً، قال: أنشدني لنفسه:
إني لأؤثر أن أرا ... ك، ولست أوثر أن تراني
علماً بأني في السما ... ع أجل مني في العيان
قلت: من قول الأول:
أنا المعيدي، فاس ... مع بي، ولا تراني
والأصل في هذا المثل المشهور: " يسمع بالمعيدي خير من أن تراه ".
وأنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني لنفسه:
علقته محدثاً ... شرد من عيني الوسن
حديثه ووجهه ... كلاهما عندي حسن
قلت: ذكرت هنا ما قلته أنا في محدث:
محدث ذو قوام ... قوامه في العوالي
وطرفه ليس يغرى ... إلا بجرح الرجال
وقلت فيه أيضاً:
قال حبيبي لا تحدث بأو ... صافي من لا عنده معرفه
فإنه لين قدي وإن ... حدثته عن ناظري ضعفه
стр. 2396
وأنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني في فتح الدين لنفسه:
يا أيها المولى الوزير الذي ... إفضاله أوجب تفضيله
أحسنت إجمالاً ولم ترض بال ... إجمال إذ أرسلت تفصيله
قلت: وذكرت أنا هنا قولي:
وقف القضيب لما مشى ... وجرت دموع العين في تحصيله
رشأ كساه الحسن منه حلةً ... جاءت بجملتها على تفصيله
قلت: ولفتح الدين المذكور موشحة مليحة أولها:
قد حدثت ألسن التجارب ... بكل ما فيه معتبر
وأنت يا حاضراً كغائب ... فلست تصغي إلى الخبر
تعايش الناس منذ كانوا ... بالمكر والحقد والحسد
وخلفوا ذكرهم وبانوا ... لم يصلحوا منه ما فسد
إلا القليل الذين دانوا ... بالحق في المسلك الأسد
والكل للترب في سباسب ... قد أودعوا ضيق الحفر
قد عوملوا بالذي يناسب ... من كل خير وكل شر
وقد ذكرتها كاملة في الجزء السابع والثلاثين من " التذكرة " التي لي، وهي موشحة جيدة صنعة.
стр. 2397
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن
ابن علي، الشيخ الصالح المقريء أبو عبد الله البجدي - بالباء الموحدة والجيم المشددة والدال المهملة - الصالحي الحنبلي.
سمع من المرسي، وخطيب مردا، وإبراهيم بن خليل، وأجاز له الكثير، منهم عبد اللطيف بن القبيطي، وعلي بن أبي الفخار، وكريمة القرشية. وطال عمره، وروى الكثير، وسمعوا منه قديماً في صباه ابن عبد الدائم ثلاثيات البخاري عن ابن الزبيدي، ثم إنهم ترددوا فيه.
قال شيخنا الذهبي ﵀: سألته سنة ثلاث وسبع مئة بكفر بطنا عن جلية الأمر، فذكر ما يقتضي أن مولده سنة ست وثلاثين وست مئة، وأنه من أقران عبد الله بن الشيخ. وقال: كان لي أخ اسمه امسي، ذاك من أقران القاضي تقي الدين سليمان، ذاك مات صبياً.
وكان البجدي ذا نصيب من صلاة وتأله وتواضع وقناعة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ... سنة فثنتين وعشرين وسبع مئة.
وبجد: قرية قريبة من الزبداني.
стр. 2398
محمد بن أحمد بن عبد الخالق
ابن علي بن سالم بن مكي شيخ القراء ومسندهم تقي الدين أبو عبد الله المصري الشافعي، المشهور بالصائغ.
تلا بعدة كتب على الكمال " الضرير والكمال " بن فارس، والتقي الناشري، وسمع من الرشيد العطار وجماعة. وأعاد بالطيبرسية وغيرها.
وكان شاهداًَ عاقداً خيراً صالحاً متواضعاً صاحب فنون، صحب الرضي الشاطي مدة، وتضلع من اللغة، وسمع مسلم عن ابن البرهان. وكان يدري القراءات وعللها، وتفاصيل إعرابها وجملها، يبحث، ويناظر فيها، ويعرف غوامض تواجيهها وخوافيها.
صنف خطباً للجمع، وأظهر فيه أنه تعب وجمع، وقرأ عليه الأئمة، وفضلاء الأمة، وقصد من أطراف الأرض، وقام بنفل الإتقان والفرض.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الصائغ في الأحياء ضائعاً، وأمسى نشر الثناء عليه ضائعاً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ليلة الأحد ثامن عشر صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
стр. 2399
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة بمصر.
وتلا عليه أئمة مثل إبراهيم الحكري، وإسماعيل العجمي، وابن غدير، وبرهان الدين الرشيدي، وجمال الدين بن عوسجة، وتاج الدين بن مكتوم، وعلي الحلبي الضرير، وعوض السعدي، ومحمد بن الزمردي، وأبي العباس العكبري النحوي، والقاضي بهاء الدين بن عقيل، والشمس العزب، وخلق سواهم.
وكتب الختمة في سبعة وعشرين يوماً، وصنف خطباً جمعية، وابتدأ كل خطبة بعلامة قاض.
وتقدم للصلاة عليه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بعد الظهر بجامع مصر، وحضره خلق كثير، وحمل على الأيدي، ودفن بالقرافة، وكان آخر من بقي من مشايخ الإقراء.
محمد بن أحمد
بن أبي الهيجاء
الشيخ المسند الرحلة الصدوق شمس الدين أبو عبد الله الصالحي بن الزراد الحرير.
سمع بعد الخمسين من البلخي، ومحمد بن عبد الهادي وأخيه، والعماد بن النحاس، واليلداني، والصدر البكري، وخطيب مردا، وابن خليل، والفقيه اليونيني، وعدة.
стр. 2400
وسمع من الكتب الكبار، وتفرد، وروى الكثير، وخرج له شيخنا الذهبي مشيخة.
وكان ديناً متواضعاً، يتجر، ويرتفق، ثم ضعف حاله، وافتقر، وساء ذهنه قبل موته، وتبلغم. وكان له نظم.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثالث عشر شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.
محمد بن أحمد
الشيخ أبو عبد الله بن الشيخ المحدث كمال الدين عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، المعروف بالضياء السالك طريق الفقر.
كان شيخاً يخالط الفقراء طول عمره، وحضر غزوات الظاهر مع المشايخ، وسمع من المزي حضوراً، ومن خطيب مردا، والبكري، وابن سعد، ومحمد بن عبد الدائم، وجماعة. وله إجازة بعض أصحاب السلفي، وشهدة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سادس شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين وست مئة.
стр. 2401
محمد بن أحمد بن هبة الله
ابن قدس تاج الدين الأرمنتي.
كان مقرئاً فاضلاً، وكان يؤم بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة.
توفي - رحمه الله تعالى - بالقاهرة في حدود السبع مئة.
ومن شعره:
قد قلت إذ لج في معاتبتي ... وظن أن الملال من قبلي
خدك ذا الأشعري حنفي ... وكان من أحمد المذاهب لي
حسنك ما زال شافعي أبداً ... يا مالكلي كيف صرت معتزلي
قلت: سبقه إلى هذا الأول، فقال:
وعطلت من وجهه ... تلك الخدود الصقلة
يا أشعري خده ... إني من المعتزلة
والآخر أيضاً فقال:
وابن عجوز قال لي مرةً ... يا هاجري ظلماً ولم أهجر
معتزلي صرت، فقلت اتئد ... واعتب على مبعرك الأشعري
ولكن قول الشيخ تاج الدين الأرمنتي أجمع، وألطف، وأحسن من هذا كله قول القائل - وقد نسب إلى الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
قويت شيعي ومن حظي أنا سني ... لولا الذهب شافعي كان انتفى مني
ظهر وسريجي وكنت أحسن به ظني ... صار مالكي أشعري قلت اعتزل عني
стр. 2402
ومن شعر تاج الدين الأرمنتي:
احفظ لسانك لا أقول فإن أقل ... فنصيحة تخفى على الجلاس
وأعيد نفسي من هجائك فالذي ... يهجى يكون معظماً في الناس
محمد بن أحمد بن فتوح
المحدث العالم أبو الفضل المصغوني - بالميم المفتوحة والصاد المهملة الساكنة والغين المعجمة وبعدها واو ونون - الإسكندراني.
قد دمشق، وطلب الحديث سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وقرأ الحديث، وسمع من القاضي تقي الدين، وطائفة، وقرأ الصحيح على بنت المنجا.
قال شيخنا الذهبي: وعلقت عنه شيئاً. وكان ديناً عاقلاً فاضلاً، وحدث عن التاج الغرافي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة أربعين وسبع مئة.
ومولده قبل الثمانين وست مئة.
محمد بن أحمد بن منعة
بالنون بعد الميم والعين المهملة - ابن مطرف بن طريف، شمس الدين أبو يوسف القنوي الصالحي، الشيخ الصالح المعمر.
سمع من عبد الحق بن خلف جزء ابن عرفة حضوراً، وسمع من ابن قميرة -
стр. 2403
إن شاء الله - والمرسي، واليلداني، وأجز له ابن يعيش النحوي والحافظ الضياء، وإبراهيم بن الخشوعي. وحدث بالكثير.
قال شيخنا الذهبي: كان خيراً أميناً.
توفي - رحمه الله تعالى - في سابع المحرم سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وله اثنتان وتسعون سنة.
وكان يعرف مضيه للسماع من ابن قميرة بدرب السوسي، وإنما لم يجزم لأن له أخوين باسمه.
قال شيخنا البرزالي: كان الأخوة الثلاثة يسمعون، ولكن يترجح هذا لأنه الأكبر.
محمد بن أحمد بن محمد
ابن أحمد بن محمود، الصدر الرئيس القاضي عز الدين بن القلانسي العقيلي، ناظر الخزانة بقلعة دمشق، ومحتسب البلد.
سمع من ابن البخاري مشيخته. وحدث، وسمع منه بعض الطلبة.
وكانت له ديانه، وفيه مسكة وصيانه، وعنده للخير محبة وإيثار، وعنه في حسن المباشرات أحاديث مروية وآثار.
وكان كافياً فيما يتولاه من الوظائف، وله على العوام سائق من مهابته وظائف، شكرت سيرته، وظهرت لما ظهرت بالأمانة سريرته، لم يعهد الناس منه إلا عفافاً، ولم يباشر الحسبة إلا ودخل الناس منها جنات ألفافاً.
стр. 2404
وما زال إلى أن لبى داعيه، وسمع الناس ناعيه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بكرة الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وكان شكلاً ضخماً، عليه مهابة ووقار، يتحدث وهو مطرق، ولم يضرب أحداً من السوقية إلا دون العشرة ضرباً خفيفاً، وله في قلوبهم المهابة العظمى، باشر الحسبة مدة سنين، ووصل من مصر إلى دمشق في أوائل صفر مباشراً نظر الخزانة عوضاً عن نجم الدين البصروي بحكم ولايته الوزارة.
ولما شهد جماعة من رؤساء دمشق بأن الصاحب شمس الدين غبريال، إنما عمر أملاكه من بيت المال، لأنه كان فقيراً طلب عز الدين المذكور ليشهد بذلك، فقال. كيف أشهد وهو في كل شهر يصرف له جامكية من بيت المال بمبلغ عشرة آلاف درهم؟ وله هذه المدة الطويلة يتناول ذلك، ومن كان كذلك لا يكون فقيراً، ولم يشهد. فقالوا له: تعزل من وظائفك، فلم يوافق. وعزل من الحسبة، وبقي بيده نظر الخزانة. وأعجب ذلك الأمير سبف الدين تنكز، وأثنى عليه، ولما بلغ السلطان أعجبه دينه، ولم يحل أملاك الصاحب شمس الدين.
محمد بن أحمد بن محمد
القاضي الرئيس الأصيل، بقية الرؤساء، عماد الدين بن الصاحب تاج الدين بن الشيرازي، ناظر الجامع الأموي، ومحتسب دمشق.
стр. 2405
كان من الرؤساء بالشام، ومن أولي الحشمة الذين لهم فيها الوجوه الوسام والأيادي الجسام، عريق في الرئاسة، غريق في السيادة والمباشرة والسياسة، يخدم الناس، ويتقرب إلى القلوب بسائر أنواع المكارم والأجناس. يزته فاخره، ووجاهته من شكله ظاهره. بقية أولئك الرؤساء الأول، والأكابر الذين تجملت بهم الأيام والدول، باشر الجامع مرات، وأثر فيه من العمارة ما يجلب للنفس المسرات. وباشر الحسبة مرات عده، فما رأى الناس إلا كل خير أعده واستجده.
ولم يزل على حاله متنقلاً فيما يتولاه، ويباشر أمره، فيملؤه ما جلاه وحلاه، إلى أن دارت عليه طاحون الطاعون، وراح مع أولئك القوم الذين هم إلى الساعة ساعون.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شعبان سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
وكان قد تولى نظر الجامع الأموي بعد تقي الدين بن مراجل في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول. وفي هذا اليوم دخلت أنا في ديوان الإنشاء بدمشق. وأقام فيه مدة سنين. ثم إنه نقل إلى نظر الحسبة، وأقام بها مدة. ثم إنه جاء المرسوم في أيام الصالح بعزله، فأقام في المدرسة الطرخانية جوار داره تقدير شهرين، ووزن بعض شيء، ثم أعيد إلى الحسبة.
وكتبت أنا له عدة تواقيع منها ما هو بنظر الحسبة، ومنها ما هو بنظر الجامع
стр. 2406
الأموي، فمن ذلك توقيع كتبت له بالحسبة مضافاً إلى نظر الجامع الأموي في جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة ارتجالاً من رأس القلم، وهو: الحمد لله الذي جعل ولي هذه الدولة القاهرة عماداً، وملكه من الرئاسة التي امتاز بها من غيره قياداً، وثنى الجوزاء تحت يده لما ساد وساداً، وبلغ همته العلية من المفاخر السامية مراماً ومراداً.
نحمده على نعمه التي حسنت مواقعها عند من ألفها معاجاً ومعاداً، ومنته التي فاقت جواهرها ازدواجاً وازدياداً، وعوارفه التي تجد النفوس لعرفها ارتياحاً وارتياداً، وأياديه التي تتخير الاقتراح محاسنها انتقاءً وانتقاداً.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزعم معاطس من أنكرها عناداً، وتخجل من تلفظ بها تقية وأضمر الباطل اعتقاداً، وتدحص حجج من أصر على البهتان، وتمالا ضلالاً وتمادى، وتنير وجوه قائلها بياضاً يوم تدلهم وجوه جاحديها سواداً.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي ارتقى شبعاً شدادا، وأبلى في أعداء الدين القيم لله جهادا، وجلى غياهب العجاج والأسنة تحكي النجوم اتقادا، وحمى سرح الحق فما ضره من عاد إلى الباطل وكاد وعادى.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين تسابقوا في حلبة الهدى جياداً، واتحدوا في سبيل الله محبة وودادا، وتقلدوا لنصر دينه بيضاً صفاحا، واعتقلوا سمراً صعادا،
стр. 2407
ونظمت جواهر معاليهم على جيد الزمان تؤاماً وفرادى صلاةً لا يمل طرف السهى من مراقبتها سهادا، ولا يعرف الأبد لأمدها ولا مددها نفادا، ما نزعت يد الصباح عن منكب الظلماء حدادا، ونفت نسمات الصبا عن عيون الأزهار رقادا، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد: فإن نظر الحسبة الشريفة بالشام المحروس منصب جليل القدر، ومحل سامي الأفق، لا يطلع في أوجه إلا من تم تمام البدر، ومكان لا يستكن في ذراه إلا من رفض عش الغش، ولم يخض في غدير الغدر، من ولي أمره غدقت به الأمور، وعلقت به مصالح الجمهور، وساس الرعية سياسةً محبتها في القلوب ومحلتها في الصدور، لأنه ينظر فيما دق وجل، وكثر وقل، وانحصر بمقدار، وضبط بمثقال ورطل وقنطار، وكل ما ابتلعته فم كيل وامتد له باع ذراع، أو تحدث فيه لسان ميزان مما يجلب من تحف البلاد ونفائس البقاع، وكل ما يعمل من أنواع المعايش، وكل ما أمره محرر أو سهم تقديره طائش، وله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحديث فيما شأنه أن يشكى أو يشكر، فهو الآمر في كل ذلك أجمع، وشآبيب تأديبه تهمع، وبروق تهديده تلمع.
وكان الجناب الكريم العالي المولوي القضائي العمادي محمد بن الشيرازي ممن قتل هذا المنصب خبرا، وقلبيته معرفته بطناً وظهرا، باشره مدة أمدها الله بالمحاسن الباهره، وجعل رياضها بالعدل زاهره، وأتى بيوت الرئاسة من أبوبها، وجنى ثمر السعادة من حدائق الإقبال متشابها، وجاذبته السيادة أهداب هدابها، ومدت له المعالي من المجرة طويل أطنابها، وذرب هذه الوظيفة فعرفها جيداً، كما أن أهل مكة أخبر
стр. 2408
بشعابها، وتشوقت عوده إليها تشوق الروض إذا ذوى إلى صوب الغمام، وتشوقت إلى رجوعه تشوق المشتاق إلى نوح الحمام.
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الكاملي السيفي - أعلاه الله تعالى - أن يفوض إليه نظر الحسبة الشريفة بالشام المحروس، لأنه أفضل من سكته التجارب ذهبا، وأولى من دربته المعارف، فأظهرته حساماً ماضي الشبا.
فليباشر ما فوض إليه مباشرةً ألفها الناس من سياسته، وعرفها الأنام من حميد رئاسته، وعهدها الرعية لما أنامهم الأمن في مهد حراسته، وشهدها البرية من جميل أصله ونفاسته، لأن آثار اعتماده في الجامع المعمور للعيون مشاهدة، وحسنات صنيعه في صحائف الأيام والليالي خالده، ومحاسن ما زخرفه في جدرانه على كل عامود حالة وعلى كل قاعدة قاعده. هذا إلى ما أنماه من أجوره، وأسماه من إدرار ما عليه من الرواتب، حتى شارك بها الواقف في أجوره، وأتعب من يأتي بعده حتى يسد مسده، أو يلبث مدة ما يمد قلمه من الدواة مدة.
ووصايا هذه الحسبة الشريفة كثيرة إلى الغاية، عزيزة لا يقف القلم في سردها عند نهاية، شهيرة عند معارفه التي أصبح فيها آية، ولكن القلم يطرق عند مثله لائذاً بالصمت، ويجف ريق المداد في لهوات الدواة هيبةً لما يراه فيه من عظمة الوقار وحسن السمت. فاجر فيها على عادتك الحسنى، وأول الناس فيها أمناً ومنا، واستعمل البأس في موضعه الذي يليق به وضعا، والرفق ولكن عز مكانه، فإن الغدر والخيانة يكونان في أكثر الناس طبعا، وأمر نوابك - أعزك الله - أن يحذروا في العفة والأمانة حذوك، وأن يتلوا في حسن السياسة تلوك، وأن يصبروا على مر طريقك في
стр. 2409
المباشرة، إن أرادوا أن تسوغهم حلوك، ولا شيء يزين الإنسان مثل تقوى الله فإنه واسطة العقود في الصفات المحموده، وزينة الوجوه في السمات المشهوده، تصدق يوم القيامة، إذا كذبت الظنون، وتنفع " يوم لا ينفع مال ولا بنون "، وأنت بحمد الله لا ينوب فيها أحد منابك، ولا يزر عليها سواك ثيابك، وإنما الخطاب لك ظاهراً، وأردنا بباطنه نوابك، فلتكن خطوتهم كل خطوه، وجلوتهم في كل جلوه، والله يتولى إعانتك على ما ولاك ويزيدك مما أولاك، والخط الكريم أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
محمد بن أحمد
الإمام الفاضل الرئيس الأصيل الشيخ عز الدين ابن الشيخ شمس الدين بن المنجا التنوخي الحنبلي، ناظر الجامع الأموي، ومحتسب دمشق أخيراً.
كان حسن الشكل والعمه، مليح الوجه، يحكي البدر وتمه، فيه مكارم وإحسان، ومحاسن قلما تجتمع في إنسان، غزير المروه، كثير الفتوه. حنبلي كثير الاختلاط بالشافعية، ظاهر الذكاء فيما يباشره والألمعيه، أثر في الجامع آثاراً حسنه، وجدد فيه الترخيم والزخرفة، وما أسهر له العيون الوسنه.
وكان جماعة للكتب النظيفه، والمجلدات الطريفه، خلف منها أشياء نفائس،
стр. 2410
وكتباً عدة كالنجوم الزاهرة أو الكواعب العرائس، وبهضه ما تحمل من الديون، وكانت جملة لو صورت خارت لها القوى، وحارت العيون، ولكن لنيته الجميلة، قام ولده بحملتها الثقيله.
ولم يزل على حاله في الحسبة إلى أن جاء ما لا أحتسب، وقدم على ما قدم واكتسب.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في العشرين من جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مئة.
ومولده ...
وحدث عن زينب بنت مكي، وكان قد ولي نظر الجامع الأموي عوضاً عن عماد الدين بن الشيرازي في يوم عرفة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وانتقل ابن الشيراوي إلى الحسبة.
محمد بن أحمد بن محمد
الإسكندراني الصوفي، شمس الدين المعروف بابن الفويه - بضم الفاء وتشديد الواو والياء آخر الحروف -.
كان ظريفاً لطيفاً شاعراً، حسن المحاضره، جميل المذاكره، اجتمعت به غير مرة بالقاهره، وأنشدني من شعره كثيراً.
стр. 2411
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر، وكان قد نسك آخر عمره، واقتصر.
ومما أنشدني له قوله:
لي أم من أصلح الناس تدعو ... لي رب السماء سراً وجهرا
جعل الله كل يابسة يا نو ... ر عيني بين كفيك خضرا
فاستجيب الدعاء في وما رد ... ت يداها من المواهب صفرا
فلذا لا أفيق ظهراً وعصراً ... سكرةً لا ولا عشاءً وفجرا
وأنشدني له أيضاً:
أعجامنا قد أصبحت قلوبهم ... وجداً بحب الخاتقاه خافقه
لا تعجبوا فكل كلب نابح ... ولا يحب الكلب إلا خانقه
وأنشدني له أيضاً:
وقالوا الشيخ مجد الدين ... شيخ الجهالة والبلاده
فقلت وأوحد في ال ... لياط وفي القياده
وزيدوا إن أردتم ... وشيخ النحس زاده
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً في نجم الدين وكيل الفخر، وكان أعور:
يا ربنا لي صاحب ... بالذنب مدحو شقي
غطيت منه عورةً ... يا خير رب مشفقي
وسترت منه ما مضى ... يا رب فاستر ما بقي
стр. 2412
ذكرت بهذا التهكم في الدعاء ما نقلته من خط السراج الوراق:
طالت مسافة بيني ... بين الصفي وبيني
فلا أموت إلى أن ... أرى الصفي بعيني
قلت: هذه تورية، خدمت معه من ثلاثة وجوه: أحدها: وهو الظاهر في بادئ الرأي، من أنه يراه بعينه.
والثاني: أن يراه ضعيفاً، " فعيلاً " بمعنى " مفعول ".
والثالث: أن يراه بفرد عين أي أعور، وهكذا يكون النظم الذي يسمع.
وكتب الشيخ جمال الدين بن نباتة إلى ابن الفويه:
واحربا من سوالف الخشف ... والنواعس الوطف
كم لك يا خشف من فتى وامق
لنون صدغيك يعبد الخالق
يا لكما من رشا ومن عاشق
من ذا ومن نون صدغ ذا قل في ... عابد على حرف
سكنت عندي بيتاً هو القلب
وغبت عن ناظري فلا عتب
يفديك يا بدر هائم صب
بمنزل القلب منه تستكفي ... لا بمنزل الطرف
جادت جفوني بالأدمع الحمر
стр. 2413
جود ابن فضل الإله بالتبر
لله منه جواد ذا الدهر
يمسك جود الحيا عن الوكف ... وهو جائد الكف
انظر لآثار مجده العالي
وصنعه بالعدا وبالمال
صنعة نحو بديعة الحال
فالمال نحو العفاة للصرف ... والعداة للحدف
ختام ذكر العلا به مسك
وأن لفظي لفظه سلك
وصفي وجدواه ليس ينفك
فليس يخلي يدي من عرف ... أو علاه من وصف
وأغيد زاره مخالفه
وعاد بعد الجفا يساعفه
وقال لما مشى يكاتفه
أصبح بعد الجفاء والخلف ... كالطراز على كتفي
فكتب شمس الدين بن الفويه الجواب:
زهر أم الزهر يانع القطف ... من كمائم السجف
رياض حسن قد راضها الدل
من ورد خد فيه الحيا طل
وآس صدغ فيه الحيا ظل
стр. 2414
كففت عن هصر كفي ... إذ رعيت بالطرف
من لي ببدر حشاشتي أفقه
يزيده حسن وجهه طلقه
لو جال في سمع عاذلي نطقه
لقال فيه بالصوت والحرف ... عاذلي بلا خلف
قلت وصدغ في الخد قد عقرب
ونمل ذاك العذار فيه دب
وحسنه في طرازه المذهب
يا واو صدغ من لين العطف ... هل أتيت للعطف
قال وأبدى ابتسامة درا
أعطيت نظم الجمال والنثرا
ونطقه فاتخذتهم ثغرا
وصنتهم في مواضع الرشف ... لا مواضع الشنف
أشرف يا بني نباتة الأدب
وقد نشا في القريض والخطب
فهم ولو لم يضمهم نسب
بينهم نسبة من الظرف ... والبيان واللطف
وغادةً دون حسنها الوصف
يثقلها عند خطوها الردف
قالت وأمواج ردفها تطفو
هذا الثقيل ردفي يعتمد خلفي ... أمشي ينقطع خلفي
قلت: ما أبدع هذه الخرجة الداخلة والألفاظ الجادة، وهي هازلة، رحمه الله تعالى.
стр. 2415
محمد بن أحمد بن إبراهيم
ابن حيدرة بن علي القاضي الإمام الفاضل شمس الدين أبو عبد الله المعروف بابن القماح المصري الشافعي.
سمع من أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر " صحيح " مسلم إلا قليلاً، ومن النجيب عبد اللطيف والعز عبد العزيز ابني عبد المنعم بن علي بن الصيقل الحراني، وعبد الرحيم بن يوسف بن خطيب المزة، وقاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الشافعي في آخرين.
وحدث، وتفقه، وبرع، وأجاد، وأفتى، وأفاد، وجاد بالعلم، فأجاد، وناب في الحكم بالقاهره، وشكرت سيرته الزاهره، وكانت فتاويه مسدده، ولياليه وأيامه بالعدل مجدده، وهو آية في الحفظ الذي لا يحكيه فيه نظير، ولا يضبطه فيه حوزة ولا حظير.
ولم يزل إلى أن بان وباد، وسكن الأرض إلى يوم المعاد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة ست وخمسين وست مئة.
وقد أجاز لي بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
стр. 2416
وكان متى سئل عن آية، ذكر ما قبلها، وكذلك يفعل في التنبيه، وهذه غاية لم يصل إليها أحد إلا من من الله عليه بها، ولعل الإنسان ما يقدر يفعل هذا في الفاتحة. ويحكى أن الحجاج بن يوسف ما كان يمتحن القراء إلا بذلك ما يسأل أحداً منهم إلا يقول له: إيش قبل الآية الفلانية، فيبهت ذلك المسكين.
وكان ينوب في الحكم على باب الجامع الصالحي بظاهر القاهرة، ودرس بالمدرسة المجاورة لقبر الإمام الشافعي بالقرافة ﵁، وناب عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في تدريس الكاملية مدة غيبته في الحجاز، وجمع مجاميع مفيدة، وكان على ذهنه تواريخ ووفيات وحكايات وفوائد، واختصر كتباً في الفقه، ولكن كان يتسامح في الأحكام حتى إن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة كان يمنعه من إثبات كتب الأوقاف.
ولما تولى ولده قاضي القضاة عز الدين بن جماعة لم يوله القضاء، فانقطع للاشتغال، وقراءة القرآن.
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن
ابن محمد تاج الدين بن الشيخ جلال الدين، الدشناوي محتداً، القوصي مولداً وداراً ووفاةً.
قرأ القراءات على الشيخ نجم الدين عبد السلام بن حفاظ، وسمع على المنذري، والرشيد العطار، وتقي الدين بن دقيق العيد، وشرف الدين الدمياطي، وغيرهم.
стр. 2417
وحدث بقوص ومصر والقاهرة والإسكندرية. وسمع منه شيخنا أبو الفتح، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور، وفخر الدين النويري، وسراج الدين بن الكويك، وغيرهم.
وأخذ الفقه عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، وعن والده جلال الدين، والشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي.
ودرس بالفاضلية بالقاهرة نيابة عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، ودرس بالعزية بظاهر قوص، والمدرسة النجمية والمدرسة السراجية. وأفتى، وحدث، واستبقى الخيرات وما تلبث.
وكان قوي الجنان، فصيح اللسان، طيب الأخلاق، كريم المعاشره، جميل الأوصاف فيما تولاه أو باشره، مقرئاً محدثاً أديباً، شاعراً لبيباً أريباً.
لم يزل على حاله إلى أن فارق العيش واستوى عنده الحلم والطيش.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.
قال كمال الدين الأدفوي: أنشد شيخنا تاج الدين، قال: أنشدنا الشيخ شمس الدين التونسي:
اصبر على حادثه أقبلت ... فهي سواء والتي ولت
وأرهف العزم فليس الظبى ... تفري وتبري كالتي كلت
стр. 2418
قال: فنظمت هذه الأبيات، وأنشدتها للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فاستحسنها، وهي:
ليت يداً صدت حبيباً أتى ... للوصل يشفي غلتي غلت
قضيت قدماً معه عيشةً ... يا ليت فيها مدتي مدت
لو لم أرض نفسي بصبرغدا ... ساعة صد جنتي جنت
قلت: كذا رأيت البيتين الأولين قد ساقهما الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي، ولو أن فيهما حكماً، لقلت: " اصبر إذا ما حالة حلت "، فإنها أنسب من قوله: " حادثة أقبلت "، وأما بيتا الشيخ تاج الدين الدشناوي الأولان فإنهما في الحسن غاية، ولكن البيت الثالث في تركيبه قلق، وليس بأخ لما تقدمه، ولو كان لي فيه حكم؛ لقلت:
أقبح بصد جاء لو لم يكن ... صبري لنفسي جنتي جنت
على أن الأول أيضاً فيه قلق، وأما الأوسط فإنه في الذروة.
وقد كنت نظمت قديماً، لما وقفت على البيتين الأولين، وهما مشهوران أبياتاً من جملتها:
هذي التي نلت بها ذلتي ... وحلتي في الصبر قد حلت
وأدمعي في وجنتي أطلقت ... وفي فؤادي غلتي غلت
خلائقي وفق غرامي بها ... فاستخبروها ما التي ملت
وقلت في جارية لي توفيت:
دفنتها كالبدر تحت الثرى ... ومن شقائي مدتي مدت
стр. 2419
كانت إذا ما سيف أجفانها ال ... مرهف يدعو لبتي لبت
ما سجعت في الأيك ورق الحمى ... لكنها في عزتي عزت
قال كمال الدين الأدفوي: وأنشدني لنفسه:
الشين في الشيخ من شرب غدا كدراً ... فلم تعفه نفوس الغانيات سدى
والياء من يأس أن تصبو إليه وقد ... بدت لها لحمة من شيبه وسدى
والخاء من خوف أن تقضي له فترى ... ما ابيض من شعره في جيدها مسدا
قلت: شعر كمال الدين أخصر وأحسن وأفصح وأمتن. وقد نظمت أنا في هذا المعنى في أقصر وأخصر فقلت:
الشين في الشيخ شين ... والياء يأس تبين
والخاء خسران عمر ... والحين من ذا تعين
ومن شعر تاج الدين الدشناوي:
ولولا رجائي أن شملي بعدما ... تشتت بالبين المشت سيجمع
لما بقيت مني بقايا حشاشة ... تحال على طيف الخيال فتقنع
стр. 2420
قلت: لولا الزيادة التي ألحقها في آخر البيت الثاني؛ لكان معنى بيتيه في بيت واحد من قول الأول:
ولولا رجاء القلب أن تعطف النوى ... لما حملته بينهن الأضالع
ومن شعر تاج الدين - وقد جوده -:
عجزت عن قصة الطيب وعن ... قصة أخذ الشراب إن وصفه
والحال أبدت لمن يميزها ... تعجباً ساء مصدراً وصفه
قلت: جمع في هذا البيت الثاني الحال والتمييز والتعجب والمصدر والصفة بتركيب سهل عذب.
محمد بن أحمد بن تمام
ابن كيسان أبو عبد الله الصالحي الخياط، الشيخ البركة، أخو الشيخ تقي الدين بن تمام - وقد تقدم ذكره -.
سمع من عمر بن غوة التاجر، وتمام السروري ومن ابن عبد الدايم، وعبد الوهاب بن محمد، ومن والده عن القزويني.
كان رجلاً صالحاً، منجمعاً عمن يراه طالحاً، له أبهة في الصدور، وعلى وجهه لمحة من جمال البدور، هشاً بشاً بساما، لين الكلمة بالمعروف، قوالاً قواماً. صحب
следующие страницы →