Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
سمع من عثمان بن علي، وإبراهيم بن خليل، وفرج الخادم، وعبد الله بن الخشوعي، وعدة. وخرج له الدمياطي " مشيخة "، وسمعها منه قديماً.
وكان مديماً للاشتغال، ورعاً زاهداً متواضعاً مفسراً، من كبار الحنفية، أعاد بالمنصورية والناصرية والظاهرية والصالحية، وحمل عنه الطلبة من سماعاته " جزء " الذهلي على ابن خطيب القرافة سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وأربعين وست مئة.
محمد بن علي بن الحسين بن سالم
الشيخ المقرئ الصالح الحاج، بقية المسندين، شمس الدين، أبو جعفر السلمي المرداسي بن الموازيني.
سماعه سنة اثنتين وعشرين وبعدها، إذ كان عند الملقن.
سمع أبا القاسم بن صصرى، والبهاء عبد الرحمن، وتفرد بالرواية عنهما، وسمع من إسماعيل بن ظفر، وأبي سليمان بن الحافظ، والشيخ الضياء.
وورث من أبيه ثروةً وعقاراً، وجاور مدة، وأنفق في البر والقرب، ثم أعطى ملكه لابنته، وبقى لنفسه كل يوم درهمين، ولبس العسلي وتزهد، وحدث بالحرم، وانحطم بالهرم، وثقل سمعه وضعف بصره.
стр. 2767
وحدث عنه ابن الخباز وباقي الطلبة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين منتصف ذي الحجة سنة ثمان وسبع مئة.
ومولده سنة خمس عشرة تقريباً.
محمد بن علي
الإمام الفاضل الفقيه النحوي الأصولي تاج الدين البارنباري الشافعي.
أخبرني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، رحمه الله تعالى، قال: قرأ المذكور على الشيخ حسن الراشدي القراءات السبع بالفاضلية، وقرأ المعقول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وحفظ " التعجيز "، وكان يستحضره إلى آخر وقت، ويعرفه جيداً، وحفظ " الجزولية "، واستمر على حفظ القرآن إلى أن مات.
وكان جيد المناظرة، متوقد الذهن في الفقه والأصولين والعربية والمنطق، وكان عديم التكلف في ملبسه، ولم يكن بيده غير فقاهات بالمدارس، كان يلقب بطوير الليل.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع عشرة وسبع مئة.
وقال لي شيخنا قاضي القضاة تقي الدين، قال لي ابن الرفعة: من عندكم من الفضلاء في درس الظاهرية؟ فقلت له: قطب الدين السنباطي، وفلان، وفلان، وعددت حتى انتهيت إلى ذكر البارنباري، فقال: ما في من ذكرت مثله.
стр. 2768
ومن مباحثه في السؤال الذي يورد في قوله تعالى: " لا تأخذه سنة ولا نوم " وتقديره أن السنة أعم من النوم، ويلزم من نفي العام نفي الخاص، فكيف قال " ولا نوم " بعد قوله " لا تأخذه سنة "؟ وقد أجاب الناس على هذا بأجوبة كثيرة، ومن أحسنها ما قاله البارنباري هذا، قال: الأمر في الآية على خلاف ما فهم، والمنفي أولاً إنما هو الخاص وثانياً العام ويعرف ذلك من قوله " لا تأخذه " أي لا تغلبه، ولا يلزم من أخذ السنة التي هي قليل من النوم أو النعاس عدم أخذ النوم له، فقال " ولا نوم " فعلى هذا فالسؤال منتف، وإنما يصح إيراده أن لو قيل لا يحصل له سنة ولا نوم. وهو جواب بليغ، قال مولانا قاضي القضاة تاج الدين السبكي: إلا أن لك أن تقول: فلم لا اكتفي بنفي أخذ النوم على هذا التقدير الذي قررت، وما الفائدة في السنة.
ومن سؤالات تاج الدين طوير الليل: سوى الأصحاب بين المانع الحسي والمانع الشرعي فيما إذا باع جاريةً حاملاً بحر أو باع جارية إلا حملها، فإن الصحيح فيهما البطلان، ولم يفعلوا ذلك فيما إذا باع داراً مستأجرة، فإن الصحيح فيها الصحة، والبطلان فيما إذا باع داراً واستثنى منفعتها شهراً.
стр. 2769
وأجاب، وقد سئل: كيف يقول الغزالي إن النية في الصلاة بالشروط أشبه وهي بشرط أن تكون مقارنة للتكبير، والتكبير ركن، فيتحد زمان الركن والشرط مع كون الركن لا بد أن يكون داخل النية والشرط خارجاً؟ بأن المراد بالداخل ما تتقوم به الماهية ولا تصدق بدونه وبالخارج ما ليس كذلك سواء أقارن الداخل في الزمان أم لا، فالترتيب ليس في الزمان، والنية لا تتقوم بها الصلاة، لجواز أن توجد بلا نية، وتكون صلاة فاسدة، وكذلك ترك الأفعال الكثيرة في الصلاة فإنه شرط مع أنه لا يوجد إلا داخل الصلاة.
قال مولانا قاضي القضاة تاج الدين السبكي: هذا جوابه، وهو على حسنه قد يقال عليه: هذا يتم إذا قلنا: إن الصلاة موضوعة لما هو أعم من الصحيح والفاسد لتصدق صلاة صحيحة وصلاة فاسدة، أما إذا قلنا: إنما هي موضوعة للصحيح فقط، فحيث انتقى شرطها لا تكون موجودة. وقد حكى الرافعي الخلاف في أن لفظ العبادات هل هو موضوع لما هو أعم من الصحيح والفاسد أو هو مختص بالصحيح حيث قال في كتاب الإيمان: وسيأتي خلاف أن لفظ العبادات هل هو موضوع لما هو أعم من الصحيح والفاسد، أو مختص بالصحيح؟ وإن كان لم يف بما وعد إذ لم يحكه بعد، على ما رأيناه.
стр. 2770
محمد بن علي بن محمد بن غانم
الشيخ الفاضل القاضي بدر الدين ابن الشيخ علاء الدين بن غانم، تقدم ذكر أبيه وعمه وأخيه وابن عمه.
كان من جملة كتاب الإنشاء، كان على الاشتغال مكباً وإلى التفهم منصباً لا يثنيه عن ذلك ثان، ولا له من بيته في هذا ثان، يكون في ديوان الإنشاء جالسا، وتراه في مختصر ابن الحاجب دارسا، كثير الصمت، عليه وقار وسمت، يفيض جماعة الإنشاء فيما يفيضون فيه، وهو مشغول بنفسه وصلاح حاله وتلافيه. يتشدد في الكتابة فلا يكتب إلا ما وافق الشريعه، وكان مضمونه إلى الحق ذريعه. وكتب كثيراً وعلق تراجم والتقط ذلك من التواريخ والمعاجم، وكان غاوياً باقتناء الكتب، رافعاً عن البذل فيها أذيال الحجب، على مسكة كانت في يده، وشح سكن في خلده.
وكان جميل الصورة في صباه، مصونا في مرباه. ثم إنه سأل الإعفاء من ديوان الإنشاء، فأجيب إلى ما قصده، وتناول ما رصده.
ولم يزل على ذلك إلى أن سلك سبيل من مضى من الأمم، وأصبح وقد عد في الرمم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر جمادى الأولى سنة أربعين وسبع مئة.
وكان منجمعاً عن الناس لا يتكلم فيما لا يعنيه، يكرر على محافظه الليل والنهار. وكان قد حفظ القرآن و" المنهاج " و" مختصر " ابن الحاجب و" الحاجبية " و"
стр. 2771
الملحة "، وعرض ذلك على الشيخ كمال الدين، وعلى الشيخ برهان وعليه تفقه.
ولما توجه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى قضاء حلب وصار بها كتب له إذناً بالإفتاء، وجهزه إليه إلى دمشق، وفي آخر أمره سأل الإعفاء من كتابه الإنشاء وأن يكون له نظير معلومه على الجامع الأموي، فأجيب إلى ذلك. وكان بيده تدريس القليجية الشافعية والشريفية عوضاً عن القاضي نجم الدين الدمشقي، وباشر العمادية والدماغية عوضاً عن الشيخ بدر الدين بن أبي اليسر ابن الصائغ لما توجه لخطابة القدس، وكان يحمل المعلوم إلى أقارب الشيخ بدر الدين، ولما عاد ابن الصائغ إلى دمشق استمر بدر الدين في تدريسهما، فوشى به الأمير حسام الدين بن النجيبي مشد الأوقاف إلى الأمير سيف الدين تنكز، فأمر بإعادة المدرستين المذكورتين إلى ابن الصائغ، وكان قد عين لخطابة القدس عوضاً عن ابن الصائغ فغض ذلك منه.
ولما توجه الشيخ برهان الدين إلى الحجاز ألقى عنه الدرس بالباذرائية، وكان معه عدة وظائف من قراءات على الكراسي وغير ذلك مما يقارب الألف درهم في كل شهر.
стр. 2772
وكان جماعة للكتب، أبيع له لما مات قريب الألفي مجلدة، وعلق على " المنهاج " تعليقه، وكان يحب الصالحين.
محمد بن علي بن محمد بن سعيد
ابن حمزة الشيخ الصدر الرئيس شرف الدين بن الصدر علاء الدين التميمي، ابن القلانسي.
من بيت كبير، وكان صاحب ثروة، تزوج في شبابه بابنة قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة، وهو صاحب حمام الزهور بالصالحية، وهو خال عز الدين بن القلانسي.
كان محباً للفقراء والصالحين، وسمع من السخاوي والقرطبي، والعز بن عساكر، وابن مسلمة، غيرهم.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادى الأول سنة أربع وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة بدمشق.
محمد بن علي بن عبد الواحد
الأنصاري السماكي الدمشقي الزملكاني، الشيخ، الإمام، العالم العلامة، ذو
стр. 2773
الفنون، الذكي النحرير، شيخ الشافعية في عصره، كمال الدين أبو المعالي قاضي القضاة بحلب.
سمع من أبي الغنائم بن علان، والفخر علي، وابن الواسطي، وابن القواس، ويوسف بن المجاور، وعدة، وطلب الحديث.
وكان فصيحاً في قراءته متسرعاً. قال شيخنا شمس الدين الذهبي: له خبرة بالمتون، تفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري وأفتى وله نيف وعشرون سنة، وسمي بالشيخ وعمره عشرون سنة.
وقرأ العربية على الشيخ بدر الدين بن مالك، وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الخوييي وشمس الدين الأيكي.
وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدين الهندي أول قدومه البلاد، أما لما عاد لم يقرأ عليه، وقرأ على قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي.
وأخبرني شيخنا نجم الدين بن الكمال الصفدي، قال: قلت له: فرطت في المنطق، قال: كان في طلبي له تلك الأيام شخص يعرف بالإفسنجي، وكنت قد
стр. 2774
درست وتميزت، أو قال، فكنت أتردد إليه على كره مني، والعلم في نفسه صعب، وعبارة الأفسنجي فيها عجمة، فإذا أردت منه زيادة بيان، أو قلت له: ما ظهر لي، جثا وأدار وجهه عني، فأنفت من تلك الحالة، وبطلت الاشتغال، أو كما قال.
قلت: أغناه فكره الصائب وذهنه الثاقب عن ذلك، لأن المنطق علم عقل لا نقل، على أنه كان يعرف منه ما يحتاج إليه في أصول الدين وأصول الفقه، فالمنطق نحو المعاني، كما أن النحو منطق الألفاظ، وابن الزملكاني كان يعرف المنطق على وجه كلي، كما أن امرأ القيس وغيره من فصحاء قريش يعرفون النحو على وجه كلي، وقال ابن سينا: واضع النحو والعروض في اللغة العربية يشبه واضع المنطق والموسيقا في اللغة اليونانية.
قلت: لعمري هذا تشبيه من عرف حقيقة هذه العلوم الأربعة، ولقد أورد بعض الأفاضل على تعلق المنطق: إن كانت هذه الآلات من الفطريات فليستغن عن تعلمها، وإلا افتقرت إلى آلة أخرى، ودار وتسلسل، وأجابه المنتصرون بأن بعضها فطري وبعضها كسبي، فاندفع الإشكال.
стр. 2775
قلت: بل الإشكال باق على حاله، فنقول فيما هو فطري ما قلناه أولاً، وفيما هو كسبي ما قلناه أولاً، وما كان الشيخ في ذلك بحيث إنه يجهل معرفة التصور والتصديق، ودلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام، والضرب من الشكل المنتج والكاذب، ومواد البرهان، والمقدم والتالي، وقياس الخلف، وغير ذلك مما يدخل في الأصولين، بل كان يعرف ذلك معرفةً جيدة تامة يتسلط بها على باقي الفن، أما أنه كان يطلب منه أن يشغل في مختلطات كشف الأسرار للخونجي فلا، وقلت أنا في مقتضى حال الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى:
أغناه ثاقب ذهنه وذكاؤه ... عن أن يقلد في الأنام سواه
من كان كالشمس المنيرة ذهنه ... فجميع ما تحوي العلوم يراه
وقال: وكان الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى علامة الزمان وثلامة البهتان، قائماً بالفقه ودقائقه وغوامضه وحقائقه، لو رآه الروياني لأغرقه في بحره، أو المتولي لعزل عما أكسبه نهاية فخره، أو القفال لفتح له أبواب نصره، أو الرافعي لانحط إلى حفضه وجره. قاعداً بالأصول فقهاً وديناً، ناهداً كالأسد وقد جعلت له الأقلام عرينا، فلو رآه الحليمي لسفه رأيه، أو الباقلاني لكان باقلاً في الرواية والدراية، كأنما عناه الغزي بقوله، واقتصر به على طوله، حيث قال:
стр. 2776
لم يبرح الفقه روضاً فاق فيك له ... سحابة ورده منها وعبهره
ذو الدرس سهل المعاني في عبارته ... يكاد يحفظه من لا يكرره
أما الجدال فميدان فوارسه ... تقر أنك دون الناس عنتره
لا يرى الناس أفصح من عبارته، ولا أملح من إشارته، لو سمعه الأصمعي لم ينقل عربيه عن أعرابه، أو يونس بن حبيب لما قلده سيبويه في إعرابه، كأن عبارته السكر المذاب، أو رشف الثنايا العذاب، تدخل الأذن بلا إذن لفصاحتها، ويرشفها الذهن لصناعتها ونصاعتها.
وكان شكله يرى وهو من أحسن الأشكال، ومثله لا يرى وليه معه إلا أن يذل له الأنذال، وعدوه سوى إن كال له الأنكال، بعمة لا يحسن أحد أن يديرها ولا يصدق تصويرها، وطلعة يستحيي القمر أن يقابلها، والشمس أن تشاكلها، وشيبة عليها نور الإيمان، ورفق الإيقان، وكرم نفس لا يذكر معه صوب الغوادي، ولا النيل ذو الأصابع ولا البحر ذو الأيادي.
وأما خطه فلم يكتب أحد في زمانه مثل تعليقه، ولا يصل معه كاتب إلى تغليقه، كأن طروسه رياض دبجها الغمام، سطوره حدائق ألفاتها غصون، والهمزات عليها حمام، كأنما:
تناول من لطافته نهاراً ... وفرق فوقه ليلاً بهيما
هذا إلى معارف حواها من سائر الفنون. وأخذ من كل منها محاسن النكت وفوائد
стр. 2777
العيون، فما باشر شيئاً إلا وزانه، ونفى عنه ما شابه وشانه، تنقل في مباشرات الدوله، ونال فيها الوجاهة والعز والصون والصوله، وولي في آخر عمره قضاء قضاة حلب غصبا، ولقي فيها نصبا، وإن كان قد وجد فيها رفعا ونصبا، ثم إنه عزل منها وطلب إلى باب السلطان فما وصل، ونزع خضاب سعده ونصل، ومرض في طريق الرمل. وانبت من حياته الشمل، فعدم الوجود كماله، وما وصل جرح حياته اندماله.
وأدركه أجله في بلبيس سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وله من العمر ستون سنة.
كان مولده في شوال سنة سبع وستين وست مئة.
وحمله ولده عبد الرحمن إلى القاهرة ودفنه بالقرافة عند الشافعي ﵁.
وكان قد حفظ " التنبيه " فيما أظن و" المنتخب " في أصول الفقه، و" المحصل " في أصول الدين. وكتب المنسوب الفائق، كان يقال إنه ما كتب على نجم الدين بن البصيص أحسن منه ومن الشيخ بدر الدين حسن بن المحدث، وخطه هو أحسن، وقيل: إنه كان يكتب الكوفي طبقة.
وذكره شيخنا الذهبي في " معجمه " المختص فقال فيه: شيخنا عالم العصر، انتهى.
стр. 2778
وكان الشيخ من بقايا المجتهدين ومن أذكياء أهل زمانه، تخرج به الأصحاب، وانتفع به الأئمة. لم ير مثل كرم نفسه وعلو همته وتجمله في ملبسه ومأكله، لم تزل تلاميذه الخواص على مائدته، يحب الطالب الذكي ويجذب بضبعه من ورطة الخمول ويكبره. ويعظمه ويزهزه له، ويسير إليه في البحوث ويصوب ما يقول ويحسنه ويعجب الحاضرين منه. فعل ذلك بجماعة، ونزل للقاضي فخر الدين المصري من تدريس العادلية الصغيرة، وما رأى أحد أسعد منه في علمه وقوله، كان إذا دوغ أحداً بكلمة سوء لبسته من فرقه إلى قدمه، وكذا في الخير غضب مرة على فخر الدين المصري فقال: من أرادني وأحبني فلا يكلمه، وكان المسكين يراه الناس في الجامع فما يجسر أحد يسلم عليه، وعمل خطبة افتتحها بقوله: الحمد لله الذي جعل " التائب من الذنب كمن لا ذنب له "، وكان لا يتعب التلميذ، بل إذا رأى الطالب في دروسه وذهنه جيد وقد تعب على نفسه اجتذبه إليه ونوه به وعرف بقدره، فيعرف به وينسب إليه، وإذا جاءه مبتدئ ليقرأ عليه يقل له: رح الآن إلى الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة وإلى الشيخ شمس الدين بن النقيب وإلى مجد الدين التونسي وإلى نجم الدين القحفازي، فإذا تنبهت عد إلي.
واشتهر في زمن أشياخه وتقدم عليهم إلى أن سادهم ورأس وساد في الدولة، وطار ذكره.
وصنف رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في الطلاق، ورسالة في
стр. 2779
الرد عليه في مسألة الزيارة، وصنف مصنفين في تفضيل البشر، أحدهما سماه " تحقيق الأولى في الرفيق الأعلى "، وجوده ما شاء، وشرح من " منهاج " النووي قطعاً مفرقه، وكان يلقي الدروس من " نهاية المطلب ". وله رسالة سماها " رابع أربعة " نظماً ونثراً، وشرح في " عمدة الأحكام " قطعة.
ودرس بالشامية البرانية. والظاهرية الجوانية والرواحية، وباشر في وقت دار الحديث الأشرفية تحت القلعة عوضاً عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل، تقدير نصف شهر، ثم أخذها منه كمال الدين بن الشريشي في شعبان سنة عشر وسبع مئة.
وولي نظر ديوان الأفرم، ثم بطله، وولي نظر الخزانة ووكالة بيت المال، وكتب في ديوان الإنشاء مدة ووقع في الدست قدام الأفرم وغيره، فكان لا يدع أحداً يتكلم لا من وزير ولا من قاض ولا من ناظر جيش ولا من حاجب ولا من كاتب سر، ولا من مشد أوقاف ولا من والي المدينة ولا أحد له وظيفة، وكلامه في جميع ذلك ساد واف بالمقاصد، وكل ذلك لمعارفه وسعة علمه وخبرته ودربته ومعرفته بتراجم أهل العصر.
وله الإنشاء الجيد، ونثره خير من نظمه. وله التواقيع الجيدة المليحة، وكتب عن الأفرم في فتح جبل كسروان بعد البسملة: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ".
стр. 2780
ولما كان في شهر شعبان سنة أربع وعشرين وسبع مئة رسم له السلطان بقضاء حلب، فامتنع، ودخل على الأمير سيف الدين تنكز وسأله الإعفاء، فكتب له إلى السلطان، فجاء الجواب بالتشديد في أمره وتجهيزه قولاً واحداً، فتوجه بعد ما قضى أشغاله من دمشق في رابع عشر شوال من السنة المذكورة، وتأسف الناس على فراقه.
ولما دخل إلى حلب يوم الثلاثاء سادس عشري شعبان قال له نائب حلب كانت قلوبنا قد انكسرت فجبرتها، وقال: يا حلبيين لقد سعدتم وأراد الله بكم الخير، والآن عظمت حلب بهذا الرجل. ولما وصل إلى حلب نزل بمكان يعرف بالفردوس، وكان قد توجه معه شمس الدين محمد الخياط الشاعر، فأنشده وأنشدنيه من لفظه غير مرة:
يا حاكم الحكام يا من به ... قد شرفت رتبته الفاخره
ومن سقى الشهباء إذ حلها ... بحار علم وندىً زاخره
نزلت في الفردوس فابشر به ... دارك في الدنيا وفي الآخره
وتألم أهل دمشق لفراقه وتأسفوا على بعده، لأنه كان للشافعية واسطة قلادتهم وشمس سيادتهم، وأقام في حلب مدةً وما رزق فيها سعادة، وتعكس في أيام الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وكان أصحب الناس إليه، وذلك لأنه عبث باليهود عبثاً عظيما وأخذ منهم كنيسة كانت لهم وفتحها مدرسةً، فتسلطوا عليه وبرطلوا وبذلوا، فنودي عليه في الجامع بعد صلاة الجمعة على رؤوس الأشهاد، وقاسى من ذلك شدة وتألم.
стр. 2781
وطلبه السلطان بعد ذلك إلى الديار المصرية بعد ما وصل من حلب إلى دمشق في عشري شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فأقام بدمشق أربعة أيام، وتوجه على البريد إلى القاهرة ليوليه قضاء الشام أو كتابة السر بمصر، فقيل: إنه مات وهو مسموم، وعند الله تجتمع الخصوم.
على أن القاضي شهاب الدين بن فضل الله حكى لي عن ولده تقي الدين أن والده الشيخ كمال الدين قال له وقد بدا في المرض في الرمل: والله يا ولدي أنا ميت ولا أتولى لا مصر ولا دمشق وما بقي بعد حلب ولاية أخرى، لأنه في الوقت الفلاني حضر إلى الجامع الأموي فلان الصالح فترددت إليه وخدمته وطلبت منه التسليك، فأمرني بالصوم مدة، ثم أمرني بصيام ثلاثة أيام، أظنه، قال لي: أفطر فيها على الماء واللبان الذكر، وكان آخر ليلة في الثلاث ليلة النصف من شعبان، فقال لي: الليلة تجيء إلى الجامع تتفرج أو تخلو بنفسك فقلت: بل أخلو بنفسي، فقال: جيد، ولا تزال تصلي حتى أجيء إليك، قال: فخلوت بنفسي أصلي كما وقفني ساعة جيدة، فلما كنت في الصلاة إذا به قد أقبل، فلم أبطل، ثم إنني خيل لي قبة عظيمة بين السماء والأرض، وظاهرها معارج ومراقي، والناس يصعدون فيها من الأرض إلى السماء، فصعدت معهم، فكنت أرى على كل مرقاة مكتوباً: نظر الخزانة، وكالة بيت المال، نظر المارستان النووي، التوقيع، المدرسة الفلانية، المدرسة العلانية، قضاء حلب، هذا
стр. 2782
أعلى المراقي المفرقة، ولما وصلت إلى هذه المرقاة أشفقت من هذه الحالة ورجعت إلى حسي وبت ليلتي. فلما اجتمعت بالشيخ قال لي: كيف كانت ليلتك؟ جئت إليك وما قصرت، لأنك ما اشتغلت بي، والقبة التي رأيتها هي الدنيا، والمراقي هي المراتب والوظائف والأرزاق، وهذا الذي رأيته تناله كله. والله يا عبد الرحمن وكل شيء رأيته قد نلته، وكان آخر الكل قضاء حلب، وقد قرب الأجل. أو كما قال.
وكان الشيخ كمال الدين - رحمه الله تعالى - كثير التخيل، شديد الاحتراز، يتوهم أشياء بعيدة ويبني عليها، وتعب بذلك، وعادى أصحابه، وحسد، وعمل عليه مرات، ونجاه الله ببركات العلم. وطار ذكره، ورماه الناس أنه يؤذي أصحابه، حتى قال فيه صدر الدين بن الوكيل ما أنشدنيه من لفظه القاضي علم الدين إبراهيم بن سليمان المستوفي، قال: أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
طباع الزملكي لها مثال ... كعقرب أخفيت في البيت معنا
فما مرت بشيء قط إلا ... وتضربيه سريعاً لا لمعنى
ولقد رأيته مرةً في الظاهرية وفي يده قائمة الحساب وهو يساوق المباشرين على المصروف فيسبقهم إلى الجمع وعقد الجملة، ويبقى ساعةً ينتظرهم إلى أن يفرغوا، فيقول: كم جاء معكم؟ فيقولون: كذ وكذا، فيقول: لا، فيعيدون الجمع، إلى أن يصح.
ومرض مرة بالماشرا، وكان يعوده لعلاجه من جملة الأطباء أمين الدين رئيس الأطباء، فخرج يوماً من عنده وقال: الله لا يعافي هذا الشيخ كمال الدين، قالوا
стр. 2783
له: لأي شيء؟ قال: حتى يطول علاجنا له واجتماعنا به، لأننا نسمع منه أسماء أعضاء ما كنا نحققها وأمراض ما نصححها، فاستفدنا منه تصحيح ألفاظ ذلك كله.
وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي عوالي وأربعين، وقرأها شيخنا الذهبي عليه.
ومن نظمه ما كتبه إلى قاضي القضاة شرف الدين بن البارزي يطلب منه " تيسير الفتاوي في توضيح الحاوي ":
يا واحد العصر ثاني البدر في شرف ... وثالث العمرين السالفين هدى
تيسيرك الشامل الحاوي الوجيز له ... نهاية لم تنلها غاية أبدا
محرر خص بالفتح العزيز ففي ... تهذيبه المقصد الأسنى لمن قصدا
وقد سمت همتي أن أصطفيه بها ... وأن أعلمه الأهلين والولدا
فانعم به نسخةً مقابلةً ... ولاح نورك في أثنائها أبدا
لا زلت بحر علوم طاب مورده ... وكل ظمآن علم منه قد وردا
ومن نظمه رحمه الله تعالى:
أهواك يا ربة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك
وأعمل العيس والأشواق ترشدني ... عسى يشاهد معناك معناك
تهوي بها البيد لا تخشى الضلال وقد ... هدت ببرق الثنايا الغر مضناك
تشوقها نسمات الصبح ساريةً ... تسوقها نحو رؤياك برياك
стр. 2784
يا ربة الحرم العالي الأمين لمن ... وافاه من أين هذا الأمن لولاك
إن شبهوا الخال بالمسك الذكي فه ... ذا الخال من رؤية المحكي والحاكي
أفدي بأسود قلبي نور أسوده ... من لي بتقبيله من بعد يمناك
إني قصدتك لا ألوي على بشر ... ترمي النوى لي سريعاً نحو مرماك
وقد حططت رحالي في حماك عسى ... تحط أثقال أوزاري بلقياك
كما حططت بباب المصطفى أملي ... وقلت للنفس بالمأمول بشراك
محمد خير خلق الله كلهم ... وفاتح الخير ماحي كل إشراك
سما بأخمصه فوق السماء فكم ... أوطا أسافلها من علو أفلاك
ونال مرتبةً ما نالها أحد ... من أنبياء ذوي فضل وأملاك
يا صاحب الجاه عند الله خالقه ... ما ود جاهك إلا كل أفاك
أنت الوجيه على رغم العدا أبدا ... أنت الشفيع لفتاك ونساك
يا فرقة الزيغ لا لقيت صالحةً ... ولا شفى الله يوماً قلب مرضاك
ولا حظيت بجاه المصطفى أبداً ... ومن أعانك في الدنيا ووالاك
يا أفضل الرسل يا مولى الأنام ويا ... خير الخلائق من إنس وأملاك
ها قد قصدتك أشكو بعض ما صنعت ... في الذنوب وهذا ملجأ الشاكي
قد قيدتني ذنوبي عن بلوغ مدى ... قصدي إلى الفوز منها فهي أشراكي
فاستغفر الله لي واسأله عصمته ... فيما بقي وغنى من غير إمساك
عليك من ربك الله الصلاة كما ... منا عليك السلام الطيب الزاكي
стр. 2785
قلت: ولم أقف للشيخ رحمه الله تعالى على نظم هو خير من هذه القصيدة لقصدها الصالح، وقد أشبع فيها الكاف كسرة في خطاب المؤنث في ثلاثة أماكن حتى نشأت ياءً، لكنه جائز. وعمل على هذه القصيدة، أو على قصيدة ميمية مديح في النبي ﷺ أو عليهما، كراريس سماها " عجالة الراكب ".
ومن شعره:
يا سائق الظعن قف بي هذه الكثب ... عساي أقضي بها ما للهوى يجب
وارفق قليلاً لكي تروي الثرى سحب ... من ناظري بمزن منه تنسكب
فثم حي حياتي في خيامهم ... فالموت إن بعدوا والعيش إن قربوا
لي فيهم قمر والقلب منزله ... لكن طرفي له بالبعد يرتقب
لدن القوام رشيق القد ذو هيف ... تغار من لينه الأعطاف والقضب
حلو المقبل معسول مراشفه ... يجول فيها رضاب طعمه الضرب
لا غرو إن راح نشواناً ففي فمه ... خمر ودر ثناياه لها حبب
ولائم لا مني في البعد عنه وفي ... قلبي من الشوق نيران لها لهب
فقلت: إن صروف الدهر تصرفني ... عما أروم فما لي في النوى سبب
ومذ رماني زماني بالبعاد ولم ... يرحم خضوعي ولم يبق لي نشب
стр. 2786
ولما توفي رحمه الله تعالى نظم فيه المولى جمال الدين محمد بن نباته قصيدة مليحة يرثيه بها، أولها:
بلغا القاصدين أن الليالي ... قبضت جملة العلا بالكمال
وقفا في مدارس العقل والنق ... ل ونوحا معي على الأطلال
سائلاها عسى يجيب صداها ... أين ولى مجيب أهل السؤال
أين ولى بحر العلوم وأبقى ... بين أجفاننا الدموع لآلي
أين ذاك الذهن الذي قد ورثنا ... عنه ما في الحشا من الاشتعال
أين تلك الأقلام يوم انتصار ... كعوالي الرماح يوم النزال
ينقل الناس عن طريق هداها ... طرق العلم عن متون العوالي
وتفيد الجنا من اللفظ حلوا ... حين كانت نوعاً من العسال
وكنت قد اختلفت أنا والمولى شرف الدين حسين بن ريان في وقت بصفد في قول الحريري في بعض " مقاماته ":
فلم يزل يبتزه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب
فذهب هو في إعراب قوله: " ما فيه " إلى أن هذا في موضع نصب على أنه مفعول ثان، وذهبت أنا إلى أنه بدل اشتمال من الهاء في قوله: " يبتزه "، فكتب شرف الدين فتوى من صفد وجهزها إلى الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى، ونقلتها من خطه وهي:
стр. 2787
ما تقول السادة علماء الدهر، وفضلاء هذا العصر، لا برحوا لطالبي هذا العلم الشريف قبلة، وموطن السؤال ومحله، في رجلين تجادلا في مسألة نحوية، وهي في بيت من " المقامات الحريرية " وهو:
فلم يزل يبتزه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب
وذهبا إلى أن معنى " يبتزه " يسلبه، وكل منهما وافق في هذا مذهب خصمه مذهبه، وأصل سؤالهما الغريب إعراب قوله: " ما فيه من بطش وعود صليب ". لم يختلفا في نصبه، بل خلفهما فيما انتصبت به، فذهب أحدهما إلى أنه بدل اشتمال من الهاء المنصوبة في " يبتزه "، وله على ذلك استدلال، وذهب الآخر إلى أنه مفعول ثان " ليبتزه " وجعل المفعول الهاء، واختلفا في ذلك وقاصديكم جاءا وقد سألا الإجابة عن هذه المسألة.
فكتب الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى الجواب، ونقلته من خطه وهو: الله يهدي للحق، كل من المختلفين المذكورين قد نهج نهج الصواب، وأتى بحكمة وفصل خطاب، ولكل من القولين مساغ في النظر الصحيح، ولكن النظر إنما هو الترجيح، وجعل ذلك مفعولاً أقوى توجيها في الإعراب، وأدق بحثا عند ذوي الأدب. أما من جهة المعنى فإن المقام مقام تشك وأخذ بالقلوب، وتمكين، هذا
стр. 2788
المعنى أقوى إذا ذكر ما سلب، منه مع بيان المسلوب، فذكر المسلوب مقصود كذكر ما سلب، وفي ذلك من تمكين المعنى ما لا يخفى على ذوي الألباب، ووراء هذا بسط لا تحتمله هذه العجالة، والله أعلم. كتبه محمد بن علي.
قلت: لا أعلم في ذلك العصر أحداً يأتي بهذا الجواب غيره، لمعرفته بدقائق النحو وبغوامض علمي المعاني والبيان ودربته بصناعة الإنشاء.
وأما صورة الخط الذي نقلت منه هذه الفتوى فما كانت إلا قطعة روض تدبجت، أو هوامش عذار على طرس الخد تخرجت، ﵀ وأكرم مثواه، وجعل الجنة منقلبه وعقباه.
ونقلت من كلامه تعليقاً على قوله تعالى: " التائبون العابدون " الآية: فإن قيل: كيف ترك العطف في جميع الصفات وعطف " النهي عن المنكر " على " الأمر بالمعروف " بالواو؟ قلت: للمفسرين والعلماء في الجواب عن هذا السؤال أقول، فمنها قولهم لأنها الصفة الثامنة، فهي واو الثمانية، وهذا في غاية السخافة، منها أن هذا من التفنن في الكلام، وهو جواب إقناعي، ومنها أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وهذا بعيد في الإعراب ومقصود الكلام، ومنها أن هاتين الصفتين متعلقتان بالغير فاحتاجت إلى مزية، وهو كالأجوبة التي قبله.
قال: وعندي في هذا وجه حسن، وهو أن الصفات تارة تنسق بحرف العطف
стр. 2789
وتارة تذكر بغيره، لكل مقام معنى يناسبه، فإذا كان المقام مقام تعداد صفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف، فإن أريد الجمع بين الصفتين أو التنبيه على تغايرهما عطف بالحرف أيضاً، وفي القرآن أمثلة تبين ذلك، قال الله تعالى: " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن " الآية، فأتى بالواو بين الوصفين لأن المقصود بالصفات الأول ذكرها مجتمعة، والواو قد توهم التنويع، فحذف، وأما الأبكار فلا يكن ثيبات والثيبات لا يكن أبكارا، فأتي بالواو لتضاد النوعين، وقال تعالى: " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول "، فأتى بالواو في الوصفين الأولين، وحذفهما في الوصفين الآخرين، لأن غفران الذنب قبل التوبة، وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب، فبين الله تعالى بعطف أحدهما على الآخر أنهما مفهومان متغايران ووصفان مختلفان يجب أن يعطى كل واحد حكمه، وذلك مع العطف أبين وأرجح وأوضح، وأما شديد العقاب، وذو الطول فهما كالمتضادين، فإن شدة العقاب تقتضي اتصال الضرر، والاتصاف بالطول يقتضي اتصال النفع، فحذف ليعرف أنهما مجتمعان في ذاته المقدسة موصوفاً بهما على الاجتماع. فهو في حال اتصافه بشديد العقاب ذو
стр. 2790
الطول، فحسن ترك العطف لهذا المعنى. وفي هذه الآية التي نحن فيها يتضح معنى العطف وتركه مما ذكرناه، لأن كل صفة مما لم ينسق بالواو مغايرة للأخرى، والغرض أنهما في اجتماعهما كالوصف الواحد لموصوف واحد، فلم يحتج إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما متلازمان أو كالمتلازمين مستمدان من مادة واحدة كغفران الذنب وقبول التوب، حسن العطف ليبين أن كل واحد معتد به على حدة، فإنه بذاته لا يكفي منه ما يحصل في ضمن الآخر، بل لا بد من أن يظهر أمره بالمعروف بصريح الأمر، ونهيه عن المنكر بصريح النهي، فاحتاج إلى العطف، وأيضاً فلما كان الأمر والنهي ضدين أحدهما طلب الاتحاد والآخر طلب الإعدام كالنوعين المتغايرين في قوله تعالى: " ثيبات وأبكاراً " فحسن العطف بالواو، فهذا ما ظهر من الجواب. والله أعلم.
قلت: وكنت أنا في زمن الصبا والإشغال قد جمعت في هذه الواو كراسة وفيها فوائد.
محمد بن علي بن أبي بكر الرقي
الشيخ الصالح الواعظ المحدث شهاب الدين بن تاج الدين المعروف ب ابن العديسة.
стр. 2791
كان شيخ الخانقاه المجاهدية ظاهر دمشق، وله مواعيد حديث يقرأ فيها في الجامع الأموي والجامع السيفي وأماكن أخر، وكان يعاني شيئاً من المواعظ في كلامه، وكان فيه تعبد وانقطاع وكرم وسخاء، وحج مرات وجاور، سمع على عمر بن القواس، ويوسف الغسولي وغيرهما، وسمع ببعلبك من الشيخ تاج الدين عبد الخالق، وحدث.
وتوفي رحمه الله تعالى بوادي الأخضر في يوم الخميس عاشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين.
ومولده ...
وأظن المجير الخياط فيه يقول:
في الدهر شيء عجيب ... مرآه يقذي اللواحظ
ابن الرزير خطيب ... وابن العديسة واعظ
محمد بن علي بن سعيد الأنصاري
الشيخ الإمام الفاضل المفنن بهاء الدين أبو محمد المعروف بابن إمام المشهد.
قرأ القرآن العظيم وأتقنه بالروايات السبع على الكفري، واشتغل بالعربية على
стр. 2792
الشيخ محمد التونسي ولازم الشيخ نجم الدين القحفازي كثيراً، وقرأ الفقه على الشيخ برهان الدين بن تاج الدين. وسمع بمصر والإسكندرية وحلب، وبدمشق من أشياخ عصره.
وكان حسناً شكله بيناً فضله، كثير التبسم، غزير الارتياح للسيادة والتسنم. جاب البلاد وما هاب الجدال والجلاد، وقطع المفاوز بحظ هابط وعزم صاعد. وشام كل بارق، وانتجع كل راعد، إلى أن أقمر ليل حظه الدجوجي بعدما تطور في أطوار أبي زيد السروجي.
وكان قد جود الفقه والعربيه، وعلق التعاليق الأدبيه، وبلغ ما أراد من الوصول إلى الأصول، واستنفد الحاصل واستغرق المحصول. وكتب المنسوب الفائق، وقطع في حسنه الدرج والدقائق، ونظم جيداً ونثر. ورقا درج منبره، وكان كأنه في أعلاه حمام هدر:
ينمنم الخط لا يجتاب أحرفه ... والوشي مهما حكاها منه يجتاب
إلى تصانيف في أكمامها ثمر ... تجنيه بالفهم دون الكف ألباب
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به دؤلول بنة الرقم، وأصبح كف الموت من شخصه ينتقم.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في بكرة الأربعاء ثامن عشري شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
стр. 2793
ومولده في ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مئة.
وجمع كتاب " الأحكام " في ست مجلدات وجوده، وتناولته منه، وأجازني رواية ماله تسميعه بديوان الإنشاء في المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة بدمشق.
وكان قد أم بدار الحديث ثم بمسجد الكنيسة، ودرس بالقوصية، وأقام بحلب مدة، وتردد إليها مرات، ثم أقام بطرابلس مدة، وتوجه إلى صفد وأهلها على عطش، ومعه أشياء بخطه فأباعها بأوفر الأثمان، وتوجه إلى مصر مرات، وحضر سنة ست وثلاثين بين يدي السلطان الملك الناصر، وساعده القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فولاه المدرسة الأمينية بدمشق عوضاً عن القاضي علاء الدين بن القلانسي، وحضر إلى دمشق على البريد، وذكر الدرس بها في رابع شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وحضره الأعيان. ثم إنه سعى وأخذ نظرها أيضاً من الخطيب بدر الدين، ومشت بذلك حاله قليلاً، وهو من وراء السعي والطلب.
ثم إنه سعى وتولى الحسبة بدمشق بعد موت القاضي عماد الدين الشيرازي في أيام سيف الدين أرغون شاه. وكتبت أنا توقيعاً له بذلك وهو " الحمد لله الذي زاد الدين بهاء بمحمده، وزان العلم الشريف بكل حبر جمل مغيبه حسن مشهده، وكمل الفضل بكل عالم يشهد من يومه مخائل الزيادة في غده.
فحمده على نعمه التي أعلت الرتب، ونفت الشبه وكشفت الريب، وكفت المؤونة في رفعة قدر من توكل على الله واحتسب.
стр. 2794
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً لا يدخل الشك إقرارها، ولا يمحو الإفك أنوارها، ولا يبهرج الحك دينارها.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ذو الخلق العظيم، والجود الذي اختص به وهو للخلق عميم، والفضل الذي أوتيه " من لدن حكيم عليم " صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اتبعوا أوامره، وسمعوا زواجره، ووضعوا على هامة الثريا مناقبه، ورفعوا على فرق الفرقد مفاخره. صلاة تشرف بحفظها كل جمع، وتشنف بلؤلؤ لفظها كل سمع، ما عم نظر في المصالح فأنعم، وملأ إناء الأنى قطر الإحسان فأفعم، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين وبعد: فإن النظر في مصالح الجمهور، والفكر في المنافع العامة الوافية الأجور من الأمور التي تتجمل بها الدول، وتفخر بها الأيام المختصة بمحاسنها على الليالي الأول، والنظر في أمر الحسبة الشريفة سلك ينخرط فيه هذا الجوهر الفاخر القيم، وملك تتنافس في ادخاره الأخلاق الطاهرة الشيم. كم باطل أقام به الحق منه الأود، وقوم الميل، وكم نجس أزاله به من الذراع والميزان والكيل، وكم غش أخرب الله به عشه في معايش النهار والليل، وكم زغل طهر به الكم فولى وقد شمر الذيل.
стр. 2795
وكان الجناب العالي الشيخي البهائي ممن اشتهر فضله، ونزع في قوس الإحسان فأصاب الصواب نبله الذي أرسله نبله، وخدم العلم الشريف حتى عز في عصره أن يوجد في فنونه مثله، وتفرع عن أصل زكا فكان والده رحمه الله تعالى ليثاً وقد شب له منه شبله.
أما القراءات فباع صاحب القصيدة معه فيها قصير، ومسلك مصنف " التيسير " أصبح وهو عسير.
وأما العربية فأين صاحب " الجمل " من هذا التفصيل. وأين صاحب " الحجة " من هذا التعليل.
وأما الفقه فلو رآه الروياني علم أن بحره في حوضه قطره، ولو سمعه النووي لأطلع من كلامه بروضته في كل شطر سطر زهره.
وأما الأصول فالإمام يتأخر عن محراب فخره، والسيف لا يثبت له عند هزه.
وأما الخطابة فهو من فرسان منابرها، وأبطال محاربيها ومحابرها. كم أذاب حصاة قلب تحت منبره، وأذرى بها دمعاً إذا جرى تعثر في محجره.
وأما الكتابة فما فتح ابن البواب لغيره فيها بابا، ولا رفع ابن مقلة فيها لغيره أهدابا، فشهدة شهدت له بالحلاوة نصاً. وياقوت أصبح في خاتمه فصا، هذا إلى سياسة حلب بها أشطر الأمور، وعلم بها مصالح الجمهور، وملك بعرفانها أزمةً تسقط
стр. 2796
على حبها طير المصالح. ويصبح راجي العدل بها وميزانه راجح، وتصدق بتوخيها المنى والمناجح.
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني أن يرتب في الحسبة الشريفة بالشام المحروس، لأن هذا العقد بجيده لائق، وهذا التاج لا يعوقه عن مفرقه عائق، وهذا الميدان لا يجري معه فيه سابق ولا سائق.
فليباشر ذلك مباشرة من هذبته العلوم، وتدرب بالقواعد الشرعية فاستدل بالمنطوق على المفهوم، وساد بنفسه العصامية، فكان له من الرياسة سرب معلوم، وملك من السياسة ما يعرف به وجه الظالم من المظلوم، فقد وليناك هذه الوظيفة وأنت ملء قالبها، وعذقنا أمرها بك، وأنت أولى من قالبها وقال بها. فتمم نقصها بكمالك، ومش الناس فيها على أقوام المسالك. وأقم المهابة فإنها ترعى هؤلاء الرعاع، ومالك فيها إلا مذهب مالك، وافعل ما تقتضيه معرفتك من احتكار ومنع، وانخفاض سعر ورفع، وتحرير ما يخرج من دار الضرب من النقود وتصحيح العيار، فكم درهم ودينار هو في المعدوم معدوم، وقد يتغطى الزين بالرين ويشتبه الشيء الحسن بالشين، وضبط ما يمتد فيه باع الذراع، ويتحرك به لسان الميزان ويبتلعه فم الصاع، ومنع العطارين من بيع العقاقير الغريبة لمن هو مجهول،
стр. 2797
والأصناف التي لا يلتئم اجتماعها وريعها بالهلاك مأهول، وأهم ما عندك خبر الخبز فأمتع العيون ببدور رغفانه ووجوه لجين عجينه الذي تتلون في النار خدود عقيانه، وانظر في جليل أمره ودقيقه، وقف على مبتدأ حبه وخبز دقيقه. وانته إلى غاية أمره إذا خرج من النار المسعره، واقصد العدل كمن عمل معدلة وسعره، وغش البواطن فاستعن بالله على إزالته، وصلاح فساده وإحالته، لأن ما أمره مغيب يتوقف في أمره ويستراب، والداء القاتل أكثر ما يكون من الطعام والشراب. إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ويضيق هذا المقام فلا يتوسع فيه سرحه. وأنت بتفصيل الوصايا جد بصير ولو قيل لك قليل كان عندك منه علم كثير.
وتقوى الله تعالى حلية لكل راع، وزينة لكل فاضل انعقد عليه الإجماع. فلتكن عين جمالك وحاجب جلالك، والله يوفق مسعاك. ويحفظك ويرعاك.
والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه حجة في ثبوت العمل بمقتضاه. والله الموفق بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
ثم إنه أقام في الحسبة إلى أن وصل القاضي عماد الدين بن الفرفور على الوظيفة في أوائل سنة إحدى وخمسين، فتوجه ابن إمام المشهد إلى الديار المصرية، ومعه زوجته الحموية، وكان قد غرم عليها جملةً إلى أن مات ما يقارب المئتي ألف درهم.
стр. 2798
وأنشد بدر الدين حسن بن علي الغزي فيه، واشتهر بذلك عنه في الشام ومصر:
قلت لما سار البهاء لمصر ... وسرى نحوها بعرس ظريفه
أنت لا شك أن تعود ولكن ... لا بها يا بها ولا بالوظيفه
فتوصل هناك إلى أن وصل للأمير سيف الدين شيخو، وسعى، وتولى الوظيفة ثانياً، ثم أخذت منه للقاضي جمال الدين الفاقوسي في أيام الأمير سيف الدين أيتمش، ثم إنه سعى وأخذها، ولما حضر الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى دمشق أخذها منه وأعطاها للقاضي بدر الدين ابن وهيبة قاضي بعلبك، فأقام بها قليلاً، ولم تمض الولاية من مصر وأعيدت إليه.
ولم يزل فيها إلى أن مرض مرضة طويلة قريباً من سنة إلى أن مات في التاريخ. وكان بيده أيضاً خطابة جامع العقيبة.
وأنشدني له إجازة:
ولولا ما أخاف من الأعادي ... وأن حديثنا فيهم يسير
جننت بكم كما مجنون ليلى ... وإن طال المدى فكذا نصير
وأنشدني له في ناعورة:
كنت في دوحة الرياض مهنا ... أنهل الطل بين تلك الغصون
стр. 2799
فلنوح الحمام فوقي طويلاً ... غرقتني كما تراني عيوني
قلت: تقدم لي في ترجمة القاضي شهاب الدين بن فضل الله، وله عدة مقاطيع في الناعورة، ومما قلته أنا فيما يشبه هذا ...
وأنشدني ابن إمام المشهد له إجازة:
أنتم بلائي وأصل بلبالي ... وغيركم ما يمر في بالي
يا جيرة في الغوير قد نزلوا ... لله من جيرة ونزال
ما عطل الطرف بعد بعدكم ... عن دمعه واسألوا عن الحال
فلو زعمتم أني سلوتكم ... ويعلم الله أينا السالي
لا تتلفوا مهجة لكم خلقت ... فقد نهي عن إضاعة المال
قلت: أحسن ما رأيت في هذه المادة، أعني البيت الرابع قول السراج الوراق رحمه الله تعالى، ومن خطه نقلت:
قال صديقي ولم يعدني ... وعارض السقم في أثر
لقد تغيرت يا صديقي ... ويعلم الله من تغير
محمد بن علي بن أيبك
الشيخ المحدث الإمام شمس الدين أبو عبد الله السروجي.
عرض القرآن وهو ابن تسع سنين، وارتحل إلى حلب ودمشق وغيرهما من البلاد
стр. 2800
الشامية مرات، وأخذ عن الشيخ فتح الدين بن سيد الناس ومن عاصره من أشياخ العلم، وصار من الحفاظ، أتقن المتون وأسماء الرجال وطبقات الناس والوقائع والحوادث، وضبط الوفيات والمواليد.
ومال إلى فن الأدب، وحفظ من الشعر القديم والمحدث جملة، وكتب الطباق والأجزاء، وحصل ما يرويه عن أهل عصره في البلاد التي ارتحل إليها. ولم أر بعد شيخنا الحافظ أبي الفتح من يقرأ أسرع منه ولا أفصح، وسألته عن أشياء من تراجم الناس ووفياتهم وأعصارهم وتصانيفهم، فوجدته حفظة لا يغيب عنه ما حصله، وهذا الذي رأيته منه في هذه السن القريبة كبير على من غلب سنه من كبار العلماء، ومع ذلك فله ذوق الأدباء وفهم الشعراء، وخفة روح الظرفاء. وكان قد خرج لنفسه تسعين حديثاً متباينة الإسناد. قال شيخنا الذهبي: سمعناها منه، ثم إنه كملها مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى بحلب ثامن شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبع ومئة، ودفن ثاني يوم الجمعة بكرة.
وسألته عن مولده فقال: في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة.
محمد بن علي بن محمد
ابن علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن محمد بن قطرال الأنصاري الخزرجي الحارثي، القرطبي الأصل، ثم المراكشي.
стр. 2801
كان رجلاً فاضلاً صالحاً له نظم ونثر، وعنده صلاح وانقطاع وديانة. سمع كثيراً بالمغرب، ودخل مصر والشام، وسمع، وحج غير مرة، وجاور.
وتوفي رحمه الله تعالى بمكة برباط الجزري عند باب إبراهيم ﵇ في رابع جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة، غسل ثوبه وطلع إلى سطح الرباط لينشره فوقع من أعلاه فمات، ودفن بباب المعلى.
ومولده سنة خمس وخمسين وست مئة.
محمد بن علي بن أبي طالب
ابن أبي عبد الله، الشريف شمس الدين بن الشريف علاء الدين الحسيني الموسوي العطار المعروف بالشريف عطوف.
كان يروي صحيح مسلم عن المشايخ الاثني عشر. وسمع من جده لأمه محمد بن أبي بكر النيسابوري، وسمع من ابن مسلمة، وسمع جزء الأنصاري من المشايخ الأربعة والأربعين مجتمعين، وحدث.
وله إجازات من بغداد سنة إحدى وثلاثين وست مئة. أجازه ابن القطيعي، ونصر بن عبد الرزاق، وابن اللتي، وابن روزبة، وزهره بنت حاضر وجماعة. وأجازه بمصر أبو الخطاب بن دحية، ومرتضى، وابن الصفراوي. ومن دمشق ابن الشيرازي، وابن ماسويه، والفخر الإربلي، وابن صباح، ومكرم.
стр. 2802
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في خامس جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة.
محمد بن علي بن عبد الكريم
الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون أقضى القضاة، فخر الدين، أبو الفضائل وأبو عبد الله المصري الشافعي الأشعري المعروف بابن كاتب قطلوبك. تقدم ذكر والده في مكانه.
قرأ القرآن على جماعة منهم الشيخ موسى العجمي. وقرأ العربية والفقه أولاً على الشيخ كمال الدين بن قاضي شبهه، ثم قرأ الفقه على الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين، وقرأ بقية العلوم على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وهو أكثرهم إفادة له، وكان معجباً به وبذهنه وبحافظته، يشير إليه في المحافل والدروس وينوه بقدره ويثني عليه، ونزل له عن تدريس العادلية الصغيرة. وقرأ على الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وبحث على الشيخ مجد الدين التونسي، وعلى الشيخ نجم الدين القحفازي. كتاب " المقرب " في النحو، وحفظ " الجزولية "، وبحث منها جانباً على شيخنا نجم الدين الخطيب وقرأ الجست على النعمان، والمنطق على جماعة أشهرهم الشيخ رضي الدين المنطقي، وعلى الشيخ علاء الدين القونوي بمصر. وحفظ " التنبيه " و" المنتخب " في أصول الفقه، وحفظ " مختصر " ابن الحاجب في مدة
стр. 2803
تسعة عشر يوماً، وهذا أمر عجيب باهر إلى الغاية، فإن ألفاظ " المختصر " غلقة عقدة ما يرتسم معناها في الذهن ليساعد على الحفظ، وحفظ " المحصل " في أصول الدين وهو قريب من ألفاظ " المختصر " وحفظ " المنتقى " في الأحكام، وقال: أحفظ منه في كل يوم خمس مئة سطر. وشرع في حفظ أشياء لم تكمل مثل " مطلع النيرين " و" المنهاج " للنووي، و" تصريف " ابن الحاجب.
وأذن له بالإفتاء وعمره ست وعشرون سنة، وولي تدريس العادلية الصغيرة في سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وفيها أذن له بالإفتاء، ولما توفي شيخنا الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين جلس بعده بالجامع الأموي وحلقة الإشغال في المذهب عند الرخامة، وتأدب مع شيخه، فأخلى مكانه وجلس إلى جانب منها.
وأنشدني شيخنا العلامة مفتي الإسلام وشيخهم قاضي القضاء تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يذكر أول من جلس إلى هذه الرخامة إلى آخر وقت من المصدرين. للإشغال، ومن خطه نقلت وهو:
الجامع المعمور فيه رخامة ... يأوي لها من للفضائل يطلب
الشيخ فخر الدين ابن عساكر ... والشيخ عز الدين عنه ينسب
والشيخ تاج الدين نجل فزارة ... عنه تلقاها يفيد ويدأب
ثم ابنه أكرم به من سيد ... ورع له كل المنابر تخطب
стр. 2804
وتلاه فخر الدين واحد مصره ... بذكائه كالنار حين تلهب
وابني يليهم زادهم رب السما ... علماً وفهماً ليس فيه ينصب
وأقدم من سمع عليه الحديث هدبة بنت عسكر، وأحمد بن مشرف.
وحج إلى أن مات تسع حجات فيما أظن أو ثمانية، وجاور في بعضها مرات بمكة والمدينة.
وكان رحمه الله تعالى في الذكاء والحفظ أعجوبه، لم يكن في زمانه من يلحق أسلوبه، قد صار الفقه والأصول له طباعا، ونقل فروع المذهب هوى مطاعا، متى دعاه لباه وجاءه مسرعاً ولا يأباه، فلو رآه أبو ثور لزم التسلسل في التعجب أو الدور، وما قال بتقديم الوصية على الدين، وهو في المذهب أغرب من بياض غراب البين، أو الزعفراني لخلق ثيابه بها فرحا، وفتح دربه ببغداد مرحا، أو عاصره المزني لغرق في قطره وتحقق أن الفخر لمصره، أو ابن سريج لعلم أنه لم يكن من خيل هذه الحلبة، ووصى للماوردي أن يكون صاحب الثناء عليه ونبه. وما أحقه بقول الأرجاني:
غبرت في غرر الذين تقدموا ... في الدهر من أهل الفضائل والعلا
وسبقتهم ولرب آخر حلبة ... بسط العنان له فصار الأولا
وكان يتجر ويقتني الأصناف ويدخر إلى أن ثور نعمة طائله، وحصل جملة هائله، إلا أنه كان يخرج الزكاه. أخبرني بذلك من صدقته لما حكاه.
стр. 2805
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت بشهاب حياته شعوب، ولبست الدنيا من الأصيل عليه ثوب شحوب.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وصلي عليه الظهر بالجامع الأموي، ودفن في مقابر الباب الصغير، وكانت جنازته حافلة. وتوفي بدمشق بداره بالعادلية الصغيرة بعد مرضة طويلة عوفي منها ثم انتكس.
وسألته عن مولده فقال: في سنة إحدى وتسعين وست مئة.
واجتمعت به غير مرة. وكان ظريفاً ولطيفا، وكان قد حج بعض حجاته وجاور، ولما حضر كتبت له توقيعاً بإعادة نظر الدولعية وتدريسها إليه، وهو: " رسم بالأمر العالي أعلاه تعالى، لا زال يرتفع به العلم الشريف إلى فخره، ويعيده إلى خير حبر تقبس الفوائد من نوره وتغترف من بحره ويجمل الزمان بمن هو علم عصره وفخر مصره أن يعاد المجلس العالي القضائي الشيخي الفخري إلى كذا وكذا، وضعاً للشيء في محله، ورفعاً للوبل على طله، ودفعاً لسيف النظر إلى يد هي مألف هزه وسله، ومنعاً لشعب مكة أن ينزله غير أهله، إذ هو لأصحاب الشافعي ﵁ حجه، ولبحر مذهبه الزاخر لجه، ولأهل فضله الذين يقطعون مفاوزه بالسرى صبح وبالمسير محجه، طالما ناظر الأقران فعدلهم، وجادل الخصوم في حومة
следующие страницы →