← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

رسائل في الإسطرلاب ورسالة سماها " كشف الريب في العمل بالجيب "، وله نظم أيضاً. محمد بن أحمد بن يمن قاضي القضاة شمس الدين الحنفي الحاكم بطرابلس. هو أول من ولي قضاء الحنفية بطرابلس بعد السلطان الملك الناصر محمد. ولم يكن فيها في أيامه إلا حاكم واحد شافعي، وصل إليها في غالب ظني إما في أوائل سنة أربع وأربعين وسبع مئة، أو في أواخر سنة ثلاثين وأربعين. ولم يزل على حاله إلى أن وجد في بيته مذبوحاً بطرابلس، وقد أخذ ما في بيته من المال، وذلك في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وسبع مئة رحمه الله تعالى. محمد بن أحمد بن عمر بن إلياس الصدر عز الدين ابن العدل شهاب الدين الرهاوي. شاب بلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، وكان كاتباً جيداً، باشر استيفاء الأوقاف وغير ذلك، وكانت له خصوصية بالصاحب أمين الدين، فلما أمسك الصاحب بمصر، اعتقل عز الدين بالمدرسة العذراوية. وتوفي بها في تاسع عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.

стр. 2452

محمد بن أحمد بن مفضل ابن فضل الله المصري القاضي الرئيس علم الدين بن قطب الدين. تقدم ذكر والده في الأحمدين. وكان هذا علم الدين أخيراً ناظر الجيوش المنصورة بدمشق، وكان في نفسه رئيساً، قضى عمره في نعمى عجيبة، إلا أنها ما خلت من بوسى، يتأنق في المأكل والملابس. ويتخرق بالتجمل والمجالس، بنفس يتدفق بحرها، ويتألق وفرها، يبالغ في إكرام من يعاشره، ويهش لوفادته عليه ويكاشره. قد اشتهر بالتوسع في الأطعمة والمشارب، والتنقل في النزه والمسارب، قل من رئي في دمشق من يدانيه في سماطه، أو تنخرط لآلئ حشمته في أسماطه. من تعاطى تشبهاً بك أعيا ... هـ ومن دل في طريقك ضلا وكانت مساعيه دقيقه، ومجازاته في المناصب الكبار حقيقه، وثب من الثرى إلى الثريا، وطوى شقة المشقة طيا، وتنقل في الوظائف الكبار، وتوقل هضبات المجد من غير اعتناء ولا اعتبار، كأن له غصن الرياسة يجنى ويهتصر، أو كأن له طريقاً إلى العلياء تختصر. ولم يزل في سعاداته، وما ألفه في اللذات من عاداته، إلى أن دك علمه، وفك من التصرفات قلمه.

стр. 2453

وتوفي - رحمه الله تعالى - بكرة نهار الاثنين ثاني جمادى الأولى سنة ستين وسبع مئة. ودفن في تربة بني هلال بالصالحية. كان هذا القاضي علم الدين من بقايا رؤساء دمشق، رأى الناس وصحبهم وعاشرهم وخالطهم. وكان جميل الصورة، أنيق الشكل، مديد القامة، حسن البزة، نظيف اللباس، عاطر الرائحة، يتجمل في الملابس، ويتأنق في المآكل، ويتوسع في المطاعم والمشارب، يمد في كل يوم من الطعام ألواناً، وينفق على مخالطيه المال مجاناً. أول ما علمته من أمره أنه كان في خدمة عمه القاضي محيي الدين كاتب قبجق، وسيأتي ذكره في مكانه، وكان يميل إليه ويركن إلى تربيته له دون والده قطب الدين، وكان يتوجه معه إلى قسم النواحي، وينوبه في ديوان الأمير سيف الدين تنكز. ولما توفي قطب الدين رتب هو مكان والده في عمالة خانقاه الشميساطي. ثم إنه بعد ذلك بمدة رتبة الأمير سيف الدين تنكز في استيفاء ديوانه، وأضاف إليه عمالة الأشراف، وفي ديوان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، وكان مداخلاً سؤوساً، خبيراً بالمساعي عارفاً بالتوصل درباً بالتوسل، فداخل حمزة التركماني، وقد انفرد بالأمير سيف تنكز، وقد احتوى عليه، وكان يشكره للأمير سيف الدين تنكز ويرشحه عنده لكل وظيفة، ويستكتبه عنه في مكاتبات خاصة ما يرى أن كاتب السر يطلع عليها فيأتي فيها بالمراد فيعجبه ذلك. ولم يزل به إلى أن أحسن له أن

стр. 2454

يوليه كتابة سر دمشق، فكتب فيه إلى السلطان وشكره وبالغ في أمره، فأجابه الملك الناصر محمد إلى ذلك، وجهز توقيعه بكتابة السر بدمشق في سنة ست وثلاثين وسبع مئة ثاني شعبان المكرم، وكان قد باشرها في هذا اليوم قبل وصول توقيعه الشريف، ووصل التوقيع والتشريف من مصر في حادي عشري الشهر المذكور. وتولاها عوضاً عن القاضي جمال الدين عبد الله بن الأثير، فوليها وعملها على القالب الجائر. وخضع الناس له، وتمكن من قلب الأمير سيف تنكز، وكان يعجبه شكله وكتابته وتأنيه. إلى أن لم يكن عنده في دمشق غيره، وسلم قياده إليه، وتوجه معه إلى مصر، وشكره للسلطان، وبالغ في وصفه، فعظمه السلطان وألبسه تشريفاً بطرحة ولم يكن ذلك لغيره، وحضر بريد من الشام، فدخل به القاضي شهاب الدين بن فضل الله ليقرأه، فطلب السلطان علم الدين هذا، وقرأه عليه، فما حمل القاضي شهاب الدين ذلك، وجرى له مع السلطان ما جرى، وقدم الدواة الأمير سيف الدين تنكز لعلم الدين هذا بين يدي السلطان، فزادت عظمته عند الناس. ولم يزل كذلك وهو في أوج سعده إلى أن تغير عليه في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فقبض عليه وضربه بالعصي ضرباً مبرحاً، واحتاط على موجوده، واعتقله مدة، ثم أفرج عنه وأمر أنه لا يخرج من داره، ولا يجتمع بأحد، فسكن عند حمام السلاري، وكان ليله ونهاره في تربة الكاملية المجاورة للجامع الأموي، وأقام على ذلك

стр. 2455

مدة إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز. فقال السلطان للأمير بشتاك: إذا وصلت إلى دمشق، اطلب العلم بن القطب الذي كان مستوفي تنكز، فهو يدلك على جميع ماله. ولما وصل بشتاك إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، طلب القاضي علم الدين واستعان به على تطلب أموال تنكز، وتحكم علم الدين في تركة تنكز، وأخذ منها غالب ما وجده فيها من الأصناف التي أخذت منه، ودخل في الأمير بشتاك وخدمه، ودخل معه إلى مصر، فعينه السلطان لاستيفاء الصحبة بالديار المصرية، وأراد السلطان أن يمكنه ويتسلط على الكتاب، فأداه عقله إلى مصاحبة جمال الكفاة، ومن كان في ذلك الزمان، وداخلهم واتحد بهم، وصافوه. ويئس السلطان منه فتركه ولم يزل في استيفاء الصحبة إلى أن توفي السلطان، ودخل الفخري وطشتمر إلى القاهرة، فسعى معهما في أن يكون ناظر النظار بدمشق عوضاً عن الصاحب علاء الدين بن الحراني، فوصل إلى دمشق وباشر بها الوزارة، ولكنه تعب فيها تعباً كثيراً، فاستوخم مرعاها، وطلب النقلة من الأمير طقزتمر إلى نظر الجيوش بدمشق، فكتب له، فأجيب إلى ذلك، وحضر توقيعه، فباشر ذلك عوضاً عن القاضي فخر الدين بن العفيف، فحمد مسراه عند صباح هذه المباشرة، ورأى فيها ما رآه غيره، ودانت له الأيام، وطال عمره فيها، وطاب عرفه. وكان كثير الهدية للمصريين والخدمة لهم، وما جاءت دولة إلا وهو فيها عزيز مكرم لا يبالي بمن ناواه، ولا يعبأ بمن جاراه، يقهر خصومه ولا يدرون سره ولا مكتومه، وباشر هذه الوظائف الثلاث التي هي أكبر مناصب دمشق.

стр. 2456

ولم يزل على حاله إلى أن مرض بعلة الربو، فأقام على ذلك قريباً من خمسين يوماً، وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور، وكان يعتريه وجع المفاصل في كل سنة فأنهكه ذلك، وهرم به وانحنت قامته وضعف. وكنت قد كتبت له توقيعاً بعمالة ديوان الأشراف بدمشق في شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة وهو: " رسم بالأمر العالي، لا زال يتلقى برفع علمه، ويكسب المناصب فخراً بمن يوليه لكفاية هممه أن يرتب المجلس السامي القضائي علم الدين في كذا، ثقةً بكفايته التي شهدت بها مخائله، ودلت عليها حركاته السعيدة وشمائله، وتكفلت حركاته المباركة أن تبلغه من العليا ما يحاوله، إذ هو الكاتب الذي أضحت نظراؤه في المعدوم معدوده، والبارع الذي مخزومة فضله لا تبيت إلا وهي بالمحاسن مسدوده، والماجد الذي خرج سيادته عن سلفه، فكانت أبواب النقص فيها مردودة. أقلامه في كفه أنابيب يضمها منه خير عامل، وأعنة يصرفها في السيادة بأطراف الأنامل. فليباشر ما فوض إليه مباشرةً يطلب بها من الله رضاه، ويدخر عمله فيها عنده، فيا حبذا ما يعتمده ويتوخاه، ويحمل لواء الشرف لهذا الديوان، تولى خدمته وتوالاه، وينفق في الفضل من سعة مجده فقد كفاه ما نالته منه كفاه، ويثق بالسعادة التي أظفرته حتى ببركة آل البيت، ويشكر الله على هذه النعمة التي أدخلته في حساب حسبهم الذي هو شرف الحي والميت، مجتهداً على رضا السادة الأشراف بإيصال كل منهم ما يخصه، على اختلاف القسمة، محققاً معرفة بيوتهم الشريفة التي بقاؤها ما بين هذه الأمة نعمه، وتقوى الله تعالى معقل حصين، فلا يلتجئ إلى غيره،

стр. 2457

وحبل متين فلا يتمسك بغير عروته التي هي سبب خيره، وليقابل هذه النعمة بشكر يوصله إلى ما تستحقه أهليته في ذمتها، وتبلغه الرتب العلية التي لا تنالها النفوس إلا بشرف همتها، والله يتولى عونه فيما ولاه، ويزيده فضلاً إلى فضله الذي أولاه، والاعتماد فيما رسم به على الخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه إن شاء الله تعالى. وكتبت أنا إليه من القاهرة وهو بدمشق: من جود كفيك تخجل الديم ... ومن محياك تنجلي الظلم يا من سما وارتقى وطال علاً ... حتى غدا وهو في الورى علم ومن صفت للورى مكارمه ... وساعدتها الأخلاق والشيم ومن إذا خط طرسه خجلت ... منه رياض بالزهر تبتسم ومن إذا فاه بالكلام فما ... تراه إلا العقود تنتظم لست أطيل الكلام في صفة ... ترضى بها في علوك الكلم مثلك والله ما رأيت ولا ... يصلح إلا لمثلك الكرم عندي من الشوق والتطلع ما ... يعجز عن بعض وصفه القلم أوحشني وجهك الجميل فلم ... يلذ من بعده لي الحلم فالقلب من لوعة ومن حرق ... مضطرب دائماً ومضطرم والعين أفنى البكاء مدامعها ... فسال منها بعد الدموع دم والله ما سار في الطريق معي ... بعدك إلا البكاء والندم فليتني لا أطعت فيك نوىً ... ولا سعت لي الفرقة قدم وكتبت إليه من مصر أهنئه بكتابة السر بدمشق:

стр. 2458

قد علمنا هذا الهناء الذي ... حديثه عند العلا مسند وهو من الأقلام والنفس قد ... حققه الأحمر والأسود يا سيداً كم لمساعيه من ... فضل بإبلاغ العلا يشهد نوديت مرفوعاً إلى رتبةٍ ... إذ أنت فيها علم مفرد محمد بن أحمد بن محمد القاضي الرئيس أمين الدين بن القلانسي التميمي، كاتب السر الشريف بدمشق. تقدم نسبه في ترجمة والده القاضي جمال الدين في الأحمدين. باشر وكالة بيت المال، ثم انتقل إلى كتابة السر في آخر الحال، وما لبث في ذلك إلا دون الثلاث سنين أو ما يزيد، وعزل منها عزلاً غير حميد. وله الأملاك التي تكاثر الأفلاك وتفاخر الدر المنظم في الأسلاك من البساتين المونقه، والأراضي التي تمسي النواظر إلى حدائقها محدقه، والقاعات التي تبهت العيون في زخرفها، وتجتلي محاسن ما رأتها صواحب المكر من يوسفها، وحوانيت لكل آجرة منه أجره، وفي كل ذرة منها لولا الغلو لقلت درة، ومن ذلك ما جره الإرث إليه، ومن ذلك ما أنشأه بما لديه ولكنه " ما أغنى عنه ماله " ولا كثرة ملكه ولا باطن الأرض لمواراته. وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وسبع مئة.

стр. 2459

ومولده فيما أظن في سنة إحدى وسبع مئة. وله إجازةً من الحافظ شرف الدين الدمياطي وجماعة. وحدث عن ابن مكتوم، وعن عيسى المطعم وغيرهم. وكان قد دخل إلى الديوان في حياة والده، واختص بالقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود لما كان كاتب السر بدمشق، ولما مات والده أعطي من وظائفه نظر الظاهرية وتدريس العصرونية، ووقع في الدست في أواخر أيام تنكز. ولم يزل يسد الغيبة عن كتابة السر في غيبة من يغيب. وتولى بيت المال مدة. وأخذها منه القاضي علاء الدين الزرعي، فما لبث فيها شهرين فيما دونها، حتى أعيدت إليه. ولما أخذ الزرعي منه الوكالة عوضوه عن ذلك بقضاء العسكر، ولما أعيد إلى الوكالة لم يزل فيها إلى أن رسم له بكتابة السر في دمشق عوضاً عن القاضي ناصر الدين، وذلك في أوائل صفر سنة ستين وسبع مئة. وتوجه القاضي ناصر الدين إلى كتابة سر حلب عوضاً عني، وحضرت أنا إلى دمشق عوضاً عن القاضي أمين الدين على وظيفته وكالة بيت المال، وتوقيع الدست. ولم يزل في كتابة السر إلى أن حضر السلطان الملك المنصور وصلاح الدين محمد بن حاجي في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر، فعزل منها بالقاضي ناصر الدين، ورسم عليه، وأخذ منه مبلغ مئة وخمسين ألف درهم وأكثر، فوزنها، وأباع ما بيده من الوظائف وغيرها، وطرح الرياسة، وصار يمشي بلا كلفة في ملبوس ولا غيره. ولم يبق على ذلك إلا دون السبعة أشهر حتى انقطع يومين. وتوفي ﵀ في التاريخ المذكور. ولم تبق معه مدرسة ولا تصدير في الجامع الأموي، غير أنطار يسيرة نزل عنها لولده، ودفن في تربتهم عند حمام النحاس.

стр. 2460

وبلغني أنه كان له أربعة جباة لأملاكه. ومن الغريب أنه هو وأبوه وعماه وجدهم كل منهم ما تعدى الاثنتين وستين سنة، وكان دائماً يقول: أنا ما أعدي أعمار أهلي، فكان الأمر كما قال. وكان ﵀ خاتمة رؤساء بيته. وكان قد قرأ على شيخنا العلامة شهاب الدين أبي الثناء محمود كتابه " حسن التوسل " وكتابه " منح المدح " وغير ذلك. محمد بن أحمد الشيخ الإمام ناصر الدين الحنفي المعروف بالربوة، بضم الراء وسكون الباء الموحدة وبعد الواو المفتوحة هاء. كان من فضلاء الحنفية. وكان بيده تدريس المقدمية داخل باب الفراديس بدمشق، ونزل عنها لولده، واشتغل هو بخطابة جامع الأمير سيف الدين يلبغا ﵀ بعد منازعات ومخاصمات. ولم يزل على حاله إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة. وتولي مكانه في الخطابة قاضي القضاة جمال الدين الكفري الحنفي. وكان الشيخ ناصر الدين المذكور يعرف بالقونوي.

стр. 2461

محمد بن إدريس بن محمد الشيخ الإمام الفاضل نجم الدين القمولي، بفتح القاف وضم الميم وسكون الواو وبعدها لام. كان من الفقهاء النبلاء والأعيان الفضلاء، يكاد يستحضر " الروضة "، ويترع من سردها حوضه، وينقل من شرح مسلم كثيراً، ويكر على شرحه مغيراً، ويفعل كذلك في " وجيز " الواحدي في التفسير، ويأتي على ما فيه من تقرير فوائده بأحسن تقريب وتقرير، ويده في العربية والأصول طولى، وإذا تكلم في الفرائض والجبر والمقابلة بلغ المطالب مراماً وسولا. ولم يزل على حاله إلى أن التقم القمولي قبره، وطاب خبره، وعدم خبره. وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص في جمادى الأولى سنة سبع وسبع مئة. قال الفاضل كمال الدين الأدفوني: كان لا يستغيب أصلا، ولا يستغاب بحضرته، قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وملازماً للعبادة والإشغال، متقللاً من الدنيا، قليل النظر، وأظنه لو عاش ملأ الأرض علماًً. حج وزار وعاد، فتوفي في قوص رحمه الله تعالى.

стр. 2462

محمد بن أرغون بن أبغا ابن هولاكو بن تولي بن جنكز خان المغلي، القان غياث الدين خدابندا، معناه بالعربي عبد الله وإنما الناس غيروه فقالوا خربندا، صاحب العراق وأذربيجان وخراسان. ملك بعد أخيه غازان، وتقدم ذكره، وكانت دولته ثلاث عشرة سنة. كان شاباً مليحاً، حسن الوجه صبيحاً، لكن شانه العور قليلاً، وما شان ذلك من حاز وجهاً جميلا. وكان جواداً لا يلحقه في حلبة الكرم جواد، سمحاً تمحو أياديه البيض ما في الدياجي من السواد، محباً للعماره، معرضاً عما يتعلق بالمملكة والإمارة، قد استغرق في اللعب، وأعرض عما يجده الجاد التعب، لعب بعقله الروافض فرفضوه، وأجابهم إلى ذلك لما دعوه إلى الضلالة وفاوضوه. فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل ولم يزل في عيشه لا يرد فيضه، إلى أن فارق الحياة بهيضه. وتوفي في شهر رمضان سنة ست عشرة وسبع مئة، ودفن بسلطانية. وسلطانية بلده أنشأها ورسم بعمارتها، وتوفي بقوص من أبناء الأربعين. وكان قد حضر إلى الرحبة، وحاضرها في شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وأخذها بالأمان، وعفا عن أهلها، ولم يسفك فيها دماً وبات بها،

стр. 2463

فما أصبح ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان المذكور، وترك لأهل الرحبة أشياء كثيرة من أثقال مجانيق وغيرها. وكان معه يومئذ قراسنقر والأفرام وسليمان بن مهنا، وذكرت في ترجمة جوبان ما اعتمده في أهل الرحبة من الخير في هذه الوقعة، وكان أهل الرحبة، قد حلفوا لخربندا، فلما ارتحل عنها، واستقر الأمر، التمس قاضيها، ونائبها وطائفة حلفت له من السلطان عزلهم فعزلهم لمكان اليمين من خربندا. وكان مسلماً فما زال به الإمامية حتى رفضوه وغير شعار الخطبة، وأسقط منها ذكر الخلفاء سوى علي بن أبي طالب ﵁، وصمم أهل باب الأزج عليه وخالفوه، فما أعجبه ذلك، وتنمر، ورسم بإباحة دمائهم وأموالهم، فعوجل بعد يومين بهيضة مزعجة، داواه فيها الرشيد بمسهل منظف فخارت قواه. وكان قبل موته قد رجع عن التشيع، وقال بقول أهل السنة. وفي رحيله عن الرحبة يقول علاء الدين الوداعي، ومن خطه نقلت: ما فر خربندا عن الرحبة ال ... عظمى إلى أوطانه شوقا بل خاف من مالكها أنه ... يلبسه من سيفه طوقا ولما تشيع السلطان خربندا قال جمال الدين إبراهيم بن الحسام المقدم ذكره يمدحه: أهدي إلى ملك الملوك دعائي ... وأخصه بمدائحي وثنائي وإذا الورى والوا ملوكاً غيره ... جهلاً ففيه عقيدتي وولائي هذا خدابندا محمد الذي ... ساد الملوك بدولة غراء

стр. 2464

ملك البسيطة والذي دانت له ... أكنافها طوعاً بغير غناء أغنتك هيبتك التي أعطيتها ... عن صارم أو صعدة سمراء ولقد لبست من الشجاعة حلةً ... تغنيك عن جيش ورفع لواء ملأ البسيطة رحبةً ومهابةً ... فالناس بين مخافة ورجاء من حوله عصب كآساد الشرى ... لا يرهبون الموت يوم لقاء وإذا ركبت سرى أمامك للعدى ... رعب يقلقل أنفس الأعداء ولقد نشرت العدل حتى إنه ... قد عم في الأموات والأحياء فليهن ديناً، أنت تنصرملكه ... وطبيبه الداري بحسم الداء نبهته بعد الخمول فأصبحت ... تعلو بهمته عن الجوزاء وبسطت فيه بذكر آل محمد ... فوق المنابر ألسن الخطباء وغدت دراهمك الشريفة نقشها ... باسم النبي وسيد الخلفاء ونقشت أسماء الأئمة بعده ... أحسن بذاك النقش والأسماء ولقد حفظت عن النبي وصيةً ... ورفعت قرباه على الغرباء فابشر بها يوم المعاد ذخيرةً ... يجزيكها الرحمن خير جزاء يابن الأكاسرة الملوك تقدموا ... وورثت ملكهم وكل علاء ولما رجع عن الترفض وتسنن، وكتب على الدراهم والدنانير الشهادتين وأسماء الصحابة، قال بعض الشعراء في ذلك: رأبت لخربندا اللعين دراهماً ... يشابهها في خفة الوزن عقله عليها اسم خير المرسلين وصحبه ... لقد رابني هذا التسنن كله

стр. 2465

محمد بن أرغون ابن الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون. كان والده نائب الديار المصرية، وكافل الممالك، وتوجه مع والده لما توجه إلى حلب نائباً، وكان السلطان الملك الناصر محمد قد أمره بالديار المصرية طبلخاناه وأمر معه جماعة منهم الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام والأمير سيف الدين بيدمر البدري نائب حلب وغيرهما، وكان السلطان يحبه ويعظمه ويقربه. وكان حسن الصورة، بديع الجمال، محاسنه للواصف غير محصورة، أخلاقه لطيفه، وحركاته ظريفة، أظن الشيخ أثير الدين أقرأه العربية، ودربه في النكت الأدبية، وله فيها أبيات نظمها غزلاً، وجودها عملاً، وكان يشكره ويوقره، وللمكارم يوفره: أفعال من تلد الكرام كريمة ... وفعال من تلد الأعاجم أعجم كان يتأسى بأخلاق والده، ويتكسب من طارفه وتالده، وزاد عليها فبلغت بالإجادة، وأتى عليها والفرع فيه ما في الأصل وزيادة. ولم يزل بحلب على حاله إلى أن كسف الموت شمسه، وأطبق على دره المكنون رمسه. وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، ودفن يوم السبت في تربة سودي خارج باب المقام. محمد بن إسحاق بن محمد ابن نصر بن صقر، شمس الدين الحلبي الحنبلي ناظر أوقاف حلب.

стр. 2466

كان قد باشر نظر الأوقاف وبيده جهات، يلبس لبس الفقراء، وهمته همة الأمراء، يمدحه الشعراء ويجيزهم، وينفلهم عن غيرهم في العطاء ويميزهم، وفيه كرم وسماحه، وعلى محياه قبول وصباحه، وهو مقيم بالخانقاه، والعز والجاه، قد أقاما معه وما فارقاه. وحضر إلى دمشق صحبة قراسنقر فما لاقى بها ولا لاقت به، لمن بها من الكتبة، وكان إذ ضاق عطنه بها قال: ما يحملني إلا تلك الخرية. وعاد إلى حلب وأحمد فيها المنقلب، وأقام بها إلى حلقت على ابن صقر من الموت عقابه الكاسر، ووقع بسياقه منها بين المخالب والمناسر. وتوفي - رحمه الله تعالى - في شعبان سنة ست وعشرين وسبع مئة. ومولده بحلب ثالث عشري جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وست مئة. كان يذكر أنه سمع من قرابته الضياء، ومن الحافظ يوسف بن خليل. قال شيخنا البرزالي: وما وجدنا شيئاً من ذلك، وإنما روى عن النجيب عبد اللطيف، سمع منه بالقاهرة مشيخة بن كليب، انتهى. قلت: وقد رأيته بحلب غير مرة في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وهو شيخ أبيض، أحمر الوجه، نقي الشيب، نظيف الثياب، ورأيت الحلبيين يشكون في شهاداته، وإنما كان فيه كرم وقيام بحقوق الواردين إلى حلب. وممن امتدحه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة، وأنشدني من لفظه لنفسه: .......................

стр. 2467

والله لولا شمسها المجتبى لم يلق راجي حلب زبدةً ... ولم يصادف لبناً طيبا وأنشدني: حمى الله شمس المكرمات من الأذى ... ولا نظرت عيناي يوم مغيبه لقد أبقت الأيام منه لأهلها ... بقية صافي المزن غير مشوبه كأن سجاياه اللطيفة قهوة ... حباب حمياها بياض مشيبه وبلغني أنه كان يأخذ القصيدة من شاعرها، ويكتب في قفاها تاريخ إيصالها إليه، ويذكر الجائزة ما هي، ويدعها عنده. فإذا تقدم ذلك الشاعر في الزمان أو صارت له صورة في الدولة، أحضر للناس تلك القصيدة، وقال: هذه أتى بها إلي في الوقت الفلاني، وأجزته عليها بكذا، فعل ذلك بجماعة كبار، وحكي أنه كان تاج الدين بن النصيبي له حجرة شقراء يركبها دائماً. فاتفق أن ركب غيرها في بعض الأيام فرآه شمس الدين بن صقر فقال له: يا تاج الدين أين الشقراء: فقال ابن النصيبي: في استي. فضحك هو ومن سمعه.

стр. 2468

محمد بن إسحاق بن لولو الأمير جلال الدين بن الملك المجاهد سيف الدين بن السلطان بدر الدين الأتابكي، صاحب الموصل. سمع من النجيب عبد اللطيف " جزء ابن عرفة "، والحديث المسلسل، و" الثمانيات " و" المصافحات " المخرجة له، وسمع " الجمعة " للنسائي. محمد بن أسعد بن عبد الكريم ابن سليمان بن طحا القاياتي، الشيخ الإمام كمال الدين أبو بكر المنصوري. سمع من النجيب عبد اللطيف وأخيه العز عبد العزيز، وابن الحامض، وغيرهم. وتوفي - رحمه الله تعالى - ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة. وقد أجاز لي رحمه الله تعالى. وكان معيداً بزاوية الشافعي وبالزاوية المجدية. محمد بن أسد الشيخ شمس الدين، الكاتب المجود، المعروف بابن النجار.

стр. 2469

كتب عليه جماعة بمدرسة القليجية بدمشق وبداره، وانقطع في آخر عمره مدة. وتوفي - رحمه الله تعالى - تاسع عشر ربيع الآخر سنة ست وعشرين وسبع مئة. محمد بن أسعد بن حمزة القاضي نجم الدين بن القاضي مؤيد الدين بن الصاحب عز الدين بن القلانسي التميمي، تقدم ذكر والده وجده. كان نجم الدين رحمه الله تعالى كثير الأدب، وافر الحشمة، قد تمسك فيها بأقوى سبب، زائد التواضع في الرغب والرهب، متيماً عشاقا، يشرب كأس الحب دهاقاً، لا يزال يهيم من المحبة في كل واد، ولا يصده عمن يألفه يد عواد. وكان في ديوان الإنشاء أولاً، ثم جعل له إلى ديوان الجيش متحولاً، وبيده أوقاف وأنظار، وماله في سعادته أشباه ولا أنظار. وكان يؤدي الأمانة فيما يباشره من الوقوف، ولم يكن له تربص عن الخروج من الحق ولا وقوف، وكان يرجع إلى ديانه وتمسك بعصم الأمانة. إلى أن انكدر نجمه، وانضم عليه لما نزل رجمه. وكان لا يأكل إلا مما يدخله من وقف والدته دون أوقاف أبيه وجده. وكان في ديوان الإنشاء أولاً، ولم يسمع له نظم ولا نثر، ويقول: أنا لا أدع الناس يضحكون علي. ولما جاء الفخري وملك دمشق خرج من ديوان الإنشاء وباشر صحابة ديوان

стр. 2470

الجيش بدمشق، وكانت بيده أنظار وأوقاف وغيرها يؤدي فيها الأمانة، ويتحرى في مصروفها، وكان قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يثني عليه في ذلك، ويقول: ما رأيت في دمشق مثله. وكان يدخله من ملكه ووقفه في كل سنة ما يقارب الأربعين ألف درهم، إلا أنه كان مبخلاً، وفي يده مسكة. ويكتب كتابة ضعيفة مرجوفة. وقف يوم الخميس لملك الأمراء، وسأله الإعفاء من الجامكية إلا الكسوة لا غير، فتعجب ملك الأمراء منه، وخرج من عنده، فمرض يوم السبت وما جاء الخميس الآخر إلا وهو تحت التراب. محمد بن إسماعيل السلطان الملك الأفضل ناصر الدين ابن السلطان الملك العالم الفاضل عماد الدين المؤيد بن الأفضل علي ابن الملك المظفر ابن الملك المنصور ابن صاحب حماة تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي. ملك ابن ملك، وذو نسب في البيت الأيوبي يضيء به الليل الحالك، يعطي عطاء الملوك، ويجود بما تخجل من نفاسته الشمس في الدلوك، ويغنم من الثناء عليه بالجواهر التي تنتظم في السلوك، إلا أنه لم يكن محظوظاً في جوده، ولو سمح بما في موجوده. كان والده رحمه الله تعالى في ذلك أسعد، وأرقى في درج الثناء وأصعد.

стр. 2471

وكان الملك الأفضل سليم الباطن عديم الشر للنازح والقاطن، تنسك في وقت وجلس على لباد، ورفض سماع الشعر حتى نقائض الفرزدق وجرير. وما كان يخلو من ذوق، وعنده فضيلة تزين رب التاج والطوق، كثير التأدب مع من يخاطبه، غزير التعتب على من يقاطعه أو يجانبه، كبير التألب على من يستدعيه لجوده ولا يجاوبه. ورث السيادة كابراً عن كابر ... كالرمح أنبوباً على أنبوب وقل أخيراً إلى دمشق من حماه، وترك ملكه فيها وحماه، فأكمده على ذلك الحزن، وطول الغم له الرسن، وحصل له قولنج أعقب بصرع، وألحق بالأصل الفرع. وجف من حياته الضرع، وضاق من أهله وخدمه الذرع، وأفضى الأفضل إلى ما قدم من عمل، وخاب ممن كان يقصده ويرجوه الأمل، ووضع في تابوت ونقل إلى حماه، ورشف العدو من السرور لماه، فعاد من وطنه إلى غير سكن، وناح عليه حتى ناعورة أم الحسن. وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق ليلة الثلاثاء حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. كان والده رحمه الله تعالى، قد سماه في حياته بالمنصور، فلما توفي والده في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة رسم له السلطان الملك الناصر محمد بمكان أبيه في حماة، وسماه بالأفضل باسم جده، ورسم السلطان للأمير سيف الدين تنكز ولسائر نواب الشام أن يجروه على عادة والده في جميع أحواله من المكاتبة وقبول الهدية وسماع الشفاعة وغير ذلك.

стр. 2472

وطلبه إلى مصر وأقبل عليه، وكتب تقليده بحماة على عادة والده، وأفاض عليه التشاريف الفاخرة، وكان يعطي الناس ويجود عليهم، ويخدم الأكابر وهو مذموم. وما زال في حماة مروعاً مدة حياته تارة من جهة السلطان، وتارة من جهة تنكز، وتارة من جهة العربان، يأخذون إقطاعاته، وتارة من جهة أقاربه يشكون عليه. وكان هو في حماة قد ولاني نظر المدرسة التقوية بدمشق نيابة عنه، وزاد معلوم النظر، ولما حضر إلى دمشق توجهت إلى خدمته، فتصدق وأحسن وأجمل، وترددت إليه، وسمعت كلامه غير مرة، وما كان يخلو من استشهاد على ما يقوله بشعر مطبوع، أو مثل مشهور. ولم يزل على حاله في حماة إلى أن تولى الأشرف كجك، فرسم له بحضوره إلى دمشق، وولي الأمير سيف الدين طقزتمر نيابة حماة، وأن يكون الأفضل بدمشق أمير مئة رأس الميسرة، وأن يطلق له من دخل حماة ألف ألف درهم ومئتا ألف في كل سنة، فوصل إليها في أوائل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، فلم يركب بها سوى مركبين، وحصل له قولنج أعقب بصرع، فتوفي في التاريخ المذكور. ومن الغريب أن زوجته كانت قد مرضت وأشرفت على الموت، فعمل لها تابوتاً ليضعها فيه إذا توفيت، ويحملها إلى حماة، فتوفي هو قبلها، فوضعته والدته هو فيه بعينه ونقلته إلى حماة. ثم إن زوجته المذكورة توفيت عشية ذلك النهار، وتوجه ابناه

стр. 2473

إلى مصر صحبة جدتهما، فأكرم نزلها إكراماً لقومها، وأعطي ابنه الأكبر سبعين فارساً، فمات في مصر قبل خروجهم. فسبحان من يقرب الآجال، ويقطع الآمال. وترك الملك الأفضل - رحمه الله تعالى - عليه من الدين على ما بلغني ممن له اطلاع على حاله فوق الألفي ألف درهم. وكان الأمير سيف الدين تنكز قد حنا عليه آخراً حنواً كثيراً، وأراد السلطان أن يعزله عن حماة فتوجه تنكز إلى مصر، وشفع فيه، ولما أمسك تنكز تعب بعده، ولزمته مغارم كثيرة، وكثرت الشكاوى عليه، وقل ناصره فتضعضعت أحواله، واختلت أموره، وكان الموت فجاءة آخر خموله - نعوذ بالله من الخمول -. وقال شاعره وشاعر أبيه جمال الدين محمد بن نباتة يرثيه وأنشدنيها من لفظه: تغرب عن مغنى حماة مليكها ... وأودى بها من بعد ذاك مماته وما مات حتى مات بعض نسائه ... بهم وكادت أن تموت حماته وقال فيه أيضاً قصيدة منها: بكى الشعر أيام المنى والمنائح ... ففي كل بيت للثنا صوت نائح ولما ادلهمت صفحة الأفق بالأسى ... علمنا بأن الشهب تحت الصفائح حيا المزن أسعدني على فقد سادتي ... بدمع كجدواهم على الخلق سافح

стр. 2474

أبعد بني شاد وقد سكنوا الثرى ... قريض لشاد أو سرور لفارح أبعد ملوك العلم والباس والندى ... تشب العلا نار القرى والقرائح لئن أوحشوا منهم بيوت مقامهم ... لقد أوحشوا منا بيوت المدائح منها: تلا فقد إسماعيل فقد محمد ... فيا للأسى من فادح بعد فادح وزالا فما إنسان عيني بممسك ... بكاه ولا إنسان عيني بكادح كأن لم يجد بعد المؤيد أفضل ... فمن جذع بذ الجياد وقارح كأن زناد الفضل لم يور منهما ... سنا شيم ما فيه قول لقادح منها: ووالله كانوا في صفات محمد ... إذا نحن أثنينا عليه بصالح سلام على جنات أجداثهم ولا ... سلام لنار الحزن بين الجوانح وأنشدني من لفظه لنفسه الأديب علاء الدين علي بن مقاتل الحموي بحماة يرثي صاحبها الملك الأفضل ويعرض بمجيء طقزتمر لحماة نائباً بدله، وهو مملوك لأبيه: صاحب حماة ما عطي في الدست إلهامات ... بيدق تغرزن عقد بندو على الهامات دارت عليه رخاخ أفيال وهامامات ... لعب بنفسو على خيل ركبها مات وأنشدني أيضاً:

стр. 2475

يا أولاد الأفضل كسرتوا كسر ما لو جبر ... فقدتم ابن المؤيد نجل ذاك الحبر تصبروا واندبوا من قد حواه القبر ... فآل أيوب هم أهل البلا والصبر وأنشدني له أيضاً: بالأمس يا أولاد الأفضل صاح صايحكم ... على الملا بين غاديكم ورايحكم واليوم صارت مغانيكم نوايحكم ... وابتدلت بمراثيكم مدايحكم وأنشدني له أيضاً: محمد المصطفى المختار من منشاه ... من شرف الكون في سابع سما ممشاه أذاقه الموت من كل الورى تخشاه ... من هو ملك مصر أو من هو ابن شاهنشاه ولما مات والده الملك المؤيد - رحمه الله تعالى - حضر منه كتاب إلى الأمير سيف الدين تنكز يعلمه بذلك فكتبت أنا الجواب إليه: " جعله الله خير خلف، وهنأ البيت الأيوبي بما ورثه من المجد المؤثل والشرف، وسقى صوب الرحمه أصله الذي فرع دولته الطاهرة وسلف، تقبيل من صدع الهناء جبر قلبه، ومسح كف السرور غمام دمعه الذي كاد هيدبه يذهب بهديه، وينهي بعد الدعاء الذي أجيب بالقبول لإخلاصه رفعه، والولاء الذي لم يضق بالعبودية ربعه ولا ذرعه، والثناء الذي أخجل تغريد الحمام في الخمائل سجعه، أن مثاله الكريم ورد على يد فلان يتضمن ما قدره الله تعالى من وفاة المقام الشريف

стр. 2476

العمادي الواد مولاناه قدس الله روحه الكريمه، وسقى تربةً ضمته صوب كل ديمه. فوقف للمملوك على الخبر الذي روع العباد، وغدا كل قلب كأنما يجربه على شوك القتاد، ونظر إلى النجوم كأنها خرائد سافرات في حداد، فأرسل المملوك دمعة الصب على الحبيب الذاهب، وأخذ من قسمة الأحزان بين الأنام نصيبه الواجب، وكيف لا يعم الوجود هذا المصاب، وتبين الدموع بسحها شح السحاب، وقد كورت الشمس، ولا تقول انقض الشهاب، وغيض البحر، ولا نقول انقشع الرباب ووهى عماد الملك، ولا نقول انقصمت الأطناب، وفجع بمن أثقلت أياديه الأعناق قبل أن حمل على الرقاب: ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور وللوقت طالع المملوك العلوم الشريفة بذلك، وورد الجواب الشريف يتضمن شمول مولانا بالصدقات الشريفة، وإقامته مقام والده قدس الله روحه، فهنأ الله مولانا بهذه البشرى التي صدقت الرجا، والمسرة التي رقمت سطورها على كافور النهار بعنبر الدجى. وما أحق هذه البشرى أن تهتز لها أعطاف المنابر، وأن تنطق بحمدها ألسنة الأقلام من أفواه المحابر، وأن تعد نعمها أنامل الرايات إذا خفقت، وأن تتورد صفحات السيوف من دم الأعادي إذا امتشقت، والله يجمل الأيام بدولته الزاهره، ويجعل الأقدار على مراده ومرامه متظافره، بمنه وكرمه - إن شاء الله تعالى - ". فعاد جوابه يتضمن أنه واصل إلى دمشق ليتوجه منها إلى الديار المصرية، فكتبت أنا الجواب إليه: "

стр. 2477

أعز الله أنصار المقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأفضلي، ولا زال مقامه الشريف بالتحف ملتحفا، ومجده المؤثل بأزاهر المحامد روضه أنفا، وركابه العالي إذا سار أخذت الأرض زينتها، ولبست زخرفاً تقبيلاً يكسب به ثغر الثريا شرفاً، ويغدو على شفة الهلال شفا، بعد أن كان من السقم على شفا. وينهي بعد أدعية رقمت على سرادق الإجابة أحرفا، وعبودية لم يجد الولاء عن إخلاصها مصرفا، وأثنية تنشر على الروض بروداً وتقرأ الحمائم من سجعها صحفا. ورد المثال العالي يتضمن حركة الركاب الكريم إلى الأبواب الشريفة، فكاد قلب المملوك لتلقيه يطير فرحا، ويميد عطف الزمان ومن فيه مرحا، ويكون يوم قدومه يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. فالله تعالى يجعلها حركةً مقرونةً بالسعود، موصولةً بالميامن التي بها جمال الأيام والأنام والوجود ". وكتبت أنا إليه عن السلطان الملك الناصر محمد كتاباً ببشارة النيل عقيب وروده من الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة: " أعز الله أنصار المقام الشريف، وجعل رسل الهنا تتوارد على مقامه تترى، وأبهجه بكل نبأ من الخصب يتحرق له البرق حسداً في قلب السحاب ويتحرى، وسره بكل خبر يتفرق به محل المحل ويتفرى، ويعمه بكل وارد يقص عليه حديثاً جعل البر بحراً وملأ البحر برا. أصدرناها إلى مقامه الكريم تجد رعي عهوده،

стр. 2478

وتفض سلاماً يتردد إليه تردد أمواج البحر في انحداره وصعوده، وتبث ثناء لا يزال بين خفق ألويته وبنوده، وتبدي إلى العلم الكريم أنه ورد ركابنا الشريف إلى محل ملكه، ومجرة فلكه، ومجرى فلكه، فوجدنا النيل المبارك قد جعل الأرض لجه، وأرخى نقاب تياره على وجه كل محجه، وارتفع إلى أن جعل على هضبات السحاب مقره، وزاد إلى أن كاد يمازج نهر المجره، وبعث سرايا مقدماته، فتحصنت في كل فج وفجوه، وانعطف حول أزرار الأهرام كالعروه، وشرب دم المحل فهو من تحت حباب القلوع كالقهوه، واتصف بصفات الأولياء، فبينا هو في أقصى الجنوب إذا هو في أقصى الشمال، والأرض للرجل الصالح خطوه، وأصبح في طلب تخليقه مجدا، وأعد للجدب من تياره سابغة وعداء علندى، ومرق كالسهم في خليجه من قسي قناطره، وخنق المحل بعبراته في محاجره، وبشر أن آلاف الأموال أضعاف ما فيه من الأمواج، وخبرت رقاعه أنه لم يبق فيها محتال ولا محتاج، فأكمل الستة عشرة ذراعاً. وكتبت إليه أجوبة كثيرة عن الأمير سيف الدين تنكز، منها ما هو جواب على مشمش كافوري أهداه في باكورة السنة، ومنها ما هو عن رخام ملون أهداه وغير ذلك، وهي في الجزء الثامن عشر من " التذكرة " التي لي. محمد بن إسماعيل بن أسعد وقيل: ابن أحمد بن علي بن منصور بن محمد بن الحسين الشيباني، الأمير

стр. 2479

شمس الدين بن الصاحب شرف الدين الآمدي، المعروف بابن التيتي، بتاء ثالثة الحروف مكسورة، وبعدها ياء آخر الحروف، وتاء ثانية وياء النسب. كان وزيراً بماردين، وحضر أخيراً في الرسلية من الملك أحمد صحبة الشيخ عبد الرحمن الكواشي، ومات من أرسله وحبس رسله، ومات الشيخ عبد الرحمن، على ما ذكرته في ترجمته في " تاريخي الكبير "، وطلب شمس الدين هذا إلى مصر، وأعطي إقطاعات الحلقة، وترقى إلى أن صار نائب دار العدل في أيام السلطان حسام الدين لاجين. وجفل به فرس فوقع، فمات - رحمه الله تعالى - في ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وسبع مئة بمصر. روى عن الشيخ بهاء الدين بن بنت الجميزي، وأبي الحسن بن المقبر، وجماعة. وكانت له مشاركة في نحو ولغة. وروى عنه شيخنا الحافظ أبو الفتح، والشيخ قطب الدين عبد الكريم، وغيرهما. ومن شعره: إذا ما الدهر مال عليك يوماً ... وصال بصرفه وسطا وجارا فثق بالله معتمداً عليه ... يكن لك من صروف الدهر جارا وإن دارت دوائر ببغي ... عليك وعنك بالإقبال دارا وشط بك المزار فلا مزار ... وباعد عنك أحباباً ودارا فلا تجزع ودار وكن صبوراً ... فمن يرجو نجاةً منه دارى

стр. 2480

ولا تركن إلى الدنيا وبادر ... بفعل الخير واغتنم البدارا فإن أخا الجهالة من تولى ... ولم ينظر إلى الدنيا اعتبارا أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين؛ قال: قال الأمير شمس الدين ابن التيتي: أنشدني الزين خالد: قلت للزين: كيف لا تثبت البع ... ث وتنفي إنكارها للحشر قال: أثبت. قلت: ذقنك في استي ... قال: انف. فقلت: في وسط حجري قلت: أخذ هذا المأخذ من قول الأول: جاء سد يد الدين في وجهه ... أنف له كاد يواريه قلت له: ماذا القضا؟ قال لي: ... ذا منخري، قلت: أنا فيه محمد بن إسماعيل بن موسى الشريف تقي الدين الحسيني الأشقر. كان يتوكل للناس من الأمراء، وغيرهم وتوكل لأمير حسين بن جندر بك، وتوجه له إلى مصر، وعاد إلى دمشق. ثم أنه شنق روحه في بيته بحارة بلاطة، وكتب ورقة وعلقها في عنقه، يقول فيها: ما آذاني أحد من خلق الله تعالى، وما فعلت هذا بنفسي إلا بسبب الديون التي علي، وخشيت أن أضرب بمقارع الأمير علم الدين الطرقجي. وما كان قد استدان من جامع السلامي، ومن غيره عشرة آلاف درهم وأكلها، فراح ابن جامع وشكاه إلى

стр. 2481

أوران الحاجب، فرسم عليه وتهدده بالطرقجي، ففعل بنفسه ذلك في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. محمد بن إسماعيل بن أحمد بن سعيد القاضي الرئيس الكاتب كمال الدين بن الأثير، موقع الدست بالديار المصرية. كان فاضلاً في صناعته، كاملاً في براعته، فصيحاً في عبارته، مليحاً في إشارته وشارته. يكتب خطاً آنق منالحدائق، وأرشق من الأغيد الذي لطفت منه الخلائق، كتب المناشير الكبار والتواقيع، وأتى فيها بمقاصد الكتاب المطابيع، فكان كما قال الغزي: تصيخ له الأسماع ما دام قائلاً ... وتعنو له الأبصار ما دام كاتباً ولم يزل على حاله في توقيع الدست بمصر إلى أن أصبح مسجى. وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة النصف منه سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة بأرباب الدولة والعلماء والصوفية، وصلي عليه بالجامع الأموي بدمشق، يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة. ورثاه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود - رحمه الله تعالى - بقصيدة طنانة وهي.... ومن إنشاء القاضي كمال الدين بن الأثير - رحمه الله تعالى - نسخة تقليد للأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري بنيابة دمشق عقيب قدوم الملك الناصر من الكرك وهو: "

стр. 2482

الحمد لله الذي أنجز من الألفة للإسلام ما وعد، وأطفأ لهب الخلف، وقد وقد، وأحسن عاقبة المسلمين فيما صدر من أمرهم وما ورد، جاعل الملك من هذا البيت الشريف منتقلاً في عقبه، آيلاً إلى من أصبح ومغناه أهل به لما حل في رتبه، وأضحى وهو مفروض الطاعة على الأولياء في تغير الدهر ومنقلبه. نحمده حمد من يعلم أنه يؤتي الملك من يشاء من عباده، وأن الأقدار جارية على مراده، غير معترض على مشيئته معرض نفسه لعناده. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من رضي بقسمه، وفوض الأمر إلى حكمه، ووقف في زمرة قوم يعلمون أن الله " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ". ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي وطأ للإسلام مهاده، وأزال عن جفن الإيمان غمض الشرك وسهاده، واستنفذ من يد الضلالة ربا الحق ووهاده. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أصحاب الحل والعقد ذوي الاجتهاد والجد، وأهل السعي المقترن بالسعد، صلاةً مستمرة الإيراد، متصلة الأوراد، موفيةً بالمراد مؤذنةً للرائد بخصب المراد، وسلم تسليماً. وبعد: فإن الممالك أولى من قام بنصرها، وقعد بالمصلحة في أمرها، وأقيمت به دعوتها وعزت بعزمه ذروتها، وفوض تدبيرها إلى نظره، وحسنت فيها مواقع أثره، واستقامت هضبة أسها على رايه، واستقلت بمهامها كفالة ولائه، من حمى سرحها

стр. 2483

وبنى صرحها، وسدد أمورها، وسد ثغرها وثغورها، وحماها من الأيدي المتخطفه، وصانها من الأغراض المتحيفه، واستقل بأعبائها التي آدت، ونهض بحفظها، وقد كانت العزائم همت بأن تفل أو كادت، ووقف المواقف التي تهول، وثبت بحيث الأقدام تزل والأحلام تزول، واصطلى في مضائق الحروب جمرها، وكان فيها بحمد الله في الرأي قيسها، وفي الإقدام عمرها، وهو الجناب العالي الأميري الشمسي قراسنقر، ذو الصفات الكامله، والسيرة العادله، والأنا الجميلة والهمم الجليله، والمحاسن الجزيله، والطريقة المتبعه، والأفعال التي لا تخشى منها تبعه، والآراء الصائبه، والمساعي التي لم تشبها في نصرة الإسلام شائبه. طالما خاض الغمرات، واصطلى الجمرات، وأقدم إقدام الليث، وحرس الممالك من العيث، وأقام الأدلة على فضله، وأجلب إلى الأعداء بخيله ورجله. إليه تشد الرحال في صون الأمور وصلاح الجمهور، واستطلاع خبايا المقاصد، وأخذ الأعداء بالمراصد، وإقامة شعائر الدين، ونصرة حزب الموحدين. وقد اقتضى رأينا الشريف أن نفوض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس من حدود العرائش إلى سلميه، وجعلنا كلمته في النفاذ باقيه، وعزمته في رتبة المضاء راقيه، واقتضينا في المهمات عقدة عزمه وحله، وأمضينا في مصلحة المملكة تصرفه كله، واستندنا من تدبيره إلى ركن شديد، وعطفنا إلى مضافرته كل جيد، إذ كان الملك بمثله يصان، وبمحاسنه يزان، وبتدبيره يستد ثلمه، وبتفويقه يستد سهمه. وقد قلدناه منا سيف اعتناء مطلق الحد، ومضافرة غير متناهية إلى حد، ومنحناه

стр. 2484

اهتماماً يكفيه ما أهم، ومعاضدةً لرأيه الذي يشرق في ليل الخطب إذ ادلهم، وقبولاً يبلغه من رفعة القدر ما يريد، واتحاداً أقرب إلى الداعي من حبل الوريد. فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، لا زالت دولته مباركة على الإسلام وأيامه عائدةً بصلات الجميل التي لا تحصرها الأقلام، أن تفوض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس، وأعمالها وعساكرها وممالكها وقلاعها وبلادها ورعاياها وذخائرها وأموالها، وثغورها ورجالها، وكبيرها وصغيرها، ومأمورها وأميرها، وكل ما يتعلق بها وينسب إليها، على عادة من تقدمه في ذلك كله، علماً منا بأنه أولى من فرع ذروتها، وقرع مروتها، وحلت له حباها، وحمي به حماها، واتسقت به عقودها، وحفظت به عهودها. فليمض على رسله فيما رتبناه فيها وقررنا، ويتحقق حسن النية فيما أعلنا من أمره وأسررنا، ويدأب في بسط المعدلة والسيرة المجملة، والعمل بالعدل فإنه الطريق المسلوك، وليشمل الرعايا بنظره فإنهم عند الملوك هذه وصيتنا له، وأما عداها من مصالح المسلمين، واعتماد كل ما يقتضي بنصرة المؤمنين، وجند تعرض، وأرزاق تفرض، وأموال تثمر، وبلاد تعمر، وثغور تسد، وعقود تشد، وسطوة تكف الأيدي عن الجور، ومهابة تزعزع كل جبار متعدي الطور، ونظر في المصلحة الخاصة والعامه، وقصد يدل على الخبرة التامه، وشرع يتبع حكمه، وأمر بالمعروف يجدد رسمه، وقلوب تؤلف على الطاعه، وخدم يبذل فيها جهد الاستطاعه، فهو أدرى بما يعاد منها وما يبدا، ولم يزل في طرق الخيرات ولله الحمد أهدى أن يهدى. وهو غني عن شرح فيها يطول، والعمدة في ذلك على الله تعالى ثم على تدبيره المعول. وسبيل كل من يقف على هذا التقليد الشريف من أمراء الدولة ونوابها ووزرائها ومتحفظي حصونها وولاة أمورها كافة أن يأتمروا بأمره، ويعرفوا له جلالة قدره، وينتهوا إلى إشارته في سر كل عمل وجهره.

стр. 2485

والله يشد به قواعد الممالك ومبانيها، ويؤهل بجميل تدبيره معاهدها ومغانيها، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى. ؟ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الشيخ المسند المعمر أبو عبد الله ابن المحدث نجم الدين. كان خاتمة أصحاب ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبد وغيرهم. وكان قد بقي مسند الوقف. توفي رحمه الله تعالى في سنة ست وخمسين وسبع مئة عن تسعين سنة. محمد بن إسماعيل بن عبد المؤمن ابن عيسى بن أبي بكر بن أيوب الشيخ المسند المعمر الصوفي، المعروف بابن ملوك. حدث عن العز الحراني وابن الأنماطي، وابن خطيب المزة، وطائفة، وتفرد. وتوفي بالقاهرة في سنة ست وخمسين وسبع مئة وقد تجاوز الثمانين. محمد بن إسماعيل بن عمر ابن المسلم بن حسن بن نصر بن أبي الدم، القاضي الرئيس المعمر المسند عز الدين

стр. 2486

ابن القاضي الرئيس ضياء الدين ابن القاضي عز الدين أبي حفص الدمشقي، المعروف بابن الحموي. حفظ في صغره " التنبيه " و" الفضول " لابن معط. وسمع الحديث الكثير من الشيوخ. وأجاز له جماعة من شيوخ مكة والمدينة ومصر وحلب وبعلبك وغيرها. وروى عن والده، وتفرد في آخر عمره برواية " السنن الكبير " للبيهقي. ومن مروياته " الموطأ "، و" مسند " الإمام أحمد بن حنبل، و" صحيح " البخاري، و" صحيح " مسلم، و" سنن أبي داود "، و" جامع " الترمذي، و" سنن " النسائي وابن ماجه، و" مسند عبد "، و" مسند الدارمي "، و" مسند ابن الزبير "، و" مسند الطيالسي "، وكتاب " المغازي " للزهري، و" عمل يوم وليلة " لأبي بكر أحمد بن السني، و" مكارم الأخلاق " للخرائطي، و" خطب ابن نباتة "، و" فوائد " الرازي، و" شرح السنة " للبغوي، و" معالم التنزيل " له، و" الحجة على تارك المحجة " لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، و" الجعديات " و" الغيلانيات " و" الخلعيات "، و" مشيخة " ابن البخاري مع ما ذيله الحافظ المزي عليها.

стр. 2487

وحدث، وروى كثيراً. وترك ما بيده من الأوقاف، وأقبل على الرواية، وألحق الصغار بالكبار. ولم يزل على حاله وملازمة الجامع الأموي إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في أواخر جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وسبع مئة. ومولده في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وست مئة. محمد بن إسماعيل ... الأمير ناصر الدين أخو الأمير صارم الدين حاجب صفد. تقدم ذكر أخيه مكانه. كان أحد أمراء العشرات بدمشق، وكان الأمير سيف الدين تنكز ﵀ يثق بعقله ودينه ومعرفته، فولاه نظر الأوقاف بدمشق في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، عوضاً عن بدر الدين بن معيد، وولاه نظر الحرمين بالقدس، فتوجه إليها، وعزل، وعاد إليه. وكانت الولاية الأولى في المحرم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة. محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن ناجح الشيخ الفقيه الإمام الزاهد الخطيب ناصر الدين أبو عبد الله الحموي، المعروف بابن القواس وابن النقيري.

стр. 2488

نِشأ في خير واشتغال وتصوف بدمشق، ثم إنه انتقل إلى حلب، وتزوج بها، وولي خطابة جامع ألطنبغا نائب حلب، والنظر عليه وعلى أوقافه، وتقدم عنده وأحبه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشري ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة. محمد بن أسندمر الأمير ناصر الدين بن الأمير سيف الدين الجوكندار. كان والده من أمراء الطبلخاناه، ثم إنه نقل من مصر إلى صفد، ومن صفد إلى دمشق، ومات بها. وولده هذا ناصر الدين كان أمير عشرة بدمشق. وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وسبع مئة. محمد بن آقوش الأمير ناصر الدين ابن الأمير جمال الدين المطروحي. كان رجلاً جيداً، وعنده دراية. قال شيخنا علم الدين: وسمع من شيخنا ابن النجار، وحدث. وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.

стр. 2489

محمد بن الآقوش الأمير ناصر الدين، أحد أخوته، وهم الأمير سيف الدين كجكن، والأمير زين الدين أمير حاج، وغرس الدين خليل، أولاد الآقوش. كان أبوهم أميراً بطرابلس، ولهم وصلة بالأمير سيف الدين قرطاي نائب طرابلس، كان وكانوا آخر الحال مقيمين في حلب، ولما حضر لنيابة دمشق حضر معه ناصر الدين محمد هذا، وحصل له إمرة عشرة، ثم انتقل إلى إمرة الطبلخاناه. ثم إنه تولى نيابة بعلبك فتوجه إليها، وأقام بها قليلاً، ثم إنه عاد إليها نائباً مرة ثانية، ثم أعطي نيابة حمص، فتوجه إليها وأقام بها، فلما أمسك الأمير صرغتمش رسم السلطان الملك الناصر حسن بمصادرته، ومصادرة إخوته وعزلهم من وظائفهم، فأخذ منهم تقدير ثلاث مئة ألف درهم، وأقاموا بدمشق بطالين. ثم رسم بتوجهه إلى حلب وتوجه أخيه سيف الدين كجكن إلى طرابلس، وبتوجه أخيه زين الدين أمير حاج إلى صفد، وأقاموا كذلك إلى أن خلع الناصر حسن، فرسم بإحضارهم إلى دمشق. ولما حضر السلطان الملك المنصور إلى دمشق في واقعة بيدمر أعطى الأمير ناصر الدين إمرة طبلخاناه. وحصل له مرض توفي منه في بكرة الاثنين عشري شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة. محمد بن أيبك الأمير صلاح الدين المعروف بابن أيبك الطويل. تنقل في المباشرات في أيام الأمير سيف الدين تنكز، فباشر شد الساحل وولاية

стр. 2490

الولاة بالصفقة القبلية، ثم تنقل في نيابة الرحبة وجعبر مرات، وكاد في واقعة الأمير سيف الدين تنكز ينعطب، لأنه كان في جعبر نائباً، وكان قد أودع عنده زردخاناه، وطلب إلى مصر عقيب الواقعة، فأصلح أمره، ونجاه الله تعالى، وعاد. ولما كان في آخر الأمر جهز إلى صفد صحبة الأمراء الذين جهزوا إلى محل إقطاعاتهم، فأقام بها قريباً من نصف سنة. وتوفي في العشر الأواخر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون صفد. وهو أخو الأمير علاء الدين علي بن أيبك الطويل. محمد بن أيوب بن علي ابن حازم الدمشقي الشافعي، المعروف بابن الطحان، نقيب السبع والشامية بدمشق. تفقه وقرأ بروايات، وأذن مدة بتربة أم الصالح. وكان فاضلاً مناظراً حسن الخلق، وفيه وسوسة في أمر المياه. سمع مع زوج خالته النجم بن الشاطبي، ومن عثمان خطيب القرافة جزءاً، ومن الزين خالد والكرماني ويوسف بن يعقوب الإربيلي، وعجز وانقطع بالشامية، وسمع منه جماعة الطلبة. قال شيخنا الذهبي: ورويت عنه " المعجم ".
следующие страницы →