Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده بشبرا من الغربية سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
قول أصحاب الشافعي ﵁: إن الراهن والمرتهن إذا تشاحا في الرهن يكون عند من يسلمه الحاكم إلى عدل صورة التشاحح مما يسأل عنه.
فإنه إن كان قبل القبض فالتسليم غير واجب، وإن كان بعد القبض فلا يجوز نزعه ممن هو في يده.
وكان الشيخ قطب الدين السنباطي - رحمه الله تعالى - يصور ذلك فيما إذا وضعاه عند عدل ففسق، فإن يده تزال والرهن لازم، فإذا تشاحا حينئذ فمن يكون تحت يده اتجه اختيار الحاكم وكذلك لو رضيا بيد المرتهن لعدالته حين القبض ثم فسق ينبغي أن يكون كذلك.
قلت: هذه الكذلكة الثانية لا فائدة فيها فإنها هي الأولى بعينها.
محمد بن عبد العظيم بن علي بن سالم
جمال الدين بن السقطي القاضي الشافعي.
كان رئيساً عاقلاً لبيباً وقوراً، من قضاة العدل، تولى نيابة الحكم بمصر والجيزة والقاهرة والقليوبية سنين كثيرة، ولم يؤخذ عليه في حكم حكم به، ولا نقص عليه أمر أبرمه. شهد عنده جماعة في قضية فتثبت فيها وركب إلى القرافة وقرأ تاريخ الوفاة من المشهود عليه، ورجع الجماعة إليه، فقال لهم: امضوا إلى قبره، واقرؤوا تاريخ الوفاة، فوجموا لذلك.
стр. 2662
وله حكايات في التوقف وعدم التسامح في الأحكام. ودرس بالطيرسية بمصر وبالجامع الأقمر.
وسمع الحديث من ابن الصابوني، وأجز له ابن باقا. وترك القضاء مدة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الاثنين حادي عشر شعبان سنة سبع وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين أو ثلاث وستين وست مئة.
ومن تشدده - رحمه الله تعالى - ما حكاه الفاضل كمال الدين الأدفوي قال: حكى لي العالم الفقيه أبو إسحاق إبراهيم الإسنائي قاضي قوص قال: وقعت لشخص عنده قضية احتيج فيها إلى التعريف، فقال له: أحضر من يعرف بك. فأحضر الشيخ علاء الدين الباجي، فقام إليه وأجلسه معه وبجله، فقال ذلك الشخص: سيدي علاء الدين يعرف بي، فقال القاضي: سيدي علاء الدين أكبر من ذلك، امض وأت بمن يعرف بك.
قال: وقال لي صاحبنا أبو عبد الله محمد الإخميمي الشهير بابن القاسح: طلبت من قاضي القضاة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ولاية العقود بالقاهرة وسألته أن يفوض ذلك إلى ابن السقطي فقال: ما يفعل، قلت: بلى يفعل. فقال: أنا أقرب في ذلك منه.
وله حكايات في التثبت والاحتياط والاحتراز معروفة مشهورة بين المصريين.
стр. 2663
محمد بن عبد الغني بن عبد الكافي
ابن عبد الوهاب بن محمد بن أبي الفضائل، الشيخ زين الدين الأنصاري بن الحرستاني.
سمع من ابن صباح، وابن اللتي، وغيرهما.
وحدث بالدارمي، قرأه عليه بن حسيب، وكان ذهبياً بقيسارية المد، وله حرمة ووجاهة ببلده لدينه ومكارمه، وكان حافظاً للحكايات والأشعار يوردها إيراداً جيداً، وكان يلقب بالنحوي.
توفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة خمس وعشرين وست مئة.
محمد بن عبد الغني بن محمد
ابن يعقوب بن إلياس، الشيخ شمس الدين بن عز الدين ابن قاضي حران، الحموي النحوي.
كان متصدراً بجامع حماة الأعلى لللإقراء، وفقيهاً في المدارس، وله خصوصية بالأمير بدر الدين حسن بن الأفضل، وله عنده منزلة.
توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن صفر سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
стр. 2664
محمد بن عبد القادر
ابن عثمان بن منهال المصري، الصدر عز الدين.
كان رجلاً جيداً عارفاً، ولم يكن رأى دمشق، فنزل بالمدرسة الإقبالية الحنفية.
قال شيخنا البرزالي: فاجتمعت به وذاكرني في مروياته ومسموعاته، وكان له ميل إلى أن يخرج له شيء، وكان له شعر، وتولى إمامة الجامع الحاكمي بالقاهرة.
وسمع من الحراني، وشامية، والصفي خليل، وطبقتهم.
وأجاز له جماعة من المتأخرين من أصحاب البوصيري، وجمع شيوخه بالإجازة، ورتبهم فزادوا على الألف.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثاني عشر جمادى الأولى سنة تسع وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون في تربة ابن الجوخي.
ومولده سنة إحدى وستين وست مئة.
محمد بن عبد القوي بن بدران
الإمام المفتي النحوي شمس الدين أبو عبد الله المقدسي المرداوي الحنبلي.
стр. 2665
قدم الصالحية، وتفقه على الشيخ شمس الدين وغيره.
وبرع في العربية واللغة، وأقرأ ودرس وأفتى وصنف، وكان حسن الديانة، دمث الأخلاق. ولي تدريس الصاحبية، وكان يحضر دار الحديث ويشغل بها وبالجبل.
وسمع من خطيب مردا، ومن محمد بن عبد الهادي، وعثمان بن خطيب القرافة، ومظفر بن الشيرجي، وإبراهيم بن خليل، وابن عساكر تاج الدين.
وله قصيدة دالية في الفقه، وكان على ذهنه حكايات ونوادر. وقرأ النحو على الشيخ جمال الدين بن مالك وغيره. وأخذ عنه القاضيان شمس الدين بن مسلم، وجمال الدين بن جملة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده بمردا سنة ثلاثين وست مئة.
محمد بن عبد الكريم بن علي التبريزي
المقرئ المعمر نظام الدين.
سافر مع أبيه للتجارة وأقام بحلب، وسمع من ابن رواحة، وقال: سمعت بها من بهاء الدين بن شداد. وكمل القراءات سنة خمس وثلاثين وست مئة على السخاوي
стр. 2666
إفراداً وجمعاً، وتلا بحرف أبي عمرو بالثغر على أبي القاسم الصفراوي، وبمصر على ابن الرماح. وتلا به ختماً على المنتخب الهمذاني.
ثم استوطن دمشق وأم بمسجد وأقرأ بحلقة، وكان ساكناً متواضعاً كثير التلاوة. قرأ عليه شيخنا الذهبي لأبي عمرو، وسمع منه " حرز الأماني " بقراءة ابن منتاب.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الأربعاء سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة ست وسبع مئة.
ومولده بتبريز سنة ثلاث عشرة وست مئة.
محمد بن عبد الكريم بن محمد بن محمد
الصدر مجير الدين بن المغيزل.
كان قد تولى نظر الدواوين بحماة.
وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبع مئة.
وقد تقدم ذكر والده شرف الدين في حرف العين مكانه.
محمد بن عبد الكريم بن محمد بن علي
الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع شمس الدين أبو عبد الله القرشي بن الشماع.
стр. 2667
كان فاضلاً، من أعيان الفقهاء، وله مشاركة في القراءات والحديث والأصول والنحو، سمع من أصحاب الخشوعي وابن طبرزد، وحصل النسخ، وقرأ وحدث وتزهد مدة.
أقام بصفد في أواخر عمره إلى أن مات بها - رحمه الله تعالى - في مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبع مئة.
محمد بن عبد اللطيف بن يحيى
ابن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن تميم بن حامد، أقضى القضاة تقي الدين أبو الفتح بن أبي البركات بن أبي زكريا الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي.
أجاز له لما ولد جماعة من المسندين منهم الحافظ شرف الدين الدمياطي، وفي تلك السنة توفي.
وأحضره أبوه علي أبي العباس أحمد بن قاضي القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، وأبي الحسن علي بن محمد بن هارون الثعلبي، وأبي المحاسن يوسف بن المظفر بن كوركيك الكحال، وأبي الحسن علي بن عيسى بن سليمان بن القيم، وغيرهم.
وأجاز له في سنة سبع وسبع مئة خلق من أعيان المشايخ بالديار المصرية والشامية يطول ذكرهم. ثم سمع بنفسه من خلق بالقاهرة ومصر وأعمالها ومكة والمدينة ودمشق
стр. 2668
بقراءته وقراءة غيره كأبي علي الحسن بن عيسى بن خليل الهكاري وأبي الحسن علي بن عمر بن أبي بكر الواني وأبي الهدى أحمد بن محمد بن علي بن شجاع العباسي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ومحمد بن عبد الحميد بن محمد الهمذاني، وعبد الله بن علي بن عمر بن شبل الحميري، ويوسف بن عمر بن حسين الختني، وأحمد بن أبي طالب الصالحي، ويحيى بن يوسف المقدسي، ومحيي الدين بن فضل الله، وعلي بن إسماعيل المخزومي، ومحمد بن عبد المنعم الصواف، وأبي بكر بن يوسف بن عبد العظيم المصري، وخلائق يطول ذكرهم. وسمع العالي والنازل، وكتب بنفسه وخرج وانتقى وحصل.
وقرأ القرآن بالسبع في ختمات على شيخنا العلامة أبي حيان، وأجاز له بإقرائه حيث شاء متى شاء، وكتب له خطه بذلك.
وقرأ الفقه على مذهب الشافعي، وغيره من العلوم على شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وقرأ الفقه أيضاً على جدهيحيى بن علي وعلى الشيخ قطب الدين السنباطي. وقرأ الفقه أيضاً على ذي الفنون أبي علي الحسين بن علي الأسواني، ولازمه مدة طويلة، واشتغل بأصول الفقه على جده يحيى.
وقرأ النحو على شيخنا العلامة أثير الدين، لازمه نحواً من سبعة عشر عاماً، وشرح عليه " تقريب المقرب " تصنيفه، وكتاب " التسهيل " لابن مالك، وأجازه بإقرائهما، وسمع عليه كثيراً من " شرحه للتسهيل "، وكثيراً من " كتاب سيبويه "
стр. 2669
سماعاً وشرحاً، وسمع عليه كثيراً من شعره بقراءتي أنا، وسمع عليه من شعر غيره، وكثيراً من المرويات الأدبية. وسمع عليه " مقامات " الحريري بقراءتي أنا، وقرأ كتاب " لباب الأربعين " وكثيراً من علم الخلاف على شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي. وقرأ كتاب " مطالع الأنوار " مرتين على الشيخ تاج الدين التبريزي، وسمع عنده كثيراً من الكتب المنطقية والخلافية والأصولية. وجالس في الأدب شيخنا العلامة ناصر الدين شافع بن علي وسمع عليه من شعره وتصانيفه، ومدحه بأبيات منها:
رأت العدا عباس جدك طاهراً ... فأتوا إلى عليا نداك بشافع
كان هذا أقضى القضاة تقي الدين من أصح الناس ذهناً وأذكاهم فطرة كما سفر البدر وهناً.
شارك في فنون، وعارك في عدة علوم خاض منها في شجون، عمل في القراءات عملاً بخل الزمان به على السخاوي، وكسر له ابن جبارة فما يقاومه ولا يقاوي.
وجد في سماع الحديث، وقرأ بنفسه، فما عند السلفي منه نقده، ولا ابن عساكر لو لاقاه لولى فراراً وهو وحده.
واشتغل بالفقه فلو أن الماوردي في زمانه ما تسمى أقضى القضاه، أو رآه الروياني نشف بحره في فضاه.
стр. 2670
ودأب في الأصول فما للآمدي في مداه خطوه، ولا لابن خطيب الري ري إذا رقا من المنبر على ذروه.
وأكب على العربية حتى أطار ابن عصفور عن هذا الفن، وغدا الزجاجي يكسر قواريره على ضنه بما ظن. وحضر مآدب الأدب حتى افتقر صاحب الذخيرة وجعل صاحب " القلائد " مع الحصيري على حصيره. وكتب فروض المهارق، وأخمل بخطه الخمائل، وقد أحدقت بها زهر الحدائق. ونظم الشعر الذي ترقرق وانسجم. ولام الناس صاحب " لامية العرب " و" لامية العجم ":
لفظ كأن معاني السكر تسكنه ... فمن تحفظ بيتاً منه لم يفق
إذا ترنم شاد لليراع به ... لاقى المنايا بلا خوف ولا حرق
وأما الدين فإنه تمسك منه بالحبل المتين، وأما الورع فكان معلقاً منه في الوتين، له في ذلك عجائب، وأخبار تحملها الصبا والجنائب، قدم على شيخنا العلامة شيخ الإسلام وهو مقيم بالشام وعاد إلى القاهرة ثم زاره ثانياً فأمسكه إمساك غريم ألد، وألزمه بنيابته فسلك فيها الطريق الأسد بالأمر الأشد.
ولم يكن يزل على حاله إلى أن جر أبو الفتح إلى لحده، وطوت شقة الأيام منه نسيج وحده.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة السبت ثاني عشر ذي القعدة سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
وكان قد نزل بالمدارس بالقاهرة وتولى الإعادة للفقهاء بالمشهد الحسيني والمدرسة السيفية في حدود سنة عشرين وسبع مئة. ودرس بالمدرسة السيفية المذكورة سنة أربع وعشرين وسبع مئة نيابة عن جده أبي زكريا يحيى، واستقر التدريس بها باسمه،
стр. 2671
ولم يزل بها مدرساً مع ما أضيف إليه من الوظائف إلى أن باشر التصدير بالجامع الطولوني وغيره لما توجه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى الشام وولي القضاء بالمقسم ظاهر القاهرة.
ثم إنه ورد الشام وتولى تدريس المدرسة الركنية الجوانية وخلافة الحكم العزيز بالشام والتصدير بالجامع الأموي.
وكان - رحمه الله تعالى - شديد الورع متحرزاً في دينه محتاطاً لنفسه، درس بالركنية فحكى لي بعض الفقهاء أنه كان لا يتناول منها ما فيها من الجراية ويقول: تركي لهذا في مقابلة أني ما يتهيأ لي فيها الصلوات الخمس. وكان سديد الأحكام بصيراً بمواقع الصواب فيها.
وكتب إلى شيخنا العلامة أبي حيان مع خشكنانج جهزه إليه بعد عيد الفطر:
أهنيك بالعيد الذي حل عندنا ... خلعت عليه من علاك جلال
وحاولت تعجيل البشارة والهنا ... فأرسلت من قبل الهلال هلال
ومن شعره - رحمه الله تعالى -:
والله لم أذهب لبحر سلوةً ... لكم ولا تفريج قلب موجع
стр. 2672
لكنه لما تأخر مدةً ... أحببت تعجيل الوفاء بأدمعي
ومنه:
منذ بعدتم فسروري بعيد ... وبعدكم لم أتمتع بسعيد
وكيف يهوى العيد أو نزهة ... شهيد وجد ودموع تزيد
فالبحر من تيار دمعي له ... يبكي به والعيد عيد الشهيد
وكنت قد كتبت إليه في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبع مئة:
تقي الدين يا أقضى البرايا ... ويا رب النهى والألمعية
ويا من راح أثنيتي عليه ... تضوع كمسك فطرته الذكية
أهز إلي منك بجذع علم ... فوائده تساقط لي جنية
لأنك لا تسامى في علوم ... نزلت بها منازلك العلية
ونظمك نظم مصري طباعاً ... حلاوته لذلك قاهرية
ودأبك فتح باب النصر حقاً ... وغيرك شغله بالباطلية
أفدنا إننا فقراء فهم ... لما تملي فضائلك الغنية
تقرر أن فعالاً فعولاً ... مبالغتان في اسم الفاعلية
فكيف تقول فيما صح منه ... وما الله بظلام البرية
أيعطي القول إن فكرت فيه ... سوى نفي المبالغة القوية
وكيف إذا توضأنا بماء ... طهور وهو رأي الشافعية
أزلنا الوصف عنه بفرد فعل ... وذاك خلاف رأي المالكية
стр. 2673
فأوضح ما ادلهم علي حتى ... تغادرني على بيضا نقية
فإن يدنو ظلام الشك مني ... فإنك ذو قناديل مضية
ودم للمشكلات تميط عنها ... أذى فهم لأذهان مدية
فكتب الجواب إلي عن ذلك، وأجاد:
جلوت علي ألفاظاً جلية ... وسقت إلي أبكاراً سنية
ونظمت الجواهر في عقود ... فأزرت بالعقود الجوهرية
وأبدعت المسير من نظام ... فما لمسير عندي مزية
لآل مثل بدر التم نوراً ... ولكن في النهار لنا مضية
حلاوتها تخالط كل قلب ... ومن حشو وحوشي نقية
أتت من حافظ الآداب طراً ... وقلبي مغرم بالحافظية
وتعزى للخليل فما فؤادي ... يميل هوى لغير السكرية
فهمت بما فهمت من المعاني ... ولم أظفر بنكتتها الخفية
لأن العجز مني غير خاف ... ومالي في العلوم يد قوية
تأفف صاغة الآداب مني ... ومالي للإجابة صالحية
ومن جاء الحروب بلا سلاح ... كمن عقد الصلاة بغير نية
فخذ ما قد ظفرت به جواباً ... فما أنا قدر فطرتك الذكية
فظلام كبزاز وأيضاً ... فقد يأتي بمعنى الظالمية
وقد ينفى القليل لعلة في ... فوائده بنفي الأكثرية
وقد ينحى به التكثير قصداً ... لكثرة من يضام من البرية
وأما قوله ماء طهور ... ونصرته لقول المالكية
стр. 2674
فجاء على مبالغة فعول ... وشاع مجيئه للفاعلية
وقد ينوى به التكثير قصداً ... لكثرة من يروم الطاهرية
وأيضاً فهو يغسل كل جزء ... ولاء وهو رأي الشافعية
فخذها من محب ذي دعاء ... أتى منه الروي بلا روية
له فيكم موالاة حلت إذ ... أصول الود منه قاهرية
فإن مرت إذا مرت فعفواً ... فإن الستر شيمتك العلية
فمرسل شعره ما فيه طعم ... تجاب به القوافي السكرية
وأورد له قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي في " الطبقات الصغرى " له، قال: وأنشدني أبو الفتح لنفسه بقراءتي عليه:
إذا رمت تعداد الخلائف عدهم ... كما قلته تدعى اللبيب المحصلا
عتيق وفاروق وعثمان بعده ... علي الرضى من بعده حسن تلا
معاوية ثم ابنه وحفيده ... معاوية وابن الزبير أخو العلا
ومروان يتلوه ابنه ووليده ... سليمان وافى بعده عمر ولا
يزيد هشام والوليد يزيدهم ... سناهم وإبراهيم مروان قد علا
بسفاح المنصور مهدي ابتدي ... وهاد رشيد للأمين تكفلا
وأعقب بالمأمون معتصم غدا ... بواثقه يستتبع المتوكلا
ومنتصر والمستعين وبعده ... لمعتز المتلو بالمهتدي انقلا
ومعتمد يقفوه معتضد وعن ... سنا المكتفي يتلوه مقتدر سلا
وبالقاهر الراضي تعوض متق ... وبالله مستكف مطيع تفضلا
стр. 2675
وطائعهم لله بالله قادر ... وقائمهم بالمقتدي استظهر العلا
ومسترشد والراشد المقتفى به ... ومستنجد والمستضي ناصر تلا
وظاهرهم مستنصر قد تكلموا ... بمستعصم في وقته ظهر البلا
ومستنصر وحاكم وابنه ولم ... يقم واثق حتى أتى حاكم الملا
فدونكها مني بديهاً نظمته ... فإن آت تقصيراً فكن متطولا
وكتب له شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى:
أجدت تقي الدين نظماً ومقولاً ... ولم تبق شأواً للفضائل والعلا
فمن رام نظماً للأئمة بعدها ... يؤم محالاً خاسئاً ومجهلا
قلت: لم يذكر تقي الدين - رحمه الله تعالى - إبراهيم بن المهدي، وكان قد تولى بعد الأمين، ولا ابن المعتز في خلفاء بني العباس، لأنه بويع له في حياة المقتدر بعدما خلع، وكانت بيعة ابن المعتز يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومئتين، وأقعد في دار الداية، وسلم عليه بإمرة المؤمنين، لأن أولياء الأمر قالوا: المقتدر غير بالغ، ثم كان أمر ابن المعتز يوم السبت وبعض يوم الأحد، ثم فسد أمره وبطل لأن غلمان المقتدر صعدوا في الطيارات في الماء وصاحوا من دجلة، فخاف أصحاب ابن المعتز وتفرقوا، وأخذ وقتل وأعيد المقتدر. وفي ابن المعتز قال القائل:
لله درك من ملك بمضيعة ... واف من العلم والعلياء والحسب
ما فيه لو ولا لولا تنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
стр. 2676
وفي قوله - رحمه الله تعالى -: " ووليده سليمان " تجوز يوهم من لا علم له أو وليده سليمان واحد، ومراده اثنان لأنه قال: " ومروان يتلوه ابنه "، يعني به عبد الملك، وولي بعد عبد الملك ابنه الوليد الذي عمر الجامع الأموي، ثم تولى بعده سليمان، فقوله: " ووليده سليمان " كان ينبغي أن يأتي بينهما بفيصل، لأن لفظة الوليد مشتركة بين الولد والعلم.
وقد نظم الشيخ برهان الدين الجعبري - رحمه الله تعالى - قصيدة في هذه المادة مليحة ذكر الخلفاء إلى آخر وقت كلا منهم بلقبه وعمره ومدة خلافته، لكنها بخلاف بحروف الجمل، وقد ذكرتها مستوفاة في الجزء الرابع عشر من " التذكرة " التي لي. وله قصيدة أخرى نونية مردفة بألف، ذكر ذلك بعد حروف الجمل، بل ذكره تصريحاً.
ولشيخنا الذهبي أبيات قليلة ضمنها أسماء الخلفاء أيضاً في ثمانية أبيات ذكرتها أيضاً في هذا الجزء، وللرشيد الكاتب قصيدة رجز في ذكر الخلفاء، وقد أودعتها في الجزء السابع والثلاثين من " التذكرة " التي لي، وبعضهم نظم الخلفاء المصريين وما رأيت من نظمهم غيره، وهي:
الأول المهدي ثم القائم ... وبعده المنصور ذاك العالم
ثم المعز بعده العزيز ... والحاكم المبرز الإبريز
والظاهر المشهور والمستنصر ... في عهده شخص الهدى مستبصر
والمصطفى للدين والمستعلي ... وآمر والحافظ المستتلي
والظاهر المذكور ثم الفائز ... والعاضد الأخير ذاك الفائز
стр. 2677
ونظم أبو الحسين الجزار أرجوزة سماها: " العقود الدرية في الأمراء المصرية "، ذكر فيها من حكم في مصر من أول الإسلام إلى آخر أيام السعيد بن الظاهر، ثم كمل على ذلك فيما أظن الشيخ علاء الدين بن غانم إلى آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون في الدولة الثانية، ثم كمل عليها القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى آخر أيام الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد، ثم إنني أنا كملت عليها إلى آخر وقت، وهي جميعها في الجزء الرابع من " التذكرة " التي لي.
محمد بن عبد الله بن أحمد
القاضي شرف الدين بن الصاحب فتح الدين القيسراني المخزومي.
روى " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم، وسمع من الفقيه اليونيني، وإبراهيم بن خليل، وجماعة.
ولد بحلب سنة ثمان وأربعين وست مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة مستهل شعبان سنة سبع وسبع مئة.
وكان من بيت حشمة وصداره، وكتابة ووجاهة وعباره، وسيادة تسفل عن مراقي مراتبهم النجوم السياره. جملوا الممالك وصانوها، وزادوا الدول بهجة بألفاظهم وزانوها.
وكان القاضي شرف الدين هذا إذا كتب أخذ أرض الطرس ظخرفها وازينت.
стр. 2678
وعدت من الخيرات اليمانية وتعينت. نظم كأنه القلائد، ونظم يشبه الدر على لبات الخرائد، كله منتخب، وكله وجه غانية كأنه بالحسن البارع قد انتقب:
كأن طروسه روض نضير ... وأزهار المعاني فيه غضه
فكم نال الأديب بها غناه ... لأن كلامه ذهب وفضه
وكان متين الديانة، متوشحاً بالصيانه، معروفاً بالعفة والأمانه، وكان يلازم تلاوة القرآن، لا يخل بذلك في ولا أوان. يقرأ القصص، وإذا فرغ منها عاد إلى التلاوة على الراتب. وإذا مر بآية سجدة دار إلى القبلة وسجد وظهره إلى النائب. وتبرم منه النائب وشكاه، وذكر للسلطان وغيره وحكاه، فما رجع عن عادته، ولا ترك ذلك من سعادته.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن نبضه وبطل من بيت المال قبضه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس قال: كان القاضي شرف الدين قد توجه صحبة السلطان إلى غزوة، فرأيته في المنام كأنه منصرف عن الواقعة، وقد نصر الله المسلمين فيها على التتار، فأخبرني بما فتح الله به، فنظمت في المنام بيتين، واستيقظت ذاكراً للأول منهما وهو:
الحمد لله جاء النصر والظفر ... واستبشر النيران: الشمس والقمر
فكتبت إليه أعلمه بذلك، فكتب إلي الجواب عن ذلك:
أيا فاضلاً تلهي معاني صفاته ... فكل بليغ فاضل من رواته
стр. 2679
ومن يستبين الفهم من لحظاته ... له أمر بالرشد في يقظاته
وفي النوم يهديه لخير الطرائق
ومن قربه غايات كل فضيلة ... وأشطره تزهى بزهر خميلة
وجملته في الناس أي جميلة ... فإن قام لم يدأب لغير فضيلة
وإن نام لم يدأب لغير الحقائق
يقبل اليد العالية الفتحية فتح الله أبواب الجنة بها ولها، وأسعد خاطره الذي ما اشتغل عن الصواب ولا لها، ومشتهى خلقه الذي لا أعرف لحسنه مشبهاً، تقبيل مشتاق إلى روايته ورؤيته، ونتائج بديهته ورويته، كتعطش إلى روائه وإروائه والتيمن بعالي آرائه، والتحلي به في هذه السفرة المسفرة بمشيئة الله تعالى عن الفلاح والنجاح، والغزوة التي لها الملائكة الكرام النجدة، والرايات النبوية السلاح، والحركة التي أخلص المسلمون لله تعالى رواحهم، وغدوهم، وتعلقت آمالهم بأنه يهلك عدوهم، فإنهم قد بغوا والبغي وخيم المصرع، وابتغوا الفتنة والفتنة لمثيرها تصرع. وقد تكفل الله تعالى بالملة المحمدية أن يديل دولتها، وأخبر رسول الله ﷺ أن الله لا يسلط على هذه الأمة من يستبيح بيضتها، فلهذا ما أمضينا في السهر ليلا، ولا أنضينا في السفر خيلا، ولا رجونا إلا أن " نحمد السرى عن الصباح "، وكدنا أن " نطير إلى الهيجاء زرافات ووحداناً " بغير جناح ولا جناح. وسمحنا بنفوس نفائس في طلب الجنة والسماح رباح، وينهي أن المشرف العالي ورد إليه فتنسم
стр. 2680
أرواح قربه، وأوجد مسرات قلبه، وأعدم مضرات كربه، وأبهجه الكتاب بعبير رياه، وألهجه الخطاب تعبير رؤياه، فرأى خطه وشياً مرقوما، ولفظه رحيقاً مختوما، ووجده محتوياً على درر كلامية وبشر مناميه، وحديث نفس عصاميه.
نرجو من الله أن نشاهد ذلك أيقاظا، ونكون لأبنائه حفاظا.
وهو كتاب طويل. وأجاب عنه شيخنا فتح الدين، وقد أثبتهما في الجزء الأول من " التذكرة " التي لي.
محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم
الشيخ الكبير المشهور الصالح المرشدي.
قرأ على ضياء الدين بن عبد الرحيم، وتلا على الصائغ. وكان فقيهاً شافعي المذهب. وكانت له أحوال وهمة عظيمة، في خدمة الناس على مر السنين والأحوال، يطعم الناس الذين يردون عليه، ويأتي لكل واحد بما في خاطره ويقدمه بين يديه، اشتهر هذا الأمر عنه وذاع، وامتلأت به النواحي والبقاع. ولو ورد عليه من الألف نفس فما دونها أو جاؤوه في أي وقت كان من غير هدية يهدونها وجدوا ما يكفيهم ويكفي دوابهم وشيوخهم وشوابهم.
стр. 2681
ولم يكن يقبل لأحد شيئاً البته. وتحيل الناس عليه في مثل هذا فحالما علم به رده بغته.
ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى خالقه على سداد، وسكن لحده إلى يوم المعاد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وسبع مئة.
كان يحكي عجائب يحار لها السامع من إحضاره الأطعمة الكثيرة للواردين وكل من حضر وخطر بباله في الطريق قبل وصوله إليه شيء من المآكل الغريبة أحضره إليه ووضعه قدامه على الخصوص، وكان مقامه بقرية منية مرشد بالقرب من بلد فوه بالديار المصرية.
تحيل السلطان الملك الناصر محمد وجهز له مع الأمير سيف الدين بكتمر الساقي جملة من الذهب، فغالطه في قبولها ودسها معه في مأكول جهزه معه إلى السلطان. وحج في هيئة كبيرة وتلامذة.
أنفق في ليلة ما قيمته ألفان وخمس مئة درهم، وقيل: إنه أنفق في ثلاث ليال ما قيمته ألف دينار، وكان يأتيه الأمراء الكبار ومن دونهم من الفقراء، فيقوم بخدمتهم على أتم ما يكون، وقل من أنكر عليه، فاجتمع به إلا وزال ذلك من خاطره. وكان شيخنا فتح الدين بن سيد الناس ممن ينكر حاله ويشنع عليه، فما كان إلا أن اجتمع به، فسألته عنه، فقال: هو إنسان حسن. ثم إنه اجتمع به مرة ومرة، وكذلك الأمر ناصر الدين بن جنكلي كان ينكر عليه واجتمع به، وجرى بينهما تنافس في الكلام، ولم يجئ من عنده إلا وقد رضي به.
стр. 2682
وأخبرني جماعة ممن توجه إليه وأقام عنده أن في مكانه مسجداً ومنبراً للخطيب يوم الجمعة، وكان يأمر الناس بالصلاة، ولم يصل مع أحد، وصلاة الجماعة لا يعدلها شيء. وأمره غريب والسلام، يتولى الله سريرته.
وكان قد عظم شأنه، ويكتب الأوراق إلى دوادار السلطان، وإلى كاتب السر، وإلى من يتحدث في الدولة بقضاء أشغال الناس بعبارة ملخصة موجزة على يد من يتقاضاه ذلك، ويقضي جميع ما يشير به، وما عظم واشتهر في الديار المصرية إلا بتردد القاضي فخر الدين ناظر الجيش إليه، فإنه كان يزوره كثيراً، فعظم لذلك محله في النفوس.
وبات في عافية، وأرسل إلى الذين من حوله ليحضروا إليه فقد عرض أمر مهم، فأتوه، فدخل خلوته وأبطأ، فطلبوه فوجدوه ميتاً في التاريخ المذكور.
والحكايات في شأنه تزيد وتنقص إلا أنه لا يدعي شيئاً، ولم يحفظ عنه شطح، حسن العقيدة، شافعي المذهب، وكان يخرج إلى الواردين أطعمة كثيرة من داخل مكانه، ولا يدخل إلى ذلك المكان أحد سواه.
قال القاضي شهاب الدين بن فضل الله: حكى لي الأمير الوزير مغلطاي الجمالي رحمه الله تعالى، قال: توجهت إلى زيارة الشيخ محمد المرشدي، فلما قربت منه اشتهيت قمحية بلبن حليب بلحم رميس، فلما وصلنا جاء ومعه زبدية كبيرة فيها قمحية بلبن حليب بلحم رميس، وقال لي: كل. ثم بقي يغيب ويأتي بأشياء أخر ويضعها قدام مماليكي، وكلما أتى بشيء إلى واحد منهم تعجب منه ويقول: أنا والله كنت اشتهيه، وأحضر أكثر من عشرين لوناً ما يطبخ إلا في مطبخ السلطان.
стр. 2683
قال: وحكى لي شهاب الدين أحمد بن مليح الإسكندري بالإسكندرية، قال: نويت زيارة الشيخ محمد في نفسي. وقلت: لعلي أصادف عنده هيطلية بسمن وعسل آكل منها. فجاء كتاب وكيل الخاص باستعمال حوائج السلطان، فعاقني عما عزمت عليه، فلم يمض غير يومين أو ثلاثة وإذا أنا برجل قد أتاني من عند الشيخ، وقال: الشيخ يسلم عليك وقد بعث لك هذا السمن والعسل ليعمل لك هيطلية وتأكل بهما، ولو كانت تحمل إليك لبعث بها.
قال: وقد زعم قوم أن هذه الكرامات إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي فوه فإنهما كانا روحين في جسد، وكان قد تحصن بالشيخ، فلا يقدر قاضي القضاة ولا أحد على عزله، وطال ذيله، وأكثر من تسجيل البلاد والتجارة، والولاة ترعاه إما لاعتقاد في الشيخ أو لرجاء العناية من الشيخ بهم عند الدولة. فنمت أمواله، وصلحت حاله، واتسعت دائرة سعادته، ولم يبق له دأب إلا يلقى من يصل من ذوي الأقدار قاصداً زيارة الشيخ، لأن فوه طريق منية مرشد، فإذا وصل الزائر أنزله وأضافه وشرع في محادثته ومحادثة من معه حتى يقف على ما في خواطرهم وما يقترحونه، ثم إنه يبعث إلى الشيخ بذلك على دواب مركزة في الطريق بينهما ويمده من الأصناف بما لعله لا يكون عنده، ويعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه.
قلت: هذا فيه بعد إلى الغاية، وهذا يريد أموالاً كثيرة ينفقها القاضي أولاً على الزائرين، ثم إنه يجهز إلى الشيخ بما يطعم به زواره ثانياً. ولعل الذي كان يشتهي المأكول أو المشروب يشتهيه بعد فراق القاضي في نفسه، فمن أين يعلم الشيخ بذلك أيضاً؟ فما كل من قصد الشيخ يعمل طريقه على فوه ويجتمع بالقاضي.
стр. 2684
واستفاض أنه ما راح أحد وتمنى شيئاً يأكله أو يشربه إلا وجاءه الشيخ به.
وكان الشيخ - رحمه الله تعالى - أسمر مبدناً ربعة من الرجال، حسن الشكل، منور الصورة، جميل الهيئة، حسن الأخلاق.
ومات - رحمه الله تعالى - وقد قارب الستين. وكان يفتي من يسأله من غير أن يكتب خطه.
محمد بن عبد الله بن الحسين
ابن علي بن عبد الله الزرزاري الإربلي الدمشقي، قاضي القضاة العلامة شهاب الدين أبو الفرج وأبو عبد الله بن الإمام مجد الدين.
سمع من ابن أبي اليسر، ومظفر بن عبد الصمد الصائغ، والفخر علي، وابن أبي عمر، وأبي بكر بن الأنماطي، وابن الصابوني، وعبد الواسع الأبهري، والنجم بن المجاور، وابن الواسطي، وابن الزين، وابن بلبان، وغيرهم.
وكتب الطباق، وسمع كثيراً، وأفتى، ودرس، وجود العربية والفقه. وكان في الشروط آية، وفي معرفة الأحكام ونقضها وإبرامها غاية. وكان في المكارم لا يجارى، وفي الجود لا يبارى، وله على الناس خدم، وفي المروة رسوخ قدم. ينظر في المكتوب نظرة واحدة فيعرف فساده من صلاحه، ويزيل منه واواً أو يزيده ألفاً فيأتي
стр. 2685
بالمراد على اصطلاحه. ولي قضاء القضاة بدمشق بعد ابن جملة فلم يحمد، وعاد طرف الدين به وهو أمد.
ولم يزل على حاله إلى أن انهدم ابن المجد، وأهلك نفوس ذويه عليه من الألم والوجد.
كان أولاً ينوب في وكالة بيت المال عن القاضي جمال الدين والقاضي علاء الدين ابن القلانسي، ثم إنه انفرد بالوكالة في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ثم ولي قضاء القضاة بعد ابن جملة، ولبس تشريفه لذلك اليوم في يوم الأحد ثامن عشري القعدة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. ولم يزل به إلى أن عزل من باب السلطان بقاضي القضاة جلال الدين القزويني، ولم يعلم، ثم إنه توجه إلى القاضي شهاب الدين بن القيسراني يهنئه بكتابة السر، فنفرت به البغلة عن حمام الخضراء فرض دماغه، فحمل في محفة إلى العادلية.
ومات بعد أسبوع في آخر جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة، ولم يعمل له عزاء. وأوذي أصهاره.
أنشدني من لفظه لنفسه شمس الدين محمد الخياط الشاعر:
بغلة قاضينا إذا زلزلت ... كانت له من فوقها الواقعة
تكاثر ألهاه من عجبه ... حتى غدا ملقى على القارعة
فأظهرت زوجته عندها ... تضايقاً بالرحمة الواسعة
وكتب إليه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة:
стр. 2686
قاضي القضاة ابق في سماء علاً ... مقتبل السعد نافذ الحكم
كم من صديق قد جاء يسألني ... في البر والمكرمات والحلم
عن ابن صصرى وعنك. قلت له: ... لا فرق بين الشهاب والنجم
محمد بن عبد الله بن عمر
الشيخ الإمام العلامة الخير الورع زين الدين بن علم الدين ابن الشيخ زين الدين بن المرحل الشافعي. هو ابن أخي الشيخ صدر الدين بن الوكيل.
ربي على طريق خير وسلامه، ونشأ في صون وعفاف لم يلحقه في ذلك سآمه، يلازم الاشتغال ليلاً ونهارا، ويكرر دروسه في كل وقت مرارا. وكان من أحسن الناس شكلا، وأبهجهم وجهاً، كأن البدر منه تجلى.
وكان قد جود الفقه والأصول وتوفر عنده منهما المحصول.
وأما العربية فكان فيها ضعيفا، ولم يسمع الناس له فيها صريفا.
وناب في الحكم بدمشق فحمدت سيرته، وود الناس، لو دامت على ذلك جيرته.
ولم يزل على ذلك إلى أن رحل ابن المرحل إلى المقابر وعد بعد أن كان موجوداً في الغوابر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
стр. 2687
وكان عمه الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى يحسده، ويقول: لا إله إلا الله ابن الجاهل طلع فاضلاً وابن الفاضل طلع جاهلاً يعني بذاك ابنه.
وكان قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري عينه للقضاء وأشار به على السلطان إما لقضاء مصر أو لقضاء الشام، ولم يكن فيه ما يمنعه عن ذلك غير صغر سنه. وجهزه السلطان على البريد إلى دمشق وولاه تدريس الشامية البرانية عوضاً عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، فوصل إليها يوم الثلاثاء تاسع عشري شهر رجب سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وكان الناس قد أوهموا الأمير سيف الدين تنكز ووصفوه بالدين المتين، فلما جاء كان في الميدان، فلما رآه ترجل له وجاء وقبل يده، فنزل بذلك من عينه.
وأخبرني جماعة أن دروسه لم تكن بعيدة عن دروس الشيخ كمال الدين لفصاحته وعذوبة ألفاظه.
وباشر نيابة الحكم عن قاضي القضاة علم الدين الأخنائي بدمشق في الحادي والعشرين من صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.
محمد بن عبد الله بن محمد الأموي المروي
الشيخ الأديب محب الدين أبو عبد الله المغربي المعروف بابن الصائغ.
стр. 2688
رأيته بالقاهرة مرات، واجتمعت به في دروس شيخنا العلامة أثير الدين وغيرها. وسمعت أنا وهو " صحيح " البخاري بقراءة الشيخ شهاب الدين بن المرحل النحوي على الشيخ فتح الدين وأخيه بالقاهرة أبي القاسم بالظاهرية بين القصرين، فكان هذا الشيخ محب الدين يأتي بفرائد في أثناء السماع مما يتعلق بالعربية الغريبة واللغة.
وكان يعرف العروض معرفة تامه، ويجيد الكلام على غوامضها الخاصة والعامه.
وأما العربية فكان عنده لبابها، ولديه تجتمع أبوابها، ذهنه الخارق فيها كالنار إذا توقدت، وحلها بيده إذا تعقدت.
وشعره فائق جزل، يسلك به طريق الجد لا الهزل، أنشدني منه كثيرا، وحباني منه لؤلؤاً نظيماً ونثيرا. وكان يعاني اللعب بالعود، ويطيب وقته بالأماني والوعود.
ولم يزل على حاله إلى أن سكت المحب فما نبس، وصح عنده من أمر الموت ما التبس.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وكان قد كتب إلي وأنا بالقاهرة:
صلاح الدين يا رب المقال ... ويا ترب المعاني والمعالي
تصدق لي بصرف زكاة جاه ... ففيها إن أردت صلاح حالي
стр. 2689
فكتبت جوابه مع شيء أهديته إليه:
محب الدين في الآداب شيخ ... نوى لي أن يعرض بالنوال
إذا ما الجاه لم أك فيه وجهاً ... فما لي لا أجود بفضل مالي
وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح القاضي نجم الدين محمد بن محمد الطبري قاضي مكة، وقد أنشده القاضي خمسة أبيات على هذا الوزن والروي، وستأتي في ترجمة المذكور إن شاء الله تعالى:
شرع الهوى هوني لعزة جاهك ... فارثي لذلة موقفي بجاهك
رقي لجسم رق من دنف الهوى ... وشفاه ما تحويه حو شفاهك
لا تعجبي إن ذبت شوقاً واعجبي ... أن ليس إلا سقم طرفك ناهك
وسن نفى وسني فنمت ولم أنم ... ما ليلة الساهي كليل الساهك
بطحاء وادي الأثل لولا تيهها ... ونفارها ما حمت في أتياهك
ولما وخدت بها شوازب ضمراً ... أوردتها عشراً ثغاب مياهك
بدلت سدرك بالسدير وما حوى ... ونفائح النسرين فيح عضاهك
وهجرت طيب كرى وواصلت السرى ... بمشقة التهجير في إدماهك
أدعوا بسعدى أين يمن سراي إذ ... أكرهتم وعففت عن إكراهك
стр. 2690
نصبوا علي رحاضهم لكنهم ... شاهت وجوههم لصولة شاهك
جبت الشعاب وآل شعبة عندما ... سدل الظلام رداءه برداهك
أعشو إلى حلي الترائب خفيةً ... إذا غمض الأتراب عن أفكاهك
ادني اللجين لعسجدي شاحب ... صدئ الإهاب بما اكتساه ساهك
اسقي عهاد الدمع عهداً باللوى ... أنسيته لشفاي لا لشفاهك
زمناً أردد آهة المشغوف من ... حرقي فيحيكيني ترجع آهك
أنضارتي اشتعل المشيب فأنضبت ... شعل الحشا ما راق من أمواهك
ينهى وينهكني مشيب صنته ... ولما عرفت بصون ناه ناهك
حللك المفارق قد تنفس صبحه ... يا نفس هبي من كرى استعماهك
يستبد هونك للنسيب فشرفي ... بشريف مكة منتج استبداهك
قاضي الشريعة والمقيم منارها ... حيث المقام وحيث بيت إلهك
بلدت في جوب البلاد ومدحه ... يشفي فينفي تهمة استبلاهك
لولاه أوشكت الخمول فلازمني ... شكر الذي سنى لقاه لقاهك
يا خير أرض الله قد رضي النوى ... رجل ثوى فأوى إلى أواهك
القطب نجم الدين إشراق الدنا ... معنى العلا أسنى وجوه وجاهك
من إن تشابهت الوجوه أقل لها ... من بعد هذا الذهن لاستشباهك
إن يخف معناك السقيم فعامل ... بصحيح حكمته على أفقاهك
روى الحديث فرويت ساحاتها ... يا سحب إذا حلت عرا أفواهك
стр. 2691
غيثاً أغاثك يا حجاز بدره ... وجلا هوامد أغبرت بجلاهك
فاخضر مرعاك المبارك ممرعاً ... والتفت البهمى بغض شباهك
جودي سماء يمن دعوة من سما ... رتبا يقل لها انتعال جباهك
يا نفس إنك قد نقهت من الغنى ... ولقد غنيت اليوم في استنقاهك
هذا الجواد لما حوى يمناه في ... إفقار كيس المال أم إرفاهك
يسخو بما يوعى ويطبي ما يعي ... كم بين كنز نفيسة ونفاهك
دارت رحى الأيام تبغي جاره ... فأجاره من كل داء داهك
أم القرى قد جار من أم القرى ... بفناء بدنك كلها وشاهك
ناسبت غرته وبيت نسيبه ... فأعدت ليس البدر من أشباهك
يا همةً عن كل هم نزهت ... إلا العلا دومي على استنزاهك
لسموت حين سمهت في شأو العلا ... أفردت فالأسماء في أسماهك
يا فكرة بدهت بأبدع ملحة ... ما أقرب الإبداع من إبداهك
عرضتها لمعارض لم يحكها ... أنى وقد لزمت قوافيها هك
محمد بن عبد الله بن الحسين
ابن علي بن عبد الله بن عمر بن عيسى ابن أحمد بن حسن، الشيخ الفقيه الصالح الزاهد عفيف الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبي محمد الزرزاري الإربلي الدمشقي.
стр. 2692
سمع من شيخ الشيوخ الأنصاري، وإبراهيم بن خليل، وجماعة. حفظ " التنبيه "، ولما مات والده ولي تدريس الكلاسة مدة بعده. وكان إماماً بالقيمرية، ثم انتقل عنها إلى الظاهرية.
حدث بالقاهرة ودمشق وبطريق الحجاز.
توفي رحمه الله تعالى ثالث عشري شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده بحلب سنة خمسين وسبع مئة، وأثنى الناس عليه عند موته كثيراً.
محمد بن عبد المجيد بن عبد الله
القاضي سعد الدين بن فخر الدين بن صفي الدين ابن الأقفاصي.
كان قد ولي نظر الخزانة بمصر، ولما توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك في سنة ثمان وسبع مئة توجه صحبته، وأظهر هناك شراً كثيراً وعسفاً.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة أربع عشرة وسبع مئة في ثامن عشري ذي الحجة.
كذلك يقال في ألسنة العوام: " الأقفاصي "، وإنما هو الأقفهسي، بهمزة
стр. 2693
مفتوحة وقاف ساكنة وفاء مفتوحة وبعدها سين مهملة، نسبة إلى أقفهس، وهي قرية من قرى مصر.
محمد بن عبد المجيد بن أبي الفضل
ابن عبد الرحمن بن زيد الحنبلي، الشيخ الفقيه الإمام المفتي بدر الدين أبو عبد الله.
كان فاضلاً صالحاً مسجلاً، ليس في بلده له نظير، وكان يكتب الإسجالات والشروط كتابة مليحة خطاً ولفظاً.
ويفتي الناس ويقرئهم.
توفي رحمه الله تعالى تاسع شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
محمد بن عبد المحسن بن الحسن
شرف الدين الأرمنتي، قاضي البهنسا.
كان فقيهاً نحوياً شاعراً ذكياً كثير الاحتمال، أريباً باذلاً للنوال. بنى مدرسة ورباطاً ومسجداً بالبهنسا. ورسخ بذلك قدمه في الخير ورسا.
стр. 2694
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه حتفه، ورغم بالموت أنفه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وسبعين وست مئة.
وكان قد قرأ الفقه بالصعيد على خاله سراج الدين يونس بن عبد المجيد الأرمنتي، وتأدب به ولازمه، وأقام بمصر سنين يشتغل بها مع خاله، إلى أن ولي خاله فسار معه وتزوج ابنته، وكان ينوب عنه حيث كان، وكان قد عين شرف الدين المذكور لقضاء الإسكندرية، وطلب إلى القاهرة فحضر جمع كبير من أهل البهنسا وأظهروا الألم لفراقه، وسألوا القاضي جلال الدين القزويني ألا يغيره، فأعفاه، ورجع إلى البهنسا. ثم إنه عين لقوص، فلم يوافق، ومات رحمه الله تعالى ولم يعقب.
وقال القاضي كمال الدين الأدفوي: أنشدني كثيراً من شعره ومنه:
جز بسفح العقيق وانشق خزامه ... وفؤادي سل عنه إن رمت رامه
وإذا ما شهدت أعلام نجد ... وزرود وحاجر وتهامه
صف لجيرانها الكرام بيوتاً ... حالة الصب بعدهم وغرامه
وترقق لهم وسلهم وصالا ... وقل الهجر والصدود علامه؟
عبدكم بعدكم على الود باق ... لم يغير طول البعاد ذمامه
يا كرام النصاب إنا نراكم ... حيث كنتم بكل حي كرامه
стр. 2695
قال: أنشدني لنفسه يجمع " العبادلة ":
إن العبادلة الأخيار أربعة ... مناهج العلم في الإسلام للناس
ابن الزبير وابن العاص وابن أبي ... حفص الخليفة والحبر ابن عباس
وقد يضاف ابن مسعود لهم بدلاً ... عن ابن عمرو لوهم أو لإلباس
وقال: حكى لي أن بعض عدول البهنسا حكى له أن امرأة حضرت مع زوجها إلينا لنوقع بينهما الطلاق، فرأيناه لا يشتهي ذلك، فكلمناها، فلم تقبل، فاوقعناه، فالتفت إلينا وأنشدت:
لما غدا لأكيد عهدي ناقضاً ... وأراد ثوب الوصل أن يتمزقا
فارقته وخلعت من يده يدي ... وتلوت لي وله " وإن يتفرقا "
١٦٣٨ - ...
محمد بن عبد المحسن
بن أبي الحسن
ابن عبد الغفار، الشيخ الفاضل الواعظ المسند المعمر، مسند الوقت، عفيف الدين أبو عبد الله الأزجي البغدادي الحنبلي الخراط، والده الدواليبي شيخ الحديث بالمستنصرية.
سمع سنة أربع وأربعين من ابن الخير إبراهيم، وابن العليق، وابن قميرة،
стр. 2696
وأخيه يحيى، وبعد الملك بن قينا، وأحمد بن عمر الباذبيني، وعجيبة الباقدارية، وطائفة أخرى، وسمع " المسند " كله بفوت، و" صحيح مسلم "، وانتهى علو الإسناد إليه.
كان يقول: حفظت " اللمع " في النحو و" مختصر الخرقي ".
وحج غير مرة. ووعظ بكلاسة دمشق، وسمع منه شيخنا الذهبي بالعلا وغيرها، وكان حسن المحاضرة، طيب الأخلاق، أخذ عنه الفرضي وابن الفوطي، وشيخنا البرزالي، وصفي الدين بن الخطيب، وسراج الدين القزويني، وشمس الدين بن خلف، وأخوه منصور، وعفيف الدين المطري، وخلق سواهم.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة خامس عشري جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة ببغداد.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
ومن شعره:
كم قد صفت لقلوب القوم أوقات ... وكم تقضت لهم بالليل لذات
فالليل دسكرة العشاق يجمعهم ... ذكر الحبيب وصرف الدمع كاسات
ماتوا فأحياهم إحياء ليلهم ... ومن سواهم أناس بالكرى ماتوا
لما تجلى لهم والحجب قد رمغت ... تهتكوا وصبت منهم صبابات
стр. 2697
وغيبتهم عن الأكوان في حجب ... وأظهرت سر معناهم إشارات
شافي القلوب هو المحبوب يشهده ... صب له بقيام الليل عادات
إذا صفا الوقت خافوا من تكدره ... وللوصال من الهجران آفات
وكان ينظم المواليا والكان وكان.
محمد بن عبد المحسن
القاضي قطب الدين أبو عبد الله بن مجد الدين بن تقي الدين السبكي، قاضي حمص.
مولده سنة أربع وثمانين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق بعدما نزل عن القضاء بحمص، وكان قد وليها في سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ولم يزل إلى أن ولي بعلبك في سنة ثلاث وستين وسبع مئة فأقام بها مديدة يسيرة، ثم عاد إلى حمص، وحضر إلى دمشق في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وسبع مئة وحصل له ضعف انقطع به إلى أن توفي في بكرة الجمعة مستهل جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة، ودفن بالصالحية.
стр. 2698
وكان كثير السكون والميل إلى الموادعة والركون، لا يتحدث فيما لا يعنيه، ولا يؤسس الشر ولا يبنيه. وكان شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يركن إليه ويعتمد عليه.
وروى عن ابن الحبوبي، وعلي بن محمد بن هارون الثعلبي وطائفة.
وكان قد تفقه على الشيخ صدر الدين السبكي، وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي أنه كان يستحضر من " الحاوي " جملة كبيرة، وكان كثير التلاوة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الملك بن عمر
الشيخ الإمام الزاهد القدوة شرف الدين الأرزوني.
كان شيخاً مشهوراً بالصلاح، تام الشكل، أسمر، مهيباً جليلاً قليل الشيب مليح الهمة والعمة والشيبة والبزة، صاحب سمت وهدى ووقار.
صحب الكبار وتعبد وانقطع سنة ست وتسعين وست مئة.
محمد بن عبد الملك بن إسماعيل
الأمير الملك الكامل ناصر الدين ابن الملك السعيد بن السلطان الملك الصالح ابن
стр. 2699
العادل الأيوبي سبط الكامل وابن خالة صاحب الشام الناصر يوسف وابن خالة صاحب حماة.
حدث عن ابن عبد الدائم.
كان من أمراء دمشق الأكابر في الطبلخاناة، وكان ذكياً خبيراً، بصيراً بالورود في القضايا والصدور يعد في رؤساء الأمراء وسادة الصدور، ويجلس من المحافل الكبار في الصدور، ينبسط كثيراً مع لطافه، وينخرط في التنديب إلى سلك يزين عقوده من الزمان أعطافه، ونوادره عديده، وبوادره فيها عتيده، لو عاصره أبو العيناء لقال هذا هو الإمام، أو الجماز قفز وناوله هذا الزمام. أو أبو العبر لعثر، أو أشعب الطمع لسلا عما رأى وسمع.
كانت تقع له نكت حاره، وتناديب إلى القلوب ساره، هزازة، خلابه، بزازة سلابه.
ولم يزل يستدين وينفق ويستعين ممن لا يرفق إلى أن بهضه حمل الدين، وصار منه بمنزلة القذى في العين، وصار كلما نهض بهض. وكلما نسخ رسخ.
стр. 2700
كخائض الوحل إذا طال العناء به ... فكلما قلقلته نهضة رسبا
وأنجده الله أخيراً بالأمير سيف الدين تنكز فحجز عليه في إقطاعه، وترم الصاحب شمس الدين يتحدث له في مشتراه وابتياعه ووفاء ديونه وانتفاء غبونه. فصلحت حاله بعض الصلاح. وما تقدر على الإمساك كف تعودت البذل والسماح.
وبقي على حاله حتى فقده الوجود، وترك العيون عليه بالدموع تجود.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وأوصى أن يدفن عند أبيه بتربة الكامل فما مكن، ودفن بتربة جدتهم أم الصالح، ووالدته وهي ربيعة خاتون بنت السلطان الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبي بكر.
وكان الملك المنصور صاحب حماة ابن خالته، وكان الملك العزيز صاحب حلب مزوجاً بخالته الأخرى.
كان أولاً من أمراء دمشق، ثم نقل إلى حماة، ثم أعيد إلى دمشق، ولما حضر إليها اجتمع بأصحابه، فسألوه عن حماة، فقال: أنا ما كنت في حماة بل كنت في الأردو، يعني بذلك أن الملك المؤيد ابن خالته صاحب حماة يتكلم بالتركي.
وعاشر الأفرم ونادمه وأحبه كثيراً وقربه، وكان لا يصبر عنه، وكان يوما هو والشيخ صدر الدين بن الوكيل عند الأمير جمال الدين الأفرم وقد أحضر لهم على بكرة
следующие страницы →