← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

تلك السنة. وباشر في جهات، ثم إنه تعلّق بالإنشاء، وكان النظم والنثر فيه طباعاً، فتوجه الى مصر، وسعى في توقيع حمص، فتولاه من مصر، وباشره مع نيابة الأمير سيف الدين قلاوون في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، فأقام بها قليلاً، وانفصل منها، وعاد الى مباشرة الحساب، فتولى نظر نابلس، ولما توجه الأمير سيف الدين يلبغا نائب الشام الى القدس خدمه هناك، وبقي أمره على ذهنه، وحضر الى دمشق، وامتدحه وامتدح عز الدين طقطاي الدوادار، فقال يلبغا: ما تريد؟ فقال: يا خوند أكون كاتب إنشاء في دمشق بمعلومي الذي على نظر نابلس، وتوفر معلوم ناظر نابلس، فرسم له بذلك. ولم يزل يكتب بديوان الإنشاء الى آخر وقت، ثم إنه جُهز في سنة إحدى وستين وسبع مئة الى غزة موقّعاً في أيام الأمير سيف الدين أسندمر الزيني، عيّنه لذلك القاضي أمين الدين بن القلانسي كاتب السر بالشام لما عزل الشريف كمال الدين موقّع غزة، ولما كتب الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي في معنى أولاد رزق الله وعُزلوا من صفد، رُسم بأن يكون كاتب سر بصفد في سنة اثنتين وستين وسبع مئة، فأقام قليلاً، وأعيد الى غزة. فأقام على كتابة سرها والخطابة بها الى أن توفي رحمه الله تعالى في طاعون غزة في التاريخ المذكور. وكان قادراً على الهجو المقذع، وبيني وبينه مكاتبات كثيرة، وهي مُودعة في التذكرة التي لي في أماكنها، ومنها شيء في كتابي ألحان السواجع. كتب إلي وهو بدمشق قرين جبن صرخدي أهداه لي: يا شجاع الوجود في العلم والفض ... ل وشيخ الأنام في كل فن قد تجاسرت في الهدية فاسمح ... بالتغاضي واستر بحلمك جُبني

стр. 2872

فكتبت أنا الجواب إليه: حاش لله أن يُرى منك جبن ... ومعاليك قد حَوَت كل حُسن وكريم الأقوام فهو شجاع ... والبخيل الذي تردّى لجبن وكتبت إلي قرين ماء وردٍ أهداه: يا سيداً تجلو ثنايا لفظه ... لظامئ الأكباد برداً من بَرَدْ ومَنْ إذا ما لمَست يمينُه ... جمر الغضا من الندى الغمر برد كان لكم عندي فيما قد مضى ... وعدّ بماء الورد، لكن ما ورد والآن قد وافى فقابل كسره ... بالجبر لا يخجل إن جاء ورد وعش مدى الدهر صلاحاً في الورى ... تصلح من حال الأنام ما فسد في نعمة وافرة مديدة ... تكتب فيها بالبقاء من حسد يا خير روح للعلا طاهرةٍ ... كم أنعشت للمكرمات من جسد وكتب إلي، وقد نظمت قصيدة في مديح سيدنا رسول الله ﷺ : يا إماماً قد أتى العزَّ الى ... بابه ينقاد في أرسانه لو رآك المصطفى في عصره ... مثبتاً فُقتِ على حسّانه بمديحٍ فيه قد جئت به ... بعد ما جاء فتى غسّانِه إن دهراً سُدت فيه سيدي ... ناظر أنت ضِيا إنسانه عبدك الشاكر وافى سائلاً ... كيف مولانا على إحسانه وكتب إليّ ملغزاً:

стр. 2873

أيها الفاضل الذي هو في الفض ... ل إمامٌ والناس جمعاً وراء والبليغ الذي له لطف معنًى ... عجزت عن مثاله الفصحاء والإمام الذي له لطف خطّ ... لم تطق وصف نوره الشعراء ما اسم ثاوٍ في الأرض بين البرايا ... وله صاحبٌ حوته السماء وهو عارٍ ومكتسٍ ثوب حُسن ... عنده الصيف والشتاء سواء لم تحكْ ثوبَهُ يدٌ ولم تَحْ ... وِ نَظيراً لنسجه صنعاء قام بالعُرفِ آمراً وعلى العا ... دة يجري وليس فيه رياء فأبنه يا ذا الرئيس المفدّى ... لا نأتْ عن مقرك النعماء وابقَ ما غنّت الصوادح في الصب ... ح ولاح الضحى وولى المساء فكتبت أنا الجواب عن ذلك، وهو في ديك: يا فصيحاً عنت له البلغاء ... وبليغاً ونَت له الفصحاءُ والبليغ الذي إذا ما بدا البَد ... رُ لديه اعتراه منه حياء نظمك المستَلذّ في كل سمعٍ ... هو والدرّ والأغاني سواء أنت ألغزْتَ في مسمى عجيبٍ ... طائر ما حواه قطّ الهواء وهو يمشي مثل الملوك بتاجٍ ... وعلى رأسه يشالُ لواء ليس تُحصى أشخاصه وهو يُحصى ... فعجيب لما يراه القضاء وتحاشى من عِكسِهِ فهو أمر ... يتبرّا من فعله الكرماء وإذا ما صحّفته يتبدّى ... حيواناً وقد حواه المساء فابق واسْلم لكل لغز بديع ... فهو فنّ تحبه الأدباء

стр. 2874

وكتب هو إلي من غزة: ذكرتك والجوّ في حُلةٍ ... مكللةٍ بلآلي النجوم وبرق الدجى خافقٌ ومضهُ ... كقلبٍ مُعنىً عديم الهجومِ وعرفُ الصَّبا كزمان الصِّبا ... رقيق الحواشي نديّ النسيم وللبحر أفواج موج حَكَت ... تزاحُمَ خيل الكفاح العقيم ورمل الكثيب بتمويجه ... يحاكي البُرود حسان الرقوم وكأس المدام مدام الصفا ... كودّك لو كنتَ فيها نديمي فهاج لذكراك عندي هوًى ... رمى نار حرّ الأسى في صميمي وأضعف من همتي قوةً ... لفقدك تُغزى بجيش الهموم وبات حديثك لي مُؤنساً ... يعلّلني بالرحيق القديم فجادَك صوبُ سلام امرئٍ ... مقيم على ودّه المُستقيم سقيم إذا شافَ ريّاكم ... رجا بالعليل شفاء السقيم يقبّل الأرض ويُنهي ما لم يَخفَ من العلوم الكريمة من مضاعفة شوقه، ومضاعفة أسفه الذي أحاط به من تحته وفوقه، وما يجده من التألم لانقطاع مراسيم مولانا التي تفُل حدّ الغربة بغَربها، وتحجب عن الأنفس المكروبة والمحزونة كرّب كربها: وقد غضبت حتى كأني مذنب ... أروم الرضا منها ويا ليتها ترضى أنهي ذلك إن شاء الله تعالى. فكتبت أنا الجواب عن ذلك:

стр. 2875

أتاني كتابُك والجو قد ... توشّع من بارقات الغُيوم فهذا يجود بدُرّ الحيا ... وهذا يجود بدرّ العُلوم وما الدّر كالدّر بين الورى ... ولا الزّهر فيهم كزهر النجومِ ويا حُسنه وافداً قد غدا ... ينفّس عني خناق الهمومِ ويوقفني اللفظ منه على ... نديم لكلّ سرور مُديم بخطٍ ترفّع في وَضْعه ... أويْتَ الى كهفه والرقيم وولّى الوليّ لإقباله ... كما ابنُ هلالٍ غدا في النجوم وأنستْ حلاوتُه شُهدةً ... ورقّت حواشيه لابن العديم أيا عربيّ القريض افتخرْ ... فكم في معانيك من ابن رومي ومثلك ما دار في دارم ... ولا تمّ ما قلته في تميم يهز نظامك أعطافنا ... كأن قوافيك بنت الكروم وتحكي الرياض بأسطارها ... نسيبك فيها نسيب النسيم وبعد فإني في وحشة ... سميري أذكاري وصبري حميم يقبل الأرض وينهي ورود المشرّف الكريم، فوقف الملوك لوروده، وقبّل من سطره وطرسه عِذار آسِه ووجنة وروده، ومتع ناظره من جنته الناضرة بحدائق

стр. 2876

ذات بهجة، وفداه لما رآه بسواد العين وسُويداء المهجة، وتحقّق أن أبا ذر حديثه أصدق لهجة، فلم يرتب فيما ادّعاه من المحبة، وقال لا شُبهة في وداد ابن قاضي شهبة: قلبي لديك أظنّهُ ... يُملي عليك وتكتب فكتب هو الجواب عن ذلك: ساق الحمامُ الى لقائك نائحاً ... صبّ تذكّر نازحاً أوطانَه فاهتزّ قلبي باهتزاز أراكه ... طرباً، وهيّج شجوه أشجانه ودعا وقد بلّ الندى أذياله ... صُبحاً، ورصفت الصّبا أفنانه وشكا كما أشكو الحمام وإنما ... لم يُجْرِ مثلي بالبكا أجفانه لكنْ أعان على الجوى وأخو الهوى ... إن عاين العاني الكئيب أعانه ومع الإعانة أذكر العيش الذي ... ما زلت أفدي بالحياة زمانه حتى إذا حسر الصباحُ قناعه ... وجد النهار سوره وأبانه غنى وصفّق طائراً بقوادم ... تدنيه إن أنأتْ نوىً جيرانه فبكيت محزوناً، وقلت تعلُّلاً ... ليت الحمام أتم لي إحسانه يقبّل الأرض وينهي ورود الجواب الجريم عما كان تهجّم الملوك من العبودية، والأبيات التي بان بتلك المراجعة قصورها، وتضعضع بتلاوة سور تلك العوذ الصلاحية سورها وصُورها، فقابل العبد ذلك الفضل الخليلي مسلماً إليه وعليه، ووقف سيف ذهنه الكالّ عنده، فإنه ينفق مستجدياً، ومولانا ينفق مما أفاه الله وأفاض من سعة فضله عليه، يا أُلْفَ مولاي قد تجاسر العبد، ولكن والله مقتبساً من أنوار فضائلك، وتهجّم ولكن ملتبساً من مبارّ شمائلك، ومع هذا فعين الله على ميم منطقك، وحاء

стр. 2877

حمايته على راء رونقك، فإنك، فداك الأعداء، حُر غمر بالجود، ومولى بمزيّه مزيدٌ شانه الحسود، ومازال الملوك من ورود ذلك المثال العالي يتحلى بألفاظ شهدته، ويتأنّس بمعاينة الوارد عن وحيد العصر. فما يشكو ألم وحدته، يا مخدومي، من أين للقائل سواك أن يقول: وأنست حلاوته شهدةً ... ورقت حواشيه لابن العديم وأن يقول: أيا عربيّ القريض افتخر ... فكم من معانيك من ابن رومي وإنما سبحان من جعل مفاتيح كنوز الأدب بيديك، وصرّفك فيما صرفك عن قبول ما أنعم به عليك، وسؤال المملوك من الصدقات إدامة الجبر الكريم، فإن المملوك إذا رأى كتاب سيد شاهد معانيه من مثاله، وتذكر مواصلة الخيرات الحِسان بين يديه بالنشر الفائح من طي أوصاله. فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: وافى قريضك فاستمال أخال الهوى ... وثنى الى ذكرى صباه عيانه هاجت بلابلُه بلابل صبوتي ... قدْماً وذكّرني العقيق وبانَه فكأن رقم سطوره روضٌ غدت ... تثني نسيمات الحمى أغصانه أخملت منه خمائل الشعراء وال ... كتّاب لما عاينوا عنوانه أما السّراج فما لشعلة نظمه ... نور وسود في الطروس دخانه وابن النقيب عصت عصاه فلم تسق ... جُند القريض وعطّلت ميدانه

стр. 2878

وكذلك الجزار ليس لشعره ... شعرٌ وأغلق في الورى دكانه والفاضل المشهور أصبح خاملاً ... في نثره ورأى الورى نقصانه وكذلك الجزري أنبت نثره ... روضاً فلم يرض الورى بستانه وكذلك ابن الصيرفي لم ينتقد ... شيئاً، وعطل بعدها ميزانه يا من قطعتُ به زماناً بالحمى ... سُقي الحمى ورعى الإله زمانه عصرٌ متى أملى النسيم حديثه ... في الروض فتّح زهرُه آذانه سجْعُ الحمام يلذ لي لا سيّما ... إن حركت أيدي الصبا عيدانه فيجد لي ذكراك في تغريده ... وأروح ريان الحشا نشوانه يا حسرتا ليت الحمام أعاد لي ... إحسانه فأعارني طيرانه يقبّل الأرض، وينهي ورود الجواب الكريم على من ورَد، الجسيم الفضل الذي دخل باب الأعجاز وردّ، العميم الإحسان الذي يروي صدى من صدر عنه أو ورَد، فتلقاه بكلتا يديه، وضمه وشمّ أنفاسه، ووضعه على رأسه لا بل أتحف بالتاج رأسه، وفضه عن فضل نظم رأى ملائكة البلاغة حرّاسه، واستجلى من طرسه ياسمينة ومن سطره آسه، وبهت لرقم طروسه، الى أن قاس بالمسك الأذفر أنفاسه، ونظره فإذا هو قد اختبا له في اختباله، وما احتمى له احتماله، وخلط جسده بجسده، وعقل لسانه بحبلٍ من مسده، وصرفني عن معارضته بالجواب، وقال: الاعتراف بالقصور أولى وأليق بالصواب، فما أنت ومكاثرة الغمائم ومكابرة هذه السمائم ومنافحة هذه الكمائم، ومناوحة هذه الحمائم، أُدخل تحت ذيل الاعتراف وقل تبختري يا ديباجة البحتري، وفُوقي النظّارة يا نضارة المشتري، واخلبي القلوب يا أقلامه التي نفثت السحر في العُقد، وصولي على كتّاب هذا الزمان فقد نبّهت من هذا الفن ما أغفى ورقَد.

стр. 2879

والمملوك فقد اعترف، ووقف على الشاطئ ولو أمكنه لاغترف، ولكنه يدعو ببقاء هذه الفضائل، ودوام هذه التحف التي أمسى بها فنّ الأقدمين وهو متضائل، إن شاء الله تعالى. وفي التذكرة التي لي في أماكن متفرقة أشياء كثيرة مما دار بيني وبينه. محمد بن غالب بن سعيد الشيخ الإمام الزاهد الصالح البركة المحدث شمس الدين أبو عبد الله الأندلسي الجيّاني. ارتحل في طلب الحديث، وسمع من الرضي بن البرهان، وابن عبد الدائم، وطبقتهما. وجاور بمكة، الى أن توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة. ومولده بعد العشرين وست مئة. محمد بن أبي الفتح ابن أبي الفضل بن بركات، الإمام المفتي المحدث المتقن النحوي البارع شمس الدين أبو عبد الله شيخ العربية البعلبكي الحنبلي. سمع من الفقيه محمد اليونيني، وابن عبد الدائم، والعز حسن بن المُهَير، وابن أبي

стр. 2880

اليسر، ومن بعدهم. وعني بالرواية، وحصّل الأصول. وجمع وخرّج، وأتقن الفقه، وبرع في العربية، وصنف شرحاً كبيراً للجرجانية، وجوّده، وأخذ عن ابن مالك ولازمه. وحدث بدمشق وطرابلس وبعلبك، وتخرج به جماعة، وكان إماماً متواضعاً متزهداً، ريّض الأخلاق حسن الشمائل على الإطلاق، جيّد الخبرة بألفاظ الحديث، مشاركاً في رجاله أهل القديم والحديث. ولم يزل على حاله الى أن توجه الى القاهرة، وانتقل منها الى الآخرة. وتوفي رحمه الله تعالى بالمنصورية ليلة السبت ثامن عشر المحرم سنة تسع وسبع مئة، ودفن بمقبرة عبد الغني. ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة. وكان قد توجه من دمشق الى القدس، ومن هناك توجه الى الديار المصرية، فمرض أياماً يسيرة، ومات رحمه الله تعالى. محمد بن فضل الله القاضي بدر الدين الموقع، أحد الإخوة، شرف الدين عبد الوهاب ومحيي الدين بن يحيى. كان قد أسره التتار في أيام غازان، ودخل معهم البلاد، ومنّ الله عليه بالخلاص من أسرهم، ووصل الى دمشق في يوم الأربعاء ثالث عشري جمادى الآخرة سنة أربع وسبع مئة.

стр. 2881

قال شيخنا علم الدين البرزالي: وروى لنا الأربعين الثقفية عن العراقي بإجازته من السِّلفي، وسمع أيضاً من فرج الحبشي والشرف الإربلي. وكان ليّن الكلمة، لطيف الجانب، من أعيان الكُتّاب المتصرّفين. وتوفي رحمه الله تعالى في رابع جمادى الأولى سنة ست وسبع مئة. ومولده سنة أربع وثلاثين وست مئة بطبرية. محمد بن فضل الله القاضي الكبير الرئيس الشهير فخر الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية. كان عند أستاذه وجيهاً الى الغاية، ومكيناً من خاطره الى النهاية، لا يمكّن السلطان في الغالب من فعل ما يريد، ولا يدع أحداً يجتمع به من أهل السّر السريد، ومن اجتمع به بغير علمه راحت روحه، وأثخنت جروحه، فكان للناس رحمة، وبه كانت كلُ بيضاء شحمة، والناس في أمان على أموالهم وأرواحهم، وسمات القبول والإقبال تهبّ عليهم في غُدوّهم ورواحهم، نصَل عنده خضاب ابن حنّا، والوزيرُ الفائزي ما فاز مثله بما تمنى، وابن السَلعوس ما بلغ وجاهته، ولا رأى طول مدته ولا حصّل تفرّجه ونزاهته: جمال وزارة وشهاب دَسْتٍ ... وسائس دولةٍ وسعيد قال

стр. 2882

تحمّل للممالك كلَّ عبءٍ ... فقام له قدَم الكمال فأخصَبَتِ الممالك بعد جدبٍ ... وأُنشطت الممالك من عقال فإن يك آخر الوزراء عصراً ... فقد خُتمت به الرتبُ العوالي وما برح الحيا قطراً ووبلاً ... أواخرُه تنيف على الأوالي ولم يزل في نصرة مظلوم وإنالة محروم، الى أن حوّمت عليه المنية، وعَظُمت فيه الزريّة. وتوفي رحمه الله تعالى في نصف شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وكان عمره ثلاثاً وسبعين سنة. وكان قد سمع من الأبرقوهي، وانتفع به خلق كثير في الدولة الناصرية من الأمراء والنوّاب والعلماء والقضاة والفقراء والأجناد وغيرهم من أهل الشام ومصر لوجاهته عند مخدومه، وإقدامه عليه، لم يكن لأحد من الترك ولا من المتعمّمين مثل إقدامه عليه. حكى لي القاضي عماد الدين بن القيسراني أنه قال له يوم خدمة ونحن جلوس في دار العدل: يا فخر الدين تلك القضية طلعت فاشوش. فقال: ما قلت لك إنها

стр. 2883

عجوز نحس وتكذب. قال عماد الدين: يريد بذلك بنت كوكاي زوج السلطان، لأنها كانت ادّعت أنها حُبلى. وأما أنا فسمعت السلطان الملك الناصر يقول يوماً في خانقاه سرياقوس لجندي وقف بين يدي يطلب إقطاعاً: لا تطوّل، والله لو أنك ابن قلاوون ما أعطاك القاضي فخر الدين خبزاً يعمل أكثر من ثلاثة آلاف درهم. وكان قد غضب عليه في وقت عندما حضر من الكرك في المرة الثانية، وطلب القاضي قطب الدين ابن شيخ السلامية من الشام، وولاه مكانه، وأخذ منه أربع مئة ألف درهم، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فأفرج عنه، وأعيد الى نظر الجيش شريكاً لقطب الدين في جمادى الأولى من السنة المذكورة. ولما رضي بعد قليل عليه أمر بإعادتها عليه، قال: يا خوند أنا خرجت عنها لك، فابنِ بها جامعاً، فبنى بها الجامع الذي في موردة الحَلفاء. وكان في آخر عهده يباشر بلا معلوم، وأعرض عن الجميع، وترك الكُماجة الحمراء تحضر إليه من المخابز السلطانية، ويقول: أتبرّك بها. وحكي عنه أنه من يوم إسلامه تسمّى بمحمد، وأعرض عن النصارى جملة كافية، فلا يقربه نصراني ولا تحوي داره نصرانياً. وحكى لي شيخنا الحافظ فتح الدين قال: قال القاضي شرف الدين بن زنبور - وكان خال القاضي فخر الدين هذا: ابنُ أختي عمره متعبّد متألّه لأننا كنا نجتمع على

стр. 2884

الشراب في ذلك الدّين، فيتركنا وينصرف ونفتقده إذا طالت غيبته، فنجده واقفاً يصلّي، ولما ألزموه بالإسلام امتنع، وهمّ بقتل نفسه بالسيف، وتغيّب أياماً، ثم إنه أسلم وحَسُن إسلامه الى الغاية. وحجّ غير مرة، وزار القدس غير مرة، وفي بعض المرات أحرم من القدس، وتوجّه الى مكة مُحرماً من هناك، وبنى مساجد كثيرة بالديار المصرية وعمّر أحواضاً كثيرة في الطرق، وبنى بنابلس مدرسة، وبنى بالرملة بيمارستاناً، وأكثر من أفعال البر. وقال لي القاضي شهاب الدين: إنه كان حنفي المذهب. وكان إذا خدَمه الإنسان في العُمر مرة واحدة كفاه مؤونة أمره، وصحبه الى آخر الدهر، وقضى أشغاله، ونقله الى وظائف أكبر مما في يده، فكانت فيه عصبية شديدة لأصحابه. وقيل: إنه كان يتصدق في كل شهر بثلاثة ألف درهم. وكان في أول أمره كاتب المماليك الى أن توفي القاضي بهاء الدين بن الحلي، فولاه السلطان مكانه في نظر الجيوش، وكان الأمير سيف الدين أرغون النائب يكرهه كثيراً، وإذا قعد للحكم أعرض عنه، وأدار كتفه إليه، ولم يزل فخر الدين يعمل عليه الى أن توجّه الى الحجاز، فقيل: إنه أتى يوماً بذكره، وقال له: يا خُوند، ما يقتل الملوكَ إلا نوابهم، هذا بيْدَرا قتل أخاك الأشرف، ولاجين قُتل بسبب نائبه منكوتمر، فتخيّل السلطان من أرغون، ولما جاء من الحجاز جهزه الى حلب نائباً. وهو الذي حسّن

стр. 2885

للسلطان أن لا يكون له وزير بعد الجمالي، ولذلك بقيت أمور المملكة ترجع إليه، وهي متعلقة به من الجيش والأموال والعزل والولاية. وسمعت أنا من قرمان شخص كان كاتباً بصفد، أنه جاء مرة الى القدس وكتب هناك وتوجه الى قمامة، وكنتُ خلفه، وهو لا يراني، وهو يمش وينظر الى تلك الآثار والمعابد، ويقول: " ربَّنا لا اُزِغ قلوبَنا بعد إذْ هدَيْتَنا ". وعلى الجملة فكان للزمان جمال ورونق، ولما قيل للسلطان إنه مات لعنه وسبّه، وقال: له خمس عشرة سنة ما يدعني أعمل ما أريد. ومن بعده تسلّط السلطان على الناس، وصادر وعاقب وتجرأ على كل شيء. وأوصى عند موته للسلطان بأربع مئة ألف درهم، فأخذ منه ما يزيد على الألف ألف درهم. وكتب إليه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود ما أنشدنيه إجازة: في دعاء الإله في كل عام ... لك فخر تسمو به في الأنامِ وحجيج البيت المُحرَّم أنّى ... شئته من أسنى المزايا الجسام كل حول تعود عن كعبة الل ... هـ نقياً من سائر الآثامِ عارياً من ملابس الذنب قدما ... رافلاً في حُلى القبول الوشام مع ما تبتنيه ثم من الطا ... عات ما بين زمزم والمقام قد ألفْت السرى فلو رمت في اليق ... ظة مثوىً لسرت في الأحلام هويتك المشاعر الزهر تختا ... ل بها في ملابس الإحرام فهي تشتاقك اشتياقك إيّا ... ها فسيّان أنتما في الغَرامِ

стр. 2886

لك وجدٌ بالبيت والعروة الوث ... قى ولا وجَد عُروة بن حزام فجزاك الإله عن سعيك المب ... رور خيراً جمّاً عن الإسلام فلكم قد سهرت في حرَم الها ... دي ﵇ ليل التّمام في حمى لو يُسعى إليه على الرا ... س لقدّمته على الأقدام حيث تُغني عبارةُ العبرات الب ... كم في الشوق عن فصيح الكلام وتُراح الشكوى ويستمطر البرْ ... ر ويعنى العانية ويُروى الظامي وتجازى عن بذلك الرِّفدَ للوف ... د وإكرامهم جزاء الكرام وإذا عدت عنه عدت خفيف ال ... حاد إلا من الأجور العظام فلك الله حافظٌ ومثيب ... ومعين في رحلة ومقام ومجازٍ بالعز في دار دنيا ... ك وعز الأخرى بدار السلام محمد بن فضل الله بن أبي الخير ابن غالي، الوزير الكبير غياث الدين خواجا ابن الوزير رشيد الدولة الهمذاني. كان من أجمل الناس صورة، وصفاتُ الخير فيه محصورة، والمحاسن على ذاته مقصورة، لم ينَلْ أحد رتبته في الممالك القانية، ولا وصل الى محلّه من قلب مخدومه في تدبير الأمور السلطانية، وكان له عقلٌ وافر، وذهنٌ في تدبير الأمور متضافر، وفكرُ صُبح عقباه الى النجاة والنجاح سافر، داهية ذا غَور، يتطور في بلوغ مقاصده طوراً بعد طور، مع حسن إسلام وكرم يخجل منه الغمام، ويسجع بوصفه الحمام، أثّر الآثار الجميلة، وخرّب كنائس بغداد، وجعلها دِمنة، والعيون من أهلها كليلة.

стр. 2887

وهو كان السبب في صلح الإسلام مع التتار، وبه صارت سُنة باقية إن شاء الله الى يوم تُكشف فيه الأستار: هو العارض الثجّاجُ أخضل جَودُه ... وطارت حواشي برقه فتلهّبا إذا ما تلقّى في الوغى أصعق العدى ... وإن فاض في أكرومة غمر الرُبا ولم يزل على حاله الى أن توفي بوسعيد رحمه الله تعالى، فأخذ سعده، وما طال بعده أمره الى أن سكن لحدَه. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة. وكان هذا الوزير غياث الدين قد ولد في الإسلام، ولما نُكب والده وقتل سلِم هو، وقد تقدم ذكر والده في حرف الفاء مكانه، واشتغل مدّة، وصحب أهل الخير. ولما توفي الوزير علي شاه طلبه السلطان بوسعيد، وفوّض إليه الوزارة، ومكّنه وردّ الأمور إليه، وألقى إليه مقاليد الممالك، وحصل له من الارتقاء والملك ما لم يبلغه وزير غيره في هذه الأزمان، وكانت رتبته من رتبة نظام الملك. وكان جميل الصورة، وأمه تركية، وله عقل ودهاء وغَور، وكان خيراً من والده، خرّب كنائس بغداد، ورّد أمر المواريث الى مذهب أبي حنيفة، فورّث ذوي الأرحام، وكان إليه تولية نيابة الممالك وعزلهم لا يخالفه القان في ذلك. وخدم السلطان الملك الناصر محمداً صاحب مصر كثيراً، وراعى مصالحه وحقن دماء الإسلام، وقرر الصلح، ومشّى الأمور على أجمل ما يكون. ولما توفي القان بوسعيد رحمه الله تعالى نهض الوزير غياث الدين الى شابّ من

стр. 2888

بقايا النسل يقال له: أربكوون وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة، فسلطنه، وأخذ له البيعة على الأمراء واستوسق له الأمر، فخرج عليهما علي باشا خال بوسعيد وابن بَيدو فانْفلّ الجمع، وقُتل أرباكوون والوزير في التاريخ المذكور. محمد بن فضل الله بن أبي نصر ابن أبي الرضا السديد المعروف بابن كاتب المرج. قرأ النحو والأدب والأصول على نجم الدين بن الطوفي البغدادي الحنبلي بقوص، ثم قرأ التقريب على مؤلفه الشيخ العلامة أثير الدين، وتأدّب على تاج الدين أبي الفتح محمد بن الدّشناوي، والأمير مجير الدين عمر بن اللّمطي، وشرف الدين محمد النصيبي بقوص، وغيرهم. أديب كامل، ولبيبٌ لأنواع اللطف شامل، كأنما خلق من نسمات السحر، أو تكوّن من شمائل أغيد إن نطق سلب، وإن رنا سحر. حسن الصورة، عليه ملامح الجمال مقصورة، مع فصاحة لسان وسماحة بنان، وحسن كتابة، وكثرة وقوع على الإصابة، وصدق لهجة، وسير سيرة سلك فيها أوضح محجة، ونظم ما للسراج معه إضاءة، ولا للجزار به لحاق، ولو قطع أعضاءه، ولا للبوصيري ولو صار في سكّر دانه

стр. 2889

صيرا، ولا للنصير الحمّامي ولو كان ابن النقيب له نصيراً، وهيهات، هذا في علوّ ورفعة، يضيء وأين النجم ممن يحاوله. ولم يزل في بلاد الصعيد يتنقل، ويقرع هضبات الولايات ويتوقّل، الى أن فُتح سدّ المنايا على ابن السّديد، وأصبح في الصعيد من تحت الصعيد. وتوفي رحمه الله تعالى في ... وتقلب في الولايات السلطانية، وهو في كلها محمود السيرة. وتولى وكالة بيت المال بقوص، وجلس بالورّاقين بقوص. وقال الفاضل كمال الدين الأفودي: كان والده قد أعطى في سعة العطاء ما يعزّ الآن وجوده، فجازاه الله بما أسلف من خير، إسلام أبنائه أجمعين، وهداهم الى اتّباع سيد المرسلين، وانتقلوا من شريعة عيسى الى شريعة محمد المختار " وربُّك يخلقُ ما يشاءُ ويختار ". وله مشاركة في النحو والأصول والحكمة والطب وغير ذلك، وجرى على مذهب أهل الآداب في أنهم يستجلون محاسن الشباب، ويستحلّون التشبب في الشراب ووصف الحباب. انتهى. أنشدني من لفظه القاضي صدر الدين سليمان بن داود بن عبد الحق قال: أنشدني من لفظه القاضي سديد الدين ابن كاتب المسرج:

стр. 2890

تحاول عيني جهدَها أن تراكمُ ... وكيف وفيها للدموع تراكم؟ أيا جيرة الوادي ولم أدر طيبه ... أمِن شجرات فيه أم شذاكم فبالمسك مالي حاجة إن أتيتكم ... ولا لكم إن طيبُ ذكري أتاكم وما بي فقرٌ إن وقفت بأرضكم ... لأن ثرائي وقفة في ثراكم أسير إليكم والسقام مسايري ... فإما حمامي دونكم أو حماكم وإن فات تفديكم من السوء مهجتي ... وما مهجتي حتى تكون فداكم؟ هويتكم والناس طرّا فما الذي ... خُصصت به حتى ولاء هواكم وفيم يعاديني الأنام عليكمُ ... وكلهم أحبابكم لا عداكم كفاني إليكم أن مالي وسيلة ... ولو شئتم أن تحسنوا لكفاكم وكان شبابي إن غضبتم تجنّباً ... شفيعاً الى ما أرتضي من رضاكم وكنت أظن الشيب ينهى عن الهوى ... فلم ينهني عنكم، ولكن نهاكم قلت: البيت الأول مأخوذ من قول شمس الدين محمد بن العفيف: في دمع عيني تراكم ... لعلها أن تراكم وبه قال: أنشدني لنفسه: وقالوا: لم صحبت شرار قوم ... ولاموني ولومهم حماقهْ وكيف أميّز الشرير منهم ... ولم أعرفه إلا بالصداقه

стр. 2891

قلت: أبو الطيب كان أحكم بقوله: أخالط نفسَ المرء من قبل جسمه ... وأعوفها من فعله والتكلم وبه قال: أنشدني لنفسه: ولي في الهوى العذريّ عذرٌ وإنما ... عذار الذي أهواه لي فيه أعذارُ أيحسن أن أسلو وخدّاه جنة ... وقد كنت لا أسلوهما وهما نارُ قلت: وقد لهج الناس بهذا المعنى كثيراً، ومن أحسن قوله وبه قال: أنشدني لنفسه: أوصيكَ يا مُرتَحلاً ... بقَلب مَن قَد ودّعَك إن عاش أو ماتَ فلا ... تُفِض عليه أدمُعَك وارْدُدْه ليَ مُصَبّراً ... فالقلبُ والصّبرُ معَك ومن شعر ابن كاتب المَرج: إذا حملتْ طيبَ الشّذا نسمةُ الصَّبا ... فذاكَ سلامي والنّسيمُ فمِنْ رُسْلي وإن طلعت شمسُ النهار ذكرتُكم ... بصالحةٍ والشيُ يُذكرُ بالمثلِ قلت يريد: طيب الشذا: سلامَه، والنسيم نفسه رسول، فلا يُتوهّم أن الاثنين واحد، والثاني والأول مأخوذ من قول: إذا طلعت شمسُ النهار فسلّمي ... فآيةُ تَسليمي عليكِ طلوعُها

стр. 2892

وقوله: والشيء يذكر بالمثل أصلُ المَثَل: والشيخ بالشيء يُذكرُ. ولو قال: والمثلُ يُذكر بالمثل لكان أحسن. ومنه: أقولُ لجُنح الليل لا تَحكِ شعر مَن ... هويت وهذا القولُ من جهتي نُصحُ فقد رامَ ضوءُ الصّبحِ يَحكي جبينَه ... مِراراً فما حاكاهُ وافتضحَ الصّبحُ ومنه: برقٌ بَدا من دار عَلوهْ ... أو قلبُ صَبٍّ صار جذوه فيها قلوبُ العاشقي ... نَ تضرّمتْ صدّاً وجَفوه إني اجتهدتُ فصرتُ في العُش ... اقِ قُدوة كل قُدوه لو أنّ قَيساً مُدركي ... لمشى على نهجي وعُروه لا عيشَ من بعدِ الصّبا ... يَحلو سوى بجنون صَبوه بمُهَفْهَف يسبي العقو ... لَ كأنّ في جَفْنَيه قهوه أبداً قضيبُ القدّ من ... هـ يميلُ من لينٍ ونَشوه قد أسْكَرَتْ رشَفاتُه ... لكنها كالشّهدِ حُلوه ومنه: ورد الكاسَ فهي نارٌ إذا كا ... نَ ولابدّ من دخول النارِ وتحدّ الذين لم يردوها ... بضُروبٍ من معجزاتِ الكبار

стр. 2893

فاجْلُ في الليلِ من سَناها شموساً ... وأدِرْ في النّهارِ منها الدَّراري وأرِ الدّرّ مَن يغوصُ عليه ... عائماً من حبابها في النّضارِ إنما لذّةُ المُدامةِ مِلكٌ ... لكَ فاشْرَبْ وما سواها عَواري قلت: قوله: وأدِرْ في النهار منها الدّراري استعمل هذا المعنى مجير الدين بن تميم أحسن من هذا، ومن خطه نقلت: أمولاي أشكو إليكَ الخُمّار ... وما فعَلته كؤوسُ العُقار وجَور السُّقاة التي لم تزل ... تريني الكواكبَ وسطَ النهار ومن شعر ابن كاتب المَرج: لمَن أشتكي البرغوثَ يا قومِ إنه ... أراق دمي ظُلماً وأرّق أجفاني ومازال بي كالليث في وَثباته ... الى أن رَماني كالقتيل وعرّاني إذا هو آذاني صبرتُ تجلّداً ... ويخرُج عقلي حين يدخلُ آذاني قلت: ذكر أصحاب الخواص أن البرغوث إذا دخل في أذن أحد ووضع الإنسان يده على سرّته أو أصبعه في سرته وقال: سبقْتك فإن البرغوث يخرج منها. وقال علاء الدين الوداعي في البَراغيث، ومن خطّه نقلتُ: براغيثُنا فيهم جَراءَة ... فبالأسرِ والقتل لا يَرجِعونا

стр. 2894

كَثيرو الأساةِ مع أنهم ... قليلاً من الليلِ ما يَهجَعونا ونقلت من خطّه له مضمّناً: براغيث تَسري في الظّلام كأنّها ... حراميّة من بيضها يُسفكُ الدّمُ قوارضُ تأتيني فيحتقرونها ... وقد يملأ القَطرُ الإناءَ فيُفعَمُ ونقلتُ منه أيضاً له: براغيث فيها كثرة فكأنها ... علينا من الآكامِ يحتفرونها تقولون لي صِفْها فقلتُ أُعينكم ... قوارض تأتيني فيحتقرونها وما أحسن قول الصّاحب جمال الدين بن مطروح: رُبّ برغوث ليلة بتُّ منه ... وفؤادي في قبضة التسعين أمكنتْ قبضة الثّلاثين منه ... فسقتُه الحِمامَ في سبعين وقال آخر: للبراغيث صارَ جسمي مَقيلاً ... ففؤادي من شرّهم في عَذاب طفَح السُّكر والشّراب عليهم ... فتقايَوا دَمي على أثوابي ومن شعر ابن كاتب المرج: أما وطيب عشيّات وأسحارِ ... من بعدِها أفَلَتْ شمسي وأقماري بها أذكّرُ دهري كي يَجودَ بها ... فلا يَجودُ ولا يأتي بأعذار لو أن تلك من الأيّام عُدْتُ بها ... أو الليالي ولم تَحْتجْ لتِذْكارِ

стр. 2895

لله ليلاتها البيض القِصار فكم ... سطَوتُ منها على دهري ببتّار أنكرتُ إفْشاءَ سرٍّ كنتُ أكتُمُه ... فيها ولكنني أنكرتُ إنكاري يا للعجائب ليل ما هجَعْتُ به ... لنوره كيفَ تُخفى فيه أسراري إن الضنى عن جميعِ الناس ميّزني ... فكان علّة إخفائي وإظهاري فلا تقولوا إذا اسْتبطأتُم خَبَري ... أما النّسيمُ عليه سائر ساري فلو يمرُّ نسيمٌ بي لَسارَ الى ... مغناكُم بي كما يَسْري بإخباري ومن نظم ابن كاتب المَرج موشح كتب به الى كما الدين الأدفوي: لي مَربعٌ قد خلامن أهله في السَّبْسَبعمران فإنْ يكُن أمَحَلافمَدْمَعي كالسّحبهتّانُ سَرَوا فَطابَ النّسيمْ ... وكل وادٍ عاطرُ ولي فؤادٌ يَهيمْ ... بالعِشْقِ وهو شاعِرُ حكَوْ ظِباءَ الصّريمْ ... لو صِيد منهم نافرُ حذِرتُ أن لا يريمْ ... فَرامَ ما أُحاذرُ فإن سرى في بَهيمْ ... ليل فبدرٌ سافرُ وإن يَسْرِ عَجِلافالظّبي عند الهربعجلان

стр. 2896

أو حلّ وسط الفلافقومه من عَربٍغزلان يقول خلِّ انطِلاقْ ... الدّمع قَصد السُمعةِ فما لأهلِ النِّفاقْ ... ووجنةٍ كالجنّةِ فقلتُ دمعٌ يُراقْ ... هل ردُّهُ في الحيلةِ كُلِّفْتُ ما لا يُطاقْ ... في شرعةِ المحبّةِ ولا وعدتُ العناق ... وقهوة الرّيق التي من حاسديها الطّلاوحسن نظم الحَبَبِخَجْلان لا لَغوَ فيها ولايحرسُها من شَنبرضوان ليست كراحٍ يُطافْ ... بها حَراماً لا حلال تدقّ عند اختِطافْ ... عُقولَ قومٍ كالجبالِ كم أمّنتْ من يخاف ... إما بحقٍ أو مُحال وهوّنتْ من تَلافِ ... عرضٍ ودينٍ بعدَ مالِ فدَعْ كؤوسَ السُلاف ... واستَجْلِ أوصافَ الكمال فإنما يُجتلىعلى الكِرام النُجُبِإحسان مَن عنده بالغَلايُستعبَد الحرّ الأبيإيمان أثنَت عليه العِدا ... وعدّدت مآثرَه مَركز بذلِ الجدى ... ومَن سِواهُ الدائره بلا حُروف النّدا ... لبّت لَهاهُ الغامره أسلفَ كلاً يَدا ... حتى السّحابَ الهامرَه

стр. 2897

وقد مَلا بالنّدا ... كلَّ بقاع القاهره حتى رأينا المَلالفَضله والأدبقد دانوا إذ هم رعايا العُلاوجعفَر بنُ تَغلبسلطان منه يُفادُ الكلامْ ... فما يقولُ الناظمْ في العلم حَبْر إمام ... وفي السّخاءِ حاتِمْ فيا أبا الفضلِ دامْ ... لي ببقاكَ العالمْ فأنت عينُ الأنامْ ... يَقْظى وكلٌ نائم بك الجدودُ الكِرامْ ... تسرُّ حتى آدم أنت لمن قَد تَلاعلى صميم النسبعنوان يا آخِراً وأولاًكأنه في الكتبِقُرآن وغادةٌ تنجلي ... فينجلي القلب الحزينْ بها تُحلّى الحُلي ... ويُسحَر السحر المبينْ قلت لها والخلي ... لم يَدرِ ما الدّاءُ الدّفينْ بالله مَنْ ينطلي ... عليك أو تألَفينْ ابنَ علي بَعلي ... قالت نعم يا مُسلمين لولا عليَّ انطَلاتركتُ أمي وأبيمن شانو كفاية الله البلايَبيت سوى ذا الصبيفي أحضانو ومن موشحاته أيضاً:

стр. 2898

أفتِكْ بنا في السّقم ... والهمّ كل فَتكِ بخمرة كالعنْدَمِ ... أو مَرشَف بن تُركي فلونُها لونُ الدّمِ ... والريح ريحُ المِسْكِ كم صيّرت ذا ألم ... من كَدَرٍ وضَنكِ والعيش منه يَصفووالطّيش يُستخفُّوللسرور زَحْف منه الهموم تهربُولو أتَتْفي ألْفِ ومنه في الخرجة: يا مَرحباً بالغائِبِ ... إذ جاء في العِذارِ يَزري بكلِّ كاعِبِ ... تزورُ في الإزارِ فلم أكُن بخائِبِ ... عليه في انتظارِ ولم أقلْ كالعاتِبِ ... أبطأتَ في مَزاري إلا التفتْ لَخَلْفووقال يُشير بكفّووحاجبُو لردفو هذا الثقيل حقاً اعتبواعلى انقطاعوخلفي محمد بن أبي القاسم بن جميل الشيخ الإمام العالم الفاضل المفتي شمس الدين أبو عبد الله الربعي المالكي التونسي. سمع بدمشق سنة ثلاث وسبعين وست مئة وبعدها من ابن جعوان، والحارثي، وغيرهما، وحدّث، وكان من الفضلاء المشهورين. وولي القَضاء بالإسكندرية مدة.

стр. 2899

وتوفي - رحمه الله تعالى - في حادي عشري صفر سنة خمس عشرة وسبع مئة بالقاهرة. ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة. وكان فاضلاً في فنون النحو والأصول، واللغة، ودرّس وأفتى وصنّف واختصر تفسير ابن الخطيب، ودرّس بالمنكوتمرية، وناب في الحكم بالحُسينية، ولم تحمَد سيرته في الإسكندرية. قال كمال الدين الأدفوي: ذكروا عنه أنه كان يأخذ الدراهم في قضاء الحاجات ويقول: أنا أعرف كيف آخذ. وتُكلِّم فيه وصُرِف، وكان قبل القضاء يظن به الخير، وكانت دروسه فصيحة في غاية الجودة، وكان إماماً بالمدرسة الصالحية في إيوان المالكية. محمد بن أبي القاسم بن محمد ابن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد، بهاء الدين أبو الفضل ابن شيخنا علم الدين البرزالي. قال شيخنا والده: ختم القرآن العظيم في السنة الثامنة، وصلى به التراويح سنتين، وجوّد قراءته، وقرأ بالسّبع، وحفظ الشاطبية والرائية وكتاب التنبيه في الفقه والجرجانية ومختصر النووي في علوم الحديث. ولازم

стр. 2900

زكيّ الدين زكريا مدة سنتين، وقرأ الفقه عليه، ولازم كمال الدين بن قاضي شهبة مدة وقرأ عليه في النحو، وجوّد الخط مدة على الشهاب غازي، ثم بعده على النجم الكاتب. وجاد خطه ونسخ الشاطبية وقطعة من أول تفسير البغوي الى قوله تعالى: " فتقبّلَها ربُّها بقَبول حسنٍ "، وعلوم الحديث للنووي. وسمع على خلق كثير عدّتهم تسع مئة شيخ وسبع من الرِّجال والنساء. وزار بيت المقدس، وحجّ مع والده سنة عشر وسبع مئة، وسمع بالحرمَيْن، وتزوّج بعد ذلك. وتوفي - رحمه الله تعالى " ليلة السبت ثامن شهر الله المحرم سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، ودُفن بتربتهم بمقبرة الباب الشرقي. ومولده العشرون من المحرّم سنة خمس وتسعين وست مئة، عاش ثماني عشرة سنة. محمد بن قايماز بن عبد الله الشيخ الصالح المسند شمسُ الدين ابن الصّارم. شيخ مبارك قرأ القراءات السبعة على السخاوي، وسمع من ابن الزبيدي، وابن اللّتي، وابن صباح، والفخر الإربلي، وغيرهم. وتفرّد بالسّماع من ابن ماسويه المقرئ ومحمد بن نصر بن ناصر بن قوام الرصافي، وحدّث بصحيح البخاري كاملاً عن ابن الزبيدي بسنده، قال شيخنا البرزالي: قرأته عليه. توفي - رحمه الله تعالى - في سابع عشري ذي الحجة في أوائل سنة اثنتين وسبع مئة.

стр. 2901

ومولده سنة عشرين وست مئة بدمشق. وكان أبوه طحاناً بدمشق. محمد بن قطلوبك بن قراسُنقر الأمير الكبير بدر الدين ابن الأمير الكبير سيف الدين المعروف بابن الجاشنكير. كان شاباً ظريفاً لطيفاً، تأمّر بعد والده وتقرّب بالخدمة الى الأمير سيف الدين تنكز، فولاه ولاية البر في ثامن عشر شوال سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ولبس تشريفة، وباشر الوظيفة وكان عنده مكرَّماً معظّماً. ثم إنه في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا حصّل تقدمة، وتوجّه الى باب السلطان وكاتب بجملة، وسعى في الحجوبية، فرسم له بها، وكان في نفسه منها أمر عظيم، وحضر الى دمشق مريضاً. توفي - رحمه الله تعالى - يوم الأضحى سنة إحدى وأربعين وسبع مئة ولم يُباشر الوظيفة، ولعله كان لم يصل الى الأربعين، وأظنه تولى نيابة جعبر في أيام الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى. محمد بن قلاوون السلطان الأعظم الملك الناصر ناصر الدين ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين الصالحي. من أعظم ملوك الأتراك، ومَن دانت له الأقدار ودارت بسعوده الأفلاك،

стр. 2902

لم يرَ الناس مثل أيامه، ولا أسعد من حركاته، في رحيله ومُقامه، تجرّع في مبادئ أمره كؤوس الصّبر، وتجلّد الى أن وارى أعاديه القبر. ولي الملك ثلاث مرات، وخرج الى الكرك وعاد الى مصر كرّات، وفي الثالثة صفا له الوقت، واختصّ بالمِقة من رعاياه كما اختصّ عِداه بالمقْت، فحصد من كان حسده، وأراح قلبه وجسده، وخلت له الأرض من المُعارض، وأكلتهم القوارع والقوارض، وضمّن بعضهم لُحودَ السجون، ووقعوا في سطواته في الحدّ وكانوا يظنون أنه مجنون، ولما استوسق له الملك وفاز أولياؤه بالنجاة، وحاز أعداؤه الهلك، صفت له الأيام من الكدر وسابق السَّعد مرادَه وبَدرْ، وضاق بعدوه السهل والجبل، وحلّ به من الخذلان ما لم يكن له به قِبَل: وقد سار في مَسراه قبل رسوله ... فما سار إلا فوقَ هامٍ مفلّقِ ولما دنا أخفى عليه مكانهُ ... شُعاعُ الحديدِ البارِقِ المتألّق وأقبل يمشي في البِساط فما دَرى ... الى البحر يمشي أم الى البدر يرتقي واقتصّ بما اغتصّ، وانفرد بالملك فيما اختلّ عليه فما اختص، وقالت السعود المخبوءة: خُذ، وقالت الأقدار: تحصّن بألطاف الله وعُذْ. ودانت له ملوك الأرض، وأصبح كلٌ من مهابته يرمق العيش على برْض. وهادنه الفرنج والتتار، وساطَه حتى زنج الليل وروم النهار، وأصبح سيفه: على عاتق الملك الأغرّ نِجادُهُ ... وفي يد جبّار السمواتِ قائمُهْ تقبّل أفواه الملوكِ بساطَه ... ويكبُرُ عنها كمّه وبراجمه

стр. 2903

تحولُ رماح الخطّ دون محلّه ... وتُسبى له من كل حيٍّ كرائمه له عَسكرا خيل وطير إذا رمى ... بها عسكراً لم يبق إلا جماجمه تحاربه الأعداء وهي عبادهُ ... وتدّخر الأموال وهي غنائمه ويستكبرون الدّهر والدهرُ دونه ... ويستعظمون الموتَ والموتُ خادمه وأصبح النيل على إثر النيل، والخصب يسير على إثر الخصبْ ويسيل، ورُخاء الرخاءِ تهبُّ نسيماً، ووجه الأمن قد أسفر وسيماً، ومحيا الدَّعة والسكون عليه من الإقبال طلاوة وسيما، والغنى أصبح للناس غناءً، ولكن زيد ياء وميماً، والإنعامات تُفاض فتخجل البحار الزّخّارة، وبدرها إذا فُضَّت استحيا منها البدر، ولم يخرج عن الدارة، أغرق خواصّه بالجوائز وعمهم بالهبات التي يتحدث بشأنها على المغازل الأبكار والعجائز. لم نسمع لملك بمثل عطاياه، ولا لجواد غيره بما وهب حتى أثقل جياده وكلّت مطاياه: تمشي خزائنهُ من جودِ راحته ... بَيداءَ لا ذهبٌ فيها ولا ورقُ وتحسبُ الوفْزَ غيماً والعُلا أفُقاً ... إذا انجلى الغيمُ أبدى حُليهُ الأفُقُ ولم يزل في سعادة ملكه وريحُ السعود تجري بها مواخر فُلكه، الى أن هلك عنه سلطانه، وما أغنى عنه أنصاره ولا أعوانه.

стр. 2904

وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ومولده في صفر أو في ربيع الأول سنة أربع وثمانين وست مئة. كان والده المنصور إذ ذاك على المرقب محاصراً، ودفن ليلة الخميس بالمنصورية. تولى دفنه بعد عشاء الآخرة الأمير علم الدين الجاولي، وكان لما قتل أخوه الأشرف خليل في عاشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وست مئة وقُتِل من قُتل من قاتليه وقّع الاتفاق بعد قتلة بَيدرا على أن يكون الملك الناصر محمد أخو الأشرف هو السلطان، وأن يكون زين الدين كتبغا نائباً، وعلم الدين الشجاعي وزيره استادار، واستقر ذلك ووصل الى دمشق الأمير سيف الدين ساطلمش والأمير سيف الدين بهادر التتري على البريد في رابع عشري المحرم ومعهما كتابٌ عن الأشرف أننا قد استنبْنا أخانا الملك الناصر محمداً وجعلناه وليَّ عهدنا، حتى إذا توجّهنا للقاء العدو يكون لنا من يخلفنا، فحلف الناس على ذلك وخطب الخطيب به، ودعا للأشرف ثم لولي عهده الناصر، وكان ذلك تدبير الشجاعي. وفي ثاني يوم ورد مرسوم بالحَوطة على موجود بيدَرا ولاجين وقراسنقر وطُرُنطاي الساقي وسنقرشاه وبهادر رأس نوبه، وظهر الخبر بقتل الأشرف واتفاق الكلمة على أخيه الناصر محمد، واستقلّ كتبغا نائباً والشجاعي مدبّر الدولة، وقبض على جماعة من الذين اتفقوا على قتل الأشرف وهم الأمير سيف الدين نوغاي، وسيف الدين الناق، وألطنبغا الجمدار، وآقسنقر مملوك لاجين، وطرنطاي الساقي، وآروس، وذلك في خامس صفر.

стр. 2905

فأمر السلطان الناصر بقطع أيديهم وتسميرهم أجمع، وطِيفَ بهم مع رأس بيدَرا ثم ماتوا. ولما كان في عشري صفر بلغ كتبعا أن الشجاعي قد عاملَ جماعة في الباطن على قتله، ولما كان في خامس عشري صفر ركب كتبغا في سوق الخيل وقتل في سوق الخيل أمير يقال له البندقداري لأنه جاء الى كتبغا وقال له: أين حسام الدين لاجين أحضِرْه؟ فقال ما هو عندي، فقال: بل هو عندك، ومدّ يده الى سيفه ليسلّه فضربه الأزرق مملوك كتبغا بالسيف حلّ كتفه، ونزل مماليك كتبغا فأنزلوه وذبحوه، ومال العسكر من الأمراء والمُقدّمين والتتار والأكراد الى كتبغا ومال البرجية وبعض الخاصكية الى الشجاعي، لأنه أنفق فيهم في يوم ثمانين ألف دينار، وقرر أن كلَّ من أحضر رأس أمير فإقطاعه له، وحاصر كتبغا القلعة وقطع عنها الماء، فنزل البرجية ثاني يوم من القلعة الى كتبغا على حميّة وقاتلوه وهزموه الى بئر البيضاء، فركب الأمير بدر الدين بيسَري والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح وبقية العسكر نصرةً لكتبغا وردّوهم وكسروهم الى أن أدخلوهم القلعة، وجدّوا في حِصارها، فطلعت الستّ والدة السلطان الملك الناصر الى أعلى السور وقالت: إيش المراد؟ قالوا: ما لنا غرض غير الشجاعي، فاتّفقت مع الأمير حسام الدين لاجين الأستادار وأغلقوا باب القلّة، وبقي الشجاعي محصوراً في داره. وتسرّب الأمراء

стр. 2906

الذين معه واحداً بعد واحد ونزلوا الى كتبغا، فطلب الشجاعي الأمان، فطلبوه الى الستّ والى لاجين استادار ليستشيروه فيما يفعلونه، فلما توجّه إليهم ضربه الآقوش المنصوري بالسيف قطع يده، ثم ضربه أخرى بَرى رأسه، ونزلوا برأسه الى كتبغا، وجرتْ أمور، وغلِّقت أبواب القاهرة خمسة أيام. ثم طلع كتبغا الى القلعة سابع عشري صفر ودُقَّت البشائر وفُتحت الأبواب وجُدِّدت الأيمان والعهود للسلطان الملك الناصر، وأُمسك جماعة من البرجية كانوا مع الشجاعي، وجاءت الحَوطة الى دمشق على ما يتعلّق به، وخطب الخطيب في يوم الجمعة حادي عشري شهر ربيع الأول للسلطان الملك الناصر استقلالاً، وترحّم على والده المنصور وأخيه الأشرف. وفي عشري شهر رجب ورد البريد بالحَلْفِ للناصر وولي عهد كتبغا. وفي سلخ رجب ورد البريد أن السلطان ركب في شعار الملك وأبّهة السلطنة وشقّ القاهرة، دخل من باب النصر وخرج من باب زويلة عائداً الى القلعة، والأمراء وكتبغا يمشون في ركابه، وفرح الناس بذلك ودُقّت البشائر. ولم يزل مستمراً في الملك الى حادي عشر المُحرّم سنة أربع وتسعين وست مئة، فتسلطن كتبغا وتسمّى بالعادل، وحلف له الأمراء بمصر والشام، ودُقت البشائر وزُينت البلاد، وجعل أتابكه الأمير حسام الدين لاجين، وتولى الوزارة الصاحب فخر الدين ابن الخليلي، وصرف تاج الدين بن حنّا، وحصل الغلاء الزائد المُفرط في أيامه حتى بلغ الإردب بمصر الى مئة وعشرين، ورطل اللحم بالدمشقي الى سبعة دراهم، ورطل اللبن بدرهمين، والبيض ستاً بدرهم، ورطل الزيت بثمانية،

стр. 2907

ولم يكن الشام مرخصاً، وتوقفت الأمطار، وفزع الناس، وذلك في سنة خمس وتسعين وست مئة. وتبع ذلك وباء عظيم، وفناء كثير، ثم إن الغلاء وقع بالشام وبلغت الغَرارة مئة وثمانين. وقد كتبغا بالعساكر الى الشام في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، ولما عاد الى مصر من نوبة حمص في سلخ المحرّم سنة ست وتسعين وست مئة ووصل الى اللّجون جرى له ما جرى مما تقدّم ذكره في ترجمة كتبغا، وهرب كتبغا الى دمشق، ودخل لاجين بالخزائن وتسلطن بالقاهرة وتسمّى بالمنصور، ولم يختلف عليه اثنان، كما تقدم في ترجمة لاجين. واستناب قراسنقر بمصر مدة، ثم إنه قبض عليه واستناب منكوتمر مملوكه، على ما تقدم، وجعل قبجق نائب دمشق، وجهز الملك الناصر الى الكرك، وقال: لو علمت أنهم يخلون الملك لك والله تركته، ولكنهم ما يخلونه، وأنا مملوكك ومملوك والدك، أحفظ لك الملك، فأنت تروح الى الكرك الى أن تترعرع وترتجل وتتخرّج وتدرب الأمور وتعود الى ملكك، بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة، فقال له السلطان: فاحلف لي إنك تبقي عليّ نفسي وأنا أروح، فحلف كلٌ منهما على ذلك، وتوجه السلطان وأقام بالكرك الى أن قُتل لاجين، على ما تقدم في ترجمته، في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مئة، فحلف للسلطان الملك الناصر جميع الأمراء وأحضروه من الكرك وملّكوه. وهذه سلطنته الثانية. وجعل سلاّر نائباً بمصر، وحسام الدين أستادار أتابكاً.

стр. 2908

وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة ركب السلطان بأبّهة الملك وشعار السلطنة والتقليد الحاكمي أمامه، وعمره يومئذ خمس عشرة، ورُتِّب الأفرم نائباً بدمشق. وفي عَود السلطنة الى الملك الناصر قال علاء الدين الوداعي، ومن خطّه نقلت: الملكُ الناصرُ قد أقبلتْ ... دولته مشرقةَ الشمسِ عاد الى كرسيّه مثلما ... عاد سليمانُ الى الكرسي ولم يزل بمصر الى أن حضر غازان الى الشام، فخرج بالعساكر في أوائل سنة تسع وتسعين وست مئة، ودخل دمشق في ثامن شهر ربيع الأول بعدما طوّل الإقامة على غزة، وأقام في قلعة دمشق تسعة أيام، وعدّى التتار الفرات، فخرج السلطان وساق الى حمص، وركب بكرة الأربعاء سابع عشري الشهر المذكور، وساق الى وادي الخزندار، وكانت الوقعة، والتحم الحرب، واستحرّ القتل، ولاحت أمارات النصر للمسلمين، وثبتوا الى العصر، وثبت السلطان والخاصكية ثباتاً كلياً، فانكسرت ميمنة المسلمين، وجاءهم ما لا قبل لهم به، لأن الجيش لم يكن بكامل يومئذ، وكان جيش الإسلام بضعة وعشرين ألفاً، وكان جيشُ التتار يقارب المئة ألف، فيما قيل، وشرع المسلمون في الهزيمة، وأخذ الأمراء السلطان وتحيّزوا به، وحموا ظهورهم وساروا على درب بعلبك والبقاع، وبعض العسكر المكسور دخل الى دمشق، واستشهد جماعة من الأمراء، وخُطبَ بدمشق للملك المظفر غازان محمود، ورفع في ألقابه، وتولى قبجق النيابة عن التتار، وملك غازان دمشق خلا القلعة فإن قبجق في الباطن لاحظ أميرَها مع أرجواش وأبان أرجواش عن همة عظيمة في حفظها، على ما تقدّم

стр. 2909

ترجمته، وجبى التتار الأموال من الدماشقة، وقيل: إن الذي حُمل الى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف ألف وست مئة ألف درهم، والذي أطلقه لمقدّمي المغل نحو آلات على الناس بوصولات وأخذوا أكثر مما كُتب لهم فهو أكثر من ذلك. وأخذ شيخ الشيوخ لنفسه مبلغ ست مئة ألف درهم. وأخذ قبجق أكثر م نذلك، وأخذ يحيى وإسماعيل أكثر من ذلك، وعزم الناس أكثر من ذلك، وجبوا على الرؤوس أكثر من ذلك، وجبوا على البيوت أكثر من ذلك، وجبوا على الأوقاف أكثر من ذلك، وأخذوا جميع ما وجدوه من الخيل والبغال والجمال والدواب. وأحرقوا جامع التوبة بالعقيبة، وجميع ما حول البلد وخيار منتزهاتها، وأجود عماراتها مثل الدهشة، وصُفّة أبقراط، العافية، وناصرية الجبل، وبيمارستان الصالحية، وترب كثيرة، وغالب الجواسق التي بالبساتين، وغالب ما حول القلعة. وأما شبابيك الصالحية وما قدروا عليه من الرخام فإنهم أخذوه وأفسدوه. وقتلوا من أهل الصالحية أربعة آلاف نفس، وأسروا ما شاء الله. وأما الذي قتلوه من الضياع البرّانية وأسروه فشيء لا يعلمه إلا الله تعالى. وكانوا إذا قرروا على الإنسان عشرة آلاف درهم ينوبه ترسيم للمُغل ألفان. ولم يزل وجيه الدين ابن المنجّا يجبي من الناس الى أن كمّل المبلغ وحمله الى غازان، وجُملته ما تقدّم ذكره.

стр. 2910

وأقام غازان بالغوطة نازلاً الى ثاني عشر جمادى الأولى، ورحل طالباً بلادَه وخلّف نائبه خطلو شاه بالقصير في فرقة من المُغل. وفي شهر رجب جمع قبجق الأعيان والقضاة الى داره وحلّفهم للدولة الغازانية بالنُّصح وعدم المداجاة، ثم إن قبجق توجه هو والصاحب عز الدين ابن القلانسي الى مصر في نصف رجب، وقام بحفظ المدينة وأمر الناس أرجواش. وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة للسلطان الملك الناصر، وكان مدة إبطال ذلك مئة يوم. وأما السلطان الملك الناصر فإنه دخل الى مصر بعد الكسرة وتلاحق به الجيش، وأنفق في العساكر، واشتُريت الخيلُ وآلات السلاح بالأثمان الغالية. وفي يوم عاشر شعبان قدِم الأفرم نائب دمشق بعسكر دمشق، وقدم أمير سلاح بالميسرة المصرية، ثم دخلت الميمنة، ثم دخل القلب وفيه سلاّر بالجيوش الى القاهرة، وكثرت الأراجيف بمجيء التتار، وانجفل الناس الى مصر والى الحصون، وبلغ أجرة المحارة الى مصر خمس مئة درهم، ثم فترت أخبار التتار في شهر ربيع الأول سنة سبع مئة. ثم دخل التتار الى حلب وشرع الناس في قراءة البخاري، وقال الوداعي في ذلك، ومن خطّة نقلت: بعثنا على جيش العدو كتائباً ... بُخاريةً فيها النبيّ مُقدّمُ فرُدوا الى الأُردو وبغيظٍ وخيبةٍ ... وأُردُوا وجيشُ المسلمين مسلّمُ فقولوا لهم: عودوا نَعُدْ، ووراءكم ... إذا ما أتيتُم أو أبيتُم جهنّمُ ووصل السلطان الى العريش ووصل التتار الى حلب.
следующие страницы →