← Тараджим

Тараджим · id 131

أعيان العصر وأعوان النصر

الصفدي

Полный текст (3 514 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولم يزل إلى أن انقلب دست الدَّشْتي، وحار فيما نزل به الطبيب والمفتي. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة. ومولده بحلب سنة أربع وثلاثين وست مئة. أحمد بن محمد بن قُرْصة شهاب الدين بن شمس الدين الأنصاري. هو من بيت مشهور بالصعيد، منهم جماعة فضلاء رؤساء، تفرّد هذا شهاب الدين من بينهم بنظم القَرْقيّات وجوّدها، وأجراها على قواعد العذوبة وعوُدها، يأتي بها باكورة زَهْر أو كأسُ زُلال جُلي على الظمآن من نَهْر، خفيفةٌ على القلب لذيذة على السمع لِما لها في العقل من السَّلب، ونظم الشعر جيّداً، ودخل به في جملة الشعراء، ولم يكن متحيِّداً، وذاق منه كؤوس العلاقم، وجَرّعهم من هَجوه سُموم الأراقم، جاب الأقطار، وجلب الأوطار، ودخل الأمصار، واجتدى بالمدح والهجو أفات طَلبه أم صار، وكان شيخاً كاد الدهر يحني صَعْدَته ويُري العيون هزَته ورَعْدَته. وكتب إليّ أشعاراً غلت عندي أسعاراً، ومنها: ما لي أرى الشعراء تكسبُ عاراً ... بهجاتهم وتحمّلوا أوزارا فلذاك طُفْتُ بباب كلِّ مهذَّبٍ ... وجعلتُ شعري في الكرام شعارا مدحوا الأخساء اللئام فضيّعوا ال ... أشعار لَمّا أرخصوا الأسعارا

стр. 317

وجعلت في حلب الشمال إقامتي ... يا حبذا دار الكرام جِوارا ولكم دعا مدحي نوالَ معظمٌ ... فأبَتْ عُتُوّاً عنه واستكبارا حتى وجدت لها إماماً عالماً ... أوصافه تستغرق الأشعارا لولا صلاح الدين لم أرَ جُلّقاً ... ولكنتُ مِمّن جانبَ الأسفارا أسدى المكارم من أكفٍّ لم يزل ... معروفها يستعبدُ الأحرارا وصنائعاً غرّاً أفَدْنَ منائحاً ... عُوْناً ولَدْن مدائحاً أبكارا فوجدْتُ في إجماله وجَماله ... ما يملأ الأسماع والأبصارا مولىً غدت يمناه يُمناً لامرئ ... يبغي نوالاً واليسار يسارا حلّى الزمان وكان قِدْماً عاطلاً ... وأعاد ليل الآملين نهارا وحوى معاليَ في دمشق قديمةً ... وحديثُها بين الورى قد سارا بَلَغَتْ به رُتَباً فرُعن محلّه ... أمْسَتْ نجوم سمائها أقمارا زانت فضائله بدائعَ نظمها ... كم مِعصَمٍ يَزين سوارا ومظفّر الأقلام كم أردى بها ... ملكاً وخوّف جحفلاً جرّارا عجباً لها تجري بأسودَ فاحمٍ ... يكسي الطروسَ ظلامُه أنوارا تمضي بحيث ترى السيوف كليلةً ... وتطول حيث ترى الرِّماحَ قِصارا تجري بواحدها ثلاثُ سحائب ... تحوي الصواعق والحيا المدرارا وتمدّه بالفضل حين تمدّه ... ببديهةٍ لا تُتعب الأفكارا غم رامَ نائله العفاةُ أمدّها ... كرماً وإن رام الخميسُ مُغارا ملأ الكتاب تهدّداً فكأنما ... ملأ المتاب أسنّة وشفارا تجني النواظرُ من محاسنِ خطّه ... رَوْضاً ومن ألفاظه أزهارا

стр. 318

خطٌّ رماحُ الخطّ من خُدّامه ... إن رام ذِمراً أو أعزَّ ذِمارا وبلاغةٌ تَضحى بأدنى فقرةٍ ... تغني فقيراً أو تقُدُّ فَقارا ويشيم روّاد الندى من بِشره ... بَرقاً ومن إحسانه أمطارا بِشرٌ يبشّر بالجميل وعادة ال ... أزهار أن تتقدّم الأثمارا وندىً يعمّ ولا يخصّ كأنّه ... هامي قِطار طبَّق الأقطارا يستصغر الأمر العظيم إذا عَرا ... بعزيمةٍ تستهلُ الأوعارا ويردّ غَرب الحادثات مغلَّلاً ... بسعادةٍ تستخدم الأقدارا كم ذلّلت صعباً وردّتْ ذاهباً ... وحمَت أذلّ وذلّلت جبّارا ولقد عرفت الناس من أزطارهم ... سبحان من خلق الورى أطوارا يا من عرفتُ بجوده الغنى ... حقاً وكنتُ جهلته إنكارا أغنيتني بمواهبٍ موصولةٍ ... لم تُبقِ لي عند الحوادث ثارا لا زلتَ في عزٍّ يدوم ونعمةٍ ... ترقى على شُمّ الجبال وقارا فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك ارتجالاً: يا شاعراً ملأ الطروس نهاراً ... وأسال فيه من الدجى أنهارا لم تُهْدِ لي نظماً بديعاً إنما ... أهديتَ لي فلَكاً أراه مُدارا في كل سطرٍ بُرج سعدٍ ثابتٌ ... تبدو معانيه به أقمارا لا أرتضي بالروض تشبيهاً له ... إن الزواهر تفضُل الأزهارا قلّدتني منه قلادة مِنّةٍ ... تستوقف الأسماع والأبصارا يغنى النديم به فإن قوافياً ... فيه تُدير لمسمعيه عقارا وترى اللبيب إذا تعاطى فهْمَه ... لم يذكر الأوطان والأوطارا

стр. 319

فكأن ذلك الطرسَ وجْنة أغيدٍ ... والسطرَ فيه قد أسال عذارا فاعذر شهاب الدين من تقصيره ... أضحى يُلفّق عندك الأعذارا أنا لا أطيق جوابَ منْ أشعاره ... تنهلّ حين تَرومها أمطارا وإذا جرى في حَلبةٍ قصّرتُ عن ... غاياته بل لا أشقّ غُبارا إن الغدير وإنْ تعاظمَ قاصرٌ ... عن أن يقاوم بحْرَك الزَّخارا وكذا أخو النظم المزلزل ركنه ... لا يستكنّ مع الجبال قرارا فخذ القليل إجابة وإجازةً ... واعذر فمثلك من أقال عثارا واعتدَّ إنك لم تزر في جلّق ... أحداً وإنك جئت تقْبس نارا فلأنت تعلم أنني لم أرضها ... لو أن درهمها غدا دينارا ما قَدرُها مئة لو أني سقتها ... إبلاً يكون حمولهنّ بهارا وكتب إليّ قصيدة الميزاب أوّلها: كم سيفُ النظم أجرّده ... كم أُشهره كم أغمده كم أنظم عِقد جواهره ... في مدح كريمٍ أقصده كم أجمع من معنىً حسنٍ ... وبيان الشرح يقيّده وقد سقتها بمجموعها في كتابي ألحان السواجع. ولم يزل على حاله إلى أن أتى مرة من مصر ونزل بالتعديل ظاهر مدينة دمشق في

стр. 320

بيت التحفَه جدرانه، وتأنس به جردانه، فنزل به ذباب السيف، وعمل من دمه وليمة لذباب الصيف، وأصبح ورأسه قد بان عن جسده وطاح، ودقيق ابن قُرصة تذروه الرياح، وكان مسكيناً يتحلّب أفاويق الندى، ويحتلب ببلاغته أهل زمانٍ لا يجدون على نار المكارم هدىً، إلا من يرتاح للامتياز في عدة الامتياح أو تهزّه نغمة العافين أو مدام المدّاح، وقليلٌ ما هم، وقد بعد حماهم، وكان المسكين يرمق عيشه على بَرَص، ويمسي كالفأرة في قَرض الأعراض بالقَرَض. وكانت قتلته يوم الجمعة رابع عشر شهر الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة. وأنشدني من لفظه لنفسه بدر الدين حسن بن علي الغزّي: مات ابنُ قُرْصةَ بعد طول تعرُّضٍ ... للموت مِيْتةَ شرِّ كَلْب نابحِ ما زال يشحذ مُديةَ الهَجو التي ... طلعت عليه طلوع سعد الذابحِ حتى فَرى وَدْجَيه عبدٌ صالح ... عَقَرَ النطيحة عَقْرَ ناقةٍ صالحِ فليحْيَ قاتله ولا شلّتْ يدٌ ... كفَتِ المؤونة كفَّ كلّ جرائحي وقلت أنا فيه: دع الهجو واقنع بما نلته ... من الرزق لو كان دون الطفيفِ فقَرْضُ ابن قُرصة عمّ الورى ... وراعَ الدنيّ بهجْو الشريفِ ومات ابنُ قَرُصة من جوعه ... وشهوته عضّة في رغيف

стр. 321

أحمد بن محمد فتح الدين بن البَقَقيّ - بباء موحّدة وقافين مفتوحات -. كان مقيماً بالديار المصرية يبحث ويناظر ويذاكر بالفوائد المنتقاة ويحاضر، قلّما ناظر أحداً إلا قطعه وأتى به إلى مضيق التسليم ودفعه، إلا أنه مع ذكائه وحرصه في البحث وإعيائه كان يبدو منه من الاستخفاف ما لا يليق، ويظهرُ منه في الظاهر ما لا يحسُن أن يكون في السرّ من الجاثليق، حتى ظهر أنه زنديق، ونبيّن أنه مرتدّ عن الإسلام عن تحقيق؛ لأنه كان يستخفّ بالشرع الذي شهدَت العقول بحسن وصفه، ويستهتر بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلْفه. ولم يزل في جنونه ودَوَران مَنْجنونه، إلى أن أطاح سيفُ الشرع رأسه، وأطفأ ريح القتل نبراسه، وأصبح الفتح قُبحاً، وأورده الذبّ عن الدين القيِّم ذبْحاً، ضرب القاضي المالكي عُنقه بين القصرين سنة إحدى وسبع مئة في شهر ربيع الأول وطيْف برأسه، وكان قد تكهّل، ولما ضرب رأسه بالسيف لم يمضِ قطع رقبته، فتمّم حزّ رقبته بالسكين. وأخبرني جماعة بالقاهرة عن ابن المحفّدار أنه قال له يوماً: كأني بك وقد ضربت رقبتك بين القصرين، وقد بقي رأسك معلقاً بجلدة، فكان الأمر كما قال. ومن شعره:

стр. 322

جُبلتُ على حُبّي لها وألفتُه ... ولا بدّ أن ألقى به الله معلِنا ولم يخلُ من قلبي بقدْر ما ... أقول وقلبي خالياً فتمكّنا قلت: يشير إلى قول القائل: أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى ... وصادف قلباً خالياً فتمكّنا ومنه: لحى الله الحَشيشَ وآكليها ... لقدْ خبُثتْ كما طاب السُّلاف كما يصبي كذا تضني، وتُشقي ... كما يَشفي وغايتها الحُرّاف وأصغر دائها والداء جمّ ... بغاء أو جنون أو نُشتف ومنه: يا منْ يخادعني بأسهم مكْره ... بسَلاسة نعُمت كلمس الأرقم اعتدّ لي زَرَداً تضايق نسْجُه ... وعليَّ عُيونها بالأسهم ومنه، وقد جلس عند بعض الأطباء ساعة فلم يُطعمه شيئاً، فلما قال: لا تحسبوا أنّ الحكيم لبخله ... حمانا الغِدا ما ذاك عندي من البخل ولكنه لمّا تيقّن أننا ... مرضنا برؤياه حَمانا من الأكل ومنه: أين المراتب في الدنيا ورِفعتها ... من الذي حاز عِلماً ليس عندهم

стр. 323

لا شكّ أن لنا قَدراً رأوه وما ... لمثلهم عندنا قَدرٌ ولا لهم هم الوحوش ونحن الإنس حِكمتُنا ... تقودهم حيثما شِينا وهم نَعمُ وليش شيء سوى الإهمال يقطعنا ... عنهم لأنهم وِجْدانهم عدم لنا المريحان من علم ومن عدم ... وفيهم المتعبان الجهلُ والحشمُ قلت: كأنه نظم هذه الأبيات لما سمع أبيات الشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وهي مما أنشدنيه الحافظ أبو الفتح، قال: أنشدني لنفسه: أهل المراتب في الدنيا ورفعتها ... أهل الفضائل مَرْذولون بينهم فما لهم من تَوَقّي ضرّنا نظرٌ ... ولا لهم في ترقّي قَدْرينا هِممُ قد أنزلونا لأنا غير جنسهم ... منازل الوحش في الإهمال عندهم فليتنا لو قَدِرنا أن نعرفهم ... مِقدارهم عندنا أَوْلَو دَرَوهُ هم لهم مريحان من جاه وفضل غنى ... وعندنا المتعبان العلم والعَدَم ومن شعر ابن البَققيّ: الكُسّ للجُحر غدا ... مُعانداً في القِدم فانظره يبكي حَسَداً ... في كل شهر بدمِ وما أحسن قول الحكيم شمس الدين محمد بن دانيال: لا تلُم البَقِّيّ في فعله ... إن زاغ تضليلاً عن الحقّ لو هذّب الناموس أخلاقه ... ما كان منسوباً إلى البقّ

стр. 324

وقوله فيه لمّا سجن ليقتل: يظنّ فتى البققي أنه ... سيخلص من قبضة المالكيْ نعم سوف يُسلمه المالكيُّ ... قريباً ولكن إلى مالِكِ وقيل: إنه استغاث يوم قتله بالشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد، وقال: أنا تردّدت إليك أربعة أشهر لازمتك فيها، هل رأيت مني شيئاً مما ذكر هؤلاء؟ فقال: ما رأيت منك إلا الفضيلة. أحمد بن محمد بن محمد بن هبة الله الشيخ الإمام العالم الكاتب المفتي، كمال الدين أبو القاسم بن الصدر الكبير عماد الدين ابن القاضي الكبير شمس الدين أبي نصر بن الشيرازي الدمشقي الشافعي. تفقه بالشيخ تاج الدين الفزاري، والشيخ زيْن الدين الفارقي، وقرأ الأصول على الشيخ صفيّ الدين الهنديّ، وسمع من الفخر عليّ ووالده وغيرهما، وحفظ كتاب المزنيّ. وتميّز وبرع، وأخذ في طلب التدريس وشرع، ودرّس بالباذرائية في بعض الأوقات، بالشامية الكبرى مرات، ثم استمر بتدريس الناصرية مدةً، وذُكر لقضاء

стр. 325

الشام في عِدّه، وكان خيّراً متواضعاً، ديّناً لأفاويق الرفاق راضعاً، حَميد النشأة، جميل البدأة، خبيراً بالأمور، ذَرِباً بأحوال الجمهور، أثنى علي قاضي القضاة بدر اليد محمد بن جماعة، وقاضي القضاة ابن الحريري، وقالا للسلطان: يصلح للقضاء. وكان فيه حياءٌ وسكون وميل إلى التخلّي ورُكون، حاقَقه مرّة ابن جَملة بحضرة الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - وأراد مناظرته فتألّم، وأضرب عنه وتحلّم، وترك السعي في الشامية لذاك. وكان بديع الكتابة، جميع سهام أقلامه فيها للإصابة، كتب الريحان والمحقق، وزاد في ذلك على ابن البوّاب ودقّق، وكان خطّه قيد النواظر، ونزهة من يرتع في الرياض النواضر، كل سطر كأنه سُبحةَ جوهرٍ راق نظمها، وفاق على الكواكب وَسْمُها. ولم يول على حاله إلى أن نزل بكمال الدين مُحاقه وفات إدراكه وإلحاقه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وسبع مئة في ثالث عشر صفر، ودُفن بتربتهم. وموله سنة تسعين وست مئة.

стр. 326

أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله القاضي الرئيس جمال الدين التميميّ القلانسي الدمشقي، وكيل بيت المال، وقاضي العسكر ومدرّس الأمينية والظاهرية وموقّع الدّست. روى عن ابن البخاري وبنت مكّي، وأذِن لجماعةٍ في الإفتاء. كان جميل الشكل مليح العِمّة، بهيّ المنظر متّسع الهمة، وكتابته مثل الروض الذي عَرْفُه باسم، أو العقود التي تفترّ عنها المباسم، يخاله الناظر سُطور ريحان أو حباباً قد كلّل لؤلؤه ياقوت خدٍّ من بنت الْحان. ولم يزل راقياً في بروج سُعوده، باقياً في اقتبال صعوده، إلى أن هتف به داعي حتفه، وفرّق بينه وبين أُلاّفه وإلفه. وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عُشْريّ ذي القَعدة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وعاش نيّفاً وستين سنة. وبلغتنا وفاتُه ونحن مع الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - على حمص، فكتبتُ إلى ولده القاضي أمين الدين نظماً ونثراً: أيُّ خطب أصمى الحشا بنَباله ... حين راعَ الوُجودَ فقدُ جِمالهْ يا لَدمعِ الغَمام ينهلّ حُوناً ... ولنَوْح الحِمام من فوق ضاله أسعِداني فإنّ خَطْبيْ جليلٌ ... وأعينا مَنْ لم تكونا بحاله

стр. 327

منها: كيف لا يُظلِم الوجود بمن كا ... ن الثريّا معدودةً في نِعالهْ وإذا ما النسيمُ أهدى عبيراً ... فتِّش الطيبَ تلْقَه من خلالهْ وإذا ما احتبى بمجلسٍ حفلٍ ... أطرق القوم هيبةً من جَلالهْ يا جمالاً مضى فأورث وجه ال ... دهر قُبحاً لما ارتضى بزَوالهْ ولعمري ما غاب ليثٌ تقضّى ... وحَمى غابهُ بقا أشبالهْ أيّ شبل أبقيت إذْ غِبْت عنّا ... صَبرُهُ للخطوب من أحمالهْ وهو عند الملوك خيرُ أمينٍ ... قد سَما في الورى بفقْد مِثالهْ وإذا أتحف الأعادي بدَرْج ... كان قطْعُ الأعمار في أوصالهْ أيها الفاضل المهذّب لا تج ... زع لذاك الجليل عند انتقالهْ كلّنا في المُصاب رهْنَ التأسّي ... بالنبيِّ والغُرّ آلِهْ أحمد بن محمد بن محمد الشيخ زين الدين بن المغَيْزِل الحموي الخطيب، أبو عبد الله بن الشيخ تاج الدين خطيب الجامع الأسفل. سمع من شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز. لم يزل في مَرقى درج منبره، وإلقاء العقود النفيسة من جوهره، إلى أن سكت فما نَبَسْ، ونزل من مِنبره إلى الأرض وارْتَمس.

стр. 328

وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسعٍ وتسعين وست مئة. قال شيخنا علم الدين البِرزاليّ: أجاز لنا من حماة، وكان قد سمع من شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز جزء ابن عَرَفة. أحمد بن محمد بن أبي الحزم مكّي القاضي نجم الدين القَمولي - بالقاف وضم الميم وبعدها واو ساكنة ولام -. من الفقهاء الفضلاء والقضاة النبلاء، وافر العقل، جيّد النقل، حسَنُ التصرُّف، دائم البِشر والتعرّف، له دين وتعبُّد، وانجماع عن الباطل وتفرّد. قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: قال لي يوماً: لي قريبٌ من أربعين سنة أحكم ما وقع لي حكم خطأ، ولا أثْبَتُّ مكتوباً تُكُلِّم فيه أو ظهر فيه خلل. سمع من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وغيره. وقرأ الفقه بقوص وبالقاهرة، وقرأ الأصول والنحو وشرح الوسيط في مجلدات كثيرة، وفيه نُقولٌ غزيرة، ومباحث مفيدة سمّاه البحر المحيط، ثم جرّد تُقوله في مجلّدات وسمّاه جواهر البحر، وشرح مقدمة ابن الحاجب في مجلدتين، وشرح الأسماء الحسنى في مجلد، وكمّل تفسير الإمام فخر الدين. وكان ثقة صدوقاً. تولّى قضاء قَمولاً عن قاضي قوص شرف الدين إبراهيم بن عتيق، ثم تولّى الوجه القبلي من عمل قوص في ولاية قاضي القضاة عبد الرحمن ابن

стр. 329

بنت الأغرّ، وكان قد قسَم العمل بينه وبين الوجيه عبد الله السُّمرباوي، ثم تولّى إخميم مرتين، وولي أسيوط والمنية والشرقية والغربية، ثم ناب بالقاهرة ومصر، وتولّى الحِسبة بمصر، واستمرّ في النيابة بمصر والجيزة والحسبة إلى أن توفي. ودرّس بالفخرية بالقاهرة، وكان الشيخ صدر الدين بن الوكيل يقول: ما في مصر أفقه منه، يقال: إن أصله من أرْمَنت. ولم يزل يفتي ويحْكم ويدرّس ويُصنّف وهو مبجَّلٌ معظَّم إلى أن غرب نجمه ومُحيَ من الحياة رَسمه. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة سبع وعشرين وسبع مئة. وولي نيابة الحكم بعده الشيخ نجم الدين بن عقيل البالسيّ، وولي حُسبة مصر ناصر الدين فار السقوف. أحمد بن محمد بن أبي بكر ابن عماد الدين أبي الحرم مكّي بن مسلّم بن أبي الخوف المعروف بعكوك شهاب الدين. كانت له مطالعات، وعنده منها ابتداءات ومراجعات، ويحفظ للمتأخرين شيئاً عظيماً، ويُورِد لهم من جواهرهم عِقداً نظيماً، وكان لا اشتغال له ولا عِلم عنده من غير المطالعة وتصفُّح الدواوين الناصعة، وهو جيّد النقد في القريض، عارفٌ بما هو صحيح منه أو مريض. وجمع من شعر المتأخرين مجاميع، وقصَرها دوت القصائد على المقاطيع.

стр. 330

وكان له وَقفٌ يُحصّل منه في الصيف ما يكون له مؤونة في الشتاء، وكان في غالب السنين يصيّف في الشام ويُشتّي في مصر، إلا أنه كان متمزّقاً إلى الغاية، متخرّقاً في نهاية، يكابد شدائد الفقر، ويصبر من القلة على ما لها في حاله من العَقر، قد زَوَته الحشيشة في حُشّ، وروَتْه من الطيش في طشٍّ. ولم يزل على حاله إلى أن جاء الطاعون فغسله في جملة ذلك الماعون، وذلك في سنة تسع وأربعين وسبع مئة بدمشق في مستهل شهر رجب، وكان له من العمر تقريباً أربعون سنة. أنشدني من لفظه لنفسه: ناظرُ الجامع الكب ... ير ظَلومٌ إذا قَدَرْ ابْلُهُ ربِّ بالعمى ... وأرِحْه من النظرْ وأنشدني من لفظه لنفسه: قلتُ له إذْ بَدا وطلعتُه ... قد أشرقَت فوق قامةٍ تامّهْ هبْ لي مناماً فقال كيف وقد ... رأيت شمس الضحى على قامهْ قلت: هو مأخوذ من قول شمس الدين التلمساني: بدا وجهه من فوق أسمر قَدّه ... وقد لاح من سود الذوائبِ في جُنحِ فقلتُ عجيبٌ كيف لا يذهب الدُّجا ... وقد طلعت شمسُ النهار على رُمْحِ

стр. 331

وأنشدني من لفظه في العايق الطبّاخ: قد غلب العايق في قوله ... لمّا أتى الطاعون بالحادثِ قمحيَّتي تقتل من يومها ... وأنت في يومين والثالث وكتب إليّ ونحن بالقاهرة: أيا فاضلاً ساد الورى بفضائل ... تناهت فما أضحى لهنّ بديلُ تقمّصتَ ثوبَ العلم والحلم والندى ... فأنت صلاحٌ للورى وخليلُ ولستَ خليلاً بل خليجاً لواردٍ ... غلِظتُ فسامحني فنيْلُك نيلُ فكتبتُ أنا الجواب إليه: أيا ابن أبي الخوف الذي أمنتْ به ... طرائق نَظْمٍ واستبان دليلُ لقد فُتَّ غايات الأولى سبقوا إلى ... نهايات فضلٍ ما إليه سبيلُ فأنت على هذا الزمان كُثيِّرٌ ... ورأيُك في النظم البديع جميلُ أحمد بن محمد شهاب الدين المعروف بالحاجبي - بحاء مهملة، وبعد الألف جيمٌ وباءٌ موحّدة -. شابٌّ جنديّ، ذهنه أمضى من الهندي، يتخيّل المعنى الغامض، ويورد اللفظ

стр. 332

الحُلو لا الحامض، مقاطيعه رائقة، ومعانيه بالقلوب لائقة. اجتمعت به في شوق الكتب بالقاهرة في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة. وأنشدني من لفظه لنفسه: أقول شبه لما جيْد الرشا ترفاً ... يا معمِلَ الفكر في نظْمٍ وإنشاءِ فظلّ يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه الماء بعد الجهد بالماءِ فقلت له: أطلقت الرشا ههنا، ولو قلت الرشا الذي سباني، أو جيد معذّبي لكان أقعد في التوطئة، ثم أنشدته فيما بعد لنفسي: أقول شبّه لنا كأساً إذا مزج ال ... ساقي طلاها اهتدى في ليله الساري فظل يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه النار بعد الجهد بالنارِ فقال: إلا أنني أنا أتيت بالمثل السائر، فأنشدته فيما بعد لنفسي: أتى الحبيب بوجهٍ جلَّ خالقه ... لما براه بلطف فتنة الرائي فلاح شخصً عذولي وَسْط وَجْنته ... فقلت شبّهه لي في فرط لألاء فراح يُجهد أياماً قريحته ... وشبّه الماء بهد الجهد بالماء قلت: وأصل هذا المثل أن الوجيه ابن الذروي دخل يوماً إلى الحمّام ومعه ابن وزير الشاعر، فقال ابن وزير: لله يومي بحمّامٍ نعمتُ بها ... والماء ما بيننا من حولها جارِ كأنه فوق شفّاف الرخام ضحىً ... ماءٌ يسيل على أثواب قصّارٍ

стр. 333

فقال ابن الذَّروي: وشاعرٍ أوقدَ الطبع الذكيُّ له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء أقام يُعمل أياماً قريحته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء وكان هذا شهاب الدين الحاجبي كثيراً ما يتّبع كلامي، ويقصد إصابة مراميْ ولما سمع قولي قديماً: قالتْ لأيْري وهو فيها ضائع ... كالحبل وسط البير إذ تلقيته قد عشت في كسّ كبير قلت ما ... كذَبتْ لأنّ الكاف للتشبيه قال هو واختصر وأجاد: ربّ صغيرٍ حين ولّفتُه ... أيقنتُ لا يدخل إلا اليسيرْ ألفيته كالبير في وُسعه ... حتى عجبنا من صغيرٍ كبير وكذا لمّا سمع قولي: يا طيب نشر هبّ لي من نحوكم ... فأثار كامنَ لَوعتي وتهتُّكي أدّى تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إنّ ذا نشر ذكي نظمه أيضاً فقال: لا تبعثوا غير الصَّبا بتحيّة ... ما طاب في سمعي حديثُ سواها حفظتْ أحاديث الهوى وتضوّعتْ ... نشْراَ فيالله ما أذكاها

стр. 334

ولما أنشدنيهما قلت له: إلا أنك نقصتها صفة عما وصفتها به، فاعترف. ولم يزل الحاجبي على حاله إلى أن ذهبتْ عينُهُ وأثرُهُ، وأقام في لحده إلى أن يشقّه الله يوم القيامة ويبعثره. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر. وأنشدني الشيخ ناصر الدين محمد بن يعقوب المكتِّب المصري من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين الحاجبي، رحمه الله تعالى: قيل لي إذ لثمت وَرْداً على الخ ... د جنيّاً من دونه الجلّنارُ هل لورد الخدود يا صاح شوكٌ ... مثل وِرد الرياض قلت العذار وبه قال: أنشدني: عودوا لصبٍّ بكى عليكم ... يا جيرةً ودّعوا وساروا فدمْعُ عينيه عاد بَخْراً ... وقلبه ما له قَرارُ وبه قال: أنشدني: ودّعتهم ودموعي ... على الخدود غِرارُ فاستكثروا دمعَ عيني ... لما استقلّوا وساروا وبه قال: أنشدني: إلى الله أشكو من عليَّ فإنني ... شرحتُ له شَوقي وفَرْطَ تألّمي وأحوجني للغير بيني وبينه ... ويحتاج مَنْ يَهوى عليّاً لسُلَّمِ وبه قال: أنشدني: قلتُ هل لي من دواءٍ ... قد غدا جِسمي عليلاً قال تسْلو عن عليَّ ... قلتُ أمّا عنْ عليْ لا

стр. 335

أحمد بن محمد بن قلاوون السلطان الملك الناصر ابن الملك الناصر ابن الملك المنصور. كان أحسن الأخوة شكلاً، وأرجحهم ثباتاً في أول أمره وعقلاً، شديد البأس، مفرط القوة من غير التباس، ولم ير أحدٌ ما اتفق له من السعد، ولا سمع أحدٌ بما قُدّر له من التعاسة فيما بعد، ذهبت أموال الناس وأديانهم وأرواحهم بسببه، وأجلسوه على كرسي المُلك، فما طلع في صُعد شأنه حتى انحطّ في صببة، ولم يزل في خمول وخمود، وجدود عُفّرت منه الخدود، وأنزلته بعد الثريّا إلى أخدود، إلى أن فرّق الحسام بين جسده ورأسه، ونقله بعد عزّ غابه إلى ذلّ كُناسه، وما برح في محبّة الكرك، إلى أن وقع منها في وسط المعترك، وكان في عالم الإطلاق فأوقع نفسه منها في الشَّرَك، وحطّه الناس في دَرَج الملك فما أراد إلا أن يكون في دَرَك؛ وذلك لأنّ والده أخرجه في أوّل صباه إلى الكرك، والنائب هناك الأمير سيف الدين ملكتمر - رحمه الله تعالى - السرجواني فأقام بها قليلاً، وجهّز إليه أخويه إبراهيم وأبا بكر المنصور، فأقاموا بها إلى أن ترعرعوا، وطلبهم والدهم فأقام إبراهيم وأبو بكر بالقاهرة، وعاد أحمد إلى الكرك، ثم إنه طلبه إلى القاهرة، وزوّجه بابنة الأمير سيف الدين طاير بغا خال السلطان، وأقام قليلاً، وأعاده بأهله إلى الكرك، فوقع بينه وبين الأمير سيف الدين ملكتمر السرجواني، فأحضرهما السلطان، وغضب عليه والده، وتركه

стр. 336

مقيماً بالقاهرة مُدَيدة. ثم إنه جهّزه إلى الكرك وحده بلا نائب، فأقام بها إلى أن توفي والده، ولم يسند الأمر بعده إليه، بل أوصى بالمُلك للمنصور أبي بكر، فقام بشتاك في ناصره، وقام قوصون في ناصر أبي بكر، وغلب قوصون على إقامة أبي بكر فأقام المنصور المُلك مدة شهرين، وخلعه قوصون، وأقام الأشرف كُجك وسيّر قوصون يطلب الناصر أحمد إلى القاهرة، فلم يوافق، وكتب في الباطن إلى نواب الشام ومقدّمي الألوف يستجير ويستعفي من الرواح إلى مصر، وأظهر الذلّة والمسكنة الزائدة، فرّقوا له في الباطن وحملوا الكتب إلى قوصون خلا الأمير سيف الدين طشتمر حمّص أخضر، فإنه رقّ في الباطن والظاهر، فخرج على قوصون وتعصّب لأحمد، وكتب إلى نوّاب الشام وقام قياماً عظيماً علة ما سيأتي في ترجمته، وأمّا قوصون فإنه لما وقف على كُتُبه إلى النوّاب طلب الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري وجهّزه لحصار الكرك، وجهّز معه ألفي فارس، فتوجّه إلى الكرك وحصرها أياماً، ثم إنه رقّ لأحمد، وبلغه أن ألطنبغا نائب الشام قد توجّه بعسكر دمشق إلى حلب خلف طشتمر، فترك حصار الكرك وجاء إلى دمشق وتسلّمها، ودعا الناس إلى بَيعة أحمد، وسمّاه الناصر، وجرى له ما جرى على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة قطلوبغا الفخري، ولما عاد ألطنبغا من حلب والتقاه الفخري وانهزم ألطنبغا إلى مصر وخامر عسكره عليه ودخلوا في ركاب الفخري إلى دمشق ونزل بالقصر الأبلق وحلّف

стр. 337

الناس جميعاً لأحمد الفخري جهّز الأمير سيف الدين قماري وسليمان بن مهنّا وغيرهما من الأمراء إلى الكرك، وقصد منه الحضور إلى دمشق، فلم يحضر وتعلّل بحضور طشتمر، وكان قد تسحّب إلى الروم، وكتب الناصر أحمد إلى الأمير سيف طقزتمر نائب حماة وإلى الأمير بهاء الدين أصلم نائب صفد وإلى صفد وإلى مُقدّمي الألوف بدمشق يقول لهم: إن الفخريّ هو نائبي، وهو يولّي النيابات من يراه. ولما وصل طشتمر من بلاد الروم إلى دمشق، وكان أمراء مصر قد خرجوا على قوصون واعتقلوه في سجن الإسكندرية، بعث الفخري وطشتمر إلى الناصر أحمد وسألاه الحضور إلى دمشق ليتوّجها في خدمته بالعساكر إلى الديار المصرية، فدافعهما إلى بعد مضيّ شهر رمضان، وتوجّه إليه أكابر مقدّمي الألوف من مصر مثل الأمير بدر الدين جنكلي وأمثاله، وسألوه التوجُّه معهم إلى مصر، فلم يوافق وعادوا خائبين، وترك أهل الشام ومصر في حَيرة بعدما حلف الجميع له، ثم إنه بعد ذلك توجّه وحده إلى القاهرة، ولم يشعر المصريون إلاّ وقد جاء خبرُه بوصوله، وصعد إلى القصر الأبلق بقلعة الجبل، ولما وصل الخبر إلى دمشق توجّه الفخري وطشتمر بعساكر الشام وقضاته إلى مصر، وكانت سنة الأوحال كثيرة الثلوج والأمطار، وجُبيت الأموال من كبار الناس وصغارهم لنفقات العساكر ولعمل شعار المُلك وأبّهة السلطنة، فهلك الناس. ولما وصلوا إلى مصر جلس الناصر أحمد على كرسيّ المُلك وإلى جانبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو القاسم أحمد - وقد مضى ذكره - وحضر قضاة مصر

стр. 338

والشام الثمانية، واجتمعت عساكر مصر والشام، وعهِد الخليفة إليه بحضور العالمين، وحلف المصريون والشاميون، ولم تتفق مثل هذه البيعة لأحد من ملوك الأتراك، لاجتماع أهل الإقليمين في يوم واحد بحضور الخليفة، وكان يوماً مشهوداً عظيماً. ثم إنه ولّى طشتمر نيابة مصر، وقطلوبغا الفخري نيابة دمشق، وإيدغمش أمير آخور نيابة حلب، والأحمدي بيبرس نيابة صفد، والحاج آل ملك نيابة حَماة، والأمير شمس الدين آقسنقر نيابة غزّة، ولما فعل ذلك بهؤلاء الأكابر خافه الناس وهابوه وأعظموا أمره، وبعد أربعين يوماً من ملكه أمسك طشتمر وأخذه معه إلى الكرك، وبعض إلى إيدغمش بأم يُمسك الفخري، فأمسكه وجهّزه إليه مع ابنه، فلما وصل به إلى الرمل جاء من عند الناصر أحمد مَنْ أخذه منه وتوجّه به إلى الكرك، وأخذ الناصر أحمد معه من مصر سائر الخيول الثمينة الجيّدة التي في إصطبل السلطنة، وجميع البقر والغنم التي بالقلعة، وأخذ الذهب والدراهم وسائر الجواهر وما في الخزائن، وتوجّه بجميع ذلك إلى الكرك، وجعل الأمير آقسنقر السلاري نائباً بمصر، وأخذ معه القاضي علاء الدين بن فضل الله كاتب السر والقاضي جمال الدين جمال الكفاة ناظر الجيش والخاص وجعلهما عنده في قلعة الكرك، واستغرق هو في لهوه ولعبه وما سوّله له الشيطان، واحتجب عن الناس مطلقاً، وسيّر من يمسك الأحمدي بصفد، فلما أحسّ بذلك هرب من صفد وجاء إلى دمشق، وجرى ما سيأتي ذكره في ترجمة الأحمدي، ثم إنه أحضر الفخري وطشتمر يوماً وضرب عنقيهما صَبراً، وأخذ حريمهما وسباهُنّ وسلّط عليهنّ نصارى الكرك، ففعلوا بهنّ كلّ قبيح، فحينئذ نفرت منه

стр. 339

القلوب، واستوحش الناس منه، ولم يعد يحضر من الكرك كتاب ولا توقيع بخطّ موقَّع، إنما يرد ذلك بخط نصراني يُعرف بالرضي، وإذا توجّه أحد إلى الكرك لا يرى وجه السلطان، وإنما الذي يدبّر الأمور واحدٌ من أهل الكرك يعرف بابن البصّارة، فماج الناس لأجل ذلك في الشام ومصر، وجهّز المصريون إليه الأمير سيف ملكتمر الحجازي ليرى وجه السلطان، فلما بلغه وصوله جعله مقيماً بالصافية أياماً، ولم يستحضره ولا اجتمع به، فرُدّ على حاله إلى مصر، فأجمع المصريون رأيهم على خلعه وإقامة أخيه إسماعيل مكانه، فخلعوه، وحلفوا للصالح إسماعيل، وحضر الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي للبشارة إلى دمشق، وحلّف عساكر الشام، وكان يوم خلعه يوم الخميس ثاني عشر شهر الله المحرَّم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وكان مدّة ملكه بالقاهرة والكرك دون الأربعة أشهر. ولما استقرّت الأحوال وثبت ملك الصالح أمر بتجهيز العساكر من مصر والشام لحصار الكرك، فتوجّه الناس، وكلما حضرت فرقة توجّهت فرقة من مضر والشام، فيُجرح من هؤلاء ومن هؤلاء ويقتل منهم جماعة، وهلك الناس أجمعون بسببه من التجاريد، وسُخّر الناس لحمل الأتيان والشعير والمؤن للعساكر، وجرّ المجانيق والأثقال والسلاح وآلات الحصار من الدبّابات وغيرها، وطال الأمر ولم يبق أمير في مصر والشام حتى تجرّد إليه مرة ومرتين. قال لي الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا رحمه الله تعالى الذي خصني على الناصر في كلفة قدومه من التقدمة له ومن النفقة على التجاريد والتوجّه إليه ألف ألف

стр. 340

وأربع مئة ألف، وأمسك بسببه جماعة من أمراء مصر، ثم أمسك نائب مصر السلاري، ووُسِّط الأمير سيف الدين بكا الخضري ومعه جماعة من المماليك السّلطانية، وأمسك أخوه رمضان وأخوه يوسف، وقضى الله أمره فيهما، وأخذ أمرُ الناصر أحمد في التلاشي، وهلك مَنْ عنده من الجوع، وذبح تلك الخيول الثمينة والأبقار والأغنام وقدّدها، وضرب الذهب دنانير وخلط فيها الفضة والنحاس، وكان يباع الدينار بخمسة دراهم، وهرب الناس من عنده. ثم إن الأمير هام الدين سنجر الجاولي جدّ في حِصاره لأنه وقف يوماً من القلعة وسبّه ولعنه وشيخه، فقال له: الساعة أفرّجك كيف يكون الحصار، ونقل المنجنيق إلى مكان يعرفه، ورمى القلعة فوصل الحُجر إليها وأنكى فيها وخرّب السور، وطلع الناس إليها وأمسكوه في يوم الاثنين ثاني عشر صفر سنة خمس وأربعين وشبع مئة وجزّوا رأسه، وجهّزوه مع الأمير سيف الدين منجك إلى القاهرة. وقلت أنا فيه: أعوذ بالله مما راح يعكسه ال ... باري تعالى وما يُجري به الفلكا كأحمد الناصر بن الناصر انعكست ... سعوده عنه حتى راح ما ملكا فما تمتع بالملك المعظم في ... مصر وزال وما أبقى له الكركا أحمد بن محمد بن عثمان القاضي صفيّ الدين بن قاضي القضاة شمس الدين الحريري الحَنَفي، وسيأتي ذِكر والده في المحمدين إن شاء الله تعالى.

стр. 341

كان هذا القاضي صفيّ الدين شكِلاً ضخماً مفرطاً يخطئ العاقل إذا جاء في الاستفهام عنه ب مَنْ، له نوادر مُضحكة ما قَرِحَ بمثلها جُحا، ومتى سُمعتْ كان الثاني على الأول مرجَّحاً، أعجوبة من الأعاجيب، وأحدوثة لم يُسمع بمثلها إلا وظنّ أنها من الأكاذيب، يتداول الناس أخبارها، ويتشوَّفون إلى أن يَسمعوا علماءَها بذلك وأحْبارها، إلا أنه كان يَنطوي على ديانة، ويجعل الخوف من ربّه عِيانه. ولم يزل على حاله إلى أن حلّت به الدُّرخمين، وصدق في عدمه الحَدْس والتخمين. وتوفي رحمه الله تعالى في نهار السبت تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة. كان مدرّساً بالمدرسة الصادرية بباب البريد بدمشق، وبيده، على غالب ظنّي، إمامة الظاهرية داخل دمشق الحنفية. طلبة السلطان إلى مصر وولاّه التدريس فقال والده: هذا ابني ما يصلح، فقال السلطان: لهذا الملاك أنا أولّيه، وألبسه تشريفاً، وأعاده إلى دمشق. وله غرائب تُحكى عنه؛ منها: انه تأذّى من بغلةٍ كانت عنده يركبها، فقال للغلام: لا تعلّق عليها شيئاً هذه الثلاثة أيام، فجاء إليه وقال: هذه البغلة إذا لم تأكل عليقها تحمَرُ، فقال له: علّق عليها ولا تقل إنك قلت شيئاً.

стр. 342

ولامه بعض الناس في كبرها وأن يستبدل بها، فقال: لا والله هذه أشمّ فيها روائح الوالد، يعني أنها من خَيْله. ومناه أنه كان في يوم طينٍ راكب البغلة وهو مارّ في الطريق، فرأى قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرى متوجّهاً إلى الجامع الأموي ماشياً، فرجع بين يديه بالبغلة يحجُبه وهو يقول له: يا مولانا ارجع حسبنا الله، فيقول: الله الله يا مولانا قاضي القضاة، ولم يزل حتى وقع حافر البغلة في طين وفَقَس عليه، فطلع من ذلك ما جعل ثياب قاضي القضاة شهرة، فقال له: ارجع يا مولانا فقد حصل المقصود. ومنها أن والده أحضر له شيخاً يقرئه النحو، فلازمه مُدّة، فأراد والده امتحانه يوماً، فقال له: " قنديل " اسم أو فعل أو حرف؟ فقال: فعل، فقال: لمَ قلت إنه فعل؟ قال: لأنه يحسن دخول قد عليه. فقال له: كيف يكون ذلك؟ فقال: لأنك تقول قِد قنديل يعني بكسر القاف مِنْ قِد يُريد فعل أمر من الوقيد. ومنها أنه أراد أن يُشغّله في الحساب، فأحضر إليه من يقرئه ذلك فقال له الشيخ: أحد في أحد أحد، فقال هو: لا نُسلّم، أحدٌ في أحد اثنين. فقال الشيخ: يا سيّدي أحد مرّة واحدة، فقال: نعم، ظهر، فقال الشيخ: اثنان في أحد اثنان، فقال: نُسلّم. اثنان في أحد ثلاثة، فقال الشيخ: لا نسلم، أحد في ثلاثة أربعة، فقال الشيخ: يا سيّدي المراد أحد ثلاث مرّات، فقال: نعم ظهر، ولم

стр. 343

يزل الشيخ إلى أن قال: اثنان في اثنين أربعة، فقال: هذا مسلَّمٌ، فقال له الشيخ: اثنان في ثلاثة سنة، فقال: لا نُسلّم، اثنان في ثلاثة خمسة، فقال الشيخ: يا سيدي المراد اثنان ثلاث مرات، فقال: نعم ظهر، فقال الشيخ: اثنان في أربعة ثمانية، فقال: لا نسلّم، اثنان في أربعة ستة، فنفر الشيخ وقال: إنْ سلّمت وإلا، الله لا يُقدّر لم تسلّم، ومضى وتركه. ومناه أنه دخل يوماً إلى المدرسة الصادرية، فرأى الشيخ نجم الدين القحفازي خارجاً من بيت الطهارة، فقال له: يا مولانا آنستم محلّكم، فقال الشيخ نجم الدين: قبحك الله. ومنها أنه شكا لطبيب يوماً سمنه، وما يجده من البلغم، فقال له: يا مولانا تعانَ الرياضة كل يوم بُكرةً إما أن تعالج بشيء ثقيل، فقال: ما أقدر فقال: خذ قوس كُبّاد ومُدّه كل يوم بكرة عشرين ثلاثين مرّة، فقال: هذه نعم، ومضى إلى القوّاسين وطلب قوس كبّاد، فأحضر إليه ذلك، فذاقه بلسانه وردّه، وقال: هذا ما هو الغرض، قيل له: لأي شيء، قال: ما هو حامض مثل الكبّاد. وحكاياته كثيرة، وهذا القَدْر منها كافٍ.

стр. 344

أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان الواسطي الأصل الأُشْمُومي المولد والدار، الشيخ الإمام الفقيه جمال الدين أبو العباس المعروف بالوَجيزي لحفظه كتاب الوجيز واعتنائه به. كان من الفقهاء القدماء والأئمة الذين هم للعلم في الليل والنهار من الندماء. تولّى قليوب والجيزية، ثم ضعُف عن الحركة لبرد الحرارة الغريزية، فلزم بيته حتى فَنيَ ذبولاً، ولقي من الله تعالى قُبولاً. وتوفي رحمه الله تعالى في خامس شهر رجب الفرد سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وكان يَذكُر أنه أسنّ من قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بسنةٍ أو سنتين، ودفن بالقرافة. أحمد بن عباس بن جَعْوان الشيخ الإمام الزاهد الورع شهاب الدين بن كمال الدين الأنصاري الشافعي. كان فقيهاً فاضلاً متقشّفاً منقطعاً عن الناس، سمع الكثير بإفادة أخيه شمس الدين وحدّث ب جزء ابن عرفة عن ابن عبد الدائم، وكان يكتب في الفتوى، ويُعتمد عليه في نقل المذهب. وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة بالمدرسة الناصرية، ودفن برّا الباب الصغير.

стр. 345

أحمد بن محمد بن قطّينة الشيخ الجليل العَدْل شهاب الدين الزَّرعي التاجر. كان تاجراً مشهوراً بدمشق، ذا أموال ومتاجر وسعادة وبضائع في كل صنف. ذكر أنه في سنة قازان بلغت زكاة ماله خمسة وعشرين ألفاً، والله أعلم يما تجدّد له بعد ذلك. توفي رحمه الله تعالى في بستانه المعروف بالمدفع في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وكان في شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبع مئة قد أُمسك هو وعبد الكريم الحريري لمرافعة وقعت في حقهما وأنهما يكاتبان قراسنقر، وأن لهما تجارة في السلاح إلى البلاد الشرقية، ثم ظهر كذبُ المرافع، فقطع لسانه وعُزّرَ، ثم ضرب ضرباً كثيراً ومات وأُفرج عنهما. وفي سابع عشري ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة خُلع على الصاحب عزّ الدين بن القلانسي باستمراره على نظر الخاص، وعلى الصاحب شمس الدين غبريال بتولية الأوقاف المنصورية، وعلى شهاب الدين بن قطّينة بوكالة الخواص السلطانية. أحمد بن محمد بن محمد بن علي ابن محمد بن سليم الصدر الرئيس الفاضل شهاب الدين بن قُطب الدين بن الصاحب تاج الدين بن فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين بن حنّا الشافعي العَدْل.

стр. 346

كان فاضلاً رئيساً كبير الهِمّة نفيساً، مليح المحيّا من بيتٍ يتضوّع في السيادة ريّاً، حسن العبارة جميل الشارة لطيف الإشارة. لم يزل إلى أن حنّ الموتُ إلى ابن حنّا، وجعل جَسده في البلى شنّاً. وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، ودفن عند أهله بالقرافة، وكان في عُشر الأربعين. أحمد بن محمد بن إسماعيل الإربلي الشيخ شهاب الدين المعروف بالتعجيزي، لأنه كان يحفظ التعجيز، وحفظ شيئاً من الحديث وعلومه، ومعه خطوط الأشياخ بذلك. كان نوعاً غريباً وشخصاً عجيباً، وعقله أعجبُ من كل عجب، وشعره كما قيل في المثل: " ترى العجَبَ في رجَب "، ألفاظ لا يقدر الفاضل الذكيّ على أن يأتي لها بنظير، ولا يتكلّف البارع النحرير على أن يجيء بمثلها إلاّ إن كان في باشة وزنجير، شعرٌ في غير الوزن، وألفاظٌ ما تحدّث بها أهل سَهلٍ ولا حَزن، فإذا أنصف العاقل وفكّر فيه جدّ الفكرة علم أن هذا في الوجود فذّ، وهو مما ندر وجوده في العالم وشذّ، وهذا لو لم يكن طباعاً منه بلا تكلّف وسجيّة يوردها على رسله من غير تخلّف، لقدر الفضلاء على محاكاته وتكلّفوا المشابهة له في بعض حركاته، هذا مع صورة جَلّ مَنْ خلقَها، ولحيةٍ ما ظلم مَنْ أخذ الموسى وحلقها، رأيتُه مرات عديدة، ولقيته في مظاهر جديدة، فما كنت أقضي العجب من كلامه، وأتطفّل على سلامه.

стр. 347

ولم يزل على حاله إلى أن مرض مرضاً طويلاً وبقي مدة يُرى عليلاً، وهو مع ذلك يتحامل وينعكس ويتخامل، فأصبح وما أمسى، وبطل من كلامه ما كان جَهْراً وهَمْساً. وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عُشريْ شعبان سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. أنشدني من لفظه الشيخ الإمام العالم العلاّمة صلاح الدين العلائي قال: أنشدنا التعجيزي لنفسه: سُنّ يا شيعَ إني بينكم وسطٌ ... مذبذبٌ لا إلى هَوُلا ولا ثَمَةِ وفي القيامة في الأعراف منقعدٌ ... وانتظرْ منكم مَنْ يدخل الجنةِ فإنْ دخلتم فإني داخل معكم ... وإن صُفعتم فإني قاعد سَكِتِ ومعنى هذه الأبيات أنه قال: يا أهل السنّة ويا شيعة أنا في أمري بينكم متوسط لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وفي القيامة أكون على الأعراف قاعداً، فمن دخل الجنة دخلتُ معه، ومن صُفع منكم كنت في مكاني قاعداً ساكتاً. فأنت ترى هذه الألفاظ كيف أخذها وبتَر تراكيبها وغيّر أبنيتها وجعلها من المهملات التي لا معنى تحتها " ويخلق ما لا تعلمون " النحل:١٦ ٨. وكان يحب شخصاً فعمل فيه أبياتاً وأوقف عليا الشيخ نجم الدين القحفازي، وأول الأبيات: أيها المعرضُ لا عَنْ سببا ... أصلحكَ الله وصالي الأربا فكتب له الشيخ نجم الدين، ونقلت ذلك من خطّه: يا شهاباً أهدى إليّ قريضاً ... خالياً من تعسُّف الألغاز جاءني مؤذِناً برقّة طبعٍ ... حين رشحته بباب المجاز إن تكن رُمتَ عنه منّي جزاءً ... فأقلْني فلست ممن يجازي

стр. 348

أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد شهاب الدين ابن الشيخ الإمام أبي عمرو بن سيد الناس، أخو شيخنا الحافظ فتح الدين. توفي رحمه الله تعالى بالمنكوتمريّة بالقاهرة في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، ودفن عند والده بالقرافة. ومولده منتصف شعبان سنة ثمانين وست مئة. أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي الرقي الشافعي الفقيه محيي الدين ابن الشيخ شمس الدين. كان شابّاً فاضلاً، حفظ عدة كتب، وكتب جيّداً ونظم الشعر، وجلس بين الشهود ولم يُكمِل ثلاثين سنة. وتوفي رحمه الله تعالى بالعذراويّة في رابع عشر شهر جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وسبع مئة. أحمد بن محمدالزقاق بن أحمد بن محمود بن الزقاق المقرئ القاضي بدر الدين بن الجوخي العارض بديوان الجيش، مسند الشام.

стр. 349

أحمد بن محمد بن يوسف ابن محمد بن عبد الله الإمام شهاب الدين بن ناصر الدين ابن الإمام المحدّث مجد الدين بن المهتار الدمشقي. سمع من شمس الدين بن أبي عمرو، وفخر الدين بن البخاري، وابن الزين، وابن الواسطي، ومن جماعة. وكان يكتب كتابة حسنة، وجوّد عليه الخطّ جماعة، وكان يشهد تحت الساعات، ويؤمّ بالمجاهدية المجاورة لباب الفراديس، ويحضر دار الحديث مع الجماعة، وعنده وسكون ومداراة واحتمال. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع عشر المحرّم سخن خمس وثلاثين وسبع مئة، وبلغ من العمر سبعين سنة. أحمد بن مسلم بن أحمد ابن بعيثان البصروي، الشيخ الإمام الفقيه العدل شهاب الدين أبو العباس الحنفي. كان موصوفاً بالعدالة والفضل الذي ما انثنى عن ربوعه ولا بداله، حجّ مرات وفاز بالخيرات والمبرّات، وكل يواظب على الشهادة، وله إلى القضاة بالتردّد عادَهْ،

стр. 350

ودرّس بالدماغية في وقت، وحصَل له بها المِقَة لا المقت، وكان كثير الاشتغال والمطالعة والمبادرة إلى الأجوية والمسارعة. ولم يزل على حاله إلى أن حان حَينه، وآن أن يكون تحت الأرض أيْنُه. وتوفي رحمه الله تعالى سادس عشري ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة. ومولده بالكفر من أعمال بُصرى سنة أربع وأربعين وست مئة. وحدّث عن القاضي شمس الدين بن عطا بأحاديث من المسند والغيلانيات. قرأ عليه شيخنا البِرزالي في طريق الحجاز لابنه محمد بالزرقاء، وبوادي القُرى. أحمد بن محمود الإمام الأديب، الكاتب البليغ، الناظم الناثر كمال الدين أبو العباس بن أبي الفتح الشيباني الدمشقي، المعروف بابن العطار. أجاز له ابن رُوزبة، وسمع من ابن المقيّر، وأبي نصر بن الشيرازي، والسَّخاوي، وخُرِّجَت له مشيخة، وسمعها الشيخ شمس الدين الذهبي، وحدّث ب، صحيح البخاري بالكرك بالإجازة سنة سبع مئة. وكان ديّناً وقوراً، عارفاً بفنّ الترسُّل خبيراً، هو والقاضي محيي الدين بن فضل الله يكتبان الأسرار ويحفظانها من استراق الشياطين الأشرار، يقرأان البريد، ويُدبّران الأمر في دمشق بالرأي السديد. ولم يزل كذلك إلى أن تفرّد القاضي

стр. 351

محيي الدين بصحابة ديوان الإنشاء، وهو كبير الديوان يجلس فيه كأنّه كِسرى في الإيوان، وخطّه يُزري بالحدائق، والمطالعة تروح إلى باب السلطان بخطه كالريحان فوق الشقائق، وكان قد أتقن كتابة المطالعة، وعرف البداءة في ذاك والمراجعة، وكتب النسخ من أحسن ما يُرى، وأبرز سطوره كأنما قد رصّعه جوهراً. له ردّ على المعاني المبتدعة لابن الأثير، وله رسالة سمّاها رصف الفريد في وصف البريد، نظماً ونثراً. ولم يزل على حاله إلى أن ورد النقض على كماله، ورُدّ بدره إلى أسرار هلاله. وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة. ومولده سنة ست وعشرين وست مئة. وكانت وفاته في ذي القعدة ثالث عشري الشهر المذكور من السنة المذكورة. ومن شعره: ولما بدا مُرخى الذوائب وانثنى ... ضحوك الثنايا مسبل الصدغ في الخدّ بدا البدر في الظلماء والغصن في النَّقا ... وزهر الربا في الروض والآس في الوردِ أنشده يوماً القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر: لا تنكرنّ على الأقلام إنْ قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أبصرتَها وخُطَا فعارض الطَّرْس في خد الطروس بدا ... من أبيض الرمل شيبٌ منه قدْ وخطا

стр. 352

فقال كمال الدين بن العطّار: أقلام فضلك ما شابتْ ولا قصُرتْ ... لها مساعٍ إذا أنصفتها وخُطا بل عارض الطَّرْس لما شاب عنبره ... بعشبه قيل شيبٌ فيه قدّ وخَطا وكتب هو إلى القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: سقى وحيّا الله طيفاً أتى ... فقمت إجلالاً وقبّلتُه لشدّة الشوق الذي بيننا ... قد زارني حقاً وقدْ زرتُهُ فكتب الجواب عن ذلك: في النوم واليقظة لي راتبٌ ... عليك في الحالين قرّرْتُه تفضّل المولى إذا زاره ... طيفي خيالي منه أنْ زُرتُه أحمد بن محمود بن عبد السيد القاضي نظام الدين بن الإمام العلاّمة الشيخ جمال الدين الحَصيري الحنفي. كان يدرّس بالنورية إلى حين وفاته. قال شيخنا علم الدين البِرزالي: لا أعرف له رواية. وتاب مدة في الحكم بدمشق، وكان يكتب في الفتاوى، وله ذهنٌ جيّد وعبارةٌ طَلْقة. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر المحرّم سنة ثمان وتسعين وست مئة.

стр. 353

أحمد بن محمد بن مري الشيخ الإمام الفاضل شهاب الدين البعلبكي. كان في مبدأ حاله منحرفاً عن الشيخ تقي الدين بن تيمية، وممن يحطّ عليه، فلم يزل من أصحابه إلى أن اجتمع به فمال إليه، وأحبّه ولازمه وترك كل ما هو فيه، وتلمذ له ولازمه مدة، وتوجّه إلى الديار المصرية، واجتمع بالأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، فأذن له في الجلوس والكلام على الناس بجامع الأمير شرف الدين حسين بن جندر بحكر جوهر النوبي، لأن الأمير بدر الدين كان الناظر في أمر الجامع المذكور، فجلس وتكلم مدة، إلى أن تكلم في مسألة الاستغاثة والوسيلة برسول الله ﷺ ، فمنعه قاضي القضاة المالكي من الجلوس في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ثم إنه أُحضر بيد يديّ السلطان، وأُحضر بعد ذلك عند النائب في خامس شهر ربيع الآخر وحبسه القاضي المالكي، ثم غلَّظ عليه، وقيّده، ثم إنه ضربه نحو خمسين سَوطاً في تاسع عشري جمادى الأولى، وتسلّمه والي القاهرة وأقام عنده يومين، وسفّره هو وأهله إلى بلد الخليل ﵇، ثم إنه حضر وحده إلى دمشق في شهر رمضان من السنة المذكورة. وكان قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قد أثنى عليه هو والأمير بدر الدين جنكلي وغيره من الأمراء قدّام السلطان. أحمد بن مسعود بن أحمد ابن ممدود بن برشق، شهاب الدين أبو العباس الضرير السنهوري - بالسين المهملة

стр. 354

والنون والهاء والواو والراء، على وزن منصور - المعروف بالمادح، لأنه كان يكثر من أمداح سيدنا محمد رسول الله ﷺ . اجتمعت به غير مرة عند الصاحب أمين الدين في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالديار المصرية، وكان قد أضرّت عيناه، وجعلت قلبه الذكي ميناه، حفَظة لُفَظة، يتأثّر بكلامه كلّ من وعظَه، له قدرة زائدة على النظم، والنفَس الذي يذوب له اللحم، وينخر العظم من الالتزام الذي يأتي به، ويبدع في أسلوبه، فينظم قصيدة في كل بيت منها حروف المعجم، أو في كل بيت في كل كلمة منه ضاد أو حرف ظاء، أو غير ذلك من الحروف التي ما لها في دور الكلام اعتضاد. ولم يزل على حاله إلى أن سكن جلده التراب، وفارق من يعزّ عليه من الأتراب. وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر. أنشدني من لفظه لنفسه: إن أنكرتْ مقلتاكَ سفكَ دمي ... فوردُ خدّيك لي به تشهدْ يُجرّحه ناظري ويشهد لي ... أليس ظلماً تجريحي الشاهدْ أطاعك الخافقان تِهْ بهما ... قلبي المعنّى وقُرطك المائد قلت: هو من قول ابن سناء الملك: ملكتِ الخافقين فتُهتِ عُجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك

стр. 355

وأنشدني له: يا من له عندنا أيادٍ ... تعجز عن وصفها الأيادي فيك رجاءٌ وفيك يأسٌ ... كالحرّ والبرد في الزِّناد أحمد بن المسلم بن محمد ابن المسلّم، الأجلّ عز الدين ابن الشيخ شمس الدين بن علاّن القيسي الدمشقي. سمع من أبي نصر بن الشيرازي، وشيخ الشيوخ ابن حَمّوُيَه والسخاوي، وإبراهيم الخشوعي، ولم يُرَ له سماع من ابن اللتي، ولا من ابن الزبيدي. وحفظ كتاب التنبيه، وخدم في الجهات السلطانية، وولّي نظر بعلبك مرات. ولم يزل على حاله إلى أن هبط ابن علاّن إلى حضيض قبره، ولحق بمن يعامله بلطفه وجَبره. وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة. ومولده سنة أربع وعشرين وست مئة. أحمد بن مظفر بن مزهر القاضي فخر الدين النابلسي، الكاتب المشهور أخو الصاحب شرف الدين بن مُزهر.
следующие страницы →