Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
ودراريها دره، والفاضل الذي ألقى إليه العلم فضل الرسن ومج السهاد فم جفنه وغيره قد ذر الكسل فيها فترة الوسن، وبهر في مذهبه فللشافعية به كما للحنفية
محمد بن الحسن
، والخطيب الذي يعلو صهوة المنبر فيعرفه وإن لم يضع العمامة، ويطمئن له مطاه حتى كأنه بينه وبين علميه علامه، ويبرز في سواد شعاره بوجه يخجل البدر إذا بدا في الغمامة، ويود السمع إذا أطاب لو أطال، فإنه ما سامه منه سآمه، ويغسل دون الذنوب إذا أيه بالناس وذكر أهوال القيامة، ويتحقق الناس أن كلامه روض ومنبره غصن، وهو في أعلاه حمامه.
فليباشر ذلك مباشرةً هي في كفالة مخائله، وملامح شمائله، ومطامح الآمال في نتيجة المقدمات من أوائله، وليدبج المهارق بأقلامه التي تنفث السحر في العقد، وتشب برق الإسراع حتى يقال: هذا الجمر قد وقد، وتنبه على قدر هذا الفن فإنه من عهد والده خمل وخمد، وتنبهه فإن ما رقى لما رقد، ليسر ذلك الليث الذي شب له منه شبله، وذلك الغيث الذي فض له منه فضله، والوصايا كثيرة وهو غني عن شرحها. ملي بحراسة سرحها، فلا يهدى إلى هجره منها تمره، ولا يلقن إلى بحره منها دره، ولكن تقوى الله تعالى أعم الوصايا وأهم نفعاً مما في حنايا الزوايا من الخبايا، وهو بها يأمر الناس على المنابر، والآن تنطق بها ألسنة أقلامه من أفواه
стр. 2557
المحابر، فليكن بها أول مأمور، وأول متصف أسفر له صبحها من سواد الديجور. والله يزيده فضلا، ويزيده من القول المحكم فصلا.
والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه حجة ثبوته، والعمل بمقتضاه إن شاء الله تعالى.
محمد بن الحسن
الأمير ناصر الدين ابن الأمير عماد الدين بن النشائي.
كان أمير عشرة مقدماً على خمسين بدمشق، وأحد الحجبة بين يدي النواب وأخذ حكومة البندق بعد الأمير سيف الدين بلغاق المقدم ذكره في حرف الباء.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وصلي عليه بالجامع الأموي ودفن بسفح قاسيون.
محمد بن الحسن بن يوسف الأرموي
الفقيه المحدث الصالح، صدر الدين الشافعي نزيل دمشق.
قدم دمشق ولزم ابن الصلاح، وحدث عنه، وعن كريمة، والتاج بن حموية، وابن قميرة، وعدة، وتفقه وحصل وتعبد.
قال شيخنا الذهبي: كتبت أنا عنه وسائر الرفاق.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع مئة.
ومولده سنة عشر وست مئة.
стр. 2558
محمد بن الحسن
الأمير صلاح الدين أبو الحسن ابن الملك الأمجد مجد الدين ابن السلطان الملك الناصر داود ابن السلطان الملك المعظم عيسى ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
سمع حضوراً من والده، وروى عنه، وسمع من ابن البخاري والفاروثي وجماعة. وكانت له ديون كثيرة.
ولم يزل في تعب إلى أن توفي - رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده في رابع عشري القعدة سنة أربع وستين وست مئة.
محمد بن الحسين بن محمد
ابن يحيى الأرمنتي، جمال الدين.
كان فقيهاً ذكيا، كريم النفس أبيا، لطيف الذات، ظريف الصفات، نهايةً في السماح، لا يلحقه البرق في ذلك ولا عاصف الرياح، حتى أفضى به ذلك إلى الفقر، وأدى بحاله إلى العقر.
وكان أديباً ناظماً ناثرا، إذا جرى في فن الإنشاء لم يكن عاثرا.
ولم يزل على حاله إلى أن حضرت منيته، وانقطعت من الحياة أمنيته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بأرمنت سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
كان قد أخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين القفظي، والشيخ جلال الدين أحمد
стр. 2559
الدشناوي، والأصول عن الشيخ شهاب الدين القرافي والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الجزري الخطيب، وأصول الدين والمنطق عن بعض العجم، وذكر للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فقال: الفقيه ابن يحيى ذكي جداً، فاضل جداً. وتولى الحكم بأدفو، ناب في الحكم بقوص وبنى بأرمنت مدرسةً ودرس بها.
ومن شعره:
عريب النقى قلبي بنار الجوى يكوى ... وجيدي عنكم دائم الدهر لا يلوى
ولي مقلة تبكي اشتياقاً إليكم ... ولي مهجة ليست على هجركم تقوى
نشرتم بساط البعد بيني وبينكم ... ألا يا بساط البعد قل لي متى تطوى
بعادكم والله مر مذاقه ... وقربكم أحلى من المن والسلوى
محمد بن الحسين
بن تغلب
موفق الدين الأدفوي خطيب أدفو.
كان فيه كرم وجود وسماح، شاع خبره في الوجود، وله في الطب يد باسطه، وقوة في العلاج ناشطة، وينظم وينثر، ويخطو لما يخطب فلا يعثر. ومعرفته بالوثائق جيدة وكتابته.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح فلم يجد لعلته علاجا، وأمسى وقد اتخذ إلى المعاد معاجا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة سبع وتسعين وست مئة.
стр. 2560
قال الفاضل كما الدين الأدفوي: رأيته مرات، وكان يأتي الجماعة أصحابنا أقاربه فيسمعهم يشتمونه، فيرجع ويأتي من طريق أخرى حتى لا يتوهموا أنه سمعهم.
ووقفت له على كتاب لطيف تكلم فيه على تصوف وفلسفة.
وكان وصياً على ابن عمه وعليه ثمر للديوان وقف، عليه منه خمسة وعشرين أردباً، فشدد الطلب عليه، فتقدم الخطيب إلى الأمير وأنشده:
وقفت علي من المقرر خمسة ... مضروبة في خمسة لا تنكر
من ثمر ساقية اليتيم حقيقةً ... ليت السواقي بعدها لا تثمر
حمت النصارى بينهم رهبانهم ... وأنا الخطيب وذمتي لا تخفر
واجتمع يوماً بالجامع جماعة وعملوا طعاماً وطلبوا جعفر المؤذن ولم يطلبوا الخطيب، فبلغه ذلك، فكتب إليهم أبياتاً منها:
وكيف رضيتم بما قد جرى ... صحبتوا المؤذن دون الخطيب
أمنتم من الأكل أن تمرضوا ... ويحتاج مرضاكم للطبيب
قال: وكان يمشي للضعفاء والرؤوساء ويطبهم - رحمه الله تعالى -.
стр. 2561
محمد بن الحسين
الشيخ شمس الدين الغوري، بضم الغين المعجمة وسكون الواو بعد راء، الحنفي المدرس.
كان فاضلاً، وكان في لسانه عجمة، وكتب بخطه كتباً في العربية، ووقع المسكين في لسان الفخر عثمان النصيبي، فجعل يمسخر به في حكاياته، ويذكر وقائعه ويزيد في بعضها من مضحكاته. ولقد حكي عنه مرة حكاية تنمر فيها تنكز نائب الشام ورسم بقتل الشيخ شمس الدين بالمقارع، وما خلص من ذلك إلا بالجهد.
وأهل دمشق يحكون عنه حكايات مشهورة بينهم.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
محمد بن الحسين بن القاسم
ابن علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، الصدر الأصيل بدر الدين ابن العدل عماد الدين ابن الحافظ بهاء الدين ابن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر.
كان رجلاً حسناً.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن ابن أبي اليسر، وسمع على جماعة، وشهد على الحكام بدمشق، وولي الولايات من جهة الكتابة، وحج وأقام باليمن مدة، وكان له ثلاثة أولاد نجباء قدمهم بين يديه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
стр. 2562
محمد بن الحسين بن عبد الله
ابن الحسين، زين الدين أبو عبد الله القرشي ابن الفويي.
روى " الخلعيات " كاملة عن ابن العماد، وكان من الفقهاء بمصر.
وكان عدلاً خيراً، عمر وتفرد في وقته، وأخذ الناس عنه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سادس عشري المحرم سنة ثلاث وسبع مئة.
ومولده سنة أربع عشرة وست مئة.
وأجاز شيخنا البرزالي.
محمد بن الحسين بن عتيق
ابن رشيق، الشيخ الإمام علم الدين المصري المالكي.
سمع " الأربعين المخرجة " لابن الجميزي عليه، وسمع " صحيح " مسلم من ابن البرهان.
وكان فقيهاً عارفاً بالمذهب مفتياً، ولي نيابة القضاء بالإسكندرية نحو اثنتي عشرة سنة، وليها قبل شرف القضاة ابن الربعي نحو سنة وأكثر، ثم وليها بعده بقية المدة، ثم عزل واستمر إلى أن مات.
وكان متعيناً للقضاء، وعينه بدر الدين بن جماعة لقضاء دمشق، وكان يقول: ما عندي مثله.
стр. 2563
وتوفي - رحمه الله تعالى - حادي عشر المحرم سنة عشرين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
وكان يكتب في الإجازات:
أجزت لهم أبقاهم الله كل ما ... رويت عن الأشياخ في سلف الدهر
وما سمعت أذناي من كل عالك ... وما جاد من نظمي وما راق من نثري
على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... برياً من التصحيف عار من النكر
وبالله توفيقي عليه توكلي ... له الحمد في الحالين والعسر واليسر
محمد بن الحسين
السيد الشريف شمس الدين ابن السيد شهاب الدين الحسيني الموقع، تقدم نسبه في ترجمة والده رحمهما الله تعالى.
كان يكتب خطاً حسناً، ويجعل الطروس بسطوره تختال بين سناء وسنى، كأن المهارق تحت خطه خمائل، وألفاته فيها غصون تتمايل، وكان والده ينشئ وهو يكتب، فما ترى أحداً يتعنت ولا يعتب.
ولم يزل على حاله إلى أن لحق أباه قريبا، وما خلص من شرك المنية من كان الأجل لأجله رقيبا.
وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في حادي عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده ...
وكان قد دخل إلى توقيع الدست الشريف بالديار المصرية لما توجه والده لكتابة
стр. 2564
السر بحلب، واستمر على ذلك، وحضر صحبة ركاب السلطان الملك الصالح في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وحضر صحبة ركاب السلطان المنصور صلاح الدين محمد بن حاجي إلى دمشق، وعاد إلى مصر.
وكان قد اختص بالكتابة عند الأمير سيف الدين الداودار، وما سمعت له بنظم ولا نثر، وإنما كان عنده من إنشاء والده شيء كثير إلى الغاية.
محمد بن حسينا الأمير
كان قد حكم في مملكة التتار بأذربيجان، أعطاه يوماً النوين جوبان قدحاً ليشربه، وذلك في سنة أربع وعشرين وسبع مئة فقال: إن لم تشربه تؤدي ثلاثين توماناً من المال، فقال: أنا أؤدي ذلك ولا أشربه، فأشار جوبان إلى جماعة بأن يلازموه على المبلغ، فخرج محمد حسينا من عنده، ومضى إلى الأمير نكباي وهو ذو مال عظيم، فقال له: أعطني ثلاثين توماناً، فقال له: بربح عشرة توامين، فقال: نعم، وكتب عليه حجة بأربعين توماناً وسلمها إليها، فقال الأمير نكباي للجماعة الذين هم مع حسينا: اذهبوا إلى النوين جوبان وقولوا له: إن المال عندي، فهل أحمله إلى خزانته أو أسلمه إلى العسكر، وأي شيء تريد من النقود. فحضروا إلى جوبان وعرفوه ذلك، فطلب محمد حسينا، وقال له: تعطي أربعين توماناً من الذهب ولا تشرب قدحاً من الخمر؟! قال: نعم. فأعجب جوبان ذلك، وخلع عليه ملبوسه، ومزق الحجة، وحكمه حكماً قوياً، وصار عنده مقرباً.
стр. 2565
محمد بن الحشيشي
الشمس الرافضي الموصلي.
قال شيخنا الذهبي، ومن خطه نقلت: حدثني الإمام محمد بن منتاب أن عز الدين يوسف الموصلي، كتب إليه وأراني كتابه قال: كان رفيق معنا في سوق الطعام، يقال له الشمس بن الحشيشي، كان يسب أبا بكر وعمر ﵄ ويبالغ، فلما ورد شأن تغيير الخطبة إذ ترفض القان خربندا، افترى وسب. فقلت له: يا شمس، قبيح عليك أن تسب هؤلاء، وقد شبت. مالك ولهم وقد درجوا من سبع مئة، والله تعالى يقول: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم " فكان جوابه: والله إن أبا بكر وعمر وعثمان في النار، قال ذلك في ملأ من الناس، فقام شعر جسدي، فرفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهم يا قاهر فوق عباده يا من لا يخفى عليه شيء، أسألك بنبيك إن كان هذا الكلب على الحق فأنزل بي آية، وإن كان ظالماً فأنزل به ما يعلم هؤلاء الجماعة أنه على الباطل في الحال. فورمت عيناه حتى كادت تخرج من وجهه، واسود وجهه وجسمه حتى بقي كالقير، وخرج من
стр. 2566
حلقه شيء يصرع الطيور، فحمل إلى بيته، فما جاوز ثلاثة أيام حتى مات، ولم يتمكن أحد من غسله مما يجري من جسمه وعينيه. ودفن.
قال ابن منتاب: جاء إلى بغداد أصحابنا وحدثوا بهذه الواقعة، وهي صحيحة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة.
محمد بن حمزة بن أحمد بن عمر
القدوة الشيخ الصالح شمس الدين أبو عبد الله المقدسي الحنبلي.
سمع حضوراً من ابن اللتي، وجعفر الهمذاني، وسمع من كريمة، والضياء، وجماعة. وتفقه ودرس وأفتى وأتقن المذهب.
قرأ الحديث بالصالحية التي بالسفح وكتب الخط المليح.
وكان صالحاً خيراً إمام أماراً بالمعروف، داعية إلى ما يعتقده، يحط على من خالفه.
ناب في القضاء عن أخيه مديدة قبل موته.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
стр. 2567
محمد بن حمزة بن عبد المؤمن
أمين الدين الأصفوني الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً متديناً، تولى الحكم بأبوتيج، وتولى إسنا، وأعاد بمدرسة سيوط.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده بسيوط.
محمد بن حمزة بن معد
الفرجوطي، مجد الدين.
كان له أدب ونظم. قال كمال الدين الأدفوي: أنشدني ابن أخيه أبو عبد الله محمد قال: أنشدني عمي لنفسه:
يا سيداً أسند في جاهه ... بجانب عز به جانبي
عساك أن تنظر في قصة ... واجبة تطلق لي واجبي
أوصلك الله إلى مطلب ... مؤيد بالطالب الغالب
وتوفي رحمه الله تعالى بفرجوط سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
стр. 2568
محمد بن الخضر بن عبد الرحمن
ابن سليمان بن علي، القاضي تاج الدين بن زين الدين، المعروف بابن الزين خضر.
كان من جملة كتاب الدرج بباب السلطان، ثم إنه كتب قدام الوزير الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، وكان حظياً عنده، وكان يجلس في دار العدل هو وشمس الدين بن اللبان خلف موقعي الدست على عادة كتاب الدرج للوزير. ثم إن السلطان الملك الناصر محمد جهزه إلى حلب كاتب سرها لما عزل القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود. فتوجهه إليها في أوائل سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فباشرها إلى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة فحضر أو أوائلها صحبة الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب إلى باب السلطان، فهزلهما معاً، وجهز بدلهما الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائباً والقاضي شهاب الدين أحمد بن القطب كاتب سر، فأقام القاضي تاج الدين بمصر بطالاً مدة.
وكان الأمير سيف الدين طاجار يعتني به كثيراً، فسعى له حتى رتب من موقعي الدست بين يدي السلطان، فأقام على ذلك مدة. فلما توفي القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب سر دمشق، رسم السلطان الملك الكامل للقاضي تاج الدين بكتابه سر دمشق عوضاً عنه، فحضر إليها في سلخ شعبان سنة ست وأربعين وسبع مئة، وأقام بها إلى ثامن شهر ربيع الآخر من السنة الثانية.
стр. 2569
وتوفي ليلة الجمعة من الشهر سنة سبع وأربعين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون وصلى الناس عليه والقضاة والأعيان، وكان مرضه بدوسنطاريا انقطع به ثمانية أيام.
محمد بن خلف بن محمد بن عقيل
الشيخ بدر الدين المنبجي التاجر السفار.
كان رئيساً متمولاً معروفاً بالدين والعقل والثقة، يحضر بمجالس الحديث، ويسمع لأولاد ابنه.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
محمد بن خليل
الشيخ شمس الدين الصوفي.
سمع من الشيخ شمس الدين أبي بكر محمد بن إبراهيم المقدسي، وأبي الهيجاء غازي بن أبي الفضل بن الحلاوي، وغيرهما. حدث مراراً. أجاز لي ...
стр. 2570
محمد بن دانيال بن يوسف
الخزاعي الموصلي، الحكيم الفاضل الشاعر الأديب شمس الدين.
صاحب النظم الحلو، والقريض الذي ليس فيه بيت من النكت خلو، والنثر العذب الرائق، والكلام الذي أصبح وهو على زهر الرياض فائق، والطباع الداخله، والمخيلة التي هي بالصواب غير باخله.
كان ابن حجاج عصره، وابن سكرة مصره. لو كانا حيين لقلداه المجون. وعلما أن نكته تفعل بالألباب ما لا تفعله ابنة الزرجون. قد لطف كلامه، وظرف نظامه، يأتي بمضحكات تعجب منها الثكالى، وتنشط الكسالى، لو رآه أبو نواس لما قال: " أما ترى الشمس حلت الحمل ".
أو ابن الهبارية لما نظم " حي على خير عمل ". وكان لا يبالي بما يقول من سخفه، ولا يستحي في المجون إذا رفع مرخى سجفه:
لو عابه سيبويه قال له: ... خرا الكسائي في لحية الفراء
ولم يزل على حاله إلى أن استجن حشا ضريحه، وأوحش الزمان وأهله خفة روحه.
стр. 2571
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة ليلة الأحد ثاني عشري جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة.
وكان ابن دانيال رحمه الله تعالى طبيباً كحالاً، أديباً شاعراً مطبوعاً على الدخول في أقواله وأفعاله. توجه صحبة الأمير سيف الدين سلار إلى قوص ومع الأمير سلار حسن الحليق، وكان من جملة مماليك سلار غلام جميل الصورة، له صورة عند أستاذه، فتمشى الحليق ومعه الخادم، فوجدا ظل جميز وجدولاً يجري، فرقد الحليق هناك، ونام الخادم عنده، فطلبه أستاذه فلم يجده، ففرق المماليك في طلبه، فوجدهما على تلك الحالة، فأحضروا وقد اشتد غضب سلار، فلما رأى ابن دانيال ذلك تقدم وقال: يا خوند، أقول لك ما تفعل بهذين، فقال: قل. قال: احلق ذقن هذا القواد حسن، واخص هذا الخادم. فضحك سلار وسكن غضبه.
حكى لنا شيخنا الحافظ فتح الدين قال: اجتزنا جماعة به وهو في دكان داخل باب الفتوح والناس عليه مجتمعون، فقالوا: تعالوا نخايل على الحكيم، فقلت لهم: ما أنتم وزنه فلا تشاكلوه فقالوا: لا بد وهو يكحل الناس. فقال بعضنا: يا حكيم تحتاج إلى عصيات؟ فقال: لا والله، إلا ... أي من كان منكم يشتهي يقود فليتقدم قال: فقلت لهم: قلت لكم: لا تشاكلوه فما قبلتم قولي، أو كما قال.
стр. 2572
وله نوادر كثيرة من هذا النمط. يقال إن الملك الأشرف أعطاه قبل أن يلي فرساً، وقال له: هذا اركبه إذا طلعت القلعة أو سافرت معنا إلى الصيد، لأنه كان في خدمته، فلما كان بعد أيام رآه وهو راكب على حمار مكسح، فقال له: يا حكيم أين الفرس الذي أعطيناك؟ فقال: بعتها وزدت عليها واشتريت هذا الحمار، فضحك منه.
وكان له راتب لحم على ديوان السلطان فعمل في وقت استيمار، وقطع هو وغيره، فدخل على الأمير سيف الدين سلار وهو يعرج فقال له: ما بك يا حكيم؟ قال: بي قطع لحم، فضحك منه، وأمر له بإعادة مرتبه من اللحم.
وله من التصانيف كتاب " طيف الخيال " أبدع فيه وقيل: إنه أخرجه من القوة إلى الفعل، ولبس ثيابه ورقص بآلاته جميعها، وله أيضاً أرجوزة سماها: " عقود النظام في من ولي مصر من الحكام ".
ومن شعره يستهدي قطراً:
نعم أنت أولى من نؤمله قدراً ... وأكرم من نهدي المديح له درا
وما أنت إلا ديمة أي ديمة ... تسح فيحيي سحها البلد القفرا
ولو لم تكن يا ابن المكارم ديمةً ... تجود لما استهديت من جودك القطرا
فجد لي به من ساعتي إنني امرؤ ... أخاف إذا جرعت في عسل صبرا
ودعني من رفع النحاة ونصبهم ... وجرهم أن يملأوا جرتي جرا
стр. 2573
فقد لهبت عندي القطائف غلة ... عليه وأبدت ألسناً للظما حرا
وشقت له أيدي الكنافة جيبها ... وقد شيقت من طول وحشتها الصدرا
وقد صدع البين المشت لبعده ... قلوباً، فقلب اللوز منكسر كسرا
وإن جاءني مع ذلك القطر سكر ... أنقطه حتى يكون لكم شكرا
ومنه في الثقة عامل الملقة بالجيزة:
ما لي وللمنخرقه ... والعطف والمنزلقه
وغله الخالص في ... تحصيلها والملقه
ورحلتي في مركب ... بكل فدم موسقه
أرجاؤها علي من ... زحامهم مضيقه
بت بها لضيقها ... وضنكها في بوتقه
ترقص في البحر لدى ... أمواجه المصفقه
والريح لا تجري على ... طريقة متفقه
تهب غرباً وتهب ... ب تارةً مشرقه
كأنها من هوج ... رفيقنا اللص الثقه
أقبحنا خلقاً فسب ... حان الذي قد خلقه
بصورة القر فلو ... لا، ذقنه والعنفقه
وأنه الكلب لمن ... عاينه أو حققه
والكلب لو جاراه في ... خساسة ما لحقه
شيخ لنقصه وإن ... كان ثقيلاً طبقه
стр. 2574
رافقته ولم تكن ... رفاقيته رفقه
حتى إذا ما غيب الأ ... فق لدينا شفقه
وهوم الناس فلا ... عين امرئ مؤرقة
نام فكان نائماً ... كالحية المطوقه
وقام في الليل كمث ... ل من يريد السرقه
يسعى إلى عبد له ... وجه شبيه الدرقه
عبل الذراع أسود ... بشفة مشتقه
لو جاز رأس أيره ... في كم قاض فتقه
أولجه في سرمه ... ثم عليه طبقه
وفك سندان استه ... بفيشة كالمطرقه
ولم يزل حتى رمى ... بيض المخاصي زنبقه
فقلت في نفسي ترى ... خيطه أم فتقه
وعاد نحوي قائلاً ... وجحره مبصقه
ما أطيب الأير سج ... قا والخصي مدققه
ولو أتاني نكته ... على سبيل الصدقه
أحسن من ذاك وذا ... جارية معشقه
جديدة في حسنها ... وقهوة معتقه
ذات حر يضيق بالأي ... ر إلى أن يخنقه
حر رميت طيره ... من خصيتي بندقه
فخر مصروعاً ولم ... يقطع سواي سبقه
غنت فأغنت عن شدا ال ... حمامة المطوقه
لله صب لا يضي ... ع عهده وموثقه
стр. 2575
أو شادن عليه أك ... باد الورى محترقه
علق نفيس كل كه ... جة به معتلقه
يموج عند نيكه ... تحتك مثل العلقه
يكاد موج ردفه ... للصب أن يغرقه
كم ليلة ركبني ... من خلفه في الحلقه
لما استجاد عدتي ... في العرض يوم النفقه
وجونة زاهية ... بظلمة وبرزقه
ذات شواء قد غدا ... مشتملاً بجردقه
وافى ونفسي لم تزل ... إلى لقاء شيقه
لولا خلوق ثوبه ... لكدت أن أخلقه
في إثره دجاجة ... مصلوقة في مرقه
تتبع بوارانيةً ... في دهنها معرقه
فمن حبته هذه ... سبحان رب رزقه
وقال يوم كتب كتابه:
قد تجاسرت إذ كتبت كتابي ... طمعاً في مكارم الأصحاب
وهي طويلة وقد أوردتها في الجزء الأول من " التذكرة ".
стр. 2576
وقال وقد أبطلوا المنكرات في أيام الملك المنصور حسام الدين لاجين.
رأيت في النوم أبا مره ... وهو حزين القلب في مره
وعينه العوراء مقروحةً ... تقطر دمعاً قطرةً قطره
يصيح واويلاه من حسرتي ... تلك التي ما مثلها حسره
وحوله من رهطه عصبةً ... فيهم على قلتهم كثره
من كل علق مثل بدر الدجى ... قيمته في واحد بدره
مظفر اللحظ بعشاقه ... وإنما في جفنه كسره
شمس ضحى غصن نقىً قدره ... وظله من خلفه الشعره
تجميشه نقل لمن ضمه ... وجوز التينة بالتمره
يهون وزن المال في وصفه ... طالعه الميزان والزهره
ومن سحور العين فتانةٍ ... خود لها شمس الضحى ضره
تقول للعشاق من معصمي ... تنزهوا في الماء والخضره
إذا رأى عاشقها كسها ... يود لو ترضعه بظره
وكل قواد له ضرطة ... من شدقه يتبعها شخره
يسطو على العاشق في سومه ... مغالباً لما اقتضى حذره
يقول والكيفاح من خلفه ... وعنده في قوله شمره
زن ألف دينار إذا رمتها ... إن كنت ما ترضى بها بعره
سبحان من ولد في خدها الن ... قي بياضاً فوقه حمره
هيا تمتع دي بحق الوفا ... لا تترك القصف على فشره
وكل لوطي له نهمةً ... على سميط اللحم في السفره
стр. 2577
إن وسوست في وجهه فسوة ... يقل لها يا طيبها نخره
وكل زناء يرى بولة ال ... قحبة في صبحته نشره
وكل بنت ما لها عذرةً ... لكن هواها من بني عذره
سحاقةً قد كلكلت بظرها ... وما لها في دلكها شعره
وكل خمار وفي كفه ... كأس على عاتقه جره
ومن حشيشي سطيل على ... شاربه قد بقلت خضره
ومن بني حام له مزرة ... صفى لها صاحبه المزره
وكل بغاء به أبنة ... مبادل أبغى من الإبره
وكل جلاد على خلوة ... عمرةً هاجت به عميره
ومن خيالي ومن مطرب ... وزامر قد جاء في الزمره
فقلت يا إبليس ماذا الذي ... أسال من مقلتك العبره
وما الذي أزعج أشياعك النو ... كى وإن كانوا ذوي شره
فقال لي: يا بأبي أنت قد ... وقعت في مس أخت ما أكره
قلت جيوشي ووهى منصبي ... وعدت لا أمر ولا إمره
وأصبح الخمار لا يلتقي ... في بيته كوزاً ولا جره
ومنزل المزار صفر وقد ... علته من ذلته صفره
وبات قلي الفار في حسرة ... وقلبه يقلى على جمره
وكاد أن يسطو الحشيشي وأن ... يجرح بالخنجر والشفره
стр. 2578
وسائر الستات من قحبنا ... أكثرهن اليوم في الحجره
يطلبن أزواجاً فلا قحبة ... منهن إلا أصبحت حره
وكل سالوس قمار وقد ... أجاد بالعفق بها مهره
كم جهد ما أغوي وأعوي وكم ... أصفف المقصوص والطره
وكم أرى العينين مكحولة ... لمن رمي بالعين والنظره
وكم وكم أشهر في خدمة ال ... عشاق في الليل إلى بكره
وما أرى اليوم ولا عاشقاً ... إلا الذي أغويه في الندره
قد كسدت سوق المعاصي فلا ... شرب ولا قصف ولا عشره
هذا على أني ومن غيتي ... أقود لا أجر ولا أجره
فقلت: يا إبليس سافر بنا ... وطول الغيبة والسفره
إياك أن تسكن مصراً وأن ... تقربها إن كنت ذا خبره
فإن فيها صاحباً عادلاً ... مبارك الطلعة والغره
قد علم السلطان في نصحه ... لملكه ما شاع بالشهره
جزاء من خالف مرسومه ... تجريسه والضرب بالدره
وقال على لسام المشاعلة:
لا ودخان المشعل ... وضوئه المشتعل
وعرفه الذي غدا ... يزري بعرف المندل
стр. 2579
وقد جودها وهي طويلة، وقد أوردتها في الجزء الثالث من " التذكرة ". وقال:
قد عقلنا والعقل أي وثاق ... وصبرنا والصبر مر المذاق
كل من كان فاضلاً كان مثلي ... فاضلاً عند قسمة الأرزاق
وقال:
بي من أمير شكار ... وجد يذيب الجوانح
لما حكى الظبي جيداً ... حنت إليه الجوارح
وقال:
ما عاينت عيناي في عطلتي ... أقل من حظي ولا بختي
قد بعت عبدي وحماري معاً ... وصرت لا فوقي ولا تحتي
وقال:
يا سائلي عن صنعتي في الورى ... وحرفتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس
وقال:
стр. 2580
إذا ما كنت متخوماً ... فكن ضيفاً على شير
فما يخرج منه الخب ... ز إلا بالمناشير
وقال:
يا رشاً لحظه الصحيح عليل ... كل صب بسيفه مقتول
لك ردف غادرته رهن خصر ... وهو رهن كما علمت ثقيل
وقال:
وأقطع قلت له ... أنت لص أوحد
فقال هذي صنعة ... لم يبق لي فيها يد
وقال:
كم قيل لي: إذ دعيت شمساً ... لا بد للشمس من طلوع
فكان ذاك الطلوع داءً ... يرقى إلى السطح من ضلوعي
وقال قد صلبوا ابن الكازروني، وفي عنقه جرة خمر في أيام الظاهر:
لقد كان حد الخمر من قبل صلبه ... خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي ... ألا تب فإن الحد قد جاوز الحدا
стр. 2581
وقال أيضاً:
لقد منع الإمام الخمر فينا ... وصير حدها حد اليماني
فما جسرت ملوك الجن خوفاً ... لأجل الحد تدخل في القناني
وقال أيضاً:
يقولون الحكيم أبو فلان ... حوى كرماً وجوداً في اليدين
فقلت علمت ذلك وهو سمح يضيع كل يوم ألف عين
وقال أيضاً:
قطعت من يومين بطيخةً ... وجدت فيها جعس مصمودي
قالوا خرى الخولي في أصلها ... من يوم جري الماء في العود
قال في مكارم اليهودي:
مكارم ما زال في طبه ... مكارهاً واللفظ فيه اشتباه
أعني به الغارق في ذقنه ... ولست أعني غارقاً في خراه
قلت: وقد اخترت أنا " ديوانه " بالديار المصرية وهو أجمعه في الجزء الرابع عشرين من التذكرة.
стр. 2582
وللحكيم شمس الدين بن دانيال موشحة ظريفة وهي:
غصن من البان مثمر قمرا ... يكاد من لينه إذا خطرا يعقد
أسمر مثل القناة معتدل
ولحظه كالسنان منصقل
نشوان من خمرة الصبا ثمل
عربد سكراً علي إذ خطرا ... كذاك في الناس كل من سكرا عربد
يا بأبي شادن فتنت به
يهواه قلبي على تقلبه
مذ زاد في التيه من تجنبه
أحرمني النوم عندما نفرا ... حتى لطيف الخيال حين سرى شرد
عيناه مثوى الفتور والسقم
قد زلزلا من سطاهما قدمي
سيفان قد جردا لسفك دمي
إن كان في الحب قتلتي نكرا ... فها دمي فوق خده ظهرا يشهد
لا تلحني بالملام يا عذلي
فإنني في هواه في شغل
وانظر لماذا المحب به بلي
لو عبد الناس قبله بشراً ... لكان من حسنه بغير مرا يعبد
стр. 2583
حملت وجداً كردفه عظماً
وصرت نضواً كخصره سقماً
لو أن ما بي بالصخر لأنهدما
فالحب داء لو حمل الحجرا ... لذاب من هول ذاك وانفطرا وانهد
جوى أذاب الحشا فحرقني
ونيل دمع جرى فغرقني
لكنه بالدموع خلفني
فبت أجري في الدمع منحدرا ... ذاك لأني غدوت منكسرا مفرد
بديع حسن سبحان خالقه
أحمر خد يبدي لعاشقه
مسكاً ذكي الشذا لناشقه
نمل عذار يحير الشعرا ... وفود شعر يستوقف الزمرا أسود
وقد عارض ابن دانيال بهذه الموشحة موشحة لأحمد بن حسن الموصلي الوشاح وهي:
بي رشاً عندما رنا وسرا ... باللحظ للعاشقين إذ أسرا قيد
السحر من لفظه ومقلته
والرشد من فرقه وغرته
والغي من صدغه وطرته
стр. 2584
بدر بصبح الجبين قد سترا ... بليل شعر وانظر له سترا أسود
إن قلت بدر فالبدر ينخسف
أو قلت شمس فالشمس تنكسف
أو قلت غصن فالغصن ينقصف
وسنان جفن سما عن النظرا ... وكل طرف إليه قد نظرا سهد
حاجبه مشرف على شغفي
عارضه شاهد على أسفي
ناظره عامل على تلفي
به غرامي قد شاع واشتهرا ... وسيفه في الحشا إذا اشهرا يغمد
زها بثغر كالدر والشنب
وأطلع الأقحوان كالحبب
رصع شبه اللجين في الذهب
حوى الثريا من نوره أثرا ... له أدمعي الذي نثرا نضد
عذاره النمل في القلوب سعى
والنحل من ثغره الأقاح رعى
ويوسف أيدي النسا قطعا
بالنور من وجهه سبا الشعرا ... وردني بالجفا وما شعرا مكمد
بما بأجفانه من الوطف
стр. 2585
وما بأعطافه من الهيف
وما بأردافه من الترف
ذا الأسمر اللون ردني سمرا ... وفي فؤادي من قده سمرا أملد
خلد طول الحياة في خلدي
وكابدت لاعج الجوى كبدي
ضعيف خصر يوهي قوى جلدي
فخصره حالتي قد اعتبرا ... وعن سقامي فقد روى خبرا مسند
قلت: وسيأتي في ترجمة شمس الدين محمد بن علي الدهان عدة موشحات في هذا الوزن وهي جيدة.
محمد بن داود
بن محمد بن منتاب
بضم الميم وسكون وبعدها تاء ثالثة الحروف وبعدها ألف وباء موحدة، التقي المأمون شمس الدين أبو عبد الله الموصلي السلامي الشافعي التاجر.
حضر غزاة عكا، وحفظ " التنبيه " و" الشاطبية " وسمع من أبي جعفر بن الموازيني، وببغداد من أبي القاسم وغيره.
وسافر للتجارة وغاب عن دمشق زماناً، ثم إنه عاد إليها وسكنها بعد العشرين وسبع مئة.
وكان مليح الشكل مهيباً جميل اللباس حسن البشر، دائم البذل والصدقة، خبيراً
стр. 2586
بالأمتعة، ذا خط من أوراد وتهجد ومروة، مجوداً لكتاب الله. وكان التجار يخضعون له ويحتكمون إليه وثوقاً بعلمه وورعه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة رابع عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة نيف وسبعين وست مئة.
وصلي عليه بعد الجمعة، وشيعه أمم من الناس.
محمد بن داود
المسند الجليل شرف الدين أبو الفضائل بن الخطيب عماد الدين بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن خطيب بيت الأبار.
روى عن السخاوي، وشيخ الشيوخ تاج الدين بن حويه، وإبراهيم الخشوعي، وعز الدين بن عساكر، وعتيق السلماني، والصفي عمر بن البراذعي، والرشيد بن مسلمة، وإسحق بن طرخان الشاغوري، والمرجا بن شقيرة، والحافظ ضياء الدين المقدسي، وابن الصلاح، وجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى في عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن داود
مجير الدين بن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن عمر بن قزل المشد التركماني
стр. 2587
الأصل، سبط الملك الحافظ ابن السعيد بن الأمجد صاحب بعلبك، القاضي شمس الدين بن الحافظ.
كان فقيهاً حنفيا، شاعراً ذكياً يقع بقوة ذهنه على المعنى إذا كان خفيا، ويرى غوامض المواقيت وكيف لا وقد كان للشمس سميا، وله مشاركة في العربيه، ومداخلة في النكت الأدبيه. ونثره غير طائل، وخطه ليس بهائل.
يعرف الرياضي جيداً، أعني فيما يتعلق بالحساب، وآلات المواقيت من الربع والاصطرلاب، ويضع الآلات بيده ولكن وضعاً عفشا، ويكتب رسومها رسماً وحشا. وكان يضع من حيل بني موسى جمله، ويحمل نفسه من تجارب أعمالها ما لا يطيق حمله. قد أفنى عمره في ذلك وسلك طرائقها الموحشة وليله حالك. إلا أنه كان في حل المترجم آيه، وذهنه في حله بلا فاصلة غايه، وهو أول من كتب لي مترجماً وحللته، وهززت له حسامه وسللته.
ولم يزل على حاله إلى أن ضاع من ابن الحافظ حساب عمره، وأذهل ذويه مبهم أمره.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس فيما أظن سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في تاسع عشر المحرم، ودفن هناك، وكان وصى بأن ينقل إلى دمشق.
وكان أولاً بصفد ناظر الجيش، فأقام بها زماناً، ثم إنه نقل إلى نظر جيش طرابلس.
وكان قد سمع من ابن شيبان " ثلاثيات المسند "، ومن ابن البخاري " كتاب الترمذي "، وسمع بمصر والإسكندرية، وحدث.
ولما توجه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب من صفد والأمير علم الدين الجاولي لحصار سلع، عمل رسالة في ذلك نظماً ونثراً، وسمعتها من لفظة غير مرة، ومما جاء
стр. 2588
فيها نظماً:
دعت قلعة السلع من مضى ... بلطف إلى حبها القاتل
وغرتهم حين أبدت لهم ... محياً كبدر دجى كامل
ولما استجابوا لها أعرضت ... دلالاً وقالت إلى قابل
تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل
وقرأت عليه بصفد " رسالة الإصطرلاب " لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وأخبرني أنه قرأها على المصنف.
وحكى لي أن القاضي بدر الدين حكى له أن إنساناً من المغاربة جاء إليه وهو بمنزله دار الخطابة بالجامع الأموي، وكان إذ ذاك قاضي القضاة وخطيباً، وقال: يا سيدنا رأيت اليوم في الجامع إنساناً وفي كمه آلة الزندقة، فاستفهمت كلامه واستوضحته إلى أن ظهر لي أنه رآه وفي كمه إصطرلاب، قال: فقال لي: إذا جئت لتقرأ علي شيئاً تحيل في إخفاء ذلك ما أمكن.
ووصف لي يوماً حل المترجم وحببه وزينه، وقال لي: يعوزك أن تكون تحل المترجم، فقلت له: اكتب لي شيئاً منه، فكتبه لي وأخذته من عنده، وبت بعض ليلتي أفكر فيه، وفتح الله علي بفكه من غير شيخ ولا موقف، فحللته وكتبت جواب ما كتبه لي، وكتبت فيه:
سلكت المترجم في ليلة ... ولولاك ما كنت ممن سلك
وما كان ليلي به ذا حياً ... لأنك شمس تضيء الحلك
وكتب إلي يوماً، وقد بلغه عني كلام لم أقله، واستقالني من العتب فلم أقله:
أعيذك من ضمير غير صاف ... وأنت كما نراك أبو الصفاء
وغرس الدين لا يذوي ثراه ... فمحتاج لشمس الاستواء
стр. 2589
فكيف يرى بعاداً عن سناها ... ويعمل فكره طلب الخفاء
أحاشي ذهنك الوقاد يسطو ... عليه ظلمه الخل المراء
وأن تصغي إلى الواشي وأنت ال ... عليم بصدق ودي وانتمائي
فلا بالله لا تسمع حديثاً ... ينمقه الحواسد بافتراء
فإني قد جعلتك في مماتي ... خليلاً أصطفيه وفي بقائي
فكتبت أنا الجواب إليه:
أيا شمس العلوم لمجتليها ... ويا من فضله بادي السناء
ومن قد ظل منه الفضل فينا ... ولولاه نبذنا بالعراء
ألست إذ ادلهمت مشكلات ... جلاها بالتروي والذكاء
فما يخفى عليه مقال غش ... لأن الغش يظهر في الصفاء
أعيذك أن تصدق قول واش ... وأن تمشي على غير استواء
أتحسبني أفوه بغير شكر ... لفضلك لا وخلاق السماء
وبابك منذ كنت عرفت نفسي ... عقدت عليه ألوية الولاء
وما أهدى النسيم إليك طيباً ... وكان شذاه إلا من ثناء
وودي أنت تعلمه يقيناً ... صحيح لا يكدر بالجفاء
فلا تسمع لما نقل الأعادي ... وما قد نمقوه من افتراء
فأصلك طيب حاشاه يجفو ... خليلاً دأبه رفع الدعاء
وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لله در الخليج إن له ... تفضلاً لا نطيق نشكره
حسبك منه بأن عادته ... يجبر من لا يزال يكسره
стр. 2590
قلت: أخذه من قول الأول وفيه زيادة:
سد الخليج بكسره جبر الورى ... طراً فكل قد غدا مسرورا
الباء سلطان فكيف تواترت ... عنه البشائر إذ غدا مكسورا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وذي شنب مالت إلى فيه شمعة ... فردت لإشفاق القلوب عليه
فمالت إلى قدامه شغفاً به ... فقبلت البطحاء بين يديه
وقالت بدا من فيه شهد فهزني ... تذكر أوطاني فملت إليه
فحالت يد الأيام بيني وبينه ... فعفرت أجفاني على قدميه
قلت: أخذ قول الأول، وزاد هو عليه:
أتدرون شمعتنا لم هوت ... لتقبيل ذا الرشأ الأكحل
درت أن ريقته شهدة ... فحنت إلى إلفها الأول
محمد بن داود
الأمير ناصر الدين ابن الأمير نجم الدين بن الزيبق.
كان أولاً أمير عشرة بعد وفاة والده، ثم أعطي نيابة الرحبة في أيام الأمير سيف الدين أيتمش، فأقام تقدير سنتين أو أقل، ثم عزل منها وأقام في دمشق وهو أمير طلبلخاناه، فولاه الأمير سيف الدين أغون الكاملي ولاية مدينة دمشق، فباشرها إلى أن أتى الأمير علاء الدين أمير المارداني إلى دمشق نائباً، فجعله والي الولاة بالصفقة
стр. 2591
القبلية، فسفك فيها الدماء، واستخرج الأموال، ولكن اطمأنت به البلاد من العشران والفتن.
ولم يزل بها أن مرض مدة، وتوفي رحمه الله تعالى، وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في أول شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، ونقل إلى دمشق.
محمد بن رضوان
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن، زين الدين العذري، المعروف بابن الرعاد، براء وعين مهملة مشددة وبعدها ألف ودال مهملة.
أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: كان المذكور خياطاً بالمحلة من الغربية وله مشاركة في العربية وأدب لا بأس به، وكان في غاية الصيانة والترفع عن الدنيا والتردد إليهم، واقتنى من صناعة الخياطة من الكتب كثيراً، وابتنى بها داراً حسنة، ورأيته بالمحلة مراراً.
وأنشدني لنفسه قال: أنشدني للشيخ بهاء الدين بن النحاس:
سلم على المولى البهاء وقل له: ... شوقي إليه وإنني مملوكه
أبداً يحركني إليه تشوق ... جسمي به مشطوره منهوكه
لكن نحلت لبعده فكأنني ... ألف وليس بممكن تحريكه
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
стр. 2592
رأيت حبيبي في المنام معانقي ... وذلك للمهجور مرتبة عليا
وقد جاء لي من بعد هجر وقسوة ... وما ضر إبراهيم لو صدق الرؤيا
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
نار قلبي لا تقري لهباً ... وامنعي أجفان عيني أن تناما
فإذا نحن اعتنقنا فارجعي ... نار إبراهيم برداً وسلاما
وأنشدني قال أنشدني لنفسه:
قالوا وقد عاينوا نحولي ... إلام في ذا الغرام تشقى
ضنيت أو كدت فيه تفنى ... وأنت لا تستفيق عشقا
فقلت: لا تعجبوا لهذا ... ما كان لله فهو يبقى
قلت: شعر عذب منسجم.
وتوفي رحمه الله تعالى بالمحلة سنة سبع مئة.
وكان قد أخذ النحو عن العلامة أبي عمرو ابن الحاجب.
ومن شعر ابن الرعاد أيضاً:
أشكو إلى الله قصاصاً يجرعني ... بالصد والهجر أنواعاً من الغصص
إن تحسن القص يمناه فمقلته ... أيضاً تقص علينا أحسن القصص
стр. 2593
قال كمال الدين الأدفوي: أخبرني شيخنا أثير الدين قال: قال لي زين الدين المذكور: أرسل إلي شهاب الدين الخوبي حين كان قاضياً بالغربية أن أرسل إلي بالكتاب الذي استعرته مني، فقلت له: ما استعرت في دهري من أحد شيئاً فأعاد الرسالة، فكتبت إليه هذه الأبيات:
غنيتم فأطغاكم غناكم فأغنتنا ... قناعتنا عنكم ومن قنع استغنى
ألا مالكم سدتم فساءت ظنونكم ... ومن عادة السادات أن يحسنوا الظنا
عسى سفرة شرقية حلبية ... تروح بكم منا وتغدو بكم عنا
وأرسلها إليه، فما فرغ من قراءته إلا بريدي وصل إليه أن يتوجه إلى حلب قاضياً.
ومن شعر ابن الرعاد أيضاً قوله:
أعد نظراً فما في الخد نبت ... حماه الله من ريب المنون
ولكن رق ماء الوجه حتى ... أراك خيال أهداب الجفون
قلت: مأخوذ من قول الأول:
ولما استقلت أعين الناس حوله ... تراقبه حيث استقل وسارا
تمثلت الأهداب في صفو خده ... خيالاً فخالوا الشعر فيه عذارا
ولعل هذا وما قبله منقول من قول ابن سناء الملك:
لم يهني إلا هواه ولا دل ... ل على السقام إلا دلاله
ما خلا خده الصقيل من الخا ... ل ولكن سواد عيني خاله
стр. 2594
وزاده تصريحاً نجم الدين بن صابر المنجنيقي حيث قال:
أهلاً بوجه كالبدر حسنا ... صيرني حبه هلالا
قد رق حتى لحظت فيه ... سواد عيني فخلت خالا
وقال تاج الدين مظفر الذهبي:
لاح هلالاً وانثنى مثقفاً ... وصال ليناً ورنا غزالاً
لو لم تكن وجنته ماء لما ... خلت سواد العين فيه خالا
وكلهم أخذه من الشريف البياضي حيث قال:
بوجه شف ماء الحسن فيه ... فلو لثمت صحيفته لسالا
يؤثر فيه لحظ العين حتى ... رأيت سوادها في الخد خالا
محمد بن سالم
ابن نصر الله بن سالم بن واصل، القاضي الإمام العلامة جمال الدين بن واصل الحموي الشافعي، قاضي القضاة بحماة.
كان أحد الأئمة الأعلام، والقائمين بجمع العلوم الخافقة الذوائب والأعلام.
برع في العلوم الشرعية وطلع كالشمس في الفنون العقليه، وجمع شمل ما تفرق في العلوم الأدبيه. صنف وجمع وألف، ودخل في كل فن وما تخلى عنه ولا تخلف. وأفتى واشتغل ودرس، وقضى وحكم وفصل لما علم وتفرس. وبعد صيته واشتهر، وبرز على الأقران في الجدال ومهر. وغلب عليه الفكر إلى أن صار يذهل عن جليسه، ويغيب عن وجوده في حضرة أنيسه:
стр. 2595
وأديم نحو محدثي نظري ... أن قد فهمت وعندكم عقلي
ولي القضاء مدة مديده، وفاز منها بالسيرة الحميده، وأضر أخيراً، وحاز بذلك أجراً كبيرا.
ولم يزل على حاله إلى أن قطع عمر ابن واصل، ولم يبق في حياته حاصل.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة ثاني عشري شوال سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده بحماة في ثاني شوال سنة أربع وست مئة.
ودفن بتربته بعقبة بيرين.
وقيل إنه كان يشغل في حلقته في ثلاثين علماً وأكثر، وحضر حلقته نجم الدين دبيران المنطقي، وأورد عليه إشكالاً في المنطق.
وكان قد جهز عن صاحب مصر رسولاً إلى الأنبرور، فتوجه، فأعظمه الأنبرور، وسأله عن مسائل تتعلق بعلم المناظر وغيرها، فأخذها وبات بها، وأصبح وقد أملى الجواب عليها في مجلد صغير، فعظم في عين الأنبرور وقال: يا قاضي ما سألناك عن حلال ولا حرام في دينك الذي أنت فيه قاض، وإنما سألناك عن أشياء لا يعرفها إلا الفلاسفة الأقدمون، فأجبت عنها، وليس معك كتب ولا ما تستعين به، مثلك يكون قسيساً، وحسد المسلمين عليه، وزاد في تعظيمه وإكرامه، وأحضر له الأرغل وهو الآلة عندهم في الطرب، ولا يضرب به إلا في أيام أعيادهم، فقيل: إنه
следующие страницы →