Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
أتذكر ليلى عهدنا المتقدما ... أم البين أنساها عهوداً على الحمى
وأيامنا اللائي على الخيف قد مضت ... بمجلس أنس بالمسرة تمما
وكنت أنا وإياه يوماً على باب البحر بثغر عدن فمر خادم هندي بديع الصورة فقال لي: أنظم في هذا بيتين فنظمت بديهاً:
بأبي طبي من الهند حكى ... لحظه الهندي في أفعاله
جوهري الثغر يدعى جوهرا ... وأراه الفرد في أمثاله
فعجب من سرعة البديهة، قال: لكني أحكي لك حكاية اتفقت لي في بلاد الهند، اقترح علي بعض التجار الرعن اقتراحاً فيه قبح، وذاك أنه كان له خادم هندي يسمى جوهراً وكان مغرماً به، فقال لي تستطيع أن تنظم أبياتاً مضمونها أن فعلي لذلك الحال موجب لنفاسة هذا العلق عندي ومتى فعلت هذا أعطيك عشرين عيناً، فأنشدته أبياتاً من غير روية، وهي:
أقول للخل عداك الردى ... إني أنا الماس فلا تعتجب
في أصلي الحدة أسطو بها ... على أصم الجوهر المنتسب
والجوهر الشفاف ما لم يكن ... يثقبه الثاقب لم ينتسب
فلي على الجوهر فضل إذا ... صيرته بين الورى منثقب
قال الشيخ تاج الدين: وكان مولعاً بأكل البر شعثا أكثر أوقاته، غائب الذهن منها، وكرهه السلطان لذلك.
مات - رحمه الله تعالى - سنة خمس عشرة وسبع مئة وله موشحات بديعة.
стр. 2522
محمد بن تمر
الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير سيف الدين الساقي نائب طرابلس.
كان شاباً حسن الصورة، كريماً، شجاعاً، فيه خير ودين، قرئ في داره " صحيح " البخاري، وسمعه معه جماعة، وكان عمره يوم مات خمسة وثلاثين سنة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق تاسع صفر سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتقدم ذكر والده في حرف التاء مكانه.
محمد بن ثابت
الفقيه شمس الدين الخبي الحنبلي الصالحي رفيق ابن سعد.
قال شيخنا الذهبي: عاقل، سمع ودار على الشيوخ، وتنبه قليلاً، ثم أم بقرية بالمرج، سمع مني.
وتوفي شاباً - رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
محمد بن جابر
العالم المقرئ المحدث، الجليل، أبو عبد الله الأندلسي، الوادي آشي، ثم التونسي المالكي.
стр. 2523
قرأ على والده، بالسبع على طائفة، وسمع من ابن هارون الطائي، وأبي العباس بن الغمار، وطائفة بتونس.
قال شيخنا الذهبي: وقرأ عندنا " صحيح " البخاري، وسمع من البهاء بن عساكر، وبمكة من الرضي الإمام، انتقى العلائي عليه جزءاً، وكان حسن المشاركة في الفضائل، خرج " الأربعين البلدانية "، كتبها عنه شيخنا علم الدين البرزالي.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
محمد بن جعفر بن ضوء البعلبكي
الفقيه شمس الدين الشافعي.
كان من فقهاء المدرسة القيمرية بدمشق، وكان له تردد إلى الناس واجتماع بهم، وله عليهم خدمة ومعرفة بقضاء حوائجهم وأشغالهم، على في نفوسهم، وهو مطبوع داخل. وكانت بينه وبين النجم هاشم البعلبكي مودة وصحبة واتحاد، وكان حسن الشكالة والصورة.
توفي - رحمه الله تعالى - ثاني عشري شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ودفن بمقبرة باب الفراديس وأثنى الناس عليه وتأسفوا عليه.
стр. 2524
محمد بن جعفر بن محمد
ابن عبد الرحيم بن أحمد بن حجون الشيخ الإمام الشريف تقي الدين ابن الشيخ ضياء الدين القنائي، بالقاف والنون.
كان فقيهاً، شاعراً، صالحاً، سمع من أبي محمد عبد الغني بن سليمان، وأبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن نصر بن فارس.
وحدث بالقاهرة، وسمع منه الشيخ عبد الكريم بن عبد النور وجماعة، ودرس بالمدرسة المسرورية وتولى مشيخة خانقاه أرسلان الدوادار، وانقطع بها وتزوج بعلما أخت الشيخ تقي الدين، ورزق منها ابنين فقيهين، قال كمال الدين الأدفوي: كان خفيفاً، لطيفاً، وله شعر. أنشدني بعض أصحابنا بقوص مما نظمه سنة اثنتين وسبع مئة، عندما حصلت الزلزلة.
مجاز حقيقتها فاعبروا ... ولا تعمروا هونوها تهن
وما حسن بيت له زخرف ... تراه إذ زلزلت لم يكن
ومن شعره أيضاً:
من بعد فراقكم جرت لي أشيا ... لا يمكن شرحها ليوم اللقيا
كم قلت لقلبي بدلاً قال بمن ... والله ولا بكل من في الدنيا
стр. 2525
قال: ووفاته بالقاهرة في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده بقوص ظناً سنة خمس وأربعين وست مئة.
قلت: أخبرني من لفظه القاضي الرئيس الكاتب تاج الدين محمد بن محمد البارنباري. قال: قال لي الشيخ تقي الدين المذكور لما نظمت: " مجاز حقيقتها فاعبروا " البيتين بقي في نفسي شيء من كوني ذكرت في الشعر أسماء سور القرآن العظيم، فأتيت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - وأنشدتهما له، فقال: لو قلت: " وما حسن كهف له زخرف " لكنت قد زدت سورة رابعة. قال: فقلت له يا سيدي: قد أفدتني وأفتيتني، أو كما قال.
وأنشدني قال: أنشدني المذكور لغزاً في العين الباصرة:
ومحبوبة عند المنام ضممتها ... أحس بها لكنني ما نظرتها
لذيذة ضم لا أطيق فراقها ... وكم من ليال في هواها سهرتها
قلت: وما أحسن قوله " في هواها سهرتها ".
وقد ذكرت هنا لغزاً في العين للجهرمي وهو حسن:
إن التي أودت فؤادي تلت ... حزناً عليه وهو ملسوعها
جملتها واحد أجزائها ... طبيعة يعجب مطبوعها
فالكل إذ يقرأ بعض لها ... والبعض إذ يذكر مجموعها
عميتها في لحن قولي فمن ... يخرجها إذ كان يسطيعها
стр. 2526
وقد رأيت لبعضهم ستة أسماء من سور القرآن العظيم في بيت واحد وهو قوله:
أقول وقد هبت لنا نسمة الصبا ... ترى دارت بنا كأس قرقف
وفاطر قلبي هل أتى نبأ الورى ... بتمل عذار جاء في صف يوسف
وما أحسن ما نقلته من خط السراج الوراق:
سامح بفضلك من أتى ... ذنباً ولقنه المعاذر
وبزخرف من قوله ... كن أنت للزلات غافر
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه أيضاً:
حياة المنازل سكانها ... هم روحها وهي جثمانها
أضاءت بمن حلها بهجةً ... كما حل بالعين إنسانها
وللظاعنين تحن الديا ... ر كأن الأحبة أوطانها
قلت: ذكرت بهذا قول أبي الحسين الجزار، وهو:
طرف المحب فم يذاع به الجوى ... والدمع إن صمت اللسان لسان
يا سائلي عما تكابد مهجتي ... إعراب طرفي بالدموع بيان
تبكي الجفون على الكرى فاعجب لمن ... تبكي عليه إذا نأى الأوطان
وأنشدني قال أنشدني المذكور لنفسه في باذهنج:
كأنما الباذهنج قلع ... علا على الفلك حين تسري
لكن ذاك الرياح أجرت ... وذا غداً للرياح يجري
стр. 2527
وذكر هنا قول شهاب الدين مسعود بن محمد بن مسعود السبكي المالكي:
وباذهنج إذا حر المصيف أتى ... أهدى النسيم وقد رقت حواشيه
مصغ إلى الجو ما ناجاه نافحة ... إلا ونم عليه فهو واشيه
قلت: ومما قلته أنا في باذهنج:
بنينا للتنسم باذهنجا ... غلا فعلى إلى جو السماء
وراق به الهواء ورق لطفاً ... فسميناه راووق الهواء
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في شيخ منحن مطيلس:
كالعين شيخ منحن ... مطيلس أعرفه
تقويسها كظهره ... ورأسها رفرفه
قلت: هذا تشبيه عجيب، وتخيل غريب إلى الغاية.
وأنشدني قال أنشدني فيمن جهز إليه بوريه فايتة:
دع الاضطراب عن الحيا ... ة وخل نفسك ثابتة
وازرع فحبات القلو ... ب بها المحبة نابته
وذكرت فايتةً فقم ... للفور واقض الفايته
محمد بن جنكلي
الأمير ناصر الدين ابن الأمير بدر الدين جنكلي ابن البابا الحنبلي.
стр. 2528
تقدم ذكر والده في حرف الجيم مكانه.
كان جمال المواكب، وثمال الكواكب، أحسن خلق الله وجهاً وقواما، كأنه غصن بان ركب الله في أعلاه قمراً تماما، مع أخلاق ما للنسيم لطفها، ولا لأزاهر الرياض اليانعة عرفها، ولا للغصون الناعمة لينها ولا عطفها، وسماح يتعلم السحاب سحه، ويظهر من البحر شحه، وكتابة إن وصفتها بالخمائل أخملتها، وإن قلت: هي كالعقود، فقد نقصت من قدرها وأهملتها، تصبح بها السطور وقد توشت، والعيون وقد تردت بالمحاسن وتغشت، وفقه ما لابن حزم حزمه، ولا لابن عبد البر نقله ولا جزمه، وحديث ما ترقى الخطيب درجه، ولا ألم به ابن عساكر ولا خرجه، وأسماء رجال يغرق فيها ابن نقطه، ويتحقق سامعه أنه ما عند السمعاني بعدها غبطه، وأدب ما وصل الحصري إلى أنماطه، ولا صاحب " الذخيرة " إلى التقاطه، ولا صاحب " القلائد " إلى تيجانه وأقراطه، وشعر راق نسجه، ولاق نهجه:
شخص الأنام إلى جمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيب واحد
ولم يزل على حاله إلى أن حل بحماه الحمام، وأبكى عليه حتى الحمام.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وتسعين وست مئة.
كان أولاً قد اشتغل بمذهب أبي حنيفة، ثم إنه تمذهب للإمام أحمد بن حنبل
стр. 2529
وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة:
بك استجار الحنبلي ... محمد بن جنكلي
فاغفر له ذنوبه ... فأنت ذو التفضل
وكتب طبقة واشتغل في غير ما فن، ولم يزل مواظباً على سماع الحديث، واختلط بشيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس وبه تخرج، وعنه أخذ معرفة الناس وأيامهم وطبقاتهم وأسماء الرجال.
وكان آية في معرفة فقه السلف ونقل مذاهبهم وأقوال الصحابة والتابعين، وهذا أجود ما عرفه، مع مشاركة جيدة في العربية والطب والموسيقا.
وكان في النظم متوسط الطبقة وربما تعذر عليه حيناً، لكن له ذوق في الأدب، يفهم لطائف المعاني ويدركها ويهتز للفظ السهل، ويطرب لنكت الشعراء المتأخرين كأبي الحسين الجزار والوراق وابن النقيب وابن دانيال وابن العفيف ومن جرى مجراهم، ويستحضر من مجون ابن حجاج جملة.
وكان يلعب الشطرنج والنرد، وقل أن رأيت مجموعه في أحد.
رأيته غير مرة واجتمعت به كثيراً، وقد شاركته في بعض سماعاته، وسمع بقراءتي على شيخنا الحافظ أبي الفتح كثيراً، ورد علي يوماً بعض الأسماء صحفته أنا ذهولاً مني، ولما فرغنا أنشدته:
يرد علينا ما نقول أميرنا ... لئلا يرانا في النهى دون حدسه
ويختار منا أن نكون كمثله ... ويطلب عند الناس ما عند نفسه
فأعجبه هذا التضمين وطرب له.
وكان فيه بر وإيثار لأهل العلم والفقراء، ويخير مجالسة أهل العلم على مجالسة الأمراء والأتراك، وكان كثير الميل إلى من يهواه، لا يزال متيماً، هائماً، يذوب صبابة
стр. 2530
ويفنى وجداً، ويستحضر في هذه الحالة ما يناسبها من شعر الشريف الرضي ومهيار وابن المعلم، ومتيمي العرب جملة يترنم بها ويراسل بذلك، ويعاتب.
وخرج له شهاب الدين أحمد الدمياطي أربعين حديثاً، وحدث بها قبل موته، وأثنى عليه الفاضل كمال الدين الأدفوني في تاريخه: " البدر السافر " ثناء كثيراً.
ولما بلغتني وفاته - رحمه الله تعالى - وأنا بدمشق قلت أرثيه، وضمنت القصيدة أعجاز أبيات قصيدة أبي الطيب:
هي الأيام ليس لها ذمام ... وليس لها على عهد دوام
نصبنا للردى غرضاً فأصمت ... حشانا من رزاياه السهام
وما بعد الرضاع وذاك حق ... تبين عندنا إلا الفطام
نسير على مطايا للمنايا ... وفي كف الزمان لها زمام
إذا متنا تنبهنا لهول ... نرى أن الحياة هي المنام
ألم تر كيف عاث الدهر فينا ... وأودى ناصر الدين الهمام
فشق الرعد جيب السحب لما ... تلهب برقها وبكى الغمام
فيا أسفاً لوجه كان يبدو ... فيستحيي له القمر التمام
وبالشمائل كم هام فيها ... فؤاد ما يسليه المدام
ويا لخلائق كالروض لما ... تفتح عن أزاهره الكمام
ويا لفضائل قلنا لديها ... أفدنا أيها الحبر الإمام
стр. 2531
ويا لكتابة كالدر لما ... يؤلفه على النحر انتظام
وكان يرام في بذل العطايا ... وأما في الجدال فما يرام
ولم نر في الزمان له شبيهاً ... وإن كثر التجمل والكلام
أيا من في الرقاب له أياد ... هي الأطواق والناس الحمام
لئن عمت مصيبتك البرايا ... وصار بها على الدنيا ظلام
فكم حسنت بك الأوقات حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
ستندبك المواكب كل يوم ... ويبكيك المثقف والحسام
لأنك ما شهدت الحرب إلا ... تعالى الجيش وانحط القتام
فلو تفدى بذلنا كل نفس ... لأن حلال بقيانا حرام
ولو رد الردى حرب لشبت ... وكان وقودها جثث وهام
وكف الخطب عنك كفاة أهل ... هم في الروع أمجاد كرام
أب وأخ هما ليثا عرين ... إذا ما كان للحرب اصطلام
يعز عليهما أن بت فرداً ... وجالت في محاسنك الهوام
وما تركاك رهن الترب عندا ... ولكن معدن الذهب الرغام
فنم فلو افتقرت لفعل بر ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا
وما تحتاج عند الله قربى ... مواهبه لنا أبداً جسام
فللرحمن لطف واعتناء ... بمن بالعلم كان له اعتصام
فكم أذريت خوف الله دمعاً ... غمائمه إذا انهلت سجام
قضيتك بالوفا حقاً أكيداً ... لأن بصحبة يجب الذمام
سأجعل طيب ذكرك لي سميراً ... ومن يعشق يلذ له الغرام
стр. 2532
وأرجو الله أن يوليك رحمى ... ومن إحدى عطاياه الدوام
فلا تبعد فنحن عليك وفد ... وغايتنا لهذا والسلام
وأورد الكمال الأدفوي في آخر ترجمة الأمير ناصر الدين، وأظن ذلك في نظم كمال الدين المذكور فيه:
أبكي عليك بدمعة كتبت على ... صفحات خد للكئيب سطورا
تجري من العين التي أنشأتها ... ما زال من إحسانه مسرورا
سالت عقيقاً فاستحالت عندما ... شابت فصارت لؤلؤاً منثورا
قلت: العين وإنسانها لا يوصفان بسرور البتة، وإنما السرور من صفات القلب.
وأنشدني من لفظه لنفسه - رحمه الله تعالى - لما أخرج السلطان الملك الناصر محمد خليل بن بلغدار إلى الشام بسببه، وكان له إليه ميل عظيم:
ومن حيثما غيبت عني ظاهراً ... وسرت على رغمي وفارقتني قسرا
أقمت ولكني وعيشك آيس ... من الروح بعد الخل أن تسكن الصدرا
فكم عبرة للعين أجريتها دماً ... وكم حرق في القلب أذكيتها جمرا
لعل الذي أضحى له الأمر كله ... على طول ما ألقاه يحدث لي أمرا
وأنشدني من لفظه لنفسه في المذكور، اهتدم قول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وحولي ... إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مناهل جلق ... ويبدو لعيني شامة وخليل
стр. 2533
وقال كمال الدين الأدفوني نقلت من خطه له:
وإذا اعتبرت سني عمرك في الهوى ... ومرورها في أعصر الخسران
وعلمت أن المرء منها راحل ... سقراً به للسخط أو رضوان
أيقنت أن الفوز فيها للتقى ... ولمن يقوم بمحكم القرآن
فاجهد لنفسك يا أخي مخلصاً ... فلقد نصحتك في جميل بيان
وكتبت له وأنا بالقاهرة منشوراً بإمرة أحد وأربعين رمحاً في أيام السلطان الملك الناصر محمد سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة وهو: " الحمد لله الذي نصر هذا الدين بمحمده، وجعل مفارق العدا من أغماد مهنده، وأطفأ بوبل نبله حر الوغى إذا زاد في توقده وجمع له بين فضل السيف والقلم، فكان هذا الجمع من مزايا تفرده.
نحمده على نعم التي منحت دولتنا القاهرة ولياً تعقد عليه الخناصر، وخصت أيامنا الزاهرة بماجد طابت منه الأصول، كما طابت العناصر، وزانت مواكبنا الوافرة بفارس يصبح النجم عن مداه وهو قاص والبرق قاصر، واعتزت جيوشنا الباهرة منه ببطل من لم يكن له وسمه واسمه " فماله من قوة ولا ناصر ".
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم معاطس الكفر والضلال ونعلي بها كلمة الإيمان بصدور البيض البتر وكعوب السمر الطوال، ونطلع بها في ليل العجاج المظلم أسنة الذوابل تتقد كالذبال، وننال بإخلاصها النصر إذا تبت يد الكافر يوم الفتح في القتال.
стр. 2534
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده ونصر الدين الحنيف بأنواع أعوانه وأجياد جياده وأتعب السيوف في راحته حتى لقي الشرك وألوفه بالتوحيد وآحاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين دعاهم إلى هداهم فثنوا إليه الأعنة ورأوا أفعاله فرووا عنه السنة وجالدوا عداه، فرووا منهم الأسنة واستبشروا ببيعهم الذي بايعهم بأن لهم الجنة، صلاة تتبلج بها نجوم الظلم، وتتأرج بها نسمات الضال والسلم ما خفقت عذبات علم وثل الإيمان عرش البهتان وثلم، وسلم تسليماً كبيراً إلى يوم الدين.
وبعد: فإن أحق الأولياء بموالاة النعم ومغالاة القيم ومضاعفة الآلاء عليه حتى تخجل الديم، من تزاحم النجوم علياه بالمناكب، ويغدو بدر الجيوش في هالة المواكب، ويمتشق الصوارم بيمناه ويركب من شوق إلى كل راكب، ويعتقل الذوابل فتلج في علو " كأنما تحاول ثأراً عند بعض الكواكب ".
وكان المجلس السامي الأميري وألقابه الناصري ونعوته محمد بن الجناب العالي الأميري البدري محمد بن جنكلي بن البابا الناصري من قوم ندعوهم فيلبون إلى طاعتنا مسرعين، ونرجو لفتاهم كمال المئة، فإنه قد تجاوز حد الأربعين، فهم أبطال تفرق الأسود الغلب من وثباتها وثباتها، وفرسان قوائم خيلهم صوالج تلعب من رؤوس
стр. 2535
العدى بكراتها في كراتها، وشجعان ألفوا مقاعد الخيل فكأنهم ولدوا على صهواتها، وأمراء زانوا مواكبنا السعيدة التي لا تخرج الأقمار عن هالاتها، قد احتكم إلى يمينه السيف والقلم، وانطوى على نشر العلم والعلم، ونقص عند أقوامه زيد الخيل، وشاب من شجاعته عامر بن الطفيل، وعجز ابن عساكر عن حفظه، وغرق ابن نقطة في بحر لفظه، فهو من المناضلة إلى المفاصلة، ومن تدبير العوالي إلى تسطير الأمالي، ومن جلاد الفوارس إلى جدال المدارس، ومن ظهور السابقة العراب، إلى بطون الناطقة بالصواب عملاً بقول القائل:
أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
لأنه نجل والده الذي ما رفعنا راية رأيه في أمر ففسد، وفرع أصله الذي نشأ في خدمتنا الشريفة، والشبل في المخبر مثل الأسد، كم لوالده من يوم حرب أذكر الناس بيوم بدر، وكم له من ليلة علا فيها قدره " وما أدراك ما ليلة القدر ".
وقد اقتضت آراؤنا الشريفة تغيير إقطاعه ليقوى حزبه على الحرب وينتقي من يكون أمامه من أبناء الطعن والضرب، وتمرح به كمت الجياد في الأرسان وتشاهد في مقامات حربه مقاتل الفرسان وينظم في صفاته " صحاح " الجوهري إذا نثر من الدماء " قلائد العقيان "، فالفتوح تيسر للدين القيم بالحتوف، والجنة كمال قال ﷺ تحت ظلال السيوف:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
стр. 2536
يفوق الألوف فلذلك خرج الأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أعلاه الله تعالى وشرفه أن يجرى في إقطاعه.
فلما جهز المنشور إليه كتب هو إلي قرين تشريف جهزه والده رحمهما الله تعالى إلي: " يا مولانا ما هذا منشور إن هذا إلا لؤلؤ منثور، كل سطر منه جنة قد حفت بالثمار، وكل شطر من سطره لو يباع اشتري بألف دينار، تلعب فيه قلم مولانا بالعقول، وأدار بكلامه على الأسماع كأس الشمول، فعلم كل بليغ ما يقول، وتصدق على المملوك بأوصاف استعارها له بيانه، ورصع جواهرها بنانه، وقد وقف عليه محبكم الوالد وقال: بمثل هذا الفضل يحيى الذكر الخالد، وقد سير إليكم شيئاً من تمام الإحسان قبوله، وهو يعتذر بما إذا حضر المملوك يذكره ويقوله، والله تعالى يعلي لمولانا المكانة، ويديم لهذه الدولة الشريفة بيانه بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكنت قد كتبت أنا إليه وأنا بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة:
لي في الجوانح من حزني حرارات ... كما لبرد اللمى فيها حرارات
وللبوارق إن لاحت أو اعترضت ... في الضوء من ثغرك الضاحي إشارات
وللغصون إذا ورق الحمام تلت ... أيات عطفيك في الأسحار سجدات
أشكو ظلام ذؤابات دجت فغدت ... وما لها غير نور الفرق مشكاة
خيالك البدر في جو السماء إذا ... نظرت فيها لأن الأفق مرآة
ومن يسق نفسه للوجد فيك ففي ... لعب الغرام على خديك شامات
стр. 2537
يا بدر حسن له دون البرية في ... أهلة اللثم لا في السحب هالات
دينار خدك واف في الجمال فلم ... زيدت به من سواد القلب حبات
لولا تجنيك لم يعذب جناك ولا ... طابت عليك لذات الصب لذات
لم لا سمعت دعاوى الصب فيك على ... هواك إن دعاويه صحيحات
وأنت يا من أداجيه على شغفي ... به وهيهات أن تخفى الصبابات
لا تقبلن شهادات الدموع ومن ... تعديل عطفيه في جفني جراحات
حلبت شطري زماني وارتضيت بها ... لي وحشة عن أنيس فيه إعنات
فكم مجالس لهو خمرها غزلي ... وشمعتي فكرة فيها شرارات
وليس لي طرب إلا إذا تليت ... عن ناصر الدين أخبار وآيات
فتى إذا فكرتي صاغت له مدحاً ... شنت على الوصف في علياه غارات
وسابق اللفظ في نظمي مدائحه ... الدر والزهر والزهر المنيرات
حوى الفضائل من سيف ومن قلم ... فليس عند الورى إلا فضالات
له محاريب حرب كلما ركعت ... سيوفه سجدت إذ ذاك هامات
فالأرض طرس وغى والخيل أسطره ... والسمهري ألف واللام لامات
وكم أدار كؤوس الموت حين شد ال ... حسام وارتقصت للسمر قامات
ليث فرائسه الفرسان يوم وغى ... وما البراثن إلا المشرفيات
إن أظلم الجو من جون العجاج فمن ... خرصان ذبله فيه ذبالات
وإن دجا البحث في تحقيق مسألة ... جلت حنادسه منه الدلالات
وأوضح الحق بالبرهان وازدحمت ... فيما يرى نصره منه العبارات
وإن أتاك بنقل فالبحور طمت ... ويعضد الرأي ما تهدي الروايات
стр. 2538
وإن تمسك في قول بظاهره ... تخضع له الشهبات الفلسفيات
نقول إلا إذا ما كان حاضرنا ... فهو الخطيب ومنا نحن إنصات
وإن أدار على قرطاسه قلماً ... فباطن الطرس أنهار وجنات
عن كل همز سما في سطره ألفاً ... فقل غصون بأعلاها حمامات
يكاد من عبارات يسطرها ... تبدو لها من حمام الهمز رنات
نظم يروق ومعناه يرق لنا ... فاللفظ كأس له المعنى سلافات
يا شاكي الزمن الجاني استجر كرماً ... به فللدهر من نعماه ردات
وسوف يغفر للأيام زلتها ... وتنجلي ظلمات أو ظلامات
فما سمي النبي الهاشمي له ... بدع إذا انكشفت عنك الغيابات
لقد سما والورى من دون رتبته ... ولم تزل تفضل الأرض السماوات
خلائق مثل أنفاس الرياض إذا ... مرت بأزهارها ليلاً نسيمات
وجود كف كأن الفقر قفر فلاً ... تهمي على عطش منه غمامات
من معشر قد سها طرف السهى لهم ... عليه من مجدهم ترخى الذؤابات
لا زال في نعم أنفاس لذتها ... في كل ناد لها بالند نفحات
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
أوراق نظمك للأبصار روضات ... فيها لغر المعاني منك زهرات
يا ناظماً نزلت زهر السماء له ... كانت بروجاً فأضحت وهي أبيات
وفاضلاً لا يفض الله خالقنا ... له فما منه للدنيا كمالات
ترجلت لك فرسان القريض وولوا منك خوفاً كأن القوم أموات
كل بفضلك أمسى وهو معترف ... وليس يقوى لعصف الريح نسمات
يروي الأنام حديث الفضل عنك وقد ... علت لهم منك في ذاك الإجازات
ومن يعاند فيما رحت أذكره ... عما حويت من العليا فقل هاتوا
стр. 2539
وكتبت أنا إليه أهنئه بقدومه من الحجاز في شهر الله المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة:
قدمت قدوم البدر والليل قد دجا ... فأشرقت الآفاق من سائر الأرجا
وكانت ربا مصر رياضياً تصوحت ... فجئت إليها كالغمام إذا ثجا
إذا النوق أعياها المسير فإنها ... بطيب الثنا والذكر عنك غدت تزجى
أيا من سرى والأنجم الزهر في الدجى ... ليهدى بها في القفر قد علقت سرجا
وأمسى هلال الأفق كوراً لنجبه ... وإلا على ظهر الجياد له سرجا
قطعت الفيافي نحو مكة محرما ... ولم تتخذ إلا التقى والفلا منجا
وجردت من ثوب مخيط ولم تزل ... برود الندى والبأس تحكمها نسجا
ولبيت لباك الإله لأنه ... رأى خير من لبى بركبك أو عجا
وطفت ببيت لم تر الباب مرتجاً ... متى جئته تدعو ولا الركن مرتجا
ترى الحجر المسود أحسن موقعاً ... بقلبك من خال على وجنة بلجا
فتوسعه لثماً بأبيض واضح ... إذا قال قلنا السحر من لفظه مجا
وفي عرفات كان عرفك ذائعاً ... تضوع عرفاً نشره ملأ الفجا
وحلقت حتى لا تكون مقصراً ... وذلك أنجى في العبادات بل أرجى
وسقت مطايا الهدي تنحر كومها ... وقد نضجت أكبادها بالسرى نضجا
فبخلت حتى السحب في جود وبلها ... وزدت إلى أن كدت أن تغرق اللجا
وجئت إلى قبر حوى خير مرسل ... ومن حبه الذخر المؤمل والملجا
تجادل عنه أو تجالد من غدا ... يعالج منه المسلمون فتىً علجا
إذا أنت رفعت الرماح مراوداً ... تشق بها من نقعه مقلةً دعجا
стр. 2540
وإن ظمئت يوم الوغى أنفس العدا ... سللت لها في الروع بيض الظبا خلجا
أيا من غدت أعلامه وعلومه ... تنير لنا مثل الشهاب إذا أجا
قطعت الورى بحثاً وطفت بمكة ... فأصبحت في الحالين أفضل من حجا
بقيت مليكاً في الفضائل والعلا ... متى هاج خطب والتفت له هجا
ولا زلت محروس الجناب من العدا ... يسل لها غمد الدجا فجره نمجا
وكتب هو إلي من القاهرة بعد خروجي منها إلى صفد في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد:
يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك دموعي وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
يا مولانا تذكر قوله ﷺ : ما قضى الله لامرئ مؤمن من قضاء إلا وكان الخيرة له فيما قضى من ذلك، إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وليس إلا للمؤمن. وفي الأثر: المؤمن ملقى، وفي حديث سويد الأزدي وقومه حين قدومهم على سيد البشر أنه فسر إيمانهم بخمس عشرة خصلة وعد منها الصبر عند البلاء، والرضا بمواقع القضاء. وبالجملة الحمد والشكر لله أولاً وآخراً، والله معك حيث كنت، والسلام:
стр. 2541
أوحشت مصراً فادلهم ربعها ... شوقاً إلى ذلك المحيا الزاهر
أفضت من فضائلها فضائلاً ... من بحر علم قد حويت زاخر
نثر إذا نظرته كأنه المنثور لاح وسط روض ناضر
ونظم شعر راق في تأليفه ... فأخجل العقود في الجواهر
وحسن خط قد جعلت طرسه ... مدبجاً كالروض بالأزاهر
يا فخر دهر أنت من كتابه ... تخجل كل ناظم وناشر
وعز ملك كنت في ديوانه ... تنشئ ما يلعب بالضمائر
إذا ترسلت إلى أعدائه ... أغنيته عن الحسام الباتر
يا فاضلاً أخنى عليه دهره ... لا تخضعن لنكبة في الظاهر
فاصبر ولا تقلق لأهوال الردى ... فإن ثبت نلت أجر الصابر
أرجو لك العود لمصر سرعةً ... مظفراً كما يظن خاطري
فكتبت أنا الجواب إليه، رحمه اللهتعالى:
يا برق هل ترثي لصب ساهر ... وهل ترى لكسره من جابر
وهل لما قد نابه من راحم ... أو لم يكن فهل له من عاذر
أبيت لا أنيس لي إلا الذي ... يدور من شكواي في ضمائري
أخرجني كالسهم من كنانة ... حكم زمان في القضاء جائر
وابتزني صبري وما أرى الورى ... على الذي قد نالني من صابر
فأضلعي تحنى على جمر الفضى ... وما الشرار غير قلبي الطائر
ومن غدا باطنه مشتعلاً ... لم يفنه تجلد في الظاهر
ومقلتي تعثرت دموعها ... لأنها تجري على محاجري
والنوم لا أعرف منه سنة ... في سنة إلا بحكم النادر
يا دهر قد رميتني بنكبة ... عدمت فيها قوتي وناصري
стр. 2542
القاتل المحل يجود كفه ... وصاحب الإبداع في المفاخر
كم حدثتني راحتاه عن عطا ... وكم روى إحسانه عن جابر
يا قاطع البيد إلى أبوابه ... ظفرت من جدواه بالجواهر
لا تشك في القفر ظماً فكفه ... أطبقها على الخضم الزاخر
ويا مجاريه لغايات العلا ... قف واسترح من هذه الخواطر
كم قد جرى البرق على آثاره ... فلم يفز إلا بجد عاثر
ويا مناوي بأسه إلى الوغى ... جهلت ما تبغي فلا تخاطر
أما ترى ما حاز من فضائل ... فاقت على قطر الغمام الماطر
والسيف واليراع في بنانه ... ما اجتمعا إلا على المآثر
سيادة في بيته مشهورة ... يعدها في كابر عن كابر
آه على ما فات من نواله ... وفضله وجبره لخاطري
ولطفه ذاك الذي إذا بدا ... تعرفه في كل روض زاهر
أبعدني دهري عن أبوابه ... يا ويح دهر بالفراق ضائري
وربما يسمح لي بعودة ... فيغفر الأول عند الآخر
وكنت كتبت إليه من الرحبة سنة تسع وعشرين وسبع مئة:
لي حالة بعد الأمير ناصر ال ... دين لها كل الأنام عاذر
ضنيت بالبعد فما لي قوة ... وغاب عن عيني فما لي ناصر
стр. 2543
وكتبت أيضاً إليه:
يا غائباً عني بحكم النوى ... وذكره ما زال في خاطري
قد جار في الحكم زماني ولا ... بدع إذا اشتقت إلى ناصري
محمد بن جوهر بن محمد
أبو عبد الله التلعفري المقرئ المجود الصوفي.
قرأ علي أبي إسحاق بن وثيق لأبي عمرو، وأخذ عنه التجويد ومخارج الحروف. وسمع بحلب عن ابن رواحة، وابن خليل، والصلاح موسى بن راجح، وغيرهم.
قال شيخنا الذهبي: قدم علينا دمشق، وقرأت عليه مقدمته في التجويد وجزءاً من الحديث. وكان شيخاً ظريفاً فيه دعابة وحسن محاضرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ست وتسعين.
ومولده بتلعفر سنة خمس وست مئة.
محمد بن حازم بن حامد
ابن حسن الشيخ الإمام الصالح شمس الدين أبو عبد الله بن القدوة المقدسي، إمام دار الحديث الأشرفية بالجبل.
كان شيخاً صالحاً بهي المنظر، حسن الهيئة، كثير الخير، مشكور السيرة، حدث
стр. 2544
ب " صحيح " البخاري وغيره، وسمع عن ابن اللتي، والحسين بن صصرى، والناصح الحنبلي، وابن غسان، والفخر الإربلي، وغيرهم.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة عشرين وست مئة أو بعدها بقليل.
ووجد سماعه في أول سنة خمس وعشرين وست مئة حضوراً.
محمد بن الحراني
ناصر الدين التاجر الشرابيشي.
كان للأمير سيف الدين تنكز به اعتناء، وإذا توجه للقاهرة يقف حوله ويشتري له ما يريد، وما يخرج من القاهرة حتى يقترض منه مبلغاً كبيراً من المئة ألف وما فوقها وما دونها، وما كان القاضي شرف الدين النشو يعارضه لأجل تنكز.
توفي - رحمه الله تعالى - في سنة أربعين وسبع مئة، وخلف ستة عشرة ألف ومئتين وستين ديناراً، ومئة وخمسة وثلاثين ألف درههم، وحججاً على أناس بمئة وخمسين ألف درهم، وخلعاً وقماشاً بسبعين ألف درهم، ولم يخلف وارثاً، وكان عند موته يقول: مالي.. مالي.. مالي.. إلى أن مات.
محمد بن الحسن بن إبراهيم
فتح الدين الأنصاري المعروف بالقمني.
стр. 2545
سمعت عليه بثغر الإسكندرية في صفر سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة جميع الحديث المسلسل بروايته عن النجيب عبد اللطيف الحراني، وأجاز لي جميع ما يجوز له روايته، وكتب بذلك بخطه.
محمد بن الحسن بن سباع
الشيخ الإمام العروضي، شمس الدين الصائغ الدمشقي.
كان من مشيخة الأدب، والناس ينسلون إليه من كل حدب، أقرأ الناس في دكانه بالصاغة زمانا، وأخذوا عنه لشعرهم ميزانا، والعروض أول ما كان يعرف، وينفق من حاصله لمن يقصد ويصرف.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الصائغ في الأحياء ضائعا، وصوح روض الأدب منه، وكان به ضائعا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الثلاثاء ثالث شهر رمضان المعظم سنة عشرين وسبع مئة. والصحيح أنه مات في ثالث شعبان.
ومولده في صفر سنة خمس وأربعين وست مئة.
رأيته غير مرة وكان يتردد إلى القاضي قطب الدين بن شيخ السلامية، وينفق آدابه عليه، وله نظم كثير، ونثر كثير، وشرح " ملحة الإعراب "، و" اختصر صحاح " الجوهري، فجرده من الشواهد، وله قصيدة عارض بها " القصيدة الهيتية " التي لشيطان العراق، فما داناها وشرحها على هوامشها، وملكتها بخطه وأخرجتها عن
стр. 2546
يدي، " وشرح الدريدية " في مجلدين من أربعة، ملكتها بخطه، وقد أخرجتها عن يدي لما وقعت على أشياء في الشواهد ضبطها بخطه على غير الصواب، وله " المقامة الشهابية " وضعها للقاضي شهاب الدين بن الخويبي، ملكتها بخطه مشروحة.
ومن شعره:
إن جزت بالموكب يوماً فلا ... تسأل عن السيارة الكنس
فثم آرام على ضمر ... لله ما تفعل بالأنفس
بأحمر هذا وذا أصفر ... وأخضر هذا وذا سندسي
فقل لذي الهيئة يا ذا الذي ... ينقل ما ينقل عن هرمسي
قولك هذا خطأ باطل ... أما ترى الأقمار في الأطلس
قلت: أخذه من سيف الدين بن قزل المشد ونقصه، لأنه قال:
زعم الأوائل أنما ... تبدو الذوائب للكواكب
وتوهموا الفلك المعظ ... م أطلساً ما فيه ثاقب
أتراهم لم ينظروا ... ما في الزمان من العجائب
كم من هلال قد غدا ... في أطلس وله ذوائب
وأنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين أحمد بن عز الدين الفارقي الموقع قال:
стр. 2547
أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين الصائغ ملغزاً:
ما اسم إذا عكسته ... رأيته بنفسه
كذاك إن ضاعفته ... لم يختلف بعكسه
قلت: هو في سدس وضعفه ثلث، وهذا في اللغز البديع.
وقال الشيخ شمس الدين الصائغ وهو بمصر يتشوق إلى دمشق:
لي نحو ربعك دائماً يا جلق ... شوق أكاد به جوى أتمزق
وهمول دمع من جوى بأضالعي ... ذا مغرق طرفي وهذا محرق
أشتاق منك منازلاً لم أنسها ... أنى وقلبي في ربوعك موثق
طلل به خلقي تكون أولاً ... وبه عرفت بكل ما أتخلق
وقف عليك لذا التأسف والبكا ... قلبي الأسير ودمع عيني المطلق
أدمشق لا بعدت ديارك عن فتى ... أبداً إليك بكله يتشوق
أنفقت في ناديك أيام الصبا ... حباً وذاك أعز شيء ينفق
ورحلت عنك ولي إليك تلفت ... ولكل جمع صدعة وتفرق
فاعتضت عن أنسي بظلك وحشةً ... منها وهي جلدي وشاب المفرق
فلبست ثوب الشيب وهو مشهر ... ونزعت ثوب الشرخ وهو معتق
ولكم أسكن عنك قلباً طامعاً ... بوعود قربك وهو شوقاً يخفق
منها:
والريح تكتب في الجداول أسطراً ... خط له نسخ النسيم محقق
стр. 2548
والطير يقرأ والنسيم مردد ... والغصن يرقص والغدير يصفق
ومعاطف الأغصان غنتها الصبا ... طرباً فذا عار وهذا مورق
وكان زهر اللوز أحداق إلى الزوار من خلل الغصون تحدق
وكأن أشجار الغياض سرادق ... في ظلها من كل لون نمرق
والورد باللون يجلو منظراً ... ونسيمه عطر كمسك يعبق
فبلابل منها تهيج بلابلي ... ولذاك أثواب الشقيق تشقق
وهزاره يصبو إلى شحروره ... ويجاوب القمري فيه مطوق
فكأنما في كل عود صارخ ... عود حلا مزمومه والمطلق
والورق في الأوراق يشبه شجوها ... شجوي وأين من الطليق الموثق
قلت: وهي طويلة جداً، وقد ذكرتها مستوفاة في الجزء الأول من " التذكرة " التي لي.
محمد بن الحسن بن محمد
الخطيب كمال الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الإمام العلامة نجم الدين أبي محمد ابن الشيخ كمال الدين القرشي الأموي القرطبي الأصل الصفدي الخطيب بن الخطيب بن الخطيب، الدمشقي المولد.
стр. 2549
كان خطيباً مصقعا، وأديباً ترك ربع البلاغة بعده بلقعا، كم أسال الدموع وفضها على الخدود من الخشوع، وكم علا ذروة المنبر واستقبل الناس فقالوا: هذا بدر قد بدا في سماء من العنبر. ليس للحمائم مثل أسجاعه إذا غردت، ولا للفصحاء مثل عبارته التي جمعت أنواع البيان فتفردت.
وكان ممن ينظم وينثر، ويجري قلمه في ميدان البلاغة ولا يعثر، يأتي فكره بقصائد كأنها قلائد، ونثره برسائل كلها فرائد:
لا تطلبن كلامه متشبهاً ... فالدر ممتنع على طلابه
كلم كنظم العقد يحسن تحته ... معناه حسن الماء تحت حبابه
خطب في حياة والده، وهو خالي الوجنة من النبات، وحير العقول بماله من الإقدام والثبات، وكان وهو أمرد يفتن القلوب بنظره، ويقسم الأفق أنه أحسن من قمره.
ومات والده وهو عار من حلي الآداب سار في ميعة الصبا والشباب، فلما مات والده - رحمه الله تعالى اجتهد ودأب، وتمسك بعرا الفضل والأدب، فنظم ونثر وكتب.
ولم يزل على حاله إلى أن خاطبه الخطب فجاءه، ولم يدفع الطبيب داءه.
وتوفي رحمه الله تعالى - يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ومولده بدمشق، تقريباً سنة تسع وسبع مئة.
стр. 2550
صلى الظهر بالناس يوم الاثنين، وجاء إليه المؤقت فقال له: إن بعض المؤذنين ما يلازم التأذين، فأحضره وأنكر عليه، وحصل له منه غيظ، دخل بعد ذلك إلى بيته ونام فجأة على فراشه. وكذلك توفي والده رحمه الله تعالى - فجأة بصفد أيضاً، وقد تقدم ذكره في حرف الحاء مكانه.
وكان الخطيب كمال الدين يكتب خطاً حسناً وهو من بيت بلاغة وكتابة، وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات، ذكرت أكثرها في كتابي " ألحان السواجع بين البادي والمراجع "، وكنت أود ما يوده، وأختار ما يختاره من مسكنه دمشق - رحمه الله تعالى - وما اتفق له ذلك.
وكان قد كتب هو إلي من صفد في أواخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
سلام كنشر المسك يسري ويعبق ... على معهد كالبدر يعلو فيشرق
ومشهد أنس حله من أحبتي ... موال لهم في شاهد المجد مشرق
وسادات عز قيدوا القلب في الهوى ... على حبهم والدمع في الخد أطلقوا
يذكرنيهم كل شيء يروقني ... فلي بهم مع كل حسن تعلق
ويذكي فؤادي هجرهم وبعادهم ... ولي نحوهم في كل حين تشوق
يردده سار ينم به الشذا ... ويخبر عن جار من الدمع يسبق
ويتلو على سمع التعطف منهم ... حديثي عسى يوماً يرق ويشفق
ويرفع حالاً نكرت وصف لمتى ... بعطف ابتداء لي على الود ينسق
وينسخ أشواقي بريحان قربه ... ويرقمه حقاً دنوي المحقق
أأحبابنا إن لم أفز بلقائكم ... فمنوا بطيف في الكرى وتصدقوا
стр. 2551
فقد طال هذا البعد والزمن انقضى ... بأحلام قرب لا تتم فتصدق
وإن كان مع بعدي صحيحاً ودادكم ... أكيد ولكن التداني أوفق
سقى دوحةً كنا نلوذ بظلها ... من القرب سحاح الندى متدفق
وحيا زماناً كان فيه بوصلكم ... لسان حبوري بالمسرات ينطق
فما كان أهنا عيشنا وألذه ... وما راعنا بعد ولا شاب مفرق
ولا فرقت أيدي الحوادي شملنا ... ولا بات قلبي من لقا البين مورق
فواهاً على أوقات قرب قطعتها ... بكم وشبابي مائس الغصن مورق
ووصلكم داني الجنى في ربا المنى ... وصافي التصافي بيننا يترقرق
مضت بسلام ثم أعقبت الأسى ... فؤاداً سوى إعراضكم ليس يفرق
فما ذات طوق راعها فقد إلفها ... وأشجى حشاها بينه والتفرق
وأنطقها بالنوح في الدوح والبكا ... غريم غرام شفها والتحرق
بأشجى فؤاداً أو أشد تشوقاً ... وأحرى لعبرات بها العين تشرق
وأبرح مني أو بأذكى تلهباً ... على قرب إلف أو على الطيف يطرق
لعمري لقد كنت البعيد مزاره ... فحبك في سوداء قلبي ملصق
وإن تنكر الأيام ما لي عندها ... فأنت على دعوى ودادي مصدق
فديتك كن لي في ودادي معاضداً ... فأنت بإسعادي أحق وأخلق
ورأيك مسعود فكن لي مساعداً ... فإنك ذو الرأي السعيد الموفق
وإن أنت لم تسمع لقول شكايتي ... فعش سالماً مما يسوء ويرهق
فشكري أياديك الجميلة واجب ... أقوم به ما دمت أحيا وأرزق
стр. 2552
وأسجع من مدحي بكل غريبة ... لأني بعقد المن منك مطوق
فدم في بقاء ينبت العز والغنى ... فأنت لنا الكنز الذي منه ننفق
يقبل الأرض التي يسأل الله تعالى أن يحمي حماها من الغير، ويجعلها كعبة تطوف بها الآمال والفكر، وأن يمنح ربها من مزيد النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وينهي أشواقه التي أصبح من حرها على خطر، ويذكره الذي كم له فيه من وطر، فلا يخلو منه أين كان ولا أنى نظر، وصحيح وده الذي هو بنقل الثقات معتبر، وحديث حبه المستطر، وقديم ولائه الذي هو للسان الملأ سمر.
وتلك نسبة رق قد عرفت بها ... حفظ الولا منكم حق لها يجب
يا مالكي أين إسعافي بما طمعت ... نفسي به من بعيد الدار يقترب
فقد سئمت حياتي مع بعادكم ... وقد خشيت الردى تأتي به النوب
وإن قضيت ولم يقض اللقاء لنا ... فكم مضى بحزازات الحشا وصب
فلا تعينوا على قلبي بقسوتكم ... فقد كفاه الجفا والشوق والنصب
وإن تباخل أحبابي بقربهم ... فالرسل والطيف يكفي الصب والكتب
وإن تجنوا برفع الود من خبر ... فالعبد للحب في الحالين ينتصب
فكتبت أنا الجواب إليه من رأس القلم ارتجالاً:
تحية ذي ود براه التشوق ... وأضناه بل أفناه وجد مؤرق
تروق كم راقت معاني حديقة ... إليها عيون الناظرين تحدق
وتأتي بلطف من تخص ربوعه ... كدمعة صب ودقها يترقرق
إلى مجدك السامي البنا الغامر الثنا ... تروح وتغدو دائماً تتأنق
стр. 2553
بعثت كمال الدين نحوي مشرفاً ... عقود لآليه لجيدي تطوق
تنزهت منه في رياض بلاغة ... بها أدب أنهاره تتدفق
كأن قوافيه كؤوس يديرها ... على السمع مني البابلي المعتق
قوى في قوافيه التي قد تمكنت ... يخور لها عند البيان الخورنق
به ألفات كالغصون تقومت ... من الهمز يعلوها الحمام المطوق
ولا عين إلا مثل عين مريضة ... يهيم بها في الناس من يتعشق
ولا ميم إلا مبسم من رضابه ... رضاب يحاكيه المدام المروق
وأين البها أعني زهيراً فلو رأى ... أزاهر هذا كان في الحال يطرق
وذلك شعر ليس للناس مثله ... ولكن ذا أندى وأحلى وأرشق
وذاك قريض قد سما للسما وذا ... على أذن الجوزاء قرط معلق
وذاك إمام في البلاغة شامل ... وهذا موشى بالبديع موشق
فأذكرتني عهد الصبا بقدومه ... وذلك عهد الصبا معرق
إذا ذكرت نفسي زماناً قطعته ... وغصن الصبا ريان باللهو مورق
تصوب على خدب سحائب أدمع ... فلولا زفيري كنت بالدمع أغرق
ولو كان لي صبر لقيت به الأسى ... ولكن ثوب الصبر عني ممزق
فيازمني بالغت في عكس مقصدي ... فما لي بالحرمان أرزى وأرزق
فلا وطني يدنو ولا وطري أرى ... ومن دون ما أبغيه هام تفلق
أمولاي مدت بيننا حجب النوى ... وما رفعت والعمر من ذاك أضيق
فإن كان مولانا صفد صفت ... فإنك قد جلت بقربك جلق
стр. 2554
وهبك خطيباً قد علا فوق منبر ... أما في دمشق منبر بك أليق
أدم شق لج البين في عرصاتها ... فكم من أناس أفلحوا مذ تدمشقوا
وجدد لباس العز في غير ربعها ... فطول مقام المرء في الحي مخلق
وضم بنا شمل التآلف واللقا ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
فكل مكان ينبت العز طيب ... وفي كل أفق للسعادة مشرق
فلو وضحت لي من مرادك لمحة ... لكنت لوفد الريح والبرق أسبق
فما أنا في حفظ الوفا متاصنعاً ... ولا أنا للزور القبيح منمق
وأنت فتدري ما قضته جبلتي ... فما أدعي إلا وأنت تصدق
ولكن دهراً قد بلينا بأهله ... أباعوا به ثوب النفاق ونفقوا
أناس تنازلنا إلى أن ترفعوا ... علينا ألا يا ليتهم لو ترفقوا
فكانوا أصولاً في صحائف عزهم ... ونحن على بعض الهوامش ملحق
فثق بقضاء الله وارض بحكمه ... فلي أمل لا بد فيك يحقق
يقبل الأرض وينهي ورود المثال الكريم الذي فضح كماله القمر، وسلب بسحره الألباب وقمر، وأحيا رسم البلاغة، فساد بما شاد وعمر، وهمى غمام فضله وسقى رياض الفصاحة وهمر، وقسم نظمه ونثره فهذا للندامى غناء، وهذا للمحدثين سمر، وخالف العادة لأنه جاء بستاناً في ورقه، إلا أن جميعه زهر وثمر، وأمر ونهى في سلطان فضله، فأذعن الفصحاء له وقالوا له: السمع والطاعة فيما نهى وأمر، وأطرب
стр. 2555
المسامع فعلم أن من أنشأه لو شاء بالطرس طبل وزمر، فوقف المملوك على أبياته وآمن بآياته وعلم أنه يقصر عن مباراة مباديه وهو في غاياته، وتصور عتبه فتضور وتفكر في أمره الأمر فتكفر، وتربض لما يدبره في معناه فما تصبر، وترفق للحيلة فما رأى لها دليلاً تقرر، وتحرى فيما يعتمده فما وجد فيه بحثاً تحرر:
سوى حضورك في أمن وفي دعة ... ليقضي الله ما نرجو ونرتقب
أو فالتصبر أولى ما ادرعت له ... فالسول يقضى به والقصد والأرب
فلي أماني خير فيك أرقبها ... أرى بعيد مداها وهو مقترب
فلا يضيق لك صدر من أذى زمن ... أيامه تمنح الحسنى وتستلب
وربما كان مكروه الأمور إلي ... معروفها سبباً ما مثله سبب
وكنت قد كتبت له توقيعاً من الفخري لما كان بدمشق، على أن يكون موقعاً بصفد في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، ونسخته:
رسم بالأمر العالي، لا زال يزيد بدور أوليائه كمالا، ويفيد سفور نعمائه جمالاً، ويعيد وفور آلائه على من بهر بفوائده التي غدا سحر بيانها حلالا، أن يرتب المجلس السامي القضائي الكمالي في كذا، لأنه الأصيل الذي ثبت في البيت الأموي ركنه، وتفرع في الدوحة العثمانية غصنه، وكمل قبل بلوغ الحلم حلمه، فلم يكن في هضبات الأبرقين وزنه، وألف حين أشبل غاب المجد حتى كأنه كنه، والبليغ الذي تساوى في البديع نظمه ونثره، وخلب العقول من كلامه سحره، وفاق زهر الليالي لآليه
стр. 2556
ودراريها دره، والفاضل الذي ألقى إليه العلم فضل الرسن ومج السهاد فم جفنه وغيره قد ذر الكسل فيها فترة الوسن، وبهر في مذهبه فللشافعية به كما للحنفية
محمد بن الحسن
، والخطيب الذي يعلو صهوة المنبر فيعرفه وإن لم يضع العمامة، ويطمئن له مطاه حتى كأنه بينه وبين علميه علامه، ويبرز في سواد شعاره بوجه يخجل البدر إذا بدا في الغمامة، ويود السمع إذا أطاب لو أطال، فإنه ما سامه منه سآمه، ويغسل دون الذنوب إذا أيه بالناس وذكر أهوال القيامة، ويتحقق الناس أن كلامه روض ومنبره غصن، وهو في أعلاه حمامه.
فليباشر ذلك مباشرةً هي في كفالة مخائله، وملامح شمائله، ومطامح الآمال في نتيجة المقدمات من أوائله، وليدبج المهارق بأقلامه التي تنفث السحر في العقد، وتشب برق الإسراع حتى يقال: هذا الجمر قد وقد، وتنبه على قدر هذا الفن فإنه من عهد والده خمل وخمد، وتنبهه فإن ما رقى لما رقد، ليسر ذلك الليث الذي شب له منه شبله، وذلك الغيث الذي فض له منه فضله، والوصايا كثيرة وهو غني عن شرحها. ملي بحراسة سرحها، فلا يهدى إلى هجره منها تمره، ولا يلقن إلى بحره منها دره، ولكن تقوى الله تعالى أعم الوصايا وأهم نفعاً مما في حنايا الزوايا من الخبايا، وهو بها يأمر الناس على المنابر، والآن تنطق بها ألسنة أقلامه من أفواه
стр. 2557
المحابر، فليكن بها أول مأمور، وأول متصف أسفر له صبحها من سواد الديجور. والله يزيده فضلا، ويزيده من القول المحكم فصلا.
والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه حجة ثبوته، والعمل بمقتضاه إن شاء الله تعالى.
محمد بن الحسن
الأمير ناصر الدين ابن الأمير عماد الدين بن النشائي.
كان أمير عشرة مقدماً على خمسين بدمشق، وأحد الحجبة بين يدي النواب وأخذ حكومة البندق بعد الأمير سيف الدين بلغاق المقدم ذكره في حرف الباء.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وصلي عليه بالجامع الأموي ودفن بسفح قاسيون.
محمد بن الحسن بن يوسف الأرموي
الفقيه المحدث الصالح، صدر الدين الشافعي نزيل دمشق.
قدم دمشق ولزم ابن الصلاح، وحدث عنه، وعن كريمة، والتاج بن حموية، وابن قميرة، وعدة، وتفقه وحصل وتعبد.
قال شيخنا الذهبي: كتبت أنا عنه وسائر الرفاق.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع مئة.
ومولده سنة عشر وست مئة.
стр. 2558
محمد بن الحسن
الأمير صلاح الدين أبو الحسن ابن الملك الأمجد مجد الدين ابن السلطان الملك الناصر داود ابن السلطان الملك المعظم عيسى ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
سمع حضوراً من والده، وروى عنه، وسمع من ابن البخاري والفاروثي وجماعة. وكانت له ديون كثيرة.
ولم يزل في تعب إلى أن توفي - رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده في رابع عشري القعدة سنة أربع وستين وست مئة.
محمد بن الحسين بن محمد
ابن يحيى الأرمنتي، جمال الدين.
كان فقيهاً ذكيا، كريم النفس أبيا، لطيف الذات، ظريف الصفات، نهايةً في السماح، لا يلحقه البرق في ذلك ولا عاصف الرياح، حتى أفضى به ذلك إلى الفقر، وأدى بحاله إلى العقر.
وكان أديباً ناظماً ناثرا، إذا جرى في فن الإنشاء لم يكن عاثرا.
ولم يزل على حاله إلى أن حضرت منيته، وانقطعت من الحياة أمنيته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بأرمنت سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
كان قد أخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين القفظي، والشيخ جلال الدين أحمد
стр. 2559
الدشناوي، والأصول عن الشيخ شهاب الدين القرافي والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الجزري الخطيب، وأصول الدين والمنطق عن بعض العجم، وذكر للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فقال: الفقيه ابن يحيى ذكي جداً، فاضل جداً. وتولى الحكم بأدفو، ناب في الحكم بقوص وبنى بأرمنت مدرسةً ودرس بها.
ومن شعره:
عريب النقى قلبي بنار الجوى يكوى ... وجيدي عنكم دائم الدهر لا يلوى
ولي مقلة تبكي اشتياقاً إليكم ... ولي مهجة ليست على هجركم تقوى
نشرتم بساط البعد بيني وبينكم ... ألا يا بساط البعد قل لي متى تطوى
بعادكم والله مر مذاقه ... وقربكم أحلى من المن والسلوى
محمد بن الحسين
بن تغلب
موفق الدين الأدفوي خطيب أدفو.
كان فيه كرم وجود وسماح، شاع خبره في الوجود، وله في الطب يد باسطه، وقوة في العلاج ناشطة، وينظم وينثر، ويخطو لما يخطب فلا يعثر. ومعرفته بالوثائق جيدة وكتابته.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح فلم يجد لعلته علاجا، وأمسى وقد اتخذ إلى المعاد معاجا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة سبع وتسعين وست مئة.
стр. 2560
قال الفاضل كما الدين الأدفوي: رأيته مرات، وكان يأتي الجماعة أصحابنا أقاربه فيسمعهم يشتمونه، فيرجع ويأتي من طريق أخرى حتى لا يتوهموا أنه سمعهم.
ووقفت له على كتاب لطيف تكلم فيه على تصوف وفلسفة.
وكان وصياً على ابن عمه وعليه ثمر للديوان وقف، عليه منه خمسة وعشرين أردباً، فشدد الطلب عليه، فتقدم الخطيب إلى الأمير وأنشده:
وقفت علي من المقرر خمسة ... مضروبة في خمسة لا تنكر
من ثمر ساقية اليتيم حقيقةً ... ليت السواقي بعدها لا تثمر
حمت النصارى بينهم رهبانهم ... وأنا الخطيب وذمتي لا تخفر
واجتمع يوماً بالجامع جماعة وعملوا طعاماً وطلبوا جعفر المؤذن ولم يطلبوا الخطيب، فبلغه ذلك، فكتب إليهم أبياتاً منها:
وكيف رضيتم بما قد جرى ... صحبتوا المؤذن دون الخطيب
أمنتم من الأكل أن تمرضوا ... ويحتاج مرضاكم للطبيب
قال: وكان يمشي للضعفاء والرؤوساء ويطبهم - رحمه الله تعالى -.
следующие страницы →