← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وأخيه يحيى، وبعد الملك بن قينا، وأحمد بن عمر الباذبيني، وعجيبة الباقدارية، وطائفة أخرى، وسمع " المسند " كله بفوت، و" صحيح مسلم "، وانتهى علو الإسناد إليه. كان يقول: حفظت " اللمع " في النحو و" مختصر الخرقي ". وحج غير مرة. ووعظ بكلاسة دمشق، وسمع منه شيخنا الذهبي بالعلا وغيرها، وكان حسن المحاضرة، طيب الأخلاق، أخذ عنه الفرضي وابن الفوطي، وشيخنا البرزالي، وصفي الدين بن الخطيب، وسراج الدين القزويني، وشمس الدين بن خلف، وأخوه منصور، وعفيف الدين المطري، وخلق سواهم. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة خامس عشري جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة ببغداد. ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة. ومن شعره: كم قد صفت لقلوب القوم أوقات ... وكم تقضت لهم بالليل لذات فالليل دسكرة العشاق يجمعهم ... ذكر الحبيب وصرف الدمع كاسات ماتوا فأحياهم إحياء ليلهم ... ومن سواهم أناس بالكرى ماتوا لما تجلى لهم والحجب قد رمغت ... تهتكوا وصبت منهم صبابات

стр. 2697

وغيبتهم عن الأكوان في حجب ... وأظهرت سر معناهم إشارات شافي القلوب هو المحبوب يشهده ... صب له بقيام الليل عادات إذا صفا الوقت خافوا من تكدره ... وللوصال من الهجران آفات وكان ينظم المواليا والكان وكان. محمد بن عبد المحسن القاضي قطب الدين أبو عبد الله بن مجد الدين بن تقي الدين السبكي، قاضي حمص. مولده سنة أربع وثمانين وست مئة. وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق بعدما نزل عن القضاء بحمص، وكان قد وليها في سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ولم يزل إلى أن ولي بعلبك في سنة ثلاث وستين وسبع مئة فأقام بها مديدة يسيرة، ثم عاد إلى حمص، وحضر إلى دمشق في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وسبع مئة وحصل له ضعف انقطع به إلى أن توفي في بكرة الجمعة مستهل جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة، ودفن بالصالحية.

стр. 2698

وكان كثير السكون والميل إلى الموادعة والركون، لا يتحدث فيما لا يعنيه، ولا يؤسس الشر ولا يبنيه. وكان شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يركن إليه ويعتمد عليه. وروى عن ابن الحبوبي، وعلي بن محمد بن هارون الثعلبي وطائفة. وكان قد تفقه على الشيخ صدر الدين السبكي، وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي أنه كان يستحضر من " الحاوي " جملة كبيرة، وكان كثير التلاوة رحمه الله تعالى. محمد بن عبد الملك بن عمر الشيخ الإمام الزاهد القدوة شرف الدين الأرزوني. كان شيخاً مشهوراً بالصلاح، تام الشكل، أسمر، مهيباً جليلاً قليل الشيب مليح الهمة والعمة والشيبة والبزة، صاحب سمت وهدى ووقار. صحب الكبار وتعبد وانقطع سنة ست وتسعين وست مئة. محمد بن عبد الملك بن إسماعيل الأمير الملك الكامل ناصر الدين ابن الملك السعيد بن السلطان الملك الصالح ابن

стр. 2699

العادل الأيوبي سبط الكامل وابن خالة صاحب الشام الناصر يوسف وابن خالة صاحب حماة. حدث عن ابن عبد الدائم. كان من أمراء دمشق الأكابر في الطبلخاناة، وكان ذكياً خبيراً، بصيراً بالورود في القضايا والصدور يعد في رؤساء الأمراء وسادة الصدور، ويجلس من المحافل الكبار في الصدور، ينبسط كثيراً مع لطافه، وينخرط في التنديب إلى سلك يزين عقوده من الزمان أعطافه، ونوادره عديده، وبوادره فيها عتيده، لو عاصره أبو العيناء لقال هذا هو الإمام، أو الجماز قفز وناوله هذا الزمام. أو أبو العبر لعثر، أو أشعب الطمع لسلا عما رأى وسمع. كانت تقع له نكت حاره، وتناديب إلى القلوب ساره، هزازة، خلابه، بزازة سلابه. ولم يزل يستدين وينفق ويستعين ممن لا يرفق إلى أن بهضه حمل الدين، وصار منه بمنزلة القذى في العين، وصار كلما نهض بهض. وكلما نسخ رسخ.

стр. 2700

كخائض الوحل إذا طال العناء به ... فكلما قلقلته نهضة رسبا وأنجده الله أخيراً بالأمير سيف الدين تنكز فحجز عليه في إقطاعه، وترم الصاحب شمس الدين يتحدث له في مشتراه وابتياعه ووفاء ديونه وانتفاء غبونه. فصلحت حاله بعض الصلاح. وما تقدر على الإمساك كف تعودت البذل والسماح. وبقي على حاله حتى فقده الوجود، وترك العيون عليه بالدموع تجود. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ثلاث وخمسين وست مئة. وأوصى أن يدفن عند أبيه بتربة الكامل فما مكن، ودفن بتربة جدتهم أم الصالح، ووالدته وهي ربيعة خاتون بنت السلطان الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبي بكر. وكان الملك المنصور صاحب حماة ابن خالته، وكان الملك العزيز صاحب حلب مزوجاً بخالته الأخرى. كان أولاً من أمراء دمشق، ثم نقل إلى حماة، ثم أعيد إلى دمشق، ولما حضر إليها اجتمع بأصحابه، فسألوه عن حماة، فقال: أنا ما كنت في حماة بل كنت في الأردو، يعني بذلك أن الملك المؤيد ابن خالته صاحب حماة يتكلم بالتركي. وعاشر الأفرم ونادمه وأحبه كثيراً وقربه، وكان لا يصبر عنه، وكان يوما هو والشيخ صدر الدين بن الوكيل عند الأمير جمال الدين الأفرم وقد أحضر لهم على بكرة

стр. 2701

سخاتير صنعها لهم وتأنق الطباخون بها، فقال الملك الكامل: يا شيخ أنا أحب السخاتير فقال صدر الدين: " حب الوطن من الإيمان " فانتكى الكامل منها، وكان قد تقرر بينهم أنه من سبق وحضر إلى حضرة الأفرم يركب الذي يجيء بعده ويدور في المجلس فتأخر الملك الكامل تلك الليلة إلى أن تحقق أن صدر الدين قد سبقه وجاء بعده، فقال الأفرم: أيش أخرك إلى هذا الوقت، قم يا شيخ اركبه، فقال: والله طيب إن غبنا ما تذكرونا، وإن جئنا تحملون علينا الكلاب! فقال صدر الدين: يا خوند ما يضيع له شي، استوفاها. قلت: والشيخ صدر الدين أخذ تنديبته من قول نصير الدين الحمامي، أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين اليعمري، قال: أنشدني من لفظه لنفسه النصير الحمامي: رأيت شخصاً آكلاً كرشةً ... وهو أخو ذوق وفيه فطن وقال ما زلت محباً لها ... فقلت من الإيمان حب الوطن ونقلت من خط الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم، وأنشد فيه إجازةً: أيها اللائمي لأكلي كروشا ... أتقنوها في غاية الإتقان لا تلمني على الروش فحبي ... وطني من دلائل الإيمان

стр. 2702

وقيل له: إن هلال رمضان ثبت البارحة، فقال: من رآه؟ فقالوا: مجد الدين الميت، فقال: هذا ميت وفضولي، ويخلط شعبان في رمضان. وحضر عند الصاحب شمس الدين ليلة، فلما أحضرت الحلوى وجاء البابا بالفوطة والماوردية ورش على يده، فأخذ الماورد ومسح به عينيه وقال: الحلوى رأيتها بعيني، وأما بيدي فما لمستها، لأن الصاحب كان قد أشغله بالحديث عنه حتى فرغت، فضحك الصاحب وأحضر له حلوى تخصه. وحكى لي الأمير شرف الدين حسين بن جندر قال: جرى الحديث بيننا يوماً في حضرة الأفرم، فقلت المثل المشهور: " فقلت اصفعوني وردوا شبابي "، فقال: والله الأولى نقدر عليها الساعة والأخرى ما يقدر عليها إلا الله تعالى. ونظر ولده يوماً في حضرة الأفرم وهو واقف قدامه إلى بعض الفقهاء وقد لبس بابوجاً أزرق، فتعجب ولده من ذلك فقال: لا تعجب منه، هذا نصراني مقلوب. ووجدوه يوماً في الصيف وعليه فروة سنجاب، فقالوا: يا ملك في الصيف بفروة؟ فقال: أنا ما ألبس بالفصول، إلا إذا بردت لبست الفروة. وكان من أخص الناس بالشيخ كمال الدين الزملكاني، وكان إذا وقع بينه وبينه ركب فرسه ودار على أصحابه ومعارفه وقال: قد وقع بيني وبين ابن الزملكاني فلا تسمع في ما يقول، وكذلك يفعل الآخر. ودخل إليه الأمير شرف الدين حسين بن جندر يعوده في مرضه، وكان قد طلب إلى الديار المصرية وأخذ معه ثلاث مئة درهم فقال: هذه برسم الطبيب، فقال: بالله

стр. 2703

دعها تحت الطراحة لئلا يبصرها أرباب الدين، وقال له يوماً: أمير شرف الدين ما نحن كلنا أولاد ناس، فما أعلم من أين داخلت هؤلاء التتر وصرت منهم، وما أعلم وجه المناسبة بينكم، نعم دينك هو الذي يجمع بينكم. وقلت أنا فيه: الملك الكامل في سعده ... نقص وفي تنديبه قد كمل كبيت شعر نصفه سائر ... حسناً وباقي لفظه قد خمل وكان الملك الكامل قد باشر شد الأوقاف بدمشق وصار يولي ويعزل، فغضب ابن صصرى لذلك، وترك الكلام في الأوقاف، فصار الملك الكامل يصرف مال الأوقاف الحكمية بقلمه إلى أن وصل كتاب السلطان لقاضي القضاة ابن صصرى في أواخر شهر رجب الفرد سنة تسع وسبع مئة باستمراره على نظر الأوقاف، فانشرح لذلك وتكلم على عادته في الأوقاف. ولم يزل الكامل في شد الأوقاف إلى أن عزل بالأمير سيف الدين بكتمر المنصوري لما وصل الناصر من الكرك، وكان الملك العادل كتبغا قد أمره في المحرم سنة تسع وتسعين وست مئة لما كان بدمشق. محمد بن عبد المنعم شرف الدين بن المعين المنفلوطي.

стр. 2704

كان فقيهاً شافعياً، أديباً شاعراً تفقه بالشيخ نجم الدين البالسي وغيره، وقرأ الأصول على الشمس المحوجب. وكان مقبولاً عند الحكام، واختصر " الروضة "، وتكلم على أحاديث " المهذب " وسماه " الطراز المذهب ". وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ومن شعره: ما للمليحة ما رعت حق الإخا ... لمحبها يوماً ولم تدر السخا أضحت رياح صدودها لمحبها ... نكداً عواصف بعدما كانت رخا وعزيزة بالدل ظلت لعزها ... متذللاً أبغي لديها منتخا سفكت دمي عمداً وآية سفكها ... في الخد إذ أضحى به متضمخا كم أثبتت للصب آية صدها ... منها أبت لثبوتها أن تنسخا محمد بن عبد الوهاب بن عطية الفقيه المحدث ناصر الدين الإسكندراني. قال شيخنا الذهبي: صحبته بالثغر، وسمعت بقراءته على الغرافي، وكان قارئ الحديث عنده بالأبزارية ويؤم بمسجد، وكان دينا عاقلاً، مليح الخط. وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. ومولده في حدود الستين وست مئة.

стр. 2705

محمد بن عبد الوهاب بن عبد العزيز ابن الحسين بن الحباب، القاضي نجم الدين المصري، وكيل بيت المال بالقاهرة. روى " جزء الحفار " عن علي ابن مختار بن الجمل، وسمع أيضاً من جده وابن الجميزي. توفي رحمه الله تعالى حادي عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده في شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وست مئة. وكان موصوفاً بالأمانة والنزاهة، وهو من بيت رئاسة في مصر. محمد بن عبد الوهاب بن علي القاضي جمال الدين بن السديد الإسنائي. نشأ في سعادة ورئاسة، وسيادة ونفاسه. وكان له خدم، وأتباع وحشم، وكانت فيه صداره، وعليه رونق من السعادة والنضاره. وتوفي رحمه الله تعالى ... وسبع مئة.

стр. 2706

ومولده سنة ثمان وسبعين وست مئة. اشتغل بالعلم، وقرأ الفقه على الشيخ بهاء الدين القفطي، وأجازه بالفتوى. وتوجه إلى القاهرة، وسمع من الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والحافظ شرف الدين الدمياطي، وقاضي القضاة ابن جماعة، وقرأ على شيخنا أثير الدين " الفصول في النحو "، وعلى الخطيب الجزري " الأصول " وأجازه بالفتوى، وأجازه الشيخ فخر الدين عثمان بن بنت أبي سعد. وتعدل وجلس بالقاهرة وقوص، وتولى العقود، واستنابه زين الدين إسماعيل السفطي في الحكم بأرمنت، وتولى الخطابة بإسنا، وتولى الحكم بقمولا وقنا وقفط وأصغون، ثم ولي النيابة بقوص ثم إن قاضي القضاة جلال الدين القزويني قسم على قوص بينه وبين شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن حرمي القمولي، فتولى جمال الدين قوص والبر الشرقي وذاك في البر الغربي، وتزوج ببنت ابن حرمي للائتلاف، وأقبل جمال الدين على المتجر بجملته، واستمال ابن حرمي الوالي بالهدايا. فاتفق أن وقع الغلاء في قوص سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وكان عند جمال الدين تقدير ألفي إردب وخمس مئة إردب، فقال الوالي لجمال الدين: إنه يبيع بالسعر المعروف، فأراد التأخير لغلاء السعر، فكتب الوالي إلى السلطان، فبرز مرسومه بالحوطة عليه وإحضاره، وصرف عن القضاء. ثم إن جمال الدين تولى النيابة خارج باب النصر بالقاهرة بعد سنتين وشهرين مديدة لطيفة، فلما تولى قاضي القضاة عز الدين بن جماعة لم يوله.

стр. 2707

محمد بن عثمان بن أبي الوفاء القاضي بدر الديم بن فخر الدين العزازي، أحد كتاب الدرج بدمشق. كان حسن البزة والسمت، كثير الوقار يلزم الصمت، عديم الشر، حافظ السر، يكتب خطاً حسنا، يطلع به في روض الطرس ورداً وسوسنا. لم يزل على حاله إلى أن غاب بدره فما طلع، وسار على النعش وما رجع. وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الخميس ثالث عشر ذي الحجة سنة ثلاثين وسبع مئة. ومولده سنة ست وسبعين وست مئة. حج واستصحب معه الشيخ إبراهيم الصياح، وعادله في المحمل. وكان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان. قال شيخنا البرزالي: وسمع معنا على الشيخ تقي الدين الواسطي عدة أجزاء. قلت: وكان كثير الملازمة بسوق الكتب بحسر اللبادين يوم الجمعة، ويقتني الكتب النفيسة، وملك منها ومن الكرند شيئاً كثيراً، وكان عنده من والده - وقد تقدم ذكره في حرف العين - أشياء نفيسة مثل السرطان البحري والكحل الأصبهاني والنصفية في داخل قصبة، إلى غير ذلك. إلا أنه كان إذا أنشأ شيئاً يأتي بما يضحك منه. ولما توفي رحمه الله تعالى طلبت أنا من الرحبة ورتبت مكانه، وكان في آخر أمره

стр. 2708

قد حنا عليه الأمير سيف الدين ألجاي الناصري الدوادار ووعده أن يكون من جملة موقعي الدست فعاجلته المنية ولم تبلغه الأمنية. محمد بن عثمان الصاحب الأمير نجم الدين البصروي، ابن أخي قاضي القضاة صدر الدين الحنفي. كان فيه كرم زائد، وجود يأتي لعافيه بالصلة والعائد، وعنده شهامه، ولديه همة وصرامه. ودرس أولاً ببصرى، وأتى بفوائد في دروسه تترى، وخدم السلطان الملك الناصر وهو في الكرك، ونقل إليه ما أراد فما بقى ولا ترك، وسعى له في الباطن مع أمراء دمشق بملطفات إلى أن انبرم له الأمر، وصار لهباً ذلك الجمر، فرعى له حقه، وملكه من السؤدد رقه. فولي الحسبة، ثم نظر الخزانة، ثم الوزارة، وانتقل بعد ذلك إلى الإمارة، فأعطي طبلخاناه، ولم يلبس زي الأمراء، وأنف منه للازدراء. ولم يزل على حاله إلى أن انبثق نجمه وضمه رجمه. وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.

стр. 2709

ووصل من مصر إلى دمشق في سابع صفر سنة عشر وسبع مئة متولياً وزارة دمشق، وترك الحسبة لأخيه فخر الدين سليمان، وأظنه استمر في الوزارة إلى أن تولاها الصاحب عز الدين بن القلانسي ثالث ذي القعدة سنة عشر وسبع مئة، ولبس هو للإمرة يوم الخميس ثالث عشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة ولم يغير ملبوسه، وكان قد وصل من مصر إلى دمشق في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة. وقد تولى الحسبة عوضاً عن أمين الدين يوسف العجمي، ثم إنه وصل من مصر أيضاً متولياً نظر الخزانة عوضاً عن شمس الدين بن الخطيري مضافاً إلى الحسبة في أواخر شهر رمضان سنة سبع وسبع مئة. ثم إنه عزل من الحسبة في عشري جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة بالشيخ عز الدين بن القلانسي. وقد تقدم ذكر أخيه الشيخ صفي الدين أبي القاسم بن عثمان في مكانه، وذكر أختهما أم يوسف فخرية الصالحة في مكانه من حرف الفاء. محمد بن عثمان بن يوسف الصدر الكبير القاضي بدر الدين أبو عبد الله الآمدي ثم المصري الحنبلي، المعروف بابن الحداد. تفقه بمصر، وحفظ " المحرر " وتميز، ثم دخل في الكتابة، واتصل بالأمير قراسنقر، ودخل معه إلى حلب وولي نظر ديوانه والأوقاف والخطابة. ولما تولى

стр. 2710

دمشق ولى ابنه خطابة دمشق، انتزعها من الخطيب جلال الدين القزويني، ثم وصل توقيع جلال الدين بعد أيام من مصر بإعادته. ثم ولي الحسبة عوضاً عن فخر الدين البصروي. ووصل إلى دمشق من مصر في ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة، ثم إنه عزل بابن مبشر، ثم أعيد إليها في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة. وتولى نظر البيمارستان النوري، ثم نظر الجامع الأموي. وكان له سماع من القاضي شمس الدين بن العماد، وذكر لقضاء دمشق في وقت. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة. محمد بن عثمان الصدر المقرئ صلاح الدين ابن الشيخ المقرئ شمس الدين بن محمد بن منيع بن عثمان بن شاد البشطاري. كان مقرئاً، رئيس المؤذنين بالجامع الصالحي خارج باب زويلة بالقاهرة، كانت له قراءات في عدة أماكن، وفيه مروءة وعصبية، وله مكانة عند الناس. توفي رحمه الله تعالى ليلة عبد الأكبر سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفن ثاني يوم بالقرافة.

стр. 2711

محمد بن عثمان بن أبي الحسن ابن عبد الوهاب الأنصاري، قاضي القضاة، شمس الدين بن الحريري، قاضي القضاة بدمشق وبالقاهرة. سمع من ابن أبي اليسر، وابن عطاء، والجمال بن الصيرفي، والقطب بن أبي عصرون، وجماعة. وتفقه فبرع في الفقه، وحفظ " الهداية " وغيرها، وأفتى ودرس وتميز. وكان من قضاة العدل، والحكام الذين خص ستر وقارهم بالهدل، نظيف البزه، صلب القناة في الحق عند الغمز والهزه، عليه مهابة ووقار، وسمت ترمى النجوم عنده بالاحتقار، وله عباره، وشارة وإشاره، وكان قوالاً بالحق، قواماً بالصدق، حميد الأحكام، صارماً على الخاص والعام، متين الديانه، وصين الصيانه، له أوراد يقوم بأوقاتها، ويعد ذلك لنفسه من أقواتها. وكان يراعي الإعراب في كلامه، وفي فصله القضاء عند أحكامه، ومع نسائه وخدامه، إلا أنه كان مفرطاً في تعظيم نفسه، ورؤية الناس من أبناء جنسه. وبهذا لا غير نقم عليه، وبه يشار عند الذم إليه. ولم يزل على حاله إلى أن لبس الحريري قطن أكفانه، وأطبق القبر على إنسانه ما يطول من غمض أجفانه.

стр. 2712

وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة يوم السبت رابع جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وفي شهر ربيع الأول ورد البريد يطلبه إلى مصر متولياً قضاء القضاة بها عوضاً عن قاضي القضاة شمس الدين السروجي، وولاه السلطان أيضاً تدريس الناصرية والصالحية وجامع الحاكم. وكان وهو بدمشق قد عزل بقاضي القضاة شمس الدين الأذرعي، وطلب للأذرعي توقيع شريف من الشام، فلما كان في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبع مئة وصل البريد من مصر ومعه توقيع فتوهم البريدي أنه لقاضي القضاة ابن الحريري، فتوجه به إليه، وحضر أصحابه إليه للهناء به، ففتح التوقيع وقرئ، ولما وصل القارئ إلى الاسم وجده غير فطوى التوقيع، وحصل لقاضي القضاة خجل من هذا الأمر، وكانت هذه واقعة غريبة. ولما أقام بمصر قاضياً كان لبكتمر الساقي إصطبل بأرض بركة الفيل لورثة الملك الظاهر وقفاً، فتعرض إليهم وقال: هذه الأرض زادت معكم، فتوجه وكيل بيت المال ونائب الحكم لقياس الأرض فما زادت شيئاً، ثم أرسلوهم مرة أخرى وتحيلوا على الزيادة وقالوا: أعطونا أرض الإصطبل بالزيادة، فقالوا: نحن نشهد علينا بقبض الأجرة ونعوض، فقيل للسلطان: في مذهب أبي حنيفة يجوز التعويض، فقال لابن الحرير عن ذلك، فقال: هذا رواية عن أبي يوسف وحده، وما أعمل بها، فولى السلطان القاضي سراج الدين عمر صهر القاضي السروجي قاضياً وعزل ابن

стр. 2713

الحريري، وحكم سراج الدين بذلك وبقي على القضاء مدة يسيرة، ثم مات، وأعيد ابن الحريري، وعظمت مكانته. وكان فقيهاً جيداً، له محفوظات جيدة، ودرس بعدة مدارس، وأفتى وشغل الطلبة وولي قضاء دمشق مدة سنتين، وانفصل منه، ثم طلب لقضاء مصر، وكان موصوفاً بالنزاهة لا يقبل لأحد هدية، وكان له حرص على خلاص الحقوق وفصل القضايا، وصحبته جيدة، ومودته أكيدة، ينفع أصحابه ومعارفه. وكانت جنازته حافلة، وعمل عزاؤه بالجامع الأموي، وكان قد سمع الحديث على النجيب المقداد، وابن علان، وغيرهم. وحدث بدمشق والقاهرة. قال شيخنا علم الدين البرزالي: وخرجت له جزءاً عن عشرة من الشيوخ، قرئ عليه غير مرة. وفي قاضي القضاة شمس الدين الحريري يقول شمس الدين الباذرائي: مذ أسلمتني عين أم سالم ... إلى الردى يئست من مسالمي وكلما قل نصيبي عندها ... تكاثرت في حبها لوائمي يا مقلتي أنتما نعمتما ... والقلب يشقى وهو غير جارم جنيتما الذنب فلا أقل من ... أن تبكيا قلبي بدمع ساجم عيناي عونان علي وهما ... مني وهل بعدهما من راحم

стр. 2714

قلبي غمر في اتباع غيه ... يا ليتني بدلته بحازم منها في المديح: قد ختم الدهر به أجواده ... وإنما الأعمال بالخواتم وقال يمدحه أيضاً: أشكو إلى عثمان جود ابنه ... فقد رماني في الطويل العريض قد صيد الباخل بحر الندى ... وعلم المفحم نظم القريض والشيء لا يظهر تمييزه ... للناس إلا بوجود النقيض له يد فياضة بالندى ... كالبحر إلا أنها لا تغيض عجبت من حاسده كيف لا ... يقضي أسى وهو المعنى المريض قلت: البيتان الأولان من هذه القصيدة مأخوذان من قول الأول: ما رأينا من جود فضل ابن يحيى ... ترك الناس كلهم شعراء محمد بن عثمان بن أسعد ابن المنجا بن بركات بن المؤمل، الرئيس الإمام، شيخ الجماعة من الحنابلة، وجيه الدين أبو المعالي بن المنجا التنوخي الدمشقي الحنبلي. سمع من ابن اللتي حضوراً، ومن جعفر الهمداني، ومكرم، وسالم بن صصرى، وخضر بن المقير.

стр. 2715

ودرس بالمسمارية، وكان صدراً مبجلا، وجواداً يذر الغمام مبخلا، ديناً محترما، صيناً لا يرى منه وقت من البر محترما، محباً للأخيار، مجانباً للأغيار، له تسرع في الخير، وهمة تسابق البرق فضلاً عن الطير. ولم يزل على حاله إلى أن هلك ابن المنجا، وأصبح على فراشه مسجى. وتوفي رحمه الله تعالى بدار القرآن في شهر شعبان سابعه سنة إحدى وسبع مئة. ومولده سنة ست وثلاثين وسبع مئة. وكانت له أملاك ومتاجر، وله بر وأوقاف، أنشأ داراً للقرآن بدمشق ورباطاً بالقدس، وباشر نظر الجامع الأموي تبرعاً، وكان من أولي الاقتصاد في ملبسه مع سعة دائرته وسعادته. محمد بن عثمان بن عبد الله سراج الدين أبو بكر الدرندي، الفقيه الشافعي. قرأ القراءات على نجم الدين عبد السلام بن حفاظ صهره، وتصدر للإقراء بقوص سنين كثيرة، وانتفع به جمع كثير.

стр. 2716

وكان متقناً ثقة، وسمع من الحافظ ابن الكومي، وتقي الدين بن دقيق العيد، ومحمد بن أبي بكر النصيبي، وعبد النصير بن عامر بن مصلح الإسكندري وغيرهم، وحدث بقوص. وقرأ الفقه على جلال الدين أحمد الدشناوي، وسراج الدين بن دقيق العيد ودرس، وناب في الحكم بقفط وقنا وقوص. واستمر في النيابة إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. وكان يستحضر متوناً كثيرة من الحديث والتفسير والإعراب، واختلط في آخر عمره. محمد بن عثمان بن محمد ابن علي بن وهب بن مطيع، جلال الدين ابن علم الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد. سمع جده، والحافظ الدمياطي، والفقيه المقرئ تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق الصائغ، ومن أحمد بن إسحاق الأبرقوهي، وغيرهم. واشتغل بالمذهبين المالكي والشافعي.

стр. 2717

وقرأ " مختصر المحصول " لجد والده الشيخ مجد الدين وكان يذكر بخير وينسب إلى دين. قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وكان قاضي القضاة ابن جماعة يؤثره ويبره، ودعه مرةً فأعطاه ذهباً وفضة من ماله، وكتب له بتدريس دار الحديث بقوص، فأقام بها مدة. وتوفي بالقاهرة سنة ست أو سبع وعشرين وسبع مئة. محمد بن عثمان بن أبي بكر قاضي القضاة شرف الدين النهاوندي، قاضي صفد وغيرها. كان من أعرف الناس بالمداراه، وأخلبهم في المحادثة والمجاراه، له دربة بسياسة الخصوم ومصالحهم، وقودهم إلى تراضيهم بعد تشاحيهم ومشاحتهم، وله قدرة على مداخلة النواب، والعبور إلى رضاهم من كل باب، وكان ممتع المحاضره، شهي المسامره، لطيف الأخلاق، ذا كرم دفاق، تنقل في البلاد كثيرا، وقاسى في آخر عمره قلةً وفقراً كبيرا. ولم يزل على حاله إلى أن ضمه ترابه وفارقه أحبابه وأترابه.

стр. 2718

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة أربعين وسبع مئة بالقاهرة. كان أولاً قد تولى قضاء صفد بعد والده المقدم ذكره في مكانه من حرف العين، وأقام بها إلى أن طلب إلى مصر، وانحرف عليه قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة وعزله بالقاضي فتح الدين القليوني، ثم إن قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى حنا عليه وولاه قضاء عجلون، ثم قضاء نابلس، ثم ولاه قضاء القضاة بطرابلس، ثم إنه أعيد إلى صفد بعد القاضي حسام الدين القرمي، ثم إنه نقل إلى قضاء طرابلس، ثم أعيد إلى صفد بعد القاضي جمال الدين عبد القاهر التبريزي فيما أظن وأقام بها إلى أن تغير عليه الأمير سيف الدين تنكر، فعزله بالقاضي شمس الدين الخضري، فأقام في بيته بصفد بطالاً نحواً من أربع سنين، ثم إنه توجه إلى القاهرة ونزل عند الأمير سيف الدين أرقطاي لما بينهما من الصحبة، فمات هناك في التاريخ. محمد بن عثمان بن حمدان شمس الدين الثعلبي المعروف بابن البياعة. كان شاعراً، مدح الأمير علم الدين الدوادار وغيره، وكان مشد الرقيق، يخدم في الجهات السلطانية. توفي رحمه الله تعالى حادي عشر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.

стр. 2719

ومن شعره: نعم غرامي بنجد فوق ما زعموا ... أفنى وأبقى وهذا بعض ما علموا حدث فديتك عن ذاك الحمى وأعد ... ففي حديثك ما يشفى به الألم ليس الحمى غير قلبي والذي به ... ففيه ثأرهم بالشوق يضطرم بانوا فبان الغضى ذاو ومنهله ... غور وأنواره من بعدهم ظلم خيمت يا وجد في قلبي لفقدهم ... فلا رأت وحشةً من أهلها الخيم ولا تغير واديهم ولا أفلت ... بدوره وسقت أكنافه الديم فالقلب في حرق والطرف في غرق ... والصبر منثلم والدمع منسجم محمد بن عثمان بن أحمد ابن عثمان بن هبة الله بن أحمد بن عقيل، الصدر الفاضل الحكيم فتح الدين أبو عبد الله الشيخ جمال الدين بن أبي الحوافر القيسي. سمع من النجيب الحراني " مشيخة " ابن كليب، و" مجالس " ابن مسلمة، و" مجالس " الخلال، وحدث، وكان طبيباً معروفاً بالقاهرة. توفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة، ودفن بالقرافة. محمد بن عثمان بن محمد الفقيه الإمام شمس الدين الأصبهاني المعروف بابن العجمي الحنفي.

стр. 2720

كان مدرساً بالإقبالية للحنفية، وفيها توفي رحمه الله تعالى في نصف شوال سنة أربع وثلاثين وسبع مئة. ودرس أيضاً بالمدينة النبوية. سمع من ابن البخاري " مشيخته "، وكان فيه وسواس في الطهارة وديانة وانجماع عن الناس، وجمع منسكاً على مذهبه، وولي تدريس الإقبالية بعده قاضي القضاة نجم الدين إبراهيم ابن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي، وأثنى الناس على درسه وفصاحته. محمد بن عدنان بن حسن الشيخ الإمام العابد الشريف السيد محيي الدين العلوي الحسيني الدمشقي الشيعي، شيخ الإمامية وكبيرهم. ولي مرةً نظر السبع، مات ولداه زين الدين حسين وأمين الدين جعفر وهما من جلة رؤساء دمشق، باشر الأنظار ونقابة الأشراف، وتقدم ذكرهما في مكانهما، فاحتسبهما عند الله تعالى. وأخبرني غير واحد أنه لما مات كل منهما كان يسجيه قدامه وهو قاعد يتلو القرآن ولم تنزل له دمعة، وولي النقابة في حالة حياته ابن ابنه شرف الدين عدنان بن جعفر إكراماً لجده. وكان محيي الدين ذا تعبد زائد وولاية وتلاوة دائمة وتأله، وانقطع بالمزة.

стр. 2721

وكان يترضى عن عثمان وعن غيره من الصحابة، ويتلو القرآن ليلاً ونهاراً، ويناظر منتصرا للاعتزال متظاهراً بذلك. توفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة. محمد بن أبي العز بن مشرف ابن بيان الأنصاري الدمشقي، الشيخ الجليل، المسند المعمر شهاب الدين البزاز، شيخ الرواية بالدار الأشرفية. روى الصحيح غير مرة عن ابن الزبيدي، وحدث أيضاً عن ابن صباح والناصح وابن المقير، ومكرم، وابن ماسويه، وتفرد في وقته. وكان حسن الإصغاء جيد الخط. أخذوا عنه ببعلبك ودمشق وطرابلس وأماكن، وعاش سبعاً وثمانين سنة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في سابع ذي الحجة. وهو أخو نجم الدين أبي بكر بن العز بن مشرف الكاتب.

стр. 2722

محمد بن عقيل بن أبي الحسن ابن عقيل نجم الدين البالسي، أحد أعيان الشافعية وفضلائها بالديار المصرية. سمع من الفخر بن البخاري وغيره بدمشق، وسمع ببلبيس من علي بن عبد الكريم، والفضل بن رواحة وغيرهما. وبالقاهرة من ابن دقيق العيد، وناب في الحكم بمصر عن ابن دقيق العيد، وولي قضاء بلبيس ودمياط عن قاضي القضاة ابن جماعة، وولي نيابة الحكم ظاهر القاهرة بالحسينية. ودرس بالمدرسة الطيبرسية بمصر وبالمدرسة المعزية، وبزاوية الدوري بالجامع العتيق وبالمسجد بالشارع خارج القاهرة. وصنف في الفقه مختصراً حسنا لخص فيه كتاب " المعين "، وشرح " التنبيه " شرحاً جيداً، ولم يكمله، واختصر " كتاب الترمذي في الحديث ". وكان قوي النفس، حصل بينه وبين فخر الدين ناظر الجيش بسبب أنه ركب لرؤيا الهلال لشهر رمضان ورجع والمديرون أمامه يصيحون على العادة، فمروا على دار فخر الدين، فأهان المديرين، وشق ذلك عليه وانزعج، وتكلم في ذلك، وكتب محضراً، وجرى في ذلك كلام، ولوطف وسئل على أن يجتمع بفخر الدين فلم يفعل. وطلب منه قاضي القضاة جلال الدين القزويني قضية فتوقف فيها وصرف نفسه، وكان ينوب عنه بمصر، ثم استرضي وعاد. قال كمال الدين الأدفوي: جئته مرة وهو راكب، وطلبت منه كتاباً من وقف المدرسة المعزية، فرجع إلى المعزية من دار النحاس بمصر فأخرج الكتاب وأرسله

стр. 2723

إلي، وكان يؤثر مع ضعف حاله، قانعاً باليسير، مقللاً من المأكل والملبس. دارت الفيتا عليه بمصر، واشتغل طلبة مصر عليه. وتوفي رحمه الله تعالى رابع عشر المحرم سنة تسع وعشرين وسبع مئة. ومولده سنة ستين وست مئة. قلت: وأجاز لي بالقاهرة بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. محمد بن علي بن محمد بن الملاق بالتخفيف في اللام، القاضي بدر الدين الرقي، الفقيه الحنفي. سمع من بكبرس الخليفتي " الأربعين الودعانية " وسمعها منه الدواداري، وأجز للدماشقة. وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة. ومولده سنة تسع عشرة وست مئة. محمد بن علي الأمير شهاب الدين العقيلي، نائب الدواداري في شد الدواوين بالشام. قتل في أواخر سنة سبع وتسعين وست مئة، وكان قد شاخ وأسن وسمر قاتله.

стр. 2724

محمد بن علي بن محمد بن علي ابن منصور المؤمل بن محمود البالسي، المسند عماد الدين أبو المعالي. كان يشهد على الحكام مدة طويلة، وأسمعه أبوه حضوراً وسماعاً واستجاز له من جماعة ببغداد ومصر ودمشق، وانتفع به الناس، وحدث بالقاهرة ودمشق. ومن شيوخه حضوراً السخاوي، وابن الصلاح، وكريمة القرشية، وشيخ الشيوخ ابن حمويه، والضياء المقدسي الحافظ، وسالم خطيب عقربا، وعمر بن المنجا، وإبراهيم الخشوعي، وإسحاق بن طرخان الشاغوري، وعتيق السلماني، وعبد الحق بن خلف وعبد الملك بن الحنبلي، وعلي بن عبد الصمد الرازي، وعيسى الداركي، وخرج له شيخنا الذهبي جزءاً جمع فيه شيوخه بالسماع والحضور والإجازة على حروف المعجم، وحدث به. وتوفي رحمه الله تعالى خامس عشر جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ومولده في صفر سنة ثمان وثلاثين وست مئة بدمشق. محمد بن علي بن وهب بن مطيع الإمام العلامة شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الفتح ابن الشيخ الإمام مجد الدين المعروف بابن دقيق العيد القشيري المنفلوطي المصري المالكي الشافعي. سمع من ابن المقير، وابن الجميزي، وابن رواج، والسبط، وعدة. وسمع من

стр. 2725

ابن عبد الدائم، والزين خالد بدمشق وخرج لنفسه " أربعين تساعيات " ولم يحدث عن ابن المقير وابن رواج، لأنه داخله شك في كيفية التحمل عنهما. كان الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى إماماً في فنونه، غماماً فيما يرسله من الفوائد في كلامه وعيونه، مفسراً، محدثا، سبق في هذين من كان عجلاً أو متلبثاً، فقيهاً مدققا، قام بفروع المذهبين محققا، أصولياً أشعريا، حقيقاً بانفراده في ذلك حريا، نحوياً أديبا، ناظماً ناثراً عجيبا، لا يباريه في كل فنونه مبار، ولا يجاريه في مضمارها مجار، ولا تعلق له الريح إذا أم غايةً بغبار. وإذا خطاب القوم في البحث اعتلى ... فصل القضية في ثلاثة أحرف وكان ذكياً غواصاً على المعاني، قناصاً لشوارد ما يحاوله من العلوم ويعاني، وافر العقل، سافر الحجب عن وجوه النقل، كثير السكينه، لازم الوقار والأبهة الركينه، بخيلاً بالكلام، قل أن يسمع منه غير رد السلام، شديد الورع، مديد الباع إذا قام في أمر شرعي وشرع، ملازم السهر والسهاد، مداوم المطالعة في استخراج ما ينتفع به في العبادة العباد، وكانت كفه تتخرق، وتدع الغمام حسداً لجوده بنار البرق يتحرق، عديم الدعاوى، كثير الشكر قليل الشكاوى، بصيراً بعلل المنقول، خبيراً بغلل المعقول: يروي فيرى كل ذي ظمأ له ... بحمى الحديث تعلق وهيام ببديهة في العلم يقسم من رأى ... ذاك التسرع أنه السهام وكيف لا يكون ذلك، وهو الذي بعثه الله على رأس المئة ليجدد للأمة أمر دينها، ويحدد لها ما اشتبه من قواعد شريعتها عند تبيينها. وهؤلاء الذين أشار إليهم

стр. 2726

رسول الله ﷺ في قوله: " يبعث الله على رأس كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها ". كان الأول على رأس المئة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المئة الثانية الشافعي ﵁، وعلى رأس المئة الثالثة ابن سريج، وقيل: أبو الحسن الأشعري، ويمكن الجمع بينهما، فإن الأشعري جاء لأصول الدين، لأن المعتزلة كانوا قد طبقوا الأرض فحجزهم ﵁ في قموع السمسم، وابن سريج جاء لتقرير الفروع. وعلى رأس المئة الرابعة أبو حامد الإسفراييني، وقيل: سهل بن أبي سهل محمد المقول فيه النجيب بن النجيب، كان أحد عظماء الشافعية الراسخين في الفقه والأصول والحديث والتصوف. وعلى رأس المئة الخامسة حجة الإسلام أبو حامد الغزالي. وعلى رأس المئة السادسة الإمام فخر الدين الرازي. وعلى رأس المئة السابعة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد. ومن سعادة الشافعية أن الجميع شافعيون. فإن قلت: فكيف تعمل في عمر بن عبد العزيز؟ قلت: ما كانت المذاهب الأربعة ظهرت ذلك الزمان. وقد أنشد شيخ من أهل العلم في مجلس ابن سريج: اثنان قد مضيا فبورك فيهما ... عمر الخليفة ثم حلف السؤدد الشافعي الألمعي محمد ... إرث النبوة وابن عم محمد

стр. 2727

أبشر أبا العباس إنك ثالث ... من بعدهم سقياً لتربة أحمد فصاح ابن سريج وبكى، وقال: لقد نعى إلي نفسي، ومات في تلك السنة رحمه الله تعالى. وزاد على ذلك بعض الفقهاء فقال: والرابع المشهور سهل محمد ... أضحى عظيماً عند كل موحد يأوي إليه المسلمون بأسرهم ... في العلم إن جاؤوا بخطب مؤبد لا زال فيما بيننا خير الورى ... للمذهب المختار خير مجدد وأنشد من لفظه لنفسه مولانا قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب الأنصاري السبكي الشافعي مكملاً على الأبيات الأولى التي في ابن سريج: ويقال إن الأشعري الثالث ال ... مبعوث للدين القويم الأملد والحق ليس بمنكر هذا ولا ... هذا وعلمهما اقرأن فعدد هذا لنصرة أصل دين محمد ... لنظير ذلك في فروع محمد وضرورة الإسلام داعية إلى ... هذا وذاك ليهتدي من يهتدي وقضى أناس أن أحمد الأسفرا ... ييني رابعهم فلا تستبعد فكلاهما فرد الورى المعدود من ... حزب الإمام الشافعي محمد والخامس الحبر الإمام محمد ... هو حجة الإسلام دون تردد وابن الخطيب السادس المبعوث إذ ... هو في أصول الدين أي مؤيد والسابع ابن دقيق عيد فاستمع ... فالقوم بين محمد أو أحمد وانظر لسر الله أن الكل من ... أصحابنا فافهم وأنصف ترشد

стр. 2728

هذا على أن المصيب إمامنا ... أجلى دليل واضح للمهتدي يا أيها الرجل المريد نجاته ... دع ذا التعصب والمراء وقلد هذا ابن عم المصطفى وسميه ... والعالم المبعوث خير مجدد وضح الهدى بكلامه وبهديه ... يا أيها المسكين لم لا تقتدي ولم يزل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد إلى أن طفئ سراجه الوهاج، وأثار عليه لواعج الأحزان وهاج. وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة حادي عشر صفر سنة اثنتين وسبع مئة. ومولده في البحر الملح وكان والده رحمه الله تعالى متوجهاً إلى مكة في البحر، فولد له عند الينبع في يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وست مئة، ولذلك ربما كتب بخطه: " السجي ". ثم إن والده أخذه على يده فطاف به وجعل يدعو الله أن يجعله عالماً عاملاً. وقلت أنا فيه: ومن عند الطواف بخير بيت ... غدا يدعو أبوه له هنالك بأن يمتاز في عمل وعلم ... فقل لي كيف لا يأتي كذلك وكان الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى قد تفقه بأبيه الشيخ مجد الدين بقوص، وبالشيخ عز الدين بن عبد السلام بالقاهرة وبطائفة، واشتهر اسمه في حياته وحياة مشايخه، وتخرج به أئمة. وكان لا يسلك المراء في بحثه، بل يتكلم بسكينة كلمات يسيرة، فلا يراد ولا يراجع. وكان عارفاً بمذهبي مالك والشافعي، كان مالكياً أولاً، ثم صار شافعياً.

стр. 2729

قال: وافق اجتهادي اجتهاد الشافعي إلا في مسألتين أحدهما أن الابن لا يزوج أمه والأخرى ... ، وحسبك بمن يتنزل ذهنه على ذهن الشافعي. قلت: أما مسألة الابن وعدم تزويجه لأمه فلأنه متفرع عن أصلين: أحدهما: أبوه، ولا ولاية له في تزويج أمه، والثاني: أمه، وما لها أن تزوج ابنها، فبطل أن يكون للابن ولاية في تزويج أمه. وامتدحه شيخنا الإمام العلامة المحقق النظار ركن الدين محمد بن محمد بن القوبع بقصيدة طنانة جاء منها في مدحه: صبا للعلم صباً في صباه ... فاعل بهمة الصب الصبي وأتقن والشباب له لباس ... أدلة مالك والشافعي وستأتي بقية الأبيات في ترجمة الشيخ ركن الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن. وكانت ولايته قضاء القضاة بالديار المصرية في يوم السبت ثامن عشر جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وست مئة. وكان الشيخ تقي الدين لا ينام الليل إلا قليلاً ولا يقطعه إلا بمطالعة وذكر وتهجد، أوقاته كلها معمورة. وله التصانيف البديعة ك " الإلمام والإمام " شرحه ولم يكمله، ولو كمل لم يكن

стр. 2730

للإسلام مثله، وكان يجيء في خمس وعشرين مجلدة، وله " علوم الحديث " و" شرح العمدة " في الأحكام الذي أملاه على ابن الأثير فاضل العصر الذي تعرفه وهو إملاء، وشرح " مقدمة " المطرزي في أصول الفقه. وألف " الأربعين في الرواية عن رب العالمين " وشرح بعض " مختصر ابن الحاجب "، و" شرح ابن الحاجب " في فروع المالكية، وشرح " مختصر التبريزي " في فروع الشافعية. وكان رحمه الله تعالى قد قهره الوسواس في أمر المياه والنجاسات، وله في ذلك وقائع وحكايات عجيبة. وكان كثير التسري، وله عدة أولاد سماهم بأسماء الصحابة العشرة. ولما طلع إلى السلطان حسام الدين لاجين قام له وخطا عن مرتبته. وعزل نفسه عن القضاء مرات، ثم يسأل ويعاد. وكان شفوقاً على المشتغلين، كثير البر لهم. قال قطب الدين عبد الكريم: أتيت إليه بجزء سمعه من ابن رواج والطبقة بخطه، فقال: حتى أنظر في هذا، ثم عاد إليه فقال: هو خطي، ولكن ما أحقق سماعي له ولا أذكره. أخبرني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال: حكى لي الشيخ قطب الدين السنباطي قال: بلغني أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قال: لكاتب

стр. 2731

الشمال عشرين سنة. أو قال: " سنين "، الشك مني أنا في روايتي عن شيخنا تقي الدين - لم يكتب علي شيئاً، قال السنباطي: فاجتمعت به وقلت له: قال فلان عن مولانا كذا وكذا، فقال: أظن ذلك أو كذلك يكون المسلم، أو كما قال. وكان يقول: ما تكلمت كلمة ولا فعلت فعلاً إلا وأعددت له جواباً بين يدي الله تعالى. ولما جاءت التتار ورد مرسوم السلطان إلى مصر بجمع العلماء وقراءة البخاري، فقرؤوا البخاري إلى أن بقي ميعاد أخروه ليختم يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة رئي الشيخ تقي الدين في الجامع فقال: ما فعلتم ببخاريكم؟ فقالوا: بقي ميعاد ليكمل اليوم، فقال: انفصل الحال من أمس العصر وبات المسلمون على كذا، فقالوا: نخبر عنك؟ قال: نعم، فجاء الخبر بعد أيام بذلك، وذلك في سنة ثمانين وست مئة على حمص، ومقدم التتار منكوتمر. وقال عن بعض الأمراء وقد خرج من القاهرة إنه ما يرجع، فما رجع. وأساء شخص عليه الأدب فقال الشيخ: نعيت لي في هذا المجلس ثلاث مرات، فمات بعد ثلاثة أيام. واستمع له بعض أصحابه ليلةً وهو يقرأ، قال: فوصل إلى قوله تعالى: " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ". قال: فما زال يكررها حتى طلع الفجر.

стр. 2732

قلت: ويدل على ذلك تحريه في عدم الكلام، وأنه كان بخيلاً، وشعره فيه أيضاً ما يدل على ذلك. أنشدني الشيخ شمس الدين بن نباته المصري من لفظه، قال: أنشدني الشيخ تقي الدين لنفسه: الجسم تذيبه حقوق الخدمه ... والنفس هلاكها علو الهمة والعمر بذاك ينقضي في تعب ... والراحة ماتت فعليها الرحمة ومن العجيب ما نقلته أنا من بعض التعاليق أن هذين البيتين حفظهما تاج الدين أحمد أخو الشيخ تقي الدين، وكان فارضاً عاقداً بالحسينية، فاتفق أنه قال في وقت في الهاجرة بمسجد الجوادي، فرأى في النوم والدهما الشيخ مجد الدين، رحمه الله تعالى، فسلم عليه، وسأله عن حاله، فقال: يا سيدي بخير. فقال: كيف محمد أخوك؟ قال: بخير، الساعة كنت عنده وأنشدني هذين البيتين. وأنشدهما، فقال: سلم عليه وقل له: الروح إلى محلها قد تاقت ... والنفس لها مع جسمها قد عاقت والقلب معذب على جمعهم ... والصبر قضى وحيلتي قد ضاقت ونقلت أنا من خطه رحمه الله تعالى لنفسه: أفكر في حالي وقرب منيتي ... وسيري حثيثا في مصيري إلى القبر فينشئ لي فكري سحائب للأسى ... تسح دموعا دونها وابل القطر إلى الله أشكو من وجودي فإنني ... تعبت به مذ كنت في مبدأ العمر

стр. 2733

تروح وتغدو للمنايا فجائع ... تكدره والموت خاتمة الأمر ونقلت من خطه له أيضاً: سحاب فكري لا يزال هامياً ... وليل همي لا أراه راجلا قد أتعبتني همتي وفطنتي ... فليتني كنت مهينا جاهلا قلت: جاء في كلام أرسطو: تعبت بعرفاني فليتني خلقت لا أعرف. وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن نباتة المصري قال: أنشدنا من لفظه لنفسه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: أتعب نفسك بين ذلة كادح ... طلب الحياة وبين حرص مؤمل وأضعت عمرك لا خلاعة ماجن ... حصلت فيه ولا وقار مبجل وتركت حظ النفس في الدنيا وفي ال ... أخرى ورحت عن الجميع بمعزل ولقد وقفت له على جواب طويل كتبه بخط يده في درج إلى الأمير سيف الدين منكوتمر نائب السلطان حسام الدين لاجين، وكان عند أستاذه الجزء الذي لا يتجزأ، وقد كتب فيه بعد البسملة. " ورد على العبد الفقير محمد بن علي مخاطبة الأمير الكبير سيف الدين، ووقف عليها وعجب منها لأمرين، ثم إنه ذكر كل فصل ويجيبه عنه، إلى أن قال في آخر ذلك: فكتب الأمير إلي كتاباً يكتب إلى من ليس عنده من الدين شيء، ولو كان الأمير عرف مني ارتكاب الكبائر الموبقات ما زاد على ما فعل، وبالجملة فإن الله تعالى

стр. 2734

أمر نبيه بالمباهلة والملاعنة في الدين، فقال لأهل الكتاب: " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم ونسائنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " فنتمثل أمر الله لرسوله ونقول: اللهم يا شديد البطش، يا جبار، يا قهار، يا حكيم، يا قوي يا عزيز يا قوي يا عزيز، يا قوي يا عزيز، نسب إلي أكل الحرام من المدارس الغائبة، وإلى أمور أنت أعلم بسرها، فإن كان ذلك في علمك صحيحاً فاجعل لعنتك ولعنة ملائكتك والناس أجمعين علي، وإن لم يكن صحيحاً فاجعلها على من افترى علي بها، وإن كان الولد قد فعل ما قيل من أخذ البراطيل فاجعلها عليه، وإن لم يكن فاجعلها على من افترى عليه، فهذا إنصاف وامتثال لما أمر الله به رسوله، وربك بالمرصاد، والشكوى إلى الله الحكم العدل ". فلم يلبث إلا أسبوعاً أو أقل أو أكثر حتى قتل السلطان وحبس منكوتمر، ثم أخرج من محبسه وذبح. وكان من شدة وسواسه ما يجلس على جوخ ولا يقربه. وكان في بعض الأيام طلع إلى السلطان حسام الدين وهو جالس على طراحة جوخ، فجلس معه عليها وقضى شغله، وعاد إلى بيته، ونزع كل ما عليه وغسله.

стр. 2735

فقالوا له: يا سيدي لا كنت جلست عليها، فقال فكرت إن جلست دونه أكن قد أهنت منصب الشرع، وهو أمر ما يزول، فجلست معه وغسلت ما علي فزال. وقيل: إنه امتنع من أكل الحلوى فقيل له في ذلك، فقال: لأني رأيت يوماً بعض الصناع يحرك دست حلوى ثم إنه أراق ماءً ولم يستنج. وقيل: كان يغسل الحلوى ويأكلها. وكان قد عزل نفسه في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وست مئة، ثم إنه أعيد إلى القضاء وخلع عليه، ورسم له أن لا يستنيب ولده محب الدين. وعلى الجملة فكان امرأ غريباً قل أن ترى العيون مثله زهداً وورعاً وتصميماً وتحرياً واجتهاداً وعبادة وتوسعاً في العلوم. فهو الذي بجح الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأشعار وأما ما كان يقع في حقه من شيخنا العلامة أثير الدين فله سبب، أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح اليعمري قال: كان الشيخ تقي الدين قد نزل عن تدريس مدرسة لولده، أنسيت أنا اسم المدرسة واسم ابنه، فلما حضر الشيخ أثير الدين درس قاضي القضاة تقي الدين بن بنت الأعز قرأ آيةً يدرس بها ذلك اليوم وهي " قد خسر الذين قتلوا أولادهم " الآية، فبرز أبو حيان من الحلقة وقال: يا مولانا قاضي القضاة " قدموا أولادهم "، يكرر ذلك، فقال قاضي القضاة: ما معنى هذا؟ فقال: ابن دقيق العيد نزل لولده فلان عن تدريس المدرسة الفلانية، فنقل المجلس إلى الشيخ
следующие страницы →