← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

القبلية، فسفك فيها الدماء، واستخرج الأموال، ولكن اطمأنت به البلاد من العشران والفتن. ولم يزل بها أن مرض مدة، وتوفي رحمه الله تعالى، وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في أول شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، ونقل إلى دمشق. محمد بن رضوان ابن إبراهيم بن عبد الرحمن، زين الدين العذري، المعروف بابن الرعاد، براء وعين مهملة مشددة وبعدها ألف ودال مهملة. أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: كان المذكور خياطاً بالمحلة من الغربية وله مشاركة في العربية وأدب لا بأس به، وكان في غاية الصيانة والترفع عن الدنيا والتردد إليهم، واقتنى من صناعة الخياطة من الكتب كثيراً، وابتنى بها داراً حسنة، ورأيته بالمحلة مراراً. وأنشدني لنفسه قال: أنشدني للشيخ بهاء الدين بن النحاس: سلم على المولى البهاء وقل له: ... شوقي إليه وإنني مملوكه أبداً يحركني إليه تشوق ... جسمي به مشطوره منهوكه لكن نحلت لبعده فكأنني ... ألف وليس بممكن تحريكه وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

стр. 2592

رأيت حبيبي في المنام معانقي ... وذلك للمهجور مرتبة عليا وقد جاء لي من بعد هجر وقسوة ... وما ضر إبراهيم لو صدق الرؤيا وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: نار قلبي لا تقري لهباً ... وامنعي أجفان عيني أن تناما فإذا نحن اعتنقنا فارجعي ... نار إبراهيم برداً وسلاما وأنشدني قال أنشدني لنفسه: قالوا وقد عاينوا نحولي ... إلام في ذا الغرام تشقى ضنيت أو كدت فيه تفنى ... وأنت لا تستفيق عشقا فقلت: لا تعجبوا لهذا ... ما كان لله فهو يبقى قلت: شعر عذب منسجم. وتوفي رحمه الله تعالى بالمحلة سنة سبع مئة. وكان قد أخذ النحو عن العلامة أبي عمرو ابن الحاجب. ومن شعر ابن الرعاد أيضاً: أشكو إلى الله قصاصاً يجرعني ... بالصد والهجر أنواعاً من الغصص إن تحسن القص يمناه فمقلته ... أيضاً تقص علينا أحسن القصص

стр. 2593

قال كمال الدين الأدفوي: أخبرني شيخنا أثير الدين قال: قال لي زين الدين المذكور: أرسل إلي شهاب الدين الخوبي حين كان قاضياً بالغربية أن أرسل إلي بالكتاب الذي استعرته مني، فقلت له: ما استعرت في دهري من أحد شيئاً فأعاد الرسالة، فكتبت إليه هذه الأبيات: غنيتم فأطغاكم غناكم فأغنتنا ... قناعتنا عنكم ومن قنع استغنى ألا مالكم سدتم فساءت ظنونكم ... ومن عادة السادات أن يحسنوا الظنا عسى سفرة شرقية حلبية ... تروح بكم منا وتغدو بكم عنا وأرسلها إليه، فما فرغ من قراءته إلا بريدي وصل إليه أن يتوجه إلى حلب قاضياً. ومن شعر ابن الرعاد أيضاً قوله: أعد نظراً فما في الخد نبت ... حماه الله من ريب المنون ولكن رق ماء الوجه حتى ... أراك خيال أهداب الجفون قلت: مأخوذ من قول الأول: ولما استقلت أعين الناس حوله ... تراقبه حيث استقل وسارا تمثلت الأهداب في صفو خده ... خيالاً فخالوا الشعر فيه عذارا ولعل هذا وما قبله منقول من قول ابن سناء الملك: لم يهني إلا هواه ولا دل ... ل على السقام إلا دلاله ما خلا خده الصقيل من الخا ... ل ولكن سواد عيني خاله

стр. 2594

وزاده تصريحاً نجم الدين بن صابر المنجنيقي حيث قال: أهلاً بوجه كالبدر حسنا ... صيرني حبه هلالا قد رق حتى لحظت فيه ... سواد عيني فخلت خالا وقال تاج الدين مظفر الذهبي: لاح هلالاً وانثنى مثقفاً ... وصال ليناً ورنا غزالاً لو لم تكن وجنته ماء لما ... خلت سواد العين فيه خالا وكلهم أخذه من الشريف البياضي حيث قال: بوجه شف ماء الحسن فيه ... فلو لثمت صحيفته لسالا يؤثر فيه لحظ العين حتى ... رأيت سوادها في الخد خالا محمد بن سالم ابن نصر الله بن سالم بن واصل، القاضي الإمام العلامة جمال الدين بن واصل الحموي الشافعي، قاضي القضاة بحماة. كان أحد الأئمة الأعلام، والقائمين بجمع العلوم الخافقة الذوائب والأعلام. برع في العلوم الشرعية وطلع كالشمس في الفنون العقليه، وجمع شمل ما تفرق في العلوم الأدبيه. صنف وجمع وألف، ودخل في كل فن وما تخلى عنه ولا تخلف. وأفتى واشتغل ودرس، وقضى وحكم وفصل لما علم وتفرس. وبعد صيته واشتهر، وبرز على الأقران في الجدال ومهر. وغلب عليه الفكر إلى أن صار يذهل عن جليسه، ويغيب عن وجوده في حضرة أنيسه:

стр. 2595

وأديم نحو محدثي نظري ... أن قد فهمت وعندكم عقلي ولي القضاء مدة مديده، وفاز منها بالسيرة الحميده، وأضر أخيراً، وحاز بذلك أجراً كبيرا. ولم يزل على حاله إلى أن قطع عمر ابن واصل، ولم يبق في حياته حاصل. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة ثاني عشري شوال سنة سبع وتسعين وست مئة. ومولده بحماة في ثاني شوال سنة أربع وست مئة. ودفن بتربته بعقبة بيرين. وقيل إنه كان يشغل في حلقته في ثلاثين علماً وأكثر، وحضر حلقته نجم الدين دبيران المنطقي، وأورد عليه إشكالاً في المنطق. وكان قد جهز عن صاحب مصر رسولاً إلى الأنبرور، فتوجه، فأعظمه الأنبرور، وسأله عن مسائل تتعلق بعلم المناظر وغيرها، فأخذها وبات بها، وأصبح وقد أملى الجواب عليها في مجلد صغير، فعظم في عين الأنبرور وقال: يا قاضي ما سألناك عن حلال ولا حرام في دينك الذي أنت فيه قاض، وإنما سألناك عن أشياء لا يعرفها إلا الفلاسفة الأقدمون، فأجبت عنها، وليس معك كتب ولا ما تستعين به، مثلك يكون قسيساً، وحسد المسلمين عليه، وزاد في تعظيمه وإكرامه، وأحضر له الأرغل وهو الآلة عندهم في الطرب، ولا يضرب به إلا في أيام أعيادهم، فقيل: إنه

стр. 2596

ما اهتز له ولا تحرك، وعندهم إن أحداً ما يسمعه فيملك نفسه من الطرب، إلا أنه لما قام وجدوا كعابه مما حكها في البساط قد أدماها الحك، وبقي أثر الدم في البساط، فزاد تعجب الأنبرور منه أيضاً وأعطاه شيئاً كثيراً. وحكى لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني غرائب من حفظه وذكائه، وحكى الحكيم السديد الدمياطي عنه أنه تعشى ليلة عند الشيخ علاء الدين بن النفيس، وصلينا العشاء الآخرة. قال: إلا أن القاضي جمال الدين كان يحتد في البحث ويحمار وجهه، والشيخ علاء الدين في غاية الرياضة، ثم إن القاضي آخراً قال: والله يا شيخ علاء الدين أما نحن فعندنا نكيتات ومواخذات وإيرادات وأجوبة، وأما أنت فهكذا خزائن علوم، هذا أمر بارع. أو كما قال. وأخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: قدم المذكور علينا القاهرة مع الملك المظفر صاحب حماة، فسمعت منه، وأجاز لي جميع مروياته ومصنفاته، وذلك بالكبش من القاهرة في يوم الخميس التاسع والعشرين من المحرم سنة تسعين وست مئة. وهو من بقايا من رأيناه من أهل العلم الذين ختمت بهم المئة السابعة. وأنشدني لنفسه مما كتب به لصاحب حماة الملك المنصور محمد بن مظفر: يا سيداً ما زال نجم سعده ... في فلك العلياء يعلو الأنجما إحسانك الغمر ربيع دائم ... فلا نرى في صفر محرما ومن شعر قاضي القضاة جمال الدين بن واصل أيضاً: وأعيذ مصقول العذار صحبته ... وربع سروري بالتأهل عامر

стр. 2597

وفارقته حيناً فجاء بلحية ... تروع وقد دارت عليه الدوائر فكررت طرفي في رسوم جماله ... وأنشدت بيتاً قاله قبل شاعر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقال مجيباً والفؤاد كأنما ... يقلقه في القلب مني طائر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر قلت: ومن مصنفاته " التاريخ " الذي له، وكان مفرج الكروب في دولة بني أيوب وله " مختصر الأربعين في أصول الدين "، " وشرح الموجز في المنطق " لأفضل الدين الخونجي، و" شرح الجمل " له أيضاً، و" شرح قصيدة ابن الحاجب " في العروض والقوافي، و" التاريخ الصالحي "، و" مختصر الأدوية المفردة " لابن البيطار، واختصر " الأغاني الكبير "، وملكت به نسخة عظمى. وكان خطه عليها بعدما أضر، وكتاب " نخبة الأملاك في هيئة الأفلاك ". محمد بن سعد الله ابن مروان بن عبد الله القاضي الرئيس عز الدين ابن القاضي سعد الدين أبي الفضل ابن الشيخ الفقيه العدل بدر الدين الفارقي. كان جيد الكتابة يكتب المطالعة بديوان الإنشاء بدمشق، وهو مرشح لكتابة السر، مشاراً إليه معظماً. ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة سابع عشري، شعبان سنة سبع عشرة وسبع مئة، وعمره اثنان وخمسون سنة.

стр. 2598

وهو والد القاضيين محيي الدين محمد، وشهاب الدين أحمد، كاتبي الإنشاء بدمشق. محمد بن سعيد بن أبي المنى الإمام الفقيه بدر الدين الحلبي الحنبلي نزيل القاهرة. سمع من التقي بن مؤمن، والعز بن الفراء، والأبرقوهي. ونسخ كثيراً، وحصل وأفاد. وكانت فيه صفات حميدة. قال شيخنا الذهبي: انتقيت له جزءاً حدث به. وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة أربع وسبعين وست مئة. محمد بن سعيد بن عبد الله تقي الدين المدني الحجازي، قارئ الحديث بالمدينة النبوية. كان أسود اللون، فاضلاً في الأدب. ورد إلى دمشق، ثم توجه منها إلى القاهرة، ليعود إلى المدينة. فتوفي ﵀ بالقاهرة في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة. وسمع بالشام ومصر وكتب عنه من شعره شيخنا البرزالي. ومولده في أحد الربيعين سنة ثلاث وخمسين وست مئة.

стр. 2599

محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الصدر الرئيس الفاضل شرف الدين ابن الصدر شمس الدين بن الأثير الكاتب، تقدم ذكر والده. كان شاباً حسناً عاقلاً وقوراً، كان قد أسره التتار في واقعة غازان فيمن أسروه، ومن الله عليه بالرجوع إلى وطنه، وكان وصوله إلى دمشق في تاسع عشر صفر سنة إحدى وسبع مئة، فأصيب بوالده، وترك له ميراثاً جيداً، فلم يتمتع به. وتوفي رحمه الله تعالى سابع ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة، وكان على طريق حميدة ودفن عند والده. محمد بن سعيد بن ريان الطائي، القاضي، تاج الدين ابن الرئيس عماد الدين. أول ما عرفت من أمره أنه كان كاتب إنشاء بحلب، ثم إنه حضر إلى القاضي كريم الدين الكبير لما جاء لزيارة بيت المقدس في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وأخذ كتابه إلى الأمير سيف الدين تنكز بأن يكون مباشراً بدمشق، فتولى نظر بعلبك وأقام بها مدة، ثم إنه توجه إلى حلب صاحب الديوان، ثم إنه خرج منها في واقعة لؤلؤ وعاد إلى دمشق وأقام بها على نظر البيوت وصحابة ديوان الجامع الأموي. ودام على ذلك مدة، ثم أصابه فالج فأقعده في بيته بقدر أربع سنين أو أكثر، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في بكرة الاثنين ثاني عشري جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وسبع مئة.

стр. 2600

وكان - رحمه الله تعالى - شكلاً حسناً، فيه رئاسة وسؤدد، حسن الأخلاق كريماً، يتجمل في ملبسه ومأكله، ويكتب خطاً جيداً. ورأيته يكتب الكتاب مقلوباً من الحسبلة إلى البسملة في أي معنى اقترح عليه. وبرع في كتابة الحساب والإنشاء. ومات - رحمه الله تعالى - وقد تجاوز الستين قليلاً. محمد بن سلمان بن حمائل بن علي الصدر الرئيس الفاضل شمس الدين المقدسي، عرف بابن غانم. وقد تقدم ذكر أولاده شهاب الدين أحمد، وعلاء الدين علي، وبهاء الدين أبو بكر. قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن ابن حمويه وابن الصلاح. وكان من أعيان الناس، معروفاً بالكتابة والكفاية والمعرفة والتقدم وحسن المحاضرة، وحصل كتباً نفيسة. ولي التدريس بالعصرونية. وسمع أيضاً في سنة ثلاث وثلاثين وست مئة من الشيخ تقي الدين يوسف بن عبد المنعم بنابلس، وسمع بدمشق من القرطبي وابن مسلمة وجماعة. وتوفي - رحمه الله تعالى - في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.

стр. 2601

محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين العلامة الزاهد جمال الدين أبو عبد الله البلخي الأصل، المقدسي، الحنفي المفسر، المعروف بابن النقيب، أحد الأئمة. دخل القاهرة، ودرس بالعاشورية، ثم تركها وأقام بالجامع الأزهر مدة. وكان صالحاً زاهداً متواضعاً عديم التكلف، أنكر على الشجاعي إنكاراً تاماً، بحيث إنه هابه وطلب رضاه. وكان الأكابر يترددون إليه ويلتمسون منه الدعاء. صرف همته أكثر دهره إلى التفسير، وجمع تفسيراً حافلاً، جمع فيه خمسين مصنفاً. وذكر فيه أسباب النزول والقراءات والإعراب واللغات والحقائق في علم الباطن. قيل: إنه في ثمانين مجلدة. ولهذا التفسير نسخة في جامع الحاكم بالقاهرة. قال شيخنا الذهبي: سمعت منه حديث علي بن حرب. وتوفي - رحمه الله تعالى - بالقاهرة في شهر الله المحرم سنة ثمان وتسعين وست مئة. ومولده سنة إحدى عشرة وست مئة. وقال الفاضل كمال الدين الأدفوني في تاريخه " البدر السافر " في ترجمة ابن النقيب هذا: وله نظم، منه يمدح الشيخ قطب الدين القسطلاني وهو قوله: سألت أخاك البحر عنك فقال لي ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب لنا ديمتا ماء ومال، فديمتي ... تماسك أحياناً وديمته سكب إذا نشأت تبريه فله الندى ... وإن نشأت بحرية فلي السحب

стр. 2602

أقل عليه من سماح صفاته ... فإني أخشى أن يداخله العجب قلت: كذا قال كمال الدين الأفودي، ونسب هذه الأبيات إلى ابن النقيب المفسر، وليس الأمر كذلك، وإنما هذه من قصيدة لابن اللبانة مدح بها المعتمد بن عباد وأولها: بكت عند توديعي فما علم الركب ... أذاك سقيط الطل أم لؤلؤ رطب وتابعها سرب وإني لمخطئ ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب وأظن ابن النقيب كتب بها إلى ابن القسطلاني مستشهداً بها على عادة الناس. وأورد لابن النقيب أيضاً: نسيم الصبا هيجت من قلبي المضنى ... فنوناً من الأشواق نفنى ولا تفنى وعهدي بأنفاس الصبا تبرد الجوى ... وتهدي من الأرواح راحاً لمن أنا فما لي إذا هبت سحيراً يهزني ... غرام كما هزت جنوبية غصنا وما لي إذا هبت صبا شام بارق ... من الحزن أنساني صميم الحشا حزنا قلت: نعم هذا شعر ابن النقيب، وإلا فأين هذه الطبقة من تلك الطبقة الأولى، أين الثريا من الثرى. محمد بن سليمان بن أبي العز بن وهيب الإمام المفتي شمس الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين الحنفي مدرس النورية والعذراوية.

стр. 2603

كان من كبار الحنفية مقصوداً بالفتوى، أفتى نيفاً وثلاثين سنة، وناب في القضاء عن والده، وكان منقبضاً عن الناس. توفي - رحمه الله تعالى - نهار الجمعة سادس عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وست مئة. وكانت له إجازة بعد سنة خمسين وست مئة، ولم يحدث. محمد بن سلمان الإمام المفتي وجيه الدين الرومي القونوي الحنفي، إمام الربوة. كان شيخاً فاضلاً متواضعاً، ولي تدريس العزية التي بالميدان، وأعاد وأفتى. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وتسعين وست مئة. محمد بن سليمان بن عمر بن سالم الصدر الرئيس بدر الدين محمد بن قاضي القضاة جمال الدين الأذرعي المعروف بالزرعي. كان رئيساً محتشماً قد باشر عدة أنظار بالديار المصرية، وكان من أصحاب القاضي كريم الدين الكبير، وكان قد سمع من ابن البخاري وزينب بنت مكي وجماعة، وحدث بالقاهرة وبمنفلوط. وآخر ما تولى نظر الفيوم. فتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة في آخر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.

стр. 2604

محمد بن سليمان بن سومر البربري الزواوي قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد الله المالكي. قدم الإسكندرية حدثاً، وتفقه بها، وبرع في المذهب، وفرط في السماع من ابن رواج والسبط. ثم إنه سمع من أبي عبد الله المرسي، وأبي العباس القرطبي، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، والسيخ أبي محمد بن برطلة. وعالج الشروط، وناب في الحكم بالقاهرة، وحكم بالشرقية وغير مكان. ثم إنه قدم على قضاء دمشق فحكم بها ثلاثين سنة، وكان حاكماً ذا صرامه، قاضياً يبلغ بها الضعيف مرامه، ماضي الأحكام بتاتاً، أراق دم جماعة تعرضوا لجناب النبي ﷺ ، عارفاً بمذهبه، عالماً بمقدمه ومنقلبه، لو رآه مالك ﵁ لسره وأشهب لما ركب في إثره إلا المجره. حصل له في آخر عمره فالج ورعشه، وبقي على نطقه من العجز وحشه، وكان لا ينطق إلا بمشقة، ولا يأتي بالكلمة إلا حسيت شفته منشقه، وعجز عن العلامه، واستناب من يكتب عنه من برئ عنده من الملامه. وعزل قبل موته بقليل، وبقي إلى أن سلك تلك السبيل، ومضى إلى ربه ذي المن والفضل الجزيل.

стр. 2605

وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الخميس تاسع جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبع مئة. عزل قبل موته بنحو عشرين يوماً بالقاضي فخر الدين بن سلامة المالكي. ومولد القاضي جمال الدين الزواوي في حدود سنة ثلاثين وست مئة، ومات ولم يسرع إليه الشبهات. وكان بمصر من أعيان العدول، وناب في الشرقية والغربية، وناب في القاهرة، وترجح لولاية القضاء بالقاهرة عقيب وفاة ابن شاش، وتولي ابن مخلوف، ثم إنه تولى قضاء دمشق ووصل إليها في عاشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وست مئة، واستمر بها قاضيا نحو ثلاثين سنة. وظهر في أيامه ما لم يكن معروفاً من مذهب مالك، وعمر المدرسة النورية والصمصامية، وحصلت له رعشة في وسط ولايته وكان يجد له مشقة، وثقل لسانه عن الكلام أخيراً. وحدث " بصحيح " مسلم و" الموطأ " رواية يحيى بن يحيى، و" بالشفا " لعياض وغير ذلك. محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف الشيخ الصالح المقرئ الصنهاجي المراكشي الإسكندري، إمام مسجد قداح.

стр. 2606

سمع عبد الوهاب بن رواج، ومظفر بن الفوي. أخذ عنه الرحالون، وكتب في الإجازات. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع عشرة وسبع مئة. محمد بن سليمان بن حمزة ابن أحمد بن عمر، ابن الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، قاضي القضاة عز الدين أبو عبد الله بن قاضي القضاة تقي الدين المقدسي الحنبلي. وسمع الحديث من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، منهم الشيخ شمس الدين، وابن البخاري، وأبو بكر الهروي. وجدته خديجة بنت خلف، وحبيبة بنت الشيخ أبي عمرو، ومن جماعة غيرهم. وخرج له شمس الدين بن سعد " مشيخة " عن أكثر من خمسين شيخاً. وأجاز له ابن عبد الدائم وجماعة. واشتغل وحصل، وقرأ الفقه على والده وغيره. وكان له محفوظ في الحديث. واستنابه والده في الحكم. وترك تدريس المدرسة الجوزية، وكتب في الفتوى. وكان فيه عقل وحسن تودد. ولما مات والده باشر تدريس دار الحديث الأشرفية بالصالحية، وانقطع في بيته مدة ولاية قاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم الحنبلي، ولما توفي ولوه مستقلاً، ووصل توقيعه بذلك إلى دمشق في ثاني عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين

стр. 2607

وسبع مئة، فباشره واختاره الناس لما تقدم لوالده من الحقوق، ولحسن خلقه وتودده، وقضاء حوائج الناس. وحج ثلاث مرات، وحدث في كل حجة منها، وزار القدس مرات، وحضر بعض الغزوات، وتولى القضاء مستقلاً أربع سنين ولم يكملها. وكان له ورد من التلاوة، ومن الصلاة في الليل. وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الأربعاء تاسع صفر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وحضر جنازته خلق كثيرة، وكان يوماً كثير المطر والوحل، ودفن بتربة الشيخ أبي عمر. ومولده في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وست مئة. وولي المنصب بعده قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الله بن الحافظ. محمد بن سليمان بن أحمد تاج الدين بن الفخر. سمع من أبي عبد الله محمد بن غالب الجياني بمكة، ومن تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة، ومن غيرهما.

стр. 2608

وحدث بقوص وغيرها. واشتغل بالعلم. وكان متعبداً ممتنعاً عن الغيبة وسماعها. له في السماع حال حسنة، وكتب الخط الجيد، وكتب كثيراً من الحديث والفقه وغير ذلك. قال كمال الدين جعفر الأدفوي: لما عدل بعض الجماعة بقوص في أيام ابن السديد قام في ذلك وقصد أن لا يقع، وتوجه إلى مصر وقال قصيدة سمعتها منه أولها: شريعتنا قد انحلت عراها ... فحي على البكاء لما عراها وأقام بمصر. وتوفي فيها - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. قلت: أنشدت بالقاهرة وقد تعدل جماعة سقاط: تعدل كل جمري بمصر ... وشاف إلى العدالة كل جمري فقل للفاسقين ازنوا تزكوا ... ولا تتأخروا فالوقت بدري محمد بن سليمان بن همام بن مرتضى الصدر القاضي جلال الدين ابن العدل وجيه الدين، المعروف بابن البياعة، أحد كتاب الإنشاء بدمشق، وناظر ديوان الرباع. كان أبوه من عدول القاهرة.

стр. 2609

روى عن جعفر الهمذاني وغيره، وسمع منه علاء الدين الوداعي وغيره. كان يمني نفسه بالوزاره، ويزعم أن طيفها جاءه في النوم وزاره، ويعد أصحابه بوظائف، ويجعلهم في الذهن كباراً وهم ما بين حارس وطائف، وله في ذلك آثار، وعند رفاقه الموقعين أخبار. ولم يزل على ذلك إلى أن مرض مرضة طول فيها، وانقطع عواده وعدم تلافيها، وانفلج أخيرا، ولم يجد له في ذلك أجرة ولا أجيرا، ثم إنه أصبح ثالث التراب والمدر، وانقبض عن الأحياء وانقبر. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة خمسين وست مئة. وكان شيخاً طوالاً، مسترسل الذقن خفيفها، وكانت له معرفة بابن الخليلي الوزير، وصحبه، فمن هنا كان يحدث نفسه الأمارة بالوزارة، وبلغت هذه الأماني شمس الدين غبريال وكان يضحك منه ويهزو به، وما ترتب على ذلك إلا مصلحة من خلاص جامكيته وماله على الديوان. جاء الأمير علاء الدين ألطنبغا من مصر متوجهاً رسولاً إلى مهنا عن السلطان قبل أن يلي نيابة حلب، فلما وصل إلى دمشق توجه إليه الصاحب شمس الدين وسلم عليه، وقال: يا مولانا الساعة يجيء إليك شيخ طوال صفته كذا وكذا، ونشتهي توهمه أنك سمعت هناك أنه يكون وزير الشام، وجاء الصاحب شمس الدين، وطلب جلال الدين وقال له: يا مولانا كنا عند هذا الأمير ورأيناه يسأل عنك كثيراً، وقال: لي معه كلام وأريد أجتمع به، رح إليه وعرفني أي شيء يقول لك، فتوجه إلى ألطنبغا، فحالما رآه عرفه بالصفة التي قررها عنده الصاحب شمس الدين، فقام إليه وأجلسه إلى جانبه وتلقاه، وقال: توقيع مولانا بوزارة دمشق قد كتب في مصر،

стр. 2610

وكان السلطان رسم بأن أحضره إليك ولكن تعوق ليكون التشريف قرينه، وفي هذه الأيام يصل إليك. ويا مولانا أنا والله قد بشرتك والحلاوة أنك لا تنسانا، فقال: بسم الله، وبينما هم في هذا الحديث دخل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، ولم يعلم القضية، فجلس فوقه إلى جانب الأمير، فتأذى جمال الدين وقال: هذا قلة أدب، فقال له الشيخ كمال الدين: إيش جرى؟ فذكروا له طرفاً من ذلك وأن تقليده بالوزارة واصل في هذه الأيام. فقال له الشيخ كمال الدين: يا شيخ مسكين هؤلاء يضحكون عليك. فقام وخرج مغضباً. وقال يوماً للشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم: بلغني أنك لما كنت في مصر سعيت عند فخر الدين ناظر الجيش حتى أبطل كتابة تقليدي، فقال: والله يا مولانا ما دولة أكون أنا مشيرها وأنت وزيرها إلا دولة خرا. وكان قد أنزل عليه الشيخ تاج الدين اليمني، وكان في زمن الأفرم بدمشق، وكان ينشئ له ما يحتاج إليه في الديوان. محمد بن سليمان بن عبد الله بن سليمان المحدث الفقيه الفاضل تقي الدين الجعبري، الشاهد. سمع من الحجار وطبقته، وقرأ عليه كثيراً، وتخرج بوالد حميه شيخنا الحافظ جمال الدين المزي، وقرأ على العامة، وهو رفيقي في أكثر مسموعاتي بالشام، وقد كنت أجزت له ولأولاده.

стр. 2611

وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة ست وسبع مئة. محمد بن سليمان بن أحمد القاضي شمس الدين القفصي، بالقاف المفتوحة والفاء الساكنة، وبعدها صاد مهملة، نائب الحكم العزيز المالكي بدمشق. ناب لقاضي القضاة شرف الدين المالكي، ومن بعده لقاضي القضاة جمال الدين المسلاتي. كان فهماً بمذهب مالك ﵁، خبيراً بالأحكام، وفي لسانه عجمة المغاربة، يجعل الثاء سيناً والجيم زاياً. وكان يسكن المنيحة، ويدخل المدينة كل يوم ويخرج منها. وكان إذا رأى في مجلس حكمه ما لا يعجبه قال بفمه، وأشار بيده بالفحش، ويقول للمرأة التي يتأذى منها: واللك يا مومس. وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثاني شوال يوم الأحد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة. وكانت له مشاركة في العربية والأصول، عفا الله عنه وسامحه. وكان قد ولي نيابة الحكم في صفر سنة عشرين وسبع مئة. محمد بن شرشيق بكسر الشين المعجمة وبعدها راء ساكنة وسين ثانية معجمة وبعدها ياء آخر

стр. 2612

الحروف ساكنة وقاف، ابن محمد بن عبد العزيز بن عبد القادر بن صالح بن دوست بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله الجون بن عبد الله المحسن بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ﵁، الشيخ الإمام العارف الكامل شمس الدين أبو الكرم ابن الشيخ الإمام القدوة حسام الدين أبي الفضل ابن الشيخ الإمام القدوة جمال الدين أبي عبد الله ابن الشيخ الإمام علم الدين الزهاد شمس الدين أبي المعالي ابن الشيخ الإمام قطب العارفين أبي محمد الجيلي الحسني الحنبلي المعروف بالحيالي، بكسر الحاء المهملة والياء آخر الحروف وألف بعدها لام، والحيال: بلدة من أعمال سنجار. حفظ القرآن العظيم في صباه، والفقه للإمام أحمد، وسمع الحديث وهو كثير من جماعة منهم الإمام فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد البخاري المقدسي بدمشق، وأبو العباس أحمد بن محمد النصيبي بحلب، والإمام عفيف الدين أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن الزجاج بمكة، والإمام عفيف الدين أبو محمد عبد السلام بن محمد بن كزروع المصري البصري بالمدينة الشريفة. ورحل وحدث ببغداد ودمشق والحيال وغيرها من البلاد. وروى عنه جماعة منهم أولاده المشايخ حسام الدين عبد العزيز، وبدر الدين حسن، وعز الدين الحسين، وظهير الدين أحمد، ومحدث العراق تقي الدين أبو الثناء محمود بن علي بن محمود الدقوقي الحنبلي، والشيخ الإمام زين الدين أبو الحسن علي بن

стр. 2613

الحسين بن شيخ العوينة الموصلي الشافعي، والإمام بدر الدين محمد بن الخطيب الإربلي الشافعي، وخلق. كان مشهوراً بالصلاح والعبادة والزهد والسماح، يكاثر الغمام إذا سح، ويتحقق البحر الزاخر معه أنه شح. وله هيبة في النفوس وعليه وقار وناموس، يعظمه الناس وهو لا يعبأ بأمرهم، ولا يلتفت إلى شواظ نارهم ولهيب جمرهم، وكان ملوك دار بكر يحبونه ويخدمونه ويحيونه ويقبلون إشاراته ويقبلون على رسائله وإماراته، ولهم فيه اعتقاد وانتفاء لما يؤثره منهم وانتقاد، ومع ذلك مليح الخلق، صبيح الخلق، زائد الحشمه، كثير الإحسان للناس والخدمه. ولم يزل على حاله إلى أن حالت حياة الحيالي وأبلت جدته الأيام والليالي. وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. ومولده ليلة الجمعة منتصف شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وست مئة بالحيال. وبيته بيت رياسة وحشمة وسؤدد ومروءة. والخير والإحسان معروف بهم، ولم تمس يد هذا الشيخ شمس الدين من نشأته إلى موته فضة ولا ذهباً، وجوده في تلك البلاد مشهور، وكان له كشف وأحوال وحلم وتجمل، وهو وأهل بيته معروفون بمناصحة الإسلام، ويكاتبون ملوك مصر ونواب أطراف بلاد الشام. ولما كنت في الرحبة سنة تسع وعشرين وسبع مئة وما بعدها أهديت إليه قماشاً إسكندرياً وأهدى إلي أشياء من طرائف سنجار، ولم تزل رسله مدة مقامي بالرحبة تتردد إلى الرحبة وأخدمهم وأقوم بما يجب لأجله. رحمه الله تعالى.

стр. 2614

محمد بن شريف بن يوسف الفاضل الكاتب المجيد صاحب الخط الفائق، شرف الدين ابن الوحيد الزرعي. سافر إلى الحجاز والعراق، واجتمع بياقوت المجود. كان تام الشكل، متأنقاً في اللبس والأكل، حسن الزه، لدن المهزه، موصوفاً بالشجاعه، وبالعبارة السادة والبراعه، يتكلم بعدة ألسن، ويأتي فيها بما يروق ويحسن، وقد ضرب بحسن كتابة المثل، وسار ذكرها في السهل والجبل، لأنها أخملت زهرات الخمائل، وفاقت على من تقدمه الأوائل، فلو رآه ابن البواب لجود تحت مثاله، وعلم أن بدر هذا فاق على هلاله، أو ابن مقلة شخص إليه إنسانه، وعلم أنه ما تلحق إجادته ولا حسانه، أو الولي التبريزي لتحقق أنه قد برز وسبقه، وأنه ما يشم ريحانه ولا محققه. وكان قد فضح الأوائل والأواخر بفصاح نشخه، وتفرد هو بكمال الخط وترك غيره يخبط في مسخه، فما أحقه بقول البستي:

стр. 2615

إن هز أقلامه يوماً ليعملها ... أنساك كل كمي هز عامله وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له أما أنا فلا أرى أحداً مثله كتب في المحقق والريحان وفصاح النسخ، لأنه أتى في ذلك بالإبداع. وكان في حياته يبيع المصحف نسخاً بلا تجليد ولا تذهيب بألف درهم. وكان ابن تمام قد كتب عليه وحكى طريقه، وكان يكتب المصاحف فيقول له: اكتب أنت المصحف وهاته إلي. فإذا أتى به يزن له أربع مئة درهم، ويأخذ الشيخ شرف الدين فيكتب في آخره: كتبه محمد بن الوحبد، ويبيعه هو بألف درهم. وروى عنه البرزالي وقاضي القضاة جلال الدين القزويني. ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن الوحيد في قبره وحيدا، وفقد الناس منه كاتباً فريدا. وتوفي - رحمه الله تعالى - في البيمارستان المنصوري بالقاهرة في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ومولده بدمشق سنة سبع وأربعين وست مئة. وكان يتكلم بعدة ألسن، وكان يتهم في دينه. قيل: إنه وضع الخمر في دواته وكتب منها المصحف. وأخوه علاء الدين مدرس البادرائية كان ممن يحط عليه ويذكره بكل سوء،

стр. 2616

وكان قد اتصل بخدمة الجاشنكير قبل السلطنة وأعجبه خطه. فكتب له ختمة في سبعة أجزاء في ورق بغدادي قطع النصف بليقة ذهب، قلم الأشعار، دخل فيها ألف وست مئة دينار ليقة، فدخل في الختمة ستة مئة دينار وأخذ هو الباقي، فقيل له في ذلك، فقال: متى يعود آخر مثل هذا يكتب علي مثل هذه الختمة، وزمكها صندل، ورأيتها أنا وهي وقف بجامع الحاكم بالقاهرة وما أظنها يكون لها ثان من حسنها، ولما فرغت أدخله الجاشنكير ديوان الإنشاء، فما أنجب في الديوان، فكانت الكتب التي تدفع إليه ليكتبها في أشغال الناس على القصص تبيت عنده وما تتنجز، وهذا تعجيز من الله تعالى لمثل هذا الكاتب العظيم. كما يحكى عن الحريري صاحب " المقامات " وأنه بعد عمل المقامات طلب إلى ديوان الإنشاء ببغداد فأعطاه صاحب الديوان كتاباً فمكث فيه من بكرة النهار إلى الظهر وهو ينتف عثنونه، ولم يفتح الله عليه بشيء حتى قال فيه ابن حكينا: شيخ لنا من ربيعة الغرس ... ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان وقد ... ألجمه في العراق بالخرس هذا وقد كان يوماً في بعض مجالس الأكابر، فجرى ذكر البستي وقوله في رجل بخيل شرير: إن لم يكن لنا طمع في درك فاعفنا من شرك شرك، فلم يبق أحد حتى استحسنها، وأقر بالعجز عن الإتيان بمثلها، فقال الحريري في الحال: وإن لم تدننا من مبارك فأبعدنا عن معارك معارك.

стр. 2617

قلت: وما لابن الوحيد والحريري إلا قول أبي الطيب: وتوهموا اللعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان ولهذا، إنه لما دخل ابن الوحيد ديوان الإنشاء بلغ القاضي شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان عنه كلام يفهم منه أنه ينقص به، فطلبه وقال: اقعد. أعطوه درجين قطع الثلاثين، وقال: أوصل أحدهما بالآخر وعجل، فوصلهما. فقال: اكتب وعجل إلى صاحب اليمن وهد قوائمه، وزعزع أركانه فيه، وتوعده وهدده، ثم لطف القول حتى لا ييأس، ثم عد ببعض تلك الغلطة الأولى وعرفه أن العساكر التي نجهزها إليه يكون أولها عنده وآخرها عندنا، وذكره باصطناعنا لوالده قبله، وأنه لو شئنا ما تركناه جالساً على سرير مملكته، ولكن نحن نرعى هذا البيت الأيوبي، ومن هذا وأشباهه. وعجل بكتابة هذا لأدخل وأقرأه على السلطان، فبهت شرف الدين وأسقط في يده وأرعدت فرائصه، ولم يدر ما يقول ولا ما يكتب، ثم إنه اعترف وقال: يا مولانا والله ما أنا قدر هذا، والعفو. فقال له: إذا كنت كذا فلا تكن بعدها تكثر فضولك. فاستغفر الله وخرج. وكان الشيخ شرف الدين شيخ خطيب بعلبك وغيره ممن كتب عليه. ونظمه فيه يبس قليل، إلا أنه كان جيد العربية، عارفاً باللغة، وله رسائل كثيرة وقصيدة لامية سماها " سرد اللام في مادة لامية العجم ". وكان الله قد رمى بينه وبين محيي الدين البغدادي حتى عمل له ذلك المنشور المشهور الذي أقطعه فيه قائم الهرمل وأبو عروق وما أشبه هذه الأماكن.

стр. 2618

ولقد وقفت أنا بالديار المصرية على كتاب " خواص الحيوان " وفي بعضه ذكر الضبع، ومن خواص شعره أنه من تحمل بشيء منه حدث به البغاء، وقد كتب ابن البغدادي على الهامس: أخبرني الثقة شرف الدين بن الوحيد أنه جرب ذلك فصح معه، أو كما قال. ومما ينسب إلى ابن الوحيد، ورأيته لغيره: وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها ... لها وثبات في الحشا وثبات تؤجج ناراً في الحشا وهي جنة ... وتبدي مرير الطعم وهي نبات ومن شعر ابن الوحيد: الله باري قوس حاجبه التي ... مدت وإنسان العيون النابل ولحاظه نبل لها من هدبه ... ريش وأفئدة الأنام مقاتل ومنه: جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق ولا يزال مكانه وكان السراج الوراق قد مرض في وقت، فجهز إليه شرف الدين بن الوحيد أبلوجة سكر ومعها رقعة بخطه المليح، فكتب إليه السراج ومن خطه نقلت: أرسل لي ابن الوحيد لما ... مرضت بالأمس جام سكر ومدحةً لي بخطه لي ... فقلت ذا سكر مكرر حلى وحلى فمي وجيدي ... عقد شراب وعقد جوهر ووقف يوماً شيخنا ناصر الدين شافع على شيء من نظم ابن الوحيد فقال:

стр. 2619

أرانا يراع ابن الوحيد بدائعا ... تشوق بما قد أنهجته من الطرق بها فات كل الناس سبقاً فحبذا ... يمين له قد أحرزت قصب السبق فقال ابن الوحيد: يا شافعاً شفع العليا بحكمته ... فساد من راح ذا علم وذا حسب بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب فجاءني منه مدح صيغ من ذهب ... مرصعاً بل أتى أبهى من الذهب فكدت أنشد لولا نور باطنه ... أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي فلما بلغت هذه الأبيات ناصر الدين شافعاً قال: نعم نظرت ولكن لم أجد أحداً ... يا من غدا أوحداً في قلة الأدب جازيت مدحي وتقريظي بمعيرة ... والعيب في الرأس دون العيب في الذنب وزدت في الفخر حتى قلت منتسباً ... بخطك اليابس المرئي كالحطب بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب كذبت والله لن أرضاه في عمري ... يا بن الوحيد وكم صنفت من كذب جازيت نظمي وقد نضدته درراً ... يروق سمع الورى دراً بمحتلب وما فهمت مرادي في المديح ولو ... فهمته لم توجهه إلى الأدب سأتبع القاف إذا جاوبت مفتخراً ... بالزاي يا غافلاً عن سورة الغضب خالفت وزني عجزاً والروي معاً ... وذاك أقبح ما يروى عن العرب

стр. 2620

قلت: ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - معذور في العدول عن الوزن والقافية لأنه ما كان يجد في ذلك الوزن والقافية مثل قول أبي الطيب: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، فإن ناصر الدين كان ذلك الوقت قد أضر، وقد احترز ابن الوحيد بقوله: " لولا نور باطنه " احترازاً، لكنه ما أفاده مع تسرع ناصر الدين شافع، ورحم الله كلا منهما. وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمري - رحمه الله تعالى - قال: كان شرف الدين بن الوحيد الكاتب يقول في قول القائل: " النبيذ بغير الدسم سم، وبغير النغم غم ": هاتان السجعتان ما وقع لهما ثالث، وهو قولي: " وبغير المليح قبيح ". قلت أنا: ما كان ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - لمح فيهما من الجناس المرقص والمطرب، ولو أن الأمر راجع إلى السجع فقط أو إلى الوزن فقط عمل الناس مجلدات من هذا النوع، ولكن أنا تكلفت لهما ثالثاً: " وبغير النهم هم " أعني أن الإكثار من الشراب سبب الانشراح والسرور، على العادة من كلام أولعوا بالشراب وبالغوا في الإكثار وحثوا على معاقرته. محمد بن شكر الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين الديري الشافعي الناسخ. كتب ما لا يحصى كثرة، وكان مقرئاً بالسبع، وكان يعرف علم الحرف ويتكلم عليه جيداً إلى الغاية، وله مشاركة في علوم كثيرة، وأظنه كتب في المصطبة في وقت. والله أعلم.

стр. 2621

وكانت له عناية بتصانيفي، لا يسمع بشيء منها إلا ويكتبه لنفسه أولاً وللناس ثانياُ، وكتب من الكتب الستة الصحاح كثيراً، ومن كتب الفقه المطولة كثيراً. ثم إنه آخر الحال أقام بدار الحديث الأشرفية يرتزق بالنسخ إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة وقد قارب التسعين عفا الله عنه. محمد بن الشنبكي بالشين المعجمة والنون الساكنة وبعدها باء موحدة وكاف، ناصر الدين. كان من ظرفاء القاهرة، ساكناً خيراً، يلعب بالعود ويلوذ بالقاضي جمال الدين رئيس الأطباء، ورأيته بسوق الكتب مرات وكتب إلي يوماً: أيا صلاح الدين يا فاضلاً ... لفظك ما أسمى وأسناه كالدر منظوماً وإن كان منثوراً فما أغلى وأعلاه إن دار بين الشرب في أكؤس ال ... أفواه ما أجلا وأحلاه ما الزهر ما الزهر إذا استمتعوا ... منه برؤياه ورياه فيطرب السمع لألفاظه ... ويرقص القلب لمغناه فكتبت أنا الجواب إليه: يا ناصر الدين الذي نظمه ... قد زان مغناه ومعناه أتحفتني منه بشعر غدا ... كالزهر مرآه ورياه فلفظه إن حال في منطق ... حلاه أو في السمع حلاه يحكي محياك الكريم الذي ... حياه لي الله وحياه كذا يكون الشعر يا مالكي ... ما كل من أنشاه وشاه

стр. 2622

محمد بن شهري الأمير شجاع الدين متولي بعلبك. توفي يوم الأحد خامس شهر رجب سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن بمقبرة اللوزة يوم الاثنين. محمد بن صالح بن حسن شمس الدين بن البنا القفطي الشافعي. كان فقيهاً أديباً شاعراً، أخذ الفقه والأصول عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد وتلميذه بهاء الدين القفطي، وتولى الحكم بسمهود والبلينا وجرجا وطوخ. وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يكرمه، وتوجه صحبته إلى دمشق، وسمع منه. قال ابن الوالي: قد سمع منه بقوص. وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وتسعين وست مئة. محمد بن صبيح بن عبد الله بدر الدين، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي بدمشق المعروف بالتفليسي، لأن والده كان عتيق امرأة كانت ابنة كمال الدين التفليسي التاجر، وتارة كان ينتسب إلى الكرخي.

стр. 2623

سمع على أبيك الجمالي سنة سبع وخمسين وهو حاضر في الخامسة، وسمع بعد ذلك على ابن عبد الدائم، وعمر الكرماني، وأبي بكر بن النشبي، وأحمد بن نعمة المقدسي، وغيرهم. وقرأ القرآن على الشيخ يحيى المنبجي. وكان حسن الصوت في القراءة والأذان والتسبيح موصوفاً بذلك مشهوراً في البلاد، سمع منه الطلبة وأم بنائب السلطنة مدة، وولي حسبة الصالحية والإشراف على الجامع الأموي. وكان يقرأ في المصحف على الكرسي عقيب صلاة الصبح ويخرج أمام الخطيب يوم الجمعة بالسواد. توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وسبع مئة بخانقاه الطواويس. ومولده تقريباً سنة اثنتين وخمسين وست مئة. محمد بن أبي طالب الأنصاري الصوفي شمس الدين المعروف بشيخ حطين أولاً، ثم أخيراً بشيخ الربوة. رأيته بصفد مرات، واجتمعت به مدة مديدة. كان من أذكياء العالم وأقوياء الفهم الذي من رزقه فقد سلم وسالم. له قدرة على الدخول في كل فن، وجرأة على التصدي لكل ما سنح في الأذهان وعن، رأيت له عدة من التصانيف في كل علم حتى في الأطعمه، وكل ما يعمل على النار المضرمه، وفي أصول الدين على غير طريق الأشاعره، ولا طريق الاعتزال ولا الحشوية المتظاهره، لأنه

стр. 2624

لم يكن له علم. وإنما كان ذكيا، وعقله بفهم الغرائب زكيا، فكنت يوماً أراه أشعرياً، ويوماً أراه معتزليا، ويوماً أراه حشويا، ويوماً أراه يرى رأي ابن سبعين وقد نحا طريقه، وتكلم على العرفان والحقيقه. نعم كان يتكلم على الأوفاق ووضعها، وحفظها فيما يستعمله ورفعها، ويتكلم على أسرار الحروف كلاماً مناسبا، ويدعي أنه لا يرى دونه في ذلك حاجبا، ويعرف الرمل ويتقنه ضربا، ويدريه جنساً ونوعاً وضربا. وكان ينظم نظماً ليس بطائل، ويستعير فيه ما يريده من جميع القبائل، وكان قد لحقه الصم، وحصل به له ولمن يعرفه ألم، ثم أضر بأخرة من عينه الواحده، وبقي رحمه لمن يراه عدواً أو عنده له معانده. ولم يزل على حاله إلى أن رأى عين اليقين، وعلم أن معارات الدنيا لا يحمين من الموت ولا يقين. وتوفي - رحمه الله تعالى - فيما أظن في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة بصفد. ومولده سنة أربع وخمسين وست مئة. نقلته من خط شيخنا البرزالي. كان ذكياً وعبارته حلوة، ما تمل محاضرته، وكان يدعي عمل الكيمياء، ودخل على الأفرم وأوهمه شيئاً من ذلك، فولاه مشيخة الربوة، والظاهر أنه كان يعلم منها ما يخدع به العقول، ويتلعب بالألباب الأغمار، ولما جاء إلى صفد ورأيته بها كان شيخ قرية علمين الفقراء، وهي قرية عند قرية مغران بالقرب من الشريعة عند جسر يعقوب، وقف السلطان صلاح الدين يوسف تغمده الله تعالى برحمته.

стр. 2625

قال شيخنا علم الدين البرزالي: ومولده بزاوية جده الشيخ أبي طالب بقصر حجاج بدمشق. قال الشيخ علم الدين البرزالي: وأعرف جده أبا طالب، وكان صالحاً يصلي الجمعة دائماً تحت النسر، انتهى. قلت أنا: وهو شيخ النجم الحطيني المعروف بنجيم الذي سمره السلطان الملك الناصر بالقاهرة وجهزه إلى دمشق مسمراً على جمل، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف النون مكانه، وكان هذا النجم يخدمه، وهو شيخ الخانقاه بحطين من بلاد صفد، وورد عليهم إنسان في تلك المدة أضافوه على العادة، وكان هذا النجم رأى مع الضيف ذهباً، فاتبعه لما سرى من الخانقاه، وقتله في الطريق وأخذ ذهبه، وبلغت القضية نائب صفد الأمير سيف الدين كراي، فأحضر الشيخ شمس الدين وضربه ألف مقرعة، على ما قيل، وعوقب زماناً، ثم أفرج عنه، ثم إن هذا النجيم كان بعد ذلك يؤذي الشيخ. حكى لنا الشيخ شمس الدين قال: كنت أخافه على نفسي، فأنام في الربوة وأغلق باب المكان وهو محدود، وأستوثق من الأقفال وغيرها، وأكون نائماً آمناً، وما أشعر به إلا وقد أيقظني فأفتح فأرى السكين في يده مجردة، ويقول: يا أفخاذ الغنمة، ما تريد أن أفعل بك؟ قال: فأدخل بكل طريق من ضروب الخداع والتلطف أنه أي فائدة في قتلي، وفرضنا أني قتلت، فهل في هذا فائدة تحصل، ولا أزل أخدعه حتى يمضي ويتركني. وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت: الله أكبر يا الله من قدر ... حارت عقول أولي الألباب في صدره نجم به كسفت شمس وذا عجب ... أن يكسف الشمس جرم النجم مع صغره

стр. 2626

ولم يزل الشيخ شمس الدين مروعاً من هذا النجم إلى أن سمر. وكان ما يسميه بعد ذلك إلا الهالك، ويكني عن نفسه بالشخص. فيقول: جرى للشخص مع الهالك كيت وكيت، وما كانت حكاياته عنه تمل، لأنه يؤديها بعبارة فصحى وينمقها ويزمكها. وجمع هذا الشيخ كتاباً في علم الفراسة سماه " كتاب السياسة في علم الفراسة " كتبته بخطي من خطه، وتناولته منه بصفد، ولم أر في كتب الفراسة مثله، وقد نقله مني جماعة أفاضل بمصر والشام منهم الشيخ شمس الدين الأكفاني، لأنه جمع فيه كلام الشافعي ﵁ وكلام ابن عربي وكلام صاحب المنصوري وكلام أفلاطون وكلام أرسطو، فجاء حسناً إلى الغاية. ولحقه صم زائد قبل موته بعشرة أعوام، أضرت عينه الواحدة. وتوفي بمارستان الأمير سيف الدين تنكز بصفد رحمه الله تعالى. كان من أفراد العالم وله في كل شيء يتحدث فيه مصنف. وأنشدني من لفظه لنفسه، ومن خطه نقلت، في مليح كان يميل إليه، وتوكل بقرية فرادية من عمل صفد، ولاه الحاكم بصفد هذه الوكالة: قل للمقيمين بفراديه ... من ذا الذي أفتى بإفراديه ومن لحيني في الهوى عامداً ... أصدرني من قبل إفراديه وما الذي أوجب هجري وأن ... تقصد الأتراك أكراديه فقيل مت في حبهم أو فعش ... فما لمقتول الهوى من ديه وهجرك الحكم العزيز اقتضى ... من غير ما ذنب ولا عاديه وإنما سنة أهل الهوى ... تغاير الحضار والباديه

стр. 2627

ونقلت من خطه له: للنفس وجهان لا تنفك قابلةً ... مما تقابل من عال ومستفل كنحلة طرفاها في مقابلة ... فيها من اللسع ما فيها من العسل ونقلت من خطه وأنشدنيه: نظر الهلال إليه أول ليلة ... فرآه أحسن منظراً فتزيدا ورآه أحسن وهو بدر فهو من ... غم يذوب ويضمحل كما بدا ونقلت من خطه له: يا من تعالى أن يجوز بذاته ... وصفاته التلويح والتصريح أنت العلي عن الصفات بأسرها ... لكن تنزيلك اللطيف يبوح والقول منا عند كل تعقل ... وتخيل وتوهم سبوح ونقلت من خطه له، يعني نفسه: تأدب حتى لم يجد من يناظره ... وحتى قلته كتبه ودفاتره ودارس ما فيها فلم ير ذا حجى ... وذا أدب مما يراه يحاوره وطاب به الحرمان من كل جانب ... وظل إليه الفقر تسعى بوادره فلو رام بحراً زاخراً وهو ظامي ... يحاول منه شربة غاص زاخره وكان يعرض شعراً كثيراً علي وأغير منه كثيراً. وكان صبوراً على القلة والفقر والوحدة، كثير الآلام والأوجاع. وكان به انفتاق في أنثييه يثور به كل قليل ويقاسي منه شدة، وكان قد كبر سنه وأنقى شيبه. والذين رأيتهم يقومون بعلم الفراسة ثلاثة: شيخنا نجم الدين بن الكمال الصفدي الخطيب رحمه الله تعالى، وهذا الشيخ شمس الدين، والحكيم أسد اليهودي، وكان أصدقهم

стр. 2628

فراسة أسد اليهودي، ولكنه لما رأى هذا المصنف الذي ذكرته لشيخ الربوة معي بحلب سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وطلبه مني لينسخه، فأبيت، ثم طلبه بدمشق، ثم طلبه بالقاهرة وما اتفق إعطاؤه. محمد بن طرنطاي الأمير ناصر الدين ابن الأمير الكبير حسام الدين، أمير مئة مقدم ألف بالديار المصرية. وكان قد اتصل ببستان ابنة الأمير سيف الدين قبجق نائب الشام، أظنها كانت أولاً زوجة الأمير سيف الدين كراي المنصوري نائب الشام. كان جيداً خيراً، سليم الباطن، وعنده ثلاثة مماليك اسم أحدهم " حلب " والآخر " مصر " والآخر " دمشق "، وهو ابن الأمير حسام الدين طرنطاي نائب الديار المصر لأستاذه الملك الناصر. وحج الأمير ناصر الدين أربع مرات. وكان قد أجاز له ولأخوته سنة سبع مئة الحافظ شرف الدين الدمياطي، والأبرقوهي. وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الخميس تاسع شهر رجب الفرد سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمدرسة والده داخل القاهرة. محمد بن طغريل الصيرفي المحدث، المخرج، مفيد الطلبة، ناصر الدين الدمشقي.

стр. 2629

روى عن أبي بكر بن عبد الدائم، والمطعم. وقرأ الكثير. وسمعت بقراءته " صحيح " مسلم على البندينجي الصوفي وغير ذلك. وكان سريع القراءة فصيحها يأتي فيها إتيان السيل إذا تحدر، لا يكترث ولا يدأب فيها. توفي - رحمه الله تعالى - غريباً في حماة سنة سبع وثلاثين وسبع مئة ولم يتكهل أو بلغ الأربعين. قال شيخنا شمس الدين الذهبي: جيد التحصيل، مليح التصريح، كثير الشيوخ، حسن القراءة، ضعفوه من قبل العدالة، ثم ترددنا في ذلك وتوقفنا، فالله يصلحه، ولو قبل النصح لأفلح. قلت: لم يطعنوا عليه إلا لأنه إذا قرأ قلب الورقتين والثلاث، والله أعلم. محمد بن طغلق شاه السلطان الأعظم العادل الفاضل أبو المجاهد، صاحب دهلي وسائر مملكة الهند والسند ومكران والمعبر، وكان يخطب له بمقدشوة وسرنديب وكثير من الجزر البحرية. ورث الملك عن أبيه طغلق شاه، ملك هو إسكندر زمانه، وحاكم الأرض في عصره وأوانه، قد دوخ البلاد، ودخل في طاعته العباد، يحكم على بلاد الهند، وما دخل في مسمى السند، ليس في ملوك الأرض من يدانيه في اتساع ملكه، ولا من ينخرط در بلاده في سلكه، تكاثر الرمال عساكره، وتفاخر النجوم جواهره، وتغامر البحار الزاخرة ذخائره، وتحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره إذا تغلغل طرف المرء في طرف من ملكه غرقت فيه خواطره، كريم بخل الغمام، وجواد أضحت هباته هي الأطواق والناس الحمام، تغرق البحار في فضاء كرمه، وتستحي السيول أن تطأ مواطئ حرمه، قد وسع الناس طوله، وشملهم بالإحسان فعله وقوله، ما أمه عاف إلا

стр. 2630

وتلقاه الغنى، وسرى الفقر عنه والعنا، ونوله في مبادي جوده غايات المنى: وغير كثير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكاً للعراقين واليا وأما تواضعه لله تعالى مع هذه العظمة فأمر عجيب، وفعل لا يصدر إلا ممن إذا دعاه الهدى يجيب. وأما محبته لأهل العلم فشيء زاد على الصفة، وعجزت عن إدراك كنهها بنت كل شفة، يجعلهم ندماءه الخواص وجلساءه الذين هم في بحر كرمه غواص، يتقرب إليهم بالمكارم، ويحكمهم في أمواله كما يحكم في فريسته الليث الضبارم. لم يزل على حاله إلى أن أوحش منه إيوانه، وما أغنى عنه ماله وهلك عنه سلطانه. وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة تقريباً. مما يستدل به على عظمة هذا السلطان أنه ورد في وقت كتابه إلى سلطاننا الأعظم محمد في مقلمة ذهب وزنها ألفا دينار، وهي مرصعة بجوهر قوم بثلاث آلاف دينار. وكنت يوماً عند الأمير عز الدين أيدمر الخطيري وقد جاء إنسان في زي فقير، فقال: يا خوند أنا جئت في جملة من أرسله السلطان صاحب الهند محمد بن طغلق
следующие страницы →