← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وكان متى سئل عن آية، ذكر ما قبلها، وكذلك يفعل في التنبيه، وهذه غاية لم يصل إليها أحد إلا من من الله عليه بها، ولعل الإنسان ما يقدر يفعل هذا في الفاتحة. ويحكى أن الحجاج بن يوسف ما كان يمتحن القراء إلا بذلك ما يسأل أحداً منهم إلا يقول له: إيش قبل الآية الفلانية، فيبهت ذلك المسكين. وكان ينوب في الحكم على باب الجامع الصالحي بظاهر القاهرة، ودرس بالمدرسة المجاورة لقبر الإمام الشافعي بالقرافة ﵁، وناب عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في تدريس الكاملية مدة غيبته في الحجاز، وجمع مجاميع مفيدة، وكان على ذهنه تواريخ ووفيات وحكايات وفوائد، واختصر كتباً في الفقه، ولكن كان يتسامح في الأحكام حتى إن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة كان يمنعه من إثبات كتب الأوقاف. ولما تولى ولده قاضي القضاة عز الدين بن جماعة لم يوله القضاء، فانقطع للاشتغال، وقراءة القرآن. محمد بن أحمد بن عبد الرحمن ابن محمد تاج الدين بن الشيخ جلال الدين، الدشناوي محتداً، القوصي مولداً وداراً ووفاةً. قرأ القراءات على الشيخ نجم الدين عبد السلام بن حفاظ، وسمع على المنذري، والرشيد العطار، وتقي الدين بن دقيق العيد، وشرف الدين الدمياطي، وغيرهم.

стр. 2417

وحدث بقوص ومصر والقاهرة والإسكندرية. وسمع منه شيخنا أبو الفتح، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور، وفخر الدين النويري، وسراج الدين بن الكويك، وغيرهم. وأخذ الفقه عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، وعن والده جلال الدين، والشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي. ودرس بالفاضلية بالقاهرة نيابة عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، ودرس بالعزية بظاهر قوص، والمدرسة النجمية والمدرسة السراجية. وأفتى، وحدث، واستبقى الخيرات وما تلبث. وكان قوي الجنان، فصيح اللسان، طيب الأخلاق، كريم المعاشره، جميل الأوصاف فيما تولاه أو باشره، مقرئاً محدثاً أديباً، شاعراً لبيباً أريباً. لم يزل على حاله إلى أن فارق العيش واستوى عنده الحلم والطيش. وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ست وأربعين وست مئة. قال كمال الدين الأدفوي: أنشد شيخنا تاج الدين، قال: أنشدنا الشيخ شمس الدين التونسي: اصبر على حادثه أقبلت ... فهي سواء والتي ولت وأرهف العزم فليس الظبى ... تفري وتبري كالتي كلت

стр. 2418

قال: فنظمت هذه الأبيات، وأنشدتها للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فاستحسنها، وهي: ليت يداً صدت حبيباً أتى ... للوصل يشفي غلتي غلت قضيت قدماً معه عيشةً ... يا ليت فيها مدتي مدت لو لم أرض نفسي بصبرغدا ... ساعة صد جنتي جنت قلت: كذا رأيت البيتين الأولين قد ساقهما الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي، ولو أن فيهما حكماً، لقلت: " اصبر إذا ما حالة حلت "، فإنها أنسب من قوله: " حادثة أقبلت "، وأما بيتا الشيخ تاج الدين الدشناوي الأولان فإنهما في الحسن غاية، ولكن البيت الثالث في تركيبه قلق، وليس بأخ لما تقدمه، ولو كان لي فيه حكم؛ لقلت: أقبح بصد جاء لو لم يكن ... صبري لنفسي جنتي جنت على أن الأول أيضاً فيه قلق، وأما الأوسط فإنه في الذروة. وقد كنت نظمت قديماً، لما وقفت على البيتين الأولين، وهما مشهوران أبياتاً من جملتها: هذي التي نلت بها ذلتي ... وحلتي في الصبر قد حلت وأدمعي في وجنتي أطلقت ... وفي فؤادي غلتي غلت خلائقي وفق غرامي بها ... فاستخبروها ما التي ملت وقلت في جارية لي توفيت: دفنتها كالبدر تحت الثرى ... ومن شقائي مدتي مدت

стр. 2419

كانت إذا ما سيف أجفانها ال ... مرهف يدعو لبتي لبت ما سجعت في الأيك ورق الحمى ... لكنها في عزتي عزت قال كمال الدين الأدفوي: وأنشدني لنفسه: الشين في الشيخ من شرب غدا كدراً ... فلم تعفه نفوس الغانيات سدى والياء من يأس أن تصبو إليه وقد ... بدت لها لحمة من شيبه وسدى والخاء من خوف أن تقضي له فترى ... ما ابيض من شعره في جيدها مسدا قلت: شعر كمال الدين أخصر وأحسن وأفصح وأمتن. وقد نظمت أنا في هذا المعنى في أقصر وأخصر فقلت: الشين في الشيخ شين ... والياء يأس تبين والخاء خسران عمر ... والحين من ذا تعين ومن شعر تاج الدين الدشناوي: ولولا رجائي أن شملي بعدما ... تشتت بالبين المشت سيجمع لما بقيت مني بقايا حشاشة ... تحال على طيف الخيال فتقنع

стр. 2420

قلت: لولا الزيادة التي ألحقها في آخر البيت الثاني؛ لكان معنى بيتيه في بيت واحد من قول الأول: ولولا رجاء القلب أن تعطف النوى ... لما حملته بينهن الأضالع ومن شعر تاج الدين - وقد جوده -: عجزت عن قصة الطيب وعن ... قصة أخذ الشراب إن وصفه والحال أبدت لمن يميزها ... تعجباً ساء مصدراً وصفه قلت: جمع في هذا البيت الثاني الحال والتمييز والتعجب والمصدر والصفة بتركيب سهل عذب. محمد بن أحمد بن تمام ابن كيسان أبو عبد الله الصالحي الخياط، الشيخ البركة، أخو الشيخ تقي الدين بن تمام - وقد تقدم ذكره -. سمع من عمر بن غوة التاجر، وتمام السروري ومن ابن عبد الدايم، وعبد الوهاب بن محمد، ومن والده عن القزويني. كان رجلاً صالحاً، منجمعاً عمن يراه طالحاً، له أبهة في الصدور، وعلى وجهه لمحة من جمال البدور، هشاً بشاً بساما، لين الكلمة بالمعروف، قوالاً قواماً. صحب

стр. 2421

الأخبار، وأسمع الأحاديث والأخبار، يرتزق من الخياطة، ومما يفتح عليه ممن يأتي رباطه. يؤثر من جمع ما يملك ويؤثر، ويصبر ولا يمنن بذاك ولا يستكثر. وكان قد تفقه قليلاً، واعتزل طويلاً. ولم يزل على حاله إلى أن التحق بالرحمن، وأدرج في الأكفان. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وشيعه خلق كثير، وموته في ثالث عشر شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة. خرج له شيخنا الذهبي مشيخةً في جزء ضخم. وسمع منه خلق كثير، وطال عمره، وحدث أكثر من أربعين سنة، وصحب الأخبار، ورافق الإمام شمس الدين بن مسلم، والشيخ علي بن نفيس. وكان الأمير سيف الدين يكرمه ويزوره، ويذهب هو إليه، ويشفع عنده. ومتع بحواسه، وأبطأ شيبه، وروى عن المؤتمن بن قميرة. وأجاز لي بخطه في سنى تسع وعشرين وسبع مئة بدمشق. محمد بن أحمد بن عبد الهادي ابن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، الشيخ الإمام الفاضل المفنن الذكي النحرير شمس الدين الحنبلي.

стр. 2422

سمع القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة، وأبا بكر بن عبد الدايم، وعيسى المطعم، وأحمد الحجار. وأكثر عن محمد بن الزراد وسعد الدين بن سعد، وعدة. وتقفه بالقاضي شمس الدين بن مسلم، وتردد كثيراً إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية. وأخذ العربية عن أبي العباس الأندرشي، وعلق على " التسهيل "، مجلدين تأذى بذلك منه أبو العباس الأندرشي، وأخذ بعض القراءات تفقهاً عن ابن بصخان. وحفظ كتباً منها " أرجوزة " الخوبي في علم الحديث و" الشاطبية " و" الرائية " و" المقنع " و" مختصر ابن الحاجب ". وعلق على أحاديثه وعمل تراجم الحفاظ، وعمل " كتاب الأحكام " ولم يكمل. قيل لي بأنه مجلدات. وله غير ذلك. كان ذهنه صافياً. وفكره بالمعضلات وافياً، جيد المباحث، أطرب في نقله من المثاني والمثالث. صحيح الانتقاد، مليح الأخذ والإيراد، قد أتقن العربيه، وغاص في لجتها على فوائدها ونكتها الأدبية، وتبحر في معرفة أسماء الرجال، وضيق على المزي فيها المجال. نزل أخيراً عما بيده من المدارس، وعدها من الأطلال الدوارس ليكون مفرغاً للإشغال، ويترك ما هو دون ويأخذ ما هو غال، ولو عمر لكان عجباً في علومه، ونقطه البدر طرباً منه بنجومه، ولكن اجتث يانعا، ولم يجد له من الحمام مانعا. وتوفي - رحمه الله تعالى - في العشر الأول من جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وسبع مئة.

стр. 2423

ومولده سنة خمس وسبع مئة. كان من أفراد الزمان، رأيته يواقف شيخنا جمال الدين المزي، ويرد عليه في أسماء الرجال، واجتمعت به غير مرة، وكنت أسأله أسئلة أدبية وأسئلة عربية، فأجده فيها سيلاً يتحدر، ولو عاش كان عجباً. محمد بن أحمد بن بدر بن تبع الشيخ المقرئ صلاح الدين أبو الحسن البعلبكي القصير. روى عن ابن عبد الدائم. قال شيخنا البرزالي: وذكر لنا أنه حدث ببغداد لما سافر إليها لاستنفاذ ولده. وكان رجلاً جيداً فيه خير ودين ومعروف، وعنده مروءة، مواظب على قراءة القرآن. توفي - رحمه الله تعالى - بالمدرسة الرواحية سابع عشر جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة. ومولده سنة اثنتين وأربعين وست مئة. وشيعه جماعة. محمد بن أحمد بن سليمان الدلاصي الشيخ المعمر صدر الدين. حدث عن ابن خطيب المزة، تجاوز الثمانين. وتوفي - رحمه الله تعالى - بالقاهرة سنة ست وخمسين وسبع مئة.

стр. 2424

محمد بن أحمد بن يعقوب كمال الدين أبو عبد الله الدمشقي الكاتب. باشر كتابة الإنشاء، وتنقل بها في حنايا بلاد وأحشاء، وكان يكتب سريعاً، ويجعل الطرس بقلمه روضاً مريعاً، إلا أنه لا ينشئ شيئاً، ولكنه يجعل له في التقييد ظلاً وفيئاً. وكان في خلقه حده، وفي ممارسته شده. لا يزال طالباً ما لا يمكنه، جالباً لنفسه من الشر والنكد ما يوهي جلده ويوهنه، يتخيل حتى من حبيبه، ويتخيل على من يكون من أنصاره ليجعله بمنزلة رقيبه، فمضى عمره في أنكاد، وقضى وفي القلوب منه أحقاد. ولم يزل على حاله إلى أن نقص كماله، وذهب في طلب المحال روحه وماله. وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وسبع مئة. ومولده في نيف وسبع مئة. طلب الحديث في وقت، ودار على الشيوخ، وكتب الطباق، وسمع من الحجار، والعفيف الآمدي. وكان قد توجه لتوقيع الرحبة، ووكالة بيت المال عوضاً عني في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وأقام بها مدة ثم حضر إلى دمشق.

стр. 2425

وتوجه لتوقيع جعبر، وأقام بها مديدة، وحضر إلى دمشق، وباشر ديوان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى -. ثم توجه إلى مصر، وباشر في ديوان الأسرى بدمشق، وبيده فقاهات في المدارس. ولما كان في أواخر أيام الأمير سيف الدين يلبغا نائب دمشق نزل له ابن البياعة عما باسمه على كتابة الإنشاء بدمشق، فدخل ديوان الإنشاء، ثم إنه توجه إلى الحجاز في سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، وعاد مع الركب المصري. فاتفق أنه مات في تلك الأيام شرف الدين موقع غزة، فاستخدمه القاضي علاء الدين بن فضل الله في توقيع غزة، فحضر إليها، وباشرها مدة بنفس قوية حتى على النواب. فنفرت القلوب منه، وكثرت الشكاوى عليه بباب السلطان، فرسم بعزله، ومع عناية القاضي علاء الدين معه خرج منها، وقد كاد يعطب. وكان قد نزل عن بعض جهاته لقاضي غزة من مباشرة الأسرى، وقام باسم أولاده على كتابة الإنشاء بدمشق، وأخذ من القاضي الخطابة بجامع الجاولي، والتدريس. حكى لي القاضي شرف الدين قاضي غزة أنه صعد المنبر، فقال: الحمد لله، وسكت ساعة، ثم قال: الحمد لله، وسكت ساعة، فعل ذلك مراراً! حتى إنه قال لي النائب: قم أنت اخطب، فخطبت عنه ذلك النهار، ولما حضر إلى دمشق رسم السلطان الملك الناصر حسن بإبطال من استجد بديوان الإنشاء بعد الشهيد، فبطل هو لأنه كان قد قايض قاضي غزة بماله على كتابة الإنشاء من الأيام الشهيدية، وأبقى له على ذلك ما استجد، فجرت بينه وبين القاضي مخاصمات ومحاورات ومحاكمات كادت

стр. 2426

تفضي إلى ملاكمات، ولم يثبت له شيء، فتوجه إلى مصر، فمرض مرضةً طويلة بالبيمارستان المنصوري، ثم إنه خرج في محارة مع العرب، فلما كان بين سرياقوس والقاهرة، أو بعد سرياقوس، توفي - رحمه الله تعالى - فحمله العرب إلى بلبيس، ودفن بها عفا الله عنه وسامحه. وكان أولاً يعرف بالزينبي، ثم إنه أخيراً كتب عن نفسه الجعفري. وكان إذا خاصم أحداً يقول: أنا ابن بنت رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا مولانا السيد كن، أعرف ما تقول إن كنت جعفرياً فهذه نسبة إلى جعفر الطيار أخي علي بن أبي طالب ﵃، وجعفر ما تزوج ببنت رسول الله ﷺ ، والذي تزوج بها أخوه علي بن أبي طالب، فإن أردت النسبة إلى بنت رسول الله ﷺ فقل أنا علوي، لأنك تكون من أولاد الحسن والحسين ﵃. فأخجله هذا، ولم يرجع عن هذه الدعوى، سامحه الله وعفا عنه. وكان مبغضاً إلى كل من يرافقه من فقهاء المدارس، وكتاب الجامع الأموي وكتاب الإنشاء حتى أنشدني فيه بعض الناس: يا حب لي فيك واش ... بيني وبينك يوقع وماله من محب ... مثل الشريف الموقع وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شمس الدين محمد بن شرف الدين عيسى بن قاضي شهبة في ذلك: ولرب خل قال لي يهنيك قد ... عطف الحبيب وزار بعد تجنب وكستك أيدي الدهر ثوب شبيبة ... ما عشت عنك جديده لم يذهب وأنا لك الدهر الخؤون قياده ... وأمنت من صرف الردى المتغلب وصفت لك الدنيا ووسع رزقها ... فتمل بالمحبوب واشرب واطرب فأحببت قد أفرحت لكن لم تقل ... وكذاك قد مات الكمال الزينبي

стр. 2427

وأنشدني من لفظه لنفسه غير ذلك في هذا المعنى، والجميع مثبت في الجزء الثالث والثلاثين من " التذكرة " التي لي. الشيخ محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي الشيخ تقي الدين أبو حاتم ابن الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبي حامد ابن شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي. تقدم ذكر جده وذكر عمه في مكانيهما من حرف العين والحاء. شاب شب على الهدى، ودب إلى الندى، وحث في طلب العلم، ودب في حمى الكرم والحلم، فخطب ودرس، وسرى إلى المعالي وما عرس، ما وصل هلاله إلى الإبدار، ولا انفصل زلاله عن الإكدار حتى قصف غصنه المائل، وخسف بدره الكامل، وفجع به أبوه وعمه، ودفع إلى كل منهما فيه همه وغمه، فعطلت غصون المنابر من ورقائه، وخملت فنون المدارس من إلقائه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في ... من شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة. ومولده في غالب الظن في شهر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبع مئة. كان هذا تقي الدين أبو حاتم قد نشأ أحسن نشأة، وربي خير مربى، اجتهد جده قاضي القضاة تقي الدين رحمه الله تعالى لما كان عنده بدمشق، وحفظه القرآن، و" التنبيه "، و" العمدة " في الأحكام. وحفظ هو بالديار المصرية كتاب " جمع

стр. 2428

الجوامع " لعمه قاضي القضاة تاج الدين. وولاه السلطان مدارس والده وخطابة جامع ابن طولون، فقام بجميع ذلك أتم قيام، وسد وظائفه كلها على أحسن نظام، ولبس تشريفاً في دمشق وألقى به الدرس في العادلية في حياة جده سنة ست وخمسين وسبع مئة، وعمره يومئذ دون الاثنتي عشرة سنة. وعلى الجملة، فكان من نجباء الأبناء، ولكن جاءه أجله مبكراً. ولما مات توجه والده إلى الحجاز ولحق بالركب الرحبي، ولم يلق بعده قراراً، وضاقت رحاب القاهرة به، وهو معذور في هذا الولد إذا ضاقت به الأرض فضلاً عن البلد. وكتبت إلى عمه قاضي القضاة تاج الدين أعزيه بقصيدة هي: الموت ختم يا أبا حاتم ... وغير مستثنى بنو آدم وليس تنجو من ورود الردى ... لا نفس مخدوم ولا خادم وكل عمر فله عروة ... ولا بد أن تفضي إلى فاصم والموت يقظان لهذا الورى ... وكلنا في غفلة النائم كالذود في الرعي به غفلة ... عن ملتقى جزاره الغاشم وكلنا يسعى إلى غاية ... لا بد من إدراكها اللازم ونشرب الكأس التي ذقتها ... من كف ساق للمنى حاسم وقد تساوى الناس في شربها ... تأتي على المحسن والجارم لهفي على نجمك لما هوى ... وليل شعر للصبا فاحم

стр. 2429

لهفي على علمك ذاك الذي ... قد كنت فيه ندرة العالم ودرسك الفقه الذي قال في ... هـ الناسي ما دار على الدارمي كأن من جدك فيه غدا ... جدك يمليه على الراقم كذلك التفسير قالوا أبو ... حيان حي أو أبو حاتم كم منبر تحتك يهتز من ... بلاغة ما حازها الغانمي تملي عليه خطباً شجعها ... كالدر يزهى في يد الناظم فصاحة يعجب من لفظها ال ... جاحظ والراغب والحاتمي وأنت في أعلاه قمرية ... وذاك مثل الغصن الناعم فما لنا اليوم ولا للعلا ... ولا دروس العلم من راحم وكلنا بعدك في ضيعة ... كالذود إذ أمسى بلا سائم لهفي على الشيخ أبيك الذي ... تركته بعدك كالهائم قد كان على بلواه في غفلة ... بل كان في إغفاءة الحالم فاعتاقه صرف الردى دون ما ... أمله في ظنه الزاعم قد كنت منه مثل ما قال عب ... د الله في أمر ابنه سالم جلدة بين العين لكنه ... راح بأنف في الورى راغم هج إلى مكة من حزنه ... يعض كف النادم السادم وأم بيت الله مستصرخاً ... في الضر بالصفوة من هاشم رحت إلى الله خفيف المطا ... غير مسيء لا ولا آثم

стр. 2430

تصافح الولدان والحور في ... جنات عدن برضى دائم فأين تلك الحركات التي ... أنحى عليها الموت بالجازم لهفي على نفسي فقد كنت لي ... ركناً محته صدمة الهادم أراك في الأنصار لي عدةً ... ولم أخل أن الردى فاطمي وكنت من شوق كطير قد ان ... قض إلى منهله حائم وكان ذاك البعد من قبل ذا ... دخان هذا الضرم الجاحم كم قلت لما أن سمعت الذي ... يسرني من خبر القادم ترى أرى الناشي وقد خصني ... بنظمه الزاهي على الناجم وهل أرى ذاك المحيا الذي ... بارقه راق لدى السائم والآن لا الصبر غدا نافعي ... وليس من بحر البكا عاصمي تعز يا مولاي عن ذاهب ... مضى به سيل ردى عارم وأنت في بيت دراريه أم ... ثال الذراري في الدجى العاتم قد زينوا الدهر الذي ضمهم ... فراح ذا ثغر بهم باسم واصبر لخطب قد عرا واحتسب ... تظفر بأجر الصائم القائم والله يسقي ترب من قد مضى ... صوب الحيا من جوده الساجم محمد بن أحمد بن بصخان بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة، وبعدها خاء معجمة وألف ونون، ابن عين الدولة، شيخ القراء بدمشق، الشيخ الإمام بدر الدين أبو عبد الله بن السراج الدمشقي، المقرئ النحوي.

стр. 2431

سمع الكثير بعد الثمانين من أبي إسحاق اللمتوني، والعز بن الفراء، والإمام عز الدين الفاروثي، وطائفة. وعني بالقراءات سنة تسعين وبعدها، فقرأ للحرميين وأبي عمرو على رضي الدين بن دبوقا، ولابن عامر على جمال الدين الفاضلي، ولم يكمل عليه ختمة الجمع، ثم كمل على الدمياطي وبرهان الدين الإسكندري، وتلا لعاصم ختمة على الخطيب شرف الدين الفزاري، ولازمه مدةً، وقرأ عليه القصيدة لأبي شامة. قال شيخنا شمس الدين الذهبي: وترددنا جميعاً إلى الشيخ المجد نبحث عليه في القصيد، ثم إنه حج غير مرة، وانجفل عام سبع مئة إلى مصر، وجلس في حانوت تاجر، وأقبل على العربية فأحكم كثيراً منها، وقدم دمشق بعد ستة أعوام، وتصدى لإقراء القراءات والنحو، وقصده الطلبة، وظهرت فضائله، وبهرت معارفه، وبعد صيته، ثم إنه أقرأ لأبي عمرو بإدغام " الحمير لتركبوها "، وبابه ورآه سائغاً في العربية، والتزم إخراجه من القصيد، وصمم على ذلك، مع اعترافه بأنه لم يقل به أحد، وقال: أنا قد أذن لي في الإقراء بما في القصيد، وهذا يخرج منها.

стр. 2432

فقام عليه شيخنا المجد وابن الزملكاني وغيرهما، فطلبه قاضي القضاة ابن صصرى بحضورهم، وراجعوه وباحثوه فلم ينته، فمنعه الحاكم من الإقراء بذلك، وأمره بموافقة الجمهور، وذلك في عشري شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبع مئة، فتألم وامتنع من الإقراء جملة. ثم إنه استخار الله تعالى في الإقراء بالجامع، وجلس للإفادة، وازدحم عليه المقرئون وأخذوا عنه، وأقرأ العربية. قال: وذهنه متوسط لا بأس به، ثم ولي بلا طلب مشيخة التربة الصالحية بعد مجد الدين التونسي بحكم أنه أقرأ من بدمشق في زمانه، انتهى. قلت: وكان بهي المحيا، يطوي السكون طيا، ظاهر الوقار، بادي التكبر على الناس والاحتقار، نظيف اللباس، طيب الرائحة في الانطلاق والاحتباس، ظريف العمامه، كأنه من بياض ثيابه حمامه، له قعدد في جلوسه، وتسدد في ناموسه، وكذا إذا مشى لا يلتفت ولو زحمه الليث والرشا. وإذا كان في حالة تصدره للقراءة يتلبس بالتوفر على التوقر والأناة، لا يتنحم ولا يتلفت لا يعير بصره وسمعه غير من يقرأ عليه إن عطس أو شمت، مشغولاً بمن قد أمه قدامه، مجموع الحواس على القارئ الذي جعله إمامه أمامه: ويبقى على مر الحوادث صبره ... ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل ولم يزل على حاله إلى مات به شاطبي عصره، وأنزل إلى قعر لحد من علو مجده في قصره. وتوفي - رحمه الله تعالى - في خامس ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.

стр. 2433

ومولده سنة ثمان وستين وست مئة. واشتهر عنه أنه كان لا يأكل اللحم إلا مصلوقاً والحلاوة السكرية لا غير. وقيل إنه لم يأكل المشمش في عمره؛ ومن شعره في المشمش: قد كسر المشمش قلبي ولم ... أكسر له لما أتى قلبا لسعره الغالي وعسري معاً ... وأستحي أن ألقط الحبا وكان له ملك يرتفق بمصالحه، ولم يتناول من الجهات درهماً ولا طلب جهةً كمال أهليته. وكان يدخل الحمام وعلى رأسه قبع لباد غليظ إذا تغسل رفعه وإذا أبطل قلب الماء أعاده، فأفاده ذلك ضعفاً في بصره، وكان طيب النغمة. دخل يوماً هو والشيخ نجم الدين القحفازي في درب العجم وفيه ظروف زيت، فعثر في أحدها، فقال نجم الدين: تسعنا في ظرف المكان. فقال له الشيخ بدر الدين: لا بل تمشي بلا تمييز، فقال: إن ذا حال نحس. وقد أجاز لي رحمه الله تعالى جميع ما صنفه ونظمه بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وأنشدني شمس الدين محمد الخياط الشاعر، قال: أنشدني من لفظه لنفسه: كلما اخترت أن ترى يوسف الحس ... ن فخذ في يمينك المرآة وانظرن في صفائها تبصرنه ... واعذرن من لأجل ذا الحسن باتا لا يذوق الرقاد شوقاً إليه ... قلق القلب لا يطيق ثباتا

стр. 2434

قلت: كان الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى لما سمع كلام الناس في كلامه هذه المادة مثل قول القائل: ما أخذ المرآة في كفه ... ينظر فيها للجمال المصون إلا رأى الشمس وبدر الدجى ... ووجهه في فلك يسبحون وقول أبي الحسن بن يونس بن عبد الأعلى: يجري النسيم على غلالة خده ... وأرق منه ما يمر عليه ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه وقول الآخر: وأهيف ظل بالمرآة مغرى ... يواظب رؤية الوجه المليح يقول طلبت معشوقاً مليحاً ... فلما لم أجده عشقت روحي وقول الآخر: أخذ المرآة بكفه كيما يرى ... فيها محاسن وجهه فتحيرا ما كان يدري ما جنت عيني على ... قلبي فحين رأى محاسنه درى وقول الآخر: عجبت لبدر التم أصبح عاشقاً ... هلالاً وأمسى مغرماً فيه قلبه ولو أخذ المرآة ينظر وجهه ... لأبصر ما يسليه عمن يحبه وقول ابن الساعاتي:

стр. 2435

يقول ماذا ترى وفي يده ... مرآته وهو ناظر فيها قلت أرى البدر في السماء وقد ... أفاض نوراً على نواحيها وقلت أنا في هذه المادة: لو أخذت المرآة يا من سباني ... لترى طلعة سمت كل بدر وتحققت أن عذري باد ... في غرامي وفي تهتك ستري وللناس في هذا كثير، وهذا القدر كاف. وأراد الشيخ بدر الدين أن ينظم مثل ذلك في رقته وطلاوة تراكيبه فأتى بما أتى وزاد علواً في الثقالة وعتا. وأنشدني شمس الدين الخياط أيضاً، قال: أنشدني لنفسه في مليح دخل الحمام مع عمه، فلما جعل السدر في وجهه قلب الماء عليه عبد أسود كان هناك: وبروحي ظبي على زجهه السد ... ر وقد أغمض الجفون لذلك قائلاً عند ذاك حين أتاه ... يسكب الماء عليه أسود حالك من ترى ذا الذي يصب أعمي ... قلت بل ذا الذي يصب كخالك قلت: قد حقق الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ما قيل عن شعر النحاة من الثقالة، على أنني ما أعتقد أن أحداً رضي لنفسه أن ينظم هكذا، والذي أظنه أنه تعمد هذه التراكيب القلقة وإلا فما في طباع أحد يعاني النظم هذا التعاظل، ولا هكذا التعسف ولا هذه الركة، ولكني المعاني جيدة، فهي عروس تجلى في ثياب حداد.

стр. 2436

محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، شيخنا الإمام حافظ الشام. كان في حفظه لا يجارى، وفي لفظه لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، عرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، مع ذهن يتوقد ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبه وانتماؤه. جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مونة التطويل في التأليف، وكتب بخطه ما لا يحصى، ولا يوقف له على حد يستقصر ولا يستقصى. ومنذ انتشا لم يضع له زمان، ولا ظفر الفراغ منه بأمان، أخذنا من فوائده الجليلة وفرائده الجميله، وأضحت دمشق بعده من فنه دمنةً والعيون كليله: أطل على الأخبار من كل وجهة ... وشارفها من كل شرق ومغرب وأضر قبل موته بسنوات، وحصل للناس بذلك في تلك الحال هفوات. ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الذهبي وقد ذهب، ونهب الأجل من عمره ما وهب. وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ودفن في مقابر باب النصر.

стр. 2437

ومولده سألته عنه فقال: في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وست مئة. وقلت أنا أرثيه: لما قضى شيخنا وعالمنا ... ومات فن التاريخ والنسب قلت عجيب وحق ذا عجب ... كيف تخطى البلى إلى الذهب وقلت فيه أيضاً: أشمس الدين غبت وكل شمس ... تغيب وزال عنا ظل فضلك وكم ورخت أنت وفاة شخص ... وما ورخت قط وفاة مثلك وارتحل وسمع بدمشق وبعلبك وحمص وحماة وطرابلس ونابلس والرملة وبلبيس والقاهرة والإسكندرية والحجاز والقدس وغيرها. سمع بدمشق من عمر بن القواس وغيره، وببعلبك من عبد الخالق بن علوان وغيره. وبالقاهرة من الحافظين ابن الظاهري والشيخ شرف الدين الدمياطي، ومن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، ومن أبي المعالي الأبرقوهي. وسمع بالإسكندرية من الغرافي وغيره. وسمع بمكة من التوزري وغيره، وسمع بنابلس من العماد بن بدران، وباشر تدريس الحديث بالتربة الصالحية بدمشق عوضاً عن الشيخ كمال الدين بن الشريشي.

стр. 2438

أخبرني شيخنا العلامة تقي الدين قاضي القضاة قال: عدته ليلة مات، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: في السياق. وكان قد أضر قبل موته بأربع سنين أو أكثر بماء نزل في عينيه، وكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بصرك، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي، لأن بصري لا زال ينقص قليلاً قليلاً إلى أن تكامل عدمه. اجتمعت بع غير مرة، وقرأت عليه كثيراً من تصانيفه. ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة والسلف وأرباب المقالات. وأعجبني ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثاً يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد أو طعن في رواية وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده. ومن تصانيفه " تاريخ الإسلام "، وقد قرأت عليه منه المغازي والسيرة النبوية إلى آخر أيام الحسن، وجميع الحوادث إلى آخر سنة سبع مئة. وكانت القراءة في أصله بخطه، و" تاريخ النبلاء "، ونقل عني فيه أشياء، و" الدول الإسلامية " و" طبقات القراء " سماه: " معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار "، تناولته منه، وأجازني روايته عنه، وكتبت أنا عليه:

стр. 2439

عليك بهذه الطبقات فاصعد ... إليها بالثنا إن كنت راقي تجدها سبعةً من بعد عشر ... كنظم الدر في حسن اتساقي تجلي عنك ظلمة كل جهل ... به أضحى مقالك في وثاق فنور الشمس أحسن ما تراه ... إذا ما لاح في السبع الطباق و" طبقات الحفاظ " مجلدان، " ميزان الاعتدال في الرجال " في ثلاث أسفار، كتاب " المشتبه في الأسماء والأنساب "، " نبأ الدجال " مجلد، " تذهيب التهذيب "، " اختصار تهذيب الكمال " للحافظ شيخنا المزي، اختصار كتاب " الأطراف " أيضاً للمزي، " الكاشف "، " اختصار التذهيب "، " اختصار السنن الكبير " للبيهقي، تنقيح أحاديث " التعليق " لابن الجوزي، " المستحلى في اختصار المحلى "، المقتنى في الكنى "، " المغني في الضعفاء "، " العبر في خبر من غبر "، مجلدان، " اختصار المستدرك " للحاكم، " اختصار ابن عساكر " في عشرة أسفار، " اختصار تاريخ الخطيب " مجلدان، وملكتهما بخطه، " اختصار تاريخ نيسابور " مجلد، " الكبائر " جزءان، " تحريم الأدبار " جزءان، " أخبار السد "، " أحاديث مختصر ابن الحاجب " ملكته بخطه، " توقيف أهل التوفيق على مناقب الصديق "، " نعم السمر في سيرة عمر "، " التبيان في مناقب عثمان "، " فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب "، قرأتهعليه كاملاً، " معجم أشياخه "، وهم ألف وثلاث مئة شيخ، وملكته بخطه، " اختصار كتاب الجهاد " لبهاء الدين بن عساكر، " ما بعد الموت " مجلد، " اختصار كتاب القدر " للبيهقي ثلاث مجلدات، " هالة البدر في عدد

стр. 2440

أهل بدر "، " اختصار تقويم البلدان " لصاحب حماة، " نفض الجعبة في أخبار شعبة "، " قض نهارك في أخبار ابن المبارك "، " أخبار أبي مسلم الخراساني "، وله في تراجم الأعيان في كل واحد مصنف قائم الذات مثل الأئمة الأربعة، ومن جرى مجراهم، ولكنه أدخل الكل في " النبلاء "، ومن تكلم فيه، وهو موثق كتبته من خطه، وقرأته عليه، و" الثلاثين البلدية " كتبتها من خطه، وقرأتها عليه. وكتب بخطه من الأجزاء شيئاً كثيراً، وملكت منها جملة. أنشدني من لفظه لنفسه، وجود ما شاء: إذا قرأ الحديث علي شخص ... وأخلى موضعاً لوفاة مثلي فما جازى بإحسان لأني ... أريد حياته ويريد قتلي فنظمت أنا وأنشدته: خليلك ما له في ذا مراد ... فدم كالشمس في عليا محل وحظي أن تعيش مدى الليالي ... وأنك لا تمل وأنت تملي وأنشدني من لفظه لنفسه: تولى شبابي كأن لم يكن ... وأقبل شيب علينا تولى ومن عاين المنحنى والنقا ... فما بعد هذين إلا المصلى

стр. 2441

قلت: الشيخ رحمه الله تعالى أخذ هذا من قول الأول: ألا يا سارياً في بطن قفر ... ليقطع في الفلا وعراً وسهلا قطعت نقا المشيب وبنت عنه ... وما بعد النقا إلا المصلى قلت: ولكن شيخنا العلامة رحمه الله تعالى زاد عليه المنحنى، وهي زيادة مليحة، زيادة من له ذوق، ولو كان لي في قوله حكم لقلت: " ومن وصل المنحنى والنقا " وهو أحسن، وكذا في قول الأول لكان في حكم لقلت: " ليقطع في المدى ". وكتب شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى إلى شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، ولعله آخر شعر نظمه: تقي الدين يا قاضي الممالك ... ومن نحن العبيد وأنت مالك بلغت المجد في دين ودنيا ... ونلت من العلو مدى كمالك ففي الأحكام أقضانا علي ... وفي الخدام مع أنس بن مالك وكابن معين في حفظ ونقد ... وفي الفتوى كسفيان ومالك وفخر الدين في جدل وبحث ... وفي النحو المبرد وابن مالك تشفع بي أناس في فراء ... لتكسوهم ولو من رأس مالك لتعطى في اليمين كتاب خير ... ولا تعطى كتابك في شمالك ثم إنه استطرد إلى مديح ولده قاضي القضاة تاج الدين، فقال بعد ذلك: والمذهبي إدلال الموالي ... على المولى لحلمك واحتمالك وأنشدني من لفظه لنفسه: لو أن سفيان على حفظه ... في بعض همي نسي الماضي نفسي وعرسي ثم ضرسي سعوا ... في غربتي والشيخ والقاضي

стр. 2442

وأنشدني من لفظه لنفسه: العلم: قال الله قال رسوله ... إن صح والإجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالةً ... بين الرسول وبين رأي فقيه وأنشدني من لفظه لنفسه: أفق يا معنى بجمع الحطام ... ودرس الكلام ومين يصاغ ولازم تلاوة خير الكلام ... وجانب أناساً عن الحق زاغوا ولا تخدعن عن صحيح الحدي ... ث فما في محق لرأي مساغ وما للتقي وللبحث في ... علوم الأوائل يوماً فراغ بلاغاً من الله فاسمع وعش ... قنوعاً فما العيش إلا بلاغ ولما توفي شيخنا علم الدين البرزالي - رحمه الله تعالى - تولى الشيخ شمس الدين - رحمه الله تعالى - تدريس المدرسة النفيسية وإمامتها عوضاً عنه، فكتبت له توقيعاً بذلك، وهو: " رسم بالأمر العالي لا زالت أوامره المطاعة تطلع في أفق المدارس شمسا، وتذيل بمن توليه عن المشكلات لبسا، أن يرتب المجلس السامي الشيخي الشمس في كذا وكذا، علماً بأنه علامة، وحافظ متى أطلق هذا الوصف كان علماً عليه وعلامة، ومتبحر أشبه البحر إطلاعه والدر كلامه، ومترجم رفع لمن ذكره في تاريخ الإسلام أعلامه، فالبخاري طاب أرج ثنائه عليه، ومسلم أول مؤمن بأن هذا الفن

стр. 2443

انتهى إليه. وأبو داود يحمد آثاره في سلوك سنن السنن، والترمذي يخال أنه فداه بنور ناظره من آفات دار الفتن، والنسائي لو نسأ الله في أجله لرأى منه عجبا. وابن ماجه لو عاين ما جاء به ماج له طربا. فليباشر ما فوض إليه مباشرة تليق بمحاسنه وتدل طالبي السواد على مظانه وأماكنه، ويبين لهم طرق الرواية. فالفقه حلة وعلم الحديث علمها وطرازها، والرواية حقيقة، ومعرفة الرجال مجازها، ويتكلم على الأسانيد، ففي بعض الطرق ظلم وظلام، ويورد ما عنده كامن الجرح والتعديل إن بعض الكلام فيه كلام، ويوضح أحوال الرواة الذين سلفوا فليس ذاك بعيب. وما لجرح بميت إيلام، ويتم بما أطلع عليه من تدليسهم فما أحسن روضةً هو فيها تمام، ويسرد تراجم من مضى من القرون التي انقضت " فكأنها وكأنهم أحلام "، ويحرص على اتصال السند بالسماع ليكون له من الورق والمدار " رصدان ضوء الصبح والإظلام ". ولا يدع لفظة يوهم إشكالها، " فالشمس تمحو حندس الأوهام ". حتى يقول الناس إن شعبةً منك شعبه، وأبا زرعة لم يترك عنده من الفضل حبه، وابن حزم ترك الحزم وما تنبه، وابن عساكر توجس منك رغبه، وابن الجوزي عدم لبه وأكل الحسد قلبه. ولا تغفل عن إلزام الطلبة بالتكرار على المتون الصحيحة دون السقيمة فيما يستوي الطيب والخبيث. وذكرهم بقوله ﵊: "

стр. 2444

من حفظ على أمتي أربعين حديثاً "، وإن كان الحفظ بمعنى الجمع فالعمل بظاهر الحديث، فأنت ذو الصفات التي اشتهرت، والفضائل التي بهرت، والدربة التي اقتدرت على هذا الفن ومهرت، والفوائد التي ملأت الأمصار وظهرت، والحجج التي غلبت الخصوم وقهرت. لم تضع وقتاً من زمانك إما أن تسمع أو تلقي أو تنتقي، وإما أن تجتهد في نصرة مذهب الشافعي حتى كأنك البيهقي، وإما أن يصنف ما يود بقي بن مخلد لو عاش له وبقي. وأنت أدرى بشروط الواقف رحمه الله تعالى، فارعها وابتع أصلها وفرعها، وأهد الدعاء له عقيب الميعاد، وأشركه مع المسلمين في ذلك فآثار الرحمة تلمع على هذا السواد، واذكر من تقدمك فيها بخير ففضله الباهر كان مشهورا، واسأل له من الله الجنة ليسرك يوم القيامة أن تراه علماً منشورا. والوصايا كثيرة، ومثلك لا ينبه، ولا يقاس بغيره ولا يشبه، وملاك الأمور تقوى الله تعالى، وقد سلكت منها المحجه، وملكت بها الحجة، فلا تعطل منها جيدك الحالي، وارو ما عندك فيها فسندك فيها عالي، والله يمدك بالإعانة، ويوفقك للإنابة والإبانة، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

стр. 2445

محمد بن أحمد بن عثمان ابن إبراهيم بن عدلان بن محمود بن لاحق بن داود، الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله الكناني المصري الشافعي، المعروف بابن عدلان. سمع من العز بن الصقيل الحراني، ومن النظام محمد بن الحسين بن الخليلي، مشيخة عمر بن طبرزد تخريج ابن الدبيثي بإجازتهما منه، ومن محمد بن إبراهيم بن ترجم، ومن الدمياطي أخيراً. وأجاز له عبد الله بن الواحد بن علاق، وعبد الرحيم بن خطيب المزة، وأبو بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني، وغيرهم. وتفقه على الشيخ وجيه الدين البهنسي. وقرأ في الأصول على الشيخ شمس الدين محمد بن محمود الأصبهاني شارح " المحصول ". وقرأ " المفصل " على الشيخ بهاء الدين بن النحاس، وكان قد قرأ القرآن على الصفي خليل بن أبي بكر المراغي. وكان في الفقه بارعاً، وإلى استحضار الفروع ونقلها مسارعاً. لو عاصره المزني غرق قطره في بحره، أو الماوردي لاستطاب نفحة ذكره، أو الغزالي لسدى تحت طاقه، أو القاضي أبو الطيب لقضى أن المرارة ساعة فراقه. شرح " مختصر المزني " وما أظنه كمله، ولو أتمه طرز به المذهب وجمله، إلا أنه مع عظم قدره، وسمو بدره، كان الملك الناصر يكرهه، ويصده بالكلام المؤلم

стр. 2446

ويجبهه، لأنه أفتى الجاشنكير في تلك المرة بما أفتاه من خلعه، وكان ذلك سبباً إلى صرم ثمره، وشرط طلعه. ولم يزل إلى أن تسجى، وعد فيما لا يرجى. وتوفي - رحمه الله تعالى - بين العيدين في سنة تسع وأربعين في طاعون القاهرة. ومولده سنة نيف وستين وست مئة. قال القاضي تاج الدين بن قاضي القضاة تقي الدين السبكي: أفتى ابن عدلان في واقف وقف مدرسة على الفقهاء ومدرس ومعيد وجماعة عينهم، قال: ومن شروط المذكورين أن لا يشتغلوا بمدرسة أخرى غير هذه المدرسة ولا يكون لواحد منهم تعلق بمدرسة أخرى ولا مباشرة تجارة ولا بزازة يعرف بها غير تجارة الكتب، ولا ولاية بأنه يجوز للمقرر في هذه المدرسة الجمع بينهما وبين إمامة مسجد قريب منها، ووافقه شيخ الحنفية في زمانه قاضي القضاة بالديار المصرية علاء الدين علي بن عثمان المارديني رحمه الله تعالى، وهذا فيه نظر؛ لنص الشافعي على أن الإمامة ولاية حيث يقول ولا أكره الإمامة إلا من جهة أنها ولاية، وأنا أكره سائر الولايات. قال: ومن محاسن ابن عدلان أنه سئل أيهما أفضل أبو بكر أو علي في مكان لا يمكنه التصريح بمذهب أهل السنة، فقال: علي أفضل القرابة وأبو بكر أفضل الصحابة.

стр. 2447

قلت أنا: جواب حسن، لكنه لا يرضي السائل من كل وجه، لأن علياً ﵁ من الصحابة، وأحسن ما مر بي في ذلك قول ابن الجوزي وقد سئل من أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ وهو على المنبر ومماليك الخليفة واقفون فرقتين، فقال: من كانت ابنته تحته. فقالت كل فرقة قال بتفضيل من ذهبنا إليه، وتركهم في الخصام، ونزل عن المنبر حتى لا يستفسروه في الضمير إلى من يعود، وهذا في غاية الحسن، لأنها عبارة أوهمت كل فرقة نصرة مذهبها. قلت: وتوجه الشيخ شمس الدين رسولاً إلى اليمن في أيام سلار والجاشنكير، وباشر الوكالة لأمير موسى بن الصالح علي بن الملك المنصور، وهذه أيضاً من أسباب الجاشنكير، فنقم السلطان عليه هذا الأمر، وبقي إلى آخر أيامه، وهو عنده ممقوت. قرأ له في وقت القاضي شهاب الدين بن فضل الله قصةً على السلطان، فقال: قل له: الذين كانوا يعرفونك ماتوا، ثم إنه - رحمه الله تعالى - ولي قضاء العسكر في أيام الناصر أحمد لما حضر من الكرك إلى أن مات ودرس بعدة مدارس، وأفتى وولي نيابة القضاء للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد. محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الإسعردي الشيخ الإمام أبو عبد الله شمس الدين لمعروف بابن اللبان الدمشقي. سمع بدمشق من أبي حفص عمر بن عبد المنعم بن القواس، وانجفل إلى مصر، وسمع بها من الدمياطي، ومن عبد الرحمن بن عبد القوي بن عبد الحكيم الخثعمي

стр. 2448

رطهرمس من الجيزية، وحدث بالديار المصرية، وسمع منه الطلبة، وخرج له شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي جزءاً من حديثه، وتفقه وبرع وأخذ في الإشغال وشرع، ولم يترك ابن اللبان لغيره في الفقه زبدة. وروى الحديث، وكان لحلاوة روايته كأنما أسند عن شهدة، ودرس بزاوية الشافعي في جامع عمرو بن العاص، وعقد مجالس الوعظ، فاشتمل عليه العام والخاص، واشتهر ولا شهرة ابن الجوزي في بغداد، وطارت سمعته كأنه ابن سمعون الأستاذ. ولم يزل على حاله إلى أن نقل ابن اللبان إلى الجبانه، وراح بفقره إلى الغني سبحانه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر. ومولده في حدود سنة خمس وثمانين وست مئة. وكان قد قام عليه في وقت قاضي القضاة القزويني بالديار المصرية، وربما أنه كفره في سنة ست ثلاثين وسبع مئة وقام في أمره القاضي شهاب الدين بن فضل الله وناصر الدين خزندار الأمير سيف الدين تنكز وغيرهما من أصحابه فسكت عنه وعمل في ذلك كمال الدين الأدفوي مقامةً. محمد بن أحمد بن علي الإمام المفتي شيخ القراء شمس الدين أبو عبد الله الرقي.

стр. 2449

سمع الحديث ورافق الطلبة، ودار على المشايخ، وتميز في الفقه والقراءات وغير ذلك. وتلا بالسبع على الفاروثي وابن مزهر وغيرهما. وأقرأ ودرس وأفتى، وروى الكثير عن ابن البخاري وطبقته. وتوفي - رحمه الله تعالى - في غرة شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. ومولده تقريباً سنة سبع وستين وست مئة. محمد بن أحمد الإمام المفتي الشيخ بدر الدين بن الحبال الحنبلي، فاضل الحنابلة في عصره. سألت عنه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، فقال لي: فقيه فاضل، كان ينوب للقاضي تقي الدين الحنبلي. توفي - رحمه الله تعالى - في سلخ ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر. محمد بن أحمد بن شويش الفيه نجم الدين محتسب قلعة الجبل بالقاهرة الحنفي. كان كثير التلاوة، وفيه مروءة وخير. توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن شوال سنة ثلاثين وسبع مئة.

стр. 2450

محمد بن أحمد بن عبد الرحيم الإمام شمس الدين أبو عبد الله المزي الموقت بالجامع الأموي بدمشق. كان قد حفظ " الشاطبيه "، وينقل القراءات، وعلى ذهنه عربيه، برع في وضع الإسطرلابات والأرباع، وتأنق فيها ودقق من حسن الرسوم والأوضاع، لم يلحقه أحد في زمانه في ذلك، ولم يسلك طريقه فيه سالك، وكان على ذهنه شيء من حيل بني موسى، ولديه صنائع لو يعيش بها لم يلق بوسا، قل أن رأيت مثله في ذكائه أو وصل أحد فيما يعانيه إلى مدى اعتنائه. ولم يزل على حاله إلى أن ذاق المزي طعم الموت خلا، وترك أقرانه على إثره وولى. وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة خمسين وسبع مئة، وكان من أبناء الستين فما فوقها. قرأ أولاً على الشيخ شمس الدين الأكفاني، وكان يشكر ذهنه وإتقانه لما يعلمه بيده، ثم انتقل عائداً إلى الشام، وسكن دمشق، وكان أولاً يوقت بالربوة، ثم انتقل إلى الجامع، وكان قد برع في وضع الاسطرلابات والربع، ولم أر أحسن من أوضاعه، ولا أظرف ولا أتقن ولا أكثر تحريراً، كان يباع اسطرلابه في حياته بمئتي درهم، وربعه بخمسين درهماً وأكثر، ولعله إذا تقادم زمانه غلا أكثر من ذلك. وبرع في دهن القسي، ومن ملازمته للشمس نزل في عينيه ماء، ثم أنه قدحه فأبصر بالواحدة، وله

стр. 2451

رسائل في الإسطرلاب ورسالة سماها " كشف الريب في العمل بالجيب "، وله نظم أيضاً. محمد بن أحمد بن يمن قاضي القضاة شمس الدين الحنفي الحاكم بطرابلس. هو أول من ولي قضاء الحنفية بطرابلس بعد السلطان الملك الناصر محمد. ولم يكن فيها في أيامه إلا حاكم واحد شافعي، وصل إليها في غالب ظني إما في أوائل سنة أربع وأربعين وسبع مئة، أو في أواخر سنة ثلاثين وأربعين. ولم يزل على حاله إلى أن وجد في بيته مذبوحاً بطرابلس، وقد أخذ ما في بيته من المال، وذلك في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وسبع مئة رحمه الله تعالى. محمد بن أحمد بن عمر بن إلياس الصدر عز الدين ابن العدل شهاب الدين الرهاوي. شاب بلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، وكان كاتباً جيداً، باشر استيفاء الأوقاف وغير ذلك، وكانت له خصوصية بالصاحب أمين الدين، فلما أمسك الصاحب بمصر، اعتقل عز الدين بالمدرسة العذراوية. وتوفي بها في تاسع عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.

стр. 2452

محمد بن أحمد بن مفضل ابن فضل الله المصري القاضي الرئيس علم الدين بن قطب الدين. تقدم ذكر والده في الأحمدين. وكان هذا علم الدين أخيراً ناظر الجيوش المنصورة بدمشق، وكان في نفسه رئيساً، قضى عمره في نعمى عجيبة، إلا أنها ما خلت من بوسى، يتأنق في المأكل والملابس. ويتخرق بالتجمل والمجالس، بنفس يتدفق بحرها، ويتألق وفرها، يبالغ في إكرام من يعاشره، ويهش لوفادته عليه ويكاشره. قد اشتهر بالتوسع في الأطعمة والمشارب، والتنقل في النزه والمسارب، قل من رئي في دمشق من يدانيه في سماطه، أو تنخرط لآلئ حشمته في أسماطه. من تعاطى تشبهاً بك أعيا ... هـ ومن دل في طريقك ضلا وكانت مساعيه دقيقه، ومجازاته في المناصب الكبار حقيقه، وثب من الثرى إلى الثريا، وطوى شقة المشقة طيا، وتنقل في الوظائف الكبار، وتوقل هضبات المجد من غير اعتناء ولا اعتبار، كأن له غصن الرياسة يجنى ويهتصر، أو كأن له طريقاً إلى العلياء تختصر. ولم يزل في سعاداته، وما ألفه في اللذات من عاداته، إلى أن دك علمه، وفك من التصرفات قلمه.

стр. 2453

وتوفي - رحمه الله تعالى - بكرة نهار الاثنين ثاني جمادى الأولى سنة ستين وسبع مئة. ودفن في تربة بني هلال بالصالحية. كان هذا القاضي علم الدين من بقايا رؤساء دمشق، رأى الناس وصحبهم وعاشرهم وخالطهم. وكان جميل الصورة، أنيق الشكل، مديد القامة، حسن البزة، نظيف اللباس، عاطر الرائحة، يتجمل في الملابس، ويتأنق في المآكل، ويتوسع في المطاعم والمشارب، يمد في كل يوم من الطعام ألواناً، وينفق على مخالطيه المال مجاناً. أول ما علمته من أمره أنه كان في خدمة عمه القاضي محيي الدين كاتب قبجق، وسيأتي ذكره في مكانه، وكان يميل إليه ويركن إلى تربيته له دون والده قطب الدين، وكان يتوجه معه إلى قسم النواحي، وينوبه في ديوان الأمير سيف الدين تنكز. ولما توفي قطب الدين رتب هو مكان والده في عمالة خانقاه الشميساطي. ثم إنه بعد ذلك بمدة رتبة الأمير سيف الدين تنكز في استيفاء ديوانه، وأضاف إليه عمالة الأشراف، وفي ديوان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، وكان مداخلاً سؤوساً، خبيراً بالمساعي عارفاً بالتوصل درباً بالتوسل، فداخل حمزة التركماني، وقد انفرد بالأمير سيف تنكز، وقد احتوى عليه، وكان يشكره للأمير سيف الدين تنكز ويرشحه عنده لكل وظيفة، ويستكتبه عنه في مكاتبات خاصة ما يرى أن كاتب السر يطلع عليها فيأتي فيها بالمراد فيعجبه ذلك. ولم يزل به إلى أن أحسن له أن

стр. 2454

يوليه كتابة سر دمشق، فكتب فيه إلى السلطان وشكره وبالغ في أمره، فأجابه الملك الناصر محمد إلى ذلك، وجهز توقيعه بكتابة السر بدمشق في سنة ست وثلاثين وسبع مئة ثاني شعبان المكرم، وكان قد باشرها في هذا اليوم قبل وصول توقيعه الشريف، ووصل التوقيع والتشريف من مصر في حادي عشري الشهر المذكور. وتولاها عوضاً عن القاضي جمال الدين عبد الله بن الأثير، فوليها وعملها على القالب الجائر. وخضع الناس له، وتمكن من قلب الأمير سيف تنكز، وكان يعجبه شكله وكتابته وتأنيه. إلى أن لم يكن عنده في دمشق غيره، وسلم قياده إليه، وتوجه معه إلى مصر، وشكره للسلطان، وبالغ في وصفه، فعظمه السلطان وألبسه تشريفاً بطرحة ولم يكن ذلك لغيره، وحضر بريد من الشام، فدخل به القاضي شهاب الدين بن فضل الله ليقرأه، فطلب السلطان علم الدين هذا، وقرأه عليه، فما حمل القاضي شهاب الدين ذلك، وجرى له مع السلطان ما جرى، وقدم الدواة الأمير سيف الدين تنكز لعلم الدين هذا بين يدي السلطان، فزادت عظمته عند الناس. ولم يزل كذلك وهو في أوج سعده إلى أن تغير عليه في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فقبض عليه وضربه بالعصي ضرباً مبرحاً، واحتاط على موجوده، واعتقله مدة، ثم أفرج عنه وأمر أنه لا يخرج من داره، ولا يجتمع بأحد، فسكن عند حمام السلاري، وكان ليله ونهاره في تربة الكاملية المجاورة للجامع الأموي، وأقام على ذلك

стр. 2455

مدة إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز. فقال السلطان للأمير بشتاك: إذا وصلت إلى دمشق، اطلب العلم بن القطب الذي كان مستوفي تنكز، فهو يدلك على جميع ماله. ولما وصل بشتاك إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، طلب القاضي علم الدين واستعان به على تطلب أموال تنكز، وتحكم علم الدين في تركة تنكز، وأخذ منها غالب ما وجده فيها من الأصناف التي أخذت منه، ودخل في الأمير بشتاك وخدمه، ودخل معه إلى مصر، فعينه السلطان لاستيفاء الصحبة بالديار المصرية، وأراد السلطان أن يمكنه ويتسلط على الكتاب، فأداه عقله إلى مصاحبة جمال الكفاة، ومن كان في ذلك الزمان، وداخلهم واتحد بهم، وصافوه. ويئس السلطان منه فتركه ولم يزل في استيفاء الصحبة إلى أن توفي السلطان، ودخل الفخري وطشتمر إلى القاهرة، فسعى معهما في أن يكون ناظر النظار بدمشق عوضاً عن الصاحب علاء الدين بن الحراني، فوصل إلى دمشق وباشر بها الوزارة، ولكنه تعب فيها تعباً كثيراً، فاستوخم مرعاها، وطلب النقلة من الأمير طقزتمر إلى نظر الجيوش بدمشق، فكتب له، فأجيب إلى ذلك، وحضر توقيعه، فباشر ذلك عوضاً عن القاضي فخر الدين بن العفيف، فحمد مسراه عند صباح هذه المباشرة، ورأى فيها ما رآه غيره، ودانت له الأيام، وطال عمره فيها، وطاب عرفه. وكان كثير الهدية للمصريين والخدمة لهم، وما جاءت دولة إلا وهو فيها عزيز مكرم لا يبالي بمن ناواه، ولا يعبأ بمن جاراه، يقهر خصومه ولا يدرون سره ولا مكتومه، وباشر هذه الوظائف الثلاث التي هي أكبر مناصب دمشق.
следующие страницы →