Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
وأما الشعر: فلو جاراه ابن سناء الملك فنيتْ ذخيرة مجاراته وحقائقه، أو ابن الساعاتي ما وصل الى درجه، وانتهى الى دقائقه.
وأما الموشحات: فلو وصل خبره الى الموصلي لأصبح مقطوع الذّنب، أو ابن زهر لما رأى له في السماء نجماً إلا هوى، ولا برجاً إلا انقلب.
وأما البلاليق: فابن كلفة عنده يتكلّف، وابن مُدَغليس يغلس للسعي في ركابه وما يتخلّف.
هذا الى غير ذلك من معارف وفنون كان لحواصلها عنده مصارف.
وكان رحمه الله تعالى محظوظاً، وبعين المحبة ملحوظاً، قلّ أن وقع بينه وبين أحد وما عاد له ولياً، وأصبح لمسامرته نجياً. وقع بينه وبين الأعسر، وكان إذا رآه ينسر، ووقع بينه وبين الأفرم، ثم أصبح عنده وهو الأعز الأكرم، وغضب السلطان الملك الناصر محمد عليه غضباً لا يقوم له غير سفك دمه، ثم أصبح عند رؤيته وهو لا يمشي إلا على قدمه.
ولم يزل على حاله الى أن رحل ابن المرَحّل الى دار القرار، وأصبح سيف لسانه وهو مفلول الغرار.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة نهار الأربعاء رابع عشري ذي الحجة سنة ست عشرة وسبع مئة، ودفن بالقرب من الشيخ محمد بن أبي جمرة بتربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش بالقرافة.
стр. 2837
ومولده في شوال سنة خمس وستين وست مئة بدمياط، وقيل: بأشموم.
ورثاه جماعة من الأفاضل، وتأسف الناس عليه.
وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شمس الدين محمد بن داود ابن الحافظ ناظر جيش صفد يرثيه:
ما مات صدرُ الدين لكنه ... لما غدا جوهرةً فاخره
لم تعرفِ الدنيا له قيمةً ... فعجّل السير الى الآخره
قلت: وهو مأخوذ من قول الأول:
قد كان صاحبُ هذا القبر جوهرةً ... غرّاء قد صاغها الباري من النُطَف
عزّت فلم تعرف الأيامُ قيمتها ... فردّها غيرةً منه الى الصَّدف
ونشأ الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى بدمشق، ونبغ وظهر واشتهرت فضائله ومناظراته، ودرّس بالمدارس الكبار، واشتهر صيته. ولما دخل الناس في الجفل أيام غازان وعلماء الشام كبارهم وصغارهم، فلم يقعد صدر الدين ثلاثة أيام حتى أعطي تدريس المشهد فيما أظن.
وكانت له وجاهة وتقدّم عند الدولة، ونادم الأفرم وغيره، وركب البريد الى مصر في أيام الجاشنكير، واجتمع هو وابن عدلان وأفتوا بأن الملك الناصر محمد لا يصلح للملك، ورُمي بأنه نظم قصيدة هجا بها السلطان، ومن جملتها:
стр. 2838
ما للصبي وما للملك يطلبه ... إن المراد من الصبيان معلوم
وعمل أعداؤه الى أن أوصلوا القصيدة الى السلطان، فكانت في سولفه يخرجها كل يوم، ويقرؤها، وأراد الصاحب فخر الدين بن الخليلي القبض عليه تقرّباً الى الملك الناصر، فلما أحسّ بذلك هرب هو الى السلطان، وجاء إليه وهو على غزة، حكى قاضي القضاة جلال الدين القزويني، قال: بينما أنا جالس عند السلطان بغزة فإذا بالأمير سيف الدين بكتمر الحاجب قد دخل، وقال: يا خوند صدر الدين بن الوكيل فقال: يحضر فلما دخل به بكتمر الحاجب قال له: بُس الأرض، فقال: مثلي ما يبوس الأرض إلا لله تعالى. فقال: فجمعت ثيابي لئلا تلحقني طراطيش دمه، لما نعلمه من أنفاس السلطان فيه، فقال له: والك، أنت فقيه تركب على البريد، وتروح من دمشق الى مصر لتدخل بين الملوك وتغير الدول وتهجوني؟ فقال: حاشى لله يا خوند، وإنما أعدائي وحسّادي نظموا ما أرادوا على لساني، ولكن هذا الذي قلته أنا، وأخرج قصيدة تجيء مئة بيت، وأنشدها في وزن تلك ورويّها، فأعجب السلطان وعفا عنه.
قال جلال الدين: ولما أصبحنا وسارت العساكر والجيوش والسلطان رايح والى جانبه صدر الدين بن الوكيل، فتعجبنا من ذلك، ولما عاد الى مصر، وطلبه من
стр. 2839
حلب، عظّمه السلطان، كان إذا رآه وعليه الخلعة يقول: الله، إن هذا صدر الدين إلا شكل مليح مُجمّل التشاريف التي يلبسها.
وقد جرى له مع السلطان في قضية البكري ما جرى، وخلصه منه بعدما أمر بقطع لسانه. وقد ذكرت ذلك في ترجمة البكري.
وباشر بدمشق مدارسها الكبار، ودار الحديث الأشرفية والشامية البرّانية والجوانية والعذراوية، والخطابة بالجامع الأموي، ولكنه لم يصلّ في المحراب إلا يومين، حتى قام الشيخ تقي الدين بن تيمية وغيره من المتعصبين عليه حتى عزل، وأثبت قاضي القضاة شمس الدين الحريري محضراً بعدم أهليته للخطابة.
وكان الشيخ صدر الدين في القاهرة لما توفي زين الدين الفارقي خطيب الجامع الأموي في تاريخ وفاته على ما يأتي في ترجمته، وكان الأفرم غائباً في الصيد، فلما عاد عيّن الشامية ودار الحديث للشيخ كمال الدين بن الشريشي، وعيّن الناصرية للشيخ كمال الدين بن الزملكاني عوضاً عن ابن الشريشي، وعيّن الخطابة للشيخ شرف الدين الفزاري، وأمره بالإمامة والخطابة، فباشر وخطب جمعتين، ولازم الإمامة عشرة أيام، فوصل البريد يوم الإثنين منتصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة ومعه توقيع بجميع جهات الشيخ زين الدين للشيخ صدر الدين بن الوكيل مضافاً الى ما بيده من المدرستين، فشق على الناس خروج الشيخ شرف الدين من الخطابة بعد مباشرته وكماله وصلاحه وجودة قراءته وحُسن أدائه، ووصل الشيخ صدر الدين بعد ذلك على البريد، وسلّم على الأفرم بالقصر، وحضر الى الجامع، ودخل الى دار الخطابة، وهنأه
стр. 2840
الناس على العادة، وصلى بالناس العصر، وبقي يومين يباشر الإمامة، فأظهر جماعة التألم من خطابته، واجتمعوا بالأفرم، فمنعه من الخطابة، وأقرّه على المدارس الثلاث. ثم إنه وصل توقيع بالخطابة للشيخ شرف الدين من القاهرة. ثم إن الشامية البرانية انتُزعت منه أيضاً للشيخ كمال الدين ابن الزملكاني.
وفي أيام قراسنقر ونيابته على دمشق قام على صدر الدين جماعة من الفقهاء، ونازعوه في المدارس التي بيده، وحصل له من قراسنقر أذى كثير، وخاف على نفسه منه، فتوجه الى قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي، وطلب منه الحكم بإسلامه، وحقن دمه، وإسقاط التعزيز عنه، والحكم بعدالته واستحقاقه المناصب فحكم له بذلك، ثم ورد المرسوم من مصر بعزله من سائر جهاته، وبقي بطالاً.
ولما فرغ شهر رمضان سنة عشر توجّه الى حلب، وأقبل عليه أسندمر نائب حلب إقبالاً زائداً، وطلبه يوماً قبل صلاة الجمعة، وسأله عن تفسير قوله تعالى: " والنّجم إذا هَوى " فقال: الوقت يضيق عن هذا، لأن هذه الآية يحتمل تفسيرها ثلاثة أيام، فوهبه نسخة مليحة بأسد الغاب في ذكر الصحاب لابن الأثير، وأقام بحلب عشرة أشهر فقال: الذي حصل لي من مكارمات الحلبيين في هذه المدّة أربعون ألف درهم. ولما جاء أرغون الدوادار الى حلب كان عنده ربعة مليحة الى الغاية فقدّمها له، فقال أرغون: يا شيخ هذه ما تصلح إلا للسلطان، وإذا عدتُ الى مصر
стр. 2841
ذكرتُها للسلطان الملك الناصر، وطلبتك فوفي له بما وعده، ودرّس بمصر بالمشهد الحسيني وبالزاوية المعروفة بابن الجميزي، ولما قدم مصر في الجفل أفهم أمراء الدولة أنه ليس في مصر مثله، وادّعى علماً كبيراً، وطلب المناظرة، وحضر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وكان صدر الدين قد رتب شيئاً، فلما شرع فيه قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: هذا كلامٌ معبّأ، وقال: يقرأ شخص آية فقرأ شخص آية، وذكر الشيخ سؤالاً، فشرع صدر الدين يتكلم، فانتدب له عز الدين النمراوي، فقال له الشيخ تقي الدين: التزم هذا يا غرّ، هذا جيد. وانفصل المجلس، والشيخ صدر الدين مغلوب.
ولما عاد الى القاهرة بعد مجيء الناصر من الكرك ولاه السلطان الملك الناصر تدريس الناصرية بين القصرين، وهو أول من درّس بها، وجهّزه السلطان الملك الناصر رسولاً الى مهنّا، فقال: حصل لي في هذه السفرة ثلاثون ألف درهم. وأظنه توجه إليه مرتين في سنة ثلاث عشرة، وجمع كتاب الأشباه والنظائر ومات ولم يحرره، فلذلك ربما وقعت فيه أغلاط. قال مولانا قاضي القضاة تاج الدين السبكي مثل حكايته عن بعض الأئمة وجهين فيما إذا كشف عورته في الخلاء زائداً على القدر المحتاج هل يأثم على كشف الجميع أو على القدر الزائد. وهذا لم نره في كتاب ويشبه أن تكون زلة قلم الى غير ذلك.
стр. 2842
وكان شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي رحمه الله تعالى يثني عليه ويقول: فاضل عصره. قال: دخلت عليه في المرض الذي توفي فيه رحمه الله تعالى، فقلت له: كيف تجدك؟ وكيف حالك؟ فأنشدني:
ورجعت لا أدري الطريق من البكا ... رجعتْ عداك المبغضون كمرجعي
وكان ذلك آخر عهدي به.
وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله: كان ابن الوكيل عارفاً بالطب علماً لا علاجاً، فاتفق أن شكا إليه الأفرم سوء هضم، فركّب له سفوفاً، وأحضره، فلما استعمله أفرط به الإسهال جداً، فأمسكه مماليك الأفرم ليقتلوه، فأُحضر أمين الدين سليمان الحكم لمعالجة الأفرم، فعالجه باستفراغ بقية المواد التي اندفعت، وحركها الشيخ صدر الدين، وأعطاه أمراق الفراريج، ثم أعطاه المُقبّضات حتى صلحت حاله. ولما عاد الأفرم الى وعيه سأل عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل، فأخبره المماليك ما فعلوه به، فأنكر ذلك عليهم، وقال: أحضروه، فلما حضر قال: يا شيخ صدر الدين جئت أروح معك غلطاً، وهو يضحك. فقال له سليمان الحكيم: يا صدر الدين اشتغل بفقهك، ودع الطب فغلط المفتي يُستدرك، وغلط الطبيب ما يستدرك، فقال الأفرم: صدقٌ لك لا تخاطر. ثم قال لمماليكه: مثلُ صدر الدين ما يُتهم: والله الذي جرى عليه منكم أصعب من الذي جرى عليّ، وما أراد والله إلا الخير. فقبّل يده، وبعث إليه الأفرم لما انصرف جملة من القماش والدراهم.
стр. 2843
وأخبرني أيضاً قال: كان الشيخ تقي الدين بن تيمية يقول عنه: ابن الوكيل ما يرضى لنفسه أن يكون في شيء إلا غاية، ثم يُعدد أنواعاً من الخير والشر فيقول: كان في كذا غاية، وفي كذا غاية. انتهى.
قلت: وكان فيه لعب ولهو، ومع ذلك فحكى لي عنه جماعة ممن صحبه ونادمه في خلواته أنهم إذا فرغوا من حالهم قام وتوضأ ولبس قماشاً نظيفاً وصلى وبكى ومرّغ وجهه على الأرض والتراب، وبكى حتى بلّ لحيته بدموعه، واستغفر وسأل الله التوبة والمغرفة، حتى قال بعضهم: لقد رأيته قد قام من سجوده ولصق بجدار الدار كأنه أسطوانة ملصقة. وكان إذا مرض غسل ديوانه.
وكان قادراً على النظم من القريض والموشح والزجل والبلّيق والدوبيت والمواليّا والكان وكان، لا يفوته شيء ولا يعجزه، وهو في جميع هذه الأنواع مطبوع، له غوص على المعاني، ومع ذلك فكان ينتحل أشياء ويدّعيها.
حكى لي شيخنا الحافظ ابن سيد الناس، أنشدني مرة قصيدةً عينية منها قوله:
يا ربّ جفني قد هجاه هجوعه
ومنها:
يا ربِّ بدرُ الدين غاب عن الحمى ... فمتى يكون على الخيام طلوعه
стр. 2844
قال: ثم إني اجتمعت بالشهاب العزازي، وأنشدته إياها، فقال: هذه لي، وأنشدني إياها من أولها الى آخرها. انتهى.
قلت: ولما عمّر السلطان الملك الناصر محمد القصر الأبلق بقلعة الجبل دخل إليه الشيخ صدر الدين، وأنشده:
لولاك يا خير من يمشي على قدم ... خاب الرجاء وماتت سُنّةُ الكرم
منها:
بنيتَ قصراً قضى بالسعد طالعه ... فقامت لهيبته الدنيا على قدم
وهذه القصيدة بمجموعها لابن التعاويذي، وهي في ديوانه، وإنما ابن التعاويذي قال: بنيت داراً، فغيّره ابن الوكيل، وقال: بنيت قصراً.
وشاع عنه أنه كان ينظم الشاهد على ما يدّعيه في الوقت وينشده، من ذلك قال شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى عمّن أخبره قال: ادعى ابن الوكيل يوماً في الطائفة المنسوبة الى ابن كرّام أنهم الكرامية - بتخفيف الراء - فقال الحاضرون: المعروف فيهم بتشديد الراء، فقال: التخفيف، والدليل عليه قول الشاعر:
الفقه فقه أبي حنيفة وحده ... والدين دين محمد بن كرام
واستمرت هذه الحكاية في ذهني، وأنا لا أشك في أنه وضعه، فما كان بعد مدة ظفرت ببيتين من شعر المتقدمين وأولهما:
إن الذين بجهلهم لم يقتدوا ... في الدين بابن كرام غير كرام
стр. 2845
فاستغفرت الله تعالى من ذلك الخاطر، وسألت الله تعالى له المغفرة والرحمة، وكان ظفري بهذين البيتين في سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وما يبعد أنه كان يجازف في النقل وأخذه.
قيل: إنه دخل الى الأفرم يوماً، وقال: يا خُوند أنا أنقل للأسد ثلاثة آلاف اسم.
قلت: وهذا مبالغة عظيمة، والذي وقفت عليه في مجموع للأسد خمس مئة اسم، ولولده الشبل ثلاث مئة اسم الجملة ثمان مئة اسم.
والجيّد من شعره طبقة عليا، على أن شعره يقع في اللحن الخفي، على أنه بلغني عن مجد الدين التونسي أنه قال يوماً: ما اجتمعت بالشيخ صدر الدين إلا واستفدت منه فائدة في العربية، ولما توجه الى حلب وجد شيخنا علم الدين طلحة مستحضراً للعربية جيداً، لكنه كان يعرف الحاجبية وشروحها، وهي دائرة ضيّقة، فأخذ الشيخ صدر الدين شرح السيرافي لكتاب سيبويه، وأخذ يطالعه وينقل منه ما طمّ طلحة، وغطاه. وسبب اللحن الخفي الذي كان يقع له إنما اشتغل بالنحو وهو كبير السن، والنحو علم صغر يحتاج الى أن يمتزج باللحم والدم، وأنشدني كثيراً من شعره الشيخ شهاب الدين العسجدي، وقال: كنت معه. وكانت ليلة عيد، فوقف له فقير، وقال: شيء لله؟ فالتفت إليّ وقال: إيش معك؟ فقلت: مئتا درهم. فقال ادفعها الى هذا الفقير. فقلت له: يا سيدي الليلة العيد، وما معنا ما ننفقه غداً. فقال لي: امض الى القاضي كريم الدين، وقل له: الشيخ يهنئك بهذا العيد. فدفع إليّ ألفي درهم، وقال: هذه للشيخ، وكأنه يعوز نفقة في هذا العيد، ولك أنت
стр. 2846
ثلاث مئة درهم، فلما حضرت بالدراهم من عند كريم الدين الى الشيخ، قال: صدق رسول الله ﷺ ، الحسنة بعشرة، هذه مئتان بألفين.
وكان هذا شهاب الدين العسجدي والقاضي علم الدين سليمان بن ابراهيم المستوفي، وكانا به خصيصين، وحكيا لي عن مكارمه وعن صدقاته وبره للفقراء والصالحين أمراً عظيماً، وحكى لي عن أوائل عشرته أنها تكون في غاية اللطف والإقبال الزائد على صاحبه، ثم إذا طالت استحال، ولهذا قال فيه بعضهم:
وداد ابن الوكيل له مثال ... كلبا دين جُلّق في المسالك
فأوّله حلي ثم طيبٌ ... وآخره زجاج مع لوالك
وجميع موشحاته، وسماه طراز الدار، وهذه تسمية بديعة، قلب فيها تسمية موشحات ابن سناء الملك، لأنه سمي ديوانه دار الطراز: ومن شعره - وهي من غرر قصائده:
ليذهبوا في ملامي أيةً ذهبوا ... في الخمر لا فضةً تبقى ولا ذهب
والمال أجمل وجه فيه تصرفه ... وجهٌ جميل وراحٌ في الدجى لهب
لا تأسفن على مال تمزقه ... أيدي سقاةِ الطلا والخرَّد العرب
стр. 2847
فما كسَوا راحتي من راحها حللاً ... إلا وعرّوا فؤادي الهمَّ واستلبوا
راح بها راحتي في راحتي حصلت ... فتمّ عُجْبي لها وازداد لي العجب
أن ينبع الدر من حلوٍ مذاقته ... والتبر منسبك في الكأس ينسكب
وليست الكيميا في غيرها وُجدت ... وكل ما قيل في أوصافها كذب
قيراط خمرٍ على القنطار من حزن ... يعود في الحال أفراحاً وينقلب
عناصر أربع في الكأس قد جُليَت ... وفوقها الفلك السيّار والشهب
ماءٌ ونار هواء أرضها قدح ... وطوفها فلك والأنجم الحبَب
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
شَجَجْتُ بالماء منها الرأس موضحةً ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب
قلت: لو لم يقل الشيخ صدر الدين من الشعر إلا هذا البيت لكان قد أتى بشيء غريب نهاية في البديع، لقد غاص فيه على المعنى، ودق تخيّله فيه، وهذا شعرُ فقيه.
وما تركت بها الخمس التي وجبت ... وإن رأوا تركها من بعض ما يجب
وإن أقطب وجهي حين تبسم لي ... فعند بسط الموالي يحفظ الأدب
قلت: وهذا البيت أيضاً بديع المعنى دقيقه، وقد اعتذر عن تقطيبه بأحسن عذر، وأوضحه، وقد أشار الى ذلك الشعراء وقبحوا فعله قال ابن أبي الحديد:
بالراح رح فهي المنى ... وعلى جماع الكاس كسْ
لا تلْقَها إلا ببش ... رِكَ، فالقطوب من الدَّنس
ما أنصف الصهباء من ... ضحكت إليه وقد عبس
стр. 2848
وإذا سكرت فغنّ لي ... ذهب الرّقاد فما يُحَسّ
وما أحسن قول ابن رشيق:
أحب أخي وإن أعرضت عنه ... وقلّ على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راضٍ ... كما قطبتُ في وجه المُدام
رجع القول الى تتمة أبيات ابن الوكيل:
عاطيتها من بنات الترك عاطية ... لحاظها للأسود الغُلب قد غلبوا
هيفاء جارية للراح ساقية ... من فوق ساقيةٍ تجري وتنسكب
من وجهها وتَثنيها وقامتها ... تُخشى الأهلّة والقضبان والكثب
يا قَلب أردافها مهما مررت بها ... قف لي عليها، وقل لي هذه الكثب
تريك وجنتها ما في زجاجتها ... لكنْ مذاقته للريق تنْتسب
تحكى الثنايا الذي أبدته من حَبَبٍ ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
قلت: في هذه الأبيات تضمين أعجاز أبيات من القصيدة البائية التي لابن الخيمي، وأولهما:
يا مَطلباً لي في غيره أرب ... إليك آل التقصّي، وانتهى الطلب
وقد ذكرت القصيدة وما قيل في وزنها، وواقعتها بين ابن الخيمي وابن إسرائيل في
стр. 2849
ترجمة ابن الخيمي في تاريخي الكبير.
ومن شعره صدر الدين رحمه الله تعالى:
سرى وسُتور الهمّ بالكاس تُهتكُ ... وساكن وجدي بالغِناء يحرك
فعاطيته كاساً، فحيّا بفضلها ... ومازج ذاك الفضل ريق مُمَسّك
أرقتُ دم الراووق حِلاً لأنني ... رأيت صليباً فوقه، فهو مشرك
وسالت دموع العين منه وكلما ... بكى بالدّما مما جرى منه أضحك
وزوّجت بنت الكرم بابن غَمامة ... فصحّ على التعليق والشرط أملك
وهذه القصيدة طويلة، ولكن هذا أحسن ما فيها.
وقال أيضاً:
يا ليلة فيها الأمان والمنى ... وكلما أطلبه تهيّا
لا تقصري فالصبح قد شربته ... مدامة عنقودها الثريّا
وقال أيضاً:
غازِلْ وخُذ من نرجسٍ من لحظه ... منشور دمع كلهنّ نظامُ
واحذرْ إذا بعث السلام إليك من ... نبت العِذار فإنه نمّامُ
قلت: أخذه من قول الأول:
لافتضاحي في عوارضه ... سببٌ والناس لُوّام
كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمّام
стр. 2850
وقال دوبيت:
كم قال معاطفي حكتها الأسلُ ... والبيض سرقن ما حوته المقل
الآن أوامري عليها حكمت ... البيض تُحسد والقنا تُعتقل
وقال أيضاً:
عانقت وبالعناق يُشفى الوجد ... حتى شُفي الصبّ ومات الصّدُ
من أخمصه لثما الى وجنته ... حتى اشتكت القضب وضجّ الورد
وقال أيضاً:
بكفّ الثّريا وهي جَذْما تقاس لي ... شقاق دجًى مُدت من الشرق للغرب
ولو ذرعوها بالذراع لما انتهت ... فما تنقضي يا ليل أو ينقضي نحبي
قلت: أخذه من قول الأول:
كأن الثريا راحة تشبُر الدجي ... ليعلم طال الليل أم قد تعرّضا
فليلٌ تراه بين شرق ومغرب ... يُقاس بشبرٍ كيف يُرجى له انقضا
وقال:
راحٌ بها الأعمى يرى مع العمى ... وهاك بُرهاناً على هذي المنَح
الخمر للأقداح قلب دائماً ... والحدَق انظرها تجد قُلْبَ القدح
وقال:
كأنما البدر خلال السما ... من فوق غيم ليس بالكاب
طراز تِبْر في قبا أزرق ... من تحته فروة سنجاب
стр. 2851
وقال:
وعارضٌ قد لام في عارض ... وطاعن يطعن في سنّه
وقائل قد كبرت ذقنه ... فقلت: لا أفكر في ذقنه
وقال:
شب وجدي بشائب ... من سنا البدر أوجَهُ
كلما شاب ينحني ... بيّض الله وجهه
وقال في مليح به يرقان:
رأيت في طَرفه اصفراراً ... سَبى فؤادي فقلت: مهلا
أيا مليك الملاح حسناً ... العفو من سيفك المحلا
قلت: هو مثل قول الوَداعي، وفيه زيادة:
قال قوم: قد شانه يرقان ... قلت: أخطأتم وحاشى وكلا
إنما الخدّ واللواحظ منه ... مصحف مُذهب، وسيف محلّى
ذكرت أنا هنا باليرقان ما قلته، وقد حصل لي يرقان، وطوّل في مدته في سنة خمس وخمسين وسبع مئة:
يا يرقاناً زاد في مكثه ... أمرضْتَ مني الجسم والنفسا
أبدلتني بالدال سيناً وما ... أقبح ورداً قد غدا ورسا
وقلت أيضاً:
стр. 2852
صفّرني ذا اليرقان الذي ... بمثله الأسقام لم تظهر
ينفر من يبصرني مُقبلاً ... حتى كأني من بني الأصفر
وقلت:
تصدّق خلاني عليّ بصحة ... تسر وأعفاني زماناً وعافاني
ومرّ على غيري سقامٌ وصحة ... ولم يُر قان مثل ذا يرقاني
وقلت من أبيات:
ما ترى علّتي التي قد عرتني ... وبرتني بري المُدى القاطعات
فصفاري هذا وأبيض شيبي ... نرجس للنفوس غير موات
ثم عندي تشبيه شيبي بتمٍ ... قد غدا ناظراً بعين البُزاةِ
ومن شعر الشيخ صدر الدين - وهو عجيب:
وبي مَن قسا قلباً ولان معاطفاً ... إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقرّ برقٍّ أقول أنا لهُ ... وكم قالها أيضاً ولكن لتهديدي
قلت: من أعجب ما مر بي أنا الباخرزي في دمية لقصر لما ذكر في ترجمة الفقير أبي نصر عبد الوهاب المالكي أورد فيها قول الشيخ أبي عامر الجرجاني:
عذيري من شادن أغضبوه ... فجرّد لي مُرهفاً فاتكا
وقال أنا لك يا بن الوكيل ... وهل لي رجاء سوى ذلكا
أيها الواقف أنعم النظر فيما أوردته، وتعجب من هذا الاتفاق، كون صدر الدين بن الوكيل أخذ هذا المعنى الذي له من قول الجرجاني، والجرجاني أتى بالقول الموجب في بيتيه خفياً، لأنه قال: غضب، وجرّد المرهف، وقال: أنا لك
стр. 2853
يا بن الوكيل، وهذا بقرينة تجريد المرهف تهديد، فقلب الجرجاني، وقال بموجبه، ونقله الى التمليك، فأخذه صدر الدين، وأتى به واضحاً جلياً صريحاً ظاهراً، ومحل التعجّب قوله: أنا لك يا بن الوكيل، كأن هذا المعنى قال: أنا لك يا بن الوكيل تنظمني فتجيء أحسن وأبين، وتكون أنت أحق بي من الجرجاني، وهذا اتفاق غريب الى الغاية، ما مر بي مثله، والظاهر أن الشيخ صدر الدين لما وقف على هذا المعنى تنبّه له فكان له، وهو به أحق، وهذا المعنى قد ابتكره الجرجاني أبو عامر، وترك فيه فضلة، فجاء الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى، وأخذه وجوّده، ولم يبق لأحد معه مطمع الى زيادة، ولا مطمح في إفادة، وما بقي إلا الاختصار فقط، فلهذا قلت أنا فيه مختصراً:
قال حبي أنا له ... ولكم قلتُ سرمدا
أنا للملك قلتها ... وهو للغيظ هدّدا
وقال الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى:
معطّف على مهجة ظاميه ... وتقذفها عَبْرة هاميه
فقد طال سقمي، فقل لي متى ... تجيء الى عبدك العافيه
وأرخصتَ دمعي يوم النوى ... لأجل سوالفك الغاليه
فصبراً على ما قضى لم أقل ... فيا ليتها كانت القاضيه
стр. 2854
ونحن عبيدك ذُبنا أسىً ... فرفقاً على رقة الحاشيه
فقال: بعيني أقيك الردى ... فقلت: على عينك الواقيه
فشنّف سمعي بهذا الحدي ... ث فما ذكرت قرطها ماريه
فيا عاذلي لو دعاك الهوى ... لقد كنت تسمع يا ساريه
واشتهر شعر الشيخ صدر الدين في حياته كثيراً، وتناقله الناس، وتداولوه، ومما اشتهر له من الموشحات قوله يعارض السرّاج المحّار، وهو:
ما أخجل قدّه غُصون البانْبين الورقإلا سلب المها مع الغزلانسود الحدق
قاسوا غلطاً من حاز حُسن البشر
بالبدر يلوح في دياجي الشَّعر
لا كيد ولا كرامة للقمر
الحبّ جمالُه مدى الأزمانمعناه بقيوازداد سناً وخُصّ بالنقصانبدر الأفق
الصحة والسقام من مقلته
والجنة والجحيم في وجنته
مَن شاهده يقول من دهشته:
هذا وأبيك فرّ من رضوانتحت الغسقللأرض يُعيذه من الشيطانربُّ الفلق
قد أنبته الله نباتاً حسنا
стр. 2855
وازداد على المدى سناء وسنا
من جادلَه بروحه ما غُبِنا
قد زيّن حسنه مع الإحسانحسن الخلقلو رمت لحسنه مليحاً ثانيلم يتّفق
في نرجس لحظه وزهر الثغر
روض نضر قطافه بالنظر
قد دبّج خده نبات الشعر
فالورد حماه ناعم الريحانبالطل سُقيوالقد يميل ميلة الأغصانللمُعتَنق
أحيا وأموت في هواه كمدا
من مات جوىً في حبه قد سُعدا
يا عاذلُ لا أترك وجدي أبدا
لا تعذلي فكلما تلحانيزادت حُرقييستأهل من يهمّ بالسلوانضرب العنق
القدّ وطرفه قناة وحسام
والحاجب واللحاظ قسي وسهام
والثغر مع الرضاب كاس ومُدام
والدر منظّم مع المرجانفي فيه نقيقد رُصّع فوقه عقيق قانينظم النسق
قلت: لا يخفى على الفطن ما فيه من اللحن الخفي والألفاظ النازلة، وقد تكررت من لفظة ثان. ولمّا وقف الشيخ تقي الدين بن تيمية على هذا الموشح وانتهى الى قوله: يستأهل من يهم بالسلوان ضرب العنق قال: لا يا شيخ صدر الدين، يستأهل من يقول بالصبيان.
стр. 2856
وأما موشحة السراج المحّار فهي:
مذ شِمت سنا البروق من نعمانباتت حدقيتذكي بمسيل دمعها الهتاننار الحرق
ما أومض بارق الحمى أو خفَقا
إلا وأهاج لي البُكا والأرقا
هذا سبب لمحنتي قد خُلقا
أمسي لوميضه بقلبي العانبادي القلقلا أعرف في الظلام ما يغشانغير الأرق
أضنى جسدي فراقُ إلفٍ نزحا
أفنى جلدي ودمع عيني نزَحا
كم صِحتُ وزند لوعتي قد قدحا
لم تُبق يد السقام من جثمانيغير الرمقما أصنع والسلوّ مني فانوالصبر بقي
أهوى قمراً حلو مذاق القُبل
لا يُكحل طرفه بغير الكحل
تركيّ اللحظ بابلي المقل
زاهي الوجنات زائد الإحسانحلو الخُلقعذبُ الرشفات ساحرُ الأجفانساجي الحدق
ما حط لثامه وأرخى شعرَه
стр. 2857
أو هز معاطفاً رشاقاً نضره
إلا ويقول كل راءٍ نظره
هذا قمر بدا بلا نقصانتحت الغَسقأو شمس ضحى في غُصنٍ فَيْنانغض الورق
ما أبدع معنىً لاحَ في صورته
إيناع عذاره على وجنته
لما سُقي الحياة من ريقته
فاعجب لبنات خدّه الرّيحانيمن حيث سُقييضحى ويبيت وهو في النيرانلم يحترق
قلت: لا يخفى على الناظم أن هذا أجزلُ ألفاظاً، وأحكم من موشحة صدر الدين.
والسرّاجُ المحّار عارض بموشحته موشحة أحمد بن حسن الموصلي صاحب الموشحات المشهورة، وهي:
مُذ غرّدت الوُرق على الأغصانبين الورقأجرت دمعي وفي فؤادي العانيأذكت حرقي
لما برزت في الدوح تشدو وتنوح
أضحى دمعي بساحة السفح سفوح
والفكر نديمي في غُبوق وصبوح
قد هيّجت الذي به أضنانيمنه قلقيوالقلب له من بعد صبري الفانيوالوجد بقي
ما لاح بريق رامةٍ أو لمعا
إلا وسحاب عبرتي قد هَمَعا
والجسم على المزمع هجري زَمَعا
بالنازح والنازح عن أوطانيضاقت طوقيما أصنع قد حملتُ من أحزانيما لم أطق
قلبي لهوى ساكنه قد خفقا
стр. 2858
والوجد حبيسٌ واصطباري طلقا
والصامت من سري بدمعي نطقا
في عشق منعّم من الولدانأصبحت شقيمن جفوته ولم يَزُر أجفانيغيرُ الأرق
فالورد مع الشقيق من خدّيه
قد صانهما النرجس من عينيه
والآس هو السياج من صدغيه
واللفظ وريق الأغيد الروحانيعند الحدقحلوان على غصن من المرانغضٍّ رشِقِ
الصّاد من المقلة من حققه
والنون من الحاجب من عَرّقه
واللام من العارض من علقه
قد سطّره بالقلم الريحانيربّ الفلقبالمسك على الكافور كالعنوانفوق الورق
الملحة لمع الصلت بالإيضاح
والغُرّة بالتبيان كالمصباح
والمنطق نثر الدرّ بالإصلاح
والثغر هو الصحاح كالعقبانكالعقد بقيوالرّد مع الخلاف كالسلوانعنه خُلقي
ما أبدع وضع الخال في وجنته
خطّ الشكل الرفيع من نقطته
قد حيّر إقليدس في هيئته
كالعنبر في نار الأسيل الفانِللمنتشقفاعجب لعبير وهو في النيرانلم يحترق
قلت: في هذه الموشحة ألفاظ تحتاج معانيها الى مشاحّة، وموشحة الشيخ صدر الدين على كل حال خير منها، وموشحة المحّار خير من الاثنين.
стр. 2859
وقد خطر لي أنا نظم موشحة في هذه المادة، وقد زدت الحشوات توشيحاً، وهي:
ما هزّ قضيب قدّه الريّانللمُعتَنِقإلا استترت معاطف الأغصانبين الورق
أفدي قمراً لم يُبق عندي رَمَقاً ... لما رَمَقا
قد زاد صبابتي به والحُرَقا ... شوقاً وشَقا
لو فوّق سهم جفنه أو رشقا ... في يوم لُقا
أبطال وغىً تميس في غُدْراننسج الحَلَقأبصرتهم في مَعرَك الفرسانصرعى الحدق
بدر منعتهُ قسوةُ الأتراك ... رُحمى الشاكي
من ناظره حبائل الأشراك ... والإشراك
كم ضلّ بها قبلي من النُسّاك ... والفتّاك
قاني الوجنات ينتمي للقانِصعب الخُلقإن قلت أموت في الهوى نادانيهذا يَسَقي
كم جا جبينه الدجا فاقترضا ... صُبحاً فأضا
كم جرّد جفنُه حساماً ونضى ... والصبّ قضى
كم أودع ريقه فؤاداً مَرِضاً ... من جمر غضا
فاعجب لرُضابه شفا الظمآنيذكي حرقيوالخدّ به الخال على النيرانلم يحترق
يا خجلةَ خدّ الورد في جنته ... من وجنته
يا كسرة غصن البان في حضرته ... من خطرته
يا حيرة بدر التمّ من عزّته ... في طُرّته
لا تعتقد الأقمار بالبهتانوسط الأفقأن تشبهه فليس في الإمكانما لم تُطِق
ما أسعد من أصابه بالحَوَر ... سهم النظر
стр. 2860
ما أنعم من يصليه نار الفكر ... طول العُمرِ
أو قيّده الحب بقيد الشَّعَر ... عند السَّحَر
أو طوقه بذلك الثعبانفوق العنقأو بات بقفل صُدغه الريحانيتحت الغَلق
قلت: والشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى قد عارض المحّار في أكثر موشحاته، فيندر له المطلع أو حشوه، ثم إنه يسقط من الثريا الى الثرى كقوله:
قالوا: سلا واستردّ مضناهقلباً أخذالا والذي لا إله إلا هوما كان كذا
عشقته كوكباً من الصّغر
أأترك الوجد وهو كالقمر
ديباج ديباجته بالشعر
زيدت طرازاً كالرقم الإبر
لا والذي زانه وأعطاهحسناً وشذىعلى البرايا وإنه اللهما كان كذا
ولو تقاس الكؤوس بالثغر
وبالثنايا الحباب كالدّرر
لفضّل الثغر صحة النظر
والصّرف في مطعم وفي عطر
لو قيس ما فاق من حُميّاهأو ما نُبذاالى رُضابٍ حوته عيناهما كان كذا
كل دمّ الناس فوق وجنته
قد سفكتها سهام مُقلته
العفو من نبلها وحدّته
لو صبّ بهرامُ كل جعبته
стр. 2861
واختار من نبلها ونقّاهسهماً نفذافي الأرض من خرقه رَماياهما كان كذا
وسُودَها يا حكيم خذ بيدي
أمضى من البيض مع بني أسد
لو قيس ما فكّ مُحكم الزَرَد
من كل ماضي الغروب غير صَد
الى حسام نضته عيناهماضٍ شحذاعلى مسَنٍّ أبدته صدغاهما كان كذا
قد سلب الظبي حسن لفتته
كما سبى الغصن حسن خطرته
والشمس خجلى من نور طلعته
والبدر في حسنه وبهجته
لو قيس أيضاً الى محيّاهفي الحسن إذاحُفت به هالة عذاراهما كان كذا
محمد بن عمر بن إلياس
شمس الدين أبو العز الرّهاوي، ثم الدمشقي الكاتب.
سمع بمصر صحيح مسلم، بفَوْت من ابن البرهان، وسمع من النجيب، ومن ابن أبي اليسر، وابن الأوحد، وطائفة. ودار على الشيوخ، وكتب الطباق، وسمع الكتب وروى عنه شيخنا الذهبي في المعجم.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر رجب الفرد سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وحضر جنازته قاضي القضاة جلال الدين القزويني وغيره من الأعيان.
стр. 2862
محمد بن عمر بن سالم
العدل الفاضل ناصر الدين بن المشهدي المصري.
سمع من غازي الحلاوي، وخلق، وعُني بذلك، وكتب الطباق، وبرع في كتابة السجلات، وحصّل منها جملة، وأقام بدمشق مدة.
قال شيخنا الذهبي: وقد تكلموا في عدالته.
وتوفي رحمه الله تعالى كهلاً سنة بضع وعشرين وسبع مئة.
محمد بن عمر بن محمد
الشيخ الإمام المفنن شمس الدين بن الخباز.
قرأ بدمشق قليلاً على الشيخ مجد الدين التونسي، ثم قرأ على القحفازي وعلى ابن قاضي شهبة. وعلى الشيخ برهان الدين، ثم توجه الى حلب، وقرأ على الشيخ فخر الدين قاضي القضاة بن خطيب جبرين شيخنا، وعلى شيخنا علم الدين طلحة، ثم على الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وحفظ التنبيه والمختصر وألفية ابن مالك والجرجانية، وباحث وناظر، وأذن له ابن خطيب جبرين في الإفتاء.
كان جيد المناظرة، فكه المحاضرة، يستحضر كثيراً من المعقول، ويورد جملة من المنقول، وبحوثه متقنة محررة، ونقوله بالأصول رياضها مزهرة.
وكان والده بدمشق خبازاً فسمت همته، وعلت عزمته الى أن دخل في عداد
стр. 2863
الفضلاء، وحشر في زمرة النبلاء، وكانت يده شلاّء، وعن البطش زلاّء. ولم يزل مصفّراً من أفواه العروق، ووجهه كأنه الأصيل عند الغروب لا الضحى عند الشروق، وكانت له قدرة على المحاكاة وقوة على التكيف بمن خاصمه أو شاكاه.
ولم يزل على حاله الى أن جاء سيل المنيّة على أفواه عروقه، وسدّ منه مجاري خروقه.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في ثاني عشر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وتسعين وست مئة.
وكان يُعرف في دمشق بالحلبي، وفي حلب بالدمشقي، اجتمعت به غير مرة بدمشق وحلب، وجرت بيني وبينه مباحث عديدة، وهو رفيقي في الاشتغال رحمه الله تعالى.
محمد بن عمر بن محمد بن عمر
ابن الحسن، الشيخ الجليل الفاضل الصدر العدل إمام الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شرف الدين أبي حفص بن خواجا إمام، الفارسي الأصل، الدمشقي.
سمع من جده وعمّ والده أبي بكر بن عمر، والرضي بن البرهان التاجر الواسطي، والشيخ جمال الدين بن مالك، وابن أبي اليسر، وشمس الدين بن أبي عمر، وجماعة.
стр. 2864
وحدث بصحيح مسلم وموطأ مالك رواية أبي مصعب عن ابن البرهان.
وكان معروفاً بالكفاءة والخبرة، وخدم في عدة جهات، وكان كثير التلاوة.
توفي رحمه الله تعالى في سابع شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مائة.
ومولده سنة ثمان وأربعين وست مئة.
محمد بن عمر
بن عبد العزيز
ابن ...
الصدر النبيل الرئيس قاضي القضاة ناصر الدين ابن قاضي القضاة كمال الدين ابن قاضي القضاة عز الدين بن العديم الحنفي.
كان أولاً بحماة قاضي القضاة، ثم إنه نقل الى حلب، وتولى حماة في شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة عوضاً عن جدّه.
وكان صدراً واسع الصدر، ورئيساً يجلس من سيادته في هالة البدر، قد وسع الناس بإحسانه، وملك قلوبهم بلسانه، يخدم الأكابر والأصاغر، ولا يزال فوه بالشكر لهم يُرى وهو فاغر، يكارم الزائرين بأنواع القماش والحلوى، ويغدق
стр. 2865
عليهم، فلا يرون لمنّه سلوى، وطالت مدّته في حلب، وساق إليه كل شاعر نفائس أمداحه وجلب.
ولم يزل على حاله الى أن دخل ابن العديم في العدم، وانهدّ طَوْد حياته وانهدم.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأول من شوال سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وثمانين وست مئة.
وكان قد طلب الى مصر ليجعل بها قاضي القضاة عندما أُخرج القاضي حسام الدين الغوري، فوصل الى دمشق، ثم إنه جاء المرسوم بعوده الى حلب على حاله.
وحدّث عن الأبرقوهي وغيره.
وكتب إليه شهاب الدين أحمد بن المهاجر الوادي آشي الحنفي، ومن خطه نقلت:
فذاك قاضي القضاة عبدُ ... قريضُه مثله رقيقُ
يكابدُ البرد في قماش ... أشبهه ببيته العتيقُ
له إذا ما الرياح هبّت ... عطف كغصن النقا رشيقُ
غزا ابن ماء السماء منه ... نضواً سوى السلم لا يطيق
ليس يرد الشتاء عنه ... بيتٌ مع القبح فيه ضيق
والصبر مع أنه بعيدُ ... قد سُدّ من دونه الطريق
فانظر إليه بعين مولّى ... من غُرّ أوصافه الشفيق
واعطف عليه فأنت فرع ... من دوحةِ غُصنُها وريق
стр. 2866
لا زلت ما عشت في نعيم ... أنت بإنعامه حقيق
مجمّلاً مذهباً أتانا ... منك لنُعْمانه شقيق
محمد بن عمر
الأمير ناصر الدين ابن الأمير ركن الدين البُتْخاصي الصفدي.
كان أميراً بطبلخاناه في الديار المصرية، وله مكارم ومروءة، وفي طباعه حرية. يخدم أصحابه، ويعرف حق من لازم بابه، يخدم الوُرّاد، ويكرم الرّواد، ويتجمل بين الناس، ويُرضي من يُقدم عليه، ويبسط له الإيناس. تنقل في الممالك، وصرّفه الدهر بين صُبحه النيّر، ودُجاه الحالك، وقبض وسجن وامتلأ قلب الدهر عليه وشحن، وهو صابرٌ للأقدار فيما تنوبه، عالمٌ أن الزمان لا تدوم حروبه.
ولم يزل بالديار المصرية في آخر أمره، الى أن انصرمت مدّة عمره.
وتوفي رحمه الله تعالى بالديار المصرية، وجاء الخبر بوفاته الى دمشق في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وعمره ما يقارب الخمسين سنة.
كان الأمير ناصر الدين قد نشأ بصفد في حياة والده وكان والده ركن الدين يتصرف في المباشرات السلطانية من الولايات والشد وغير ذلك، وكان من أعيان أهل صفد، وفي آخر عمره ولي الحجبة الصغرى بصفد بإمرة عشرة، فلما خرج الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي نائب صفد هارباً منها طالباً دمشق تبعه عسكرها وركن الدين معهم، فناوشوهم القتال، فجاءته طعنة حمل منها الى صفد، ومات بها. وتقلّبت
стр. 2867
الأيام بولده هذا الأمير ناصر الدين، وترقى الى أن تولى الحجبة بصفد، ثم إنه أُمسك واعتقل بإسكندرية، في واقعة بيبغاروس لما كان صحبة الأمير علاء الدين الطنبغا برناق نائب صفد، ثم إنه أفرج عنه، وأخرج الى طرابلس، ثم طُلب الى مصر، وجُعل حاجباً صغيراً بحلب، وفوض إليه الأمير سيف الدين شيخو نيابة ديوانه بحلب، فاجتهد في خدمته، وعمّر الخان المليح والحمّام بجبّ السقّايين بين المعرة وحماة، ثم أضيف إليه شد الخاص وشد الأوقاف بحلب.
ثم إنه رسم له بإمرة الحجبة الكبرى عوضاً عن الأمير ناصر الدين بن شهري، وأقام على ذلك الى أن طُلب الى مصر صحبة علاء الدين علي البشيري، فأعطاه السلطان بمصر إمرة طبلخاناه، وجعله مشدّاً في العمائر السلطانية بالقاهرة، ثم إنه جهّزه في سنة إحدى وستين وسبع مئة الى منفلوط لقبض مغلها، فقبضه وعاد الى القاهرة على شد العمائر.
ثم إنه مرض مرضة طويلة في ذلك الوباء العام، ووصل الخبر الى دمشق بموته رحمه الله تعالى.
وكان ﵀ بارّاً بوالدته وإخوته وأخواته، عفيفاً أميناً في مباشراته، عارفاً درباً بما يتحدث فيه، فيه كرم ومروءة زائدة.
стр. 2868
محمد بن عمران بن عامر القطناني
المقرئ الحرّاني البغدادي، الشيخ الصالح الملقّن عند البرادة بالجامع الأموي بدمشق.
كان مقرئاً فاضلاً عارفاً بالتجويد، حسن الأداء، حفظ التيسير والشاطبية وبعض المقنع.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة عشر وسبع مئة.
محمد بن عنبرجي
القان المغلي بن النوين عنبرجي المذكور.
كان صبياً من أبناء العشرين، من أهل توريز، لما قتل القان بوسعيد عنبرجي زعمت سريته أنها حبلى منه. فولدت محمداً هذا، فلما أقبل النوين الشيخ حسن الكبير من البلاد، وهزم جمع الملك موسى قان، وقتل موسى، عمد الشيخ حسن الى محمد هذا وأقامه في الملك، وناب له هو وابن جوبان وزوجة جوبان ساطي بك، وهي ابنة القان خربندا، وتماسك الأمر أشهراً. ثم أقبل من الروم
стр. 2869
ولدا تمرتاش، وأوهما أن أباهما حيّ معهما، وجعلاه في خركاة، فهرب الشيخ حسن الكبير الى خراسان، ثم أهلك هذا محمد. وماج الناس واشتد البلاء والظلم والنهب ببلاد أذربيجان وافتقر من الجَوْر جماعة، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن عيسى بن مهنّا
الأمير أخو مهنّا.
كان من أعيان أمراء آل فضل. وكان حسن الشكل، له معرفة ودُرْبة.
توفي رحمه الله تعالى بسلمية في يوم السبت سابع شهر رجب سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وصلى عليه قاضيها.
ولما كان قراسُنقر قد وصل الى بيوت أخيه مهنا، كان محمد هذا غائباً، فلما جاء وبصر به قال لمهنا: أبشر يا مهنا بالإنعامات والإقطاعات من السلطان، ففهم قراسُنقر الغدر منهم، فقام الى كاملة زوج مهنا وشال ذيلها ودخل تحته، فقالت: يا أبا محمد إن الله قد أجارك وجاءت الى مهنا. فقالت له: إيش يتحدث عنك العربان؟ إن هؤلاء الملوك جاؤوا إليك ونزلوا عليك، وإنك غدرت بهم لأجل الدنيا، فقال: الله الأحد إن الله قد أجارهم فقال محمد لأخيه مهنا: الله بيننا وبينك حرمتنا هواء الشام وطيبه.
стр. 2870
محمد بن عيسى بن عيسى
ابن محمد بن عبد الوهاب بن ذؤيب بن مُشرّف الأسدي الغاضري الرياني، القاضي البليغ الناظم الناثر المفوّه شمس الدين ابن القاضي شرف الدين ابن قاضي شهبة.
رجل انقاد له الكلام، ونزل على حكم نثاره والنظام، له النظم المطبوع والنثر الغزير الينبوع، كتب الإنشاء وترسّل، وتوصل الى مآربه بذلك وتوسّل، إلا أن خطّه كان مرجوفاً، ولم يُعبه ذلك لأنه كان يودعه من إنشائه قلائد وشنوفاً. كتب للسرّ بحمص وغزّة، ونال فيهما شرفاً وعزة، وتولى الخطابة في غزة، فصدح على منبرها حمامة، وأقام بمواعظة المبكيات على الناس القيامة.
ولم يزل على حاله الى أن توارت شمسه بالحجاب، ودعا الحركة بعدما سكن فسكت وما أجاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر رمضان سنة أربع وستين وسبع مئة عن ثلاث وخمسين سنة في طاعون غزة.
حرص عليه أهله، وشغّلوه بالعلم، فرأى أن رزق الفقهاء ضعيف، فرجع الى صناعة الكتابة، وقال لي: أخذت كتاب التنبيه والعمدة في الأحكام وكتاباً في النحو وألقيتهما في قدر والماء يغلي، وهجرت الاشتغال بالعلم، واشتغلت بصناعة الحساب، وكان موجب ذلك أني حضرت العزيزية سنةً فحصل لي منها خمسة دراهم في
стр. 2871
تلك السنة. وباشر في جهات، ثم إنه تعلّق بالإنشاء، وكان النظم والنثر فيه طباعاً، فتوجه الى مصر، وسعى في توقيع حمص، فتولاه من مصر، وباشره مع نيابة الأمير سيف الدين قلاوون في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، فأقام بها قليلاً، وانفصل منها، وعاد الى مباشرة الحساب، فتولى نظر نابلس، ولما توجه الأمير سيف الدين يلبغا نائب الشام الى القدس خدمه هناك، وبقي أمره على ذهنه، وحضر الى دمشق، وامتدحه وامتدح عز الدين طقطاي الدوادار، فقال يلبغا: ما تريد؟ فقال: يا خوند أكون كاتب إنشاء في دمشق بمعلومي الذي على نظر نابلس، وتوفر معلوم ناظر نابلس، فرسم له بذلك.
ولم يزل يكتب بديوان الإنشاء الى آخر وقت، ثم إنه جُهز في سنة إحدى وستين وسبع مئة الى غزة موقّعاً في أيام الأمير سيف الدين أسندمر الزيني، عيّنه لذلك القاضي أمين الدين بن القلانسي كاتب السر بالشام لما عزل الشريف كمال الدين موقّع غزة، ولما كتب الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي في معنى أولاد رزق الله وعُزلوا من صفد، رُسم بأن يكون كاتب سر بصفد في سنة اثنتين وستين وسبع مئة، فأقام قليلاً، وأعيد الى غزة. فأقام على كتابة سرها والخطابة بها الى أن توفي رحمه الله تعالى في طاعون غزة في التاريخ المذكور.
وكان قادراً على الهجو المقذع، وبيني وبينه مكاتبات كثيرة، وهي مُودعة في التذكرة التي لي في أماكنها، ومنها شيء في كتابي ألحان السواجع.
كتب إلي وهو بدمشق قرين جبن صرخدي أهداه لي:
يا شجاع الوجود في العلم والفض ... ل وشيخ الأنام في كل فن
قد تجاسرت في الهدية فاسمح ... بالتغاضي واستر بحلمك جُبني
стр. 2872
فكتبت أنا الجواب إليه:
حاش لله أن يُرى منك جبن ... ومعاليك قد حَوَت كل حُسن
وكريم الأقوام فهو شجاع ... والبخيل الذي تردّى لجبن
وكتبت إلي قرين ماء وردٍ أهداه:
يا سيداً تجلو ثنايا لفظه ... لظامئ الأكباد برداً من بَرَدْ
ومَنْ إذا ما لمَست يمينُه ... جمر الغضا من الندى الغمر برد
كان لكم عندي فيما قد مضى ... وعدّ بماء الورد، لكن ما ورد
والآن قد وافى فقابل كسره ... بالجبر لا يخجل إن جاء ورد
وعش مدى الدهر صلاحاً في الورى ... تصلح من حال الأنام ما فسد
في نعمة وافرة مديدة ... تكتب فيها بالبقاء من حسد
يا خير روح للعلا طاهرةٍ ... كم أنعشت للمكرمات من جسد
وكتب إلي، وقد نظمت قصيدة في مديح سيدنا رسول الله ﷺ :
يا إماماً قد أتى العزَّ الى ... بابه ينقاد في أرسانه
لو رآك المصطفى في عصره ... مثبتاً فُقتِ على حسّانه
بمديحٍ فيه قد جئت به ... بعد ما جاء فتى غسّانِه
إن دهراً سُدت فيه سيدي ... ناظر أنت ضِيا إنسانه
عبدك الشاكر وافى سائلاً ... كيف مولانا على إحسانه
وكتب إليّ ملغزاً:
стр. 2873
أيها الفاضل الذي هو في الفض ... ل إمامٌ والناس جمعاً وراء
والبليغ الذي له لطف معنًى ... عجزت عن مثاله الفصحاء
والإمام الذي له لطف خطّ ... لم تطق وصف نوره الشعراء
ما اسم ثاوٍ في الأرض بين البرايا ... وله صاحبٌ حوته السماء
وهو عارٍ ومكتسٍ ثوب حُسن ... عنده الصيف والشتاء سواء
لم تحكْ ثوبَهُ يدٌ ولم تَحْ ... وِ نَظيراً لنسجه صنعاء
قام بالعُرفِ آمراً وعلى العا ... دة يجري وليس فيه رياء
فأبنه يا ذا الرئيس المفدّى ... لا نأتْ عن مقرك النعماء
وابقَ ما غنّت الصوادح في الصب ... ح ولاح الضحى وولى المساء
فكتبت أنا الجواب عن ذلك، وهو في ديك:
يا فصيحاً عنت له البلغاء ... وبليغاً ونَت له الفصحاءُ
والبليغ الذي إذا ما بدا البَد ... رُ لديه اعتراه منه حياء
نظمك المستَلذّ في كل سمعٍ ... هو والدرّ والأغاني سواء
أنت ألغزْتَ في مسمى عجيبٍ ... طائر ما حواه قطّ الهواء
وهو يمشي مثل الملوك بتاجٍ ... وعلى رأسه يشالُ لواء
ليس تُحصى أشخاصه وهو يُحصى ... فعجيب لما يراه القضاء
وتحاشى من عِكسِهِ فهو أمر ... يتبرّا من فعله الكرماء
وإذا ما صحّفته يتبدّى ... حيواناً وقد حواه المساء
فابق واسْلم لكل لغز بديع ... فهو فنّ تحبه الأدباء
стр. 2874
وكتب هو إلي من غزة:
ذكرتك والجوّ في حُلةٍ ... مكللةٍ بلآلي النجوم
وبرق الدجى خافقٌ ومضهُ ... كقلبٍ مُعنىً عديم الهجومِ
وعرفُ الصَّبا كزمان الصِّبا ... رقيق الحواشي نديّ النسيم
وللبحر أفواج موج حَكَت ... تزاحُمَ خيل الكفاح العقيم
ورمل الكثيب بتمويجه ... يحاكي البُرود حسان الرقوم
وكأس المدام مدام الصفا ... كودّك لو كنتَ فيها نديمي
فهاج لذكراك عندي هوًى ... رمى نار حرّ الأسى في صميمي
وأضعف من همتي قوةً ... لفقدك تُغزى بجيش الهموم
وبات حديثك لي مُؤنساً ... يعلّلني بالرحيق القديم
فجادَك صوبُ سلام امرئٍ ... مقيم على ودّه المُستقيم
سقيم إذا شافَ ريّاكم ... رجا بالعليل شفاء السقيم
يقبّل الأرض ويُنهي ما لم يَخفَ من العلوم الكريمة من مضاعفة شوقه، ومضاعفة أسفه الذي أحاط به من تحته وفوقه، وما يجده من التألم لانقطاع مراسيم مولانا التي تفُل حدّ الغربة بغَربها، وتحجب عن الأنفس المكروبة والمحزونة كرّب كربها:
وقد غضبت حتى كأني مذنب ... أروم الرضا منها ويا ليتها ترضى
أنهي ذلك إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
стр. 2875
أتاني كتابُك والجو قد ... توشّع من بارقات الغُيوم
فهذا يجود بدُرّ الحيا ... وهذا يجود بدرّ العُلوم
وما الدّر كالدّر بين الورى ... ولا الزّهر فيهم كزهر النجومِ
ويا حُسنه وافداً قد غدا ... ينفّس عني خناق الهمومِ
ويوقفني اللفظ منه على ... نديم لكلّ سرور مُديم
بخطٍ ترفّع في وَضْعه ... أويْتَ الى كهفه والرقيم
وولّى الوليّ لإقباله ... كما ابنُ هلالٍ غدا في النجوم
وأنستْ حلاوتُه شُهدةً ... ورقّت حواشيه لابن العديم
أيا عربيّ القريض افتخرْ ... فكم في معانيك من ابن رومي
ومثلك ما دار في دارم ... ولا تمّ ما قلته في تميم
يهز نظامك أعطافنا ... كأن قوافيك بنت الكروم
وتحكي الرياض بأسطارها ... نسيبك فيها نسيب النسيم
وبعد فإني في وحشة ... سميري أذكاري وصبري حميم
يقبل الأرض وينهي ورود المشرّف الكريم، فوقف الملوك لوروده، وقبّل من سطره وطرسه عِذار آسِه ووجنة وروده، ومتع ناظره من جنته الناضرة بحدائق
следующие страницы →