Полный текст (3 514 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
الذين معه واحداً بعد واحد ونزلوا الى كتبغا، فطلب الشجاعي الأمان، فطلبوه الى الستّ والى لاجين استادار ليستشيروه فيما يفعلونه، فلما توجّه إليهم ضربه الآقوش المنصوري بالسيف قطع يده، ثم ضربه أخرى بَرى رأسه، ونزلوا برأسه الى كتبغا، وجرتْ أمور، وغلِّقت أبواب القاهرة خمسة أيام.
ثم طلع كتبغا الى القلعة سابع عشري صفر ودُقَّت البشائر وفُتحت الأبواب وجُدِّدت الأيمان والعهود للسلطان الملك الناصر، وأُمسك جماعة من البرجية كانوا مع الشجاعي، وجاءت الحَوطة الى دمشق على ما يتعلّق به، وخطب الخطيب في يوم الجمعة حادي عشري شهر ربيع الأول للسلطان الملك الناصر استقلالاً، وترحّم على والده المنصور وأخيه الأشرف.
وفي عشري شهر رجب ورد البريد بالحَلْفِ للناصر وولي عهد كتبغا.
وفي سلخ رجب ورد البريد أن السلطان ركب في شعار الملك وأبّهة السلطنة وشقّ القاهرة، دخل من باب النصر وخرج من باب زويلة عائداً الى القلعة، والأمراء وكتبغا يمشون في ركابه، وفرح الناس بذلك ودُقّت البشائر.
ولم يزل مستمراً في الملك الى حادي عشر المُحرّم سنة أربع وتسعين وست مئة، فتسلطن كتبغا وتسمّى بالعادل، وحلف له الأمراء بمصر والشام، ودُقت البشائر وزُينت البلاد، وجعل أتابكه الأمير حسام الدين لاجين، وتولى الوزارة الصاحب فخر الدين ابن الخليلي، وصرف تاج الدين بن حنّا، وحصل الغلاء الزائد المُفرط في أيامه حتى بلغ الإردب بمصر الى مئة وعشرين، ورطل اللحم بالدمشقي الى سبعة دراهم، ورطل اللبن بدرهمين، والبيض ستاً بدرهم، ورطل الزيت بثمانية،
стр. 2907
ولم يكن الشام مرخصاً، وتوقفت الأمطار، وفزع الناس، وذلك في سنة خمس وتسعين وست مئة. وتبع ذلك وباء عظيم، وفناء كثير، ثم إن الغلاء وقع بالشام وبلغت الغَرارة مئة وثمانين.
وقد كتبغا بالعساكر الى الشام في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، ولما عاد الى مصر من نوبة حمص في سلخ المحرّم سنة ست وتسعين وست مئة ووصل الى اللّجون جرى له ما جرى مما تقدّم ذكره في ترجمة كتبغا، وهرب كتبغا الى دمشق، ودخل لاجين بالخزائن وتسلطن بالقاهرة وتسمّى بالمنصور، ولم يختلف عليه اثنان، كما تقدم في ترجمة لاجين.
واستناب قراسنقر بمصر مدة، ثم إنه قبض عليه واستناب منكوتمر مملوكه، على ما تقدم، وجعل قبجق نائب دمشق، وجهز الملك الناصر الى الكرك، وقال: لو علمت أنهم يخلون الملك لك والله تركته، ولكنهم ما يخلونه، وأنا مملوكك ومملوك والدك، أحفظ لك الملك، فأنت تروح الى الكرك الى أن تترعرع وترتجل وتتخرّج وتدرب الأمور وتعود الى ملكك، بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة، فقال له السلطان: فاحلف لي إنك تبقي عليّ نفسي وأنا أروح، فحلف كلٌ منهما على ذلك، وتوجه السلطان وأقام بالكرك الى أن قُتل لاجين، على ما تقدم في ترجمته، في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مئة، فحلف للسلطان الملك الناصر جميع الأمراء وأحضروه من الكرك وملّكوه. وهذه سلطنته الثانية. وجعل سلاّر نائباً بمصر، وحسام الدين أستادار أتابكاً.
стр. 2908
وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة ركب السلطان بأبّهة الملك وشعار السلطنة والتقليد الحاكمي أمامه، وعمره يومئذ خمس عشرة، ورُتِّب الأفرم نائباً بدمشق.
وفي عَود السلطنة الى الملك الناصر قال علاء الدين الوداعي، ومن خطّه نقلت:
الملكُ الناصرُ قد أقبلتْ ... دولته مشرقةَ الشمسِ
عاد الى كرسيّه مثلما ... عاد سليمانُ الى الكرسي
ولم يزل بمصر الى أن حضر غازان الى الشام، فخرج بالعساكر في أوائل سنة تسع وتسعين وست مئة، ودخل دمشق في ثامن شهر ربيع الأول بعدما طوّل الإقامة على غزة، وأقام في قلعة دمشق تسعة أيام، وعدّى التتار الفرات، فخرج السلطان وساق الى حمص، وركب بكرة الأربعاء سابع عشري الشهر المذكور، وساق الى وادي الخزندار، وكانت الوقعة، والتحم الحرب، واستحرّ القتل، ولاحت أمارات النصر للمسلمين، وثبتوا الى العصر، وثبت السلطان والخاصكية ثباتاً كلياً، فانكسرت ميمنة المسلمين، وجاءهم ما لا قبل لهم به، لأن الجيش لم يكن بكامل يومئذ، وكان جيش الإسلام بضعة وعشرين ألفاً، وكان جيشُ التتار يقارب المئة ألف، فيما قيل، وشرع المسلمون في الهزيمة، وأخذ الأمراء السلطان وتحيّزوا به، وحموا ظهورهم وساروا على درب بعلبك والبقاع، وبعض العسكر المكسور دخل الى دمشق، واستشهد جماعة من الأمراء، وخُطبَ بدمشق للملك المظفر غازان محمود، ورفع في ألقابه، وتولى قبجق النيابة عن التتار، وملك غازان دمشق خلا القلعة فإن قبجق في الباطن لاحظ أميرَها مع أرجواش وأبان أرجواش عن همة عظيمة في حفظها، على ما تقدّم
стр. 2909
ترجمته، وجبى التتار الأموال من الدماشقة، وقيل: إن الذي حُمل الى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف ألف وست مئة ألف درهم، والذي أطلقه لمقدّمي المغل نحو آلات على الناس بوصولات وأخذوا أكثر مما كُتب لهم فهو أكثر من ذلك. وأخذ شيخ الشيوخ لنفسه مبلغ ست مئة ألف درهم. وأخذ قبجق أكثر م نذلك، وأخذ يحيى وإسماعيل أكثر من ذلك، وعزم الناس أكثر من ذلك، وجبوا على الرؤوس أكثر من ذلك، وجبوا على البيوت أكثر من ذلك، وجبوا على الأوقاف أكثر من ذلك، وأخذوا جميع ما وجدوه من الخيل والبغال والجمال والدواب. وأحرقوا جامع التوبة بالعقيبة، وجميع ما حول البلد وخيار منتزهاتها، وأجود عماراتها مثل الدهشة، وصُفّة أبقراط، العافية، وناصرية الجبل، وبيمارستان الصالحية، وترب كثيرة، وغالب الجواسق التي بالبساتين، وغالب ما حول القلعة. وأما شبابيك الصالحية وما قدروا عليه من الرخام فإنهم أخذوه وأفسدوه. وقتلوا من أهل الصالحية أربعة آلاف نفس، وأسروا ما شاء الله. وأما الذي قتلوه من الضياع البرّانية وأسروه فشيء لا يعلمه إلا الله تعالى. وكانوا إذا قرروا على الإنسان عشرة آلاف درهم ينوبه ترسيم للمُغل ألفان. ولم يزل وجيه الدين ابن المنجّا يجبي من الناس الى أن كمّل المبلغ وحمله الى غازان، وجُملته ما تقدّم ذكره.
стр. 2910
وأقام غازان بالغوطة نازلاً الى ثاني عشر جمادى الأولى، ورحل طالباً بلادَه وخلّف نائبه خطلو شاه بالقصير في فرقة من المُغل.
وفي شهر رجب جمع قبجق الأعيان والقضاة الى داره وحلّفهم للدولة الغازانية بالنُّصح وعدم المداجاة، ثم إن قبجق توجه هو والصاحب عز الدين ابن القلانسي الى مصر في نصف رجب، وقام بحفظ المدينة وأمر الناس أرجواش.
وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة للسلطان الملك الناصر، وكان مدة إبطال ذلك مئة يوم.
وأما السلطان الملك الناصر فإنه دخل الى مصر بعد الكسرة وتلاحق به الجيش، وأنفق في العساكر، واشتُريت الخيلُ وآلات السلاح بالأثمان الغالية.
وفي يوم عاشر شعبان قدِم الأفرم نائب دمشق بعسكر دمشق، وقدم أمير سلاح بالميسرة المصرية، ثم دخلت الميمنة، ثم دخل القلب وفيه سلاّر بالجيوش الى القاهرة، وكثرت الأراجيف بمجيء التتار، وانجفل الناس الى مصر والى الحصون، وبلغ أجرة المحارة الى مصر خمس مئة درهم، ثم فترت أخبار التتار في شهر ربيع الأول سنة سبع مئة. ثم دخل التتار الى حلب وشرع الناس في قراءة البخاري، وقال الوداعي في ذلك، ومن خطّة نقلت:
بعثنا على جيش العدو كتائباً ... بُخاريةً فيها النبيّ مُقدّمُ
فرُدوا الى الأُردو وبغيظٍ وخيبةٍ ... وأُردُوا وجيشُ المسلمين مسلّمُ
فقولوا لهم: عودوا نَعُدْ، ووراءكم ... إذا ما أتيتُم أو أبيتُم جهنّمُ
ووصل السلطان الى العريش ووصل التتار الى حلب.
стр. 2911
ودخل شهر جمادى الأولى والناس في أمر مريج، ووصل بكتمر السلاح دار بألف فارس، وعاد السلطان الى مصر، فانجفل الناس غنيُّهم وفقيرهم، ونودي في الأسواق بالرحيل، وضجّ النساء والأطفال، وغُلّقت أبواب دمشق، واقتسم الناس قلعة دمشق بالشبر، ووقع على غيّارة التتار عسكرُ حمص فكسروهم وقتلوا منهم نحو مئة، وصحّت الأخبار برجوع غازان نحو حلب، فبلغ الناس ريقهم، وأطفأ السكون حريقهم، وهلك كثير من التتار تحت الثلج بحلب، وعمّ الغلاء، وعزّ اللحم بدمشق وبيع الرطل بتسعة دراهم، ثم دخل الأفرم والأمراء من المرج بعدما أقاموا به أربعة أشهر، واستقرّ حال الناس بعد ذلك.
وفي شهر شعبان أُلبس النّصارى الأزرق واليهود الأصفر والسامرة الأحمر، وسبب ذلك أن مغربياً كان جالساً بباب القلعة عند سُلاّر والجاشنكير، فحضر بعض الكتّاب النصارى بعمامة بيضاء، فقام له المغربي يتوهّم أنه مسلم، ثم ظهر له أنه نصراني، فدخل الى السلطان وفاوضه في تغيير زي أهل الذمّة ليمتاز المُسلمون عنهم. وفي ذلك يقول علاء الدين الوَداعي، ومن خطه نقلت:
لقد أُلزم الكُفّار شاشاتِ ذلّةٍ ... تَزيدُهم من لعنةِ الله تَشويشا
فقلت لهم: ما ألبَسوكُم عَمائماً ... ولكنهم قد ألبَسوكم بَراطيشا
ونقلت منه له:
غيَّروا زيّهُم بما غيّروه ... منْ صفاتِ النبيّ ربِّ المكارِمْ
стр. 2912
فعليهم كما ترون براطي ... شُ ولكنها تُسمى عمائمْ
ونقلت منه له:
لقد ألبسوا أهل الكِتابين ذلّةً ... ليظهر منهم كلُّ من كان كامنا
فقلت لهم ما ألبسوكم عمائماً ... ولكنهم قد ألبسوكم لَعائنا
وفي ذلك يقول شمس الدين الطيبي:
تعجّبوا للنصارى واليهود معاً ... والسامريّين لما عُمّموا الخرَقا
كأنما باتَ بالأصباغِ مُنْسَهِلاً ... نسرُ السماء فأضحى فوقهم ذَرقا
وفي جمادى الأولى سنة إحدى وسبع مئة توفي أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد ودُفن عند السيدة نفيسة، كما تقدّم في ذكره، وتولى الخلافة ولده أمير المؤمنين المستكفي بالله أو بالربيع سليمان، وقرئ تقليده بولاية العهد بعد العزاء.
وفي سنة اثنتين وسبع مئة فتحت جزيرة أرواد وهي بقرب انطرسوس وقُتل بها عدة من الفرنج، ودخل الأسرى الى دمشق وهم قريبٌ من المئة وخمسين.
وفي شعبان من السنة عدّى التتار الفرات وانجفل الناس، وخرج السلطان بجيوشه من مصر. وفي عاشر شعبان كان المصاف بين المسلمين والتتار بعُرض، كان المسلمون ألفاً وخمس مئة، وعليهم أسندمر وأغرلو العادلي وبهادر آص، وكان التتار نحواً من أربعة آلاف، فانكسر التتار، وأسر مقدّمُهُم وقُتل منهم خلق كثير. ثم دخل دمشق من
стр. 2913
جيش مصر خمس تقدام وعليهم الجانكشير، والحسام أستاذ الدار، ثم دخل بعدهم ثلاثة آلاف مقدمهم أمير سلاح وبعقوبا وأيبك الخزاندار، ثم أتى عسكر حلب وحماة متقهقراً من التتار، وتجمّعت العساكر الى الجُسورة بدمشق، واختبط الناس، واختنق في أبواب دمشق من الزحام غيرُ واحد، وهرب الناس " وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ "، ووصل السلطان الى الغَور، وغُلّقت أبواب دمشق، وضجّ الخلق الى الله تعالى، ويئس الناس من الحياة. ودخل شهر رمضان، وتعلّقت آمال الناس ببركاته، ووصل التتار الى المرج، وساروا الى جهة الكسوة، وبعَدوا عن دمشق بكرة السبت ثاني شهر رمضان المعظّم، وصعد النساء والأطفال الى الأسطحة وكشفوا رؤوسهم وضجّوا وجأروا الى الله تعالى، ووقع مطر عظيم، ووقّعت الظهر بطاقة بوصول الدعاء وحفظ أسوار البلد، وبعد الظهر وقع المصاف والتحم الحرب، فحمل التتار على الميمنة من المسلمين فكسروها، وقُتل مقدّمُها الحُسام أستادار ومعه جماعة من الأمراء المقدمين، وثبت السلطان ذلك اليوم ثباتاً زائداً عن الحد، واستمر القتال من العصر الى الليل، ورُدّ التتار من حملتهم على الميمنة بغلَس وقد كَلَّ حدّهم فتعلّقوا بالجبل المانع.
وطلع الضوء بكرة يوم الأحد والمسلمون مُحدقون بالتتار، فلم يكن ضحوة من النهار إلا وقد ركن التتار الى الفرار وولّوا الأدبار، ونزل النصر، ودُقّت البشائر، وزُيّن البلد، وكان التتار نحواً من خمسين ألفاً وعليهم خطلوا شاه نائب غازان،
стр. 2914
ورجع غازان من حلب ضيّقَ الصدر من كسر أصحابه يوم عُرْض، وبهذه الكسرة سقطت قواه، لأنه لم يعد إليه من أصحابه غير الثلث، وتخطّفهم أهل الحصون، وساق سلار وقبجق وراء المنهزمين الى القريتين، ولم ينكسر التتار هذه المرة.
حكى لي جماعة من دير بشير أنهم كانوا يأتون إلينا عشرين عشرين وأكثر وأقل، ويطلبون أن نعدّي بهم الفرات في الزواريق الى ذلك البر، فما نعدّي بمركب إلا ونقتل كلَّ من كان فيه، حتى إن النساء كنّ يضربن بالفؤوس ونحن نذبحهم في إثر ذلك، فما تركنا أحداً منهم يعيش.
وهذه الواقعة الى الآن في قلوبهم، وكان قد جاء كتاب غازان يقول فيه: ما جئنا هذه المرة إلا للفُرجة في الشام، فقال علاء الدين الوداعي في ذلك، ومن خطه نقلت:
قولوا لغازان بأن جيوشَهُ ... جاؤوا ففرّجناهم بالشام
في سرحةِ المرجِ التي هاماتُهم ... منشورها وشقائق الأجسام
ما كان أشأمَها عليهم فُرجةً ... غمّت وأبركها على الإسلام
وقال لما انهزم:
أتى غازان عدواً في جُنودٍ ... على أخذ البلاد غَدَوا حِراصا
فما كسَبوا سِوى قتلٍ وأسرٍ ... وأعطوهُ بحصّته حُصاصا
стр. 2915
وقد نظم الناس في هذه الواقعة كثيراً، ومن أحسن ما وقفتُ عليه قول شمس الدين الطيبي - رحمه الله تعالى - وهو يقارب المئة بيت، وهذا الذي وقع لي منها وهو:
برقُ الصوارم للأبصار يختطِفُ ... والنّقعُ يحكي سَحاباً بالدِّما يكفُ
أحلى وأعلى وأغلى قيمةً وسنا ... من ريقِ ثغر الغَواني حينَ يُرتَشَفُ
وفي قدود القنا معنىً شُغفت به ... لا بالقدود التي قد زانها الهيَفُ
ومن غدا بالخُدود الحُمر ذا كلف ... فإنني بخدود البيض لي كلَفُ
ولامةُ الحرب في عينيّ أحسن من ... لامِ العذارِ التي في الخد تنعطف
كلاهما زردٌ هذا يُفيد وذا ... يُردي فشأنهما في الفعل يختلف
والخيل في طلب الأوتار صاهلةً ... ألذُّ لحناً من الأوتار تأتلف
ما مجلس الشّرب والأرطال دائرةٌ ... كموقف الحرب والأبطال تزدلف
والرّزقُ من تحت ظل الرمحِ مقترنٌ ... بالعزّ، والذلّ يأباهُ الفتى الصَّلف
لا عيشَ إلا لفتيانٍ إذا انتُدبوا ... ثاروا وإن نهضوا في غمةٍ كشفوا
يَقي بهم ملةَ الإسلام ناصرُها ... كما يقي الدرّة المكنونة الصّدف
قاموا لقوة دين الله ما وهنوا ... لما أصابهم فيه ولا ضعُفوا
وجاهدوا في سبيل الله فانتصروا ... من بعد ظُلمٍ ومما ساءَهم أنِفوا
لما أتَتْهُم جيوشُ الكُفر يَقدُمهم ... رأسُ الضّلال الذي في عقله جنَفُ
جاؤوا وكل مقامٍ ظلّ مُضطَرباً ... منهم وكل مَقامٍ بات يرتجفُ
стр. 2916
فشاهدوا علمَ الإسلام مرتفعاً ... بالعدلِ فاسْتَيقنوا أن ليسَ ينصرف
لاقاهُمُ الفيلقُ الجرّارُ فانكسروا ... خوفَ العوامل بالتأنيث فانصرفوا
يا مرجَ صُفّر بيّضْت الوجوه كما ... فعلت من قبلُ بالإسلام يُؤتنف
أزَهْرُ روضِكَ أزهى عند نفحته ... أم يانعاتُ رؤوس فيكَ تُقتطَف
غدرانُ أرضك قد أضحَتْ لوارِدِها ... ممزوجةً بدماءِ المغلِ تُرتشف
زلّت على كتف المصري أرجلُهم ... فليس يدرون أنّى تؤكل الكتف
أوَوْا الى جبلٍ لو كان يعصمُهم ... من موج فوج المَنايا حين يختطف
دارت عليهم من الشُجعان دائرة ... فما نجا سالمٌ منهم وقد زحفوا
ونكّسوا منهم الأعلام فانهزموا ... ونكصوهُم على الأعقاب فانقصَفوا
ففي جماجمهم بيضُ الظّبي زُبَر ... وفي كلاكلهم سُمر القنا قِصَف
فرّوا من السيف ملعونينَ حيث سَرَوا ... وقُتّلوا في البَراري حيثما ثُقِفوا
فما استقامَ لهم في أعوجٍ نهَجٌ ... ولا أجار لهم من مانع كتف
وملّت الأرض قتلاهم بما قذَفَتْ ... منهم وقد ضاقَ منها المهمهْ القذف
والطير والوحش قد عافت لحومَهُم ... ففي مزاج الضواري منهم قرف
رُدّوا فكل طريق نحو أرضهِمُ ... تدلّ جاهلَها الأشلاءُ والجيف
وأدبَروا فتولّى قطعَ دابرهُم ... والحمد لله قومٌ للوغى ألِفوا
ساقوهم فسقَوا شطّ الفراتِ دماً ... وطمّهم بعُباب السّيل فانحرفوا
وأصبحوا بعدُ لا عينٌ ولا أثر ... غير القلاع عليها منهم شعف
стр. 2917
يا برقُ بلّغ الى غازان قصّتهم ... وصِفْ فقصّتهم من فوق ما تصف
بشّر بهلكهم ملكَ العِراقِ لكي ... تُعطيكَ حلوانها حُلوانُ والنّجف
وإن تُسَل عنهم قُل قد تركتهم ... كالنّخل صرعى فلا تمرٌ ولا سعفُ
ما أنت كفؤ عروس الشام تخطبُها ... جهلاً وأنت إليها الهائمُ الدّنف
قد مات قبلك آباءٌ بحسرتها ... وكلهم مغرمٌ مُغزىً بها كلِفُ
إن الذي في جحيم النار مسكنهُ ... لا تُستباح له الجنات والغُرف
وإن تعودوا تُعد أسيافُنا لكم ... ضَرباً إذا قابلتَها رُضّت الحجَفُ
ذوقوا وبال تعدّيكُم وبغيكم ... في أمركم ولكأس الخُزي فارتشفوا
فالحمد لله مُعطي النّصر ناصره ... وكاشفُ الضُرّ حيث الحال ينكشفُ
وفي ذي الحجة من السنة المذكورة كانت الزلزلة العظمى، بمصر والشام، وكان تأثيرها بالإسكندرية أعظم، ذهب تحت الرّدم عدد كثير، وطلع البحر الى نصف البلد وأخذ الجمال والرجال وغرقت المراكب وسقطت بمصر دورٌ لا تحصى، وهُدمت جوامع ومآذن وانتدب سلار والجاسنكير وغيرهما من الأمراء، وأخذ كل واحد منهما جامعاً وعمّره وجدّد له وقوفاً.
وفي سنة ثلاث وسبع مئة توجّه أمير سلاح وعسكر من دمشق وقبجق في عسكر من حماة وأسندمُر في عسكر الساحل وقراسنقر في عسكر حلب، ونازلوا تل
стр. 2918
حدون وأخذوه، ودخل بعض العسكر الدربند وأغاروا ونهبوا وأسروا خلقاً، ودقت البشائر.
وفي هذه السنة توفي غازان ملك التتار، وملك بعده أخوه الملقب خربندا.
وفي سنة خمس وسبع مئة نازل الأفرم بعساكر دمشق جبل الجُرد، وكسر الكسروانيين لأنهم كانوا روافض، وكانوا قد آذوا المسلمين وقتلوا المنهزمين من العساكر المصرية في نوبة غازان الأولى الكائنة في سنة تسع وتسعين وست مئة.
وفي سة ثمان وسبع مئة في سادس عشري شهر رمضان توجّه السلطان الملك الناصر الى الحجاز وأقام بالكرك متبرّما من سلار والجاشنكير وحجرهما عليه ومنعهما له من التصرف، قيل: إنه طلب يوماً خروفاً رميساً فمنع منه، أو قيل: يجيء كريم الدين، لأنه كاتب الجاشنكير، وأمر نائب الكرك بالتحوّل الى مصر، وعند دخوله القلعة انكسر به الجسر فوقع نحو خمسين مملوكاً، ومات منهم أربعة وتهشّم منهم جماعة وأعرض السلطان عن أمر مصر، فوثب للسلطنة بعد أيام الجاشنكير وتسلطن، وخُطب له، وركب بخلعة الخلافة، وذلك عندما جاءتهم كتبُ السلطان من الكرك باجتماع الكلمة فإنه ترك لهم الملك.
وفي سنة تسع وسبع مئة في شهر رجب خرج السلطان من الكرك قاصداً دمشق، وكان قد ساق إليه من مصر مئة وسبعون فارساً فيهم أمراء وأبطال، وجاء مملوك
стр. 2919
السلطان الى الأفرم يخبره بأن السلطان وصل الى الخان، فتوجه الى السلطان بيبرس المجنون وبيبرس العلائي، ثم ذهب بهادر آص لكشف القضية، فوجد السلطان قد رُدّ الى الكرك، ثم بعد أيام ركب السلطان وقصد دمشق بعدما ذهب إليه قطلوبك الكبير والحاج بهادر، وقفز سائر الأمراء إليه، فقلق الأفرم لذلك ونزح من دمشق بمماليكه مع الأمير علاء الدين بن صُبح الى الشقيف، فبادر بيبرس العلائي وآقجبا المُشد وأمير علم في إصلاح الجتر والعصائب وأبهة الملك، ودخل السلطان قبل الظهر الى دمشق يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة تسع وسبع مئة، وفتح له باب القلعة باب السرّ، ونزل نائبها قبّل الأرض، فلوى هناك فرسه الى القصر ونزل به. ثم إن الأفرم حضر إليه بعد أربعة أيام واستمر به في نيابه الشام، وبعد يومين وصل قبجق نائب حماة وأستدمر نائب طرابلس وتلقاهما السلطان. وفي ثامن عشري الشهر وصل قراسُنقر نائب حلب.
ثم إن السلطان خرج لمصر في تاسع شهر رمضان ومعه العساكر والنواب والقضاة، ووصل غزة، وجاءه الخبر بنزول الجاشنكير عن الملك وأنه طلب مكاناً يأوي إليه وهرب من مصر مغرّباً وهرب معه سلار مشرّقاً، فلما كان بالرّيدانية ليلة العيد اتفق الأمراء عليه وهمّوا بقتله، فجاء إليه بهاء الدين أرسَلان دوادار سلار وقال: قُم الآن
стр. 2920
واخرج من جانب الدهليز واطلع الى القلعة، فرعاها له، ولم يشعر الناس بالسلطان إلا وقد خرج راكباً فتلاحقوا به وركبوا في خدمته وصعد القلعة، وكان الاتفاق قد حصل أن قراسنقر يكون نائباً بمصر وقطلوبك الكبير نائب دمشق، فلما استقر جلوس السلطان بقلعة الجبل، وهذه المرة الثالثة من عوده الى الملك قبض في يوم واحد على اثنين وثلاثين أميراً من السِّماط، ولم ينتطح فيها عنزان، ورسّم للأفرم بصرخد ولقراسنقر بالشام، وجعل قبجق نائب حلب والحاج بهادر نائب طرابلس وقطلوبك الكبير نائب صفد، وجعل بكتمر الجوكَندار نائب مصر.
وفي سنة عشر وسبع مئة وصل أسندمر الى دمشق متوجهاً الى حماة نائباً، ومنها عزل القاضي بدر الدين ابن جماعة، وولي القضاء جمال الدين الزرعي عوضه، وصرف السروجي عن قضاء الحنفية، وطلب شمس الدين بن الحريري وولاه مكانه. وبعد أيام قلائل توفي الحاج بهادر نائب طرابلس، ومات بحلب نائبها قبجق، فرسم للأفرم بنيابة طرابلس، وأمره أن لا يدخل بدمشق، على ما تقدم في ترجمته، ورسّم لأسندمر بنيابة حلب.
وفي هذه السنة أمر لعماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي بحماة.
وفي سنة إحدى عشرة وسبع مئة نقل قراسُنقر من نيابة دمشق الى نيابة حلب بعدما أمسك أسندمر وتولّى كراي نيابة دمشق. وفي شهر ربيع الآخر أعاد ابن جماعة الى مكانه، وتقرر القاضي جمال الدين الزرعي في قضاء العسكر مع مدارس أُخَر.
стр. 2921
وفي جمادى الأولى أُمسك كراي نائب دمشق وقيّد وجُهّز الى الباب بعدما أُمسك الجوكندار نائب مصر، وأُمسك قطلوبك الكبير بصفد وحُبس هو وكراي بالكرك وجاء الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك الى دمشق نائباً.
وفي سنة اثنتي عشرة وسبع مئة تسحّب الأمير عز الدين الزردكاش والأفرم وتوجّها الى قراسُنقر، وساق الجميع الى عند مهنا فأجارهم، وعدّوا الفرات وطلبوا خربندا، على ما تقدّم في تراجمهم.
وفي شهر ربيع الأول طُلب نائب دمشق الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك الى مصر، وفيها أمسك العلائي بيبرس نائب حمص، وبيبرس المجنون، وبيبرس التاجي، وكجلي، والبرواني، وحُبسوا في الكرك، وأمسك بمصر جماعة أيضاً.
وفي ربيع الأول قدم الأمير سيف الدين تنكز الى دمشق نائباً، على ما تقدم في ترجمته، وسودي الى حلب نائباً على ما تقدم. وفي أوائل شهر رمضان قويت الأراجيف بمجيء خربندا ومنازلته الرحبة، على ما تقدم، ثم إنه رحل عنها، على ما تقدم في ترجمته. وعيّد السلطان بمصر وخرج الى الشام، ووصل في ثالث عشري شوال وصلى بالجامع الأموي، وعمل دار عدل، وتوجه من دمشق الى الحجاز، وعاد الى دمشق، ثم توجه الى مصر.
وفي صفر سنة أربع عشرة توفي سودي نائب حلب وجاء عوضه نائباً الأمير علاء الدين ألطنبغا.
وفي سنة خمس عشرة وسبع مئة توجه الأمير سيف الدين تنكز بعساكر الشام
стр. 2922
وستة آلاف من الجيش المصري الى ملطية ففتحها وسبى ونهب وألقى النار في جوانبها، وقتل جماعة من النصارى.
وفي سنة ست عشرة توفي خربندا ملك التتار، وتولى بعده ولده بوسعيد على ما تقدم.
وفي سنة إحدى وعشرين وسبع مئة وقع الحريق بمصر واحترق دور كثيرة للأمراء وغيرهم، ثم ظهر أن ذلك من كيد النصارى، لأنه وجد مع بعض آلات الإحراق من النفط وغيره، وقتل منهم جماعة وأسلم عدة، ورجم العامة والحرافيش كريم الدين الكبير، فأنكر السلطان ذلك وقطع أيدي أربعة وقيّد جماعة.
وفيها جرى الصلح بين السلطان وبين بوسعيد، سعى في ذلك مجد الدين السلامي مع النوين جوبان ومع الوزير غياث الدين محمد بن الشيد.
وفي جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة أمر السلطان بحفر الخليج من رأس الخور الى أن ينتهي الى سرياقوس، تولى ذلك الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، وفرغ في أقرب مدة، ودام العمل الى آخر شعبان من السنة المذكورة، وما يعلم ما أنفق فيه من الأموال إلا الله تعالى.
وفي سنة خمس وعشرين وسبع مئة جهز السلطان من عسكر مصر ألفي فارس نجدةً لصاحب اليمن، وقدّم عليهم الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب والأمير سيف الدين طينال، فدخلوا زبيد، وألبسوا الملك المجاهد خلع السّلطنة وعادوا. وبلغ السلطان أمور نقمها، فاعتقل بيبرس الحاجب. وفي هذه السنة فتحت الخانقاه التي أنشأها بسرياقوش، وكان يوماً عظيماً، وحضر القضاة والعلماء ووجوه الدولة، وخلع على القضاة وعلى المشايخ، وفرّق قريباً من ثلاثين ألف درهم.
стр. 2923
وفي سنة ست وعشرين حج الأمير سيف الدين أرغون النائب، ولما حضر أمسكه وجهّزه الى حلب نائباً، على ما تقدّم.
وفي سنة سبع وعشرين وسبع مئة طُلب أمير حسين بن جندر من دمشق الى مصر ليقيم بها أميراً، وطلب قاضي القضاة جلال الدين القزويني، وجعله قاضي القضاة بمصر، على ما تقدّم، وفيها كان عرس ابنة السلطان على الأمير سيف الدين قوصون، وكان عرساً عظيماً على ما تقدم، وفيها كانت الكائنة بإسكندرية، وتوجه الجمالي الوزير إليها وصادر الكارم والحاكم، وضرب القاضي، ووضع الزنجير في رقبته، وجعل قاضيها شافعياً، وكانت واقعة فظيعة.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة دخل ابن السلطان آنوك على بنت بكتمر الساقي وكان عرْساً عظيماً حضره تنكز وطينال، على ما تقدّم في ترجمته.
وفيها حجّ السلطان واحتفل بأمر الحجاز، وفي العَود مات سيف الدين بكتمر الساقي وولده أحمد قبله، على ما تقدّم. وفيها أمسك الصاحب شمس الدين غبريال وأخذ خطه بألفي ألف درهم، على ما تقدّم.
وفي سنة ثلاث وثلاثين عمّر الأمير سيف الدين تنكز ثغر جعبر وصارت من ثغور المسلمين.
وفي سنة خمس وثلاثين وسبع مئة جُهّز مهنا وداس بساط السلطان بعد عناء عظيم وتسويف كثير فأقبل عليه وأعطاه شيئاً كثيراً، على ما سيأتي في ترجمته. وفيها أخرج من السّجن ثلاثة عشر أميراً منهم تمر السّاقي وبيبرس الحاجب.
стр. 2924
وفي سنة ست وثلاثين وسبع مئة توفي القان بوسعيد، على ما تقدم.
وفي سنة أربعين أمسك السلطان الأمير سيف الدين تنكز في ثالث عشري ذي الحجة، على ما تقدّم.
وفي سنة إحدى وأربعين وسبع مئة توفي ابن السلطان آنوك.
وفيها توفي الملك الناصر رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور. وقام في الملك بعده ولده المنصور أبو بكر على ما تقدّم في ترجمته.
وكان الملك الناصر رحمه الله تعالى ملكاً عظيماً مُطاعاً محظوظاً مهيباً ذا بطش ودهاء، وأيْد وكيْد، وحزم وحلم، قلما حاول أمراً، فانجذم عليه فيه شيء يحاوله، لأنه كان يأخذ نفسه فيه بالحزم البعيد والاحتياط، أمسك الى أن مات مئة وخمسين أميراً، وكان يلبس الناس على علاتهم، ويصبر الدهر الطويل على الإنسان وهو يكرهه. تحدّث مع أرغون النائب في إمساك كريم الدين الكبير قبل إمساكه بأربع سنين، وهمّ بإمساك تنكز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة بعد بكتمر الساقي ثم أمهله ثماني سنين. وكان الملوك الكبار يهادونه ويراسلونه، وكانت ترد إليه رسل ملك الهند، ورسل القان أزبك، وتزوّج ابنته، وملوك الحبشة، وملوك الفرنج، وملوك الغَرْب، وبلاد الأشكري، وصاحب اليمن، وأما بوسعيد ملك التتار فكانت الرسل لا تنقطع بينهما، وكل منهما يسمي الآخر أخاً، وصارت الكلمتان واحدة،
стр. 2925
والمملكتان واحدة، ومراسيم السلطان تنفّذ في بلاد بوسعيد، ورسله تدخل البلاد بالأطلاب والطبلخانات والأعلام المنشورة، وكلما بعد الإنسان عن مملكته وجد ذكره وعظمته ومهابته أعظم، ومكانته في القلوب أوقع.
وكان سمحاً جواداً على مَن يقرّبه ويؤثره، لا يبخل عليه بشيء كائناً ما كان. سألت أنا القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص قلت: هل أطلق السلطان يوماً ألف ألف درهم؟ قال: نعم. كثير. وفي يوم واحد، أنعم على الأمير سيف الدين بشتاك بألف ألف درهم في ثمن قرية يُبنى التي بها قبر أبي هريرة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وأنعم على موسى بن مهنا بألف ألف درهم في ثمن القريتين، وأراني القاضي شرف الدين أوراقاً فيها ما ابتاعه فيها من الرقيق، وكان ذلك لمدة أولها شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة الى سنة سبع وثلاثين، وكان جملته أربع مئة ألف وسبعين ألف دينار. كذا قال.
وكان ينعم على الأمير سيف الدين تنكز في كل سنة يتوجه إليه بما يزيد على الألف ألف درهم، وأنعم يوماً على الأمير سيف الدين قوصون بزردخاه بكتمر الساقي، قال المهذب كاتب بكتمر: فيها شيء بمبلغ ست مئة ألف دينار، وأخذ السلطان من الجميع سرجاً واحداً، ولما تزوج قوصون بابنته حمل الأمراء إليه شيئاً
стр. 2926
كثيراً، ثم بعد ذلك زوّج ابنته الأخرى الأمير سيف الدين طغاي تمر، وقال السلطان ما نعمل له عرساً، لأن الأمراء يقولون: هذه مصادرة بحسن عبارة، ونظر الى طغاي تمر فرآه قد تغيّر، فقال للقاضي تاج الدين إسحاق ناظر الخاص: يا قاضي اعمل لي ورقة بمكارمة الأمراء في عرس قوصون، فعمل ورقة وأحضرها، فقال: كم الجُملة؟ فقال: خمسون ألف دينار، فقال: أعطِ نظيرها من الخزانة لطغاي تمر، وهذا خارجاً عمّا دخل مع الزوجة من الجهاز.
وحكي لي الحاج حسين أستادار الأمير سيف الدين يلبُغا اليحيوي قال: جرى يوماً بين يدي السلطان ذكر عشرين ألف دينار، فقال الأمير: والله يا خوند أنا عمري ما رأيت عشرين ألف دينار، فلما راح من عنده طلب النّشو وقال: احمل الساعة الى يلبغا خمسة وعشرين ألف دينار، وجهّزها مع الخزندارية، وجهّز خمسة تشاريف أطلس أحمر بكلوتات زركش، وطرز زركش، وحوائص ذهب، ليخلع ذلك عليهم.
وأما عطاؤه العُربان فأمر مشهور زائد عن الحد، وكان راتب مطبخه ورواتب الأمراء الكبار والكتاب الذين هم على مطبخه في كل يوم بالمصري ستة وثلاثين ألف رطل لحماً، وأما النفقات في العمائر فكان الرواتب لها في كل يوم شيئاً كثيراً، أظنه في كل يوم ألفي درهم، غير ما يطرأ مما يستدعي به. وبالغ في مشترى الخيول بالأثمان العظيمة، فاشترى بنت الكردا بمئتي ألف درهم، وبالغ أخيراً في مشترى الماليك فاشترى الأمير سيف الدين صرغتمش بخمسة وثمانين ألف درهم غير تشريف أستاذه، وغير ما كتب له من المسامحة. وأما العشرة والعشرون والثلاثون ألفاً فكثير، وغلا الجوهر في
стр. 2927
أيامه واللؤلؤ وما رأى الناس مثل سعادة ملكه ومسالمة الأيام له وسكون الأعادي من بعد شقحب والى أن مات لم يتحرك عليه عدو في البر ولا في البحر.
وخلّف من الأولاد جماعة، منهم البنون والبنات، فأما البنون: فمات له ولده علاء الدين علي بعد حضوره من الكرك في المرة الأخيرة، ومنهم الناصر أحمد وقتل بالكرك، وابراهيم وتوفي أميراً في حياة أبيه، والمنصور أبو بكر وقُتل في قوص بعدما خلع، والأشرف كجك وقتله أخوه الكامل شعبان والله أعلم. وآنوك وهو ابن الخوندة طغاي، مات في حياة أبيه، ولم يكن في الأتراك أحسن شكلاً منه، والصالح إسماعيل وتوفي بعد ملكه مصر والشام ثلاثة أعوام، والكامل شعبان وخلع وقُتل، والمظفر حاجي وخلع وقتل، ويوسف ورمضان، وتوفيا في حياة أخيهما الصالح إسماعيل، والناصر حسن وخُلع أولاً ثم أعيد ثانياً ثم خُلع وقُتل في سنة اثنتين وستين وسبع مئة، والصالح صالح وخُلع، وحسين.
نوابه بمصر جماعة، وهم: زين الدين كتبغا العادل، والأمير سيف الدين سلار، الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، الأمير سيف الدين أرغون الدوادار مملوكه، ولم يكن له بعده نائب.
نوابه بدمشق: الأمير عز الدين أيبك الحموي، الأمير جمال الدين آقوش الأفرم، الأمير شمس الدين قراسنقر، الأمير سيف الدين كراي، الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك الأشرفي، الأمير سيف الدين تنكز، الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب.
وزراؤه من أرباب السيوف والأقلام:
стр. 2928
الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، الصاحب تاج الدين بن حنا، الصاحب فخر الدين بن الخليلي مرتين، الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، الأمير سيف الدين البغدادي، الأمير ناصر الدين الشيخي، أيبك الأشقر وسمي المدبر، ابن عطايا، القاضي ضياء الدين بن النشّائي ابن التركماني وسمي مدبراً، الصاحب أمين الدين، أمين الملك ثلاث مرات، الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، ولم يكن له بعده وزير.
قضاة الشافعية بمصر: الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، القاضي بدر الدين بن جماعة ثلاث مرات، القاضي جلال الدين القزويني، القاضي عز الدين بن جماعة.
قضاة الشافعية بدمشق: القاضي إمام الدين القزويني، القاضي بدر الدين بن جماعة مرتين، القاضي ابن صصرى، القاضي جمال الدين الزرعي، القاضي جلال الدين القزويني مرتين، الشيخ علاء الدين القونوي، القاضي علم الدين الأخنائي، القاضي جمال الدين بن جملة، القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله، القاضي تقي الدين السّبكي.
كُتّاب سرّه بمصر: القاضي شرف الدين بن فضل الله، القاضي علاء الدين بن الأثير، القاضي محيي الدين بن فضل الله، القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، القاضي محيي الدين بن فضل الله، القاضي علاء الدين بن فضل الله.
كتّاب سره بدمشق: القاضي محيي الدين بن فضل الله، أخوه القاضي شرف الدين بن فضل الله،
стр. 2929
القاضي شهاب الدين محمود، ولده القاضي شمس الدين محمد، القاضي محيي الدين بن فضل الله، القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، القاضي جمال الدين بن الأثير، القاضي علم الدين بن القطب، القاضي شهاب الدّين يحيى بن القيسراني، القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله.
دواداريّته: الأمير عز الدين أيدمر مملوكه، الأمير بهاء الدين أرسلان، الأمير سيف الدين ألجاي مملوكه، الأمير صلاح الدين يوسف بن أسعد، الأمير سيف الدين بغا، ولم يؤمَّر طبلخاناه، الأمير سيف الدين طاجار الدوادار المارداني.
نُظّار جيشه بمصر: القاضي بهاء الدين بن الحلّي، القاضي فخر الدين، مرتين، القاضي قطب الدين بن شيخ السلاميّة، القاضي شمس الدين موسى بن التاج إسحاق، القاضي مَكين الدين بن قروينة، القاضي جمال الدين جمال الكفاة.
نظار خاصّه، هذه وظيفة أحدثها القاضي كريم الدين الكبير: القاضي تاج الدين إسحاق، القاضي شمس الدين ولده، القاضي شرف الدين النشو، القاضي جمال الدين جمال الكُفاة.
الذين درَجوا بالوفاة في أيامه من الخلفاء: الحاكم بالله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد، ولده المستكفي بالله أبو الربيع سليمان.
стр. 2930
ومن الملوك:
كيختو بن هولاكو، المستنصر بالله محيي الدين بن عبد الواحد صاحب إفريقية، المظفّر يوسف صاحب اليمن، السعيد إيلغازي صاحب ماردين، المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة، المنصور حسام الدين لاجين، أبو عبد الله بن الأحمر محمد بن محمد بن يوسف صاحب الأندلس، أبو نميّ صاحب مكة، العادل زين الدين كتبغا المنصوري، غازان محمود بن أرغون ملك التتار، أبو يعقوب المريني صاحب الغرب، المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، أبو عصيدة صاحب تونس، المنصور غازي صاحب ماردين، طقطاي صاحب القبجاق، دوباج صاحب جيلان، علاء الدين محمود صاحب الهند، خربندا بن أرغون ملك التتار، دون بطرو الفرنجي، حميضة صاحب مكة، المؤيّد داود صاحب اليمن، ابن الأحمر أبو الجيوش نصر بن محمد اللحياني صاحب تونس، منصور بن جمّاز صاحب المدينة، الغالب بالله إسماعيل صاحب الأندلس، أبو سعيد عثمان صاحب فاس وغيرها، المؤيَّد صاحب حماة، ابن الأحمر محمّد بن أبي الوليد صاحب الأندلس، ترْمشين صاحب بلخ وسمرقند وبخارى ومرو، بوسعيد ملك التتار، أربكوون ملك التتار، صاحب تلمسان عبد الرحمن أبو تاشفين، موسى ملك التتار، مهنا بن عيسى.
ولما كنتُ بالقاهرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة قال لي الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك رحمه الله تعالى: لو نظمت أبياتاً مديحاً في السلطان لقدمتُها أنا من يدي، وكان يحصل لك ما تريده، فنظمت أبياتاً، وكتبتها بالذهب وزمّكتها، وتوفي الأمير شرف الدين رحمه الله تعالى وما اتفق وصولها، وهي:
стр. 2931
بعزّ نصرك أضحى الدهرُ يبتسمُ ... وعن رعاياكَ ولّى الظلم والظُلَمُ
يا ناصر الدين والدنيا ويا ملكاً ... ذلّت لعزته في أرضها الأمم
أصبحت سلطان أهل الأرض قاطبة ... سارت بأنبائك الوخّاذة الرُسُم
تخاف بأسَك أملاك الأنام فما ... تسعى لهم في سوى طاعاتك القدم
يبادرون الى ما كُنت تأمرهم ... كأنهم عندما تختاره خدم
متى يخف ملك منهم فليس له ... إلا ظلالك في هذا الورى حرم
فالأُسدُ تخشاكَ في سرٍ وفي علن ... فليس يعصمها غابٌ ولا أجم
تغزو سراياك أملاك البلاد فما ... يحمي العِدا منهم قاعٌ ولا أكم
ويبلغون الأماني من عدوّهم ... لأنهم باسمك المنصور قد قدموا
فإن تصُل في جيوش الكُفر وغًى ... وأبحُر الحرب بالأبطال تزدحم
تفرّج الضيقَ في يوم الكريهة إذ ... أضحت سيوفكَ من أغمادها القمم
وما هباتك في يوم النّوال ندًى ... لكنها سحبٌ تهمي وتنسجم
تجود بالصدقات الوافرات فكمْ ... أحيت عطاياك من أودى به العدم
وفضل حلمك مشهورٌ لطالبه ... ونفحةُ المِسك فينا كيف تنكتم
مناقبُ شرفتْ قدراً فقد رجعت ... درّاً على جهة الأيام تنتظم
فالله يجعل هذا الملك متّصلاً ... بالسّعد ما ابتسمت عن صُبحها الظلَمُ
ولا برحْتَ على الأعداء منتصراً ... مؤيّداً ما جرى في مهرَق قلمُ
стр. 2932
محمد بن كجكن
الأمير شمس الدين ابن الأمير الكبير سيف الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، تقدم ذكر والده في مكانه.
كان الأمير ناصر الدين أمير شكار السّلطنة بدمشق يربّي الغزلان وغيرها، وله حوش في بلاد حوران، وفي كل سنة يجهز من ذلك تقدمة الى باب السّلطان، ويُحضَر له من مصر تشريف يجهزه الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام الى ولاية الولاة بعد الأمير سيف الدين ساطلمش الجلالي، وذلك في أواخر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة أو أوائلها، فأقام بها مدة الى أن طلب الإقالة من الأمير علاء الدين أمير علي المارديني نائب الشام، فأعفاه منها في أوائل قدومه سة أربع وخمسين وسبع مئة، ثم إنه ولاّه نيابة حمص فتوجّه إليها بعد وفاة الأمير سيف الدين تلك في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
ولم يزل بها مُقيماً الى أن توفي رحمه الله تعالى في العشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس وخمسين وسبع مئة وهو من أبناء الستين، ونقل تابوته من حمص الى دمشق ودُفن بتربة والده بالصالحية.
وكان وقوراً محتشماً يخدم الناس ويرعاهم ويعرف حقوقهم.
стр. 2933
محمد بن كشتغدي
الأمير ناصر الدين العزّي المصري الصّيرفي.
سمع من النجيب والمُعين الدمشقي.
أجاز لي بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وستين وست مئة.
محمد بن كوندك
ناصر الدين دوادار الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام رحمه الله تعالى.
ما رأى الناس مثله دواداراً، ولا بلغ عظمته في أيامه كسرى ولا داراً. بلغ الغاية القصوى من الوجاهة، وتفرّد مع ذلك بالعفّة عن أموال الرّعايا والنزاهة، يتطفل نواب الشام على مكاتباته، ويفرحون إذا ظفروا بما يرد عليهم من جواباته، لأنه كان قد تمكن من أستاذه، وملك أمره باشتماله عليه واستحواذه، لا يقدر أحد من القضاة ولا الحاجب ولا أرباب المباشرات من المتولي والصاحب، ولا ناظر الجيوش ولا كاتب الأسرار، ولا مَن له حديث في هذه الدولة من الأخيار والأشرار أن ينفرد بأمر في عزل ولا ولاية ولا حكم ولا عناية دون أن يكون ذلك بأمره، أو موافقاً لما في
стр. 2934
باطنه وسرّه. فمشت الأمور وأصلح الجمهور، وساس فأحسن السياسة. وبالغ في العظمة والرياسة، وكأن الأمر مردود الى أمره، وأمره ليس له ردٌ.
وكان في وقت يوقّع على القصص ويتجرّع الموقعون وغيرهم من ذلك الغُصَص، ودام على ذلك مدة مديدة. ثم بطل ذلك ولا فُلَّ حدّه ولا نقص عديده، الى أن أولع به حمزة التركماني فخرّب دياره، ونقّص عياره، ونفض غباره، وكسف بدره التّمام، ونكّس قامة غصنه حتى ناح عليه الحمام، فتغيّر عليه أستاذه تغيّراً شديداً، وحوّل عنه رأياً كان فيه رشيداً، فضربه بين يديه بالسّياط، ولم يعمل فيه بالاحتياط، وأخذ منه جُملة من الدّنانير، ورُدّ بعد تلك المنعة والقوة يتجشّأ بين التنانير. فأصبح تحت الثّرى بعد أن كان على الثّريا، وولاه الزمان قفاه بعدما كان قابله بالمحيّا. فذلّ من بعد تلك العزة، وسلبه الدهر ما قلّده وبزّه، وراح بعد علو المرتبة، وهو من ذوي المرتبة:
وكم حالم سرّه حِلمُهُ ... وأدركه الروع لمّا انتبه
ولم يزل على الحال المذكور الى أن استجنّ ضريحه، وأسمعه الفناء صريخه، وعلّم منه ضريحه.
стр. 2935
وتوفي رحمه الله تعالى في عشري شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وسبع مئة.
وكان قد ورد مع أستاذه من مصر هو وناصر الدين الخزندار، وضبطا بابه على أحسن ما يكون. أما هذا ناصر الدين فكان أمره خارجاً عن الحدّ، وكان عنده خبرة ومعرفة وتنفيذ للمهمات وما يتعلّق بالدولة والمباشرات والوظائف وغيرها.
عرف خُلُق أستاذه ومشى عليه، فلم يكن يجتمع على أحد في بيته إلا بأناس قلائل من الصوفية وغيرهم، ولا يعرف أحد بابه ولا يقربُه، فإن كان له شغل اجتمع به في دار السعادة، ولم يُشبع أحداً منه كلاماً، وأنشأ جماعة من الأمراء والقضاة والكتّاب والدواوين والأجناد وغيرهم من سائر الطوائف، ولم يأخذ على أحد من ذلك شيئاً. ولما غضب عليه أستاذه ضربه قدّامه بالمقارع، وأخذ منه للسلطان ثمانية عشر ألف دينار، وأخذ منه لنفسه مثلها وأكثر منها، وباع موجوده وغالب أملاكه، ومع ذلك لم يشكُ أحد عليه، ولا قال أحد إنه أخذ منه درهماً فما زاد عليه.
ولما أُُفرج عنه كان يُلزمه بالركوب والنزول في أيام المواكب، وكان يقول: قصدي بذلك حتى يرى مكانه وما كان فيه من العظمة أولاً وكيف أصبح الآن، ثم إنه جهّزه الى القدس فأقام هناك مدّة، ثم إنه أحضره الى دمشق. ولم يزل غضباناً عليه من سنة أربع وثلاثين الى أواخر سنة أربعين وسبع مئة، فأحضره ورضي عليه وخلع
стр. 2936
عليه، وكان يركب معه في غير المواكب ويُسايره ويحادثه. ولم نرَ هذا الحال حصل لغيره، لأنه ما غضب على أحد قطّ ورضي عنه، وكان هذا الحال في حق الدّوادار مضرّاً له، لأن السلطان لما أمسك الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى شمل غضبه كلَّ من كان من جهته، واستخدم كل من كان بطالاً، وقد غضب عليه فناله بهذا أذًى، وأراد السلطان أن يعطيه إمرة عشرة فلم يقبل خوفاً من أستاذه.
وكان يتوجه في كل سنة مرتين أو ثلاثاً على قدر ما يتفق له الى باب السلطان في البريد، فيعامله السلطان بالإكرام الزائد والتعظيم.
وكان بيده في حلقة الشام إقطاع يعمل أربعين ألف درهم، وأربعة إقطاعات أو خمسة جياد بأيدي أولاده ومماليكه، وكان له على أستاذه مرتب خبز ولحم وعليق، ويعطيه وينعم عليه في كل قليل، فأقام على هذا الحال من سنة اثنتي عشرة وسبع مئة الى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وكل ماله في عظمة ووجاهة، وكان إذا توجّه الى مصر وعاد يتعذر على الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري وأمثاله السّلام عليه في بيته، بل يقفون له في الطريق إذا توجّه الى دار السعادة ويسلّمون عليه.
وعلى الجُملة ما رأيت أنا ولا غيري عظمةً نالها هذا ناصر الدين في دواداريته لا من قبله ولا من بعده، وبعد هذا كنت أراه يشتري اللحم ويربطه خلفه على الفرس ويتوجّه به الى بيته، فما كنت أقضّي العجب من أمره، سبحان من بيده تصاريف الأمور لا إله إلا هو، وكنتُ أرى ذلك لأنه غير بارٍ بأبيه، وكان يُؤثر إيحاش الأكابر ويشتهي إذلالَهم.
стр. 2937
محمد بن ليث العِدى
الحاج شمس الدين ابن الحاج زين الدين التاجر بمدينة سيدنا الخليل ﵇.
توفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في الطاعون، ووصّى بأن يُصرف من تركته لعمارة مكة وحرم النبي ﷺ وحرم القدس وحرم الخليل ﵇، لكل مكان منها مبلغ ثماني مئة دينار، فقال له شهابُ الدين أبو العباس أحمد خطيب الحرم: إن هذه الوصية إنما تنفذ من الثلث. فقال: أعرف ذلك، فإن النبي ﷺ قال لسعد: الثّلث، والثلث كثير، وثلث مالي يزيد على ذلك، وكُتب محضر، وجهز الى دمشق في أيام أرغون شاه.
محمد بن مجاهد بن أبي الفوارس
القاضي الصدر الكبير بدر الدين النابلسي.
لبس خلعة نظر الدواوين شريكاً للشريف أمين الدين بن عدنان في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وأقام على ذلك الى أن تولّى الصاحب شمس الدين غبريال نظر الدواوين عوضاً عن ابن أبي الفوارس وعن الشريف أمين الدين في سادس عشر المحرّم سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى ثاني عشر شوال سنة تسع عشرة وسبع مئة.
стр. 2938
ولما عزل من نظر الدواوين بدمشق بقي بطّالاً خاملاً الى أن مات رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن أحمد بن علي
ابن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن الميمون.
الشيخ الإمام أمين الدين أبو المعالي ابن الشيخ قطب الدين أبي بكر بن القسطلاني المكي، شيخ الحديث بالحرم.
كان من بيت صلاح وله فضيلة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه أحاديث من الثقفيات عن ابن الجمّيزي وهو مريض بالإسهال، ولم يمكنه حضور الموقف، واستمرّ مرضه بعدما رحلنا أياماً.
ومات في مستهل المحرم سنة أربع وسبع مئة.
محمد بن محمد بن بهرام
العالم العلامة قاضي القضاة بحلب وخطيبها، شمس الدين أبو عبد الله الشافعي الدمشقي.
وليها مدة طويلة، وكان قد تفقّه بمصر على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وبرع في المذهب وتصدّر، وتخرّج به الأصحاب.
стр. 2939
وكان محمود الأحكام على ضيق خلقه، وكان يخالف قراسنقر نائب حلب كثيراً في أغراضه، وعُزل بالقاضي زين الدين ابن قاضي الخليل، وقد تقدم ذكره.
وتوفي القاضي شمس الدين في العشر الأول من جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة ظناً.
ولما عُزل عن قضاء حلب ولي الخطابة بها وبقي مدة مفتي البلد وشيخ الجماعة والناس يقرؤون عليه الفقه والأصول. وتولّى خطابة حلب بعده بدر الدين بن الحدّاد.
محمد بن محمد بن الحسين
ابن أحمد بن علي بن محمد الخطيب جمال الدين بن تقي الدين أبي الطاهر بن مجد الدين أبي علي ابن الشيخ تاج الدين أبي الحسن بن القسطلاني، إمام جامع مصر وخطيب القلعة.
سمع من ابن خطيب المزّة، وصحب الشيخ المرجاني وحجّ معه ولازمه وانتفع به، وخطب بجامع مصر مدة. ولما نُقل الى خطابة القلعة خطب مكانه أخوه تاج الدين بجامع مصر.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة تقريباً.
стр. 2940
قال شيخنا علم الدين البرزالي: ووالد جمال الدين المذكور سبط الشيخ مجد الدين الإخميمي خطيب مصر.
محمد بن محمد بن علي
ابن محمد بن سليم، الصاحب تاج الدين أبو عبد الله ابن الصاحب فخر الدين ابن الوزير بهاء الدين ابن حنا.
سمع من سبط السّلفي جزء الذهلي، ومن الشرف المُرسي. وبدمشق من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر، وحدّث بدمشق وبمصر.
رأى من العز والوجاهة ما لا رآه جدّه، وساعده على الرئاسة حظه وجدّه.
كان ذا تصوّن ورياسة وسيادة، وتفنن في المكارم بلغ من العلياء ما أراده، وانتهت إليه رياسة مصره في عصره، وسيادة دهره في سرّه وجهره.
وكان شكله حسناً، وبزّته إذا رآها الناظر لم يذق معها وسنا، لأنه تفنن في مطعمه وملبسه، ومركوبه ومجلسه، وراحة قلبه وبدنه، وسكنه ومسكنه، مع كثرة صدقاته على الفقراء. ومبراته للأمراء، وتواضعه الذي ملك به قلوب الأصاغر والعظماء.
وزاده زينة والبدر أحسن ما تراه في طرف السّماء، وعزم تلاه الحزم، ولم يدخل عليه من العوامل إذا ذوات الجزم.
стр. 2941
مستبدّ بهمةٍ جعلته ... في علوّ المرمي شريك النّجومِ
وخلال لو استردّت إليها ... مثلُها ما وجدْتها في الغيوم
وكان ممدّحاً معظّماً، يختار الشعراء لأمداحه الدرّ الكبار منظّماً.
وولي الوزارة مرتين، وتجمّلت به كرّتين. ثم إن الوزراء بعده كانوا له غلماناً، ولأوامره كفلاء وضمّاناً.
ولم يزل على حاله الى أن سكن ابن حنّا زوايا ضريحه، وخرج فقده من معمّاه الى صريحه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت خامس جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مئة.
ومولده في يوم الخميس سابع شعبان سنة أربعين وستّ مئة.
وهو الذي اشترى الآثار النبوية على ما قيل بمبلغ ستين ألف درهم، وجعلها في مكانه بالمعشوق، وهو المكان المنسوب إليه بمصر، وقد زرت هذه الآثار ورأيتها مرتين، وهي قطعة من العنزة ومِرْوَد ومِخْصَف وملقط وقطعة من القصعة، وكحّلت ناظري برؤيتها، وقلت أنا:
أكرِم بآثار النبيّ محمدٍ ... من زارها استوفى السعودَ مزارُهُ
يا عين دونَكِ فالحظي وتمتّعي ... إن لم تَريه فهذه آثارُه
وحكى لي الإمام العلامة شيخنا شهاب الدين أبو الثّناء محمود وغير واحد أن الصاحب فخر الدين بن الخليلي لما لبس تشريف الوزارة وتوجّه الى القلعة بالخلعة
стр. 2942
الى عند الصاحب تاج الدين، وجلس بين يدين وقبّل يده، فأراد الصاحب تاج الدين أن يُجبره ويعظّم قدره، فالتفت الى بعض غلمانه الواقفين أو عبيده وطلب منه توقيعاً بمرتب يختص بذلك الشخص، فأخذه وقال: مولانا يعلّم على هذا التوقيع، فأخذه وقبّله وعلّم عليه قدّامه.
وكان شيخنا الحافظ فتح الدين إذا حكى ذلك يقول: هذه الحالة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي.
ومن أحسن حركة اعتمدها ما حكاه لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: اجتزت بتربة فرأيت في داخلها مكتباً للأيتام، وهم يكتبون القرآن في ألواحهم، فإذا أرادوا مسحَها غسلوا الألواح وقلبوا الماء على قبره، فسألتُ عن ذلك فقيل لي: هذا شرطٌ في هذا الوقف، وهذا مقصدٌ حسن وعقيدة صحيحة.
وكان جدّه الصاحب بهاء الدين يؤثره على أولاده لصُلبه ويعظّمه عليهم. أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني قاضي القضاة جلال الدين القزويني رحمه الله تعالى، قال: وقفتُ على إقرار الصاحب بهاء الدين بأنه في ذمّته للصاحب تاج الدين ولأخيه مبلغ ستين ألف دينار مصرية.
ومن وجاهته وعظمته في النفوس أنه لما نُكب على يد الشجاعي جرّده من قماشه وضربه مقرعةً واحدةً من فوق قميصه، ولم يدعه الناس يصل الى أكثر من ذلك مع جبروت الشجاعي وعتوّه وتمكّنه من السلطان.
وكنان قد رُتّب في الوزارة بعد ابن السّلعوس وقتل الأشرف في أول دولة الناصر
стр. 2943
محمد بن المنصور وقتل الشجاعي، وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة الى أن عُزل بابن الخليلي فخر الدين في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وست مئة.
وكان الصاحب يتعاطى الفروسية ويحضر الغزوات ويتصيّد بالجوارح والجوامي، ولما قدم من غزوة حمص امتدحه الحكيم شمس الدين محمد بن دانيال وذلك في سنة ثمانين وست مئة، وأول القصيدة:
تذكّرت سُعدى أم أتاك خيالُها ... أم الريحُ قد هبّت إليك شمالُها
منها:
لقد أقبل الصّدر الوزيرُ محمّد ... فأقبلَتِ الدنيا وسُرَّ وصالُها
منها:
بغى أبغا لما تصرّع أهله ... بدار هَوانٍ قد عراهُم نكالُها
وألقوا عن الأفراس حيثُ رؤوسهم ... أكاليلُها فوق التّراب نعالُها
وكان لها تلك الذوائبُ في الثّرى ... شكالاً وثيقاً حين حلّ وثالُها
فأمْسَوا فراشاً والأسنّة شُرّعٌ ... ذِبالٌ الى أن أحرقتهُم ذبالُها
وأنشدني إجازة لنفسه شيخنا العلامة أبو الثناء يمدحه بقصيدة تزيد على الثمانين بيتاً أولها:
أعليَّ في ذكر الدّيار مَلامُ ... أم هل تذكُّرُها عليَّ حرامُ
أم هل أُذَمّ إذا ذكرتُ منازلاً ... فارَقْتُها ولها عليّ ذِمامُ
стр. 2944
دار الأحبة والهوى وشبيبة ... ذهبت وجيرانٌ عليّ كِرام
فارقتُهم فأرقْتُ من وجدي بهم ... أفَهَل لهم أو للكرى إلمام
كانوا حياتي وابتُليتُ بفقدهم ... فعلى الحياة تحيّةٌ وسلام
أشتاقُها شوقَ الغريب مزاره ... سَفهاً وإلا أين مني الشام
وتروقني خِدعُ المُنى منها وقد ... بعُدَ المدى وتمادت الأيام
وتلذّ لي سُنّة الكرى لا رغبةً ... في النوم بل لتعيدَها الأحلام
وتمثّل الأوهام لي أني بها ... ثاوٍ ولذّات الهوى أوهام
وكأن دمعَ تشوّفي وخيالَها ... دِمَنٌ ألمّ بها فقال سلام
منها:
وله بظلِّ محمد بن محمدٍ ... حرمٌ يُطاف بركنه ومقامُ
الصاحب المولى الوزيرُ ومن به ... بُعثتْ عِظام المجد وهي رمام
متفرّدٌ دون الورى بمناقبٍ ... أمسى لها بين النجوم مقامُ
خُلُق كنشر الروض حُلَّ لنوره ... بيد الصَّبا عند الصباح لثام
وبديهة أسرى وأسرعُ من سَنا ... برقٍ بَدا فكأنّها إلهامُ
من خاطر كالنار يجري ماؤه ... عذباً وهل تُجري المياهُ ضرام
من كل مغنى لو تمثّل جوهراً ... فرداً أقرّ له بها النظام
وشجاعة ما عامرٌ فيها له ... قدم ولا عمرٌو له إقدام
ثبْتَ الجِنان إذا الفوارسُ أحجمتْ ... خوفَ الرّدى لم يُثنه إحجام
وبكفّه في جحفلٍ أو محفل ... تُزجى الرِّماح السمرُ والأقلام
стр. 2945
وهذه قصيدة غرّاء طنانة، وقد أثبتها بكمالها في الجزء التاسع عشر من التذكرة التي لي.
وحكى لي عنه سيادةً كثيرة شاهدها منه، من ذلك أنه قال: دخلت يوماً إليه، فلقيني إنسان من الشعراء - نسيت أنا اسمه - ومعه قصيدة قد امتدحه بها، فقال: يا مولانا لي مدّة ولم يتفق لي إلى الصاحب وصول، فأخذتها منه ودخلت بها إليه وقلت: بالباب شاعرٌ وقد مدح مولانا، فقال: يدخل. فأعطاه القصيدة، ولم يمتنع من إسماعها كما يفعله بعض الناس، فلما فرغت أخذها منه، ووضعها الى جانبه، ولم يتكلم ولا أشار. فحضر خادم ومعه مبلغ مئتي درهم وتفصيلة، فدفعها لذلك الشاعر.
قلت: وهذه غاية في السيادة والرئاسة من سماعها وعدم قوله: أعطوه كذا، أو إشارة الى من يحضر فيشير إليه.
وقيل عنه: إنه كانت أحواله كلُّها كذا لا يشير بشيء ولا يتكلم به في بيته، وكل ما تدعو الحاجة إليه يقع على وفق المراد، وحكى لي أنه أضاف جدّه يوماً ووسّع فيه، فلما عاد الى بيته أخذ الناس يعجبون منه ومن همّته وكرم نفسه، فقال الصاحب بهاء الدين: ليس ما ذكرتموه بعجيب، لأن نفسه كريمة ومُكْنتُهُ متّسعة، والعجب العجب كونه طول هذا النهار وما حضر فيه من المأكول والمشروب والطعام والفاكهة والحلوى وغير ذلك على اختلاف أنواعه، ما قام من مكانه، ولا دعا خادماً فأسرّ إليه بشيء، ولا أشار بطرفه ولا بيده، ولم يجئ إليه أحد من خدمه ولا إشار إليه. وقيل: إن الناس تعجّبوا من كثرتهم وتشربهم الماء البارد في كيزان عامّة
следующие страницы →