Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
كان رجلاً فاضلاً صالحاً له نظم ونثر، وعنده صلاح وانقطاع وديانة. سمع كثيراً بالمغرب، ودخل مصر والشام، وسمع، وحج غير مرة، وجاور.
وتوفي رحمه الله تعالى بمكة برباط الجزري عند باب إبراهيم ﵇ في رابع جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة، غسل ثوبه وطلع إلى سطح الرباط لينشره فوقع من أعلاه فمات، ودفن بباب المعلى.
ومولده سنة خمس وخمسين وست مئة.
محمد بن علي بن أبي طالب
ابن أبي عبد الله، الشريف شمس الدين بن الشريف علاء الدين الحسيني الموسوي العطار المعروف بالشريف عطوف.
كان يروي صحيح مسلم عن المشايخ الاثني عشر. وسمع من جده لأمه محمد بن أبي بكر النيسابوري، وسمع من ابن مسلمة، وسمع جزء الأنصاري من المشايخ الأربعة والأربعين مجتمعين، وحدث.
وله إجازات من بغداد سنة إحدى وثلاثين وست مئة. أجازه ابن القطيعي، ونصر بن عبد الرزاق، وابن اللتي، وابن روزبة، وزهره بنت حاضر وجماعة. وأجازه بمصر أبو الخطاب بن دحية، ومرتضى، وابن الصفراوي. ومن دمشق ابن الشيرازي، وابن ماسويه، والفخر الإربلي، وابن صباح، ومكرم.
стр. 2802
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في خامس جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة.
محمد بن علي بن عبد الكريم
الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون أقضى القضاة، فخر الدين، أبو الفضائل وأبو عبد الله المصري الشافعي الأشعري المعروف بابن كاتب قطلوبك. تقدم ذكر والده في مكانه.
قرأ القرآن على جماعة منهم الشيخ موسى العجمي. وقرأ العربية والفقه أولاً على الشيخ كمال الدين بن قاضي شبهه، ثم قرأ الفقه على الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين، وقرأ بقية العلوم على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وهو أكثرهم إفادة له، وكان معجباً به وبذهنه وبحافظته، يشير إليه في المحافل والدروس وينوه بقدره ويثني عليه، ونزل له عن تدريس العادلية الصغيرة. وقرأ على الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وبحث على الشيخ مجد الدين التونسي، وعلى الشيخ نجم الدين القحفازي. كتاب " المقرب " في النحو، وحفظ " الجزولية "، وبحث منها جانباً على شيخنا نجم الدين الخطيب وقرأ الجست على النعمان، والمنطق على جماعة أشهرهم الشيخ رضي الدين المنطقي، وعلى الشيخ علاء الدين القونوي بمصر. وحفظ " التنبيه " و" المنتخب " في أصول الفقه، وحفظ " مختصر " ابن الحاجب في مدة
стр. 2803
تسعة عشر يوماً، وهذا أمر عجيب باهر إلى الغاية، فإن ألفاظ " المختصر " غلقة عقدة ما يرتسم معناها في الذهن ليساعد على الحفظ، وحفظ " المحصل " في أصول الدين وهو قريب من ألفاظ " المختصر " وحفظ " المنتقى " في الأحكام، وقال: أحفظ منه في كل يوم خمس مئة سطر. وشرع في حفظ أشياء لم تكمل مثل " مطلع النيرين " و" المنهاج " للنووي، و" تصريف " ابن الحاجب.
وأذن له بالإفتاء وعمره ست وعشرون سنة، وولي تدريس العادلية الصغيرة في سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وفيها أذن له بالإفتاء، ولما توفي شيخنا الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين جلس بعده بالجامع الأموي وحلقة الإشغال في المذهب عند الرخامة، وتأدب مع شيخه، فأخلى مكانه وجلس إلى جانب منها.
وأنشدني شيخنا العلامة مفتي الإسلام وشيخهم قاضي القضاء تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يذكر أول من جلس إلى هذه الرخامة إلى آخر وقت من المصدرين. للإشغال، ومن خطه نقلت وهو:
الجامع المعمور فيه رخامة ... يأوي لها من للفضائل يطلب
الشيخ فخر الدين ابن عساكر ... والشيخ عز الدين عنه ينسب
والشيخ تاج الدين نجل فزارة ... عنه تلقاها يفيد ويدأب
ثم ابنه أكرم به من سيد ... ورع له كل المنابر تخطب
стр. 2804
وتلاه فخر الدين واحد مصره ... بذكائه كالنار حين تلهب
وابني يليهم زادهم رب السما ... علماً وفهماً ليس فيه ينصب
وأقدم من سمع عليه الحديث هدبة بنت عسكر، وأحمد بن مشرف.
وحج إلى أن مات تسع حجات فيما أظن أو ثمانية، وجاور في بعضها مرات بمكة والمدينة.
وكان رحمه الله تعالى في الذكاء والحفظ أعجوبه، لم يكن في زمانه من يلحق أسلوبه، قد صار الفقه والأصول له طباعا، ونقل فروع المذهب هوى مطاعا، متى دعاه لباه وجاءه مسرعاً ولا يأباه، فلو رآه أبو ثور لزم التسلسل في التعجب أو الدور، وما قال بتقديم الوصية على الدين، وهو في المذهب أغرب من بياض غراب البين، أو الزعفراني لخلق ثيابه بها فرحا، وفتح دربه ببغداد مرحا، أو عاصره المزني لغرق في قطره وتحقق أن الفخر لمصره، أو ابن سريج لعلم أنه لم يكن من خيل هذه الحلبة، ووصى للماوردي أن يكون صاحب الثناء عليه ونبه. وما أحقه بقول الأرجاني:
غبرت في غرر الذين تقدموا ... في الدهر من أهل الفضائل والعلا
وسبقتهم ولرب آخر حلبة ... بسط العنان له فصار الأولا
وكان يتجر ويقتني الأصناف ويدخر إلى أن ثور نعمة طائله، وحصل جملة هائله، إلا أنه كان يخرج الزكاه. أخبرني بذلك من صدقته لما حكاه.
стр. 2805
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت بشهاب حياته شعوب، ولبست الدنيا من الأصيل عليه ثوب شحوب.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، وصلي عليه الظهر بالجامع الأموي، ودفن في مقابر الباب الصغير، وكانت جنازته حافلة. وتوفي بدمشق بداره بالعادلية الصغيرة بعد مرضة طويلة عوفي منها ثم انتكس.
وسألته عن مولده فقال: في سنة إحدى وتسعين وست مئة.
واجتمعت به غير مرة. وكان ظريفاً ولطيفا، وكان قد حج بعض حجاته وجاور، ولما حضر كتبت له توقيعاً بإعادة نظر الدولعية وتدريسها إليه، وهو: " رسم بالأمر العالي أعلاه تعالى، لا زال يرتفع به العلم الشريف إلى فخره، ويعيده إلى خير حبر تقبس الفوائد من نوره وتغترف من بحره ويجمل الزمان بمن هو علم عصره وفخر مصره أن يعاد المجلس العالي القضائي الشيخي الفخري إلى كذا وكذا، وضعاً للشيء في محله، ورفعاً للوبل على طله، ودفعاً لسيف النظر إلى يد هي مألف هزه وسله، ومنعاً لشعب مكة أن ينزله غير أهله، إذ هو لأصحاب الشافعي ﵁ حجه، ولبحر مذهبه الزاخر لجه، ولأهل فضله الذين يقطعون مفاوزه بالسرى صبح وبالمسير محجه، طالما ناظر الأقران فعدلهم، وجادل الخصوم في حومة
стр. 2806
البحث فجد لهم وجدلهم. كم قطع الشبهات بحجج لا يعرفها السيف، وأتى بوجه ما رأى الروياني أحلى منه في أحلام الطيف، ودخل باب علم فتحه القفال لطالب " نهاية المطلب " التبري، وارتوى من معين ورد عين حياته الخضري. وتمسك بفروع صح سبكها فقال ابن الحداد: هذا هو الذهب المصري، وأوضح المغالط بما نسف به جبال النسفي، وروى أقوال أصحاب المذهب بحافظة يتمناها الحافظ السلفي.
كما جاور بين زمزم والمقام، وألقى عصا سفره لما رحل الحجيج وأقام، وكم طاب له القرار بطيبه. وعطر بالإذخر والجليل ردنه وجيبه. وكم استروح بظل نخلها والسمرات. وتملى بمشاهد الحجرة الشريفة، وغيره يسفح على قرب تربها العبرات، وكم كتب له بالوصول وصول، وبث شكواه فلم يكن بينه وبين الرسول رسول، لا جرم إنه عاد وقد زاد وقارا، وآب بعد ما غاب ليلاً فتوضح شيبه نهارا.
فليباشر ما فوض إليه جرياً على ما ألف من إفادته، وعهد من رياسته لهذا العصابة وسيادته، وعرف من زيادة يومه على أمسه، فكانت كنيل بلاده، لا يتعجب من
стр. 2807
زيادته، حتى يحيي بدرسه ما درس، ويثمر عود الفروع، فهو الذي أنبته بهذه المدرسة وغرس، مجتهداً في نظر وقفها، معتمداً على تتبع ورقات حسابها وصحفها، عاملاً بشروط الواقف فيما شرط، قابضاً ما قبضه باسطاً ما بسط، وتقوى الله جنة يرتع فيها خاطره، ويسرح في رياضها الناضرة ناظره. ومثله لا ينبه عليها. ولا يومأ له بالإشارات إليها، فلا ينزع ما لبس من حلاها، ولا يسر في مهمه فهمإلا بسناها. والله يديم فوائده لأهل العلم الشريف، ويجدد له سعداً يشكر منه التالد والطريف.
والخط الكريم أعلاه حجة بثبوت مقتضاه، إن شاء الله تعالى ".
وكان قاضي القضاة جلال الدين القزويني قد استنابه واستناب جمال الدين يوسف بن جملة، واستمرا على ذلك، ولما جاء القاضي علاء الدين القونوي باشر النيابة في أيامه، ثم إن القاضي فخر الدين استعفى في شهر شوال سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وكان يعتكف في بعض السنين في شهر رمضان بمقصورة الخطابة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي
بن محمود
ابن الدقوقي البغدادي المعمر.
توفي رحمه الله تعالى ببغداد في سنة أربعين وسبع مئة عن خمس وسبعين سنة.
سمع من ابن أبي الدينة " مسند " الإمام أحمد، وحدث عن أبي محمد بن ورخز.
стр. 2808
محمد بن علي بن حرمي
الشيخ الإمام الفاضل الفرضي المحدث عماد الدين أبو عبد الله الدمياطي.
سمع من الدمياطي، والأبرقوهي، وبنت الإسعردي وطائفة بمصر، وبدمشق من الموازيني، وابن مشرف. وسمع بقراءتي " المقامات الحريرية " وغيرها على شيخنا العلامة أثير الدين، وعلق عني أشياء.
وكان حلو المحادثة، كثير التودد، غزير المحاسن، وله خصوصية زائدة عن الحد بقاضي القضاة عز الدين بن جماعة، ولي مشيخة الكاملية.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة بطاعون مصر.
محمد بن علي بن أحمد
ابن عبد الواحد بن أحمد، الشيخ شمس الدين أبو عبد الله، ابن الشيخ الإمام المسند فخر الدين أبي الحسن الصالحي الحنبلي، المعروف بابن البخاري.
سمع من إبراهيم بن خليل، وعبد الله الخشوعي، وعلي بن إسماعيل بن إبراهيم بن طلحة المقدسي، وابن عبد الدائم، وغيرهم.
وأجاز له جماعة من بغداد منهم إبراهيم الرعيني، ومحمد بن الحصري وهما من
стр. 2809
أصحاب ابن شاتيل. وسافر إلى العراق بسبب الأسرى، وحدث بدمشق والقاهرة، وكان شيخ الحديث بالمدرسة الضيائية، وليها بعد موت سعد الدين سعد، وخرج له ابن المحب جزءاً من عواليه فيه خمسة عشر شيخاً بالسماع.
وكان فيه همة وشجاعة وقوة نفس وكرم، وعنده عبادة وقيام ليل.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
محمد بن علي بن أبي القاسم
المقرئ الإمام الكبير، بقية السلف، أبو عبد الله الموصلي الحنبلي ابن خروف، ويعرف بابن الوراق.
ارتحل إلى بغداد في طلب العلم سنة اثنتين وستين وست مئة، وتلا بعدة كتب على الشيخ عبد الصمد، وسمع من جماعة، وقرأ كتباً كباراً، وقرأ " تفسير الكواشي " على المصنف و" جامع أبي عيسى " على ابن العجمي.
قال شيخنا الذهبي: قدم علينا وسمعنا منه.
وتوفي رحمه الله تعالى بالموصل في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة.
محمد بن علي بن مخلوف بن ناهض
قاضي القضاء محيي الدين ابن قاضي القضاة زين الدين المالكي.
стр. 2810
كان مشكور السيرة عاقلاً ديناً كثير السكون، يفضله الناس على والده، وناب عن والده مدة في الحكم.
وتوفي رحمه الله تعالى حادي عشر ذي الحجة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وكان من أبناء الأربعين. وقد تقدم ذكر والده.
محمد بن علي
الكاتب المجود البارع أمين الدين ابن المهتار الصفدي، كان يعرف عند بعض الناس بدرويش، بفتح الدال المهملة وسكون الراء وكسر الواو وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وشين معجمة.
كتب المنسوب الفائق، وأبرزه للعيون في المنظر اللائق الرائق، ووضع سطوره في طروسه فحكى نظرات الأحداث ونضارة الحدائق، وفاق كتاب العصر، إلا أن خطه كان لحظه من أكبر العوائق، لم أر ولا غيري مثل الصفاء الذي كان في خطه في سائر الأقلام، والقوة التي يشهد بها أرباب العلوم والأعلام، والتحرير الذي لم تشاهد العيون مثله في اليقظة والأحلام، فيا لها من كتابة:
ذهبت كما ذهبت بساطع نورها ... شمس النهار وأعقب الإظلام
مولده تقريباً في سنة سبع وسبع مئة.
وأظن وفاته كانت بالقاهرة في طاعون مصر، سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
стр. 2811
وكان والده ركابياً عند الأمير علاء الدين أقطوان أمير حاجب بصفد، ونشأ هو بصفد ويده قابلة يكتب خطاً قوياً إلى الغاية، لكن خطه غير منسوب، فنزل إلى دمشق، ونزل عند الشيخ العلامة كمال الدين بن الزملكاني بواباً في المدرسة الرواحية، فحنا عليه لحسن كتابته.
وكتب على الأشياخ المجودين، ومهر، ثم عاد إلى صفد، وأقام قليلاً، ثم توجه إلى بغداد، وكتب هناك على طريقة ياقوت المستعصي، وجود النسخ الفضاح، ثم إنه دخل إلى الهند ولبس زي الفقراء، وجاء إلى اليمن، ثم قدم إلى القاهرة، فرأيته بها في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ثم عدت رأيته بها في سنة ست وثلاثين إلى سنة تسع وثلاثين. وقد اتصل بالقاضي الرئيس ضياء الدين بن الخطيب، وقد أحبه وحنا عليه وجعله نائبه في الفروع من الحسبة، ثم إني رأيته بدمشق سنة ست وأربعين وسبع مئة، وعاد منها إلى الديار المصرية، وكان ذلك آخر عهدي به.
وكان ينظم متوسطاً، إلا أنه كان منحرف المزاج، في أخلاقه زعارة، وعنده طيش، وفيه سلس، فكان ذلك سبب تأخيره وعدم تقدمه.
كتب إلي في أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مئة وأنا بالقاهرة:
تصوم بخير في سرور وغبطة ... وضدك في عكس القضية خامل
وحكمك ماض في البرية نافذ ... وأمرك في أقصى الأقاليم واصل
لأنت صلاح الدين أفضل من وشى ... وأنشا إذا التفت عليه المحافل
стр. 2812
وكنت قد كتبت إلى القاضي علاء الدين بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء الشريف قصيدة على وزن قصيدة ابن بابك التي أولها:
علقته أسود العينين والشعره
ولهج بها المصريون، ونظم جماعة كثيرة على وزنها، فكتب هو إلي في ذلك الوزن، والجميع هو في الجزء الرابع والعشرين من " التذكرة ":
سرت نسيم الصبار في روضة حبره ... فرنحتنا بأنفاس لها عطره
وغنت الورق في الأغصان من طرب ... على رياض ببانات الحمى عطره
وزمجر الرعد في أكناف سارية ... وأومض البرق عاينا إذاً مطره
وصفق الماء في الغدران من فرح ... والغصن أهدى لنا يا صاحبي ثمره
ونحن في مجلس اللذات نكرعها ... من كل صافية صفراء معتصره
ونغمة الشيزفي راحات غانية ... أغنت بمبسمها عن أن ترى قمره
وحسن ساق سقى صرفاً فأسكرني ... فما رأيت له عيناً ولا أثره
دع عنك ذلك وانظر في فضائله ... وافت وحقك في المنظوم منتثره
صلاح ديوان إنشاء الشام به ... فما على الحق ما محمود من غبره
قدمته وفق أبيات نظرت لها ... فما تلعثمت أن وافيت بالعشره
وكتب إلي كثيراً، وهذا القدر يكفي من أنموذجه.
стр. 2813
محمد بن علي بن حسن
الأمير ناصر الدين ابن الأمير علاء الدين بن المرواني.
كان هذا الأمير ناصر الدين أحد أمراء العشرات، ولما كان والده والي القاهرة كان هو والي مصر، ولما توفي والده توفي السلطان الملك الناصر محمد حضر هو إلى الشام، وتعكس، وتوجه إلى حلب، ثم إنه عاد مع الأمير يلبغا اليحيوي لما حضر إلى دمشق نائباً، فولاه بر دمشق، وأقام به مدة، ثم انفصل وبقي بطالاً مدة.
ثم إنه تولى بيروت وأقام به مدة، ثم إنه حضر إلى دمشق وأقام مديدة.
وتوفي رحمه الله تعالى، وكان فيه حشمة وخدمة للناس ورعاية وتودد، وتولى ولاية المدينة بدمشق أيضاً وكانت وفاته في ...
محمد بن علي بن محمد
الفاضل الأديب المنجم شمس الدين أبو عبد الله، المصري مولداً الغزي منشأ، المعروف بابن أبي طرطور.
أقام بغزة مدة، وكابد فيها من الإقلال شدة. وورد إلى دمشق وسكنها، وأزاح بآدابه لكنها. وكان يجتمع بالصاحب شمس الدين وبناصر الدين الدوادار. وكلف به
стр. 2814
ناصر الدين، لأنه على مثله طوف وسعى ودار. وامتزج برؤساء الشام، حصل على مراده لما انتجع برقهم وشام، ثم توجه إلى حماة أيام الملك الأفضل، فصانه وحماه.
وأنزله من جوده الغامر في ربعه العامر وحماه، فأجرى عليه راتباً يكفيه، ولم يدع نوعاً من البر إلا ويجزل قسمه منه ويوفيه. فتخيرها مقاما، وشفى من داء فقره سقاما. وغرد بمدائحه لما أصبح بإحسانه وهو مطوق، وناضل الفقر بسهامه فأصاب مقاتله لما سددها إليه وفوق. ولما مات الأفضل رحمه الله تعالى لم يتخذ غير حماة سكنا، وألفه أهلها وألفهم، فصرح بشكرهم وكنى.
وكان يعرف النجامة، ويقول لمن سأله منها النجامه؟ ويعرف ما يتعلق بالإسطرلاب، ويتكلم على ما فيه من بروج الاستواء والانقلاب، وكتب الخط الفائق ورقا فيه درجاً، يعز على غيره أن ينال ما فيها من الدقائق. ونظم فنوناً من الشعر وغيره. وأمال الأعطاف بأسجاع طيره.
ولم يزل على حاله بحماة إلى أن أصابه الحمام بسهم رماه، فأصبح الغزي مغزوا، ووجوده إلى العدم معزوا.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأواخر من ذي القعدة في سابع عشر سنة إحدى وستين وسبع مئة.
ومولده في سنة خمس وثمانين وست مئة.
стр. 2815
ووجد في بيته بخان الخطيب بحماة، وهو سكنه، ميتاً بعد ثلاثة أيام وهو جالس، ووجد له خمسة وسبعون ديناراً مصرية هرجة، وثلاث مئة درهم، وقماش بدنه بيع بخمس مئة درهم، وكتبه مجلدات بيعت بست مئة درهم.
واجتمعت به غير مرة بالقاهرة ودمشق وصفد وحماة، وكان خفيفاً على القلوب حسن العشرة، كثير النادرة، حلو التنديب، قد برته الأيام في صحبة الناس ومخالطة الأكياس. وكان حسن الشكل ظريف الملبس يتأنق في مأكله ومشاربه، ولكنه ما كان يجلس في بيته إلا وحوله عفاش كثير من الزبادي والأواني، وكان يطبخ قدامه، فلهذا كان كثير العفاش. وأما محاضرته فلا تمل، وكانت له بديهة عظيمة وعنده جرأة وقوة عين زائدة، مع النظم الحلو والكتابة الحسنة. وما أحقه بقول الشريف الرضي في ابن حجاج رحمهم الله تعالى أجمعين وهي:
وما كنت أحسب أن الزما ... ن يغل مضارب ذاك اللسان
ليبك الزمان طويلاً علي ... ك فقد كنت خفة روح الزمان
أنشدته لنفسي بصفد سنة أربع وثلاثين وسبع مئة:
يا حسنه رشأ تخلى الليث عن ... وثباته وثباته في حربه
تروي السقام جفونه عن خصره ... عن عهده وعن الصبا عن صبه
فأنشدني هو رحمه الله تعالى لنفسه:
بأبي غزال غزل هدب جفونه ... يكسو الضنا صباً أذيب بصده
يروى حديث السقم جسم محبه ... عن جفنه عن خصره عن عهده
стр. 2816
وأنشدني هو لنفسه رحمه الله تعالى في التاريخ:
مر في الفستقي يجلو علينا ... طلعة حلوة الرضاب شهيه
قلت: من للفقير لو ذاق في السط ... لة من ذي الحلاوة الفستقيه
فأنشدت أنا لنفسي:
في فستقي اللون لما بدا ... يميس مثل الغصن المورق
من وقد مر على صبه ... وما ألذ المن بالفستق
وأنشدته أيضاً لنفسي:
لما بدا في الفستقي معذبي ... ناديت من وجدي وفرط تحرقي
كانت لوجهك في الفؤاد حلاوة ... كملت لذتها بهذا الفستقي
وأنشدته أنا لنفسي أيضاً:
لا تقيسوا إلى الحمامة حزني ... إن فضلي تدري به العشاق
أنا أملي الغرام عن ظهر قلب ... وهي تملي وحولها الأوراق
فأنشدني هو لنفسه رحمه الله تعالى:
أتشكى مع البعاد إليكم ... برقيق العتاب فرط اشتياقي
وكأني الورقاء من فرقة الإل ... ف تلهت بالسجع في الأوراق
وكتب هو إلي وقد قدمت إلى حماة لتلقي النائب الجديد لحلب في المحرم سنة ستين وسبع مئة:
مملكة الشهبا على الشهب علت ... فاستبشرت بالخير والفلاح
لما شكت سراً فساد حالها ... أعانها السلطان بالصلاح
стр. 2817
يقبل الأرض التي ابتهلت أول أمرها بعلو قدرها، وابتهجت في سرها بمقدم كاتب سرها، فلله درها دولة اقتضت آراؤها الشريفة لمملكتها الحلبية بمن صانها وزانها، وارتضت آلاؤها المنيفة من أصلح شانها الذي شانها، فجانست أوامرها العالية بين مقام أعلم خليل، وبين مقام أكرم خليل، وآنسته رشدا بتقدم فاضل زمانه، وإن كان اللائق بالتقديم والتفضيل، فأقرت عيناً بآيات الفضائل السجية الصلاحية، وأقرت وألقت في ساحتها من ساعتها عصاها واستقرت، ومدت وارف ظلها عليها الرياسة والسيادة فما ساءت حين سرت. وينهي أن المملوك ممن سرته هذه البشرى التي ردت شوارد الأدب بعد مفرها إلى مقرها، وأسبغت ظلالها على سر الصناعتين بعد هجير هجرها، فلقد دلت على الهدى، وجلت صدأ الصدا بأنوارها وأنوائها، وجلت في حلبة المعالي على أبلقها وشقرائها بشهبائها، فلله الحمد على منة لا ترد إلا منه، وله الشكر على نعمة لا تصد إلا عنه.
زنتم رغم الحسود محلها ... كنتم أحق بها وكنتم أهلها
والقصد أن مولانا يعفي خطأها وخطلها، ويسامح بحلمه جهلها، ويسبل عليها ستر معروفه لأنه مالك الحل والعقد، وإليه مرجع النقل والنقد، لا زال جابراً بقبوله وإقباله، ساتراً بخلاله الكريمة ما خفي عن المملوك من إخلاله بمحمد وآله إن شاء الله تعالى.
стр. 2818
محمد بن علي بن عبد الواحد
ابن يحيى بن عبد الرحيم، الشيخ الإمام العالم الفاضل المفسر المحدث شمس الدين أبو أمامة الدكالي، بالدال المهملة المضمومة وكاف بعدها ألف ولام وياء النسبة، ودكال: قلعة بالمغرب، المعروف بابن النقاش.
كان شكلاً حسنا، راق سناء وسنا، حلو الصورة والشكالة، يريح بمحاضرته ألم من شكا له، يستحضر من التفسير كثيراً، ويحل من غرائبه محلاً أثيراً. وكانت طريقه في التفسير غريبة، يأتي فيها بكل عجيبة، ما رأيت له في ذلك نظيراً، ولا توهمت أن غيره من أبناء جنسه يكون على ما يأتي به قديرا. حصل من الدنيا جانبا، وأكب على السعي فيها فما كل اجتهاده ولا نبا. وكان يدخل إلى الملك الناصر حسن، وقاده الله إليه بغير رسن، وعمل على شيخه قطب الدين الهرماس، فأبعده عنه حتى كأنه ما خطر بين يديه ولا ماس. وكان يصحب أمراء الدولة، حتى صار له في كل جو جولة. فنال مرامه وتعدى أقرانه، وتجاوز الغاية في علو المكانة.
стр. 2819
يكاد من صحة العزيمة ما ... يفعل قبل الفعال ينفعل
ولم يزل على حاله إلى أن محيت من الحياة سكة ابن النقاش، وتلقاها الدهر بعد البشر بالتقطيب والإيحاش.
وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في القاهرة في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وكنت سألته عن مولده فقال: في نصف شهر رجب سنة عشرين وسبع مئة.
أخبرني أنه قرأ القرآن على الشيخ برهان الدين الرشيدي كاملاً، وقرأ العربية عليه وعلى الشيخ محب الدين أبي عبد الله بن الصائع الأندلسي، وعلى العلامة أثير الدين، قال: وقرأت " ألفية ابن مالك " على ابن معاوية، وسمعت في شرح " التسهيل " وغيره على أثير الدين، قال: وحفظت " الحاوي " في الفقه، وأنا أول من حفظه بالقاهرة، و" منهاج الأصول " للبيضاوي على العلامة قاضي القضاء تقي الدين السبكي وعلى الشيخ شهاب الدين الأنصاري وعلى غيرهما، قال: وعلقت مثلاً على " التسهيل "، وقرأت " العمدة في الأحكام " وألفت " شرحاً " لها يجيء في ثماني مجلدات، قال: وألفت كتاباً سميته " كاشف الغمة عن شافعية الأمة في أحاديث الرافعي " قال: وسميته " توضح الألفية وإلحاقها بالجرجانية "، وكتاب " النظائر وفروق المذهب " و" تفسير آيات وسور ".
وكان قد قدم إلى دمشق، واجتمعت به في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة، ونزل لما جاء إلى دمشق عند العلامة قاضي القضاء تقي الدين السبكي، وكانت
стр. 2820
بينه وبين النائب علاء الدين أمير علي المادريني نائب الشام معرفة من مصر، فأكرمه وأقبل عليه وأحسن رعايته، وتوجه إلى حماة لمعرفة بينه وبين الأمير سيف الدين طازيرق نائب حماة، وقامت له سوق بدمشق، ورزق منها الحظ والحظوة، وعمل مجلساً بالجامع الأموي في التفسير، وتكلم فيها كلاماً كثيراً، واستحضر أحكاماً وأقوالاً ومذاهب ورقائق وتصوفاً بجنان ثابت ولسان فصيح من غير توقف، ووسع فيه المجال، وأبدع فيه الجمال، ولما فرغ منه كتبت أنا إليه:
أتينا المجلس حبر الورى ... فسر القلوب بما فسرا
وحرك أعطافنا نشوة ... ولا تسأل عما جرى
فشبهتها بغصون سمت ... وشبهته بنسيم سرى
وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح قاضي القضاة تقي الدين السبكي لما كان بالقاهرة:
طرقت وقد نامت عيون الحسد ... وتوارت الرقباء غير الغرقد
والعسكر الزنجي رمح سماكه ... قان وعضب الفجر لم يتجرد
والليل قد نشرت غلائل مسكه ... لما طوى الإمساء حلة عسجد
وسرى يجر على المجرة ذيله ... إذ طوقت من شهبها بمقلد
ربعية حلت بأكناف الحشا ... ودموعها بين النقا والأنجد
غراء يفضح خدها ولحاظها ... مرأى الغرالة والغزال الأغيد
стр. 2821
خلصت إلي ودون ربعي حاجز ... من سيل أجفاني ونار توقدي
وأتت ولم تضرب لوصل موعدا ... أحلى المنى ما لم يكن عن موعد
تهفو بمعطفها الشمول كما هفت ... أيدي الشمائل بالقضيب الأملد
أرجت بقاع الرقمتين وشعبها ... وتشرفت أعلام ذاك المعهد
شرف المجالس شيخنا علم الفخا ... ر الأوحدي الألمعي الأمجدي
ياقوت سلك البحر أحكم نظمه ... فالدر بين مرصع ومنضد
عين السيادة حل منها رتبة ... كيوان يرصدها بعين الأرمد
وهي طويلة وقد أوردتها في ترجمته في " تاريخي الكبير ".
وكتبت أنا إليه ملغزاً في فيل، وهو:
يا إمام الأنام في كل علم ... وإليه الورى ترى منتهاه
وهو شمس التحقيق في كل فن ... وسواه يكون فيه سهاه
أيما اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربع تعالى الإله
حيوان والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه
فيك تصحيفه ولكن إذا ما ... رمت عكساً يكون لي ثلثاه
فأبنه لا زلت في ظل سعد ... ما تملى طرف بطيب كراه
فكت هو الجواب عن ذلك:
стр. 2822
يا إماماً قد حاز علماً وفضلاً ... وسمواً على الورى بنداه
وهو للدين والعلوم صلاح ... جل رب بكل حسن حباه
إن لغزاً أبدعت فيه لعمري ... يقصر الفهم عن بلوغ مداه
قلبه بالعراق في النخل باد ... وهو بالهند كل عين تراه
ما أحب الشطرنج إلا بدا لي ... منه خصم داع لحربي أخاه
هو عني باد فإنه راح منه ... آخر عدت جهراً أراه
دمت لي مهديا جواهر علم ... لك كل الورى ترى منتهاه
محمد بن علي
بن عبد الرحيم
الشيخ علم الدين بن بهاء الدين بن الإمام محيي الدين، عرف بابن الدميري.
أجاز لي رحمه الله تعالى في سنة ...
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة بدار الزعفران بزقاق القناديل بمصر.
وتوفي رحمه الله تعالى ...
محمد بن علي
الأمير ناصر الدين بن الأمير علاء الدين بن الفراء.
كان والده علاء الدين بن الفراء أمير طبلخاناه، وهو مقدم البريدية، وكان هذا
стр. 2823
ناصر الدين ولده أمير عشرة بدمشق، وكان صورة جميلة ظريفاً لطيفاً، فيه حياء وحشمة، وفيه كرم وهمة.
ولم يزل حاله يقوم في ديونه ويقع إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وسبع مئة، وقد تقدم ذكر والده في حرف العين مكانه.
محمد بن عمر بن أبي بكر البانياسي
كان شاباً ذكياً متيقظاً، قرأ القراءات وبرع فيها، وقرأ الفقه والعربية والأصول، وأفاء في القراءات، وله نظم.
ومات سنة تسع وتسعين وست مئة.
محمد بن عمر بن عبد الله بن عمر
الخطيب الأمين الصالح الفاضل موفق الدين عبد الله ابن الخطيب الزاهد نجيب الدين الخطيب بقرية بيت الآبار وابن خطبائها، وهو أخو علاء الدين علي بن عمر المقدم ذكره في حرف العين مكانه، بينهما في الوفاة أربعة أيام.
سمع الخطيب موفق الدين من الضياء يوسف، والموفق محمد. وحدث وحج غير مرة. وروى بالعلا وبدر من منازل الحجيج. وأقام خطيباً بالقرية نحو أربعين سنة، وليها بعد والده.
стр. 2824
كان اشتغل على تاج الدين، وكتب بخطه الحسن جملة من المجلدات، وكان له خلق حسن، وفيه تواضع.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء عاشر شعبان سنة ثلاثين وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وست مئة.
محمد بن عمر بن محمد
ابن عمر بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن محمد بن رشيد، أبو عبد الله الفهري السبتي.
أخذ العربي عن ابن أبي الربيع ونظرائه، واحتفل في صغره بالأدبيات وبرع فيها، وروى " البخاري " عن عبد العزيز الغافقي قراءة من لفظه.
وارتحل إلى فاس، واشتغل بالمذهب، ورحل إلى سبتة، وتصدر لإقراء الفقه خاصة، وتأدب مع أشياخه، فما أقرأ غير الفقه، وارتحل إلى تونس واشتغل بالأصلين على ابن زيتون، ثم رجل إلى الإسكندرية، وحج سنة ثمان وثمانين وست مئة، وجاور بمكة والمدينة ونزل بمصر.
стр. 2825
وكان رحمه الله تعالى صاحب همة، وله عز في الطلب وعزمة، صنف تصانيف مفيدة، وألف تواليف في الإفادة عتيدة، وباشر الخطابة فصدحت على غصن المنبر حمامته، واستجن في حشا المحراب فجملته إمامته، وبث في غرناطة علومه وسفحت بها غمامته. ثم إنه أخرج منها وزحزح عنها، أحسن إليه ملك العدوة، ونوله إحسانه مساء وغدوة.
ولم يزل إلى أن توسد بطن اللحد واستوى منه الاعتراف والجحد.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
أخبرني من لفظه شيخنا العلامة أبو حيان قال: قدم المذكور علينا القاهرة حاجاً وسمع معنا الحديث، وعني به، وكان قد بحث " سيبويه " على أبي الحسين بن أبي الربيع، ولما توجه من الحج صحبة أبي عبد الله بن الحكيم اتفق أن السلطان أبا عبد الله ابن السلطان أبي عبد الله بن الأحمر، استوزر ابن الحكيم، فولى ابن رشيد الإمامة والخطابة بجامع غرناطة، ولما قتل الوزير أخرج أهل غرناطة ابن رشيد إلى العدوة، فأحسن إليه ملك العدوة أبو سعيد عثمان بن السلطان أبي يوسف بن عبد الحق المريني، وبقي في إيالته إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وكان فاضلاً. انتهى.
стр. 2826
قلت: وله من التصانيف " الرحلة المشرقية " أربع مجلدات، " فهرست مشايخه "، " المقدمة المعرفة في علو المسافة والصفة "، " الصراط السوي في اتصال سماع جامع الترمذي "، " إفادة النصيح في مشهور رواه الصحيح "، " جزء فيه مسألة العنعنة "، و" المحاكمة بين الإمامين "، " إيضاح المذاهب في تعيين من ينطلق عليه اسم الصاحب "، " جزء فيه حكم رؤية هلال شهر رمضان وشوال "، " تلخيص كتاب القوانين في النحو "، " شرح جزء التجنيس " لحازم بن حازم الإشبيلي، و" حكم الاستعارة "، وغير ذلك.
وله خطب وقصائد نبوية مطولة، ومقطعات بديعة.
قال شيخنا أثير الدين: كان سرياً حسن الأخلاق.
وسألته أن يكتب لي شيئاً من شعره، وكان ممن ينظم بالعروض إذ لم يكن الوزن في طبعه، فكتب لي بخطه:
يا من يفوق النجم موطنه ... كلفتني ما ليس أحسنه
ولتغض عما فيه من خلل ... خلدت في عز تزينه
وله أبيت كتبها على حذو نعل النبي ﷺ بدار الحديث الأشرفية:
هنيئاً لعيني أن رأت نعل أحمد ... فيا سعد جدي قد ظفرت بمقصدي
وقبلته أشفي الغليل فزادني ... فيا عجباً زاد الظما عند موردي
ولله ذاك اليوم عيداً ومعلماً ... بمطلعه أرخت مولد أسعد
عليه صلاة نشرها طيب كما ... يحب ويرض ربنا لمحمد
стр. 2827
محمد بن عمر بن محمود
الشيخ الإمام بدر الدين البابي الحلبي، المعروف بابن جحفل الشافعي معيد الباذرائية.
وكان رجلاً جيداً فاضلاً، عنده معرفة بالنحو، وفيه سكون كثير، وانقطاع وملازمة لبيته.
توفي بالباذرائية رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادة الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة، وكان قد بلغ السبعين أو قاربها.
محمد بن عمر بن أحمد بن المثنى
بدر الدين المنبجي الشافعي.
سمع من ابن عبد الدائم بدمشق، ومن النجيب بمصر، وتخرج في الأدب بمجد الدين بن الظهير الإربلي ﵀.
توفي رحمه الله تعالى بمصر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده بمنبج قبل الخمسين وست مئة.
أنشدني شيخنا العلامة أثير الدين إجازة، قال: أنشدني المنبجي لنفسه:
стр. 2828
ومهفهف ناديته ومحاجري ... تذري دموعاً كالجمان مبددا
يا من أراه على الملاح مؤمراً ... بالله قل لي هل أراك مجردا
ومنه أيضاً:
وبدر دجى وافى إلي بوردة ... وما حان من ورد الربيع أوانه
فقال وقد أبديت منه تعجباًرويدك لا تعجب وعندي بيانه
هو الورد من روض بخدي جنيته ... وورد خدودي كل وقت أوانه
ومنه أيضاً:
ومن عجب سيف بلحظك ينتضى ... فيفتك في العشاق وهو كليل
وأعجب من ذا لحظ طرفك في الورى ... يداوي من الأسقام وهو عليل
ومنه أيضاً:
وكأن زهر اللوز صب عاشق ... قد هزه شوق إلى أحبابه
وأظنه من هول يوم فراقهم ... وبعادهم قد شاب قبل شبابه
وذكرت أنا هاهنا ما قلته في زهر اللوز:
عجباً لزهر اللوز حين يلوح في ال ... أوراق إذا تجلى على نظاره
عكس القضية في الورى، فمشيته ... يبيض من قبل اخضرار عذاره
وأورد له كمال الدين الأدفوي في " البدر السافر " قوله:
стр. 2829
وبدر دجى زارنا موهناً ... فأمسى به الهم في معزل
الأبيات المشهورة: وأورد له أيضاً:
صل الراح بالراحات واقدح مسرة ... بأقداحها واعكف على لذة الشرب
ولا تخش أوزاراً فأوراق كرمها ... أكف غدت تستغفر الله للذنب
قلت: وهذان البيتان مشهوراً موجودان في المجاميع الأدبية، ورأيت بعضهم نسبها إلى ديك الجن، وهما من أنفاس المتأخرين. وقد ذكرت أنا لي هاهنا أبياتاً جاء فيها ذكر أوراق الكرم، وهي:
وكم روضة يحكي الزواهر زهرها ... فلا عجب إن قلت أفق مكوكب
تخال خيال النجم في زهرها إذا ... تموج إن الدر يطفو ويرسب
وتحسب أن النرجس الغض أعين ... لتدبير هذا الكون تسهو وتسهب
وطل على ورد حكى خد غادة ... به عرق من خجلة يتصبب
وأوراق كرم قد حكت كف سائل ... لمن كان في نعمائه يتقلب
محمد بن عمر بن أبي بكر
ابن قوام البالسي، الشيخ الإمام العالم الزاهد القدوة.
روى للجماعة من أصحاب ابن طبرزد. وكان يحب الحديث ويسمع أولاده.
стр. 2830
كان فيه تواضع وعليه وقار، وعنده تمسك بأرباب السنة والآثار، وعليه مهابة، وعنده تفرس وإصابة، وفيه صدق وإخلاص وقبول عظيم من العامة والخاص، تحبه القلوب وتميل إليه، وتترامى بالتودد والموالاة عليه.
وكان فيه جود وكرم، وسماح له التهاب وضرم، وله تهجد في الليل وعبادة، ومعاملة وجد بها عند الله الحسنى وزيادة، قل أن ترى العيون مثله في بابه، أو تشاهد له عديلاً في أنواعه وأضرابه.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح في كفنه مدرجاً، ووجد له من ضيق الدنيا مخرجاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في ... سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وله من العمر ثمان وثمانون سنة، ودفن بزاويته بسفح قاسيون.
وعرض عليه أرباب الدولة راتباً يكون على زاويته، فامتنع ووقف عليها بعض التجار بعض قرية، وكان قد جمع " سيره " لجده رحمه الله تعالى.
محمد بن عمر بن الفضل
الفضلي، قاضي القضاة، قطب الدين البريزي الشافعي، قاضي بغداد، الملقب بأخوين، كان صاحب مشاركة في فنون، وقد أتقن علمي المعاني والبيان، ونسخ كتباً كثيراً، ولم يكن من قضاة العدل.
توفي ببغداد في سادس عشري شهر الله المحرم سنة ثلاثين وسبع مئة.
стр. 2831
ومولده سنة ثمان وستين وست مئة.
وكان فيه تؤدة وحلم ومروءة وكرم، رحمه الله تعالى، وكان يكتب خطاً حسناً، وفيه شفقة وحنو على الفقراء والضعفاء وتواضع وحسن خلق. وقال الشيخ سراج الدين القزويني: كان فقيهاً أصولياً مفسراً نحوياً كاتباً بارعاً وحيداً فريداً من أعيان أفاضل الزمان.
محمد بن عمر بن حماد
شمس الدين الظفاري اليمني الواعظ المعروف بالأبلوج، لأنه كان يعتم بعمامة كأنه أبلوج السكر، فاشتهر بذلك.
وتوفي بالقاهرة في تاسع عشر جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة، ودفن في يومه خارج باب النصر.
وكان قد أقام بدمشق مدة، ووعظ بمسجد أبي اليمن.
محمد بن عمر بن أبي بكر
ابن ظافر بن أبي سعيد، ناصر الدين أبو الفضل البصري الأصل، الحنبلي.
روى عن ابن الجميزي، وابن الجباب، وسبط السلفي، والساوي، والمرجى بن شقيرة.
стр. 2832
وكان إمام مسجد، ويلقن القرآن ويحضر الختم، وهو فقيه بالمدرسة الصالحية. وحدث " بصحيح مسلم " عن ابن الحباب، سنة سبع وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى سابع صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وست مئة.
قال شيخنا البرزالي: قرأت عليه المجلس الرابع من " أمالي أبي مطيع " بسماعه من ابن الجباب.
محمد بن عمر بن أبي القاسم
القاضي الصدر الرئيس نجم الدين ابن الشيخ نجم الدين بن أبي الطيب وكيل بيت المال بدمشق وابن وكيل بيت المال بها.
كان صدراً رئيساً وماجداً جعل الخلق الطلق عليه حبيساً، له معرفة تامة بتراجم أهل عصره ووقائعهم وما جرياتهم في وظائفهم وصنائعهم، إذا فتح له هذا الباب دخل عليه وحده، وسرد ما عنده.
وباشر وظائف كباراً جاداً له الدهر فيها بأمانه، وتقدم في آخر زمانه. وكان مع ذلك عديم الشر وادعاً، قائلاً بالحق صادعاً.
ولم يزل على حاله إلى أن غاب نجمه في الثرى، وسلك الطريق التي ما يتخلف عنها أحد من الورى.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع شعبان سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، توفي من جمرة ظهرت في وجهه، أقام معها يومين، ومات - رحمه الله تعالى -.
وكان شافعي المذهب. حسن الشكل، تام الخلق له تودد وملقى وملق.
وكان قد تزوج ابنة القاضي محيي الدين بن فضل الله، ولم يزل على حاله الناقص إلى أن توجه محيي الدين إلى مصر كاتب سر، فتولى بواسطته نظر الخزانة، ووكالة بيت المال، وكان بيده أولاً نظر الرباع وتدريس المدرسة الكروسية، وتولى الوكالة بعد القاضي شهاب الدين بن المجد لما صار قاضي القضاة في يوم عرفة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وكان ابن المجد قد وليها بعد القاضي علاء الدين بن القلانسي، وكان علاء الدين قد وليها بعد أخيه القاضي جمال الدين أحمد بن القلانسي، وكان قد وليها بعد كمال الدين بن الشريشي، وكان ابن الشريشي قد وليها بعد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وكان قد وليها بعد نجم الدين بن أبي الطيب والد صاحب هذه الترجمة. وقد تقدم الكلام في ترجمة والده لأي شيء سمي هذا البيت بابن أبي الطيب.
стр. 2833
الجزء الخامس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بقية حرف الميم
محمد بن عمر بن مكي
ابن عبد الصمد بن عطية بن أحمد، القرشي الأموي العثماني، الشيخ الإمام المفسر المحدث الأصولي النحوي الأديب الفاضل المفتن:
علامة العلماء واللّج الذي ... لا ينتهي ولكل بحر ساحلُ
صدر الدين أبو عبد الله الشافعي الأشعري المعروف بابن الوكيل وبابن المرحّل وبابن الخطيب.
أفتى وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وتفقه بوالده وبالشيخ شرف الدين المقدسي، وبالشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، وقرأ الأصولين على الشيخ صفي الدين الهندي، والنحو على بدر الدين بن مالك.
وكان له عدّة محافيظ، وحفظ المُفصّل في مئة يوم، وكتب له عليه الشيخ شرف الدين: قرأه في مئةٍ لا أراني الله له يوماً، وحفظ ديوان المتنبي في جمعة، والمقامات في خمسين يوماً، وكان لا يمر بشاهد من كلام العرب إلا حفظ القصيدة التي ذلك البيت منها.
وسمع الحديث من القاسم الإربلي، والمسلّم بن علان. وسمع الكتب الستة على أشياخ عصره.
ولما باشر مشيخة دار الحديث روى قطعة كبيرة من صحيح مسلم عن الأمين
стр. 2834
الإربلي والعامري والمزي.
وكان ذكياً نظّاراً حافظاً، يسرد في كل فن أسفاراً، لا يقوم أحد لجداله، ولا يُرى في عصره أحد من رجاله، مكثراً من جميع الفنون، يستحضر الأسانيد والمتون. ولم يكن يقوم بمناظرة العلامة تقي الدين بن تيمية سواه، ولا يعترض كالشجى في حلقه فيما أورده ورواه، ولما بلغته وفاته قال: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين. وتناظرا يوماً بالكلاّسة خلف العزيزية، فأخذ الشيخ تقي الدين يستشهد ببعض الحاضرين، فقال الشيخ صدر الدين:
إن انتصارك بالأجفان من عجب ... وهل رأى الناس منصوراً بمنكسر
ولم يقم أحد بمناظرته، ولا قام الى منافرته.
أما التفسير: فابن عطية عنده مُبخّل، والواحدي شارك العيّ لفظه فتميّل.
وأما الحديث: فلو رآه ابن عساكر لانهزم وانضم في زوايا تاريخه وانجزم، أو ابن الجوزي لبس من الغيرة غياراً، وانكسر قلبه لمّا خرج من قشوره ولم يجد لله عياراً.
وأما الفقه: فلو أبصره المحاملي محا ما تحمل من غرائب فاض النقلُ عنه وما نضب، ورجع عما قال به من استحباب الوضوء من الغيبة وعند الغضب، أو القفّال لما فُتح له
стр. 2835
من الفقه باب، ولرجع من أول الأمر الى الاعتدال عن الاعتزال وتاب، أو الروياني لما عبر له رؤيا، ورأى أن بحره قد صار وشلا واستحيا:
كم مُقْفَلٍ ضلّ فيه العَقلُ فانفرجتْ ... أرجاؤه لحجاه عن معانيهِ
يفتي فيروي غليل الدين من حصَرٍ ... أدناه نقلاً وقد شطت مراميه
ومونقٍ قد سقاه غيث فطنته ... مُزناً أيادي رياح الفكر تَمْريه
وأما الأصول: فلو رآه ابن فُوْرك لفرك عن طريقته، وقال بعدم المجاز الى حقيقته، وإمام الحرمين لتأخر عن مقامه، ورأى الرجوع عن الإرشاد من كلامه.
وأما النحو: فلو عاصره عنبسة الفيل لكان مثل ابن عصفور، أو أبو الأسود لكان ظالماً، وذنبه غير مغفور.
وأما الأدب: فلو رآه الجاحظ لأمسى لهذا الفن وهو جاحد، أو الثعالبي لراغ عن تصانيفه، وما اعترف منها بواحد.
وأما الطب: فلو شاهده ابن سينا لما أطرب قانونه، أو ابن النفيس لعاد نفيساً قد ذهب نونه.
وأما الحكمة: فالنّصير الطوسي عنه مخذول، والكاتبي دبيران أدبر عنه وحدّه مفلول.
стр. 2836
وأما الشعر: فلو جاراه ابن سناء الملك فنيتْ ذخيرة مجاراته وحقائقه، أو ابن الساعاتي ما وصل الى درجه، وانتهى الى دقائقه.
وأما الموشحات: فلو وصل خبره الى الموصلي لأصبح مقطوع الذّنب، أو ابن زهر لما رأى له في السماء نجماً إلا هوى، ولا برجاً إلا انقلب.
وأما البلاليق: فابن كلفة عنده يتكلّف، وابن مُدَغليس يغلس للسعي في ركابه وما يتخلّف.
هذا الى غير ذلك من معارف وفنون كان لحواصلها عنده مصارف.
وكان رحمه الله تعالى محظوظاً، وبعين المحبة ملحوظاً، قلّ أن وقع بينه وبين أحد وما عاد له ولياً، وأصبح لمسامرته نجياً. وقع بينه وبين الأعسر، وكان إذا رآه ينسر، ووقع بينه وبين الأفرم، ثم أصبح عنده وهو الأعز الأكرم، وغضب السلطان الملك الناصر محمد عليه غضباً لا يقوم له غير سفك دمه، ثم أصبح عند رؤيته وهو لا يمشي إلا على قدمه.
ولم يزل على حاله الى أن رحل ابن المرَحّل الى دار القرار، وأصبح سيف لسانه وهو مفلول الغرار.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة نهار الأربعاء رابع عشري ذي الحجة سنة ست عشرة وسبع مئة، ودفن بالقرب من الشيخ محمد بن أبي جمرة بتربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش بالقرافة.
стр. 2837
ومولده في شوال سنة خمس وستين وست مئة بدمياط، وقيل: بأشموم.
ورثاه جماعة من الأفاضل، وتأسف الناس عليه.
وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شمس الدين محمد بن داود ابن الحافظ ناظر جيش صفد يرثيه:
ما مات صدرُ الدين لكنه ... لما غدا جوهرةً فاخره
لم تعرفِ الدنيا له قيمةً ... فعجّل السير الى الآخره
قلت: وهو مأخوذ من قول الأول:
قد كان صاحبُ هذا القبر جوهرةً ... غرّاء قد صاغها الباري من النُطَف
عزّت فلم تعرف الأيامُ قيمتها ... فردّها غيرةً منه الى الصَّدف
ونشأ الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى بدمشق، ونبغ وظهر واشتهرت فضائله ومناظراته، ودرّس بالمدارس الكبار، واشتهر صيته. ولما دخل الناس في الجفل أيام غازان وعلماء الشام كبارهم وصغارهم، فلم يقعد صدر الدين ثلاثة أيام حتى أعطي تدريس المشهد فيما أظن.
وكانت له وجاهة وتقدّم عند الدولة، ونادم الأفرم وغيره، وركب البريد الى مصر في أيام الجاشنكير، واجتمع هو وابن عدلان وأفتوا بأن الملك الناصر محمد لا يصلح للملك، ورُمي بأنه نظم قصيدة هجا بها السلطان، ومن جملتها:
стр. 2838
ما للصبي وما للملك يطلبه ... إن المراد من الصبيان معلوم
وعمل أعداؤه الى أن أوصلوا القصيدة الى السلطان، فكانت في سولفه يخرجها كل يوم، ويقرؤها، وأراد الصاحب فخر الدين بن الخليلي القبض عليه تقرّباً الى الملك الناصر، فلما أحسّ بذلك هرب هو الى السلطان، وجاء إليه وهو على غزة، حكى قاضي القضاة جلال الدين القزويني، قال: بينما أنا جالس عند السلطان بغزة فإذا بالأمير سيف الدين بكتمر الحاجب قد دخل، وقال: يا خوند صدر الدين بن الوكيل فقال: يحضر فلما دخل به بكتمر الحاجب قال له: بُس الأرض، فقال: مثلي ما يبوس الأرض إلا لله تعالى. فقال: فجمعت ثيابي لئلا تلحقني طراطيش دمه، لما نعلمه من أنفاس السلطان فيه، فقال له: والك، أنت فقيه تركب على البريد، وتروح من دمشق الى مصر لتدخل بين الملوك وتغير الدول وتهجوني؟ فقال: حاشى لله يا خوند، وإنما أعدائي وحسّادي نظموا ما أرادوا على لساني، ولكن هذا الذي قلته أنا، وأخرج قصيدة تجيء مئة بيت، وأنشدها في وزن تلك ورويّها، فأعجب السلطان وعفا عنه.
قال جلال الدين: ولما أصبحنا وسارت العساكر والجيوش والسلطان رايح والى جانبه صدر الدين بن الوكيل، فتعجبنا من ذلك، ولما عاد الى مصر، وطلبه من
стр. 2839
حلب، عظّمه السلطان، كان إذا رآه وعليه الخلعة يقول: الله، إن هذا صدر الدين إلا شكل مليح مُجمّل التشاريف التي يلبسها.
وقد جرى له مع السلطان في قضية البكري ما جرى، وخلصه منه بعدما أمر بقطع لسانه. وقد ذكرت ذلك في ترجمة البكري.
وباشر بدمشق مدارسها الكبار، ودار الحديث الأشرفية والشامية البرّانية والجوانية والعذراوية، والخطابة بالجامع الأموي، ولكنه لم يصلّ في المحراب إلا يومين، حتى قام الشيخ تقي الدين بن تيمية وغيره من المتعصبين عليه حتى عزل، وأثبت قاضي القضاة شمس الدين الحريري محضراً بعدم أهليته للخطابة.
وكان الشيخ صدر الدين في القاهرة لما توفي زين الدين الفارقي خطيب الجامع الأموي في تاريخ وفاته على ما يأتي في ترجمته، وكان الأفرم غائباً في الصيد، فلما عاد عيّن الشامية ودار الحديث للشيخ كمال الدين بن الشريشي، وعيّن الناصرية للشيخ كمال الدين بن الزملكاني عوضاً عن ابن الشريشي، وعيّن الخطابة للشيخ شرف الدين الفزاري، وأمره بالإمامة والخطابة، فباشر وخطب جمعتين، ولازم الإمامة عشرة أيام، فوصل البريد يوم الإثنين منتصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة ومعه توقيع بجميع جهات الشيخ زين الدين للشيخ صدر الدين بن الوكيل مضافاً الى ما بيده من المدرستين، فشق على الناس خروج الشيخ شرف الدين من الخطابة بعد مباشرته وكماله وصلاحه وجودة قراءته وحُسن أدائه، ووصل الشيخ صدر الدين بعد ذلك على البريد، وسلّم على الأفرم بالقصر، وحضر الى الجامع، ودخل الى دار الخطابة، وهنأه
стр. 2840
الناس على العادة، وصلى بالناس العصر، وبقي يومين يباشر الإمامة، فأظهر جماعة التألم من خطابته، واجتمعوا بالأفرم، فمنعه من الخطابة، وأقرّه على المدارس الثلاث. ثم إنه وصل توقيع بالخطابة للشيخ شرف الدين من القاهرة. ثم إن الشامية البرانية انتُزعت منه أيضاً للشيخ كمال الدين ابن الزملكاني.
وفي أيام قراسنقر ونيابته على دمشق قام على صدر الدين جماعة من الفقهاء، ونازعوه في المدارس التي بيده، وحصل له من قراسنقر أذى كثير، وخاف على نفسه منه، فتوجه الى قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي، وطلب منه الحكم بإسلامه، وحقن دمه، وإسقاط التعزيز عنه، والحكم بعدالته واستحقاقه المناصب فحكم له بذلك، ثم ورد المرسوم من مصر بعزله من سائر جهاته، وبقي بطالاً.
ولما فرغ شهر رمضان سنة عشر توجّه الى حلب، وأقبل عليه أسندمر نائب حلب إقبالاً زائداً، وطلبه يوماً قبل صلاة الجمعة، وسأله عن تفسير قوله تعالى: " والنّجم إذا هَوى " فقال: الوقت يضيق عن هذا، لأن هذه الآية يحتمل تفسيرها ثلاثة أيام، فوهبه نسخة مليحة بأسد الغاب في ذكر الصحاب لابن الأثير، وأقام بحلب عشرة أشهر فقال: الذي حصل لي من مكارمات الحلبيين في هذه المدّة أربعون ألف درهم. ولما جاء أرغون الدوادار الى حلب كان عنده ربعة مليحة الى الغاية فقدّمها له، فقال أرغون: يا شيخ هذه ما تصلح إلا للسلطان، وإذا عدتُ الى مصر
следующие страницы →