Полный текст (3 514 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
كان ديّناً خيّراً، وذا بصر بالصلاح لا يزال نيّراً، وحدّث مدة، وسمع منه عدّه، وأضرّ دهراً، وبقي إلى أن وقع من مكان جَهْراً، فانقدحت بذلك عيناه وأبصر، وغنم النظر من الحياة واستقصر.
ولم يزل إلى أن تكدّر لصفي الدين زمانه، وأتاه من الموت حَدَثانه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن إبراهيم
الشيخ الإمام الفقيه المقرئ المراغي الرومي الحنفي، إمام الحنفية، بجامع دمشق، ومدرس المدرسة العتيقة، وشيخ الخانقاه الخاتونية ظاهر دمشق وغير ذلك.
كان ذا نغمةٍ يقف لها، ويتلبّث بها البرق المتسرع في السير، من يسمعه لا يعود يُعرّج على نغمات العود، ويظنّ أنه أوتي مزماراً من مزامير داود، إذا أمّ في محرابٍ صلّت وراءه سوابق الألحان وسلم إليه الفضل ابن سُريج وقال: ما أنا من خيل هذا الميدان. كان يَؤم بالأفرم، فكان يدنيه ويقربه ويكرمه كأنه والده، يرشّحه لكل خير ويدرّبه، وكان قد عمّر زاوية على الشرف الأعلى يأوي إليها الناس ويقضي المحتشمون فيها بعد صلاة الجمعة أوقات أنس وسماع، لم يخلفها الزمان، وكان ذا مروءة وحميّة وقيام مع الضعيف وعصبيّة، ونفع أناساً كثيرين بجاهة عند الأفرم، وقُربه منه الذي كان لأجله يُبجّل ويُكرَم.
стр. 282
ولم يزل على حاله إلى أن بطلت ألحانه وعطَل من الأنس حانهُ.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع عشرة وسبع مئة في شهر ربيع الأول.
وكان قد نزل عن وظائفه لولديه عماد الدين وشرف الدين إلاّ أن تلك السوق الأمرفيّة ذهبت، وأفلَت نجوم سعودها وغَربت، ودفن في مقابر الصوفيّة.
أحمد بن محمد بن أحمد
الشيخ الإمام العالم الرئيس كمال الدين أبو العباس البكري الشافعي، وكيل بيت المال بدمشق، وشيخ دار الحديث الأشرفية، ومدرّس الناصرية.
سمع جزء ابن عرفة على النجيب، وحدّث به مرات، وسمع من جماعة من أصحاب ابن طَبَرْزَد وغيرهم بالقاهرة والقدس، وقرأ بنفسه الكتب البكار، وطلب مدة، ورحل إلى الديار المصرية والإسكندرية، وناب عن القاضي بدر الدين بن جماعة مدة، وترك النيابة بالشامية ودرّس بالشامية البَرّانية والناصرية، وولي وكالة بيت المال أكثر من اثنتي عشرة سنة، وولي دار الحديث الأشرفية ومشيخة تربة أم الصالح، وولي الرباط الناصري، وحج سنة ثلاث وسبع مئة.
كان حَسَنَ الشكل مهيباً، غزير الفضل لا يرى له فيه ضريباً، من بين علمٍ
стр. 283
وكرم وحلم، لاقَ بقلب الأفرم، وكان لا يرى أنه في مُدّة معرفته خَرَجَ ولا أخْرم، هذا مع تشدّدٍ في دينه ومهابة كأنما استعارها من الليث في عرينه، أشعريّ الاعتقاد، جوهريّ الفَحص عن أمور مباشرته والانتقاد، وشعره عند الشعرى، صرّ منه دُرّاً، وغيره صرّ بَعْرا.
لم يزل على حاله إلى أن نقص كماله، وفارقه أهله وولده وماله، وتوفي رحمه الله تعالى بالكرك، وقيل: بمنزلة الحسا سنة ثماني عشرة وسبع مئة لأنه كان قد توجه إلى الحجاز.
ومولده بسنجار سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
ومن شعره ما اشتهر عنه أن كتب به إلى بدر الدين بن الدقاق، وقال لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله: إنما بدر الدين بن العطّار:
مولاي بدر الدين صِلْ مُدنَفاً ... صيّره حُبُّك مثل الخِلال
لا تخشَ من عيبٍ إذا زرته ... فما يُعاب البدرُ عند الكمالِ
فلما بلغ صَدر الدين بن الوكيل ذلك قال:
يا بدرُ لا تسمع كلام الكمال ... فكلّ ما نمّق وزرٌ محالُ
فالنقض يَعزو البدرَ في تمّه ... وربما يُخسَف عند الكمال
وكتب الشيخ كمال الدين إلى ابن الرقاقي ناظر النظار بدمشق يستعفيه من بيت المال وقد بلغه أنه سعى له فيها:
стр. 284
إلى بابك الميمون وجهت آمالي ... وفي فضلك المعهود قَصْدي وإقبالي
وأنت الذي في الشام ما زال محسِناً ... إليّ وفي مصرٍ على كل أحوالي
أتتني أيادٍ منك في طيّ بعضها ... تملّك رقّ الحُرّ بالثمن الغالي
وقمت بحق المكرُمات وإنما ... هو الرزق لا يأتي بحيلة محتال
عليّ لكم أن أعْمُر العُمُر بالثنا ... وبالمدح مهما عشتُ من غير إخلال
وأُهدي إليكم ما حييت مدائحاً ... يغنّي بها الحادي ويصبو بها السالي
وقد بقيتْ لي بعد ذلك حاجةٌ ... لها أنت مسؤول فلا تلغِ تَسْآلي
أرِحْني من واو الوكالة عاطفاً ... عليَّ بإحسانٍ بدأتَ وإفضالي
وصُنْ ماء وجهي عن مشاققة الورى ... فهذا على أرض وهذا على مالِ
ولا تتأوّلْ في سؤالي تركها ... فوالله ما لي نحوها وَجْهَ إقبال
ورزقي يأتيني وإني لقانعٌ ... لراحة قلبي من زماني بإقلالي
وحاليَ حالٍ بافتقارٍ يصونني ... ولبسي أسمالي مع العزّ أسمى لي
وتجبرُ وقتي كسرةُ الخبز وحدها ... وأرضى ببالي الثوب مع راحة البالِ
فهذي إليكم قصّتي قد رفعتُها ... لتغتنموا أجري ورأيُكم العالي
فقطّع الأبيات كلها من الورقة وأبقى البيت الأخير وكتب تحته: رأيُنا العالي أن تعود إلى شغلك وعملك.
وقال في القاضي حسام الدين لما عزل:
يا أحمد الرازي قم صاغراً ... عُزِلْتَ عن أحكامك المسرفة
ما فيك إلا الوزن والوزن وما ... يمنعك الصرف بلا معرفة
стр. 285
أحمد بن محمد بن أحمد
ابن عمر بن يوسف بن عبد المنعم الأنصاري البخاري القنائي، محيي الدين بن كمال الدين بن ضياء الدين القرطبي.
كان شيخاً ثَبتاً، يلزم عدالة وصمتاً، وله في بلده رياسة ظاهرة وأخلاق طاهرة.
سمع الحديث عن شرف الدين محمد بن عبد الله المرسي وغيره، وحدّث بقوص.
ولم يزل على حاله إلى أن غَمزت قناة القنائي يد الموت، وقام بنعيه إلى أصحابه الصوت، وتوفي رحمه الله تعالى ببلده قنا سنة تسع وسبع مئة.
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد
علاء الدين البيابانكي - بباء موحّدة، وياء آخر الحروا، وألف وباء موحدة، وبعدها ألف ونون وكاف - العلاّمة ركن الدين السمناني.
تفقّه وشارك في الفضائل، وبرع في العلم وأجوبة المسائل.
سمع من عز الدين الفاروثي، والرشيد بن أبي القاسم، ولبس منه عن السهروردي.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: أخذ عنه شيخنا صدر الدين إبراهيم بن حَمُّويَه، ونور الدين وطائفة.
وروى عنه سراج الدين القزويني المحدّث، وإمام علي بن مبارك
стр. 286
البكري، وحدّث بصحيح مسلم وشرح السُّنة للبغوي وبعدّة كتب ألفها وهي كثيرة، قال البكري: لعلها ابلغ ثلاث مئة مصنف، منها كتاب الفلاح ثلاث مجلدات ومصابيح الجنان ومدارج المعارج.
كان من بيت وزارة، وعلى وجهه من النسك والورع إنارة، مليح الشكل خاشعاً، ساكن الشر وادعاً، كثير التلاوة، ظاهر الطلاوة، يحط على ابن عربي ويكفره، وعلى من تابعه، ويعفره، ويحط على مصنفاته وينبه على محرفاته.
وكان كثير البر والإيثار، هامي الجود على ذوي الإعسار، يدخله من أملاكه نحو تسعين ألف درهم ينفقها في وجوه البر ويتصدق بها إما في الجهر وإما في السر.
زاره القان أبو سعيد واعتد بذلك أنه يوم عيد، وبنى خانقاه للصوفية، ووقف عليها وقوفاً مختلفة، وكان قد داخل التتار أولاً، واتصل بالقان أرغونبن أبغا، ونال من دنياه ما أمل وبغا، ثم إنه أقبل وأناب، ورجع وبات، ومرض بتبريز زماناً طويلاً، وامتد مرضه إلى أن كاد يأخذه أخذاً وبيلاً، ولما عوفي تعبد وتأله واختلى بعدما تجرد، وقدم بغداد، وصحت الشيخ عبد الرحمن وحج ثلاث مرات، ورد إلى الوطن، وخرج عن بعض ماله لنفقة المبرات، تردد كثيراً إلى بغداد.
ولم يزل إلى أن دنا من قبره وتدلى، وأعرض عن هذا العرض الفاني وولى، وكانت وفاته ليلة الجمعة بعد أن أوتر في شهر رجب الفرد سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بقربة بيابانك.
стр. 287
أحمد بن محمد بن أحمد شهاب الدين الفار الشطرنجي، ويعرف بالجُرَّافة.
كان المذكور صغير الحبة لطيفها، كبير النفس شريفها، عليه من لقبه إشارة لا يكاد يخطئ شكل الفارة، وكان في أكله آفة، فلذلك لقب بالجرّافة.
وكان في الشطرنج عالية، والناس في عشرته متغالية، اجتمعت به غير مرة، ولقيت بمحادثه كلّ مسرّة، وكان يحفظ من المواليا شيئاً كثيراً إلى الغاية، وينظم هو أيضاً ما هو في بابه نهاية، آخر عهدي به سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، ثم توجّهت إلى الديار المصرية سنة مس وأربعين وسبع مئة، ولم أره ولا سمعت خبره، والظاهر أن الفارَ وثب عليه من الموت سنَّوْرُه، وجاء من خمر المنيّة دَوْرُه.
وكان يوماً قد اقترح عليّ نظم بيتين مواليا يكون أول نصف كل بيت قلب القافية التي قبله، وكان في المجلس أكابر ورؤساء من أهل الأقلام والمحابر، وقال: إن هذا لا يقدر على نظمه ولا يعرف ناظم الوقوف على رسمه، فقلت له: إلى أن تفرغ من دستك هذا تسمع وتطمح بطَرفك إلى ما لا تطمع، وكان الأمر كما ذكرت، ولَطَفَ الله بما أشرتُ، وقلت والقافية على ما أراده:
عَمه عذولي علي قلبي لنار ولذَع ... عَذَلَ لبَرقة بآفاق التسلي لَمَعْ
عمل على نفه قلبي لو حصل لو نفع ... عُفْنَ الحبايب وصالي كم لدمعي همعْ
وأنشدني هو من نظمه لنفسه:
стр. 288
حبّي الذي ما حوت مثلو دمن سنجار ... ولا ثبت لِقَوامُو غصن في الأشجار
لو خَدّ أحمر وخال أخضر حكى الزنجار ... يَجبْ عليّ احتمل جورو فديتو جار
وأنشدني له أيضاً:
حبّي الذي في مديحو يعجز المحار ... أخفى الكواكب بحسنو حق في الأسحار
لو لحظ تركي فديتو بابلي سحار ... وجفن فاتر فؤادي في غرامو حار
وأنشدني له أيضاً:
جواد صبري لبعد الحبّ مني خار ... وبحر دمعي جَرى في عشقتو زخّار
ظبي يخير الجواهر وهو من فخار ... قد ادّخرته لأيام الوغى ادّخار
وأنشدني له أيضاً:
وهبت للحِبّ مركوبي وهو غدّار ... غضب وولى بوجهو صرت في أكدار
ناديت يا منيتي يا عالي المقدار ... خدلك بِدالو ودر وجهك فديتو دار
وأنشدني له أيضاً:
حبّيت عطّار لحظو في المهج جَزّار ... يغلب بحسنو ملاح الترك في البازار
صادق إذا قال هو في الوعد لا نزّار ... قصدي رضا انقطه عني الرجا أوزار
وأنشدني له أيضاً:
سلطان حسنو قد أرسل للمُهج أفكار ... يجرد البيض من لحظو بلا إنكار
نكّسْ بقدّو عصايب ساير الأبكار ... وطُلْبْ جيش عذارو دار بالبيكار
وأنشدني له أيضاً:
стр. 289
غنّت فأغنت عن المسموع في الأقطار ... ودقّت الدف أجرت أدمعي أمطار
وصِرتُ في حبّها لا أختشي أخطار ... لما استمع لُبّ قلبي من يديها طار
وأنشدني له أيضاً:
ترجّلوا من على نجبٍ غدت أطوار ... وحَولها من خدمها والحشم أدوار
فخلتُ تلك المعاطف في ضيا الأكوار ... قضبان فضه من انقضّت من الأكوار
وأنشدني له أيضاً:
بسالفو خِمْل ينمو مثل خضرة غار ... في ورد جُوري على قلبي بجُورو غار
رشا وفا لي على كيد العِدا في غار ... واكمد حسودي وضدي في الثرى قد غار
وأنشدني له أيضاً:
جاني بشير أتى مقبل وأطفا نار ... وبت مسرور مفلج والدجا قد نار
وارتجي إقبال ساعة نصر من خُنّار ... مختص بالحسن كم أرسلت لو دينار
وأنشدني له أيضاً:
من أُمها في القيادة أصبحت آفة ... وأختها في ربوع الحيّ وقافة
فكيف يمكن تجي في القصف خوّافه ... وستّها الأصل شامية وطوّافة
أحمد بن محمد بن الرفعة
الشيخ الإمام العلاّمة نجم الدين بن الرِّفعَةِ الشافعي.
стр. 290
شيخ المذهب، ونسيج وحده في طرازه المُذهَّب، لو عاصره المُزَنيّ لعُدَّ قَطْرةً من بحره، أو ابن سُريج لما عَلا في الذكر صهوة ظهره.
ولي حسبة مصر والوجه القبلي مُدّة، وناب في الحكم وعَزَل نفسه لِما عالجَهُ من الشدة.
وكان حَسَنَ الشكل بهيّاً فصيح الألفاظ ذكياً، كثير الإحسان إلى الطلبة، قائماً في قضاء حوائجهم بالتلطّف والغلبة، يجود لهم بعلمه، ومالِه ولا يبخل عليهم بجاهه وإضفاء ظِلاله.
شرح التنبيه في خمسة عشر مجلداً، وشرح الوسيط ولن يكمله، وهما شرحان يشهدان له بالرفعة في هذا الشأن وعلوّ الرتبة التي يسفل عن مكانها كيونا. ورأيت شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي يكثر الثناء عليه ويصفه بمعرفة فروع المذهب وإتقانها وإجرائها على قواعدها الأصلية في مكانها. ويكفيك أنه في زماننا لا يُطلق اسم الفقيه إلا عليه، ولا يشيرون بذلك في الدروس إلاّ إليه.
стр. 291
أخذ الفقه عن الظهير التَّزْمَنْتي، والضياء جعفر بن الشيخ عبد الرحيم القنائي وغيرهما.
وسمع من محيي الدين الدَّميري ودرّس بالمُعزيّة، وحدّث بشيء من تصانيفه، وله مصنف سماه النفائس في هدم الكنائس.
ولم يزل في اشتغال وتصنيف إلى أن عَطَلَ من كفه قلمه وفقد الناس ذلك الدر الذي يخرجه فمه، وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة عشر وسبع مئة، وقد شاخ.
؟
أحمد بن محمد بن سعد
ابن عبد الله بن سعد بن نفلج الشيخ الصالح الفاضل المسند عماد الدين بن الأديب العالم شمس الدين المقدسي الصالحي الجنبلي.
روى عن المجد القزويني، وابن الزبيدي، والإربلي، وابن اللَّتي، وابن المقيّر، وأجاز له الموفق وفتح الدين بن عبد السلام، ومسمار بن العويس.
стр. 292
وحدّث قبل الستين، وحجّ مرات، وحدّث بالحجاز وحماة ودمشق إلى أن ناحت به النوائح، وقامت في ناديه الصوائح.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في المحرّم.
أحمد بن محمد بن سالم
بن أبي المواهب
الحافظ الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس بن صَصْرى الرَّبَعيّ التغلبيّ الدمشقي الشافعي.
حضر على الرشيد العطار سنة تسع، والنجيب عبد اللطيف. وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وجدّه لأمه المسلم بن علان. وتفقّه على الشيخ تاج الدين.
ودخل ديوان الإنشاء في ذي الحجة سنة ثمانٍ وسبعين وست مئة هو وشهاب الدين أحمد بن غانم، ونظَمَ ونَثَر، وكتب المنسوب وبهر فيه لمّا مَهَر، وكان قلمه أسرع من رجع الطرْف، ومن الذين يعبدون الله في الشِّرعة على حَرْف.
قيل: إنه كتب خمس كراريس في يوم، وهذا أمر قلّ أن يُعهَدَ من قوم. شارك الناس في فنون، وكان عنده من المسائل عيون، له عبارة فُصحى، وحافظة لا تقبل ردّ السرد نصحاً. يحفظ أربعة دروس لمدارسه، ويلقيها من فمه ويطلع في آفاقها
стр. 293
بدور سطور كأنما يكتبها بقلمه، ولا يكاد أحد يسبقه بسلام، ولا يسمع في العفو وبالصفح عمّن يؤذيه كبير عذل أو صغير مَلام. اشتهر بذلك وعُرف، وسار ذكره بذاك واسمه أحمد وصُرف.
وله أموال ضخمة ومماليك وخدم وحشم وحشمة، وينطوي على تعبّد وديانة وعِفّة في الأحكام وأمانة، وكان بصيراً بالأحكام مسعوداً فيها، قل أنْ أتى إليه زور إلا وعرفه بديهاً، وعرفه بذلك فلم يسلك معه أحد هذه المسالك، وكان يخدم القادمين ويزورهم ويتردد إليهم وغيرهم، وهداياه في أقطار الأرض إلى أعيان الدولة ومن دونهم من أرباب الصون أو الصولة، ولذلك طالت مُدّته وعلى كنفه كِبار المذهب وأشياخه، ومحذلقوه وأشراره وفراخه، وعصره ملآن الجوانح بالأنداد والأضراب، وفي وقته من يقول: لو أنصف لرآه وهو على بابه بوّاب، ومع ذلك فلم يتكدر عليه شرب ولا تنفر له بما لا تشتهيه سِرْب، وله أصحاب وأتراب منحدون، وعشراء وخلطاء لبلاغه أخبار الناس مُتَصدّون، يواصلونه في كل يوم ولا يصدّون، ويجتمع الناس عنده في بستانه اجتماعاً عاماً، ويمد لهم خواناً قد نوّع فيه طعاماً يرون فضله تامّاً، إلى غير ذلك من أنواع الحلوى، والمأكل التي لا منَّ فيها ولا سَلْوى. يقصده الشعراء في المواسم، ويرون ثغور جوده وهي بواسم، لا يخشون مع ذلك بَوّابه ولا عَيْنه ولا حُجّابه، ويعتدّ هو أن تلك الجائزة واجبة.
стр. 294
وكان قد اشتغل بمصر على الأصبهاني في أصول الفقه، ودرّس بالعادليّة الصغرى، وبالأمينية، ثم بالغزاليّة، مع قضاء العسكر ومشيخة الشيوخ، وولي القضاء سنة اثنتين وسبع مئة، وأذن لجماعة في الإفتاء، وخرَّج له الشيخ صلاح الدين العَلائي مشيخة فأجاره عليها بجملة.
ولم يول على القضاء إلى أن نزل به القضا، وقضى نحبه، فأدّى حق العدم وقضى.
وتوفي رحمه الله تعالى فجاءة في نصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وكان مولده سنة خمس وخمسين وستمئة.
ورثاه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود وغيره.
ولشعراء زمانه فيه أمداح كثيرة. وكان العلامة شهاب الدين محمود قد كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري يهنّيه بفتح طرابلس، ويصف جراحة أصابته بقصيدة أولها:
ما الحربُ إلا الذي تَدْمى بد اللمَمُ ... والفخر إلاّ إذا زان الوجوهَ دمُ
ولا ثبات لمن لو تلقَ جبهته ... حدّ السيوف ولا تُثنّى له قدمُ
стр. 295
فكتب الجواب عن ذلك قاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى:
وافَى كتابك فيه الفضل والكرمُ ... فجَلّ قدراً وجَلّت عنديَ النعَمُ
وجاء من بحرٍ قد سَما وطَمى ... دُرُّ المعاني في الألفاظ تنتظمُ
وصفتَ حالي حتى خلتُ أنك قَدْ ... شاهدتها ولهيبُ الحَرَب تضطرم
وما جرى في سبيل الله محتسَبٌ ... فهو الذي لم يزل تسمو له الهِمَمُ
وجاءنا النصر والفتح المبين فلو ... شاهدت نورَ الظُّبى تُجلى به الظلمُ
غدا العَدُوُّ ذليلاً بعد عِزّته ... حُليُّ أجيادهم بَعْدَ العُقود دمُ
قد فرّق الجَمعَ منهم عَزْمُ طائفة ... لم يثنِ همتها يوم الوغى سَأمُ
تُرْكٌ إذا ما انتضوا عزماً لهم تركوا ... أمامهم كُلّ جمع وهو منْهَزمُ
لَمّا بقَتْل العِدى خاضت سيوفُهم ... صَلَّت فقبّلها يوم الوغى القمَمُ
حازوا الثوابَ الذي راموا وبعضُهم ... فازوا بما كسَبُوا منها وما غنُموا
وكنت مشتغلاً في يوم كسبهم ... عنه بما كَسْبُه عندي هو النِّعَمُ
فكيف يُطلَبُ مني الأرفغان وقد ... شَهِدْتَ لي ولهذا بيننا حكم
ألستَ أنت الذي قد قال مبتدئاً ... وذاك قولٌ بحكم الحق مُلتزم
هَجَمْتَه وسيوفُ الهند مُصْلَتةٌ ... وعُدْتَ والسَّبْيُ والأموال تقتسم
وكان همُّك في الأرواح تكسبُها ... وهمُّ غيرك فيها المالُ والنَّعَمُ
стр. 296
ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم العلامة شيخنا أبو الثناء، أنشدنيها إجازة وهي قصيدة عُظمى يَرْوَى بها مَنْ يظما:
أترى دَرَى داعي المنيّة مَنْ دَعا ... أم أيّ ركن للشريعة ضُعضعا
أم أيّ طودِ حجىً ترفَع في العُلا ... عصفت به ريح الصبا فتصدّعا
أم أي نجمِ هدى هوى من بعدما ... ردّ الكواكب عن مداه طُلَّعا
أم هل درى ناعيه أن الدين وال ... تقوى ونَشْر العدل أوّلُ ما نعى
أصمى فؤادَ الحكم سهمُ فجيعةٍ ... لم يبقِ في قوس النكاية منزعا
وأعاد شرح الشرع أضيع سائم ... لمّا رماه بقصد أفضل من رعى
لله أي زريّةٍ أضحى بها ... قلب الهدي حين السكون مروّعا
طرقت جناباً بالفضائل آهلاً ... فثَنَتْه مِنْ ربّ الفضائل بَلْقَعا
وردتْ مَعين ندى ففاض وقد طمى ... ورنتْ إلى نَوْء النوال فأتلعا
ما خصَّ ما طرقت به خلصاءه ... بل عمّ فادُحها البريَّة أجمعا
قاضي القضاة ومَنْ حوى رتباً سَمَتْ ... عَنْ أن تُسامَ وبزّت مَنْ سعى
شيخ الشيوخ العارفين ومَن رقا ... رتب السلوك تعبّداً وتورُّعا
يأتمّ منه السالكون بعارفٍ ... بلغ العناء به المقام الأرفعا
стр. 297
وجرت له عين اليقين ففجّرت ... في حالتيه لكلّ ظام منبعا
حاوي العلوم فما تفرّق في الورى ... إلاّ الذي منها لديه تَجَمّعا
بَهَرت خلال كماله فسيادةٌ ... لا تُرْتَقى ومكارمٌ لا تُدّعى
وخلائق كالروض دبّجه الحيا ... أُصُلاً فوشّى حُلَّتَيْه ووشّعا
تواضعٌ أمسى سناه كَنَعْته ... يَدنو وقد سكن السماء تَرَفُّعا
ورياسة مُذ كان لم نعرف لها ... إلاّ إلى رتب الكمال تَطَلُّعا
ووفور حلن إن يضق عن مذنب ... عذرٌ أقام العذر عنه ووسّعا
وكتابة يكسو السجلّ جلالها ... تاجاً يزين النيّرات مُرَصَّعا
وبلاغة لا قلب إلاّ ودّ أن ... تُمْلَى وتنشَر لو تحوَّل مسمعا
وفصاحة في القول أتقن عِلْمَها ... نظماً ونثراً حين حازهما معا
وتثبّت في حكمه ومضاؤه ... تعنو له البيض القواضب خُضَّعا
وعبارة كالنيل نِيل بَيَانها ... مع أنها أروى وأعذب مشرعا
وعبادة في الليل يجزيه بها ... في الحشر مَنْ يجزي السعودَ الركّعا
مَنْ للأيامى واليتامى فارقوا ... بالرغم ذاك الكافلَ المتبرِّعا
مَنْ للجدال تضايقت طرق الهوى ... فيه يَبين به الطريق المَهْيعا
مَنْ للقضايا العقم أصبح وجهها ... إلاّ عن الذهن السليم مبرقعا
ولَكَمْ له مِن قَبْلُ غُرُّ رسائلٍ ... أبدى بها دُرَرَ البيان فأبدعا
من كل شاردةٍ ترفّعَ قَدرْها ... أن يُرتقى وسبيلها أن يُتْبَعا
الدهر أبخلُ حين جادَ بمِثله ... مِنْ أن يُديم به الوجود ممتَّعا
فأعاد وَجْهَ الأرضِ منه مُجْدِباً ... كَلْحاً وبَطنَ الأرض منه مُمْرَعا
стр. 298
يا مَنْ يَقِلّ له البكاء ولو غدا ... ذوبَ القلوب أسىً يَمُدّ الأدمُعا
لو سالم الدهرُ امرءاً لكماله ... لغدا لنا في خُلْد مثلك مَطعما
لكنّه الدهرُ الذي ساوى الردى ... فيه الأنامَ عصيّهم والطيِّعا
فَلأبكيّنك ما حييتُ وما البكى ... في فَقْدِ مثلكَ يا خليليَ مُقْنِعا
ولألبسنّ عليك ثوبَ كآبةٍ ... مهما تمادت مُدّتي لن يُنزعا
ولأبعثنّ من الرثاء قوافياً ... محزونةً تُبكي الحَمام السُّجعا
ولأمنَعَنْ عَيْنيَّ بعدك إن جفا ... طيفُ الخيال جُفونها أن تهجعا
ويَقِلّ ذام فإنها جهد الأخ ال ... محزون أن يُبكيك أو يتفجّعا
قلت: هذا القدر منها كافٍ، وقد بقي منها خمسة وعشرون بيتاً.
أحمد بن محمد بن سلمان بن حمايل
القاضي الكاتب الأديب شهاب الدين أبو العبّاس بن غانم، هو ابن بنت الشيخ القُدوة غانم، وكان يَذكُرُ نَسبَه إلى جعفر بن أبي طالب ﵁، أملاه من فمه على الشيخ أثير الدين أبي حيّان.
سمع من ابن عبد الدائم، وقرأ على ابن مالك جمال الدين، وخرَّج له البِرزالي مشيخةً، منهم ابن أبي اليُسر وأيّوب الحمّامي، والزين خالد، وعبد الله بن يحيى البانياسي، ومحمد بن النُّشَّبي، ويحيى بن الناصح، وعرض على الشيخ
стр. 299
جمال الدين بن مالك كتابه العُمْد، وبعده على ولده بدر الدين. وقرأ الأدب على مجد الدين بن الظهير.
وفارق أباه وهو صغير وتوجّه إلى السماوة، ونزل على الأمير حسين من خفاجة، وأقام عنده مدّة يصلّي بقي شيء من العلوم، وكان الوقت قريب العهد بخراب بغداد، وتشتَّت أهل بغداد في البلاد، فظُنَّ به أنه ابن المُستعصم الخليفة ببغداد، واشتهر ذلك عنه، واتّصل خبره بالظاهر بيبرس، فلم يزل في اجتهاد إلى أن أقدمه عليه لِما أهمّه من أمره، فلمّا بين يَدَيه قال له: ابن مَنْ أنت؟ فوفّق ذلك الوقت لمصلحته وقال: ابن شمس الدين بن غانم، فطلب والده من دمشق إلى القاهرة، وحضرا بين يديّ الظاهر فاعترف والده به، فقال له: خذه، فأخذه وتوجّه به إلى دمشق.
وكان قد كتب الإنشاء بدمشق وبمصر وبصفد وبغزة وبقلعة الروم، ثم توجّه إلى اليمن، وخرج منه هارباً، وقاسى شدائد من العُرْبان وتخطّفهم له حتى وصل إلى مكة، وكان سبب خروجه إلى اليمن أنه كان يكتب الدُّرْجَ بين يدي الصاحب شمس الدين غبْريال فاتّفق أنْ هربَ مملوكٌ للأمير شهاب الدين قرطاي نائب طرابلس، فكتب بسببه إلى الصاحب، فوَقَعَ عليه، فظفر به وجهّزه إلى مخدومه،
стр. 300
وقال لشهاب الدين: اكتب على يده كتاباً إلى مخدومه واشفع فيه، فكتب شهاب الدين الكتاب وتأنّق فيه، وجاء من جملة ذلك: وإذا خَشُن المقرّ حَسُن المفرّ، وتوهّم شهاب الدين أن ذلك يُعجب الصاحب، فلمّا وقف عليها أنكرها دون ما في الكتاب، وقال: يا شهاب الدين غيِّر هذه فإنها وحشة، فطار عقل شهاب الدين، وضرب بالدواة الأرض، وقال: ما أنا ملزوم بالغُلْف القُلف، وخَرَجَ من عنده وتوجّه إلى الحجاز، ودَخَل من مكّة إلى اليمن، وتلقاه الملك المؤيَّد، وأحسن إليه إحساناً زائداً، وجعله كاتبَ سرّه، فلم يَطِبْ له المقام، وهربَ بعد خمسة أو ستة أشهر، وقلّما خرج من مدينة إلاّ وهو مختفٍ.
وكان كاتباً مترسِّلاً، عارفاً بمقاصد الكتابة متوسِّلاً، يَستحضر من اللغة جانباً وافراً، ويُبدي في المنادمة وجهاً بالمحاسن سافراً، ويُورِدُ من كلام المعرّي قطعة كبيرة قد حفظها غائباً، ويرمي منها سهماً في البلاغة صائباً، خصوصاً من اللُّزوميات، وما له من العِظات والزهديّات. وإذا تكلّم تَفَيْهَق، وتنطَّع في كلامه وتمنطق، ويأتي في ترسُّله بالغريب، والحوشيّ العجيب، وإذا فكّر بشيء فَكَّر، وغاص في المعاني وتذكّر، ووضع شَعْر ذقنه في فيه وقَرَضَه، وقال الشعر وقَرَضَه، ويحوم بكلامه على المعنى المقصود زماناً، وما يكسوه مع ذلك بياناً، وكان مَتِع الكلام، بريئاً من النَّقْض والملام، لا يعبأ بملبس ولا مأكل، ولا يتكلّف لشيء سِوى أنه
стр. 301
يعقلها ويتوكّل، يلبس الجمجم القَطن الصوفي، والمُقَدَّرة الصوف، والطول المقفّص المعروف بأهل إسكندرية الموصوف، وخاتَمهُ كان سِواراً، وفصّه يعمل منه شواراً، وكان يتحدّث بالتركيّ والعجميّ والكردي، وإذا سافر خلع حُلّة الكُتّاب ولبس حلّة البدَوي أو الجندي، مع تندير وتنديب وتطاريب وتطريب.
وكان قد أحبه صاحب حَماة المنصور، وجعل ظِلّه ممدوداً غير مقصور، حضر يوماً سِماطَه وكان أكثرُهُ مَرَقاً، وقد أضرم منه الجوع حُرَقاً، فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم " نَويت رَفْعَ الحدثِ واستباحةَ الصلاة، الله أكبر. وكان المظفّر بن المنصور يكره ابن غانم، فاغتنم الوقيعة فيه وقال لأبيه: اسمع ما يقول ابنُ غانم يَعيب طعامك ويُشبّهه بالماء، فعاتبه المنصور على ذلك، فقال: هذا ما قَصَدْتُه! ولكنّ البسمَلة في كل أمر مستحبّة، والحدثُ الذي نويت رَفْعَه حَدَثُ الجوع واستباحة الصلاة في الأكل، فقال: فما معنى الله أكبر؟ قال: على كل ثقيل، فاستحسن المنصور منه ذلك. وخلع عليه.
وخرج مرّةً مع المنصور إلى شَجريّات المعرّة، وقد ضُربت الخيام وامتلأ الفضاء
стр. 302
وما رأى الدخول إلى الخربشت، فصعِد إلى شجرة ليتحلّى والمنصور يراه، فأرسل إليه شخصاً ليرى ما يفعل، فلمّا صار تحت الشجرة وقد تهيّأ لقضاء شغله فقال له: أطْعِمني من هذه التِّينة، فقال له: خُذْ، وسلَحَ عليه سلحاً ملأت وجهه، وتركته عبرةً، فقال: ما هذا؟ قال: أطعمتك من التينة، فلمّا اطّلع المنصور على القضية خَرَّ مغشيّاً عليه من الضحك.
وكان ليلةً في سماعٍ، فرقصوا ثم جَلَسوا، فقام من بينهم شخص وطال الحال في استماعه وزاد الأمر، فظلّ شهاب الدين مُطْرقاً ساكناً، فقال له شخص آخر: ما بك مُطرِقاً كأنّما يوحى إليك؟ فقال نعم " قُلْ أُوحيَ إلَيَّ أنّه استمعَ نَفَرٌ من الجِنّ ".
واجتمع ليلة عند القاضي كريم الدين الكبير في موضع بعلاء الدين بن عبد الظاهر يتحدّث معه، فجاء إليه شخصٌ وقال له: معاوية الخادم يريد الاجتماع بك، فقال: وَاْلَك! مَنْ يفارق عليّاً ويروح إلى معاوية؟! وكتب إلى قاضي القضاة جمال الدين بن واصل، وقد أقْعَدَه بحماة في مَكتبٍ عاقداً، وفيه السيف علي بن مُغِيْزل:
مولاي قاضي القضاة يا مَنْ ... له على العَبْد ألفُ مِنَّهْ
إليكَ أشكو قَرينَ سوءٍ ... بُليتُ منه بألف مِحنهْ
شَهرْتَه بيننا اعتداءً ... أغمِدْهُ فالسيف سيفُ فِتنَهْ
стр. 303
وكتب إلى قلعة الروم وقد جاءه ولد سمّاه أنساً واسمُ أبيه مبارك:
تَهَنَّ يا مباركاً ... بالوَلَد المبارك
بمن سَمَوه أنساً ... لأنه ابن مالكي
ومن نظمه:
تعجّبَ الناس للبطيخ حيت أتى ... بحيْن حَيْن وإذْ وافى بطاعُونِ
وكيف لا يقطعُ الأعمار مَقْدَمُهُ ... وليس يُؤكَلُ إلاّ بالسكاكين
ومنه:
ما اعتكافُ الفقيه أخْذاً بأجْرٍ ... بَلْ بحكمٍ قضى به رمضان
هو شهر تُغَلُّ فيه الشياط ... ينُ ولا شَكَّ أنه شيطان
ومنه:
طَرفْكَ هذا به فُتورٌ ... أضحى لقلبي به فُتُون
قد كنتُ لولاه في أمانٍ ... لله ما تفعلُ العيون
ومنه:
يا نازحاً عنّي بغير بعادٍ ... لولاك ما علقَ الهوى بفؤادي
أنت الذي أفردتني مني فلي ... بكَ شاغلٌ عن مَقْصَدي ومُرادي
سَهِرَتْ بحُبّكَ مُقلتي فَحَلا لها ... فيك السُّهَادُ فلا وجَدْتُ رُقادي
ورضيتُ ما تَرْضى فلو أقصيْتَني ... أيّامَ عُمري ما نَقَضْتُ وِدادي
أنت العزيز عليّ أن أشكو لك ال ... وجد الذي أهدَيته لفؤادي
стр. 304
وأنشدني من لفظه لنفسه:
واللهِ ما أدعو على هاجري ... إلاّ بأنْ يُمحَنَ بالعشقِ
حتّى يَرى مقدارَ ما قد جرى ... منه وما قد تمَّ في حقّي
وأنشدني له أيضاً:
يا حُسْنَها مِن رِياضٍ ... مثلِ النضَار نَضارَهْ
كالزُّهر زَهْراً وعنها ... ريح العبير عِبارَهْ
وأنشدني له أيضاً:
بأبي صائغٌ مليحُ التَّتنِّي ... بقَوامٍ يُزري بخُوطِ البان
أمسكَ الكَلْبتين يا صاحِ فاعجب ... لغزالٍ بكفّه كلبتان
ومن شعره:
أيّها اللائمي لأكلي كُروشاً ... أتقَنُوها في غاية الإتقان
لا تلُمني على الكروش فحبّي ... وَطَني من علائمِ الإيمان
قلت أخذ هذا من قول النصير الحمّامي:
رأيت شخصاً آكلاً كِرشةً ... وعنده ذوق وفيه فِطَنْ
وقال ما زلتُ محبّاً بها ... قلتُ من الإيمان حُبُّ الوَطَنْ
ومن شعره في مقصوص الشَّعَرْ:
قالوا ذوائبه مَقصوصه حَسَداً ... فقلت قاطعُها للحسنِ صوّاغُ
صُدغان كان فؤادي هائماً بهما ... فكيف أسلو وكلّ الشَّعر أصداغ
стр. 305
وكان القاضي فخر الدين ناظر الجيوش يؤثر قُربه ويحب كلامه، فاستخدمه في مصر في جملة كُتّاب الإنشاء، فأقام هناك، ولمّا توفي فخر الدين خرج ابن غانم وحضر إليه مع القاضي محيي الدين بن فضل الله سنة اثنين وثلاثين وسبع مئة.
ولم يزل بدمشق في جملة كتّاب الإنشاء إلى أن سكنت منه تلك الشقائق، وقُرطسَت تلك السهام الرواشق.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، وكان أكبر من أخيه الشيخ علاء الدين بأشهر، وكذلك توفي بعده بأشهر، وكان دائماً يقول: زاحمني أخي عليّ في كل شيء حتى في لَبَن أُمّي، واختلط شهاب الدين قبل وفاته بسنتين، وكان فيه تشبّعٌ من التشيُّع.
أحمد بن محمد بن عبد الله
الحافظ القُدوة الزاهد جمال الدين أبو العباس ابن الشيخ القدوة محمد الظاهري الحلبي مولى الظاهر صاحب حلب.
سمع سنة إحدى وثلاثين وبعدها من الفخر الإربلي، وابن اللَّتي، والموفق يعيش، وابن رَوَاحة، وابن خليل، وابن قُمَّيرة، وخلقٍ بحلب. وكريمة،
стр. 306
والضياء، وابن مَسْلَمة، وخلق بدمشق. وصفيّة القرشيّة، وجماعة بحماة، وعبد الخالق بن أنجب النِّشْتَيري بماردين، وعبد الرزاق بن أحمد بن سَلامة الزّيات، وأحمد بن سَلامة النجّار بحرّان، وسمع من شُعيب الزعفراني، وابن الجُميّزي، والمُرْسي، وجماعة بمكّة. ويوسف الساوي، وأحمد بن الجَباب بمصر، وهبة الله بن روين الإسكندري.
وسمع بحمص وبعلبك والقدس وغير ذلك، وعني بهذا الشأن أتمّ عناية، وتعب وحصّل وكتبَ ما لا يوصف كثرةً. وكانت له إجازات عالية من أبي الحسين القطيعي وزكريا العلبي وابن روزَبة وأبي حفص السَّهْرَوَرْدي والحسين بن الزبيدي، وإسماعيل بن فاتكين والأنجب الحمّامي، وطبقتهم.
وخرّج لنفسه أربعين حديثاً في أربعين بلداً، وانتقى على شيوخ مصر والشام، وخرّج لأصحاب ابن كليب ثم لأصحاب ابن طبرزد والكندي، ثم لأصحاب
стр. 307
ابن البنّ وابن الزبيدي حتى إنه خرّج لتلميذه ومريده الشيخ شعبان، وكان في حسن التخريج عَجَباً، وغي جَوْدَة الانتخاب آيةً لا يزال الطرف لها مرتقباً.
سمع على نحو سبع مئة شيخ أو ما يقارب ذاك، وأثنى عليه في هذا الفن حتى الحَمام الساجع على فروع الأراك، وتفقّه لأبي حنيفة، وحوى كل صفة في الخير مُنيفة.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: " وبه افتتحت السمَاع في الديار المصرية، وبه اختتمت، وعنده نزلت، وعلى أجزائه اتّكلت ".
وسمع منه علم الدين البِرزالي أكثر من مئة جزء.
وقرأ هو القراءات على الشيخ أبي عبد الله الفاسيّ بحلب.
ولم يزل بالديار المصرية على حاله إلى أن عُطّل تسميعه وبَطَل تأصيله وتفريعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ستٍّ وعشرين وست مئة.
وكانت وفاته بزاويته الجمّالية في المقس بمصر.
أحمد بن محمد بن جبارة .
ابن عبد المولى المرداويّ الصالحيّ الحنبلي الإمام العلاّمة المقرئ النحوي شهاب الدين أبو العباس.
стр. 308
سمع على ابن عبد الدائم وطبقته، وقرأ القراءات على النبيه الراشدي، وأخذ عنه النحو وربّما حضر دروس الشيخ بهاء الدين بن النحّاس، وأجاد في النحو والقراءات، وسكن حلب مدة، وارتحل منها وأقام بالقُدس إلى أن مات به، وسمع السيرة حضوراً في الرابعة من خطيب مَرْدا، وسمع من الكَرماني وابن أبي عمر، وأخذ الأصول عن القَرافي، وجاور بمكّة.
وكان ذا زُهْد وقناعة وبلاغة ونصاعة، واشتهر بالقراءات، وهاجر الناس إليه، ووقع الاختيار من الطلبة عليه، وشرح الشاطبيّة شرحاً مطوّلاً، والرائيّة ونونيّة السخاوي في التجويد، وله تعاليق، وعنده من الفضائل جَمْلٌ وتفاريق، إلا أنه كان يتجارف، وينتقل بعد سَعادة علمه لأجل ذاك ويتحارف.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: في شرحه للشاطبية احتمالات واهية، قرأت بخطّه يقول في قول الشاطبي:
وفي الهَمْز أنحاءُ وعند نُحَاتِه ... يُضيء سناه كلّما اسودَّ ألْيَلا
يحتمل خمس مئة ألف وجه وثمانين ألف وجه. وقال: وسمعت منه.
ولم يزل على حاله إلى أن كُسِر ابن جُبَاره، وبطلت منه تلك الأمور والإشارة.
стр. 309
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة تقريباً.
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن
الشيخ الجليل المسند شمس الدين أبو بكر بن العجميّ الحلبي الشافعي.
سمع من جدّه لأمّه، وأبي القاسم بن رواحة وابن خليل، وحضر الموفّق بن يعيش، وروى الكثير.
وروى عنه المُقاتلي، وابن الواني، وابن الفخر، والمزيّ، والذهبيّ.
كان فيه غفلة، ولعقله عنه جَفْلة، إلا أنه ليس بقادحٍ فيه، ولا مُبْطل لما يسنده ويرويه. وقاسى من هولاكو عذاباً شديداً، وأخذ منه أموالاً كان أمره بها عنيداً.
ولم يزل على حاله إلى أن فرغ أجله، وأرهقه من الموت عَجَلُه.
وتوفي بحلب رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي
ابن محمد بن محمد الإمام الحافظ الشريف عزّ الدين أبو القاسم ابن الإمام أبي عبد الله العَلَوي الحُسيني المصري، ويعرف بابن الحلبي، نقيب الأشراف بمصر.
стр. 310
سمع من فخر القضاة ابن الجَبّاب، وسمع من الزكي المذنري فأكثر، ومن الرشيد العطّار، وعبد الغني بن بنين، والكمال الضرير وطبقتهم. وأجاز له ابن رَوَاج، وابن الجُمَّيزيّ، وصالح المدلجي، وخَلْقٌ كثير.
وطلب الحديث على الوجه، وكان ذا فهم وحفظ وإتقان وتخريج وكشفٍ للمعضلات وتفريج، وله ذَيْلٌ على وفيات المنذري إلى سنة أربع وستين.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن دار العمل، وبطل منه العمل، وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ستٍّ وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن عطاء الله
الشيخ العارف تاج الدين أبو الفضل الإسكندري.
стр. 311
كان رجلاً صالحاً له ذوق، وفي كلامه ترويح للنفس وسَوْق إلى الشوق، يتكلّم على كرسيّ في الجوامع، ويقيّد المارقين بأغلالٍ وجوامع، وله إلمام بآثار السلف الصالح، وكلام الصوفية، إذا هبّ نسيمه العاطر الفائح شوّق كثيراً من القلوب، ومحا بالدموع غزيراً من الذنوب، وله مشاركة في الفضائل، وعليه للصَّلاح سيماء ودلائل، وهو تلميذ الشيخ أبي العباس المُرْسي صاحب الشاذلي، وكان من كبار القائمين على الشيخ تقي الدين بن تيميّة، وله جلالة يف النفوس بنفسه القويّة.
ولم يزل على حاله إلى أن ركدت تلك العبارة، وانكدرت نجوم تلك الإشارة.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة في المنصورية في حادي عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة.
ومن شعره:
مُرادي منك نسيانُ المراد ... إذا رُمْتَ السبيلَ إلى الرَّشادِ
وأنْ تَدَعَ الوجود فلا تَراهُ ... وتُصبح مالكاً حَبْلَ اعتمادِ
إلى كم غفلةٍ عنّي وإني ... على حِفظِ الرعاية والودادِ
وَوُدّي فيك لو تدري قديمٌ ... ويومُ السبت يشهد بانفرادي
وهل ربُّ سواي فتَرْتَجيه ... غداً يُنجيك من كَرْبٍ شداد
فوصف العَجز عمّ الكون طُرّاً ... فمفتقرٍ يُنادي
وبي قد قامت الأكوانُ طُرّاً ... وأظهرتُ المظاهرَ مِنْ مُرداي
أفي داري وفي ملكي وفُلْكي ... تُوجّه للسِّوى وَجْهَ اعتماد
стр. 312
وها خِلَعي عليكَ فلا تُذِلْها ... ومن وجه الرجاء عن العباد
ووصفَك فالزَمَنْهُ وكن ذليلاً ... ترى منّي المنى طَوْع القياد
وكن عبداً لنا والعبد يرضى ... بما تَقْصي الموالي من مُراد
قلت: شعرٌ نازلٌ، هو يجدُّ وكأنه هازل.
أحمد بن محمد بن علي بن جعفر
الصدر الأديب الرئيس سيف الدين السامَري، نسبة إلى سُرَّ من رأى، نزيل دمشق.
صادره الصاحب بهاء الدين بن حَنّا وأخذ منه نحواً من ثلاثين ألف دينار لَمّا قدم أخوه الدولة السامريّ من اليمن، وتنكب في دولة المنصور، وطَلَبه الشجاعي إلى مصر وأخذ منه قرية حَزْرَما وغيرها وتمام مئتي ألف درهم، وكان يسكن داره المليحة التي وقفها رباطاً ومسجداً ووقف عليها باقي أملاكه.
وروى عنه الدّمياطيّ في معجمه وذكر أنه يُعرف بالمقرئ.
стр. 313
وكان قد سافر مرّة مع وجيه الدين بن سُويد إلى الموصل فحضر المكّاسة وعفُّوا هم جشمال الوجيه ومكّسوا جِمال السامري، وأجحفوا به، فقال:
صحِبتُ وجيه الدين في الدهر مرّةٌ ... ليحمل أثقالي ويَخْفرَ أجمالي
فَوَزَّتني عن كل حقّ وباطلٍ ... وعن فرسي والبغل والجَمَل الخالي
فبلغ ذلك صاحبَ الموصِل فأطلق القَفْل بمجموعه.
وقال يشكر الأمير سيف الدين طوغان وأسندمرُ والي بدمشق ويشكو نائبيهما الشجاع هَمّام سَنْجر:
اسمُ الوزارة وما له ... فيها سوى الوزار والآثامُ
وجناية القتلى وكلُّ جنايةٍ ... تُجنى بأجمعها إلى همّامِ
سيفان قد وَلِيا فكلٌّ منهما ... في حفظ ما وُلّيه كالضرغامِ
وإذا غَرا خطبٌ فكلٌّ منهما ... أسدٌ يَصول ببأسه ويحامي
وبباب كلٍّ منهما عَلَمٌ غدا ... في ظُلْمه عَلاّمةَ الأعلام
فمتى أرى الدنيا بغير سَناجرٍ ... والكسرَ والتنكيسَ للأعلامِ
ومن شعره:
من سُرَّ مَنْ راءٍ ومَنْ أهلها ... عند اللطيف الراحم الباري
وأيُّ شيءٍ أنا حتى إذا ... أذْنَبتُ لا تُغفَر أوزاري
يا ربِّ ما لي غيرُ سَبِّ الورى ... أرجو به الفوز من النار
стр. 314
ولمّا طلبه الشجاعي إلى مصر اعتقله وقام له بِما طلبَ منه وطلب الإفراج عنه وثقّلوا عليه فقال: والله ما أُفرِجُ عنه حتى يمدحني بقصيدة، فإن هذا هجّاء، فلمّا مدحه أفرج عنه.
وكان الشيخ سيف الدين ظريفاً مزّاحاً، كثير التغرُّب نزّاحاً، وهو من سَرَوات بغداد ومحاضرته يَغْنى النديم بها عن حانةِ النبّاذ. قدم إلى الشام بأمواله وحظي عند الناصر بأقواله، ولمّا نظم تلك الأرجوزة السامرية التي أولها:
يا سائقَ العيس إلى الشآم ... مُدرَّعاً مَطارفَ الظَّلامِ
حطّ فيها على مباشري حلب وأغرى الناصر بمصادرتهم، وقد اشتهر أمرها، وأسكر الأسماع خَمْرُها.
ولم يزل بدمشق على حاله إلى أن رُمي لسَنُه بالبكم، وقاده رسنة إلى ما قضاه الموت عليه وحكم.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وتسعين وست مئة وهو في عشر الثمانين، ودفن في داره.
أحمد بن محمد بن علي بن يوسف
ابن نيسّر، الصاحب عز الدين المصري، ولي النظر على النظّار بمصر والشام وغيرهما، وتولّى نظر الأوقاف بدمشق.
стр. 315
ولم يزل في سؤدده وتعاظمه وتمرُّده إلى أن تعسّر العيش على ابن ميسّر، وقلّ جمعه وكسّر.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده حادي عشري شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وست مئة.
تولّى نظر الدواوين بمصر، ونظر الإسكندرية، ونظر دمشق، ونظر طرابلس، ونظر الأوقاف بدمشق والحسبة، ومات وهو في نظر الأوقاف. وكان فيه محبّة لأهل الخير.
أحمد بن محمد بن أبي القاسم
ابن بَدْران، الشيخ الفاضل شهاب الدين أبو بكر الكردي الدَّشْتي - بالدال المهملة، والشين المعجمة الساكنة، وبعدها تاء ثالثة الحروف - الحنبلي المؤدّب.
حضر في الثانية على جعفر الهَمدذاني، وسمع من ابن رواحة وابن يعيش، وابن خليل، والنفيسي بن رواحة، وصفيّة القرشية، وابن الصلاح، والضياء.
وتفرّد وروى الكثير، حدّث بمصر بمسند الطيالسي، ورُتّب مسمِعاً بالدار الأشرفية، ومعلِّماً بمكتب الطواشي ظهير الدين، وأكثر الطلبة عنه، وخَرَّجَ له علم الدين البِرزالي مشيخةً، وكان في الرِّواية يتعزز، ويتحلّى بالطلب وتمزّز، ويطلب نسخَ عدة أجزاء لنفسه من السامع، ويرى أن ذلك له كالقامع.
стр. 316
ولم يزل إلى أن انقلب دست الدَّشْتي، وحار فيما نزل به الطبيب والمفتي.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده بحلب سنة أربع وثلاثين وست مئة.
أحمد بن محمد بن قُرْصة
شهاب الدين بن شمس الدين الأنصاري.
هو من بيت مشهور بالصعيد، منهم جماعة فضلاء رؤساء، تفرّد هذا شهاب الدين من بينهم بنظم القَرْقيّات وجوّدها، وأجراها على قواعد العذوبة وعوُدها، يأتي بها باكورة زَهْر أو كأسُ زُلال جُلي على الظمآن من نَهْر، خفيفةٌ على القلب لذيذة على السمع لِما لها في العقل من السَّلب، ونظم الشعر جيّداً، ودخل به في جملة الشعراء، ولم يكن متحيِّداً، وذاق منه كؤوس العلاقم، وجَرّعهم من هَجوه سُموم الأراقم، جاب الأقطار، وجلب الأوطار، ودخل الأمصار، واجتدى بالمدح والهجو أفات طَلبه أم صار، وكان شيخاً كاد الدهر يحني صَعْدَته ويُري العيون هزَته ورَعْدَته.
وكتب إليّ أشعاراً غلت عندي أسعاراً، ومنها:
ما لي أرى الشعراء تكسبُ عاراً ... بهجاتهم وتحمّلوا أوزارا
فلذاك طُفْتُ بباب كلِّ مهذَّبٍ ... وجعلتُ شعري في الكرام شعارا
مدحوا الأخساء اللئام فضيّعوا ال ... أشعار لَمّا أرخصوا الأسعارا
стр. 317
وجعلت في حلب الشمال إقامتي ... يا حبذا دار الكرام جِوارا
ولكم دعا مدحي نوالَ معظمٌ ... فأبَتْ عُتُوّاً عنه واستكبارا
حتى وجدت لها إماماً عالماً ... أوصافه تستغرق الأشعارا
لولا صلاح الدين لم أرَ جُلّقاً ... ولكنتُ مِمّن جانبَ الأسفارا
أسدى المكارم من أكفٍّ لم يزل ... معروفها يستعبدُ الأحرارا
وصنائعاً غرّاً أفَدْنَ منائحاً ... عُوْناً ولَدْن مدائحاً أبكارا
فوجدْتُ في إجماله وجَماله ... ما يملأ الأسماع والأبصارا
مولىً غدت يمناه يُمناً لامرئ ... يبغي نوالاً واليسار يسارا
حلّى الزمان وكان قِدْماً عاطلاً ... وأعاد ليل الآملين نهارا
وحوى معاليَ في دمشق قديمةً ... وحديثُها بين الورى قد سارا
بَلَغَتْ به رُتَباً فرُعن محلّه ... أمْسَتْ نجوم سمائها أقمارا
زانت فضائله بدائعَ نظمها ... كم مِعصَمٍ يَزين سوارا
ومظفّر الأقلام كم أردى بها ... ملكاً وخوّف جحفلاً جرّارا
عجباً لها تجري بأسودَ فاحمٍ ... يكسي الطروسَ ظلامُه أنوارا
تمضي بحيث ترى السيوف كليلةً ... وتطول حيث ترى الرِّماحَ قِصارا
تجري بواحدها ثلاثُ سحائب ... تحوي الصواعق والحيا المدرارا
وتمدّه بالفضل حين تمدّه ... ببديهةٍ لا تُتعب الأفكارا
غم رامَ نائله العفاةُ أمدّها ... كرماً وإن رام الخميسُ مُغارا
ملأ الكتاب تهدّداً فكأنما ... ملأ المتاب أسنّة وشفارا
تجني النواظرُ من محاسنِ خطّه ... رَوْضاً ومن ألفاظه أزهارا
стр. 318
خطٌّ رماحُ الخطّ من خُدّامه ... إن رام ذِمراً أو أعزَّ ذِمارا
وبلاغةٌ تَضحى بأدنى فقرةٍ ... تغني فقيراً أو تقُدُّ فَقارا
ويشيم روّاد الندى من بِشره ... بَرقاً ومن إحسانه أمطارا
بِشرٌ يبشّر بالجميل وعادة ال ... أزهار أن تتقدّم الأثمارا
وندىً يعمّ ولا يخصّ كأنّه ... هامي قِطار طبَّق الأقطارا
يستصغر الأمر العظيم إذا عَرا ... بعزيمةٍ تستهلُ الأوعارا
ويردّ غَرب الحادثات مغلَّلاً ... بسعادةٍ تستخدم الأقدارا
كم ذلّلت صعباً وردّتْ ذاهباً ... وحمَت أذلّ وذلّلت جبّارا
ولقد عرفت الناس من أزطارهم ... سبحان من خلق الورى أطوارا
يا من عرفتُ بجوده الغنى ... حقاً وكنتُ جهلته إنكارا
أغنيتني بمواهبٍ موصولةٍ ... لم تُبقِ لي عند الحوادث ثارا
لا زلتَ في عزٍّ يدوم ونعمةٍ ... ترقى على شُمّ الجبال وقارا
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك ارتجالاً:
يا شاعراً ملأ الطروس نهاراً ... وأسال فيه من الدجى أنهارا
لم تُهْدِ لي نظماً بديعاً إنما ... أهديتَ لي فلَكاً أراه مُدارا
في كل سطرٍ بُرج سعدٍ ثابتٌ ... تبدو معانيه به أقمارا
لا أرتضي بالروض تشبيهاً له ... إن الزواهر تفضُل الأزهارا
قلّدتني منه قلادة مِنّةٍ ... تستوقف الأسماع والأبصارا
يغنى النديم به فإن قوافياً ... فيه تُدير لمسمعيه عقارا
وترى اللبيب إذا تعاطى فهْمَه ... لم يذكر الأوطان والأوطارا
стр. 319
فكأن ذلك الطرسَ وجْنة أغيدٍ ... والسطرَ فيه قد أسال عذارا
فاعذر شهاب الدين من تقصيره ... أضحى يُلفّق عندك الأعذارا
أنا لا أطيق جوابَ منْ أشعاره ... تنهلّ حين تَرومها أمطارا
وإذا جرى في حَلبةٍ قصّرتُ عن ... غاياته بل لا أشقّ غُبارا
إن الغدير وإنْ تعاظمَ قاصرٌ ... عن أن يقاوم بحْرَك الزَّخارا
وكذا أخو النظم المزلزل ركنه ... لا يستكنّ مع الجبال قرارا
فخذ القليل إجابة وإجازةً ... واعذر فمثلك من أقال عثارا
واعتدَّ إنك لم تزر في جلّق ... أحداً وإنك جئت تقْبس نارا
فلأنت تعلم أنني لم أرضها ... لو أن درهمها غدا دينارا
ما قَدرُها مئة لو أني سقتها ... إبلاً يكون حمولهنّ بهارا
وكتب إليّ قصيدة الميزاب أوّلها:
كم سيفُ النظم أجرّده ... كم أُشهره كم أغمده
كم أنظم عِقد جواهره ... في مدح كريمٍ أقصده
كم أجمع من معنىً حسنٍ ... وبيان الشرح يقيّده
وقد سقتها بمجموعها في كتابي ألحان السواجع.
ولم يزل على حاله إلى أن أتى مرة من مصر ونزل بالتعديل ظاهر مدينة دمشق في
стр. 320
بيت التحفَه جدرانه، وتأنس به جردانه، فنزل به ذباب السيف، وعمل من دمه وليمة لذباب الصيف، وأصبح ورأسه قد بان عن جسده وطاح، ودقيق ابن قُرصة تذروه الرياح، وكان مسكيناً يتحلّب أفاويق الندى، ويحتلب ببلاغته أهل زمانٍ لا يجدون على نار المكارم هدىً، إلا من يرتاح للامتياز في عدة الامتياح أو تهزّه نغمة العافين أو مدام المدّاح، وقليلٌ ما هم، وقد بعد حماهم، وكان المسكين يرمق عيشه على بَرَص، ويمسي كالفأرة في قَرض الأعراض بالقَرَض.
وكانت قتلته يوم الجمعة رابع عشر شهر الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وأنشدني من لفظه لنفسه بدر الدين حسن بن علي الغزّي:
مات ابنُ قُرْصةَ بعد طول تعرُّضٍ ... للموت مِيْتةَ شرِّ كَلْب نابحِ
ما زال يشحذ مُديةَ الهَجو التي ... طلعت عليه طلوع سعد الذابحِ
حتى فَرى وَدْجَيه عبدٌ صالح ... عَقَرَ النطيحة عَقْرَ ناقةٍ صالحِ
فليحْيَ قاتله ولا شلّتْ يدٌ ... كفَتِ المؤونة كفَّ كلّ جرائحي
وقلت أنا فيه:
دع الهجو واقنع بما نلته ... من الرزق لو كان دون الطفيفِ
فقَرْضُ ابن قُرصة عمّ الورى ... وراعَ الدنيّ بهجْو الشريفِ
ومات ابنُ قَرُصة من جوعه ... وشهوته عضّة في رغيف
следующие страницы →